 تنوير وإصلاح

اسباب الفشل .. تركيز الخطاب الديني على الغيبيات

mustafa alomariتوطئة: .. ثمة فرق بين الدين والمنتج الديني، فالدين هو السنة التي خطها الله للبشرية وطلب منهم اقتفاء اثرها لكي يصلوا الى ما وعدهم به من خيرات وسلام، أما المنتج الديني فهو القراءة البشرية لأشخاص حاولوا ان يستخلصوا من الدين مفهوماً خاصاً للحياة او ان يأخذوا الدين الى حيث لا يرغب الدين نفسه، فالقتل والتفجيرات المتتابعة، والتكريه بين البشر كلها أتت بمضخات دينية وليست دين، فنحن عندما نكتب عن الدين لا نكتب عن دين الله بل عن التحريف الذي لحق بدينه، ونركز على المنتوج البشري في الدين. اذن الدين مقدس لكن القراءة البشرية في الدين غير مقدسة. إننا عندما نخوض في مثل هكذا مواضيع نخوض فيها من خلال عقيدتنا، عقيدتنا التي تبحث عن شك لكي تعانق اليقين، وليس اليقين الذي لا يقبل الشك .

تعود الخطاب الديني ان يسحب الناس من المعقول والمحسوس الى اللامعقول واللامحسوس وغير المرئي، لكي يجعلهم يعيشوا الوهم الحقيقي ويبعدهم عن العقل والتفكير، فالخطاب الواقعي هو الذي يتعامل مع العقل البشري وفق سياقات الطبيعة من الممكنات المادية، فالعالم الذي صدق بوجود الله الغيبي تعرف عليه من خلال اثره الواقعي الذي يتلائم مع الشعور الانساني ويحتاج له الفرد بشكل عام . تمدد هذا الايمان وتحول الى قصص وخرافات وطاقات غير معقولة .وتمدد ليسحق الإيمان الحقيقي عند معظم الناس، فتحويل قدرة الله الى البشر وإضفاء طاقة إلهية متحركة ومتحولة وقادرة على صنع المستحيل وغير المعقول هو انتقاص من قدرة الله . فالخطاب الديني الذي ركز تركيزاً مفرطاً على الغيبيات او غير المعقولات لم يلتفت الى نقطتين هامتين:

1- ان كثرة الخوض في غير المعقول وتعدد قدرات بعض الاشخاص في ممارسة نفس سلطة الله على الارض قد يحول من بعض الناس متعددي الايمان، فبينما يطلب اصحاب المنهج الديني من الناس ان يؤمنوا بالله الواحد الاحد يومئوا لهم او يتحدثوا معهم بصراحة من ان هناك قدرات بشرية قادرة ان تفوق حتى قدرات الله . (استغفر الله) وهذا المنهج المغاير قد فرط بالكثير من الناس الذين يريدون منهج الله وليس المنهج البشري .

2- تتفق جميع الاديان تقريباً على ان العقل هو المائز الحقيقي بين معرفة الله من عدمه، لكن هذه الاديان او الايدلوجيات الدينية غيبت العقل تماماً، غيبته وفق خطاب غيبي بحت ميتافيزيقي بامتياز لاشعوري لا حسي لا منطقي، فتيبست شرايين العقل وهجعت على حساب انماء شرايين مفتعلة ومغشوشة لكي ترتفع لغة التجهيل والتسطيح .

دعيت قبل فترة الى احتفال ديني (مسيحي) في أحدى الكنائس، فذهبت الى هناك حيث أرقب الجديد فيما يطرحه رجال الدين المسيحيين، وأنا أبحث عن المختلف بين الاديان لكي أرى مقدار الله في نفوس عباده بين شعاراتهم وتطبيقهم، فوجدت اختلافاً كبيراً في طريقة الحركات العبادية .

لكن الذي أثارني هو الخطاب الديني الغيبي في تلك الكنيسة فكتبت في حينها:

 

بدأ الحفل

مشى بخطوات ثابتة وتكلم بلهجة مصرية ليس فيها تكلف أبداً كان يخطب بمجموعة كبيرة من الناس لكنه لم يكن يسحر ببيانه ولا بلغته ولا فكره، بدأ حيث الوعظ الثابت في منهج الأديان فقال انا اول ما دخلت الى الكنيسة شعرت شيئاً خفيا في نفسي والله في شي دخل قلبي ونور طريقي، أراد ان يعطي هالة وقدسية لهذا التجمع . بعدها رأيت شيئاً لم اعهده في طقوسنا الاسلامية وإذا بشاب يرتقي المنصة بعوده هذا العود الذي ألفناه عند المطربين والفنانين والملحنين، امعنت النظر لكي اتفحص الامر فإذا هو كما رأيت لا كما شط بي الخيال .

المهم ان الرجل اسمعنا اجمل الألحان وغنى اروع القصائد وبعذوبة الصوت اللبناني تحول التجمع الى تصفيق مصحوب بدعاء وترديد .

الحالة الاسلامية مستغرقة استغراقاً في الخطاب الديني الغيبي فالمهم في الخطيب ان يستدر عطفهم ويسلب عقولهم ويحول ما في جيوبهم الى جيبه !! .

تحدث احد خطباء المنابر: ان للامام زين العابدين طفلاً كان يلعب، فسقط الطفل بالبئر فجاءت زوجته تقول له ولدك سقط بالبئر فلم يجبها ثم قالت ما اقسى قلوبكم يا أهل البيت !! ثم جاء الامام بعد فترة وقام يتمتم بكلمات فما كان الا ان يرتفع ماء البئر ويخرج الامام الطفل ؟! .

خرج أحد خطباء الفضائيات المعروف باللحية الطويلة والثوب القصير وهو يتحدث عن اخر رجل يدخل الجنة (الحديث دائماً عن الرجال ليس للمراة دور في الجنة) يقول من ان اخر رجل دخل الجنة كان يقوم ويسقط على الصراط بعد عناء وصل الى الضفة الاخرى فطلب من الله شجرة من الذهب الخالص (المادية حتى في الجنة) ثم قام يطلب طلبية غير موجودة في مطاعم العالم وبعد حديث ومطالب متعددة سأله الله هل تريد غير هذا قال لا وعزتك لا اريد شيئاً غير هذا، ثم يخاطب الله العبد ما الذي يرضيك مني؟ (انت عاوز ايه ياكدع)

اترضى ان يكون لك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول هذا العبد الفقير اتستهزء مني وانت رب العالمين ! يقول هذا الشيخ الثري، فضحك عبدالله بن مسعود وهو يروي هذا الحديث قيل له لماذا تضحك قال لان الرسول كان يضحك ولماذا ضحك الرسول؟ يقول لأن الله كان يضحك من جواب هذا العبد لله !! .

أعتقد ان اخر شخص سيدخل الجنة هو الممثل المصري عادل امام فهو جدير بصنع الضحكة واحتمل سيضحك الله بقهقة تختلف بالتأكيد عن قهقهات بني البشر، ولا أعرف كيفية ضحكة الله أهي عالية ام بهدوء بشراهة أم بتحفظ؟ نسي هذا الشيخ المليونير ان يصف لنا كيف ضحك الله وكيف استلقى على ظهره من فرط الضحك لجواب هذا الرجل (العربي بالتأكيد) وأعتقد انه مصري .

هذا الخطاب الموغل في الجنة وكيفيتها والنار وشدة حرها والملائكة وكيف يعذبون البشر، أخذ العقل البشري عموما الى الابتعاد عن الانسانية والحياة الطبيعية من خلال هذا الخطاب الغيبي، اخذها الى حيث الوهم وعدم الشعور بموجودات هذا الكون .

إننا بالوقت الذي نشير فيه الى خطأ يجب ان ننوه الى ما نراه صواباً والحل او الصواب هو عندما نريد ان نستمع الى محاضر او خطيب يجب ان نلحظ حجم استغراقه في الماورائيات والغيبيات فإذا كان حديث المتحدث بغير المحسوس او المرئي او الممكن عقلاً فيجب التنبه لمثل هؤلاء وعدم الاستماع لهم لان حديثهم إفعوانية غير قابلة على الاستقرار .

 

مصطفى العمري

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2835 المصادف: 2014-06-10 03:48:45