جواد بشارةالكون المرئي ثورة جديدة في الفيزياء

تعتق نظرية الانفجار العظيم وتجاوز الزمن والعلم لها:

استخدم، وأكاد أقول استهلك، علماء العالم نموذج نظرية الانفجار العظيم، البغ بانغ Big Bang على مدى عقود طويلة استمرت لأكثر من قرن، لشرح أصل وتطور الكون المرئي. وبالرغم من صحة النموذج ومصداقية الكثير من خصائصه وهو معاصر وحديث بالمعايير العلمية، لكنه بات عجوزاً. فهو يعود لسنوات العشرينات من القرن العشرين المنصرم ووصف قدر الإمكان قصة الكون المرئي ونشأته وتطوره فهل نجح في ذلك تماماً؟ أ أنن بحاجة لنموذج آخر أو تحديث هذا النموذج وفقاً لآخر الاكتشافات والمشاهدات والتجارب والنظريات العلمية في مجال علم الكونيات الكوسمولوجيا؟

نجح العلماء في صياغة قصة عظيمة للكون عمرها 13.8 مليار سنة. فريدة من نوعها، أصلية، لم يسبق لها مثيل، استثنائية، خارقة للتصور، وأحدثت قطيعة مع كافة الحكايات والنصوص الكونية التقليدية، والمقصود بها قصص الخلق الأسطوري للكون والتي أسماها غاستون باشلارد "تأملات أسلافنا القدماء" بغية صياغة نموذج للكون باعتباره نظاماً فيزيائياً في مجال علم الفك، وكانوا بذلك يعتمدون على نظرية النسبية العامة لأينشتاين، التي صيغت في عام 1915. عندما اكتشفها الفيزيائي الروسي ألكسندر فريدمان في عام 1922، كان أول من أدرك حقيقة أن هذه النظرية تسمح بدراسة بنية الكون ككل. ومنذ العام 1922، ثم في عام 1924 ، وصف تطور الكون في الزمن والذي ينطوي ضمنا على وجود الفرادة الأولية أو الأساسية. توصل في عام 1927 إلى نفس النتيجة، الراهب والفلكي والفيزيائي البلجيكي جورج لوميتر الذي أعلن أن انحسار وابتعاد أو هروب السدم والمجرات الحلزونية التي لاحظها عالم الفلك الأمريكي إدوين هابل عام 1929 ما دعاه لاستنتاج فرضية توسع الكون. هذا التوسع ينطوي على بداية. لوصف ذلك، تخيل جورج لوميترLemaître في الثلاثينيات أن المادة والزمان قد ولدا من "ذرة" بدائية واحدة، وهو نموذج يبشر بالنظرية المعروفة الآن تحت اسم "الانفجار الكبير أو البغ بانغ"، وهو التعبير الذي أطلقه عليه فريد هويل ، في محطة بي بي سي، في عام 1949 تهكماً. كان هويل من المؤيدين لنموذج كون ثابت لن يكون له بداية ولا نهاية، وكان يعتقد أنه بهذه التسمية يسخر من نظرية منافسة من خلال صياغة تعبير أصبح "نجمًا" للمفردات الفلكية. يشير التعبير اليوم إلى نظرية مقبولة من الجميع، لأنها تشرح ثلاث سلاسل من الملاحظات المستقلة، وكلها لا جدال ولا اعتراض عليها: أولاً، يبدو أن المجرات البعيدة تبتعد بسرعة أكبر عن الراصد كلما كانت أبعد: في بدايته، كان الكون أكثر كثافة وسخونة، مثل غاز يسخن عند ضغطه. ثم، في كل مكان في الكون، توجد نفس نسبة الهيليوم (8٪ من عدد ذرات هذا العنصر)، مما يعني أن الكون قد مر بمرحلة تكون فيها الكثافة ودرجة الحرارة عالية ومرتفعة بدرجة كافية للسماح بتوليف هذا العنصر. وأخيرًا، يشهد الإشعاع الخلفي الأحفوري الميكروي المنتشر المكتشف في نطاق الموجات المكروية كشاهد على المرحلة الكثيفة والساخنة التي مر بها الكون في بدايته. مبنية على هذه الركائز الثلاث، تفترض نظرية الانفجار الكبير أيضًا فرضيتين: عالمية أو شمولية قوانين الفيزياء، وحقيقة أن الكون متجانس (بكثافة متساوية) وعلى مستوى واسع جدًا (هو ليس له مركز). وهكذا، تنشأ نظرية الانفجار الكبير من اللقاء بين نظريتين فيزيائيتين: النسبية العامة (آينشتاين) وتمدد الكون (فريدمان / لوميتر / غامو / هابل): لنعرض بالمعكوس " فيلم "عن تمدد الكون مع معادلات أينشتاين في النسبية العامة، وكلما توغلنا في الماضي، كلما تناقصت أبعاد الكون المرئي، زادت درجة الحرارة، وزادت كثافة زيادة المادة. عندما نحل المعادلات إلى أقصى حد ممكن على المستوى النظري، نصل إلى عالم نقطة ponctuel وبالتالي من حجم صفر، وبالتالي فرادة ترتبط به درجة حرارة لا نهائية، وكثافة لا نهائية وحجم صفري: "الانفجار الكبير" (التفرد الأولي أو الفرادة الأولية الأساسية). هذا نموذج من الخمسينيات، عندما ظهر علم الكونيات العلمي بعد اكتشاف النسبية العامة لأينشتاين، مما جعل من الممكن اعتبار الكون كجسم مادي حقيقي - لأول مرة - مع خصائص عالمية (انحناء الزمكان). لكن هذا الاستقراء النظري الذي يقوم فقط على معادلات النسبية العامة، يأخذ في الاعتبار الجاذبية أو الثقالة فقط وليس التفاعلات والقوى الأساسية الجوهرية الثلاثة الأخرى. ثم يكون الحساب صحيحًا رياضياتيًا، لكنه خاطئ ماديًا لأنه يؤدي إلى الفرادة دون وصف حركات الجسيمات عالية الطاقة (لأنه يتجاهل القوى الثلاث الأخرى). الزمن الذي تصبح فيه معادلات أينشتاين خاطئة مادياً ومعطلة يسمى "جدار بلانك". يتوافق جدار بلانك، في تاريخ الكون، مع اللحظة الأصلية لتشابك ظواهر الكموم والجاذبية. لتجاوزه (نظريًا)، نحتاج إلى شكليات موحدة قادرة على دمج كل من ميكانيكا الكموم أو الكوانتوم والنسبية العامة، وهو ما ينقصنا حاليًا، لأن الشكلين يعتمدان على مبادئ متناقضة (الاختلاف في هندسة الزمكان من نموذج لآخر). هل استوعبنا المشكلة؟ إن نظرية الانفجار العظيم التي تصف تاريخ الكون في عملية توسعه التدريجي صحيحة تمامًا.. حتى نقطة معينة في تاريخ الكون. ومع ذلك، فإن نموذج الانفجار العظيم يتنبأ بوجود لحظة صفرية عندما يكون للكون درجة حرارة وكثافة لا نهائية، قبل جدار بلانك. بالإضافة إلى ذلك، فإن جميع النماذج النظرية المعاصرة المستخدمة على نحو تجريدي، تعمل لمحاولة التغلب على جدار بلانك (نظرية الأوتار الفائقة، الجاذبية الكمومية الحلقية أو العروية، نظرية الفراغ الكمومي، نظرية الكون المتعدد أو تعدد الأكوان أو الأكوان الموازية، علم الأكوان_ الأغشية أو البرانات الكونيات، وكلها تشترك في شيء واحد: إبطال فكرة التفرد أو الفرادة الأولية. بعبارة أخرى، وفقًا لكل هذه النماذج، لم تكن درجة الحرارة في الكون أبدًا لانهائية، الأمر الذي يتعارض مع الوجود الافتراضي للانفجار العظيم الذي يعتقد أنه " اللحظة 0 ". وبعبارة أخرى، ليس لدينا دليل علمي على أن الكون له أصل، وليس لدينا دليل على أنه ليس له أصل. هذا السؤال المطروح باستمرار على أنه مغلق هو في الواقع مفتوح. لكن بما أننا في ثقافة تعزز أن للكون المرئي أصلًا وبداية، كان هناك اندماج بين توهج اللاهوتيين اللاذعين والانفجار الكبير للفيزيائيين ("ما بعد الانفجار الكبير لك، وما قبل الانفجار الكبير لنا"، كما قال البابا جون بول الثاني لستيفن هوكينغ).

 جدار بلانك :

يوجد في الفيزياء ما أصطلح على تسميته بالثوابت الكونية constantes universelles التي تنظم القوانين الأساسية، وبالتالي النظريات. من بينها: ثابت نيوتن للجاذبية (G)، سرعة أينشتاين للضوء (c)، ثابت بلانك (h). يتوافق جدار بلانك مع لحظة تداخل الظواهر الكوانتية أو الكمومية مع والجاذبية أو الثقالة. لذلك يجب أن يتضمن وصفها هذه الثوابت الأساسية والجوهرية الثلاثة.

في الكون المبكر، لم يكن هناك سوى الجسيمات الأولية فقط (الكواركات والنيوترينوات والفوتونات إلخ) مسجونة في حيز ذو حجم صغير، لكنه يتمتع بطاقة عالية جدًا وتتفاعل مع بعضها البعض. وبالتالي، فقد شكلت المحتوى المادي للكون بالكامل، ومع توسع الكون وتبريده، فقد جزءًا متزايدًا من طاقتها وانخفاض درجة هيجانها تدريجيا. عندما تصل درجة الحرارة إلى قيمة منخفضة بما فيه الكفاية، فإن الكواركات، الحساسة للتفاعل النووي الشديد أو القوي، باتت قادرة على الاندماج لتكوين أنواع كثيرة من الجسيمات المركبة (الهدرونات) التي صنفها الفيزيائيون. في هذا الوقت، اجتمعت التفاعلات الكهرومغناطيسية والتفاعلات النووية الضعيفة، رغم اختلافها الشديد عن بعضها البعض، لتشكيل القوة الكهروضعيفة، والتي انقسمت بسرعة إلى قوتين مختلفتين. يشير "جدار بلانك" إلى مرور الفترة في تاريخ الكون التي كانت خلالها التفاعلات الأساسية الأربعة موحدة ومطبقة في نفس الوقت، وبالتالي في نفس الشكلية. كما أنه يشير إلى اللحظة التي تتوقف فيها معادلاتنا والتناقض بين الشكلين الفيزيائيين الفلكيين العظيمين (النسبية العامة والفيزياء الكمومية). العلم قادر حاليًا على وصف تاريخ الكون الذي يفصلنا عن جدار بلانك الذي دام 13.78 مليار سنة. العلماء دقيقون للغاية من اللحظة التي قام فيها التمدد بتبريد الجسيمات بما فيه الكفاية بحيث تكون طاقتهم من طاقة البعوض أثناء الطيران (السرعة القصوى التي يمكن استنساخها مع LHC مصادم ومسرع الجسيمات في سيرن). من الطاقة التي طورتها البعوضة أثناء الطيران إلى تلك التي طورتها القطارات السريعة TGV بأقصى سرعة (تقابل بضعة أجزاء من الثانية مما يتيح الوصول إلى جدار بلانك)، لا يمتلك العلماء حاليًا قياسات تجريبية دقيقة.. لذلك، فإنهم ملزمون بالرضا عن النماذج النظرية والأفكار والنظريات الفيزيائية، للتظاهر بتصور هذه المرحلة. ولكن في الجزء العلوي من جدار بلانك نفسه، لا يمكن قول أي شيء.. لذلك من السخف الحديث عن فرادة مبدئية، أو أصل للكون أو لحظة O. القوانين المعروفة في الفيزياء تتوقف عن العمل أمام جدار بلانك. نشك ببساطة في بأن مفاهيم الزمن والمكان لم يعد لها معنى. قبل تحليل النظريات

الكمومية أو الكوانتية، دعنا نعود للحظة إلى النسبية العامة وحدودها: وصف أينشتاين التركيب المنحنى للزمكان في النطاق الماكروسكوبي  بواسطة النسبية العامة ولكن لا تسطيع أية نظرية وصف بنية الزمكان في المستوى أو النطاق المكروسكوبي لأن ذلك يتطلب نظرية موحدة، تسمى "نظرية كل شيء" ، أي تصف  القوى الجوهرية الأربعة في الكون البدئي. فجدار بلانك يمثل اللحظة الذي لم تعد فيه فيزياء آينشتاين صالحة، لأنح وحسب النسبية العامة، إن التفاعل الثقالي هو الذي يخلق الزمكان. ولكن في هذا النموذج، لم تعد الجاذبية قوة تمارس في الكون، ولكن الخاصية الهندسية للزمكان نفسه، هي التي تولد انحناءه). ومع ذلك، فإن الجاذبية هي في الواقع القوة الضخمة واسعة النطاق بين القوى الأساسية الأربع العاملة في الكون، لكنها ليست الوحيدة. وبالعكس، هي أيضًا القوة الأقل فعالية على المستوى الذري وما دون الذري. 

لذا فإن النسبية العامة هي نظرية تحمل اسمها السيئ، فهي نسبية وليست كلية شمولية، لأنها خاصة بالجاذبية أو الثقالة، وبالتالي فهي ليست عامة. للعودة إلى الفرادة الأولية أو الأساسية (الانفجار الكبير)، من الضروري أن نأخذ في الاعتبار أن الكون، بالإضافة إلى الجاذبية، يواجه ظروفًا فيزيائية تتوافق مع المواقف التي يكون فيها للجسيمات طاقة أكثر بكثير من الكون الحالي و يخضع كل شيء لقوى التفاعل في نفس الوقت. من أجل وصف الكون البدائي، من الضروري تطوير نظرية قادرة على وصف قوى التفاعل الأساسية الأربعة في وقت واحد. الآن، كما فهمت، يتم وصف الجاذبية في الوقت الحالي فقط على المقياس الماكروسكوبي من خلال معادلات النسبية العامة لـآينشتاين، وهي شكلية معينة تأخذ فقط في الاعتبار الجاذبية كجسم مادي بينما يتم وصف القوى الأساسية الثلاثة الأخرى فقط، على نطاق مجهري أو مادون مجهري، بواسطة فيزياء الكموم أو الكوانتوم (بتعبير أدق، نظرية المجالات أو الحقول théories des champs) التي تقوم على شكليات أخرى. وبتعبير آخر، يحاول علماء الفيزياء الفلكية الجمع بين النسبية العامة (التي تصف الللامتناهي في الكبر ، وبالتالي الكون على نطاق ماكروسكوبي) مع فيزياء الكموم أو الكوانتوم (التي تصف التفاعل النووي الضعيف والتفاعل النووي القوي والكهرومغناطيسية مجتمعة في النطاق الميكروسكوبي أو اللامتناهي في الصغر. ومع ذلك، تستند فيزياء الكموم على مباديء متناقضة مقارنة بالنسبية العامة، لأن النموذجين لا يعتمدان على نفس الزمكان! مثلا في فيزياء الكموم، الزمكان جامد ومسطح (بدون انحناءات) وغير منفصل تمامًا عن المادة التي يحتوي عليها. إنه أيضًا الزمكان في النسبية الخاصة، أي زمكان بوانكاريه_مينكوفسكي Poinca -Minkowski. الذي هو مختلفة تمامًا عن الزمكان في النسبية العامة التي تتسم بالمرونة والديناميكية، وتعترف بالانحناءات في الزمكان عن طريق الجاذبية أو الثقالة وتتفاعل بشكل مستمر مع المادة والطاقة الموجودة في داخله. لعبور "جدار بلانك"، يجب أن نتفق على الزمكان الذي نختاره لتوحيد القوى الأربع، لأنه لا يمكننا الاعتماد على مكانين مختلفين (مسطح / منحنى) في نفس الوقت. ومع ذلك، فشلت جميع المحاولات لتوحيد الشكليات. الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذين الشكلين، على اختلافهما، قد تم تأكيدهما تجريبيا. تم تأكيد النموذج القياسي المعياري  لفيزياء الكموم في عام 2012 مع اكتشاف بوزونات هيغز Higgs Boson ، وتم تأكيد النسبية العامة مرة أخرى في عام 2016 مع اكتشاف موجات الجاذبية. باختصار، النموذجان فعالان بشكل كبير وصالحان، ومع ذلك غير متوافقين!

مسارات الكم:

من الواضح أننا نحاول مع ذلك عبور "جدار بلانك "من الناحية النظرية. في الوقت الحاضر فإن النهج الأكثر شيوعًا هو نظرية الأوتار الفائقة. تم وضع أسسها النظرية الأولى في السبعينيات من قبل غابرييل فينيزيانو Gabriel Veneziano، وجويل شيرك Joel Scherk، وبرنارد جوليا Bernard Julia، وجون شوارز John Schwarz، ومايكل غرينMichael Green. تستبدل النظرية جميع الجسيمات التي نعرفها بجسم واحد ممتد، الوتر الفائق، الذي يهتز في زمكان مع 6 أو 7 أو 22 بعدًا أكثر من الزمكان العادي. في الواقع، في السبعينيات، تم إثبات أنه لا يمكن للمرء أن يأمل في توحيد الجاذبية والقوى الأساسية الثلاثة الأخرى في الزمكان رباعي الأبعاد. هذا هو السبب في أننا نستخدم اليوم نماذج تقبل أبعادًا أكثر. سيتم طي هذه الأبعاد الإضافية على نفسها عند حجم صغير جدًا الحيز المجهري، بحيث تكون غير محسوسة. تتوافق أوضاع الاهتزازات المختلفة للوتر الفائق مع الجسيمات المحتملة المختلفة (يتوافق وضع واحد مع الإلكترون ، وآخر مع النيوترينو، والثالث مع الكوارك..). لذلك تبدأ النظرية من افتراض أن الجسيمات الأولية ليست كائنات مادية نقطية ذات حجم صفري (نقاط)، ولكنها سلاسل اهتزازية يمكن فتحها (بنهايتين مختلفتين) أو حلقات (مع نهايتين مجتمعتين منغلقتين) حيث السينماتيكا cinématique محكومة بالنسبية الخاصة، ودينامياتها تحكمها فيزياء الكموم. إن نظرية النسبية العامة لا تظهر في صلب فرضية النظرية، مما يعني أنها "تبدأ" دون ملاحظة وجود الجاذبية. وبالتالي، لا تستدعي النظرية الثقالة، ومع ذلك، من المبادئ التي لا تحتوي على الجاذبية، على مقياس مسافة معينة، تصنع معادلات أينشتاين للجاذبية. لذلك تتوقع نظرية الأوتار الفائقة الجاذبية كقوة ضرورية وهي نتيجة التطابق الذي وضع العلماء على طريق "نظرية كل شيء" التي ماتزال متذبذبة. مثل الجنية، تنبثق نظرية النسبية العامة من الحاجة إلى وجود جسيم له جميع خصائص جسيم الجاذبية أو الثقالة المعروف باسم الغرافيتون، من المفترض أن يكون الوسيط الحامل والناقل للجاذبية. يظهر هذا الغرافيتون في الحسابات كحالة اهتزاز معينة لوتر مغلق وبالتالي لحلقة، وهو نفس الـ"نسق المعين لأوتار مفتوحة الذي يتوافق تمامًا مع الفوتون، وهو الجسيم الوسيط للتفاعل الكهرومغناطيسي. يمكننا أن نقول عن نظرية الأوتار الفائقة أنها تغطي نظرية الكموم للكهرومغناطيسية التي نسميها"الكهروديناميكا الكمومية، انطلاقاً من إطار شكلي تحكمه الفيزياء الكوانتية أو الكمومية ونظرية النسبية الخاصة ولايشملان الثقالة أو الجاذبية تقودنا مباديء نظرية الأوتار الفائقة الى معادلات النسبية العامة. ما يسمح لنا بالقول إن هذه النظرية الجديدة هي نظرية كمومية أصيلة للثقالة أو الجاذبية.  يقولون إن هذه النظرية الجديدة هي نظرية كمية حقيقية للجاذبية. تؤدي نظرية الأوتار الفائقة بشكل خاص إلى "نظرية المجال الكمومي"، والتي تنتج عن التزاوج بين فيزياء الكموم ونظرية النسبية الخاصة وتشكل الشكلية على أساس النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات. نظرًا لأن نظرية الأوتار الفائقة تتخلص من فكرة التفرد الأولي أو الفرادة الأولية، فإن بعض النماذج المعروفة باسم ما قبل "الانفجار الأعظم" تحل محل الانفجار الأعظم بمرحلة كثيفة للغاية يمكن أن تكون بمثابة "جسر كمومي" بين كوننا المتوسع و آخر كان سيسبقه (في الواقع هو نفسه، ولكن في حالة الانكماش العظيم). تم اقتراح إصدارات مختلفة من هذه النماذج  من بينها وأبرزها نموذج  غابرييل فينزيانو، أحد مؤسسي نظرية الأوتار الفائقة. كان الكون قد شهد قبل الانفجار العظيم تطورًا متناظرًا لما كان عليه بعد الانفجار العظيم و خلال هذه المرحلة الوسيطة ،فإن كثافة المادة ، بدلاً من التناقص كما هو الحال في الكون الحالي، تكون مرتفعة أكثر فأكثرفي حين تناقص أبعاد الكون حتى تبلغ كثافة الطاقة  ودرجة الحرارة القيم القصوى الحرجة التي تسمح بها نظرية الأوتار الفائقة . في هذه اللحظة يرتد الكون على نفسه وبدلاً من تقلصه سوف يتمدد  وكل القيم التي تزداد سوف تتناقص بين المرحلتين المتميزيتن وهكذا فإن الكون السابق للانفجار العظيم يمكن أن يلاحظ وكأنه انعكاس لصورة في مرآة للكون اللاحق  أي ما بعد الانفجار العظيم والذي هو بدوره ليس سوى مرحلة انتقالية بين مرحلتين متمايزتين لنفس الكون فبدلاً من التقلص، يكون توسع وكل المقادير التي ازدادت تنمو. هكذا الكون السابق. هناك متغيرات أخرى، مثل علم الكونيات البراني كون الأغشية والنظرية الثقالية الكمومية الحلقية أو العروية أو نظرية الفراغ الكمومي ، نظرية الجاذبية الكمومية المهم هو أن كل هذه النماذج النظرية تتعارض مع فكرة اللحظة O التي تشير إلى بدء الكون وأصله.

تجدر الإشارة إلى إن عبارة "الانفجار الكبير" كانتذات معنى انتقاصي أو تحقيري في البدء، ولكن بالنسبة للكثير من الأمور كانت غير اللائقة: لا يعرض الانفجار الكبير فكرة تشتت المواد في جميع الاتجاهات لملء مساحة فارغة مسبقًا، كما يوحي التعبير. إنه الفضاء نفسه الذي يتوسع بمرور الوقت، وبالتالي زيادة المسافات بين الأشياء التي تنطوي عليها في توسعها.

ما هي النظرية المثبتة؟

قد يتساءل المرء بشكل شرعي كيف يمكن إثبات نظرية الانفجار العظيم إذا كانت في النهاية ... غير مثبتة. من المهم أن نفهم كيف يعمل العلم: كتذكير، لا توجد نظرية مثبتة حقًا. يقين العلم لا يمكن إلا أن يتعلق بالدحض. هذا ما فهمه فيلسوف العلوم كارل بوبر: من المستحيل إثبات صحة النظرية العلمية بشكل قاطع. يسأل الناس أحيانًا بسذاجة: هل هذه النظرية مثبتة؟ لا توجد نظرية مثبتة - وهذا هو السبب في أن الحجة الإعلانية "المثبتة علميا" هي انحراف معرفي. لإثبات (بشكل نهائي) نظرية ما، سيحتاج المرء إلى تأمين مزدوج: إجراء عدد لا حصر له من التجارب التي تجعل من الممكن وضع المقياس على المحك، وهذا بدقة غير محدودة، وهو أمر مستحيل بشكل مضاعف. كل نظرية إطارية تكون دائمًا "خاطئة" في الاتجاه بقدر ما هي صحيحة للحظات فقط، كما يوضح تاريخ العلم.

 

د. جواد بشارة

 

 

جواد بشارةالكون المرئي ثورة جديدة في الفيزياء

الجذور الخرافية لولادة الكون المرئي: تروي الأساطير كيف ظهر شيء ما، سواء تعلق ذلك بالكون أو بالإنسان أو بكل هذه الأنواع الحيوانية أو البنى الاجتماعية. لكن لأن خلق العالم يسبق كل الآخرين، فإن الكون يتمتع بمكانة خاصة. تعمل الأسطورة الكونية كنموذج لجميع الأساطير الأصلية. إن خلق الحيوانات أو النباتات أو الإنسان يفترض بالفعل وجود عالم سابق لوجودها. حتى في الحالات التي لا توجد فيها أسطورة كونية بالمعنى الدقيق للكلمة (كما هو الحال في أستراليا)، لا تزال هناك أسطورة مركزية تخبر عن بدايات العالم، ما حدث من قبل كينونات مثل "الله، أو حيوان أو شخصية أسطورية، يغطس هذا الكائن الخارق في قاع المحيط الأولي ويرسل القليل من GLAISE أنفاسه» لكي يصبح كما هو اليوم. "لذلك نجد دائمًا تاريخًا أساسيًا، وهذا التاريخ له بداية: الأسطورة الكونية أو الأسطورة التي تقدم لنا الحالة الأولى، اليرقية أو الجرثومية،»، يشير عالم الأساطير والأديان ميرسيا إلياد. إلى أن الأسطورة الكونية تشكل نموذجًا لجميع أنواع "الإبداعات" والتصورات الروحانية. علاوة على ذلك، تلعب الأسطورة دورًا رئيسيًا في طقوس التجديد الدوري للكون، وبالتالي، في تطوير الفكرة الأسطورية للزمن الدائري. إن عددًا كبيرًا من الأساليب العلاجية والمرضية مستمدة بالفعل من اليقين بأن المرء يمكن أن يكرر الكون، أنه يمكن للمرء أن يعاود خلق العالم.

وبالمثل، فإن التكهنات الأولى حول أصل الكائنات والأشياء، وبشكل عام، ظهور الميتافيزيقيا الشرقية العظيمة، أصبحت ممكنة بفضل حقيقة أنه لآلاف السنين، يعتقد البشر أنهم يعرفون كيف يجعلون الأفكار متطورة من بداية العالم وإلى الآن. باختصار، إن الأنظمة الكونية التي طورها الفلاسفة الأوائل هي جزء من تقليد سحيق مارسه البشر "البدائيون". ويضيف ميرسيا إلياد: "من المهم أن نشير إلى هذا التفكير فلسفيًا، إذ لم يتم التفكير في الواقع النهائي انطلاقاً من فضول عقلاني لمعرفة الأسباب الجذرية، ولكن من "الألفة الطقسية" مع بدايات العالم، من اليقين الذي استهلك الزمن، بين لحظة الخلق واللحظة الحالية، وهذه المسلمة لا تشكل عقبة لا يمكن التغلب عليها، لأن هذه المدة يمكن إلغاؤها أو تجاوزها. كان ذلك لأننا اعتقدنا أننا وصلنا بالفعل، في البداية، إلى بداية العالم الذي بدأنا فيه منذ لحظة معينة في التفكير المنهجي، في هيكل الأشياء، في غموض الجزيرة- العالم، كما هو باعتباره الهيكل الأول، هيكل هذه الحالة الأولى من الأشياء، في محاولة لاختراق سر الوجود تحت شخصية العالم كما كشفت عن نفسها للمرة الأولى. "

المتغيرات الكبيرة:

هناك عدد لا بأس به من موضوعات ومتغيرات كوسموجونية تتعلق بالخلق والحياة وخلق الإنسان والكون والحياة ولكن، وفقًا لعلم الأساطير، يمكن تصنيف أهمها إلى أربع فئات: أولاً ، ظاهرة الخلق العقلي. الخرافات التي تصف خلق العالم عن طريق الفكر والكلمة ( كن فيكون) أو دور السلطة الإلهية("الفعل") أو "الإحماءات أو الاستعدادات الربانية من قبل جزء من "إله أو إله ثانوي أو شبه إله ... هذا هو الحال كائنات الهنود الحمر وينيباغو Winnebago وأوماها Omahas الذين كان خلقهم للعالم بالفكر لأن جميع المخلوقات هي أرواح ، مثلما عند البولينيزيين. كما تم العثور على الخلق من خلال الحماوة أو الاستعداد الإلهي في التقاليد الفيدية védiques والبراهمانية الهندية حيث البيضة الذهبية هي نتيجة "الحماسة" وقساوة المياه البدائية. العنصر المشترك لجميع هذه الحكاية الكوسموجينية هو فكرة أن العالم مستمد مباشرة من الخالق: من أحلامه، من فكره، (أو من قلبه)، من فعله، من عرقه ("الاحماء") من جوهره. ثم ما يسمى "الغوص الكوني الكوسموجيني". الخرافات من بطولة "الغطس" الكوني: الله، كينونة على شكل حيوان أو شخصية أسطورية يغوص في قاع المحيط البدائي ويجلب قليل من الطين، والذي منه تتكون الأرض. هذه هي الحالة بين السكان الأصليين في الهند حيث يكون حيوان الغوص خنزيرًا برياً، يُنظر إليه أحيانًا على أنه صورة رمزية لفيشنوVishnu. في أساطير هنود أمريكا الشمالية، فإن حيوانات الغوص هي طيور مائية أو أسماك. في سيبيريا وآسيا الوسطى، تم دمج أسطورة الغمر هذه في الكون المزدوج أو الثنوية الكونية حيث يصبح الشيطان، الرفيق هو العدو، الخصم الذي يبحث عن الأرض ليحتفظ بها لنفسه بمفرده أو يحاول تدمير الخلق المكتمل. إدخال الشر في العالم، هو عدو الله والبشر. هذه النسخة المزدوجة من الغوص الكوني يمكن أن تكون ثمرة الاجتماع بين موضوعي "المياه البدائية" في الهند والمواضيعية الثنائية من أصل إيراني.أختبرت هذه النسخة  على الحدود الشرقية لسيبيريا (Samoyed ، Chukchi ، Yukagir) في حين انتشرت الأسطورة "الثنائية" الكونية على نطاق واسع في وسط وشمال آسيا ، بين الأتراك (التاتار التايكيين Tartars altaiques) وبين المغول. كما أنها وجدت كذلك مع الشعوب الأوغرينيه ougriens لروسيا الأوروبية (Ostyaks وVogouls وTcheremiss وMordvins) واندماجها في الفولكلور المسيحي في أوكرانيا وبولندا بين دول البلطيق والفنلنديين والرومانيين والبلغاريين. ومن ثم، فكرة تقسيم المادة البدائية، أي أن الكوزموجونات التي تفسر الخلق برؤية مادة بدائية منقسمة وغير متمايزة. هناك على الأقل ثلاث متغيرات مهمة: تلك الخاصة بـ "آباء العالم" حيث تمثل الوحدة البدائية زوجين السماء والأرض المتعانقين بإحكام والذين يكون فصلهم معادلاً للفعل الكوني. الزخرفة الكونية للزوجين البدائيين الأرض-السماء موجودة في العديد من الأساطير. وجدت بين الإغريق في نظرية الخلق الأسطورية théogonie مع الزوجين غايا - أورانوس Gaïa / Ouranos أو بين الماوري Maoris مع المعارضة رانجي Rangi (الجنة أو السماء) / الأب (الأرض). أسطورة "آباء العالم" منتشرة للغاية في جنوب شرق آسيا وأوقيانوسيا Océanie، من إندونيسيا إلى ميكرونيزيا Micronésie. في تاهيتي، على سبيل المثال، يعتقد أن هذا الفصل تم من قبل نبات والذي، من خلال النمو ، رفع السماء. تم العثور على موضوع "آباء العالم" أيضا في أفريقيا والأمريكتين. إنها بالتأكيد فكرة قديمة. وفقا للتقاليد السومرية، في البداية

 كانت السماء ممتزجة بالأرض وفصل بينهما الإله إنليل Enlil وقد لوحظ وجود أسطورة مماثلة في مصر: كانت الأرض والسماء متعانقتين بإحكام، الإله جيب Geb تحت الإلهة نوت Nout. والدهم، تشو Chou، فصلهما، من خلال رفع الإلهة التي وضعها فوق رأسه والتي أصبحت القبة السماوية. يجمع الشكل الثاني بين رمز الفوضى Choas. توصف الحالة الأصلية بأنها كتلة غير متبلورة، الفوضى. في العديد من الأساطير، يتم تقديم الحالة الأصلية على أنها فراغ، هاوية بدائية، متفاعلة داخل الظلمات ومحاطة بالظلام. هذا هو الحال في التقليد الفينيقي، في التقليد الاسكندنافي أو في الكون اليوناني حيث الفوضى هي الكيان الأساسي قبل ولادة غايا Gaia وإيروس Eros. المتغير الثالث ينقل فكرة البيضة الكونية أو الوحدة البدائية التي يتم تصورها على أنها بيضة تشمل أو تتضمن المجمل الكوني، أو بيضة تطفو في المحيط البدائي. يبدأ الخلق بتقسيم البيضة. هذا هو الحال في الأساطير اليابانية حيث لا يتم فصل السماء (Izanagi) والأرض (Izanami)، ولكنها تشكل فوضى على شكل بيضة تنقسم لكسر الوحدة البدائية. تم العثور على قصة الفوضى هذه على شكل بيضة حيث يتم الجمع بين السماء والأرض في عدد كبير من الأساطير في الصين، الهند، إندونيسيا، بولينيزيا، إفريقيا، إلخ.). في الهند الفيدية védique، الجنين الذهبي ، هو الشكل البدائي للإله الذي يحوم فوق المياه. في الأساطير السيبيرية والإندونيسية، فإن الكائن الأسمى هو، على شكل طائر، يترسب في المياه البدائية على هيئة البيضة التي سيولد منها العالم لاحقًا. يروي آخر نوع رئيسي من الأساطير القصة التي تروي تمزيق عملاق أو وحش. لذا، فإن علم الكونيات هو نتيجة لتفكيك / تجزئة عملاق مجسم أو وحش بحري أوفيدي ophidien. يمكن تقديم التضحية. يأتي المثال الكلاسيكي من الأساطير الفيدية. يتم إنشاء كل الحياة من قبل التضحية ببوروشا Purusha (الرجل الكوني)، عملاق بدائي ضحت به الآلهة. رأسه يعطي الشمس، قدميه الأرض، ضميره القمر ونسيمه الريح. تأتي الطبقات الأربعة أيضًا من جسده. نجد هذا النوع من القصص في التقاليد الصينية مع تضحية بانغو pangu، الذي يتحول جسمه إلى كوزموس؛ عيناه تعطيان الشمس والقمر، والدهون تعطي الأنهار والبحار، والشعر يعطي النباتات. في الأساطير الاسكندنافية، الآلهة آسيس Ases تضحي بــ  وتمزق العملاق يمير Ymir. من جمجمته يصنعون القبو السماوي، من لحمه الأرض، من عرقه البحر، من عظامه الجبال، من شعره الأشجار. نجد نفس القصة في إيران، مدمجة في اللاهوت المزدكيMazdéenne حيث يبدأ الكون في جسد آهورا مازدا Ahura Mazda. عندما لا يتم تقديم التضحية أو القربان، فهي ثمرة معركة الله المنتصرة ضد وحش البحر، تليها تجزئته. المثال الكلاسيكي الذي قدمته إينوما إيليش Enuma Elish الملحمة البابلية لخلق العالم. من خلال هزيمة وحش البحر تيامات، قام الإله مردوخ بتقطيعه إلى نصفين لتشكيل السماء والأرض. لم يعد الأمر هجوما وافق عليه وحش، بل نتيجة معركة أسطورية حقيقية بين المبادئ المتعارضة. يعد هذا الكون جزءًا من أيديولوجية سياسية تهدف إلى جعل مردوخ الإله الأعلى. تشهد على ذلك أسطورة القتال بين إله بطل ووحش في الشرق الأدنى واليونان والهند. تختلف معانيها عن تلك التي تتحدث عنإينوما إيليش Enuma-elish بينما تبقى متحدة بشكل أساسي. لم يعد قتالًا كونيًا، بل معركة جرت لإنقاذ العالم من تهديد المياه الخارجية أو من الانحدار إلى الفوضى، على التوالي: الإله السومري نينورتا Ninurta ضد الوحش آساج Asag ، زيوس Zeus ضد تيفونTyphon أو إندرا  indra   ضد فريتراVritra.

المثال اليوناني:

عند هيسيود Hésiode ، في البداية لم تكن الكلمة ، كما في إنجيل يوحنا ، بل الفوضى أو الكاووس Le Chaos. إذا كان هيسيود Hesiod لا يمتد على طبيعة الفوضى، يجعل أوفيد Ovide في تحولاته كتلة مشوشة وغير متجانسة لم تكن سوى كتلة خاملة، وهي تتكدس في نفس الجراثيم المتباينة لعناصر الأشياء: لا يوجد رابط بينهما. " الأرض لم تكن موجودة بعد. لاحظ أن: قصة خلق هيسيود  Hesiod لا يتعني و لا تنطوي على أن شيئًا تم خلقه من لا شيء؛ كانت هناك مادة (فوضى) ، لكنها كانت بدون شكل حقيقي. عند القدماء، إن مفهوم الخلق، من لا شيء، غير موجود. يظهر هذا المفهوم مع الديانات التوحيدية.

يقول الفيلسوف لوك فيري: "إنه ليس شخصًا، ولا حتى شخصية". تخيل أن هذا اللاهوت البدائي ليس له شيء بشري: لا جسد ولا وجه ولا سمات شخصية. لقول الحقيقة، إنها هوة، ثقب أسود أو حفرة سوداء، لا يوجد فيها كائن يمكن تحديده. والحقيقة إنه الظلام المطلق الذي يسود ما هو في الأساس لا شيء غير الفوضى. علاوة على ذلك، في بداية هذه القصة، لا يوجد حتى الآن أحد يرى أي شيء: لا حيوانات، ولابشر، ولا حتى آلهة. ليس فقط لا توجد كائنات حية، متحركة، ولكن لا توجد أيضًا سماء أو شمس أو جبل أو بحر أو أنهار أو زهور أو غابات... باختصار، في هذه الفتحة الفاصلة، هي الظلام التام. كل شيء مرتبك، فوضوي. "بدون أن نعرف حقًا السبب، إلوهية ثانية ستخرج أو تنبثق من هذه الفوضى. إنها Gaïa غايا، أمنا الأرض. أخيرا ظهرت المادة للتو. Gaïa ، والتي تعني "الأرض" في اليونانية، هي الأرض الصلبة التي فوقها سوف تتطور الحياة الذهني العقلانية ستتساءل بلا شك كيف مكن لشيء أن ينبثق بنفسه من قلب الفوضى؟ إنه نوع من المعجزة، حدث أولي تأسيسي مثل هيسيود، أول شاعر يروي لنا هذه الحكاية الفكرة الأصلية للعالم هي التي تحدد كل الآخرين بواجهة أمامية. منذ زمن بعيد، في القرن السابع قبل الميلاد، يروي لنا هيسيود لكنه لايشرح و لا يفسر ولسبب وجيه أنه هو نفسه لايمتلك أي تفسيرأو لم يكن هناك أي تفسير متاح أمامه . ولتوضيح هذه المفارقة المنطقية الظاهرة، ظهرت الآلهة الثالثة، إيروس، آلهة الحب،  والرغبة على وجه أدق إذا جاز التعبير( ومثل الكاووس الفوضى، إنها في الواقع آلهة ولكن ليس شخصاً أو كينونة بل طاقة تفيض تقوم بتنمية وإخراج الكائنات إلى الوجود. يمكننا القول إنها مبدأ الحياة، قوة حيوية، على حد تعبير لوك فيري. تتمثل مهمة إيروس الأساسية أو الرئيسية هي عبور واجتياز كل الآلهة القادمة من الظلمات إلى النور. حسب أربعة الأنماط الأسطورية الرئيسية لخلق العالم.

 

د. جواد بشارة

...........................

المراجع الببليوغرافية

شكل وأصل الكون

Aurélien Barrau و Daniel Parrochia، Editions Dunod

الكوسمولوجيا الأثرية والنماذج المتنافسة:

 

 

رهانات الأصل والمآل، الصدفة والنظام، اللانهاية والحدود، النسبية والإطلاق، الزمان والمكان اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر.

 

1 ــ

منذ أن ظهر الوعي وملكة التفكير والتأمل، التي ميزت الإنسان عن غيره من الكائنات، والبشر يفكرون ويطلقون العنان لمخيلتهم، ويعبرون عنها فلسفياً ودينياً وعلمياً. تبلورت التساؤلات الوجودية حول أربع مفردات جوهرية هي: كيف ولماذا وأين ومتى؟ . وهي ترتبط بالوجود وما فيه من موجودات، مادية وغير مادية، ظاهرة وخفية، واقعية ووهمية، حقيقية ومتخيلة.

لماذا نحن موجودون وما الغاية من وجودنا؟ ما علة وجود الكون الذي نعيش فيه وهل هناك شيء ما وراءه؟هذا في حالة كونه محدود ونهائي. ولكن هل له أصل وبداية ومصير ونهاية؟ أم هو أزلي وأبدي أو سرمدي؟ هل هو مخلوق أم موجود بلا بداية ولا نهاية؟ هل للصدفة وجود فاعل ومؤثر أم كل شيء خاضع لنظام دقيق للغاية؟ هل سيفنى الوجود أم هو خالد؟ لماذا يوجد شيء ما بدلا من لاشيء؟ ولماذا يكون الكون على ما هو عليه وكما يبدو لنا ظاهرياً وليس على نحو مختلف؟ من أين جاء الكون وكيف ومتى ولماذا؟

هناك إجابات نسبية، وأخرى تدعي الإطلاق. وهناك نظريات وفرضيات علمية عديدة، ومعتقدات ثيولوجية وخرافات وأساطير، مشاهدات وحقائق نسبية وأوهام كثيرة, وهناك قوانين علمية كونية جوهرية وأديان ومعتقدات مختلفة، تصدت كلها لتقديم إجابات على هذه التساؤلات التي أقلقت مضجع البشرية على الأرض، وربما أيضاً مخلوقات ذكية وعاقلة أخرى تجوب الفضاء الكوني تبحث هي الأخرى عن سر وجودها وربما سبر أغوار سر الوجود نفسه.   وها هو الانسان أمام معضلة اللانهاية الكونية وعليه أن يقرأ ويفهم ويفك طلاسم ما يمكن أن نسميه "الأسس الجوهرية للمقاربة الكونية عند العامة من البشر كما عند العلماء والمتخصصين".

منذ فجر الإنسانية وتشكل المجتمعات، سواء البدائية منها أو المتحضرة، نجد فيها وفي الأديان التي حكمتها أموراً وقصصاً وحكايات ونصوص تتعلق بالكون. وفي الماضي السحيق كان الموضوع مرتبط بالسلطة الكهنوتية والوحي الذي تمليه وترسله الآلهة أو الإله الواحد، فالسماء في حقب تاريخية كثيرة كانت في نظر البشر مليئة بالآلهة والأبطال الأسطوريين المنحدرين من تلك الآلهة ومعهم كم هائل من العفاريت والوحوش الهائلة والكائنات الخارقة وبالتالي أعتقد البشر آنذاك أن العالم والكون وطريقة سيره ما هو إلا نتيجة مباشرة لقوى خارقة للطبيعة. فكانت بعض الشعوب في الصين على سبيل المثال يؤمنون بوجود وحش كبير ومرعب يبتلع الشمس ليفسروا عملية الكسوف وكانوا يقيمون احتفالات ويحثون ضوضاء كبيرة وضجة عالية لإرعاب الوحش وإخافته كي لا يبتلع الشمس إلى الأبد وعندما تشرق الشمس ثانية يعتقدون أنهم نجحوا في طقسهم هذا ولم يكن معروفا لديهم بالطبع أن الكسوف مرتبط بدوران القمر حول الأرض ودوران الإثنين حول الشمس. وكان أكثر ما يثير حيرة البشر وخوفهم على مر العصور هو المجهول والموت وما بعد الموت والحياة وسرها والأصل والمصير واللانهاية.

 

ما هي اللانهاية؟

قال الفيلسوف والشاعر الألماني العظيم غوته : "يجب أن نحلم بالمستحيل لتحقيق كل ما هو ممكن".أما غاليلو غاليله فقد قال: إن كتاب الطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات ويقصد بالطبيعة هنا الفيزياء الكونية.

بين الأعوام 1623 و1662 عاش الفيلسوف الفرنسي باسكال وقال جملته الشهيرة:" إن الصمت الأبدي لهذه الفضاءات الممتدة إلى اللانهاية يرعبني".

فالإنسان ضائع بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر. فأصغر جسيم في الكون هو الوتر وهو أصغر بكثير من الكوارك وقياسه هو 10-33 من الملليمتر أي إن الإنسان في هذا الكون المرئي هو بمثابة اللاشيء أو هو أقرب إلى العدم منه إلى الوجود، فما بالك لو قارنته بالكون المطلق الحي اللانهائي الأبعاد، الذي يعتبر كوننا المرئي، بما يحتويه من مئات آلاف المليارات من المجرات والحشود المجرية والنجوم والكواكب والغازات والسدم والعناقيد المجرية، ليس أكبر من مجرد جسيم صغير غير مرئي هو أقرب إلى اللاشيء منه إلى الكينونة. في هذا الإطار وحده يمكننا أن نتحدث عن اللانهاية المتعددة الوجوه .

بين الأعوام 1878 و1955 التي عاش فيها عالم الرياضيات إدوارد كسنر، زار مدرسة إبن أخيه الابتدائية وكتب على السبورة رقم واحد ويليه مائة صفر ملأت السبورة وطلب من التلاميذ إعطاء إسم لهذا الرقم فلم يتردد الطفل ذو التسعة أعوام أن يقول إنه الغوغول، وهو الإسم الذي استوحاه مصممو محرك البحث الشهير غوغل للدلالة على لا نهائية المعلومات التي يمكنه أن يختزنها في الشبكة العنكبوتية. ثم ابتكر عالم الرياضيات نفسه رقما مهولاً آخر هو عشرة أس عشرة أس مائة 10100 10، ولو وضعنا في كل نصف سنتمتر صفر أمام الواحد فسوف نحتاج إلى مسافة تفوق نصف قطر الكون المرئي وسماه العالم الغوغولبليكس Googlplex، وهذه المسافة بالمقاييس الفيزيائية هي ما يعادل الــ 47 مليار سنة ضوئية، أي ما يقطعه الضوء بسرعة 300000 كلم في الثانية الواحدة خلال 47 سنة وهناك ما هو أكبر من هذا العدد بكثير يستمر إلى اللانهاية لذلك يقول علماء الرياضيات أن المجموع: 1+2+3+4+... "يتباعد" حتى اللانهاية. ولو وضعناها في كلمات فضفاضة أكثر، نقول أن هذا المجموع للأرقام المتتالية "يساوي" اللانهاية.

ومن هنا يمكننا القول أن اللانهاية هي كينونة رياضية لايمكن للبشر تصورها أو إدراكها أو استيعاب حقيقتها. ولقد دخل مفهوم اللانهاية الرياضياتية إلى الوعي البشري بفضل الفلاسفة الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد، وتجدر الإشارة إلى أن التفكير الرياضي كان موجوداً قبل ذلك بزمن طويل في الحضارات الهندية والصينية والبابلية والمصرية، حيث كانوا يستخدمون الرياضيات لغايات عملية تطبيقية وحسابات نفعية كما كان الحال في إنشاء الإهرامات على سبيل المثال. لكنهم لم يتطرقوا من قبل لهذا المفهوم التجريدي، أي اللانهاية. ومن البديهي القول أن مفهوم اللانهاية ينطوي على الكثير من المفارقات التي أشار إليها الفيلسوف الإغريقي زينون في الأعوام 495 و435 ما قبل الميلاد وهو تلميذ الفيلسوف الإغريقي الفذ بارمينيدس الذي عاش في الأعوام 495 و440 قبل الميلاد الذي كان ينادي بفلسفة الديمومة ويرفض مفهوم التطور، فالعالم من وجهة نظره موجود منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد وهو لا نهائي فلا بداية له ولا نهاية وأي تغيير يحدث ما هو إلا وهم.

الكون المرئي هو المكان الأنصع الذي يتجلى فيه مفهوم اللانهاية . فلو كان الكون لانهائياً في مساحته وأبعاده سوف نواجه معضلة العودة السرمدية حيث لكل واحد منا على وجه الوجود سيكون له عدد لامتناهي من النسخ أو الأشباه وفق مبدأ التكرار الدائم وحسب أطروحة تعدد الأكوان والأكوان المتوازية. وكان التقدم التكنولوجي والعلمي الذي تحقق في العقود الأخيرة قد أضفى معنى جديد على مفردة اللانهاية فلم يعد الأمر يقتصر على كون واحد هو كوننا المرئي الذي نعيش فيه ونعرفه، بل على عدد لامتناهي من الأكوان المتوازية والمتداخلة والمتجاورة والتي تتواجد في حيز لامحدود ومذهل هو الكون المطلق السرمدي الأزلي والأبدي الذي لابداية له ولا نهاية، الكون الحي الدائم التطور. فالتفاعل الحاصل بين النهائي واللانهائي يفرز حتماً، نظرياً ورياضياً على الأقل، تناسخ الموجودات، لاسيما عندما نجهل الشكل الهندسي للكون المرئي الذي يبدو مسطحاً وممتداً غلى اللانهاية في حين تقول لنا نظرية النسبية لآينشتين أن الكون محدب أو منحني وبالتالي لانعرف هل لهذا الكون المرئي أو المنظور أطراف وحدود ونهايات معلومة. للخروج من هذا المأزق التنظيري اقترح العلماء أن يكون كوننا المرئي محدوداً كروي الشكل كأنه فقاعة وسط عدد لامتناهي من الفقاعات ــ الأكوان أو الفقاعات الكونية تتداخل وتتفاعل وتتجاور فيما بينها داخل حيز كوني مطلق لامتناهي ومن تصادمات تلك الفقاعات تنشأ باستمرار أكوان جديدة وانفجارات عظيمة جديدة ومتكررة على غرار الانفجار العظيم البغ بانغ الذي أولد كوننا المرئي أو المنظور، كما تخبرنا بذلك مباديء الفيزياء الجوهرية وقوانين الفيزياء الكمومية أو الكوانتية والفيزياء النسبوية اللتان تتعاطيان مع اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر. وهناك محاولات علمية محمومة للتوفيق والتوحيد بين النظريتين، الكمومية والنسبية، للوصول إلى النظرية الموحدة الشاملة .

 

الصدفة أم التنظيم الفائق؟:

أما الصدفة فهي مفهوم مجرد وذو معاني متعددة. فهي موجودة في حياتنا اليومية ونعزو لها الكثير من الأحداث، ولكن هل للصدفة وجود حقيقي في هذا السيناريو الكبير لكوننا المرئي بعد مرور 13.825 مليار سنة من الانفجار العظيم وما زلنا نطرح هذا السؤال؟.

من الذرة وما دونها إلى النجوم وما فوقها، نجد أن الواقع الذي يحوطنا ما هو إلا لغز مهول كما قال ذلك آينشتين سنة 1954 لصديقه العالم بيسو. والحال أن هذا الكون المرئي يقوم بكل ما في وسعه لكي يدفع جزء من مكوناته العاقلة والذكية الحية، أي البشرية، لكي تفهمه وتفك طلاسمه عبر كم من الرسائل المشفرة والألغاز والأحاجي والقوانين الظاهرة والمضمرة والثوابت الكونية الدقيقة، وكل ما تمكن منه الإنسان هو أن يتساءل : هل كل ما هو موجود يعتمد على الصدفة المحضة أم يخضع لنظام دقيق وعميق لا نعرف كنهه لحد الآن؟ . هناك بالفعل تناسق وتصميم عظيم ومذهل وشامل وهارمونية مدهشة تتجلى في تصميم الإنسان نفسه من أصغر خلية فيه إلى أعقد جزء من تركيبته ألا وهو الدماغ مما يدل على نظام غاية في الدقة والتحكم، وهذه هي الذريعة التي يتمسك بها أتباع نظرية الخلق الإلهي المباشر les créationnistes لا سيما في الأديان السماوية الثلاث الرئيسية. هناك الصدفة العادية التي نصادفها في حياتنا في كل يوم وهذه لاتحدث أي تأثير على مجريات الكون المرئي ولا تغير شيئاً في مجراه ومصيره أو ديمومته. فالصدفة النسبية قد تؤثر وقد لا تؤثر في حياة الإنسان . فلو عثر أحدكم صدفة على قطعة نقد بقيمة يورو فسوف لن تحدث تأثيرا عميقاً على مصيره إلا في حالات استثنائية جداً وكل مايمكنه أن يفعله بها هو شراء رغيف خبز إذا كان جائعاً ولكن لو عثر على علبة تحتوي على مليون يور فبالتأكيد سيكون لذلك المبلغ الكبير شأن مهم ومؤثر على قادم الأيام بالنسبة للشخص الذي يعثر عليه وسيغير حياته ومشاريعه كلياً. أما الصدفة على المستوى الكوني فلا وجود لها وإن وجدت ظاهرياً فهي في حقيقة الأمر نتاج لعملية معقد من الحسابات والقوانين المتضافرة التي أدت إلى حدوثها على نحو حتمي في مكان وزمان معينين. بمعنى آخر أن الكون المرئي والكون المطلق والوجود برمته لم يوجدوا بمحض الصدفة.

 

معضلة الزمن:

كان العلماء، ولغاية بداية القرن العشرين وظهور نظرية النسبية لاينشتين، يعتقدون أن الزمن كينونة مستقلة ومكون جوهري للوجود مستقل ولا يؤثر عليه شيء. وبقي لغزاً محيراً لاسيما فيما يتعلق بمجراه وصيرورته، فهو ينطلق باتجاه واحد لا يمكن عكسه كما كانوا يعتقدون. إلا أن النسبية أوضحت لنا ماهية أخرى للزمن وتفاعله في وحدة كونية واحدة أسماها آينشتين " الزمكان" ما يعني أنهما شيء واحد بطبيعتين متميزتين يمكن أن يتحول أحدهما للآخر فيما لو توفرت شروط معينة . وإن اتجاه الزمن لايظهر أو يبدو واضحاً للإدراك إلا بتواجد الحرارة. فالحرارة ماهي إلا ترددات إحصائية لشيء ما بما في ذلك " الزمكان الآينشتيني" في حين نجد أنه لاوجود للزمن في النظرية الثقالية الكمومية أو الكوانتية الحلقية أو التعاقبية la gravité quantique à boucles .. وبالتالي يطرح التساؤل ذاته عبر العصور، ماهو الزمن وما هو مجراه؟

كانت هذه الإشكالية مطروحة في الفيزياء الكلاسيكية وتعاطت معها الفلسفات والأديان خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأصبحت مسألة عويصة وحادة في الفيزياء المعاصرة في القرن الواحد والعشرين. فالفيزياء تصف العالم بطريقة الصيغ الرياضية والمعادلات التي تقول لنا كيف تتنوع الأشياء وفق تنوع عامل الزمن . وبالإمكان كتابة صيغ تصف تنوعات الأشياء حسب تنوع موقعها أو تنوعات الذوق والطعم. لماذا يبدو الزمن بالنسبة لنا وكأنه يجري بمعزل عنا وبالرغم منا؟ وبالتالي ماذا يعني " الحاضر " بالنسبة لنا والماضي والمستقبل كذلك؟

لا يوجد في الفيزياء شيء يتعلق بفكرة " الآن" . ولنقارن " الآن" بــ " هنا" فهذه الأخيرة أي الــ " هنا" تصف مكان أو موضع يتواجد فيه المتكلم . وبالنسبة لشخصين مختلفين فإن كلمة " هنا" تشير إلى مكانين مختلفين . لهذا فإن مفردة " هنا" يعتمد معناها على الموقع الذي تلفظ فيه حيث يتواجد من ينطقها. أما مفردة " الآن" فتشير للزمن الذي يتواجد فيه من يتكلم، بمعنى آخر بالنسبة لحالتين مختلفتين فإن " الآن" تشير إلى زمنين مختلفين، ومن هناك نعتقد أن التشابه بين " الآن" و" هنا " كبير. ولكن نحن نقول أن الأشياء الموجود هي تلك التي توجد " هنا" لأننا نراها ونلمسها وندرك وجودها بحواسنا. فماضيها لم يعد موجوداً من الناحية المادية ومستقبلها لم يحن بعد، في حين لايوجد من يقول أن الأشياء " هنا" موجودة والأشياء التي ليست " هنا" غير موجودة. ففي مدينة بوردو لايوجد برج إيفل وهذا لايعني أننا يمكن أن نستنتج أن البرج غير موجود. لماذا إذن يحق لنا أن نقول أن الأشياء التي هي " الآن" موجودة وليس غيرها؟ فهل الحاضر أمر موضوعي، أو شيء يجري، ويجعل الأشياء موجودة الواحدة بعد الأخرى، أم هو فقط أمر ذاتي مثل الــ " هنا" ؟

الفيزياء الحديثة تناولت هذه الإشكالية بجدية لأنها باتت ملحة لأن نظرية النسبية أثبتت لنا أن مفهوم " الحاضر" مفهوم ذاتي هو الآخر . فعلماء الفيزياء والفلاسفة المعاصرون توصلوا إلى استنتاج أن فكرة " حاضر معلوم في كل الكون" ما هي إلا وهم، وإن الجريان العام للزمن هو تعميم تعسفي. ولقد كتب آينشتين في تأبين أحد أصدقائه المقربين وهو ميشيل بيسو قائلاً " لقد غادر ميشيل هذا العالم الغريب قليلاً قبلي. وهذا لا يعني شيئاً، فالناس العاديين الذين يعتقدون بصحة الفيزياء والعلم يعلمون أن التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس شيء آخر سوى وهم متأصل فينا". وبالرغم من هذا التشخيص من قبل هذا العقل العبقري فلايوجد ما يوضح أو يشرح لنا حقيقة أن الزمن بالنسبة لنا نحن الناس العاديين " يجري" أو " يمضي" وهو أمر بديهي بالنسبة للشخص فأفكارنا وأقوالنا موجودة في الزمن وبنية لغتنا تنطوي على جوهرية عامل الزمن وضرورته فالشيء بالنسبة لنا إما " كان" أو هو " كائن الآن " أو " سيكون" . يمكننا تخيل عالم بدون ألوان أو بدون مادة بل وربما بدون مكان ولكن من الصعب جداً تخيل عالم بدون زمن. ولقد أشار الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر إلى أننا " نسكن الزمن" . هل يمكن أن يكون جريان الزمن الذي قصده هيدغر وقدمه كأولوية، يكون غائباً في الوصف الجوهري للعالم؟ بعض الفلاسفة، ومنهم أتباع هيدغر، استنتجوا أن الفيزياء عاجزة عن وصف الجوانب والملامح الأكثر جوهرية للواقع وجردوها من هذه القابلية، بصفتها طريقة معرفة خادعة. ولكن مع مرور الوقت أدركنا أن توقعاتنا الآنية وحدسنا كانا غير دقيقين ولو بقينا معتمدين عليهما لبقينا إلى اليوم نعتقد أن الأرض مسطحة وأن الشمس هي التي تدور حولها . فحدسنا ناجم عن تجربتنا المحدودة . ولو نظرنا إلى أبعد قليلاً لاكتشفنا أن العالم ليس هو كما يبدو لنا ظاهرياً . فالأرض كروية وأن الناس التي تعيش في استراليا أقدامها إلى الأعلى ورؤوسها إلى الأسفل بالنسبة لنا، وهم لايشعرون بذلك . فليس من الحكمة الركون للحدس الآني أكثر من النتائج الناجمة عن الاختبار الجماعي والعقلاني الدقيق والذكي . فمن أين جاءنا هذا الإحساس بمرور وجريان الزمن؟ قدم لنا العلم بداية لتقفي الأثر بغية التوصل لإجابات علمية مقنعة وذلك عن طريق الربط بين " الزمن والحرارة" حيث لا يحدث اختلاف وتميز بين الماضي والمستقبل إلا في حالة وجود تدفق حراري، وذلك بسبب أن الحرارة مرتبطة بالاحتمالات في الفيزياء وهذه مرتبطة هي الأخرى بدورها بحقيقة أن تفاعلاتنا مع باقي مكونات العالم لا تميز التفاصيل الدقيقة للواقع، الذي هو أعقد بكثير مما يبدو لنا في الظاهر.

فجريان الزمن أمر فيزيائي ولكن ليس في إطار الوصف الدقيق لحالة الأشياء، بل في الإطار الإحصائي والترموديناميك، أي الديناميك الحراري. وبالتالي فإن الترموديناميك هو المفتاح للغز الزمن. فالحاضر لا يوجد على نحو موضوعي بقدر عدم وجود " هنا" موضوعي. فالتفاعلات، على المستوى الميكروسكوبي، للعالم تؤدي إلى انبثاق ظواهر زمنية لنظام ما " نحن على سبيل المثال"، لا تتفاعل إلا مع" ربوات" أومع كم من المتغيرات.

فذاكرتنا ووعينا يتم تطويرهما على هذه الظواهر الإحصائية. وبالنسبة لذهنية متقدة تنظر عميقاً وترى مجمل الأحداث والظواهر، لا يوجد زمن " يجري" وإن الكون ليس سوى كتلة واحدة من الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد. ولكن هذه النظرة الثاقبة التي ترى كل شيء في نفس الوقت هل هي ممنوعة،كما يعلمنا الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، حيث ليس عبر التفاعلات تتجلى الأشياء؟ فنحن الكائنات الذكية الواعية والمفكرة نسكن الزمن لأننا نرى فقط صورة ملطفة للعالم. ومن ضبابية رؤيتنا للعالم يأتي إحساسنا بمرور وجريان الزمن ليس إلا. وماذا بعد؟ لم تتضح الفكرة كما ينبغي.

قام العالم الفيزيائي البريطاني الفذ ستيفن هاوكينغ بحسابات مضنية وصعبة ومعقدة في هذا المجال مستنداً إلى معطيات ومعادلات ورياضيات الميكانيك الكمومي أو الكوانتي ونجح في أن يظهر يثبت لنا أن الثقوب السوداء دائماً " ساخنة" وتبث حرارة على غرار مدفأة البيت الحرارية هذا هو المؤشر الأول للمكان أو الفضاء الساخن رغم أنه لايوجد شخص راقب أو رصد هذه الحرارة لأنها ضعيفة جداً في الثقوب السوداء الحقيقية التي نرصدها في الفضاء بيد أن حسابات هاوكينغ مقنعة جداً، وتمت مراجعتها وتدقيقها عدة مرات وبمختلف السبل حتى صارت حرارة الثقوب السوداء حقيقة علمية معترف بها من قبل العلماء. والحال أن حرارة الثقوب السوداء ما هي إلا تأثير كمومي أو كوانتي effet quantique على شيء أو على الثقب الأسود الذي هو ذو طبيعة ثقالية . إن الكمومات أو الكوانتات الفردية للفضاء، أي الحبيبات الأولية للمكان أو الفضاء اللامتناهية في الصغر، أو " ذرات الفضاء أو المكان" التي، بترددها، تقوم بتسخين واجهة الثقب الأسود. وهذه الظاهرة تتضمن في آن واحد الميكانيك الساكن الإحصائي والنسبية العامة وعلم الحرارة. وإذا بدأنا نفهم شيئاً ما بخصوص الثقالة الكمومية أو الكوانتية التي تجمع بين عدة قطع من اللغز فإننا لا نمتلك بعد أية مسودة لنظرية قادرة على الربط بين القطع الثلاث لمعرفتنا الجوهرية عن العالم ألا وهي الكم أو الكوانتا، والثقالة أو الجاذبية، والترموديناميك، ومازلنا لا نفهم كيف ولماذا تحدث هذه الظاهرة . فحرارة الثقب الأسود قد تكون حجر الأساس لصياغة نهائية من ثلاث مكونات كونية جوهرية وهي: الكونتا أو الكم والجاذبية أو الثقالة والترموديناميك بانتظار فك شفرتها أو ترميزها لكي تخبرنا عن حقيقة جريان الزمن وكيف ولماذا.

بعد هذه المقدمة يتعين علينا الآن إلقاء نظرة أولية عن حقيقة الكون المرئي ومفهوم تعدد الأكوان:

بنيت المقاربة البشرية للوجود على الهرم المعرفي الذي يستند على ثلاث دعامات منذ ظهور الوعي البشري إلى يوم الناس هذا. وهذه الدعامات هي العلم والفلسفة والثيولوجيا، ولكل منها تفرعاتها. فالفلسفة هي التأمل والتساؤل حول المسائل الوجودية والغوص في المطارحات الفكرية على مر التاريخ ولها رجالاتها وتاريخها ومدارسها الفلسفية للوصول إلى حقيقة ما، والثيولوجيا نعني بها كافة الأديان السماوية والوضعية والمعتقدات الواقعية والماورائية أو الغيبية، وهي الأخرى لها تاريخها وأساطيرها وأبطالها وأنبياءها ورسلها ومؤسساتها التي حكمت وما تزال تحكم البشرية وتدعي أنها وحدها التي تملك الحقيقة المطلقة، وتمتلك سر الحياة والموت وما بعد الموت، لأنها مرتبطة بالسماء وبالخالق الأعظم، أما العلم فله فروعه المتعددة، كالرياضيات والبيولوجيا والكيمياء والفيزياء، وهذا الأخير، أي علم الفيزياء هو الذي سنركز عليه لأنه هو الأداة التي تعاطت مع المقاربة الكونية لدى البشر ودخلت في صراعات عنيفة مع الدعامتين الأخريين المشار إليهما أعلاه أي الفلسفة والثيولوجيا فيما يتعلق بمفهوم الوجود والكون.

 

فما هو الكون؟

تعني مفردة "الكون" (univers) كل ما هو موجود، فهي تشمل المكان والزمان الماديين، وهذا الأمر يفرض علينا سؤالًا مضمونه هل هناك شيء ما خارج الكون؟ أي هل يمكن أن يكون هناك أكثر من كون؟. من المؤكد أن كل كون آخر يجب أن يكون جزءًا من كل ما هو موجود أي جزء من كينونة مطلقة، وبالتالي، لا بد أن ينتمي إلى "الكون الأشمل أو المطلق.

 

الكون الذي نعيش فيه هو الكون المرئي:

في البداية، لنلق نظرة على ما نعتبره "كوننا" وهو الكون المرئي الذي نعيش فيه وندرسه ونتعامل مع قوانينه المادية الجوهرية. يعتقد العلماء وباختصار شديد أن بداية كوننا المرئي كانت في "الانفجار العظيم" (Big Bang) وذلك قبل حوالي 13.8 مليار سنة. في ذلك الوقت، كان الكون يتمتع بدرجة حرارة وكثافة مرتفعتين للغاية، وعندما بدأ الكون يبرد بعد الانفجار العظيم، بدأت المادة بالتشكل، وانتهى بها المطاف أن تتجمع مكونةً الكواكب، والنجوم، والمجرات التي نراها اليوم.

لا يمكننا رؤية الكون المنظور والمرصود كله، وذلك لأن الضوء يستغرق وقتاً في سفره عبر الفضاء قادماً من المجرات أو النجوم البعيدة، بسرعة ثابتة هي 300000 كلم في الثانية، حتى إن بعض هذا الضوء لم يتسن له الوقت الكافي ليصل إلينا بعد. يتكوّن "الكون المرئي" من جميع مناطق الكون التي يمكن للضوء أن يصل منها، وذلك منذ حدوث الانفجار العظيم حتى اليوم. وهذا هو الجزء من الكون الذي يمكننا رؤيته بشكل أساسي إذا كانت لدينا المُعدّات المثالية اللازمة لرصد ذلك الضوء.

تبلغ المسافة بيننا وبين حافة الكون المرئي في هذه اللحظة حوالي 41.4 مليار سنة ضوئية. قد يبدو الأمر غريباً في البداية، فإذا كان عمر الكون 13.8 مليار سنة ضوئية، فيجب أن تكون المسافة الممتدة حتى حافة الكون المرئي هي نفسها المسافة التي يستطيع الضوء أن يقطعها خلال 13.8 مليار سنة (والتي تبلغ بالطبع 13.8 مليار سنة ضوئية). ولكن الحقيقة هي أن الكون في توسع، حيث تتحرك النجوم والمجرات مبتعدة عن بعضها البعض، وقد كان إدوين هابل (Edwin Hubble) أول من لاحظ هذا التوسع في عشرينيات القرن الماضي، كما أظهرت الأرصاد التي أجريت في تسعينيات القرن العشرين أن المعدل الذي يتوسع به الكون في تسارع، وبسبب هذا التوسع، فإن المسافة القصوى التي يمكن للضوء أن يكون قد قطعها منذ الانفجار العظيم تتجاوز 13.8 مليار سنة ضوئية، قدرتها الحسابات الفلكية بــ 41.4 مليار سنة ضوئية تقريباً.

ما الذي يوجد وراء حافة الكون المرئي؟ وماذا حدث قبل الانفجار العظيم؟. من المحتمل أن الكون كان موجوداً قبل الانفجار العظيم، وربما كان في حالة انكماش وقتئذٍ، بدلاً من حالة التوسع. كما أننا لا نعلم ما هو الشكل الكلي للكون.

قد يكون امتداد الكون غير نهائي، كما أنه قد يكون منتهياً، ولا تعني الحالة الأخيرة هذه أن للكون حافةً، فهذا سيكون غريباً؛ ﻷنه لو كانت هناك حافة، فيتوجب أن يوجد مكانٌ ما بعد هذه الحافة، وهذا المكان يجب أن يكون بالتأكيد جزءاً من الكون، لكن الأمر المحتمل هو إمكانية أن يكون الكون المرئي منتهي الامتداد دون أن تكون له حافة، ويشبه ذلك سطح الكرة الذي يمتلك مساحةً منتهيةً (يمكنك طلاؤها بكمية منتهية من الطلاء)، ولكنك لن تقع أبداً عن حافةٍ ما بينما تتجول على هذا السطح.

 

أكوان أخرى:

ماذا نعني إذاً بالأكوان "الأخرى"؟ هناك فكرتان رئيسيتان يجدر ذكرهما هنا. أولهما هي عن "الأكوان المتعددة" (multivers). ﻷسباب مختلفة، فإن من المنطقي أن نعتبر الكون مؤلفًا من مناطقَ مختلفة كلٌ منها معزول عن الآخر، ولكن تحكمها قوانين فيزيائية مختلفة، وفي هذه الحالة، يكون كوننا مجرد منطقة واحدة من هذه المناطق، وهو يكبر كما تكبر فقاعة في حوضٍ من فقاعات الصابون.

أما الفكرة الأخرى فهي عن "الأكوان المتوازية" (univers parallèle)، وهي مستوحاة من نظرية ميكانيكا الكم. وتقترح هذه النظرية ببساطة أن الأشياء قد تكون في حالتين وفي مكانين أو أكثر في نفس الوقت، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون الإلكترون في أماكن متعددة في نفس الوقت، ويمكن أن تكون الذرة المشعّة متخامدة وغير متخامدة في نفس الوقت. والسؤال المطروح في هذه الحالة، لماذا لا نرى هذه التراكب في حياتنا أبدًا؟

قد يكون من الممكن الإجابة على هذا السؤال بالشكل الآتي: كلما تم رصد واحدة من هذه المنظومات الكونية المتراكبة على بعضها البعض من قبل شخصٍ ما، أو ربما أداة رصد ما، فإن الكون ينقسم إلى فروع متعددة. تكون المنظومة الكونية الموجودةُ في كل فرع موجودةً في إحدى الحالات التي كانت متواجدةً مع بعضها بشكل متزامن. ويحتوي كل فرع منها على الواقع كاملًا، ويمكن اعتباره بشكلٍ ما على أنه كون مستقل بذاته. وهو أمر يصعب إدراكه

 

كيف سيعرف البشر إن كانوا يعيشون في أكوانٍ متعددة؟

يدّعي بعض الفيزيائيين النظريين بوجود فكرة الأكوان المتعددة، التي تفترض وجود نسخ متطابقة تقريباً عن الكون المعروف والموجود. لكن إذا كانت مثل هذه الأكوان المتعددة موجودة، فكيف سيعرف البشر بوجودها، وماذا ستعني لنا وللإنسانية؟

وفقاً لـلعالم Brian Greene، وهو فيزيائي نظري ومؤلف من جامعة كولومبيا في نيويورك، فقد يكون هناك طريقة من أجل معرفة إن كان الكون المرئي هو واحدا من أكوان متعددة.

يقول Greene في إحدى مقابلاته الصحفية ‘‘إن افتراض صحة بعض النسخ من الأكوان المتعددة قد تكون صحيحة وأكثر عرضةً للتأكيد‘‘. ويواصل حديثه قائلاً من الممكن مستقبلاً اكتشاف كون متعدد كما أنه من الممكن أن يُوجد الكون المرئي فوق غشاءٍ عملاق ثلاثي الأبعاد، بينما تقول نظرية الأوتار بأنّ الكون مؤلف في مكوناته الأولية، من أوتار أحادية البعد، وهي النظرية التي اُقترحت فكرة الأكوان المتعددة بالاعتماد عليها.

يقول Greene عن عالم كهذا: ‘‘إذا كان الكون هندسياً على شكل رغيف خبز، فإنَّ كل شيء نعرفه عنه يقع في جانبٍ واحد‘‘. فوفقاً لـ Greene، فإنه يمكن تصور أن حطاما ناتجا عن تصادمات أدى إلى هجرة جانبنا إلى كونٍ أوسع ليترك ورائه بصمات طاقة مفقودة، يمكن لمسرعات الجسيمات مثل المصادم الهادروني الكبير في سيرن أن يكون قادراً على كشفها.

تقترح بعض نظريات التضخم-و هي الفكرة التي تقول بأن الكون توسع بشكلٍ سريع جداً خلال الأجزاء الأولى من الثانية التي تلت الانفجار العظيم- نوعاً آخر من الأكوان المتعددة. إذ يُمكن أن يكون الانفجار العظيم واحداً من بين العديد من الانفجارات العظيمة، التي أدى كل منها إلى ولادة كونه الخاص –أي أن كوننا مجرد فقاعة كونية ضمن بحرٍ من فقاعاتٍ أخرى، كما ذكرت قبل قليل.

في مثل هذا السيناريو، قد يتصادم الكون المعروف مع كونٍ آخر، مما يمكن أن يترك وراءه بصمةً في الخلفية الكونية الميكروية، وهي الإشارة الأولى التي تركها خلفه الانفجار العظيم وفقاً لـ Greene.

يؤكد Greene بأنّ كل هذه الأفكار تستمر بالتضارب بشكلٍ كبير، ويقول: ‘‘إن لهذه هذه الأفكار ما يدعمها مما يجعلنا نفكر فيها بجدية، إلا أنها بعيدة عن الحقيقة العلمية المثبتة الآن‘‘.

يقول Greene بأنه إذا وُجدت الأكوان المتعددة، فإنه يمكن أن تؤدي إلى بعض العواقب الغريبة. فعالم مكون من عدد لانهائي من الأكوان سيؤكد افتراضياً أن الشروط الموجودة في كونٍ ما ستتكرر في آخر. وبصيغة أخرى، فإنه في الغالب سيكون هناك نسخة أخرى منك تقوم بحضور هذه المحاضرة التي يلقيها نسخة أخرى مني!

في مثل هذه الأكوان المتعددة، قد تقرر قراءة كتاب في كون ولا تقرأه في آخر. فماذا سيعني هذا الأمر بالنسبة للإرادة الحرة؟

ربما هي نقطة خلافية. إذ يعتقد Greene:‘‘ أن الإرادة الحرة تحطمت قبل نظرية الأكوان المتعددة بكثير‘‘.

وفقاً لـ Greene تصف المعادلات العلمية الجسيمات التي تُكون المادة، بما في ذلك الإنسان. في الوقت الذي تظهر فيه بنى معقدة أكثر، ولا تمتلك علاقة بجسيم مفرد –على سبيل المثال: درجة الحرارة – فإن كل شيء لا يزال يتمتع بـ "دعم فيزيائي ميكروي أساسي".

 

رحلة الكون المرئي من الفرادة الأساسية إلى حجمه الحالي:

اتضح للعلماء من خلال دراسة وتحليل وتطبيق معادلات النسبية العامة أن الكون في حالة اتساع وإن قياس أو حساب هذا التوسع يتم من خلال تجربة بسيطة تتلخص في مراقبة طيف الضوء الذي تبثه النجوم وغازات المجرات البعيدة. فلقد لاحظ العلماء أن طول الموجة المرصودة للضوء أكبر من طول موجة الضوء المبثوث عند انطلاقه من المصدر، أي النجوم والمجرات، وهو ينزاح نحو اللون الأحمر بسبب التوسع وهو ما يعرف فيزيائيا بــ redshift   أو تأثير دوبلر ويرمز له بــ (z) وإن هذا الاختلاف في أطوال الموجات الذي يعطيه المعيار أو الثابت (z) هو الذي يعلمنا بالعلاقة بين معدل أو ثابت المستوى   paramètre d’échelle   للكون المرئي الآن وماكان عليه الكون في لحظة انطلاق الضوء منه.

وما نشاهده ما هو إلا تفاعل الفوتونات الضوئية التي تبثها المجرة مع حقل أو مجال الثقالة أو الجاذبية الكونية. فلو كان الــ redshift أو (z) صغيراً يمكننا القول أن المقصود هنا هو تأثير دوبلر effet Doppler المألوف في حياتنا اليومية من خلال تلقينا لنوعية الأصوات الصادرة عن القطارات أو السيارات في حالة اقترابها منا أو ابتعادها عنا وهي الظاهرة التي تحدث مع كل أنواع الموجات الصوتية منها أو الضوئية، فكل مجرة أو أي كائن فيها، يرى أن باقي المجرات تبتعد عنه أو تقترب منه حسب الطيف الضوئي الذي يتلقاه منها. فنحن لسنا في مركز الكون بل احد المراكز التي لا تعد ولا تحصى للكون المرئي لأن كل نقطة فيه تبدو كما لو كانت هي المركز للتوسع.

كان العالم هابل Hubble هو الذي اكتشف التوسع الكوني ووضع له قانوناً مع العالم Humason   هيوماسون في نهاية سنة 1920 والذي تختصره المعادلة التالية v=Ho.D   وبموجبه تحدد قياسات المسافات والسرعات وبالتالي بموجبه فإن كل نقطة هي مركز للتوسع. وبتطبيق معادلات فريدمان ـ لوميتر بهذا الخصوص والمتعلقة بتطبيقات معادلات آينشتين ذاتها يثبت لنا أن المادة تكبح توسع الكون بينما الطاقة السوداء أو الداكنة أو المعتمة هي التي تسهم في توسعه.

كشفت لنا الكوسمولوجيا الحديثة العلاقة العضوية المترابطة بين الزمان والمكان والتي حددها آينشتين بمفهوم الزمكان، أن الضوء يسير بسرعة محددة وثابتة هي 300000 كلم في الثانية وهي أقصى سرعة يمكن إن تبلغها المادة في تنقلها وترحالها مما يعني أننا كلما نظرنا في البعد العميق للكون المرئي كلما رأينا ماضي هذا الكون. إن محدودية سرعة الضوء تمنعنا من الوصول إلى الفضاءات البعيدة للكون المرئي في حين تسمح لنا بمعرفة الماضي السحيق للكون المرئي وهي مفارقة جميلة فلو سار الضوء بسرعة لا متناهية فسوف لن يكون بوسعنا أن نشاهد على نحو مباشر ماضي الكون، إلى جانب ما يمكن أن تقوم به السرعة اللامتناهية للضوء من تأثيرات وتبعات وعواقب على باقي قوانين الفيزياء.

وبفضل هذه الهندسة المكانية للكون المرئي، فإننا كلما نظرنا للمجرات البعيدة جداً والواقعة على تخوم الكون المرئي، كلما اقتربنا من ماضي الكون وعلى نحو أدق، كلما اتجهنا نحو لحظة الفرادة الأولية الأساسية أو التأسيسية singularité initiale في اللحظة صفر t=0 وهذا الحد هو المعروف فيزيائيا بالأفق الكوني L’horizon cosmique، كلما اقتربنا من لغز الأصل، الذي لم يفك رموزه أحد بعد. ومن المؤكد أن ما وراء هذا الأفق الكوني هناك مجرات لامتناهية العدد لكنها عصية على المشاهدة والرصد لأن الضوء الصدر عنها ليس لديه الوقت الكافي لكي يصل إلينا، بل وربما توجد أكوان أخرى على غرار كوننا المرئي أو تختلف عنه. وفي كل الأحوال مهما توغلنا في الماضي الكوني فلن نصل أبداً مع الإشعاعات الكهرومغناطيسية لكي نشاهد اللحظة صفر t=0 لأننا سنصطدم بالحاجز الذي يفصل بين اللحظة التي أصبح فيها الكون شفافاً واللحظة التي كان فيها معتما وغاية في الكثافة والسخونة والعماء أو الشواش بحيث لايمكن لأي ضوء أن ينفذ منه.

وهكذا نستطيع القول أن الكون محدود بالنسبة لنا وإن حدوده لا تتعدى الخمسة عشر مليار سنة وهي التي تضعه في إطار وصف هندسي مكاني وكذلك في ظرف تاريخي محصور بين نقطتين هما: الأولى وتتعلق بأصله في لحظة الصفر t=0 المعروفة بالفرادة الكونية singularité cosmologique   والثانية وتتعلق بمصيره ومستقبله . وهناك بالطبع ماقبل الفرادة أي قبل البغ بانغ أي الانفجار العظيم، وما بعد الحد النهائي للمستقبل المفترض للكون وهي مفاهيم تعالجها الفيزياء الحديثة الثورية التي تتجاوز نسبية آينشتين وميكانيك الكموم الكوانتوم، ويسميها بعض العلماء بالميتافيزيقيا العلمية. ولكي نصف الكون في حالته البدئية لا بد من اللجوء إلى قوانين نيوتن وآينشتين في الثقالة أو الجاذبية الكونية والحال أنها تغدو معطلة، هي وباقي القوانين الفيزيائية الجوهرية الثلاثة الأخرى، في لحظة الصفر أو الفرادة، وبالتالي سنحتاج لنظرية جديدة في الثقالة الكمومية أو نظرية كوانتية أو كمومية للجاذبية أو الثقالة théorie quantique de la gravitation والتي لم نتوصل إليها بعد.

تبدأ معلوماتنا العلمية الدقيقة عن الكون المرئي بعد زمن بلانك وهو 10-43 من الثانية بعد لحظة الفرادة الأولية والأساسية والتي تدور حولها تساؤلات عويصة وعلامات استفهام كثيرة. ثم يجري الزمن وتأتي لحظة التضخم المفاجيء في 10 -35 من الثانية بعد البغ بانغ، الانفجار العظيم، وفي الدقيقة الثالثة من عمر الكون المرئي تنتج التفاعلات النووية الأولية ويتكون الدوتريوم والهليوم 3 والهليوم 4 والليثيوم 7 وذلك من بروتونات ونيوترونات موجود في ذلك الحساء الساخن. وفي الــ 3000 الثلاثة آلاف سنة التالية لم تعد الإشعاعات هي الطاغية على كثافة طاقة الكون بل المادة التي تتحرك بسرعة أقل بكثير من سرعة الضوء. وفي الــ 300000 الثلاثمائة سنة التالية من عمر الكون أصبح الكون شفافاً بعد أن كان معتماً. وكان شعاع الخلفية الكونية الماكروية المنتشر le fond diffus cosmique هو آخر ضوء غير مرئي يبثه الكون بعد ولادته مباشرة بعد ان اجتزنا مرحلة يسميها العلماء العمر المعتم أو الداكن للكون بدون أية إشعاعات أو نور أو ضوء، وبعدها تحدث عملية القدح للكون عند انهيار الغاز الكوني على نفسه مؤدياً إلى ولادة أول النجوم بعد بضعة عشرات الملايين من السنين من حدوث الانفجار العظيم البغ بانغ. ومن ثم تشكلت المجرات من تجمعات النجوم والكوازارات أو السدم أو حشود المجرات والحشود الفائقة من المجرات amas et super-amas des galaxies حتى وقتنا الحاضر.

علماء الفيزياء النظرية بحاجة لفرضية التضخم لتفسير حالة الاتساق والتناسب أو التجانس القصوى homogénéité وحالة تساوي الخواص في جميع الجهات isotropie وشبه التسطح في شكل الكون. ولقد اعتقد العلماء أننا نعيش في كون منظم ومنتظم نسبياً والتي قادت بعض التخلخلات واللاانتظام فيه إلى ولادة مجرات يمكننا رصدها. واقترض العلماء أن أي قطعة من الكون، لا على التحديد، متصلة سببياً بالكون البدئي الأولي Univers primordiale   حيث تكون كل الجسيمات الأولية فيها قد تبادلت المعلومات فيما بينها ومن ثم دخلت في حالة توسع مفاجيء وسريع هائل سمي بالتضخم حيث تمدد الكون بنسبة 1030، أي مائة مليار المليار المليار مرة في جزء من مليار من الثانية.

وكانت الانتفاخة الناجمة عن التضخم متجانسة لأن كل المناطق متصلة سببياً منذ البداية أما التخلخلات الميكروسكوبية في الكثافة الناتجة بفعل الظواهر الفيزيائية الكوانتية أو الكمومية المسماة التقلبات الكوانتية fluctuations quantiques، فقد تمددت إلى أحجام ماكروسكوبية وانهارت على نفسها تحت وطأة ثقالتها مؤدية إلى ولادة المجرات . فالتضخم يتيح في آن واحد، تفسير الانتظام الشامل للكون والخلل واللاانتظام الموضعي. ومن ثم أعقب التضخم حالة من التوسع المنتظم وغير المتسارع. بقي أن نعرف ما هي الآلية المسؤولة عن هذا التضخم الهائل والمفاجيء للكون البدئي. علماء الفلك وعلماء الكونيات وعلماء فيزياء الجسيمات يتحدثون عن ظاهرة سميت بــ " الفراغ الزائف faux vide " ناجمة عن وجود حقل مادي خاص جداً، من خصائصه أن لديه ضغط سلبي، فالمكان يدفع المكان وكلما دفع المكان المكان كلما تكون مكان أكبر أو المزيد من المكان لذلك كان التضخم. وبعد التضخم حصل فراغ حقيقي حيث كان الضغط إيجابياً لكنه مهمل وتم كبح التضخم بفعل تواجد المادة. لذلك أعتبر التضخم inflation مفهوم قبل أن يكون نظرية متكاملة ومتينة ولقد تم اختبار صحة هذا المفهوم بفضل المشاهدات الفلكية بواسطة التلسكوبات الفضائية المتقدمة من نوعية تلسكوب بلانك .

إن التساؤلات بشأن الألغاز الكونية لا تنتهي، فالعلماء يركزون على الــ " الكيف" ويتفادون الخوص في الــ " لماذا" . فمن أين جاء الحساء الكوني الأولي ولماذا كان موجوداً؟ لا أحد يعرف. من الممكن افتراضياً أن الكون قبل التضخم نتج عن ترجرج أو تقلب الفراغ الكمومي أو الكوانتي fluctuations du vide quantique حيث أن نظرية الكموم أو الكوانتا تقوم على نظرية المصفوفات التي جوهرها الاحتمال وليس اليقين، ولكن يبقى السؤال من الذي أحدث هذا التقلب والترجرج الكوانتي ولماذا؟ في مستوى بلانك، حيث مازلنا نحتاج ونبحث عن نظرية كمومية أو كوانتية للثقالة أو الجاذبية، يدار الكون البدئي وفق قوانين الميكانيك الكمومي، ويمكن وصف تلك الحالة بأنها بمثابة رغوة أو مجاج للزمكان قبل تشكله المادي المعروف، وبفعل الظواهر الكمومية أو الكوانتية، تظهر أكوان طفولية حديثة الولادة تسمى البي بي أكوان bébé-Univers تنبثق من هذا المجاج وتبدأ مرحلة التوسع ومن ثم، بسبب غامض لدينا، يحدث لها تضخم مذهل ومفاجيء وفي لمح البصر. تساءل الفيلسوف الألماني الكبير لابنيزLeibniz :" لماذا يوجد شيء ما بدلاً من لا شيء؟" لم يتمكن أحد من الإجابة على سؤاله لأن اللاشيء غير قابل للتفكير ولا معنى له في حين إن الفراغ الكمومي أو الكوانتي ليس اللاشيء ولا العدم بل هو كينونة تسيرها القوانين الكمومية أو الكوانتية ويمكن تصوره أو التفكير فيه وهو غير مستقر ويمكن أن يؤدي إلى ولادة أكوان طفولية تواصل تطورها كأي كائن حي. من هنا أعتقد بعض العلماء أن ماضي وحاضر ومستقبل الكون المرئي ثبتت من خلال معرفة المعايير والثوابت الكوسمولوجية ولم يبق أمام علماء الفلك والكونيات سوى اكتشاف وقياس أو حساب تلك المعايير والثوابت والضوابط paramètres وبفضلها بوسعنا أن نعرف معلومات عامة عن محتوى الكون المرئي على مستوى اللامتناهي في الكبر. الحسابات الحديثة عن الكون تطرح علينا ثلاث تساؤلات أساسية: 1- أين هي البايرونات المادية الداكنة أو المعتمة أو السوداء، أو بعبارة أخرى المادة السوداء، إذ توجد كميات من المادة العادية أو الطبيعية المعروفة أكثر بكثير مما يوجد من نجوم منظورة ومرصودة من خلال ما تبثه لنا من ضوء؟ ماهي طبيعة أو ماهية المادة السوداء غير البايرونية حيث تبلغ النسبة الكلية 30% من الكثافة في حين أن المادة العادية لا تسهم سوى بنسبة 3% ؟ ربما المقصود بذلك ان هناك نوع من الجسيمات توقعتها أو تكهنت بها نظريات توحيد المادة، أي نوع من الجسيمات الأولية التي ظلت على شكل حفريات أو شاهد على المراحل الأولى من عمر الكون المرئي، والتي تشكل حالياً المادة الطاغية في الكون، وهناك حسابات أخرى تتعلق بالثابت الكوني الذي تخلى عنه آينشتين في بدايات القرن الماضي وأظهرت الحسابات الرياضية ضرورة وجوده لمعالجة معضلة التوسع الكوني حيث يعمل بطريقة الضغط السالب المعاكس للجاذبية أو الثقالة أي قوة نابذة وطاردة لا أحد يعرف مصدرها ولا طبيعتها أو ماهيتها أو خصائصها إلى جانب مشكلة حقيقة هيكيلية وهندسة وشكل الكون المرئي، ولماذا توجد أشكال محدودة جداً للمجرات مما يستوجب العودة إلى الوراء، إلى فترة تشكل المجرات وما قبلها.   فالعلماء يسبرون بشكل أعمق الحالة الغريبة للكون عند ولادته وتمكنوا، عن طريق جمع البيانات المأخوذة من اثنين من مسرعات الطاقة العالية، من استخلاص قياسات لخاصية استثنائية لأحد المراحل الغريبة في نشأة كوننا المرئي تعرف باسم البلازما (كوارك - غلوون) quark-gluon plasma. ولقد أظهرت النتائج سمات جديدة لهذا "السائل المثالي" فائق الحرارة، والذي سيوضح لنا حالة الكون المرئي المبكرة بعد حدوث الانفجار العظيم مباشرة عندما كان عمره جزء من مليون من الثانية فقط. ورد ذلك في مقال علمي بهذا الخصوص بعنوان   المادة الغريبة: نظرة عن قرب للسائل المثالي تلقي الضوء على ما حدث في جزء من مليون من الثانية من عمر الكون بعد الانفجار العظيم Matière exotique: Le regard profond sur la fluide parfait jette la lumière sur ce qui s'est passé en un fragment de seconde après le Big Bang. وسيظل العلماء يبحثون ويضعون الفرضيات والنظريات ويقومون بالمشاهدات وعمليات الرصد والتجارب المختبرية خاصة في مصادمات الجسيمات التي تحتاج إلى طاقات هائلة، للاقتراب من الظروف التي كانت سائدة عند لحظة الفرادة الكونية وقبل الولادة المفترضة للكون المرئي.

 

د. جواد بشارة

 

جواد بشارةيتمحور تقدير العلماء لعمر الكون المرئي حول الرقم 13.8 مليار سنة أو ما يقارب الــ 14 مليار سنة وهو عمر أول شعاع ضوئي وصلنا منذ نشأة الكون بعد الانفجار العظيم، أي بعد مرور 380000 سنة على ولادته، وقد يكون أقدم من ذلك بكثير. واليوم، ونحن في نهاية الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين، نتساءل، أما آن الأوان لإعادة النظر، وإعادة تأهيل دعامتي الفيزياء المعاصرة، ألا وهما نسبية آينشتاين والميكانيك الكمومي أو الكوانتوم؟ فالنسبية صحيحة وصالحة رغم مضي أكثر من قرن على صياغتها لكنها تقف عاجزة عن العمل والتطبيق في النطاق ما دون الذري أو الكمومي أو الكوانتي، وميكانيك الكموم صحيح وصالح لكنه يتوقف عن العمل عند تطبيقه على النطاق الكوسمولوجي الكوني، والعلماء يبحثون منذ عقود طويلة عن الجاذبية الكمومية أو الثقالة الكوانتية بلا طائل. وأمام الجميع تحديات عصية لأنه ما يعرف عن الكون المرئي لا يتجاوز نسبة الــ 5% وما هو مجهول يقارب الــ 95% وهناك الألغاز الدائمة التي تتطلب الحلول و تتعلق بالثقوب السوداء وما يجري في داخلها، وبالثقوب البيضاء المعاكسة لها، وبالثقوب الدودية وهل هي حقاً تأخذنا إلى عوالم أو أكوان أخرى، وهناك المادة السوداء أو المظلمة وكشف طبيعتها وماهيتها، ونفس الشيء بخصوص الطاقة المظلمة أو المعتمة أو السوداء ومعرفة أصلها وتكوينها وماهيتها، وهل الكون محدود أم لانهائي، وماذا وراء الأفق الكوني لكوننا المرئي، و أخيراً وليس آخراً، هناك ما يعرف بلغز ما قبل الانفجار العظيم البغ بانغ وماذا كان يوجد قبل حدوثه. وبدون توحيد هاتين الدعامتين الأساسيتين لا يمكن للفيزياء أن تتقدم.

هناك فريقي بحث من علماء الفيزياء في المملكة المتحدة يحاولان بث حياة جديد لفكرة تجربة   قد تقود في نهاية المطاف إلى توحيد مجالي الميكانيك الكمومي أو الكوانتي la mécanique quantique والنسبية العامة la relativité générale، المجال الأول هو فرع الفيزياء الذي يقوم بدراسة ووصف الظواهر الجوهرية التي تحدث في الأنظمة الفيزيائية وبشكل خاص على المستوى الذري أو النطاق ما دون الذري، وبموجبها تتحقق نمذجة الجسيمات الأولية والمبنية على مبدأ الاحتمالية، والتي لا توجد لها قيم ثابتة طالما لم نقم بعمل قياسات وحسابات لها. ليس لأن الفيزياء الكمومية أو الكوانتية فضفاضة، فبعد أكثر من قرن من التجارب جعلت منها أحد النظريات العلمية الأكثر صلادة ورسوخاً. والمجال الثاني هو نظرية النسبية العامة التي تصف الثقالة أو الجاذبية التي تحدث تأثيراً على نسيج ممتد ومتصل ومتسق أو متجانس يعرف باسم الزمكان l’espace-temps، وهي كذلك النظرية الأكثر صلاحية وصحة من كل النظريات التي ظهرت في مجال علم الفيزياء لغاية الآن والتي بفضلها يمكننا توقع حركة الأجسام على المستوى أو النطاق الكوني وبدقة بالغة. لكنهما رغم نجاحهما المدوي في وصف الكون المرئي بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر، إلا أنهما لا يعملان معاً، خاصة عندما تدخل الجاذبية أو الثقالة، وهي إحدى القوى الجوهرية الأربعة للكون، في موضع الدراسة في النطاق الذري وما دون الذري نظراً للضعف الكبير للتفاعلات الثقالية مقارنة بتفاعلات القوى الجوهرية الأخرى للطبيعة كالكهرومغناطيسية، والقوة النووية الشديدة أو القوية، والقوة النووية الضعيفة.

في سنة 1957 ابتكر العالم الفيزيائي الأمريكي الشهير ريشارد فينمان Richard Feynman نموذج تجريبي حيث تخيل كتلة صغيرة موجودة فعلياً في مكان معلوم ومحدد في حالة وجود قياس أو حساب بشأنها، لكنها لا توجد على نحو مغاير في أي مكان آخر معلوم أو محدد، أو توجد في حالة تراكب superposé، وعند وضعها في مجال أو حقل ثقالي ينبغي أن ترتبط الكتلة بالسمات أو الخصائص الكمومية أو الكوانتية للثقالة عن طريق ما صار يعرف بالتشابك الكمومي أو الكوانتي intrication . ومن أجل أن نرى فيما إذا كان المجال أو الحقل المذكور قد كمم quantifié في الطبيعة، اقترح ريشارد فينمان البحث عن علامات تداخل بين الموضعين الممكنين، قبل حساب الموضع الحقيقي. فلو تفاعل الموضعان الممكنان قبل انفصالهما عن المجال أو الحقل، عندها سيكون للثقالة طبيعة كمومية أو كوانتية يمكن دراستها. هذه هي الفكرة التجريبية الأساسية التي اقترحها ريشارد فينمان كأساس. ولكن، وحسب أبحاث الفريقين المذكورين أعلاه، فإن أحد الجسيمات الأولية في حالة تراكب يمكن أن يتفاعل مع نفسه، حتى داخل مجال أو حقل ثقالي كلاسيكي متواصل، ما لا يدع مجالاً للشك. ففريقي بحث جامعة أكسفورد أظهرا أن أي زوج من الأنظمة الكمومية أو الكوانتية يمكن أن يتداخلا في نظام ثالث، ولكن فقط في حالة أكممة quantifié هذا النظام الثالث، وهذا يترك المجال للافتراض أن من الممكن لزوج من الكتل، كل واحد في حالة تراكب، يتزاوجان على نحو منفصل بتداخلهما في صيغة كمومية أو كوانتية لمجال أو حقل ثقالي، وإذا لم تكن الثقالة كمومية أو كوانتية، عندها لن يكون هناك تشابك كمومي أو كوانتي.

ربما حان الوقت للعثور على نظريات جديدة للزمكان:

لم يدحض أحد لحد الآن نظرية النسبية العامة لآينشتاين لكنها تعرف حدودها. وهناك محاولات لتجاوزها أو تطويرها من قبل نظرية الأوتار الفائقة le théorie des supercordes ونظرية الثقالة الكمومية الحلقية أو العروية la théorie de la gravité quantique à boucle

المتنافستان. فالنسبية العامة لم تتمكن من وصف ما يحدث داخل الثقب الأسود ولا وصف جزء من مليار المليار من الثانية الأولى للكون قبل زمن بلانك. والميكانيك الكمومي أو الكوانتي لم يتمكن من وصف الثقالة على المستوى أو النطاق الفائق، إلا أنه يفترض أن انتقال الطاقة يتم على شكل حزم من الكموم وعلى نحو غير متصل discontinue عكس ما تدعيه النسبية العامة التي تقول أنه يتم على نحو متصل continu وبالتالي لا بد من إيجاد نظرية جديدة في الجاذبية أو الثقالة الكمومية gravité quantique .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

جواد بشارةهل يستمر الزمن الكوني في حال توقف ساعات الأرض عن العمل؟ وهل الزمن الذي يمر على الأرض هو نفس الزمن الذي يمر على باقي الكواكب والنجوم والمجرات في الكون؟ الجواب هو بالنفي بالرغم من تعريف نيوتن للزمن الكوني بأنه زمن مطلق يتدفق بانتظام دون أن تكون له، علاقة أو يتأثر، بأي شيء خارجي على الإطلاق، فهو ثابت وغير قابل للارتداد والانعكاس والعودة إلى الوراء. في حين أكد آينشتين منذ عام 1905 في نظريته النسبية عدم وجود زمن كلي مطلق بل نسبي، وهو مرتبط بالحركة والثقالة، والشيء المطلق الوحيد في الكون المرئي هو سرعة الضوء التي تقدر بــ 300000 كلم/ثانية، وإن الزمن يتمدد ومتغير ومرتبط عضوياً بالمكان في وحدة لا تنفصم سماها الزمكان وإن الثقالة أو الجاذبية تؤثر في انحناء وتحدب المكان والزمان معاً . فالثقالة تقوم بتبطيء الزمن وكلما كانت الثقالة كبيرة كان التأثير كبيراً على الزمن كما لاحظ العلماء وأثبتوا ذلك مختبرياً وتجريبياً، وإن أكثر مكان يتأثر فيه الزمن هو بالقرب من الثقب الأسود حيث يبدو الزمن متوقفاً مقارنة بالزمن الذي يمر على مناطق بعيدة عن الثقب الأسود. وبهذا الصدد كتب آينشتين بعد وفاة صديقة ميشيل بيسو: " أننا معشر العلماء نعتقد أن الزمن وهم وإن الفصل بين الماضي والحاضر والمستقبل وهم أيضاً وإن كان وهماً مقنعاً ". و لا يوجد في نظرية آينشتين ما يمنع التفكير في إمكانية السفر عبر الزمن خاصة إلى المستقبل. بمعنى أن هناك اتجاه ملموس للزمن يسمى بسهم الزمن وهو عادة من الماضي إلى المستقبل مروراً بالحاضر . قال العالم جون ويلر ذات مرة مازحاً:" إذا سألت الذرة عن سهم الزمن فسوف تضحك عليك وتسخر منك" وهذا ينطبق على الكون المرئي برمته. وفي لحظة الانفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة، كان الأنتوربي entropieــ وهو مقياس الفوضى في نظام ــ منخفض جداً ومع توسع الكون وتمدده وتضخمه زاد الأنتروبي باضطراد كما يخبرنا قانون الترموديناميك الثاني، ومن هنا نشأ الشعور بسهم الزمن. و لا أحد يعرف على وجه الدقة ما إذا كان الزمن قد بدأ بالفعل مع نشوء الكون، أي إن الانفجار العظيم هو الأصل والحد الأقصى للزمن، ومن البديهي القول أن ليس هناك أحد يعرف ما إذا كان هناك زمن قبل ذلك الزمن الذي بدأ للتو مع ولادة الكون المرئي وعلى وجه الدقة في 10-32 من الثانية الأولى بعد حدث الانفجار العظيم البغ بانغ، بتعبير آخر هل كان هناك زمن قبل الانفجار العظيم البغ بانغ. ولكن على مستوى مادون الذري أي في نطاق اللامتناهي في الصغر في عالم الكموم أو الكوانتوم، تم التعاطي مع الزمن من منظور نيوتن وليس آينشتين، وهنا مكمن صعوبة الجمع والتوحيد بين النظريتين الكوانتية أو الكمومية والنسبية، والحال أن معضلة الزمن تسببت بمشاكل عويصة حتى داخل النظرية الكوانتية أو الكمومية وخلقت الكثير من التشوش والغموض، وفي حالة تطبيق نظرية الكم أو الكوانتوم على الكون الواسع أي اللامتناهي في الكبر يختفي عامل الزمن من المعادلات الرياضياتية، وأعتبر البعض أن الزمن غير موجود وهو مجرد وهم عكس ما يصر عليه العالم لي سمولن ويعتبره موجوداً ومستقلاً. وإن الزمكان الآينشتيني ما هو إلا حالة ناشئة خاصة بالكون المرئي نجمت عن الانفجار العظيم . لذا يبقى السؤال قائماً: هل الزمن واقعي وحقيقي، أي كينونة حقيقية كونية موجودة، أي جزء من المادة، أم هو وهم مختلق ومفهوم بشري ؟ وما تأثير ذلك على صورة وحقيقة وطبيعة وماهية الكون؟ ما هي المعاني الحقيقية لمفاهيم القبل والبعد، الماضي والحاضر والمستقبل، و الآن وفيما بعد؟

يخبرنا القانون الثاني للترموديناميك ، أو الديناميكا الحرارية، أنه في إطار مراحل زمنية قصيرة هناك فرص في أن يكون التغيير في الأنتروبي إيجابياً أو منعدماً في أسوء الأحوال. فلو بدأنا إعدادات خارج التوازن فهذا يعني أننا بدأنا ترتيباً أو إعداداً configuration ضعيفاً للاحتمالية، أي أنتروبي ضعيف وما سينتج على نحو محتمل من جراء هذا الإعداد هو أنه سيكون عشوائياً بفعل تصادم الذرات مما سوف يزيد من درجة الاحتمالية لهذا الإعداد وبالتالي يزداد الأنتروبي نسبياً.

وعلى ضوء ذلك فإنه إذا كان الكون في حالة توازن فهو لا يمكن إلا أن يكون معقداً ومركباً وليس بسيطاً لأن العمليات العشوائية التي تقوده للتوازن تدمر أي حالة تنظيم ولكن ذلك لا يعني أن التعقيد يمكن قياسه بغياب الأنتروبي لذلك نحن بحاجة إلى مفاهيم تتجاوز ترموديناميك أنظمة التوازن.

لو تناولنا موضوع علم الكون أو الكوسمولوجيا من منظور ترموديناميكي، وتساءلنا لماذا يبدو الكون جذاباً ويحظى باهتمامنا سيكون التعاطي أكثر حيرة ومدعاة للفضول intriguant . فمن زاوية المنظومة النيوتنية أو المفهوم والنموذج النيوتني paradigme فإن الكون يحكمه حل أو قانون solution ومعادلات لقانون ما. ويمكن مقاربة مثل هذا القانون بالجمع بين النسبية العامة ونموذج معياري لفيزياء الجسيمات، و لا أهمية للتفاصيل الأخرى. والحل أو المعطى الذي يحكم الكون ويسيره منتقى من بين عدد لامتناهي من الحلول أو القوانين أو المعطيات، ويمكن تحديده باختيار للشروط أو الظروف الأساسية الأولية التي كانت موجودة في لحظة، أو بجوار لحظة،الانفجار العظيم.

ما يخبرنا به الترموديناميك هو أنه، " كل حل solution تقريباً من قوانين الفيزياء يصف كوناً يكون في حالة توازن، لأن التوازن بحكم تعريفه وبطبيعته، مكون من الإعدادات والترتيبات configurations الأكثر احتمالية". كما أن هناك علاقة تضمينية للتوازن تقول أن حلاً نموذجياً أو نمطياً solution typique لقوانين، هو بالضرورة تناظري مع الزمن، بمعنى ــ أن أية تقلبات وتخلخلات fluctuations موضعية محلية نحو حالة أكثر انتظاماً تكون محتملة بقدر احتمالية تقلبات أو تخلخلات نحو حالة أقل انتظاماً ــ لو عرضنا فيلم النظام بالمعكوس فهو سيعطينا تاريخاً محتملاً ومتناظراً من ناحية الزمن يتيح لنا القول على نحو إجمالي، بعدم وجود سهم للزمن. والحال أن كوننا لايشبه بأي حال هذه القوانين والحلول النمطية من القوانين. واليوم، وبعد مضي 13.8 مليار سنة على حدث الانفجار العظيم، لا يوجد كوننا في حالة توازن. والحل أو القانون الذي يصف كوننا هو لا متناظر من ناحية الزمن، وخصائصه غير محتملة، فيما لو أختير القانون أو الحل على نحو عشوائي أو بالمصادفة par hasard. كان أول معلم من معالم تعشق تروس الزمن في آلة الكون هو ما تم الكشف عنه مؤخراً وهو قانون النطاق loi d’échelle الذي قاد الطاقة الأولية البدئية للكون الوليد لكي تغدو بلازما من الجسيمات الأولية وهي التي بدورها أدت إلى ظهور واقعنا الذي نعيشه الآن ومن ذلك نرى كيف أن سهم الزمن لم يفحص وغيب في مخاضات نفس القانون ألا وهو قانون الترموديناميك . ولكن إذا أدركنا كيف يجري الزمن فهذا لايعني أننا نعرف طبيعته وكنهه وماهيته، والسؤال الذي يتردد هو : هل يدعم الترموديناميك ويأخذ على عاتقه كامل مفهوم الزمن ؟ لا أحد يشك بصلاحية هذه الفرضية أو النظرية وأغلب العلماء والفيزيائيين يتفقون على أنها الوحيدة التي تصيغ بوضوح مقولة الزمن الذي نعرفه وندركه، مهما كان المستوى أو النطاق، وفي كل لحظة، فإن المادة تتحول بدون انعكاس، فالأجسام تشيخ والمادة تتبعثر والكون يتوازن . وما أن ندرك ما يشبه تجربتنا بالزمن، أي التمييز بين الماضي والمستقبل، تتدخل الحرارة في عملية الإدراك. ولكن هل هذا الزمن الحراري temps thermique هو الزمن الحقيقي؟ هل هو حقاً المفهوم الكوني الشمولي والنهائي الذي يطبق منذ بداية الكون إلى نهايته وعلى كافة المستويات والنطاقات؟ لأن جوهر الترموديناميك ــ بما أننا ننطلق من نظرية للغازات ـ يصف لنا سهم زمن محلي في نظام معزول ومتجانس أو متسق، والحال أن الكون في حالة توسع وتمدد لانهائي ومليء بأنظمة دنيا فرعية غير متجانسة . فالترموديناميك يعمل بصور جيدة في أنظمة مغلقة وقريبة من التوازن الحراري . إلا أن سلوك نظام شمولي مثل الكون في حالة تمدد وتوسع دائم، أمر مختلف تماماً . وعندما يتم تعميم هذا الزمن الحراري على الكون برمته يواجه الفيزيائيون عقبة : فالترموديناميك يفترض أنه هذا النوع من الزمن بدأ جريانه مع حد أدنى من الأنتروبي، ومع إعداد أو ترتيب في غاية اللانمطية للمادة، ومع فرادة غير قابلة للتفسير. فمن جهة هناك المبدأ الثاني للترموديناميك الذي يقول أن كل نظام يتطور طبيعياً نحو حالة نموذجية أو نمطية هي الأكثر احتمالاً، وفي نفس الوقت نفترض أن الكون بدأ في حالة في غاية اللانمطية، أي شاذة وغير قياسية وغير محتملة. والمعروف أن العلماء والفيزيائيين لايحبون الفرادات المتطرفة ما يدفعهم للاعتقاد أن الطبيعة والماهية الحقيقية للزمن ما تزال خفية، وإن الزمن الحراري ليس سوى حالة خاصة، مجرد تجلي يتوافق مع مستوى إدراكنا، وبالتالي لابد من العمل على اكتشاف الجوهر الحقيقي والماهية الحقيقية للطبيعة. والحال لو وضعنا الترموديناميك جانباً، لا توجد أية نظرية أخرى للتفكير بالزمن أو تتعاطى مع الزمن penser le temps، فكل قوانين الفيزياء الجوهرية الأخرى التي تسير الكون والمادة خالية من مفهوم اللاإنعكاسية أو فكرة اللارجعة notion d’irréversibilité، هذا هو المفهوم الأساسي، المفتاح الذي يقود ظاهرة لكي تحدث في اتجاه ما وليس في إتجاه آخر، والتمييز بين الماضي والمستقبل. وكان هذا هو واقع الحال من الصياغات الرياضياتية الشكلية الأولى التي قدمها إسحق نيوتن في القرن السابع عشر حيث نعثر على مؤشر حقيقي لتطور الظواهر في الزمن ولكن لا وجود لسهم الزمن، سواء في قانون حركة الأجسام الذي أدخله نيوتن في المعادلات التي تصف انتشار الموجات الكهرومغناطيسية لماكسويل أو في غيرها من معادلاته، فالزمن متناظر على نحو غريب وكل شيء قابل للعودة والرجوع . فكل تلك الأشياء الرياضياتية تتسامى بالزمن على حد تعبير العالم الفيزيائي لي سمولن Lee Smolin. المثير للاضطراب والحيرة أكثر هو مفهوم " الحاضر " و " الآن " الكوني الذي نفهمه وندركه ونتشاركه جميعاً والذي تبخر منذ أن أعاد آينشتين صياغة ميكانيك نيوتن داخل نظريته النسبية منذ أول أبحاثة المنشورة في هذا المجال سنة 1905 حيث اختفى مفهوم التزامن simultanéité. فلا وجود لساعة كونية تشير إلى وقت وزمن واحد وموحد نسترشد به ونرجع إليه في جميع أرجاء الكون أياً كان موقعنا في الفضاء . فالتزامن وتوحيد التوقيتات يتطلب اتاصل والحال أنه لا يوجد اتصال أسرع من الضوء، ونحن نعرف أن سرعة الضوء محددة ومحدودة بــ 300000 كلم/ثانية من هنا حطم آينشتين وألغى إطلاقية الزمن مثبتاً أن قياساً للزمن يعتمد على سرعتنا في الفضاء، والزمن يختلف من مكان لآخر حسب السرعة والثقالة . فهندسة التحدب والإنحناء للفضاء تستند إلى توزع المادة وكتلتها. وكما قال آينشتين الوقت يمر أسرع فوق الجبال مما هو على الأرض المسطحة أو فوق سطح البحر حيث يغدو الفضاء ديناميك . وحتى في نظرية الكموم أو الكوانتوم، حيث يجب البحث عن الأجوبة في قلب أصغر المكونات المادية . فالكوانتوم la quantique أو الكم يؤسس الترموديناميك الذي يتحكم بالزمن الماكروسكوبي . فهناك عالم متسق متجانس، ومع ذلك فإن إحدى معادلاته الجوهرية الأساسية، وهي معادلة شرودينغر، هي تماثلية وتناظرية كما هو الحال عند نيوتن وآينشتين . أما المعادلات الكمومية أو الكوانتية الأخرى فتوحي بضرورة البحث في شكل آخر من التزامنية لوصف الظواهر، وهي المعروفة بالتشابك الكمومي أو الكوانتي intrication الذي يتحدى الزمكان الآينشتيني ويقول بوسع جسيمين أن يرتبطا ببعض لحظياً أو آنياً مهما كانت المسافة المكانية التي تفصل بينهما.أغلب العلماء يلتزم الصمت فيما يخص معضلة الزمن . فالفيزياء لا تصف ولا تشرح كيف تتطور الأشياء في الزمن بل كيف تتطور في زمنها هي فلكل شيء زمنه الخاص، وكيف تتطور تلك الأزمنة بعضها بالنسبة للبعض الآخر، كما قال العالم كارلو روفيللي في كتابه المكرس للزمن. لذلك يضطر العلماء للمغامرة خارج حدود النظريات السائدة ومحاولة استكشاف أرضيات جديدة وغير مؤكدة . فهناك من يشدد على البحث في أعماق العالم الكمومي أو الكوانتي، فصفة العكوسية أو قابلية الرجوع للعالم الميكروسكوبي ليست حالة ظاهرية، والشكلانية الكمومية أو الكوانتية تنم عن مبدأ ذا نظام عميق بوسعه توليد الزمن . البعض الآخر يقول بضرورة البحث في أسرار الثقالة والبحث عن طريق ثالث بين نيوتن وآينشتين. فالنظرية الكمومية تصف جيداً أنظمة مصغرة لكن تعميمها على النطاق الكوسمولوجي ليس بالأمر البديهي كما يقول العالم لي سمولن والحال أن القانون المهمين في المستوى الكوسمولوجي هو الثقالة وإن الزمن يختفي وراء ذلك المجهول الكبير الذي يمنع توحيد الفيزياء الكمومية أو الكوانتية مع الفيزياء النسبية الكلاسيكية والترموديناميك من هنا يمكننا القول إن أكبر تحدي أمام علماء الفيزياء في القرن الواحد والعشرين هو إعادة التفكير بمفهوم الزمن لأنه المفتاح الذي سيفتح لنا آفاقاً جديدة وجريئة على حد تعبير لي سمولن في كتابه " إنبعاث أو ولادة الزمن ثانية la renaissance du temps" والذي يصيغ نظرية تقول إن الفضاء أو المكان ولد من الزمن فهذا الأخير هو الأصل. أتباع التيار الأول وعلى رأسهم آلان كون Alain Connes و كارلو روفيللي Carlo Rovelli يقولون بأن الحقيقة الحقة في الكون لا تتمثل بمرور الزمن بل في ما يسمى بالمصادفة الكوانتية أو الكمومية aléa quantique، وهي بمثابة ضربة النرد أي المخاطرة الكمومية ويصيغون آلية متقنة رياضياتياً لإثبات أن الزمن ينبثق من المعرفة الجزئية للنظام الكمومي أو الكوانتي ما يعني أن جهلنا بتفاصيل العالم الكمومي أو الكوانتي الملازم للنظرية هو الذي يفرض علينا شكل من أشكال النظام أي الزمن. وإن هذا الزمن الكوانتي أو الكمومي ناجم عن خاصية من الخواص الكمومية أو الكوانتية المرصودة وهو غير قابل للتبدل فقياس السرعة والموقع بهذا التعاقب لجسيم أولي لا يعطي نفس النتيجة فيما لو قسنا أو حسبنا العملية بالتعاقب المعكوس أي الموقع ثم السرعة وإن الخاصية غير التبديلية هي التي تؤدي إلى ولادة الزمن الترموديناميكي عبر معادلة كوبو-مارتن-شوينغر Kubo-Martin-Schwinger علماً أن الزمن الكمومي أو الكوانتي والزمن الترموديناميكي مترابطان على نحو وثيق. فيما يقول العالم كارلو روفيللي إن النظرية الجوهرية للطبيعة يمكن أن تصاغ دون حاجة لاستخدام المبدأ المتعارف عليه للزمن في إطار نظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية العروية أو الحلقية la gravitation quantique à boucles في سياق مساعي توحيد النسبية والميكانيك الكمومي أو الكوانتي في الفيزياء، ويعتقد أن إدراكنا للزمن ناجم عن جهلنا الكلي لطبيعته وماهيته الحقيقية لذلك فهو، أي الزمن الحقيقي، غير موجود . وبالمقابل يشدد العالم لي سمولن على أن الزمن هو الشيء الجوهري الوحيد في الطبيعة، وهو المؤشر الأفضل لدينا عن الواقع والشيء الوحيد الواقعي في الطبيعة لذا يجب إعادة النظر كلياً في الفيزياء، وبالخصوص في النظرية الكمومية أو الكوانتية بغية جعلها قابلية للتطبيق على مستوى الكون كله أي تطبيقها في مجال علم الكونيات الكوسمولوجيا وهو يضع الزمن في مكانة قصوى فهو موجود وفي قلب كوننا وسر أسراره أما المكان، خاصة في النطاق الكمومي أو الكوانتي وما دون الذري، في اللامتناهي في الصغر، فهو ليس معطى أو مفهوم جوهري وهو الذي ينبثق عن الزمن، أي زمكان ذو هندسة كمومية متجانسة لا يظهر إلا في النماذج التي تفترض حقيقة وجود الزمن وواقعيته وبالتالي فهو يعتقد أن قوانين الطبيعة خاضعة للزمن ومأمورة ومقيدة بالزمن ويمكنها أن تتطور في أحضانه .

 

د. جواد بشارة

 

جواد بشارةلنتطرق الآن إلى أهم مسألة، والأكثر غموضاً ولغزية في كوننا المرئي، ألا وهي: لماذا جاء كوننا المرئي قابلاً لاحتضان الحياة العاقلة ؟ الإجابة الصحيحة تتعلق بمعرفتنا بطبيعة وماهية الزمن وهل هو حقيقي واقعي مطلق أم افتراضي نسبي.

متى بدأ الزمن؟

ينبغي أولاً الحديث عن نشأة الكون في الأساطير المختلفة، حيث كان ثابتًا لا يتغير، وأن العديد من العلماء والفلاسفة اعتقدوا أن الكون كان مطلقًا بلا بداية أو نهاية، إلى أن قدّم العالم العبقري آلبرت آينشتاين نظريته النسبية عام 1915،والتي أثبت فيها وبشكلٍ واضح أن الزمان والمكان لم يكونا مطلقين أبدًا. بل ولم يكونا موجودين بهيئتهما الحالية قبل ظهور الكون المرئي للوجود.

كانت الكميات الديناميكية التي تشكلت من خلال المادة والطاقة تم تحديدها داخل الكون، لذا لم يكن من المنطقي أن نتحدث عن وقت قبل بدء الكون.

هناك الكثير من النظريات التي فسرت نشأة الكون، وأنه كون متغير عندما لاحظ إدوين هابل في العام 1920 المجرات من خلال تلسكوب صغير (100 بوصة) على جبل ويلسون. لم تكن ملاحظة هابل أن هناك مجرات أخرى وأن الكون متغير فحسب، بل حدد اتجاه تحرك مجراته من خلال تحليل الضوء الصادر منها، ليفاجأ أن المجرات آخذة في التباعد؛ أي أن الكون في اتساع دائم.

كما شرحت النظريات الفيزيائية لماذا الكون آخذ في الاتساع؟ وما الاحتمالات التي ستحدث لو كان الكون ثابتًا؟ والسؤال الذي يطرح نفسه هو ويتعلق بالزمن :

ما الذي كان موجوداً قبل الانفجار العظيم؟

تأتي الإجابة بأن السؤال ليس له معنى، لأنه لا يوجد مفهوم زمني متاح للإشارة إليه، ولأن مفهوم الوقت أو الزمن وجد فقط في عالمنا، بعد نشأة الكون. ولكن هل الزمن الكوني حقيقي أم وواقعي موجود بذاته أم وهم مرتبط بعوامل أخرى تحدد سماته؟

إذا كان الزمن حقاً واقعي وحقيقي، فلابد من وجود خصائص للكون المرئي لا يمكن شرحها إلا إذا اعتبرنا الزمن عاملاً جوهرياً، وإلا ستبدو غامضة وعارضة إذا افترضنا العكس ـ إن الزمن أمر طارئ ومنبثق. إن مثل تلك الخصائص موجودة فعلاً حيث دلت نتائج مشاهدتنا ورصدنا للكون المرئي أنه يمتلك تاريخاً تطورياً من البسيط إلى المركب، وهذا يضفي على الزمن مسحة توجهية أو اتجاهية معروفة بمسلمة تقول أن للزمن سهم واتجاه، والاتجاهية غير محتملة في عالم لا يكون فيه الزمن أساسياً وجوهرياً ويكون نسبي منبثق.

ولو نظرنا للكون لوجدناه في غاية الترتيب والانتظام والتعقيد . والتعقيد ليس محتملاً فهو يتطلب شرحاً . فلا شيء يمكنه القفز من تنظيم بسيط إلى تنظيم معقد جداً . فالتعقيد الكبير يستدعي سلسلة من الحقب أو المراحل القصيرة. فهو يتولد على شاكلة مشهد أو فصل وبالتالي ينطوي على تنظيم وترتيب قوي للأحداث داخل الزمن. فكل التفسيرات والشروحات العلمية للتعقيد تتطلب قصة تنبثق خلالها مستويات التعقيد ببطء من خلال الزيادات . لذا يتوجب أن يكون للكون قصة أو حكاية أو تاريخ داخل حيز زمني وبالتالي لابد من نظام وتتابع سببي من أجل شرح وتفسير لماذا أصبح الكون على ماهو عليه الآن.

فحسب فيزيائيو القرن التاسع عشر، وبعض علماء الكونيات المعاصرين ممن يتبنون الرؤية اللازمنية، فإن التعقيد الذي نحن بصدده هو عارض وبالتالي بالضرورة وقتي زائل، ومن وجهة نظرهم، فإن مصير الكون هو أن ينتهي إلى حالة من التوازن، وهي المعروفة " بالموت الحراري للكون la mort thermique de l’univers حيث تتوزع المادة والطاقة على نحو متشابه ومتسق في الكون ولا شيء يحدث عدا بعض التقلبات العشوائية النادرة التي تختفي فور ظهورها و لا تنتج شيئاً. لهذا فإن كونناً ذا التعقيدية المتنامية، هو حتمي لامفر منه . وهكذا يمتد أمامنا طريقان مختلفان يقودان إلى رؤيتين متباينتين كلياً عن مستقبل الكون المرئي. في الأولى لا يوجد مستقبل لأنه لا يوجد زمن، فالزمن وفق هذه الرؤية مجرد وهم وهو لا يعدو كونه وحدة قياس للتغيير، وبالتالي فهو وهم مآله الاضمحلال عند اختفاء التغيير. أما الرؤية المرتبط بالزمن باعتباره حقيقة ملموسة وكينونة موجودة فعلياً وذات كيان منفصل، فإن الكون هو عبارة عن سيرورة تسمح بخلق ظواهر جديدة وحالات تنظيم تتجدد بلا توقف وهو في طريقه للتطور نحو حالات متفوقة دوماً من التعقيد والتنظيم .

المعطيات الرصدية تعلمنا بلا لبس بأن الكون يصبح أكثر أهمية كلما مر عليه الزمن . ففي البدء كان مليئاً بــــ بلازما في حالة توازن . ومن تلك البداية البسيطة يخلق تعقيداً هائلاً على مختلف المستويات، من تحشد المجرات أو آماسات المجرات إلى الجزيئة البيولوجية. أي من اللامتناهي في الكبر إلى اللامتناهي في الصغر.

إن هذا الاستعصاء والثبات والمثابرة والمواصلة لتطور هذه البنية التعقيدية يثير الحيرة، لأنه يلغي التفسير الأبسط المفضل لدى الوسط العلمي بخصوص البنية التي نلاحظها أو نرصدها والموجودة منذ مليارات السنين والتي تزايدت تعقيداتها مع مرور الزمن .

فالتنبؤ بالموت الحراري للكون المرئي هو مرحلة أخرى إضافية لانتزاع الزمن من الفيزياء والكوسمولوجيا بغية التوافق مع أفكار قديمة تقول أن الحالة الطبيعية للكون المرئي هي حالة خالية من التغيير. فالاتجاه القديم للتفكير الكوسمولوجي هو أن الحالة الطبيعية للكون المرئي في حالة توازن، أي، بما أن كل شيء موجود في مكانه، فلا وجود أو دفع نحو التنظيم وهذا هو جوهر كوسمولوجيا آرسطوطاليس . في حين يوجد لدى الفيزياء المعاصرة مفهومها الخاص للتوازن المرتبط بقوانين الثرمودينامكا، أو الديناميكا الحرارية، المطبقة على الفيزياء المعلبة أو الجاهزة للاستعمال. فالظرف بالنسبة لقوانين الديناميكا الحرارية هو عبارة عن نظام منعزل لا تتبادل فيه، لا الطاقة، ولا المواد، و لا تتفاعل مع المحيط. فالتوازن عند القدماء، آرسطوطاليس ونيوتن، ناجم عن توازن القوى، في حين أن مفهوم التوازن في الديناميكا الحرارية مختلف جداً وهو يطبق على أنظمة تحتوي على عدد كبير جداً من الجسيمات الأولية ويتعاطى إلى حد ما مع مفاهيم الاحتمالية.

ولو عدنا إلى الوراء، إلى طفولة الكون، وإلى الــ 32- 10 من الثانية الأولى بعد الانفجار العظيم البغ بانغ كان هناك زمكان بحالة غريبة، جامد بلا ماضي و لا مستقبل، وبدون سهم زمن واتجاه زمني. وفجأة بدأ يتحلحل ويتقلب محولاً الطاقة البدائية الأولية إلى بلازما من الكواركات والغليونات، ومن ثم إثر تفاعلات، تكونت ذرات ومنها تكونت النجوم والكواكب. ولقد نجح العلماء في مطلع العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين من إعادة إنتاج هذه العملية في مختبر. في البدء لم يكن هناك قبل وبعد. وقبل مضي 13.8 مليار سني من الانفجار العظيم انبثق الكون المرئي من " فرادة" أو متفردة singularité ولم يتحقق أي حدث، ومن ثم بدأ الفضاء بالتمدد والتضخم ولم تكن هناك جسيمات أولية و لا ضوء، وكل ما كان موجوداً هو ماهية غير واضحة المعالم ولا شيء قابل للانعكاس كما لو أن الزمن لم يبدأ مساره ويفرض بصماته لأنه لم تكن هناك حركة. لم يتململ الكون البدئي ألا بفعل زبدة أو رغوة كمومية أو كوانتية وهي حال غريبة بين المادة والطاقة التي تتقلب بطريقة غير قابلة للانعكاس. وبفعل التقلبات الكمومية fluctuations quantiques بدأت الجسيمات الأولية بالتصادم والتفاعل ووجدت الحركة العشوائية، فنشأ الزمن وتولدت البروتونات والنيوترونات والتي تطورت في تفاعلات إلى ذرات وجزيئات وبنيات أكثر تعقيداً وتولدت حالة من التوازن ومع توالي الأحداث الكمومية أو الكوانتية بدأت مسيرة الزمن وولد الزمن الحراري المعاصر واستمر في سريانه خلال مليارات السنين.

لم يكن الانفجار العظيم انفجارًا في الفضاء كما يوحي اسم النظرية، بل كان ظهور الفضاء في كلّ مكانٍ في الكون المرئي. ووفقًا لنظرية الانفجار العظيم فإن بداية الكون كانت من نقطةٍ واحدةٍ في الفضاء ذات كثافةٍ وحرارةٍ شديدتين جدًّا هي التي أسميت بالفرادة. لم يكن علماء الفلك على يقينٍ مما حصل قبل هذه اللحظة، ولكنهم مع بعثات الفضاء المتطورة والتلسكوبات الأرضية والحسابات المعقدة ما زالوا يعملون على رسم صورةٍ أوضح لبداية الكون وتشكله. ويأتي الدور الأساسي في هذه الاكتشافات إلى عمليات رصد إشعاع الخلفية الكونية الميكروية، والذي يحتوي وهج الضوء الأول والإشعاع المتبقي من الانفجار العظيم. تسود بقايا الانفجار العظيم الكون، وهي مرئيةٌ لأجهزة كشف الموجات الدقيقة، فتسمح للعلماء بربط أدلة بداية الكون مع بعضها البعض. أطلقت ناسا في عام 2001 مهمة مسبار ويلكنسون للأمواج الميكروية متعدد الخواص Wilkinson Microwave Anisotropy Probe (WMAP) لدراسة الشروط والظروف الأولية كما وُجِدَت في بداية الكون عبر قياس الإشعاعات الصادرة عن الخلفية الميكروية، ومن خلال الكثير من الاكتشافات، استطاعت بعثة WMAP ومن بعدها بعثة بلانك Planck من تحديد عمر الكون بـ 13.8 مليار سنةٍ. ومن ثم حدثت طفرة نمو الكون الأولى عندما كان الكون حديثًا جدًّا وعمره مئة جزءٍ من مليارٍ من تريليون من تريليون من الثانية حيث تعرض الكون الوليد لطفرةٍ ولاديةٍ مذهلةٍ، وخلال الانفجار المتمدد هذا (والذي يُعرَفُ بالتضخم infgation) كبُرَ الكون بشكلٍ هائلٍ وتضاعف حجمه 90 مرةً على الأقل. يقول ديفيد سبيرغل David Spergel عالم الفيزياء الفلكية النظرية في جامعة برنستون في نيوجيرسي "كان الكون يتمدد، وبتمدده بدأ يبرد ويصبح أقل كثافةً". استمر الكون في النمو بعد التضخم ولكن بمعدلٍ أبطأ، وبينما توسع الفضاء برد الكون وتشكلت المادة. كان أشد حرارةً من أن يشع ويطلق ضوءاً،وقد نشأت العناصر الكيميائية الخفيفة خلال الدقائق الثلاث الأولى من تشكل الكون، وبتمدد الكون انخفضت درجة الحرارة، واصطدمت البروتونات بالنترونات لتولد الديتيريوم وهو نظيرٌ مشعٌ للهيدروجين، ثم اتحد الكثير من الديتيريوم ليُشكل الهيليوم. وبعد مرور 380 ألف سنة بعد الانفجار العظيم جعلت حرارة تشكل الكون الشديدة الجو حارًا جدًّا بحيث لا يسمح للضوء بأن يشع، واصطدمت الذرات ببعضها بقوةٍ كافيةٍ لتتجزأ إلى بلازما كثيفةٍ ومبهمةٍ من البروتونات والنترونات والإلكترونات التي بعثرت الضوء كالضباب. ومن ثم كان النور بعد نحو 380 ألف سنةٍ من الانفجار العظيم عندما تبرّدت المادة بشكلٍ كافٍ لكي تتحد الإلكترونات بالنوى وتشكل الذرات المتعادلة كهربائيًا. تُعرَفُ هذه المرحلة بـ "إعادة التجميع"، حيث سبّب امتصاص الإلكترونات الحرة شفافية الكون. ويمكن الكشف عن هذا الضوء المتحرر اليوم على شكل إشعاع الخلفية الكونية الميكروية. ولكن، تلا عصر إعادة التجميع فترة ظلامٍ قبل تشكل النجوم والأجرام المضيئة الأخرى. وبعد ذلك حدث الانبثاق من عصر الظلمات الكوني بعد 400 مليون سنةٍ تقريبًا بعد الانفجار العظيم، عندما بدأ الكون بالخروج من عصر ظلماته، حيث تُسمّى هذه المرحلة من تطور الكون بـ "عصر إعادة التأين". يُعتقد أن هذه الفترة النشيطة استمرت أكثر من نصف مليار سنةٍ، ولكن وفقًا لعمليات رصدٍ حديثةٍ يعتقد العلماء أن إعادة التأين ربما حدثت بسرعةٍ أكبر مما اعتُقِد في السابق. وفي هذه الأثناء، تداعت كتل الغاز حتى شكلت المجرات والنجوم الأولى، وقد أزال ضوء الأشعة فوق البنفسجية المنبعث من هذه الأحداث الطاقوية معظم غاز الهيدروجين المحيط المتعادل كهربائيًا وخرّبه. نتج عن عملية إعادة التأين وإزالة غاز الهيدروجين الضبابي أن أصبح الكون شفافًا لضوء الأشعة فوق البنفسجية للمرة الأولى. وتولى تشكل النجوم والمجرات كما نقّب علماء الكونيات باحثين عن أبعد المجرات وأقدمها لمساعدتهم على فهم خصائص الكون المبكر، وبشكلٍ مماثلٍ يستطيع الفلكيون الآن العمل بالرجوع بالوقت لربط الأحداث التي حدثت مسبقًا ببعضها، وذلك عبر دراسة خلفية الإشعاع الكوني الميكروية. إذ تساعد بياناتٌ من بعثاتٍ أقدم مثل بعثة WMAP، ومستكشف الخلفية الكونية COBE الذي أُطلِقَ عام 1989، وبعثاتٍ أخرى لا تزال قيد التنفيذ، العلماءَ على محاولة حلّ الألغاز وفك الأسرار المستمرة والإجابة عن أكثر الأسئلة المطروحة جدلًا في علم الكون. وفي سياق التطور الكوني كانت ولادة نظامنا الشمسي حيث يُقدّر زمن ولادة نظامنا الشمسي بـ 9 مليارات سنةٍ بعد الانفجار العظيم، ما يجعل عمره 4.6 مليار سنةٍ. ووفقًا للتقديرات الحالية، تُعتبر الشمس واحدةً من 100 إلى 200 مليار نجمٍ أو أكثر في مجرتنا درب التبانة لوحدها، وتدور على بعد 25 ألف سنةٍ ضوئيةٍ عن مركز المجرة. يعتقد العديد من العلماء أن الشمس وبقية نظامنا الشمسي تشكلوا من غيمةٍ عملاقةٍ ودوارةٍ مكونةٍ من الغبار والغاز، تُعرف أيضًا بالسديم الشمسي، وحين سببت الجاذبية انهيار السديم، بدأ يدور بشكلٍ أسرع وتسطح ليأخذ شكل قرصٍ. سُحبت في هذه المرحلة معظم المواد نحو المركز لتشكل الشمس. هناك الكثير من مواد الكون غير مرئية. و في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بدأ العلماء بالاعتقاد بأن هناك مواد في الكون أكثر مما هو مرئيٌّ، حيث إن عالمة الفلك في معهد كارنيجي في واشنطن (فيرا روبن Vera Rubin) راقبت سرعات النجوم في مواقع مختلفةٍ من المجرات. تنص الفيزياء النيوتونية الأساسية على أن النجوم التي تقع على أطراف المجرة تدور بسرعةٍ أقل من سرعة النجوم في المركز، لكن روبن لم تجد فرقًا في سرعات النجوم الأبعد، حتى أنها في الحقيقة اكتشفت أن كلّ نجوم المجرة تدور حول المركز بالسرعة ذاتها مع فروقاتٍ بسيطةٍ. أصبحت تُعرَفُ هذه المادة الغامضة وغير المرئية بالمادة المظلمة أو السوداء، وعُرفت المادة المظلمة بالاستدلال بسبب الجذب الثقالي الذي تمارسه على المادة النظامية العادية المعروفة. وتفترض إحدى الفرضيات أن المواد الغامضة (المادة المظلمة) ربما تشكلت من جزيئاتٍ غريبةٍ لا تتفاعل مع الضوء أو المادة الطبيعية، ولهذا السبب صعُبَ الكشف عنها. كما يُعتقد أن المادة المظلمة أو السوداء تشكل 23 بالمائة من الكون، بينما تشكل المادة الطبيعية 4 بالمائة فقط من الكون وهي تشمل النجوم، والكواكب، والبشر. الكون ليس ثابت ومستقر بل هو كون متمدد ومتسارع وقد أنجز عالم الفلك إدوين هابل في عشرينيات القرن الماضي اكتشافًا ثوريًّا يتعلق بالكون، وذلك باستخدام تلسكوب حديث البناء على مرصد جبل ويلسون في لوس أنجلوس، حيث أثبت هابل أن الكون ليس ثابتًا وإنما متمدد. بعد ذلك بعقودٍ، وفي عام 1998، درس التلسكوب الفضائي ذو النتائج الغزيرة والمُسمّى على اسم العالم الشهير (تلسكوب هابل الفضائي) مستعراتٍ عظمى بعيدةً (السوبرنوفا)، ووجد أن الكون منذ زمنٍ طويلٍ كان يتمدد بشكلٍ أبطأ مما يفعل الآن، وهذا الاكتشاف كان مفاجِئًا فالمعتقد ولوقتٍ طويلٍ بأن جاذبية مادة الكون ستُبطِئ من تمدده أو حتى تسبب تقلصه. يُعتقد أن الطاقة المظلمة هي القوة الغريبة التي تزيد في تباعد مكونات الكون عن بعضها بسرعاتٍ متزايدةٍ باستمرارٍ لكنها تبقى غير محددةٍ ويكتنفها الغموض ومجهولة المهاية. إن وجود هذه الطاقة بعيدة المنال، التي يُعتقد أنها تشكل 73 بالمائة من الكون، هو واحدٌ من أكثر مواضيع النقاش الساخنة جدلًا في علم الكون حالياً. وما زلنا بحاجةٍ لمعرفة المزيد بكلّ ما اكتُشِفَ عن بداية الكون وتطوره، وتبقى هناك أسئلةٌ مستمرةٌ تبحث عن أجوبةً عنها، حيث تبقى المادة المظلمة والطاقة المظلمة من أكثر الأسرار المتبقية غموضًا، لكن لا يزال علماء الكون يسبرون الكون على أمل فهمٍ أفضل عن كيفية بدايته. وهي بالضبط مهمة فريق البحث العلمي الكوسمولوجي في جامعة هيدلبيرغ Heidelberg حيث يعمل فريق من علماء الفيزياء على اكتشاف جوهري حققوه مؤخراً ولكن دون إحداث ضجة إعلامية حوله. ولم يكن هذا الفريق العلمي يصدق نفسه عما حققه من نتائج وما توصل إليه من استنتاجات وتحليلات نظرية وعلمية مختبرية وتأكيدات تجريبية مختبرية :" لقد رصدنا شيئاً مهولاً يمكن أن يشكل فاتحة لما حصل بالفعل بعد عملية التضخم الكوني المفاجيء والشامل للكون المرئي بعد لحظة ولادته. كما صرح العالم الفيزيائي توماس غاسينزر Thomas Gasenzer، و اضاف زميلة العالم يورغن بيرجيس المتخصص بمادة الطاقات الفائقة Jurgen Berges:" المقصود هنا هو ظاهرة كونية جديدة حيث تمت بنجاح محاكاة حدث مذهل " حيث وضع فريق العمل وأثبت مختبرياً قانوناً يشرح تطور مادة ذات ماهية غريبة لكنها من مكونات الكون المرئي الأساسية والتي تواجدت بعد الانفجار العظيم مباشرة حيث لم يصل أحد غيرهم من قبل إلى تلك الفترة الحرجة من عمر الكون . وسوف يقدم هذا الفريق البحثي الفيزيائي وصفاً علمياً دقيقاً سيكون الأول من نوعه لديناميكية بلازما الكواركات والغليونات التي كانت تملأ الكون المرئي بعد ولادته مباشرة. والحال إن هذا القانون يتيح تشخيص لحظة مفصلية بمثابة مفتاح، في تاريخ كوننا وهي اللحظة التي بدأ فيها كل شئ وظهر فيها سهم الزمن وانطلقت فيها معمعة التطور الكوني الحقيقي الأصلي والذي قام بتحويل الطاقة المتكثفة جداً في اللحظة البدئية إلى عالم جديد مليء بالجسيمات الأولية ومن بعدها بالنجوم والمجرات والكواكب وبالكائنات الحية التي تشعر وتعي بأن شيئاً ما يحدث وإن الزمن يجري . ويعترف العالم ماركو شيرو Marco Schiro المتخصص بالفيزياء الكمومية أو الكوانتية غير المألوفة في مفوضية الطاقة النووية وفي لجنة الطاقات البديلة، بأن:" هذا الاكتشاف مدهش لأن فهم ديناميكية الطاقة بشكلها الكمومي أو الكوانتي الأكثر جوهرية ويسمح بتوضيح وشرح وتفسير ظواهر الكون البدائي بقدر توضيحه لأحد التساؤلات الجوهرية المتعلقة بالترموديناميك أو الديناميك الحراري الكمومي أو الكوانتي وهو لماذا لايمكننا على الإطلاق الإفلات من الترموية thermalisation والتطور غير القابل للانعكاس أو الارتداد".

كان هناك نشاز أو تنافر وعدم انسجام وتناغم ضئيل لا يعتد به وسط محيط كمومي أو كوانتي شاسع . فقبل هذه الظاهرة لم يكن هناك قبل و لا بعد كما قلنا، أي لم يكن هناك تاريخ قد بدأ ولم يحدث شيء . لكن هذا لا يعني أن الكون لم يكن موجوداً فلقد نشأ زمكان بمواصفات غامضة من الفرادة التي نجم عنها الانفجار العظيم . لكن الحدث الأول والأهم هو جر الزمكان إلى توسع مهول ومفاجىء الذي عرف بإسم " التضخم" والذي نفخ حجم الكون إلى أبعاد مذهلة مضاعفاً حجمه بمقدار 1026 في جزء من الثانية لكن ذلك الزمن الذي بدأ للتو ليس هو الزمن الذي نعرفه . فالطاقة المكونة للكون البدئي رافقت حركة التضخم وكان بالإمكان أن تظل هكذا إلى ما لا نهاية دون أن يتغير شيء، في حين إن المكان أو الفضاء موجود لكن الزمن بدا متوقفاً ومتجمداً لا يجري، أي زمن بدون سهم متجه أو بدون اتجاه . لا أحد يعرف المدة التي استغرقها هذا الزمن المتوقف وتقدر بين 10-32 و 10-6 من الثانية وفجأة حدث شيء، نوع من التأرجحات في الطاقة البدائية التي كانت المكون الأساس للكون البدئي الأولي، نوع من الطفرة التي بدأت عملية التغيير في الوضع فارضة على الطاقة البدئية اتجاهاً، وفجأة صار هناك " ماضي" و " حاضر " و "مستقبل" وبدأ الزمن يجرف معه كل شيء وبدأت الطاقة الأولية تتحول إلى جسيمات وبفعل الثقالة الكونية والتفاعلات والتصادمات تكونت الذرات التي كونت بدورها النجوم والمجرات كما نشاهدها ونرصدها اليوم. يعمل العلم على معرفة سبب وآلية هذا التعاقب الزمني ويرتكز على مسلمة نقل الحرارة . وكان العقل العبقري لودفيغ بولتزمان Ludwig Boltzmann قد درس وأحصى حركة الجسيمات الأولية في الكون وقال أنها تقودنا حتماً إلى نوع من التوازن الحراري، فكل شيء ينحو نحو حالة التوازن الخاصة به، الثرموية، وهي أساس القانون أو المبدأ الثاني للثرموديناميك أو الديناميكا الحرارية، وهي المعادلة الفيزيائية التي تتوائم مع الإدراك الحدسي للزمن ومروره دائماً من الماضي نحو المستقبل.

هل هناك حالة أخرى غير معروفة للمادة؟

المشكلة التي واجهت فرق البحث هي أن المادة موجودة في حالة خاصة لا تطبق فيها قوانين الثرموديناميك المعتادة . فلا توجد أية ذرات ولا حتى من نوعية ذرات الهيدروجين البسيطة التي ظهرت بعد مرور 379000 سنة بعد الانفجار العظيم. إذ أن الكون البدئي آنذاك كان عبارة عن محيط كمومي أو كوانتي وقوانين الميكانيك والحرارة عمياء لا ترى شيء، أي أن الكون البدئي كان في وضع خارج حالة التوازن. ومن تقصي نظري للحالات " خارج التوازن" وبعيداً عن أساسيات الفيزياء المعتادة والمتبعة، ومع الوقت جاءت الاختراقة الأولى بصحبة عمليات النمذجة والحسابات، نجح فيزيائيو جامعة هيدلبيرغ في صياغة معادلة قادرة على وصف تطور تلك الحالة الغريبة أو الشاذة من المادة الأولية التأسيسية واكتشفوا أن طاقة ذلك المحيط الكمومي أو الكوانتي تنتشر وفق قانون على نطاق كوني في المكان وفي الزمان . صيغت المعادلة شكلياً على هيئة دالة تستخلص قيمها في كل نقطة من المكان مع كل خطوة زمنية حيث يعاد في كل مرة ترتيب المعايير والإعدادات reparamétrant عبر عوامل المستوى والنطاق المحدد بثابتين، بعبارة أخرى فإن الديناميك كسوري fractale . لو تتبعنا مع مرور الزمن، هذه الحركة الكمومية أو الكوانتية بمساعدة مكروسكوب وتراجعنا بزوم تقهقري وفق إيقاع عوامل النطاق المشار إليها أعلاه، سيتولد لدينا شعور بأن كل شيء جامد وثابت وإن لا شيء يتغير على غرار الهندسية الكسورية التي تتكرر إلى ما لا نهاية .

تظهر الحسابات أن هذه الديناميكية الكسورية تنحو نحو نقطة ثابتة لا حرارية point fixe non thermal تتساوق أو تتطابق مع حالة " اللاتطور" و " اللازمن" . فهناك حركة في المحيط الكمومي أو الكوانتي، إلا أن كثافة الطاقة تظل دائماً، وفي كافة نقاط المكان والزمان، هي نفسها في حالة انتشار منبسط تماماً. بيد أن قانون النطاق ينطوي على ألا تبلغ حالة الكون تلك النقطة الثابتة، فهو يحيد عنها قليلاً دائماً . فبنيته الكسورية تنحل ببطء إلى أن تغير الطاقة حالتها، وهذه الديناميكية مؤقتة . فبعد أن أدارته الديناميكا الكسورية، غير الكون حالته وغدا نوعاً من بلازما الكواركات والغليونات . إن تغير المرحلة changement de phase هو بعينه الدافع الأساسي l'impulsion primordiale حيث يفلت الكون من العودة الأبدية . وكما يقول العالم توماس غاسينزر:" نعم، إن انتشار الجسيمات يمكن أن يؤدي إلى تشكل وتطور بنيات داخل حقل الطاقة. ويمكن أن يؤثر على تشكل الجسيمات والجسيمات المضادة وتوزعها، وفي نهاية المطاف يولد بلازما الكواركات والغليونات" وهذه أول مرة يقدم فيها علماء سسيناريو عن ولادة بلازما الكواركات والغليونات والتي بدورها، بعد جزء من الثانية، أدت إلى انبثاق البروتونات والنيوترونات، ومن ثم النوى أو النواتات الأولى الذرية . فإذا كان الكون قد سلك مسار المادة التي وضعتها الثقالة والعمليات الثرموديناميكية، في حالة حركة، فذلك بفضل قانون النطاق الذي اقترحه فريق جامعة هيدلبيرغ وهو شذوذ ضئيل جداً في خضم التموجات الكونية لتي تنتشر ببطء والتي سوف تتوافق باتجاه إيقاع آخر يؤدي لولادة حالة أخرى للمادة ألا وهي الجسيمات الأولية.

إن مفتاح فهم الثرموديناميك المعاصر هو أنه ينطوي على مستويين من الوصف : مستوى ميكروسكوبي microscopique وهو يعطي وصفاً دقيقاً لمواقع وحركات كافة الذرات في أي نظام خاص، وهو المعروف بالميكرو – حالة micro-état . ومستوى ماكروسكوبي macroscopique أو ماكرو – حالة macro-état للنظام، وهو وصف تقريبي بعملية مسح واسعة بواسطة عدد صغير من المتغيرات variables كالحرارة وضغط الغاز. فدراسة ثرموديناميك نظام ما يترتب عليه إقامة علاقات بين مستويي الوصف هذين.والمفهوم الذي يحدد العلاقة بين المستويين يسمى الأنتروبي l’entropie أو اللاإنتظام أو حساب عدد الطرق والإمكانيات المختلفة لتجميع عناصر النظام لتحقيق وتنفيذ التصميم المزمع، وبالتالي فالأنتروبي هو عكس المعلومة الدقيقة . وفي حالة نظام فيزيائي، لنتصور وعاء كوني محتوي مليء بغاز مكون من عدد كبير جداً من الجزيئات . الوصف الجوهري هو ميكروسكوبي ويخبرنا بمكان كل جزيء وكيف ينتقل بحيث تتوفر لدينا كمية هائلة من المعلومات . ومن ثم هناك الوصف الماكروسكوبي الذي يوصف فيه الغاز بمفاهيم الكثافة والحرارة والضغط. . علما إن تحديد الكثافة والحرارة يتطلب كمية أقل من المعلومات مما يحتاجه تحديد تواجد كل ذرة بدقة. من السهل توضيح وترجمة تتجه من الوصف الميكروسكوبي إلى الوصف الماكروسكوبي وليس العكس. فلو عرفنا موضع كل جزيء حينها سنعرف الكثافة ودرجة الحرارة التي هي متوسط طاقة الحركة لكن الذهاب بالاتجاه المعاكس شبه مستحيل لأن هناك عدد لامتناهي لترتيب وتنظيم ورصف الذرات المفردة في المستوى الميكروسكوبي للحصول على نفس الكثافة ودرجة الحرارة. وبعدها ينبغي ربط الأنتروبي بالاحتمالات وذلك من خلال فرضية أن كل الميكرو – حالات محتملة وهذه مسلمة فيزيائية تؤكدها حقيقة أن كل الذرات في غاز ما هي في حالة حركة عشوائية مضطربة فوضوية chaotique تحطم الاتجاهات وتجعلها عشوائية. ومع ذلك تسمى بالحالة التوازنية l’état d’équilibre والتوازن هنا هو الحالة التي يوجد فيها أكبر أنتروبي ممكن.

يتبع

 

د. جواد بشارة