 تنوير وإصلاح

قضايا التنوير (3-1)

adnan oayeedمن الضرورة بمكان الإشارة هنا إلى أن الكنيسة والدولة كانتا معا في حالة من الصراع الخفي، غير أنهما كانتا مدركتين وبشدة حالات اختلافهما، حتى أن الملوك كثيرا ما انجذبوا وفتنوا بالنقاشات التي كانت تدور بين الكنيسة والدولة، والتي كان لها تأثير كبير في إضعاف الكنيسة . أما الارستقراطيون فلم يكونوا في الحقيقة يدركون أبعاد عدم استقرارهم، في الوقت الذي كانوا مهتمين فيه فقط بالعبث بتلك الأفكار الجديدة،  لالشيىء،  إلا كونها أفكارا جديدة بكل بساطة. ومن الطرافة بمكان القول: إنه كان من بين هؤلاء الارستقراطيين الكثير من العاطلين عن العمل (الكسالى). وإن الكثير من المتنورين الفرنسيين كانوا يعاشرون البعض من أوائلهم والمتحمسين لهم، فهذا (فولتير)  كثيرا ما كان يتحرك في دوائرهم  متناولا الطعام على موائدهم، وآخذا عناوين عشيقاته منهم، ومراسلا ملوكهم، بيد أنه كان يعارض استبدادهم والعقائد التي سادت في عصرهم، في الوقت الذي كان لديه القليل من الإيمان الذي لايتجاوز إيمان أي فرد عادي، كما كان مناصرا لفكرة الديمقراطية وحكم الشعب، بل وكثيرا ما كان يفكر (فولتير) في هؤلاء الأشخاص المثقفين والمتحذلقين معا، وذوي الخبرة في هذه الحياة، حيث كان يرغب في  إحضارهم كي يرى العالم من خلال ممارساتهم العقلية، أن العالم يستطيع، بل يريد وبشكل كبير، أن يتغير نحو الأفضل . 

  

  مقارنة ما بين روسو وفولتير: 

لم يكن كل مفكري عصر التنوير يشبهون "فولتير" في مواقفه التي جئنا عليها هنا، حيث نجد على سبيل المثال أن خصمه اللدود " روسو " لايثق بالارستقراطيين، وذلك ليس من أجل عطشه للتغيير، وإنما لاعتقاده أنهم كانوا يخونون القيم التقليدية الأصيلة. كما عارض المسرح الذي شكل عند "  فولتير " دم الحياة، وتجنب الارستقراطية التي تودد إليها فولتير، ودخل في نقاشات حول أشياء لها من الخطورة الكثير آنذاك،  كالثورة والديمقراطية. هذا وفي الوقت الذي كان فيه فولتير يناقش بإمكانية المساواة  كان روسو يقول فيها، بأنها – أي - المساواة أمر طبيعي، وعندما تؤخذ مسألة المساوة بشكل جدي فهي قادرة على صنع حكومة مناسبة إلى حد ما . وفي الوقت الذي كان فيه فولتير أيضا مفتونا بذكائه الحاد وفطنته، كان روسو يصر ويشده على صحة مواقفه، وبينما كان "فولتير" يلح على تفوق الفكر والعقل، كان روسو يؤكد على العواطف، جاعلا كلا من يدعم التنوير أو يخلقه رومانطيقيا، وعندما يكرر روسو الحزمة نفسها من الملاحظات الجوهرية للتنوير، كان روسو يتحدث وبعمق عن الأفكار الأصيلة وبكل الاتجاهات بدءا من التربية مرورا بالعائلة والفنون وصولا إلى الحكومة وكل ما يلفت انتباهه في هذه الحياة. ومع ذلك، وبالرغم من كل اختلافاتهما الشخصية فقد تقاسم الاثنان الكثير من القيم التي أحبا الاعتراف بها. فكلاهما عاشا حياة الملكية المطلقة واعتبراها شرا وخطرا على المجتمع، وكلاهما رفضا المسيحية الأرثوذكسية (المتشددة- المترجم)، وكثيرا ما ناضل روسو ليبدو أكثر إخلاصا، وكان يميل تقريبا إلى الشك بالقدر نفسه الذي كان يميل إليه فولتير، كلاهما أيضا تقاسما الاعتقاد بالإيمان المتطرف الذي كان يقر بضرورة الإيمان بالله وحده بعيدا عن أي دين كان، أي الإيمان بالله دون أي وساطة من قبل الآخرين، وهذا الشكل من الإيمان ذاته كان قد تحول إلى المجتمع الأوربي وحاز على تأثير قوي في مختلف وجوه المجتمع .

   

 التنوير في بريطانيا:

استطاعت المملكة المتحدة العظمى أن تطور عالم تنويرها برعاية العديد من المفكرين أمثال المفكر الإنكليزي " جان لوك " و" دافيد هيوم " وغيرهما، حيث كانت بريطانيا السباقة على كل الأوربيين في خلع وقطع رؤوس ملوكها في أواخر القرن السابع عشر، بالرغم من أن النظام الملكي كان قد استعاد عافيته. فهذه التجربة خلقت انفتاحا حقيقيا باتجاه التغيير في العديد من المواقع التي لم تستطع أن تخمد كليا، إذ ظلت البروتستانتية البريطانية - (مثلت آنذاك التطلعات العقلانية لتحرير الإنسان من سلطة الاستبداد الكنسي - المترجم)- تناضل لتعبر عن نفسها في طرق اتسعت حدودها إلى خارج نطاق حرية الكلام والتظاهر. وعلى اعتبار أن بريطانيا قد حققت ثورتها بشكل مبكر بالنسبة لأوربا، فقد أعطاها هذا السبق القدرة على أن تواصل بكثير من السهولة وبشكل تدريجي الوصول إلى الديمقراطية، بيد أن الحرية الانكليزية شكلت قنبلة عندما انتقلت إلى فرنسا، وذلك بسبب المقاومة الشرسة التي ظهرت من قبل الكنيسة والدولة معا تجاه هذه الحرية حتى آخر لحظة، لذلك في الوقت الذي نجد فيه أن بريطانيا التي انطلقت الثورة من بلادها إلى فرنسا بقيت غاطسه في أوحال التفاوت الطبقي والتراتب الاجتماعي والورع الكنسي الديني، نرى فرنسا قد أصبحت بعد ثورتها من أكثر الدول الأوربية دعوة للمساومة وبناء الدولة اللا اكليركية .

 

التنوير في أمريكا:

إن العديد من القادة المتنورين الأمريكان في الثورة الأمريكية أمثال " جفرسون " و" واشنطن " و" فرانكلين " وغيرهم، تأثروا وبشكل قوي بالأفكار الثورية للإنكليز، وقليلا أو  إلى حد ما  بالتفكير التنويري الفرنسي. فا (الله) الذي ضمن مفهوم المساواة في إعلان (الاستقلال الأمريكي)، هو نفسه (الإله) الذي عبده " روسو "، بينما هو ليس نفسه (الإله) الذي أقر في الكنائس التقليدية التي لم تزل تدعم وتحمي الأنظمة الملكية المطلقة في معظم الدول الأوربية. إن جفرسون وفرانكلين استوعبا التنوير الفرنسي،  وأن لغة القانون الطبيعي لتراث أو أصول الحرية، أي حرية الإرادة التي تسربت وبعمق شديد إلى حصاد نضال الأمريكي، كانت هي لغة التنوير نفسه، بالرغم من أنها غالبا ما كانت تغطى بمسوح النور الديني الذي راح يدعي الآن من قبلنا بالدين المدني. ومن هذه المعطيات أخذ الأمريكان يفضلون دراسة التنوير، الذي أصبح يشكل نسغ حياتهم، فالتنوير، حدد جزءا من الذي حلموا به، بل الأهداف التي يصبون إلى تحقيقها، أما طموحات الارستقراطيين الأمريكان الانفصالية وما رافقها من ردود أفعال تجاه هذه التحولات الجارية في أمريكا تحت راية التنوير، فقد راحت تتآكل، وكانت في حقيقة أمرها ومنذ بدايتها أقل تأثيرا على الواقع مقارنة بتحركات زميلتها الأرستقراطية الفرنسية .

 

The Enlightenment

Created by Paul Brains

ترجمة : د.عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2584 المصادف: 2013-10-02 03:08:27