 تنوير وإصلاح

الغلو في إحياء الشعائر الحسينية / مهدي الصافي

mahdi_alsafiكل عام تتجدد ذكرى إحياء ثورة الهداية والإصلاح، تخرج فيها جموع المحبين والموالين للخط الإسلامي الأصيل، سالكة طريق الخلاص والنجاة من جحيم أعباء الذنوب الثقيلة،

بعد لوثت ارض العراق على مدى أكثر من أربعة عقود بالعديد من الأفعال المشينة (حروب الداخل والخارج-مساعدة النظام البائد في ملاحقة المعارضين-فوضى الفرهود-وتحليل سرقة المال العام-الخ.).

كتبنا في أكثر من مناسبة حول الاختلاف الجذري بين مفهوم الخط او التيار الإسلامي وبين قولبة ذلك الخط وتحويله إلى مذهب رسمي لطائفة معينة، استمد قوته وقدراته الفقهية من المؤسسات السياسية التابع لها، كما استمدت بقية المذاهب الإسلامية الأربعة مشروعيتها من السلطات الحاكمة في حينها (الدولة الأموية والعباسية).

اعتبرت مرحلة بداية نشوء ظاهرة المذهب الشيعي العلوي بعد وفاة النبي الأكرم محمد (ص) مباشرة، وانعقاد تحالف الخط الأخر الذي عمد بشكل مستعجل إلى تشكيل تحالف الانتخاب القبلي (القرشي) وفق مبدأ الشورى المحددة أسماء أعضاءه مسبقا (ولهذا ظهر أول احتجاج في الإسلام على عودة إحياء النفس الجاهلي القبلي من قبل شريحة الأنصار في سقيفة بني ساعدة)، ليس عبثا او اعتباطا هرول عمر ابن الخطاب (رض) إلى ابي بكر الصديق (رض) لعقد التحالف والبيعة بالخلافة لأنهم يعرفون جيدا إن الإمام علي( ع) هو أكفا الرجال بعد النبي لهذه المهمة،

ولكنها على كل حال لاتعد مثلبة عظيمة في مثل تلك الاجتهادات، وقد استقبل الخليفة الرابع الأمر بكل رحابة صدر وبقي على وده القديم للصحابة وخصوصا الشيخين (رض) عنهم جميعا، المشكلة التي عصفت بجسد الأمة الإسلامية بدأت مع مرحلة بناء اللوبي الأموي داخل الدولة الإسلامية من الخليج الى المحيط (بين بلاد الحجاز والشام) في عهد الخليفة الثالث ابن عفان (رض)، والجميع يعرف نهاية انتفاضة المسلمين التي أدت الى كارثة مقتل الخليفة الثالث وصعود نجم دولة معاوية ابن أبي سفيان، ومن ثم مواجهة نقض البيعة التي أنكرها معاوية على الإمام علي خليفة المسلمين واندلاع حرب صفين ومقتل الصحابي الجليل عمار ابن ياسر (رض) (وقد حدد الرسول الأكرم الفئة الباغية الخارجة عن الإسلام المسؤولة عن قتله)، كل تلك الأحداث وصولا إلى صلح الإمام الحسن (ع)، كانت مسيرة متواصلة سبقت فكرة الخروج على تلك الفئة الضالة المتحكمة برقاب المسلمين، وبعد ان تأكد بالدليل لأهل البيت وللإمام الحسين (ع) بأن الحكم الأموي سائر في الاتجاه المعاكس لتعاليم الإسلام،

وانه يخطط لتوريث الحكم للعائلة الأموية، مما يجعل مسألة إعادة إصلاح المبادئ والعقائد الإسلامية المحرفة أمويا عملية صعبة دون الإعداد لثورة تهز الوجدان والمشاعر الإنسانية والإسلامية لدى بقية المسلمين الرافضين لأساليب بني أمية في الحكم،

وقد نجحت الثورة في عدة جوانب منها عرفت المسلمين بأن الخليفة القابع بالشام هو خليفة منحرف ومزيف (مع ان بعض المسلمين الى اليوم يعترفون بخلافته) وبعيد عن الإسلام، وكذلك دقت إسفين الثورة المستمرة التي قلعتهم من الجذور على يد أتباع أهل البيت، وبعض المتضررين من الحكم الأموي (أمثال بني العباس الذين استغلوا القرابة من الرسول في استثمار الثورة لصالحهم)،

من هنا تعرف النخب الشيعية الواعية إنها تسير على خطى تاريخية صحيحة، لكن السواد الأعظم من عامة الناس يجهلون التداخل الإيراني القديم (الصفويين) في المذهب الشيعي، الذي استثمر بعد العباسيين هذه المشاعر الجياشة المحبة لإل بيت الرسول (ص) لترسيخ حكمهم وتوسيع قاعدة السيطرة والولاء وتوحيد المذهب الرسمي للدولة الإيرانية الشيعية (الصفوية).

تعتبر الثقافة الإيرانية المتواصلة مع الحضارة الفارسية القديمة ثقافة الشعوذة والتفسير الغامض للكون وأسراره وانتشار ظاهرة العبادات والطقوس الخاصة القريبة من روح الحضارة الهندية المؤثرة فيها، هي وراء انتشار ظاهرة الغلو في أحياء شعائر الثورة الحسينية وخروجها عن المألوف وعن المسار الإصلاحي الذي انطلقت من اجله،

ماذا تعني عملية تقبيل الأبواب الخشبية للأضرحة أو أرضية الصحن الشريف، والتدافع لتقبيل النعوش المصنوعة من الأخشاب والأقمشة الأجنبية، واعتبارها جزء متواصل مع الإمام وتصعد إلى السماء، ومن أي فقه أو شريعة اقتبس تحليل خروج، مواكب التطبير وكراديس السلاسل الحديدية،

ثم اعتبار كل أعمالنا وأفعالنا اليومية من العبادات والمعاملات غير شرعية مالم نرجع بها وفقا للتقليد النفسي والشخصي للمرجع او من ينوب عنه، وبث ثقافة الطاعة والامتثال لأوامر (الله عز وجل) والدعاء والتوسل وطلب الحاجة عبر واسطة أهل البيت حصريا، والخالق (عز وجل) يقول في كتابه العزيز ق.16 (ونحن اقرب إليه من حبل الوريد)، أبوابه مشرعة للعابدين والتائبين والمناجين،

أو ابتداع فكرة المشي المتعب والمهلك لعدة أميال لزيارة الأضرحة المقدسة وكأنها واجب شرعي مقدس، في حين أن عودة هؤلاء الناس إلى رشدهم وعقولهم ترفع عنهم ثقل الذنوب، وليعلموا إن طاعة الله أوجب من صرف كل هذا الجهد في أعمال طقسية غير ثابتة منافعها الدينية،

إن قراءة القران الكريم وتفسير الآيات وقراءة الأحاديث النبوية الشريفة قادرة على أن ترفع غضب الخالق عز وجل عن سماء العراق المغبرة، سنة أهل البيت هي السنة النبوية وأخلاق الرسول العربي (ص)، الإسلام يحيى بالقرآن والسنة النبوية، وأهل البيت هم أكثر المسلمين تطبيقا والتزاما بهذه المفاهيم الشرعية المقدسة.

كل عام يبحث المغالين عن أحاديث وقصص وروايات كاذبة (بعضها يتعارض مع مبدأ الإيمان والاعتقاد بالرسالة النبوية الشريفة) من اجل ديمومة رسالة التخلف والجهل والتضليل، لأهداف مادية نفعية تخدم أغراضهم الدنيوية.

إن إحياء الشعائر الحسينية يجب أن تكون مفخرة لإتباع خط الإسلام المحمدي، مهذبة بعيدة عن أشكال الفوضى والإفراط في إذلال النفس وضياع الكرامة الآدمية المقدسة عند بارئها، وان يكون القران سيد الألسن فيها، حتى لاتكون فتنة للناس وعذرا للفاسدين الذين يلوذون بتلك الشعائر.

المشكلة إن الكتل السياسية الشيعية مستفيدة من هذا الوضع، وهي فرحة كثيرا لهذه الجموع التي تخرج بالملايين للشعائر الحسينية ولا تفهم أي معنى لتلك الشعائر، ولا حتى ماهية أهداف الثورة الحسينية، التي رفضت الظلم والاستعباد والفساد والانحراف عن الإسلام والأخلاق الإنسانية، فهي تنظر بعين مريبة راضية تدعم هؤلاء الناس البسطاء الذين لايفكرون بالخروج للمطالبة بحقوقهم وحقوق أبناءهم من أموال النفط العراقي، وإنما فقط للطم وجلد الظهور وتدمير عضلات الرجلين بالمشي لمسافات بعيدة، ولهذا تجد إن أكثر محافظات العراق تخلفا وإهمالا وفسادا إداريا هي المحافظات والمدن التي تقطنها غالبية أتباع المذهب الجعفري.

الثورة الحسينية ليست ثورة طقوس،  بل هي ثورة لإصلاح الأمة الإسلامية، أين الإصلاح الذي طالبت به هذه الجموع الزاحفة في كل مناسبة إلى الأضرحة المقدسة، وأين هي مكاسب الإسلام المنتشر من خلال تلك الممارسات، التشيع العلوي السليم تشيع ومبايعة روحية لجوهر الإسلام الحقيقي المؤمنة بطاعة الله وإتباع سنة رسوله العظيم (ص.)

جعل الله شهر شعبان شهر المغفرة والاستعداد الروحي لجميع المسلمين لاستقبال شهر التوبة والقرآن شهر رمضان المبارك

 

مهدي الصافي

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد:1821 الأثنين: 18 / 07 /2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1777 المصادف: 2011-07-18 12:43:51