 تنوير وإصلاح

برهان غليون.. صوت العقل ضد اغتيال وتغييب العقل

shaker_faredhasanالدكتور برهان غليون مفكر سوري عربي بارز ولامع، ومن الأسماء والرموز الفكرية التي تحتل مكانة مرموقة، وبحق، في المشهد الفكري والثقافي والسياسي العربي المعاصر. ويعتبر من ممثلي العقلانية العربية ودعاة تحرير العقل المشتعلين بالطموح،

 وهو مقاتل ومحارب في صفوف الحرية والعدالة والكرامة، وأحلامه هي أحلام جيل كامل وحنين الى دروب الديمقراطية وينادي بأعمال العقل في التأويل ويمتاز برؤيته العقلانية المتنوّرة، ونقده المنهجي العقلي لكل المشاركين في اغتيال العقل وتغييب الوعي وتهميش الذات وتشويه التاريخ.

 

برهان غليون من مواليد عام 1945م في حمص، ومنذ أوائل السبعينات يعيش في فرنسا ويعمل أستاذاً ومديراً لمركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون، ويحمل شهادة الدكتوراة في علم الاجتماع السياسي.

 

في جميع كتاباته ومداخلاته وأعماله البحثية ينتقد برهان غليون أحوال وأوضاع المجتمع العربي، وخطابه العلمي ومشروعه الفكري يتركز على نقد السلطة والمؤسسة العربية الحاكمة، ويرى أن الديمقراطية العربية مشروع تاريخي وبعيد المدى والنجاح فيه أصعب بكثير من النجاح في الدولة الاستبدادية وسيبقى النزوع قوياً لدى السلطة العربية مهما كان مصدرها والقائمون عليها نحو الرجوع الى الدكتاتورية في أية فرصة تشعر فيها بعجزها عن الوعود التي أطلقتها أو أعطتها.

 

لبرهان غليون أعمال ومؤلفات عدة ، منها: " بيان من أجل الديمقراطية، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات "، " خطاب التقدم "، " خطاب السلطة "، " التاريخ وتنوع الثقافات "، اغتيال العقل "، " مجتمع النخبة "، " الوعي الذاتي "، " أزمة الطائفية أو أزمة الدولة القومية "، "ما بعد الخليج أو عصر المواجهات الكبرى "، " نقد السياسة "، "الدولة والدين"، " المحنة العربية"، و" حوارات في عصر الحرب الأهلية".

 

من يقرأ كتابات وأبحاث برهان غليون يلاحظ انتماءه الى شكل من أشكال الموسوعية المعرفية، بانتمائه الى الفلسفة والعمل الانساني كله، طارقاً كل الميادين، حيث اخترق الحوار والمشاحنات والمطارحات والمعارك الفكرية حقول الفكر والفلسفة والسياسة والمجتمع.

 

في كتابه "نقد السياسة " يخلص برهان غليون الى القول: " ان مأزق العلمانية ينصب أساساً في ضرورة تحقيق فكرة الديمقراطية والبدء من نقد فكرة العلمانية نفسها، ومحاولة تنقية المفهوم مما لحق به من معان مثل العداء للدين والتغرّب والاستلاب".

 

وفي اطار معالجة موضوع الدولة الديمقراطية يقدم غليون شروطاً تحقق هذه الدولة وذلك باعتماد الحرية مبدأ يسمح بالحوار بين التيارات وبأعادة النظر في مفهوم الدولة الوطنية والدولة الدينية والدولة عامة ، وبتأكيد مفهوم الاستراتيجية الحضارية.

 

في مداخلة له بعنوان" أصل الخوف العربي من التغيير" يبين برهان غليون أن عجزنا عن الارتفاع الى مستوى مفهوم الجامعة الوطنية ونكونصنا الىنماذج سلطانية يعود الى جزء كبيرمنه الى تقصير مثقفينا في العقود الماضية، وتمحور تفكيرنا ونقاشنا خلال أكثر من قرن حول مسائل الهوية والقومية ومقارعة الاستعمار الذي ابتلينا به في هذه المنطقة أكثر من أي منطقة أخرى.

 

يرى برهان غليون بأن السبيل لبناء مجتمع ديمقراطي حر ومستقل وسعيد بعيد عن التسلط والتعسف وانتهاك حرية الاخر، لا يتم الا بتربية المجتمع نفسه وتأهيله لاستيعاب معنى الحرية والمساواة والسيادة والاستقلال الشخصي والقانون، مؤكداً بأن هذه الخطوة الأولى الضرورية لتأسيس معنى التغيير وبناء قوى ديمقراطية قادرة على حمل مشروع التغيير هذا وتزويده بالبرنامج الانساني الذي لا أمل في تحريك الجمهور من دونه.

 

أن برهان غلون من فئة المثقفين السابحين ضد التيار، الملتزمين بالواقع والأمة، والمنافحين ضد المخططات الفكرية الغربية الخبيثة الرامية الى مسخ العقل العربي، وكذلك من الساعين الى التغيير ولأجل الحرية التي تشكل مطلباً ضرورياً للنهوض بالفكر والرقي به . وهو يتبنى الأفكار الثورية التمردية الأصيلة ويتسم بالجسارة الفكرية وعمق التناول والمعالجة وسعة المعرفة والاطلاع، أنه مغرم دائماً بجدلية الصراع المستمر وبتلمس النظرة المعقولة للأشياء. ومن أبرز سماته كمفكر ومثقف نقدي جاد قدرته على احداث الدهشة وطرح السؤال الجديد.

 

ختاماً، برهان غليون علامة فارقة في تاريخ الكتابة الفكرية والسياسية العربية، ومن الأصوات التي تدافع عن الثقافة القومية التقدمية الوطنية والانسانية والهوية الجماعية، وتتصدى لموجات التردي والتخلف والدمار وتزييف الوعي وتشويه الذات، وحياته حافلة بالحيوية والابداع والفكر والعطاء ومعاندة الاستسلام للتردي والهزيمة والهوان والانكسار، وهو جزء من عقل وفكر كل نشاط لصالح الانسان والمجتمع والامة وقادرعلى استشراف أفاق الغد والمستقبل العربي القادم.

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1220 الجمعة 06/11/2009)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1158 المصادف: 2009-11-06 13:05:35