majed algharbawi1إن حاجة الشيعة للإمام نابعة من صميم عقيدتهم بوجود 12 إماما، كانوا يمثلون القيادتين الدينية والسياسية، رغم تفاوت أدوارهم حتى آلت الأمور إلى إمامة شكلية في زمن علي الهادي. وبشكل أوضح في حياة الحسن العسكري، عندما أحال على الفقهاء للإجابة على أسئلتهم الشرعية. فانقلبت حاجة الشيعة للإمامة من حاجة حقيقة إلى حاجة رمزية ساعدت على تقبل فكرة غيابه مع وجود وسطاء أو سفراء بينه وبينهم، رغم قوة الزلزال. فالشيعة لم يخسروا بغيبته سوى القيادة الفعلية، التي راحت تذوي في حياة الإمامين الآخيرين، حتى تفوقت الحاجة الرمزية على الحاجة الحقيقة لوجود الإمام. وبالفعل كانت رمزيته وما تزال وهو غائب أقوى وأثرى للخيال الشيعي، يؤكد هذا ما نشاهده عند مواليه وشيعته. فالحاجة إليه باتت ضرورة نفسية، تنعش أمل الشيعة، وتطفئ قلقهم. ولو كانت هناك حاجة حقيقية للإمام، أو توقفت بعض القضايا الدينية والقيادية لتمرد الشيعة ضد عقيدة الانتظار، بل وربما كفروا بالتشيع وعقيدته، لكنه لا توجد حاجة حقيقية بل هناك حاجة نفسية لرمزيته، وستبقى مهما طالت غيبته.

أحيانا تَحط ُّ المعاصرة من قيمة الرمز وقدسيته، بينما تزدهر في غيابه حداً تُلهب رمزيته الخيال الميثيولوجي، فيجرّده من بشريته ويحلّق به في مدارات الأسطرة واللامعقول، ليُعيد انتاجه باستمرار في إطار ضروراته العقيدية والآيديولوجية. وهذا أمر طبيعي في غياب أي حبيب، فإنك تُسقط عليه كل الخصال الحميدة. وتتجسد أكثر رمزية الإمام في غيابه عندما يعلّق الشيعة آمالا واسعة على دولته المعهودة، وهي آمال لازمتهم على امتداد تاريخ الأئمة، فكانت سلوى وملهاة تداعب أحلامهم، وكان الأئمة يجدون في المهدي ودولته مفرا من المأزق العقائدي، الديني، فيدارون مشاعرهم بكلام يداعب أحلامهم حدَ الهوس بالمهدي ومستقبل دولته، ليتخلصوا من السؤال المرير: متى يظهر المهدي؟.

أما المعاصرة فعلى العكس، حيث عانى الأئمة من معاصريهم، وتخلى عنهم الناس في أحلك الظروف، كما فعلوا مع الإمام الحسن بن علي، والإمام جعفر الصادق، وشككوا بإمامة موسى الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، وهكذا بالنسبة لعلي الهادي والحسن العسكري، بل الأخير واجه سيلا من التشكيك أضرّ بمصداقيته، بينما يزخر المهدي الغائب برمزية هائلة، لأنه لم يعاصر أحدا، ولم يحتك بالوسط الاجتماعي، سواء كان له وجود حقيقي أم لا، لكن غيابه شحنة رمزية عالية تنعش طموحات التشيع. فتجد الشيعة اليوم يعلّقون آمالا عريضة على ظهوره.

إن صورة المهدي في الخيال الشيعي تتجدد وتتضخم حداً يختلط فيها الوهم بالحقيقة، خاصة لدى من يدعي مشاهدته ولقاءه.

لقد تطوّرت صورة المهدي في الخيال الشيعي من الرمزية إلى الأسطورة، والأسطورة تقاس بقوة رمزيتها وإيحاءاتها وقدرتها على الاستجابة، لا بمقدار صدقيتها ومطابقتها للواقع، لذا لا أحد يثيره طول عمر المهدي، بل أن طول عمره الخرافي يعزز أسطرته، ويلهب الخيال حد الهوس والتفنن في اجتراح حكايات أسطورية حوله. ويتجسد هذا الأمر في مناجاته وهو غائب، حيث يذوب فؤاد المناجي شوقا، وترق دموعه، ويبدأ بمغازلته والتودد إليه حتى يرتوي ضمأ روحه الهائمة، وتهجع مطمئنة على أمل لقاء جديد.

المهدي لعبة الخيال الشيعي، وآمله المتجدد، وأفقه نحو المستقبل والآخرة، وطموحه إثر إخفاقات الحياة ومتاعبها. إنه رمز الإنسان الكامل. به تسمو أرواح المؤمنين، وتنتعش آمالهم وأحلامهم. ويبقى طيفه يداعب خيالهم، فعيونهم ولهى تطارد كل خيال لعله المهدي، فتشرق ابتسامة الشوق قبل حرارة اللقاء. 2345 مدارات عقائدية ساخنة

 

ماجد الغرباوي

...................

* مقطع من كتاب مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني، مؤسسة المثقف ودار أمل، الطبعة الثانية، ص، 165 – 167

للاطلاع على الكتاب

https://www.almothaqaf.com/k/majed-al-gharbawi-s-books

 

عبد الجبار الرفاعيوجودُ الإنسان مرآةُ وجود الله. الإيمانُ نورٌ يكشفُ للإنسان حقيقةَ وجودِه، ثمرةُ الإيمان تُعرف بإثرائه لسكينة الروح، وطمأنينة القلب: "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"1. الإيمانُ حالةٌ للروح تعيشها، وتجربةٌ للحقيقة تتذوّقها. يسكنُ الإيمانُ الروحَ مثلما تسكنه، ويرتوي بالروح مثلما ترتوي به. الإيمانُ عودةُ الروح إلى أصلها الإلهي، أودع اللهُ في كلّ إنسان روحًا منه، إلا أن هذه الوديعةَ تحتجب متى احتجب الإنسانُ عن الله، اللهُ لا ينسى الإنسانَ إلا عندما ينساه الإنسانُ: "نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ"2. لا يستردّ هذه الوديعةَ إلا الإيمان، الإيمانُ إيقاظٌ لصوت الله في ضمير الإنسان، وانبعاثٌ لما ينتمي الى الله فيه. الروحُ تنتمي إلى الله، إنها وديعتُه التي استؤمن الإنسانُ عليها، كما يؤكّد القرآنُ الكريم ذلك، فإذا ذكرَ اللهُ الروحَ في القرآن قرنها به، كما تشير هذه الآية وغيرُها: "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ"3 .

الإيمانُ يكرّس الروحَ والقلب ويتوحّد بهما، حتى يبلغ توحّدُ القلب والروح بالإيمان مرتبةً لا يخضعان معها لمعادلاتِ الذهن ومشاكساتِه مهما كانت. الإيمانُ حالةٌ ديناميكيةٌ حيّة، تتغذّى وتنمو وتتطوّر وتتجذّر. إنه جذوةٌ متوهجة، كأنها طاقةٌ مشعّة، يضيء الإيمانُ الروحَ لحظةَ تحقّقها به، مثلما تضيء الكهرباءُ المصباحَ المظلم لحظةَ وصله بها، وهذا معنى كونه حالةً نتذوّقها كما نتذوّق الطعامَ الشهي والشرابَ اللذيذ. كلُّ ما يتذوقه الإنسانُ ضربٌ من التجربة، والتجربةُ تفشلُ لغةُ الإنسان في التعبير عن حقيقتها وكلِّ حالاتها وأطوارها.

يفيضُ الإيمانُ على صاحبه طاقةً مُلهِمة، إذ لا يجد نفسَه في غربة إلا ويهمس إليه صوتُ الله، فتستفيق روحُه بعد غفوتها، وتمتلئ بعد خوائها، وترتوي بعد ظمئها، ويتجدّد وصالُها بمن أودعها عنده. في كلّ غيابٍ للإنسان عن ذاته يرى حضورَ الله هو الحضور، واحتجابَ الله هو الاحتجاب.

الإيمانُ مُستقرَّه القلب، ومأواه الروح. إنه ليس صورةً ندركها، الصورةُ يختزنها الذهنُ. الإيمانُ، خلافًا للفهم والمعرفة، لا يتحقّق بالنيابة، في عملية الفهم يمكن أن يتلقّى الإنسانُ معارفَه من شخصٍ آخر، أو يقلّد غيرَه في آرائه. الإيمانُ تجربةٌ تعكس تسامي الروح في سفر النور من الخلق إلى الحق. إنه ضوءٌ ينبعث داخل الإنسان، إنّه صيرورةٌ تتحقّق فيها الروحُ وتتكامل، ونمطُ وجودٍ يرتوي به الظمأُ الأنطولوجي للمقدس، إنه مما تضيق في التعبير عنه العبارةُ، ولا تشير اليه إلا الإشارة.

يحقّق الإيمانُ الإنسانَ في طور وجودي جديد، فحيث يسافر الإنسانُ للحقّ تتكرّس قدرتُه، وتترسّخ إرادتُه، وتتعذّر هزيمتُه. لأنه يتحقّق بالحق فلا يشعرُ بهشاشةِ وخواء وجوده. بذلك يجعل الإيمانُ الاشياءَ المستحيلةَ ممكنة، والشاقّةَ سهلة، والمرّةَ حلوة.

الإيمانُ وحبُّ الله كلاهما كيمياءٌ للروح، كلاهما ينبثقان من جوهر واحد. يولدان معًا، ويرتضعان معًا، ويتكرّسان معًا، ويتوحّدان معًا، فحيث ينمو الإيمانُ ينمو الحبُّ، وحيث يذبل الإيمانُ يذبل الحبُّ. إنهما في صيرورة وتفاعل وفوران، يتحوّل الإيمانُ إلى حب، كما يتحوّل الحبُّ إلى إيمان. الإيمانُ عصارةُ الحبّ، والحبّ عصارةُ الإيمان، كلا الحالتين تستقيان من الشلّال ذاته، يصبح كلّ منهما صورةً لحقيقة واحدة متعدّدةَ الوجوه. حين يصير الإيمانُ حبًّا والحبُّ إيمانًا تشهد حياةُ الإنسان أنوارَ الأبد. ما أجمل التعبير الوارد في مناجاة المحبين للامام السجاد "ع": "اِلـهي مَنْ ذَا الَّذي ذاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً، وَمَنْ ذَا الَّذي أنـِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغى عَنْكَ حِوَلاً".

الإيمانُ فرحُ الروح في زمن قلما تفرح فيه الروحُ، إذ يتهدّدُ العالَم تدينٌ كئيبٌ يغمر الروحَ بالأسى. في الإيمان تتناغم الأديانُ وتتعايش وتأتلف، بعد أن تكتشف شفرةَ اللغة الروحية الواحدة المشتركة التي يتكلّم فيها إيمانُها، وإن كانت في الاعتقاد تتكلّم لغاتٍ شتى لا تفقه كلٌّ منها الأخرى. يقول ابن عربي: "تنوعت المشاربُ، واختلفت المذاهبُ، وتميزت المراتبُ، وظهرت الأسماءُ الإلهية والآثارُ الكونية، وكثرت الأسماءُ والآلهةُ في العالم"4 .

2323 مؤمنة

لا يولد السلامُ بين الأديان في فضاء الاعتقاد، بل يولد السلامُ بين الأديان في فضاء الإيمان. الإيمانُ يتكلّمُ لغةً واحدة، المؤمنون في كلّ الأديان يستوحون إيمانَهم من منبع مشترَك هو الحق، وإن تجلّى لكلّ منهم في صورة، تتنوّع صورُ الحق بتنوّعِ دياناتِهم، وبصمةِ ذواتهم وبيئاتهم، غير أنهم يعيشون التجاربَ الروحيةَ المُلهِمةَ للطمأنينة والسكينة والسلام. الإيمانُ حقيقةٌ يتجلّى فيها جوهرُ الأديان، وأرضيةٌ تتوحّد في فضائها، ومنبعٌ مُلهِم للحياة الدينية فيها. لا يتخلّص الإنسانُ من نزاعات الأديان وحروبها إلا في فضاء الإيمان.

إن كانت نصوصُ الدين مقدّسةً غير أن تفسيرَها وتأويلَها وفهمَها يتجلى فيه الأفقُ التاريخي الذي يتموضع فيه الكائنُ البشري، لا يمكن أن يكون ذلك الفهمُ عابرًا للإطار المعرفي الذي يعيش فيه ذلك الكائنُ. إن تطبيقَ المناهج العلمية في دراسة الأديان وفرقها ومذاهبها ضرورةٌ يفرضها التعرّفُ على كيفيةِ ولادتها وصيرورتها عبر التاريخ، والآثارِ المتنوعة لها في الحياة البشرية. الأديانُ تولد في عصر مؤسّسيها، لكنها تظلّ تتخلّق وتنمو في صيرورة لا تتصرّم عبر الزمان والمكان، في سياقات نسيجِ المتطلبات المتنوّعة لحياة الإنسان فردًا وجماعةً، والعلاقاتِ العضوية بين السلطة والمعرفة، كما يشرحها ميشيل فوكو.

ما لم يتسع حقلُ دراسةِ الأديان ومقارنتِها لدى الباحثين في الدراسات الدينية، لا يمكن تصويبُ سوء الفهم والأحكام السلبية السابقة، وحذفُ الكثير من الأخطاء المتراكمة في فهم أتباع ديانةٍ لمقولات ومعتقدات أتباع ديانةٍ أخرى، إذ تتوالد من سوءِ الفهم والأحكامِ السلبية السابقة دائمًا أحكامٌ إقصائية حيالَ الآخَر المختلف.

إن دراسةَ الأديان ومقارنتَها هي المعيارُ الحقيقي لاختبار وفاءِ الأديان بوعودها، ومصداقيةِ ادعاءات أتباعها. ولا يتحقّق ذلك إلا بالعودة إلى نصوصِها المقدّسة، ومدوناتِها الخاصة الموازية لهذه النصوص، والتعرّفِ على أنماطِ حضورها في حياة الأفراد والمجتمعات التي تعتنقها، ومدى تأثيرِها الإيجابي في تنمية الحياة الروحية والأخلاقية، والتفتيشِ عن أثرها السلبي، وفضحِ ما تعمل على إخفائه أو تتعمّد حذفَه من تراثها وتاريخها الخاص. دراسةُ الأديان الوحيانية مثلًا لا تصحّ إلّا بالعودة إلى نصوصِها المقدّسة وتراثها الخاص، وطبيعةِ تأثيرها في حياة الفرد والمجتمع الذي يعتنقها، وكيفياتِ حضورها في التاريخ البشري، وما تركته من آثار مختلفة في البناء والهدم.

ليس هناك ديانةٌ تستأثر وحدها بالمحبة والحرياتِ والحقوقِ واحترامِ كرامة الإنسان، وليس هناك تاريخُ ديانةٍ منزّهٌ من التعصب والعنف وانتهاك الكرامة. لا يكفي الحكمُ على أخلاقية وإنسانية الديانة بما تشتمل عليه مدوّنتُها، وليس بشهاداتِ أتباعِها عنها، مهما ادعوا من انحصار الأخلاق والإنسانية فيها. لا يكون الحكمُ صادقًا إلا بمقارنتها بالديانات الأخرى، وتفحّص وغربلة مسيرتها التاريخية، وما صنعته في محطات رحلتها عبر الزمان، وما قدمته من مكاسب للحضارات البشرية، مضافًا إلى اكتشاف مقدار تجلّي القيم الإنسانية لهذه الديانة وأخلاقياتها في سلوك معتنقيها أفرادًا وجماعاتٍ في الماضي والحاضر.

كي تتعايش الأديان وتأتلف ينبغي العمل على تكريس المشترك الإنساني الروحي والأخلاقي والجمالي للأديان، ‏وتوظيف الرصيد الايماني والرمزي الحي لها من أجل صناعة السلام في العالَم. والكفّ عن نبش ذاكرة حروبها المريرة والانتهاكات الشنيعة في مسيرتها، وما يختبئ في أرشيفاتها من تعصّبات وكراهيات وصراعات دينية مريرة. وأن ينشد الكلُّ الكفَّ عن ثنائية أنا / أنت، والانتقال إلى الـ "نحن"، على وفق رؤية البابا فرنسيس في ترسيخ معنى "العائلة البشرية"، بوصفها مقصدًا إنسانيًا أسمى يكشف عن الغاية العظمى لكلّ الأديان، وبوصف: "الأخوّة أقوى من قتل الإخوة، الرجاء أقوى من المَوت، السلام أقوى من الحرب".

أما أن نعيشَ معًا وذلك ما ينشده كلُّ حكيم في الأرض، وأما أن نموت معًا وذلك ما يعمل عليه كلُّ متعصب أحمق. كتب الأديان المقدسة وميراثها منجم يكتنز بالمعاني الروحية والأخلاقية الأصيلة، التي تبني أُسس العيش معًا. "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"5 .

من الضروري الارتقاءِ بالحوار بين الأديان، والانتقالِ من الكلام المكرّر، كلام العلاقات العامة والمجاملات إلى اعتماد المناهل الروحية والقيم الأخلاقية المختزنة في جوهرها، والبناءِ عليها بوصفها منطلقاتٍ للبحث في دراسة الأديان والحوار بين أتباعها. في ضوء ذلك ينبغي رفضُ مواقف كلّ من يستخفّ بمعتقدات أيّ دين آخر أو يسفهها، وأن تتعاقدَ كلُّ الأديان على رفض التكفير، وإن كان التكفيرُ يمتلك حججَه وأدلتَه داخل منطق الديانة وتراثها، مهما كانت تلك الحجج والأدلة مقنعةً ومقبولةً لأتباع الديانة. وأن ينطلق الكلُّ من واقع الحياة البشرية، وليس من الرغبات والأماني والأحلام والأوهام، هذا الواقع الذي يدلل على أن الناسَ لا يمكن أن يجتمعوا على قناعة واحدة، أو اعتقاد مشترك، أو ديانة واحدة. "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ"6 .

 

د. عبدالجبار الرفاعي

....................

1- الرعد، 28.

2- الحشر، 19.

3- الحجر، 29.

4- ابن عربي، محيي الدين، الفتوحات المكية، ج3: ص 94..

5- البقرة، 62.

6- هود، 118.

 

 

سامي عبد العالفي تاريخ الأوبئة هناك أمرٌ ساخر يشوبه التناقض داخل المجتمعات العربية: هو أننا نعزل أنفسنا هُروباً من كل وباءٍ واسع الانتشار بوصفه طاعوناً للعصر، مترقبين تحسُن الأوضاع مع التملمُل لدرجة السأم من فترات الانعزال، بينما نحن (كنا ومازلنا) نحْجِر على حركة العقل طوال قرون من الخمول الحضاري، ولم نتململ قط من انعزال العقول المتمردة عن حياتنا الرتيبة.

بالفعل لقد تمَّ الحَجْر الصارم على إبداع العقول رغم أنَّ فيروسات الفكر الراكد أشد فتكاً، ليس أقلُّها انتشار التطرف والإرهاب والجهل والسقوط المريع في الحياة. ومن ثمَّ لم يكُن مُجديّاً بالتماثل (بين فيروسات الطبيعة وفيروسات العقل) حظْر تجول الأفكار المختلفة لمنع العدوى وتعطيل العقل عن أن أتي بالجديد وبما هو إنساني؟!

لعلَّ أخطر ما فعله وباء كورونا أنه قد كشف أشياء أخرى في تاريخنا الراهن، بالتحديد كشف أوبئة ثقافية وحضارية ضاربة الجذور في ثقافتنا اليومية. مثل فيروسات التخلف السياسي والجُمود الفكري وتراجع مستويات التعليم المبدع وضياع فكرة الإنسان وتدني الإسهام في الحضارة الكونية. لدرجة أننا أصبحنا مرضى لا نقوى على علاج أنفسنا وننتظر الآخرين أن يقدموا لنا علاجاً ومعرفة وفوق هذا وذاك نتاجر في أمراضنا كأنها مصالح أو استثمارات.. أية كارثة غير إنسانية نعيش؟!

الأمر أشبه بالجسم الذي يبدو قوياً صلباً في الظاهر أمام النظر طالما لم يُصبْ بأية أمراض، ولكنه عندما يُصاب بأي مرض (ولو كان بسيطاً) يبدأ في إظهار علل أخرى، نتيجة مداهمة الوهن والخلل لبنيته وبفعل انخفاض مستوى المناعة لدرجة أنَّ الفيروسات الدقيقة قد تعصف بكيانه إجمالاً. فالتباعد الاجتماعي بسبب كورونا والحَجْر على الجسم أظهرا أنواعاً من الحجْر كنا نمارسها طوال الوقت، رغم كوننا أولى بمقاومتها والتطلع لحياة أفضل.

على سبيل المثال نحن أولى بمقاومة الحَجْر على الفكر والحرية والتنوع وعلى انسانية المرأة والإبداع وقيمة الآراء المغايرة. ذلك لإحداث" ثورات نقدية" بمعناها الحقيقي تجاه عصور سالفة أُزيحت خلالها مسارات العقل وتمَّ حجبها في غياهب التقاليد الموروثة. كانت سلطة الموروثات متغلغلة في كافة التفاصيل بغطاء ديني وسياسي معاً ليس أكثر ولا تنتمي إلى أصول الديانات، واستطاعت وضع العقل ومشروعاته وشطحاته وخروقاته للمألوف تحت "الإقامة الجبرية". فلم يكُّن هناك عصر عربي اسلامي واحد يمكننا أنْ نسميه عصر العقلانية أو حرية استعمال العقل أو زمن المراجعة والنقد أو فترات التحرر من التقاليد الآسنة. مما أفقد تاريخنا (وبخاصة السياسي والثقافي) القدرة المرنة على التطور وتأكيد التنوع بطرق طبيعية.

دوماً كان الميلاد التاريخي الجديد لدينا يتم بانفجار الثورات الطارئة والهوجاء والحركات المذهبية والانقسامات الطائفية وانقلابات السياسة والأحزاب السرية والاغتيالات والدسائس والمؤامرات ... إلى آخر النفق المظلم. حتى أنظمة دولنا العربية الغابرة والراهنة، فقد جاءت على أسنة الرماح أو تحت صهيل الخيول أو فوق المدافع ووسط الفوضى والقمع إلى مداهما الأكبر. وكم أحدث ذلك الوضع رُعباً لدى أصحاب الأفكار الأخرى والديانات والمذاهب المختلفة.

وبمناسبة عدوى الفيروسات الطبيعية، تخاف مجتمعاتنا لحد الرعب من عدوى الحريات، وبات أصحاب الحرية العقلية منبوذين ولا أمل في تأثيرهم اجتماعياً وسياسياً. وهذا واضح تماماً من أنَّ أي إنسان يأتي بالجديد سيصير نهباً للإهمال والتكفير والازدراء والملاحقة والتشوّه. وعليه أنْ يموت عارياً دون مأوى أو أن يلقى في أحد السجون الاجتماعية أو السياسية نتيجة الحجب والمنع. وحتى لو كان ما أتى به جديراً بالاعتبار، فلن يتم معرفته ولا نشره في عصره إطلاقاً، بل علينا الانتظار سنوات وسنوات كي يُعاد النظر فيما فعل وترك من أفكار.

هناك المثل الشعبي الشهير في لغتنا الجارية " ذمّار الحي لا يُطرب" أو" لا كرامة لنبيٍّ في وطنه" ... وأتصور أنَّ هذا المثل يعري ذهنية المجتمعات العربية التي لا تقبل تجديداً لجلدها بسهولة رغم تمزقه وقدمه الواضحين للعيان وأنَّ  النبي على ما له من مكانة سامقة في تراثنا الثقافي لن يؤثر في قومه، سيكون مهملاً هو الآخر أو على أفضل الأحوال سيكون منبوذاً. والسخيف في المسألة أنَّ العقل يأتي من العقال في المعجم العربي، أي عقال الدابة وهو العقال لحياة الإنسان عن الرذائل واتيان القبائح. ونتيجة الخلط بين (الابداع والإسفاف بفعل فاعل تاريخي) تم وضع العقال داخل كل عقل منتج وحر، حتى بات يترقب من ذاته أدنى خروج على الشائع والمكرر. وعادة يفضل الانضمام لقطعان المدجنين سياسياً واجتماعياً عن أن يختلف فكراً. لأن المسؤولية تضع فوق عنقه تحت سيف الملاحقة وقيام وانهيار  قيم الأمة كأنه شمشون الجبار بينما هو مجرد قط بائس يلعق أرجله أو شواربه على أعتاب الحكام.

إنَّه منذ حوارات الفرق الاسلامية كالمعتزلة والاشاعرة والجهمية وفرق الشيعة المتعددة حول النص الديني لم يُعترف بنتاج العقول الحرة كنظام مشترك للتفكير والمناقشة وطرح أعقد المشكلات الكونية واللغوية قيد الفحص، وأنه منذ المتصوفة الأوائل أبو منصور الحلاج وابن عربي والسهروردي وجلال الدين الرومي المقتول لم تخرج التجارب الحرة روحياً وإنسانياً إلى الواجهة، فالتصوف كمثال بخلاف (رأي المعتوهين فيه) هو طريق فذ لرؤى الحياة والعالم والنصوص الدينية وقضايا المصير والآخر والكون والتاريخ والزمن. تختلف أو تتفق مع أقطابه تفكيراً أو سلوكاً، إلاَّ أنَّه قد راكم في تاريخ الفكر (أقول الفكر بالتحديد) طُرقاً حرة للإيمان المفتوح open faith، أي الإيمان الحُر بعبارة كانط الذي باستطاعته استيعاب الإنسانية في شخصنا المحدود.

1- التجارب الروحية ذات الطابع الإنساني تضع وجودنا فسيحاً يقبل التنوع والاختلاف والتعددية كما عند ابن عربي والحلاج.

2- أظهرت مأساة الحلاج بنية الثقافة العربية الإسلامية المستندة إلى الفهم الحرفي التقليدي للنصوص وسيادة الخطابات السلطوية حول الشريعة. وقد أودت بحياته كلمات قالها ولم يحاول الفقهاء فهما مغايراً لها رغم احتمالات التأويل.

3- تراث العقل تراث إنساني بالمقام الأول ولا يجب حجبه لصالح السياسي والديني، إنما ينبغي اعتباره تراثا قابلا لكل القراءات الممكنة.

4- أبرز ما في التصوف هو الجرأة والمبادرة على مناقشة كافة المسائل والفهم المختلف للقضايا الدينية التي تكرس السلطة وتسهم في تخلفها.

5-  ليس التصوف فقط مقصوداً لذاته، لكنه يطلعنا من ناحية الفكر على أدوات حرة ومختلفة لفهم العقل (حتى وإن كان التصوف يخالفه) وسبر أغوار الحياة ومعرفة دقائق اللغة وطبائع الأشياء والحوار معها وفهم الموت والحياة.

الآن بدت إجراءات التباعد من كورونا سخيفة إلى أبعد حد. لذلك ينبغي طرح الأسئلة التي لا تتوقف حول هكذا معانٍ: كيف نأخذ تدابير ضد الكوفيد المستجد ولا نأخذ تدابير ضد رواج التقاليد القاتلة لروح للمجتمعات مع أنَّ الاثنين قاتلان؟ بأي معنى نفرض حجْراً على الأجسام المريضة ولا نكسر حجراً عن العقول المبدعة؟ وبالمقلوب إذا كانت تشير الأفكار المختلفة إلى أفكار جديدة، فكيف نوفر مناخاً خصباً للعدوى في مجال حرية العقل؟ هل عدوى الأفكار نافذة لدرجة تحديد أفاق المعرفة والحياة؟! بأي معنى أفهمنا الكوفيد المستجد عدوى الفكر سلباً وايجاباً، فهي أشدَّ خطراً وراوحت أزمنة برمتها حتى اللحظة؟! وما الدلالة اللطيفة ثقافياً إزاء الحجْر الصحي بين الجسد والعقل؟!

التفرقة غير المنصفة التي كان يجب إدراكها بين الجانبين (تفرقة بائسة) كلّفت العالم العربي والاسلامي قروناً من الانكفاء والتخلف. فلو تم تجنب حاملي فيروسات التخلف والسقوط والدعة والاستبداد ما كانت هناك هذه العدوى التاريخية. لأن هناك تماثلاً بين فيروسات الفكر والطبيعة كما أشرت، وإذا كان الكوفيد يُفشل عملية التنفس ويدمر أنسجة الرئة ويسبب الموت البطيء بالنهاية، فإننا بقينا قروناً بلا تنفس فكري نقي ولا رئات ثقافية حرة تجدد آفاق عقولنا العامة. إن الفكر غالياً لا يكاد يحس بأهميته أحدٌ، ربما لكونه بعيداً عن "الفم والبطن والفرج" عند الإنسان العربي، هذا الثلاثي العتيد الذي يهم الرئة اليومية لحيواتنا العربية المباشرة. وهو الثلاثي نفسه الذي يحدد اليوم سياسات بعض أنظمة الدول والاعلام والفنون والأخلاقيات والعلاقات العامة ويضبط إيقاع التمدد البشري ويحكم القبضة الممسكة برقاب القطيع. فالغرائز تبقينا على مسافة مناسبةٍ داخل الحياة وتجعلنا قادرين على مواصلتها، لكن انحرافها وتضخمها يجعلنا مرتعاً لفوضى التخلف. أمَّا  مضمار الفكر (وهو المجال الأثير للعقل المنتج) فقد ظلّ نهباً لكل من هدب ودب، مجهول الهوية، لا يسأل عنه أحد .. ملْك مشاع كموضع لنفايات ثقافية.

إنَّ مجال الأفكار الجديدة والمواكبة لكونية الثقافات ليس هو المجال المناسب للحظر أيا كان، حتى ولو جاءت الأفكار شديدة القسوة في كشف واقعنا. لأنَّ الأفكار مهما حُجبت لن يحُول أيُّ شيءٍ دون انتشارها، تزيد إذا وُضعت تحت الحجر. فلم يحُل التاريخ دون زيادة قوة الأفكار حتى في أحلك العصور إلاَّ إلى حين فقط، ثم سرعان ما تنفجر في وجوه الطغاة وآكلي عقول البشر. ويجب على دولنا العربية فهم ماذا يعني تحرير العقول لا قمعها وأن هذا التحرير يخدم مستقبلاً آتياً لأجيال قادمة لأنه بناء للإنسان.

ومن أسفٍ أنْ كانت الدولة العربية الراهنة أداة تغليب للأفكار التقليدية تمشيّاً مع أهواء الحكام والساسة وأهل الحل والعقد لأنها تغذي مصالحهم بالدرجة الأولى. ولذلك لا يخشى أي حاكم عربي (صغيراً كان أم كبيراً) من أي شيء قدر ما يخشي من التفكير الحر. فهو تفكير يتوجس منه ليلاً ونهاراً ويبحث عن قتله في مهده قبل أنْ يظهر، لدرجة أن نظامه السياسي يتحول إلى أخطبوط يلتف حول أيَّة عقول مختلفة خانقاً إياها حدَّ الموت. والغريب أن مجتمعاتنا العربية تأخذ خطوات استباقية خلال هذا الاتجاه قبل أية أنظمة سياسية في ممارسة هذا الفعل الفاضح ذاته، وأصبح أي مسئول، بل أي مثقف (من الصنف المرقط) متواطئاً مع تلك الاستراتيجية التاريخية. ليتحول الإنسان إلى مجرد قطّع غيار عليه أن يخلع ذاته أمام أية ممارسة دون تفكر حر ولا أي موقف تجاه ما يرى.

 

سامي عبد العال

 

 

لا شك أنه في عمق التحولات الكبرى الحاصلة في العالم وفي عمق الواقع العربي والإسلامي على مختلف الصعد والميادين، طافت على السطح إشكالات عديدة من جراء المشكلات المتراكمة والباحثة لحلول ومخارج من الأزمات اللامتناهية، وتوالدت الكثير من التساؤلات والقراءات والمقاربات وفق منهج الشك وقوانين المراجعة والاختبار والتقويم لعدة عناوين ارتبطت باليقينيات المختلفة، مما زاد من حدة التعقيدات الفكرية والعملية، لكن بحسب الرؤية الإسلامية القرآنية، أساس التقدم والتطور هو العلم والمعرفة على هدى تقوى النظر والتفكر..

خيار التعارف.. الإنفتاح على الحقيقة أولا:

كل جهد نظري منفتح على الحقيقة، ينطلق في مقارباته الإصلاحية والتجديدية سواء بالنسبة للفرد أو المجتمع من قاعدة الإنفتاح الثقافي بعدما تجاوز الكهوف الخمسة التي أشار إليها بيكون، لأن محطة الانفتاح ثقافيا هي مقدمة لمحطات توسيع دائرة المعرفة وتركيز العلم المنهجي فالتمكن من فن التساؤل العميق، ثم معرفة هندسة بناء النقد التجديدي، كل هذا يشكل أسس تثبيت  خيار التعارف، في كل بيئات المجتمع وظروفه، هذا الخيار الاستراتيجي في تسريع خطط الإصلاح والتجديد على مختلف الصعد والمستويات بحاجة لتأسيس وترصين وفحص ومداولات فكرية جدلية مع الواقع مستمرة..

لماذا خيار التعارف؟

قد يبدو السؤال غريبا على واقعنا العربي والاسلامي العام، لأننا كمكونات ثقافية متعددة ومتنوعة لا نزال لا نعرف بعضنا عز المعرفة بل لا أبالغ ان قلت لا نعرف بعضنا الا معرفة مشوهة غير مكتملة محتشمة، معرفة قبليات ثقافية تقليدية مصداقيتها مهزوزة في الغالب الأعم، لأننا كإجتماع بشري متعدد الثقافات ومتنوع القوميات والقبائل لا نزال نصارع المراهقة الثقافية ولم ينضج اجتماعنا الثقافي لمستوى وعي التعارف كخيار تجديدي لحياتنا الحضارية المنشودة وفق معالم التقوى وآفاق الكرامة..

خيار التعارف بين الصحة والمصداقية:

التعارف كعنوان في كل البيئات السوسيوثقافية، ينال القسط الوفير من المباركة والصحة، الجميع مؤمن مبدئيا  به كرافعة ومنارة في نهج التجديد والإصلاح والتنمية، شأنه في ذلك شأن جميع القيم الحضارية كالتسامح والتعايش والاعتدال والتعاون والتقريب والوحدة،  بل إن الفاعلين في الشأن الثقافي العام يتشبثون ولو شكليا بخطاب وخيار التعارف مع الشركاء في الوطن والدين والإنسانية، بينما المأزق يتركز في مصداقية التعارف لدى كل طرف من الأطراف، وخصوصية التعارف أنه كقيمة في ذاته يمثل قيمة مضافة لكل القيم الحضارية على مستوى مناشط الفاعلية والواقعية..

خيار التعارف ليس فيلم اشهاري او لقلقة لسان أو تكتيك مرحلي، بل هو نهج حياة وتراكم معرفي ومسيرة وعي وتقوى ثقافية تكاملت في شكل سلوكيات حضارية مستديمة، تستهدف ترسيخ  مفهومي الكرامة الإنسانية والمواطنة الناظمة للتعدد والتنوع..

خيار التعارف...مسؤولية حياة:

في جميع حقول الحياة الاجتماعية تطفو على الواجهة قيم الحرية وما تفرزه من آفاق للمسؤولية الذاتية والجمعية، فالتعارف كإنفتاح ثقافي يستدعي وعيا معمقا بضرورات ومنطلقات الاجتماع التنموي الراشد، وكما أشار المفكر الأستاذ محمد المحفوظ في إحدى أبحاثه المهمة حول ثقوب الوعي الاجتماعي إلى اننا كأمة: " أحوج ما نكون اليوم، إلى تعزيز وحدتنا الوطنية، وتمتين جبهتنا الداخلية.. ولا يتم كل هذا إلا بطرد تلك الثقافة، التي تربي الإنسان على الحقد والكراهية والفرز بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد.. لا يمكن أن تنمو حقائق الوحدة في أي مجتمع مع ثقافة التعصب والكراهية، وذلك لأن هذه الأخيرة تقوّض كل أسس التوافق وأسباب الوحدة وضرورات الالتحام والائتلاف." ، بكل بساطة المأزق ثقافي بإمتياز، كما أن الإصلاح ثقافة قبل أن يصبح آليات وبرامج، لابد من مسؤولية ثقافية منفتحة على حياة كريمة سمتها الأساسية العدالة التنموية، بما يسمح لإصلاح الوعي وتجديد المؤسسات والبرامج والقوانين والتطلعات والقراءات حتما، تجاوزا لكل الاختلالات والانحرافات والتقاليد السلبية واللاإنسانية التي كرست ثقافة الخصام والتنافر والعداء والاعتداء على بعض رمزيا وجسديا وإنسانيا بإسم درء الفتن وحماية الوحدة الوطنية والدينية وما هنالك من تزييف للوعي الجمعي حتى لا ينتبه لمسؤولية التعارف كما حددها الباري عز وجل في القرآن الكريم !!

خيار التعارف...مصنع المواطنة الفاعلة

لا يمكننا بناء تصور او تمثل سليمين وواقعيين لمفهوم المواطنة خارج اطار خيار التعارف، لأن معادلة المواطنة قائمة على المساواة والاعتدال والحوار كضمانات لحقيقة المواطنة، كما أنه ليس من السهل ادعاء حقيقة المواطنة دون تعارف شركاء الوطن (الانساني، الديني، المذهبي، الاثني، الأممي، الثقافي بوصف عام..) فيما بينهم وفق اعتراف واحترام لبديهيات التعدد والتنوع والاختلاف، الاحترام المتبادل، الحوار التكاملي لا التسقيطي، لا يحق لأي طرف أن ينسب لنفسه ملكية حقيقة المواطنة ويسلبها من الآخرين المختلفين معه سواء على الصعيد الديني أو المذهبي أو القومي أو القبلي أو الأممي أو الثقافي العام.

كما أن المواطنة في حقيقتها لا تعني تمتع الأغلبية بها وبآثارها التكريمية في الحياة الاجتماعية العامة، بل هي حق وحقيقة لكل مكونات المجتمع بغض النظر عن الأكثرية والأقلية او الغنى والفقر، المواطنة في ظل التعارف تكريم للإنسان بما هو إنسان، وترسيخ لحقوقه العامة والخاصة وتفعيل لكفاءاته وتطلعاته بما يعود بالخير والامن والتطور والتقدم لنظرائه جميعا في نسيج المجتمع-الوطن، "إننا نتطلع إلى مواطنة متساوية في الحقوق والواجبات، لا تبنى على أنقاض خصوصياتنا التاريخية والفكرية، وإنما تبنى على أساس احترام هذه الخصوصيات والاعتراف بمتطلباتها والعمل على حمايتها من كل التهديدات والمخاطر ..

والتجارب الديمقراطية الكبرى في التاريخ الإنساني، لم تبن بدحر الخصوصيات والتعدديات المتوفرة في المجتمع، بل بخلق ميثاق وطني حضاري، يأخذ بعين الاعتبار حاجات التنوع ومتطلبات التعدد . مما وفر الأرضية القانونية والسياسية المناسبة، لانخراط كل القوى والتعدديات في بناء الوطن وتطوير المجتمع على مختلف الصعد والمستويات.

فالخطر الذي يتهدد الأوطان واستقرارها، ليس من جراء التعددية المذهبية والفكرية، بل هو من جراء سياسة التمييز الطائفي التي تعمل على تفتيت المجتمع على أسس طائفية مقيتة."

المواطنة  كمفهوم مدني معاصر تمتد جذور تبلوره لأحقاب بعيدة في التاريخ الإنساني ومنها الحقبة الإسلامية الأولى وبعض الومضات التالية لها إلى يومنا هذا، لقد تكامل المفهوم ولايزال يتجدد ويتطور مع كل منعطف من منعطفات الاجتماع الإنساني، بفضل تعدد الرؤى وتمايز القناعات حول الطريق المؤدي إلى النماء الإجتماعي، والخطوات العملية المفضية إلى تعزيز خيار التعارف على مستوى البيئات السوسيوثقافية في المعمورة، كما أقر الاسلام قاعدة الأخوة، عرفت الثقافة الأمريكية قاعدة "العصا الناطقة"، على كل حال وبعيدا عن السجالات التاريخية والصراعات الأيديولوجية المتعلقة بحقيقة المواطنة، يمكننا القول: إن خيار التعارف سواء على المستوى الاثني أو المستوى الديني أو المذهبي أو المستوى القبلي أو الأممي، يعني المسؤولية واحدة على عاتق كل عنصر من عناصر التنوع والتعدد وحقائقها الموجودة في العالم الإنساني عامة والعربي المسلم خاصة. ثمة علاقة عميقة بين مطلب التعارف وحقائق المواطنة في الفضاء العربي كما أي فضاء إنساني اجتماعي آخر. سواء أكانت هذه الحقائق دينية أو مذهبية أو جهوية أو عرقية أو قبلية أو ما هنالك من تعددية وتنوعات واختلافات بين أبناء الوطن أو الأمة أو الدين أو الطائفة أو القومية.

خيار التعارف..اجتثات للطائفية

من يطمح  لتنمية الاجتماع العام لأي جغرافية إجتماعية، لابد أن يتمتع بمعرفة دقيقة بالواقع الاجتماعي، خصوصا التكوين الثقافي لتلك الجغرافية الاجتماعية ويدرك تمام الإدراك الخيارات الثقافية والسياسية الغالبة والمطلوبة لتفعيل حقائق التعدد والتنوع إيجابيا في هذا الفضاء الاجتماعي، حتى يتسنى له خوض غمار بناء السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي المنتج للتمدن، كون أغلب الفضاءات الاجتماعية المتخلفة تعاني من مأزق التعامل السلبي مع الاختلافات الطبيعية، مما يسمح للطائفية من التوغل والتغول في الواقع وتفشي توابعها في جل خيارات نظام الاجتماع العام، وعليه لا يمكن التعارف أن يجد مساحة في ظل الهيمنة الطائفية على الواقع الاجتماعي العام، والنخب أو الأطراف أو الجهات الطامحة لتفعيل آليات التعارف في ظل اقتصاد الطائفية لن تحصد إلا المزيد من التشرذم والتصادم والتسقيط والتشويه بين مختلف الأطراف والأطياف. التأسيس لخيار التعارف ينطلق من استثمار فرص الاتحاد وتعزيز آليات تناغم الحريات في بيئات المجتمع الثقافية، أو ما يعبر عنه بالغرس الثقافي ليس اعلاميا فقط بل بالأخص تربويا وتعليميا، مما سينسج ويجذر علاقات إيجابية وتواصلية بين مكونات المجتمع سواءا الجديدة أو العلاقات القديمة التي تراكمت فوقها طبقات الأتربة الطائفية عبر الزمن..

 

بقلم: مراد غريبي

كاتب وباحث في الفكر

 

 

عادل خلف عبدالعزيزنبدأ حديثا بطرح سؤال وسنحاول أن نجيب عليه، هذا السؤال هو، هل الفلسفة جدال؟!!

للإجابة علي هذا السؤال ينبغي علينا أن نقدم تعريفا للجدل: فالجدل هو فن المحاورة وكيفية استنباط الافكار من خلال الدخول في حوار بناء مع الآخر أيا كان موضوع المحاورة، فقد تكون المحاورة فلسفية مع أهل الفلسفة ومحبيها، وقد يكون الحوار عقائدي حول الاعتقاد والمقارنة والمقاربة بين الأديان مثلاً - بما يسمي بالمناظرات- وقد يكون الحوار ثقافي بين الأدباء، أو النثار، أو الشعراء- كما يحدث في الصالونات الثقافية -من خلال عرض قصة قصيرة أو ديوان شعري، أو تحليل كتاب حتي-وقد يكون الحوار علي مستوي جماهيري عامي - كأن يتحاور مجموعة من عوام الناس مع بعضهم البعض حول مشكلة من المشكلات العامة - كمشكلة البطالة مثلا.

وقد يكون الحوار علي مستوي محدوداً، أي عن طريق عقد ندوة محدودة العدد، يلقي المتحاور بكلمته أو يطرح فكرته، ثم تدور بينه وبين الحضور نقاشات كثيرة.

وقد يكون الحوار علي مستوي واسع كما يحدث في الملتقيات والمؤتمرات الثقافية كملتقي الشباب الذي يطرح قضايا الشباب ويناقش همومهم، ويدور الحوار بطريقة منتظمة عن طريق عرض الرأي وقبول الرأي الآخر - وقد يكون علي مستوي أسري بين الزوج وزوجته، أو بين الزوج وابنائه.

وهذا ما يمكننا ان نطلق - إن جاز لنا-نطلق عليه الجدل البناء الذي يعتمد علي فرضيات ومقدمات تخضع للمناقشة من أجل الوصول الي نتائج تفيدنا في واقعنا المعيش علي كافة الاصعدة والمستويات، سواء السياسية، أو الاقتصادية، أو العلمية، والثقافية، والاجتماعية، وهذا بدوره يؤدي إلي نهضة شاملة نحلم ونصبو إليها دوماً.

إذن الجدل البناء المنهجي هو الذي يقودنا إلي الوصول إلي نتائج من الممكن من خلال مناقشتها مناقشة موضوعية نصل إلي غاية مرامنا،  فالجدل هنا المقصود به الحوار، وهذا لا مندوحة عنه فجميعنا يقبله دون إفراط أو تفريط، وهذا من وجهة نظري هو الجدال المحمود.

أما الجدل المرذول فهو الجدل المذهبي الذي يقوم علي اللاوعي، واللامبالاة، والتعصب الأعمى البغيض لفكرة ما، أو لمذهب ديني ما، كما رأينا ذلك عند بعض "الشيعة" وغلاتهم يدخلون في مناقشات ومحاورات مذهبية لا طائل من وراءها، اللهم إلا إثارة الفتنة بين الناس ولا تخرج من حواراتهم إلا بالتعصب الأعمى، وكذلك ما رأيناه عند "الخوارج" في حوارهم مع "واصل بن عطاء" عندما مر علي ديارهم -وكان الذي يمر علي ديارهم وليس علي شاكلتهم ينكلوا به بعد دخولهم في حوار معه ويسألونه عن السيدة "عائشة" والصحابة وإذا ثبت أنه يدافع عنهم ينكلون به ويقتلوه، أما المشرك المستجير يتركوه، بل ويظلوا معه حتي يبلغ مأمنه، وهذا ما فعله "واصل بن عطاء" معهم عندما استوقفوه قال لصحبه دعونا أتحدث أنا معهم، قال لهم مشركون مستجيرون فأجيرونا، إذن هذا جدل اعتمد علي المغالطات المنطقية؛ بمعني أن "واصلاً" إدعي أنه ليس من أهل التوحيد، فتركوه يمر، وأهل القبلة الذين يحبون آل البيت والصحابة ينكل بهم.

هذا هو الجدال الهدام الذي لا يؤدي الي الوصول الي الحقيقة، وهذا هو المنهي عنه ترك الجدال، ولو أنت علي حق؛ وقس علي ذلك ما يحدث الآن من جدالات قد تستمر طويلا بين أنصار الجماعات المتطرفة فكرياً التي ترمي وتتهم الناس بالكفر، بل ويصل بهم المدي إلي استباحة دم من يناقشهم بعد اتهامه بالكفر، لأنه لم يسايرهم ويتماشي مع مذهبهم كالجماعات التكفيرية التي زعموا أنهم حماة الدين وحراس العقيدة وأنك إذا دخلت معهم في مناظرة دقيقة وموضوعية تعتمد علي الفكر الحر المستنير، تجد هؤلاء يلوون عنق النصوص الدينية من أجل إثبات وجهة نظرهم وتبديع الآخر

وهؤلاء في الحقيقة لا علم لهم ولا حتي فهم دقيق لفحوي النصوص، اللهم إلا اعتمادهم علي قراءة بعض الكتب المسمومة التي تدعوا إلي التطرف، مثل هؤلاء لا طائل من وراء مناقشتهم اللهم إلا النصب والتعب ومضيعة الوقت.

وكما يحدث بين الشباب وخصوصاً شباب الجامعات من سجالات ومجادلات في محاضراتهم مع أساتذتهم كأن يقوم الاستاذ بإلقاء محاضرته، وفجأة يقاطعه شباب أو فتاة بسؤال لا يمت من قريب ولا من بعيد للموضوع محل المحاضرة أو حتي يكون له علاقة لكن لا يناقش مناقشة موضوعية بناءة وعليه أن يترك الجدال فوراً، فهذا الجدل لا ينتج عنه إلا جدلاً وقد يثير بلبلة في المحاضرة وتشويش فكري لكل الحضور، فهل نتركه يستمر ام نوقفه. ؟!

أري ان نوقفه فوراً، فهذا هو الجدل من أجل الجدل، أو أن شئت قل جدل لا عائد ولا طائل من وراءه، إلا الظهور أمام الحضور وإثبات الذات - وليس هذا اثبات للذات، بل هو إهدار للذات، وقد يتهمك الحضور بالغباء، أو بلفظ مهذب بالخواء الفكري والعبث والفوضى. وهذا ما لا نرضاه لشبابنا لماذا؟.. لأننا نهذب العقول ونهذب الأفكار حتي نستخلص منتج فكري راق يتناسب ويتماشى مع عصرنا الذي نحياه.

إذا نظرنا وأمعنا النظر في تاريخ الجدل ؛ فمنذ بدء الخليقة حدث جدال طويل بين الاخوين "هابيل وقابيل" وانتهي الأمر إلي أن يقتل الأخ أخاه.

وكذلك إذا استعرضنا تاريخ الفكر الفلسفي سنجد "سقراط" مارس الجدل مع "السوفسطائية" مستخدما منهجيته المشهورة التهكم والتوليد من أجل كشف أغاليط السوفسطائية تنوير عقول الشباب الأثيني، وكذلك استخدم "أفلاطون" جدلية العلاقة بين عالم المثل وعالم المحسوس من أجل تطبيق مثال الحق والخير والجمال علي الواقع، وأيضاً أرسطو استخدم الجدل مع راس من رؤوس السفسطائية؛ ألا وهو " أقراطليوس" الذي إدعي مثلما فعل "جورجياس" أنه لا يوجد شئ حقيقي علي الاطلاق ودخل معه "أرسطو" في حوار صامت من جانب هذا الرجل، ناطق من جانب أرسطو واكتفي الأول بتحريك إصبعه منكراً أن يكون هناك شئ حقيقي بإشارة لا، ورد أرسطو عليه إنك مجرد أن تحرك اصبعك مشيرا به دليل علي أنك موجود.

كذلك استخدم الإمام "أبو حامد الغزالي" الجدل مع بعض فلاسفة الاسلام في الثلاثة قضايا المشهورة إنكار البعث، قدم العالم، وعلم الله بالكليات، ليس هذا وحسب بل وتكفيره اياهم وهذا ما ارفضه رفضا تاما فليس ثم أحد يمتلك سلاح التكفير ولا ينبغي أن نكفر أحدا من أهل القبلة مهما اختلفنا معه في الرأي.

أيضا استخدم "هيجل" الجدل في الوصول إلي المطلق (الله)، وكذلك استخدمه "اسبينوزا" في نقده لفكرة وحدة الوجود عند "محي الدين ابن عربي"، وأيضا استخدمه "كانط" في حديثه عن جدلية العلاقة بين المعرفة القبلية والمعرفة البعدية وكيفية الوصول الي عالم الأشياء في ذاتها والتي من خلالها نصل معرفة الحق الاول.

الإنسان بطبيعته يميل إلي النقاش وإلي الجدال، حقا وكان الإنسان أكثر شئ جدلاً، لكن لا بد وأن حقاً يبغي الوصول الحق الذي يطمئن معه العقل وتهدأ به النفس عليه أن يناقش مناقشات موضوعية طارحا خلفه ما يدفعه دفعا إلي العود القهقري إلي الخلف نابذا التطرف الفكري والنزعات العنصرية التي تجعله يجنح جنوحا إلي جدل عقيم لا يسمن ولا يغني من جوع، جدلا أجوف يميل إلي السفسطة وقلب الحقائق ومجانبة الصواب، وقد ظهر ذلك واضحا جليا من خلال حوارات السفسطائية قديما، وكذلك من شبهات بعض المستشرقين وافتراءاتهم علي الحضارة الشرقية والحضارة الاسلامية والعربية علي وجه الخصوص وجدلهم العقيم الذي إن دل علي فإنما يدل علي فقدان الأرضية الحقيقية لبناء فكر صائب يستفيد منه الجميع فكر تحيا به الانسانية وتسعد به وتهنأ، والامثلة علي ذلك كثير وجورج سل ليس منا بعيد في جدله حول القرآن الكريم وانه من صنع البشر ألفه محمد، وكذلك حول جدليته حول ترجمة القرآن وأن احدي آياته المحكمة نزلت لأهل مكة وهي قول الله تعالي (يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا) نقول لهذا ولأمثاله هل عندكم من علم فتخرجوه لنا، نحاججكم ونقارعكم ونجادلكم الرأي بالرأي والحجة بالحجة ونقارعكم الدليل بالدليل، فلا يرد علي الجدل العقيم بجدل عقيم مثله بل نرد بمنطق العقل القائم علي مقدمات نستخلص من خلالها نتائج تفيد واقعنا المعيش.

 

الأستاذ الدكتور عادل خلف عبد العزيز

رئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب - جامعة حلوان.

 

{يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(سورة الحجرات:١٣)

يمكن النظر في هذه الآية من زاويتين، زاوية بنيوية شاملة في القرآن؛ بهدف استكشاف المقاصد الكلية والحكمة العامة المستفادة من هذه الآية، وزاوية وظيفية مركزية؛ بغرض الكشف عن مباحث هذه الآية وأبعادها، ومعرفة العلاقة بين هذه المباحث والأبعاد.

بشأن الزاوية الأولى، عند النظر الشمولي في هذه الآية يمكن القول إن المقاصد الكلية هي الكرامة والتقوى والحكمة العامة المستفادة منها، هي تقرير قاعدة التعارف، وتأكيد أن التعارف هو الأصل في العلاقات بين الناس،  الأصل الذي يؤسس لقواعد الحوار والتعايش والتسامح والتآخي والتعاون وما هنالك من أسس البناء الاجتماعي الحضاري، فلا يمكن تصور العلاقات الاجتماعية وسبل تطويرها من دون التعارف أو بعيدا عنه والذي يزدهر ضمن مقاصد الكرامة الإنسانية والتقوى العملية المنفتحة على الله.

بينما الزاوية الوظيفية المركزية، يمكن الكشف عن المباحث والأبعاد الآتية:

أولا: جاءت هذه الآية وقررت العلاقة بين الإنسانية والتعارف، حين وجهت الخطاب إلى الناس «يا أيها الناس »، الأمر الذي يعني ضرورة التنبه إلى هذه العلاقة بين المشترك الإنساني ومقصد التعارف، وجعلها في دائرة التفكر والتدبر، وهي تفيد أن وعي الإنسانية كأصل مشترك يمثل عامل مؤثر لتحقق التعارف، وينبغي أن يكون داعيا إلى نهج التعارف، وحاميا له، ومحفزا لاستيعاب حقائق الكرامة والتقوى، التعارف الحقيقي والصادق يقود إلى احترام حقوق الإنسان والتي تختزل ضمن كرامته بجل حقائقها وتوطيد السلم والتعايش الأهليين، والعكس يغذي عناصر التصادم والتنازع والتصارع والعنف المتبادل، مما يطمس كرامة الإنسان ويتجاوز التقوى ويفسد الاستقرار والتعايش والسلم وينسف تجليات العدالة.

كما تفيد هذه العلاقة كذلك، أن دائرة الإنسانية بالنسبة لأصحاب الإيمان مهمة جدا في إيصال التقوى الإيمانية عبر حقائق التكريم الإلهي والكرامة الإسلامية التي تنهض بإنسانية الإنسان وذلك من خلال سبيل التعارف، فالدعوة للإسلام لا تحقق مقاصدها عبر التعالي وإنما بمنهج التعارف السليم والمنفتح على آفاق المعارف والثقافات والعلوم والفنون وهذا كله، خطوطه العريضة متجذرة في الرؤية الحضارية للقرآن الكريم والسنة الشريفة .

ثانيا: الخطاب في الآية جاء بصيغة الجمع، فهو خطاب إلى الجماعة وليس إلى الفرد، بمعنى أنه خطاب متعلق بمفهوم الجماعة وذلك لوجهين: وجه يتعلق بعنوان التعارف، ووجه يتعلق بعنوان الجماعة.

ما يتعلق بعنوان التعارف: يتحدد في كون أن فعل التعارف حاجة مجتمعية وليس حاجة فردية فقط، وما يتعلق بعنوان الجماعة: يتحدد في كون أن المجتمعات هي المعنية والمسؤولة عن تحقيق التعارف، وكذلك غاية ومقصد التعارف بحاجة لجهد الفريق ولتكامل العقول ولا يمكنه أن يتحقق في إطار الجهود الشخصية والجهوية الضيقة، لابد أن يرقى لمستوى الثقافة الإجتماعية ويكون صبغة الاجتماع الثقافي.

ثالثا: الخطاب في الآية جاء كذلك بصيغة فعل الأمر تحديدا، فهناك من جهة عامة أمر للناس و للمؤمنين خاصة بإلتزام نهج التعارف، وهو بمثابة إرشاد إنساني وتكليف إيماني جماعي استراتيجي على طول الزمن الإسلامي، وأن أمر التعارف ينبغي أن يأخذ صفة الفعل المستمر الذي لا ينحصر ولا يتحدد لا في زمان معين، ولا في دوائر محددة، وإنما هو فعل مستمر شامل ونهج استراتيجي مطلوب في جميع الأزمنة والمجتمعات، وتجاه الآخر ككل، الجواني والبراني، وسيظل فعلا مستمرا مطلوبا بلا توقف وبلا انتهاء في ظل وجود الإنسان والمجتمع المسلمين.

رابعا: اتفق المفسرون من جل المذاهب الإسلامية قديما وحديثا على أن جملة {إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم}، وعلى سبيل المثال لا الحصر، بحسب المفسر الفقيه المالكي العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير: أنها جملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وإنما أخّرت في النظم عن جملة "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"، لتكون تلك الجملة السابقة كالتوطئة لهذه وتتنزل منها منزلة المقدمة.

 وجاءت تنبيها إلى ان حقيقة الكرامة عند الله كشرط للتقوى.

خامسا: نهج التعارف، يتطلب معرفة حقائق الكرامة وآفاق التقوى، وهنا نبهت الآية الكريمة إلى مسألتي العلم والخبرة ونسبتها لله توحي ان علم التعارف وخبرته لابد أن تطلب من العليم الخبير الباري عز وجل، مما يحيل إلى الزاوية الأولى البنيوية الشاملة التي تفتح الأفق الرحب أمامنا في صياغة ثقافة التعارف على ضوء محاور العلم والخبرة في المدرسة القرآنية المحمدية.

هذا عن أفق من آفاق النظر في الخطاب القرآني المؤكد على أهمية نهج التعارف، لكن السؤال الجوهري والمركزي :هل لبى المؤمنون المخاطبون ضمنيا في الآية النداء ونهجوا سبيل التعارف كبديل ثالث عن الصدام والعزلة؟!

بالرجوع للتاريخ لا نكاد نقف سوى على ملاحم الصراع والتخوين والتسقيط والتشهير والتكفير والتطرف والإقصاء كخيارات مأساوية الى جانب فتاوى الاعتزال الطائفي وشيطنة الاحتكاك بالآخر المخالف والمذهبي على وجه الخصوص، بل أحيانا الآخر الكتابي أقرب للذات الطائفية من المذهبي المسلم!! بين سياسة الإبادة وثقافة التهميش والإقصاء، ضاعت فرص ثمينة عديدة لبناء الاجتماع الإسلامي الحضاري، سوى تلك التي سطعت بموجات التفاعل مع الحضارات الأخرى مما أثمر نهضة علمية وفنية وإنجازات حضارية رائدة بين بغداد والاندلس والقيروان والزيتونة وجاكرتا، ولعل أكثر الصور إشراقا للتعايش والتسامح والتعارف لا تكاد تعرف لدى إنساننا العربي والمسلم المعاصر، لأنه ببساطة ضحية الوصاية الطائفية التي لا يخدمها نهج التعارف، ففي تصحيح المعارف وفضح الأساطير والافتراءات على ضوء النظر في القرآن الكريم والسنة الشريفة والتاريخ الإنساني الإسلامي ستزهر حقائق الكرامة وآفاق التقوى في الوعي الجمعي للمسلمين، وتنتفي اوهام التوجس ومبررات الكراهية وخدع التفرقة والتسقيط لتحل محلها شجاعة التعارف وآداب الحوار ومناهج البحث العلمي الحر وأخلاق التعايش واللقاء وقيم التسامح والعفو والسلم والتعاون على البر والتقوى..

 

بقلم: مراد غريبي

كاتب وباحث

 

 

يحكى أنه جرى حوار بين عالم عارف ومتعلم على سبيل نجاة، حول نقد الذات ومحاسبتها، ومع نهاية الحوار نظر العالم في تلميذه المتعلم، قائلا: أذكر لي مساوئي وعيوبي ونواقصي التي قد استشعرتها أو استوحيتها طيلة تعاملك معي...!!

انصدم التلميذ المتعلم متعجبا من طلب معلمه، واعتذر وطلب من أستاذه أن يعفيه من هذا الأمر، لكن العالم ألّح وأعطاه الأمان بأنه لا يغضب منه مهما كانت صراحته قاسية... فنزل التلميذ عند طلب معلمه، واستهل ذكر عيوبه وبعد بضع دقائق توقف مستحييا من النظر في وجه معلمه لجرأته غير المسبوقة، ثم استعاد أنفاسه وقال لمعلمه بوقار: سيدي هل تكرمت وذكرت لي عيوبي ونواقصي فأنت أجدر بهذا مني....تبسم العالم وقال لتلميذه: بني وهل يصف ناقص ناقصا؟ أنا وأنت متعلمين على سبيل نجاة وتعارفنا الصادق هو تمهيد لتصالحنا مع ذواتنا وبعضنا البعض...قد يتفكر القارئ ماذا نستفيد من قصة كهذه؟

هذه القصة هي درس بليغ للأفراد وللشعوب والأمم في أبعاد حياتهم، لتفهم أن الله خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتعاونوا ويتبادلوا الفنون والآداب والمهارات ويتنافسوا على فعل الخيرات ومحاربة الأهواء والأوهام، وعلى الرغم من صور الحياة الإنسانية المشتركة والسامية التي يطرحها كل شريك في البنية الإجتماعية، إلا أن الواقع يكاد يكون متناثرا، ومرتكزاً على المصالح الضيقة التي حملت بعداً وهدفاً لا يمت إلى تلك الصور بصلة إلا مع الذات الخاصة لا العامة..

لقد أصبحت الحاجة إلى تكريس ثقافة التعارف على خطوط  طول وعرض التفاعل الاجتماعي في الأمة، ضرورة ملحة في المرحلة الراهنة، لما وصلنا إليه من صور العنف من الأسرة إلى الشارع والمؤسسات بشتى الحقول، ووسائل العنف تعددت وتنوعت، وارتكابه بحق شركاء الاوطان والأمة والإنسان عموماً أصبح مشرعنا، فباتت مواجهة الصراعات بين شركاء الوطن والإخوة في الدين وداخل المذاهب، والتي تعدّدت صورها لا يمكن أن تستمر، ولا يمكن أن يظل نفي الآخر -بجل تمثلاته- أساساً للحياة، لأنه إن استمر فهذا سينهي وجودنا كأوطان وأمة، ويدمّر أركانها معاً، أصبح لابد من نشر مبادئ العيش المشترك، وتطبيق تلك المبادئ، دون أن يتم تهميش عنصر من عناصر الوطن والأمة او الدين والمذهب دون الآخر. وأن يكون التعارف منطلقا لبناء التعايش بكلّ صوره الإيجابية قائماً ومصاناً من الجميع عبر الركائز التالية:

- التعريف بالذات دون تسقيط الآخر بكل تمظهراته أو تهميشه.

- معرفة الآخر عبر التواصل والتبادل المعرفي من مصادره الأصيلة.

- الاعتراف بنسبية الحقيقة والشراكة في ملكيتها وتنمية آثارها في الحياة.

- لابد من وجود القناعة التامة والإرادة الحرة، والرغبة الحقيقية المشتركة بين أهل الفكر والمذاهب والطوائف الإسلامية في التعارف؛ والنابعة من نزعة العدالة الإسلامية..

-  دراسة وتدريس تجارب وممارسات التعايش والتضامن والسلام الخاصة بالشعوب والحضارات الأخرى التي تمكنت من تأسيس وتنمية التوافقات الاجتماعية بين عناوين التعدد فيها، بعد أن مرت بصراعات دموية...

- عدم فهم خيار التعارف كصيغة تفاوضية، لأن الإرث مشترك والمصير واحد فلابد من فهم عنوان التعارف كبديل ثالث وأهم لمستقبل الأمة والأوطان والأجيال ..

 إن الحاجة إلى التعارف أساس التسامح وروح التواصل وغاية الحوار ومنتهى بغية المكرمين، وليس أبلغ وأدل على أهمية التعارف في حياة الأفراد والمجتمعات مثل الآية الكريمة: {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[1]، والتي توحي لنا بضرورة مراجعة حقيقة التعارف في حياتنا كعرب ومسلمين، كعنوان حضاري إسلامي عظيم، ولابد أن نفهم أن التنوع الإنساني كخلق وجعل من الله تعالى، بالمنطق الإسلامي ماهيته تتحدد في التعارف ومدى الصبر عليه كإمتحان لمدى حيوية الكرامة عبر حركية التقوى في حياة الفرد والمجتمعات (شعوبا وقبائل)، وما القصة السابقة سوى قطرة من بحر جواهر الآية الكريمة السابقة من سورة الحجرات التي تفتح آفاقا رحبة على ثقافة التعارف كأساس لأسلمة الحياة عبر استحضار توحيد الله الذي يجمعنا على التواضع واللقاء والتراحم والتسامح...

 إن الشطحات الشعبوية والقبلية والمذهبية ورمي التهم والتباغض الإنساني بكل تمظهراته، ما هي سوى محاولة القفز على الحقائق الإنسانية الاسلامية المنيرة بنور الحق والعدل عبر ضخ الترميزات الصاخبة في مقياس الطائفية... وأي سيناريو يتجاوز أساس التعارف بكل لوازمه المشتركة بين أطرافه، هذا السيناريو ماهو سوى محاولة الانقلاب على أمر إلهي عظيم يتعلق بكرامة الناس وبالتقوى كمطلب ثقافي في المنظومة الحضارية للمسلمين.. ثم إن التعارف في المنظور الإسلامي فرض إلهي وحق لكل أبعاد التنوع الإنساني (أفرادا ومجتمعات) آثم تاركه من المسلمين إبتداءا، ظالم منكره، وجواب سؤالنا التاريخي كأمة رهينة أزمات نفسية وإجتماعية ذات منشأ ثقافي وتاريخي: لماذا أنيميا الوحدة تنخر جسدنا الإسلامي؟ هو لأننا كشعوب وقبائل تعوّدنا على مقاطعة فاكهة التعارف!!!

 إن الطائفية المحلول الوحيد الذي يكشفها في يومياتنا السياسية والمذهبية الثقافية والاجتماعية، هو ماء التعارف (الحوار العلمي، النزعة الانسانية، الشراكة في الحقيقة)، ومهما قرأنا عن شجاعة التعارف وسمعنا عنها لا يمكننا تذوق حلاوة ثمار التعارف إلا بالممارسة عبر الحوار والانفتاح لإكتشاف حقائق التسامح والتعايش... وتجاوز المأزق الحضاري  الذي يكمن في البنية التحتية المولدة لأفول وغياب ونكران قيمة التعارف، كمقولات احتكار الحقيقة وفتاوى العجب الطائفي وغيرها. حيث تتمركز معضلات ضحالة النظر وتعطيل مشاريع التجديد والانفتاح على بعضنا البعض في ظلال المحبة الإسلامية ...

إن ثقافة التعارف تبقى الوصفة المثلى للتنمية بكل أبعادها، ومركز ثقلها هو التواضع كأفراد وأساسا النخب منهم وكشعوب وقبائل وطوائف وقوميات، حتى نكون أهلا للتعارف والرقي للكرامة الحضارية الحقة التي لا تتجلى عبر الزمن كله إلا تحت لواء التقوى في تفاصيل الحياة كما في العبادات.. فتعالوا إلى نستلهم آفاق قيمة التعارف..

 

بقلم: مراد غريبي - كاتب وباحث

 

 

عدنان عويدإن طرح أية قضية نعتقد بأنها تساهم في تقدم هذه الأمة أو تخلفها، يتطلب منا وضعها على بساط البحث والنقاش والتحليل لمعرفة دورها وأهميتها وكيفية التعامل معها.

فها نحن نطرح اليوم السؤال التالي - أمام ضرورة التنوير لعامنا العربي المفوت حضارياً وعلاقته بقضية الخطاب الديني الإسلامي وخوف بعض المتنطعين عليه من التنوير:

أين هي مكامن الخوف على الدين من التنوير؟.

الدين برأي الجميع ينقسم إلى:

1- عقائد

2- عبادات

3- معاملات

ونحن نسأل: هل هناك منا من يعمل على مسألة التنويرينكر وجود الله والتوحيد به.. ?. لم أجد ذلك، فالكل يعترف بوجوده ووحدانيته وربوبيته. وإن وجد هناك آراء لدى التنويرين تشتغل على الجانب العقيدي، فهي تشتغل في الرد على الذين لم يزالوا يشتغلون من القوى الظلامية التكفيرية على قضايا القضاء والقدر، والصفات، والقدم، والمعاد، والرؤية، والكلام، والجنة والنار، والخلق والزمان.. وهذه قضايا أُشبعت نقاشاً منذ ظهور علم الكلام في الفكر الإسلامي على يدي المعتزلة والأشاعرة ولم يصلوا إلى نتيجة... حيث اشتغل عليها الكثير من الفلاسفة الإسلامين، وقد تجسدت هذه الأفكار العقديّة في كتابي التهافت للغزالي، وتهافت التهافت لابن رشد..

والسؤال المشروع الذي يطرح نفسه علينا أيضا اليوم هو: ماذا حققت هذه الحوارات حول مسائل العقيدة سوى التكفير والزندقة لبعضهم، وقتل البعض وسجنه وحرق كتبه؟!. ثم ظهور الفرق والطوائف وانقسام المسلمين إلى ثلاث وسبعين فرقة، كل واحدة تقول هي الفرقة الناجية، علماً أن النقاش في هذه القضايا لا يعلم في جوهرها إلا الله.. لذلك من منا يستطيع أن يجزم مثلاُ بأن الله يرى بالعين المجردة يوم القيامة وهو الذي يقول عن نفسه (ليس كمثله شيء)؟.

أما بالنسبة للعبادات: من منا وقف ضد الصلاة أو الصوم أو الحج ...الخ. لا أظن أن هناك أحداُ.

أما مسألة المعاملات: وهذه تدخلنا بمجال الفقه.. والفقه أساسا وضع لحل قضايا الناس وخلافاتهم في حياتهم اليومية المباشرة، حيث وضعت الفتاوى لهذا الأمر. ومن هذه الفتاوى ما هو نص ديني قرآني.. ومنه ما هو حديث للرسول مسند ومشهور، أو يتفق في متنه مع النص القرآني، وغالباً ما يؤخذ بسنده فقط.. ومنه ما هو موضوع ومنحول... الخ. كما وضعت أسس للاجتهاد وضعها الشافعي في كتابه الرسالة، حيث حدد مصادر التشريع بالقرآن والحديث والاجماع والقياس.. ولكن كل منتجات الاجتهاد ظلت محكومة حتى اليوم بمناهج التفسير والتأويل القروسطي، دون النظر بمقاصد الدين الإنسانية. الواردة في القرآن والحديث.. بالرغم من وجود الكثير من المجتهدين التنويريين الذين أقروا (بتبدل الأحكام بتبدل الأحوال) فكانت عندهم المصالح المرسلة والاستحسان وقول الصحابي وغيرها من قواعد التشريع الفرعية لمجاراة تطور أحوال الناس.

مشكلتنا مع الفقه، هي مع الفقهاء الذين يرفضون حركة وتطور الواقع، ولا زالوا يتعاملون مع قضايا عصرنا بعقلية القرون الهجرية الثلاثة الأولى، ومحاولة لجم حركة الواقع ولي عنقه كي ينسجم مع ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم. وبالتالي فكل جديد عندهم بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.. كما اتكأوا على حديث فهموا دلالاته خطأ. وهو من شاهد منكرا فليغيره بيده الى آخر الحديث، فباسمه أوجدوا (الحسبة).. التي كان من نتائجها في عصرنا الحديث، تطليق زوجة حامد أبي زيد من زوجها لأنه خالفهم الرأي باستخدامه للعقل.. أو قاموا بتعليق الناس المختلفين معهم وصلبهم وذبحهم وأكل أكبادهم!!!. كما فعل الدواعش والوهابية. وغيرهم.

أما الشيعة الجعفرية أو الامامية: فقد جعلوا من القرآن والأحاديث النبوية التي تتفق مع موقفهم السياسي ومع ما قاله الأئمة المعصومون إضافة إلى العقل، هي مراجع التشريع، وبذلك رفضوا الاجماع والقياس.

عموما نقول: الدين بالنسبة لنا اليوم مقاصد، وخاصة في المعاملات.. فالزمن يتغير ويتطور في معاملاته، والعلم يتطور، ومناهج البحث تتطور وخاصة المتعلق منها بالعلوم الإنسانية، لذلك،ف كل ذلك يتطلب منا أن نعمل على تجديد فقهنا وفقاً لمصالحنا. فنحن خلفاء الله على هذه الأرض ..أما من يقول غير ذلك فهو يفكر ويسير معاً عكس التيار.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

حسن العاصيعبر التاريخ، وعلى امتداد العصور، ظهر صراع جدلي بين العقل الديني والعقل الفلسفي. هذا الجدال والتناحر بين الفلسفة والدين أسهم في رقي الحضارة العربية والإسلامية، وبلوغها العصر الذهبي، حيث كان لبعض الخلفاء والولاة دوراً مهماً في رعاية الفكر والفلسفة والعلوم والآداب. كان هؤلاء يعقدون المجالس العلمية للنقاش والسجال الفكري والفلسفي والديني، في فترة شكلت الحضارة الإسلامية شعاعاً علمياً وفكرياً لكافة البشرية.

في مرحلة ما من التاريخ الإسلامي، عقب نقاش قضية "خلق القرآن" في مجالس العلم، التي بدأت في عصر الخليفة العباسي "المأمون" عام 218هـ/833م واستمرت في عهد المعتصم والواثق وانتهت مع حفيد المأمون "المتوكل" عام 247هـ/861م، اشتد الخلاف بين المتحاورين وهما المعتزلة وأهل السنة.

احتدام الجدل والخلاف بين الاتجاهين تجاوز مقياس المناظرة والنقاش نحو وضع تم فيه اللجوء إلى قمع المخالفين وسجنهم، بل وقتل بعضهم.

 حين توقف هذا الجدل غُيبت الفلسفة، وتم إغلاق باب الاجتهاد.  وبدأ الفكر العربي والإسلامي مرحلة جديدة من أهم سماتها، الأحادية والتكرار والتقليد ثم الجمود. بغياب الفلسفة أصبح الفكر العربي والإسلامي يتيماً وفقيراً، دون استفزاز وبلا فلسفة تدفعه لعدم الطمأنينة والسكون، وتجبره على النضوج والتطور.

وما أن فرضت  كلا المؤسستين الدينية والسياسية هيمنتها على المشهد، تم تكفير الفلسفة وزندقتها، وبدأ عصر التضييق على المفكرين والفلاسفة واضطهادهم وقتلهم، ثم انزلقت الدولة الإسلامية نحو قاع التناحر الديني ـ الديني، والصراعات المذهبية والفئوية التي أدت إلى ضعفها ثم انهيارها، وما أعقب ذلك من نكوص فلسفي وارتداد فكري عميق، وفشل علمي وحضاري مرعب، بسبب غياب الفلسفة، وانحسار العقل التنويري الجدلي. ثم ساد الظلام والجهل، وانتشر الهراء حتى اللحظة.

الانسداد التاريخي التنويري العربي

يلاحظ المرء نجاح تجربة التنوير في كثير من بقاع الأرض، في أوروبا، في الولايات المتحدة، في اليابان وسنغافورة، وفي تركيا أيضاً الدولة المسلمة، لكنها فشلت بصورة معيبة في نسختها العربية، وسقط التنوير في قعر الظلام العربي سقوطاً مدحوراً.

من أهم وأبرز أسباب فشل التنوير العربي والإسلامي غياب الانفتاح والحريات الفكرية بصورة مطلقة. في غياب الحريات والتعدد، تحضر الحقائق المطلقة دون غيرها، والفكر الواحد المطلق، والعقيدة الواحدة المطلقة. المذهب الواحد والراي الواحد واللون الواحد والذوق الواحد. ويتحكم في رقاب العباد الحزب الواحد والطائفة الواحدة والطاغي الأوحد. وبالتالي النتيجة استعصاء وانسداد فكري وتاريخي تعاني منه الأمتين الإسلامية والعربية منذ القرن الثاني عشر، بعد أن فقدنا آخر الفاتحين الفكريين العرب الفيلسوف التنويري "ابن رشد".

نتيجة لأسباب متعددة من بينها قمع وإقصاء المخالفين، والاستبداد الذي يكون سمة الرأي الواحد وبروز الصراعات والتناحر القبلي، بدأت تظهر الدويلات الإسلامية في المشرق العربي، والطوائف بالدولة الإسلامية في الأندلس.

ظهر الأدارسة في المغرب "788-974م" والأغالبة في شمال إفريقيا "800-909" والطولونيون في مصر "868-905م" والأيوبيون في مصر والشام والعراق "1171- 1342م" والمماليك في مصر وبلاد الشام والعراق والجزيرة العربية "1250- 1517م" والمرابطون في المغرب "1060-1147م" ثم الموحدون أيضاً "1147-1269م" وغيرهم من الطوائف مثل دويلات الأندلس "قرطبة، إشبيلية، طليطلة، سرقسطة"

سقطت الدولة العباسية نتيجة الغزو المغولي قيادة "هولاكو" للعالم الإسلامي، وسقوط مدينة بغداد عام 1258م وقتل الخليفة العباسي "المعتصم بالله" مع ولديه بعد أن هرب إلى مصر.

دمر المغول بيت الحكمة في بغداد وإحراقه وإتلاف آلاف الكتب والمخطوطات لمختلف العلوم من طب وفلك وكيمياء، ودمروا المنشآت العمرانية لبغداد.

ثم قام "عثمان الأول بن أرطغرل" بتأسيس الدولة الإسلامية العثمانية عام 1299م. وبدءًا من العام 1512 اتجهت الدولة العثمانية نحو الوطن العربي في عهد السلطان سليم الأول، وفرضت حكمها على بلاد الشام والحجاز واليمن ومصر والعراق. استمرت الدولة العثمانية لغاية العام 1923م.

تم تقسيم العالم العربي كمناطق نفوذ بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى "بريطانيا، فرنسا، إيطاليا". نالت مصر استقلالها كأول دولة عربية عن الاستعمار البريطاني عام 1922 رغم أن النفوذ البريطاني ظل مهيمناً لغاية خمسينيات القرن العشرين. وفي العام 1971 نالت الإمارات العربية المتحدة هذا الاستقلال كآخر دولة.

في التاريخ الإسلامي تم إغلاق أبواب الاجتهاد من قبل الخلفاء والأمراء المسلمين، من بينهم الخليفة العباسي "المتوكل بالله" 847ـ861 م الذي اعتبر أن "ما قرره الخلف لا يرفضه السلف". وكان المتوكل قد وصل إلى الحكم بعد ثلاثة من الخلفاء بدأت معهم محنة خلق القرآن ـ المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق ـ وخلال تلك الفترة كان المعتزلة قد أصبحوا مذهباً لهم محبين ومريدين. ثم أغلقت أبواب الاجتهاد أيضاً في عصر الخليفة "المعتصم بالله" آخر الخلفاء العباسيين، حيث أعلن أنه "لا اجتهاد مع النص". هذا الإجراء مناقض لفقه الشريعة ذاتها وابديتها وتجددها على مر العصور.

إن إغلاق باب الاجتهاد قد أدى إلى موت العلوم الطبيعية، وقتل الفلسفة، وإطلاق الرصاص على العقل. فتحول الدين الإسلامي إلى مجموعة من الدراويش يعتكفون للعبادات في التكايا.

وفي معظم الفترات التاريخية كانت الصراعات السياسية والطائفية والمذهبية هي السمة الغالبة على العالمين العربي والإسلامي، وكانا في عزلة عما يجري في القارة الأوروبية من تفاعلات فكرية وعلمية.

إذن كان العالمين العربي والإسلامي في حالة سبات فكري عميق، وشلل عقلي طوال ما يقرب من ثمانية قرون. لا يمكن أن يؤدي هذا الحال إلا إلى الاستعصاء المرعب الذي نعاني منه حالياً.

مع ازدياد الصراع بين الديني والفكري، تشدد الدين وأصبح أكثر تحفظاً. ثم تراجع دور الطبقة البرجوازية التجارية العربية والإسلامية، وانحسر النشاط التجاري نتيجة انتشار قطّاع الطرق، فأصبحت دروب التجارة غير آمنة، مما أسهم أيضاً في تراجع التفكير العقلاني الذي كان يمثله التجار كونهم الطبقة المتوسطة التي كانت تصدر وتستورد الأفكار، وهي التي دعمت الفرق الفلسفية العقلانية مثل المعتزلة وإخوان الصفا. إضافة إلى أن التجار المسلمين لعبوا دوراً محورياً في التبادل والتلاقح الثقافي بين المسلمين والأمم الأخرى.

الإصلاح المسيحي

في عام 1517 أصدر البابا "ليون العاشر" مرسوماً يتضمن غفراناً عاماً لجميع المسيحيين في جميع أنحاء المعمورة. كانت الغاية من المرسوم جباية الأموال اللازمة لإتمام بناء كنيسة "القديس بطرس" في روما. هذا الوضع كشف عن العديد من الأساقفة الفاسدين الذين كانوا يبيعون صكوك الغفران لحسابهم الخاص.

في ذلك الوقت كان "مارتين لوثر" استاذاً لعلوم الدين وراعياً لكنيسة "ويتبرج". لاحظ الراهب أن رعايا الكنيسة أصبحوا يقدمون له صكوك الغفران، بديلاً عن الاعتراف بخطاياهم، وإبداء الندم والتوبة كما كان يحصل عادة. وأوضح "لوثر" أن الإيمان وفعل الخير هما الشرط للغفران الإلهي، وليس شراء النعيم بالذهب.

في لحظات غضب وحماس قام "لوثر" بتاريخ 31  تشرين الأول عام 1517 بتعليق احتجاجه المكون من خمسة وتسعين بنداً على باب كنيسة "ويتبرج" داعياً الكنيسة الكاثوليكية وقف أعمال بيع الغفران.

كتب احتجاجه باللغة اللاتينية، موجهاً إلى علماء الدين لمناقشتهم حول كون غفران الخطايا يمنح لكل مسيحي يتوب ويندم دون الحاجة إلى شراء صك غفران. لكن سرعان ما تمت ترجمة الاحتجاج إلى اللغة الألمانية، وانتشر بين عامة الناس في كافة أنحاء ألمانيا، ثم في العالم المسيحي أجمع.

رفض "لوثر" الاستجابة لطلب البابا "ليون العاشر" الحضور إلى روما لمحاكمته. ورفض الأمير "فريدريك" والي مقاطعة "ساكسونيا" تسليم "الهرطقي" إلى روما. كما فشلت مساعي الرسل الذين بعثهم البابا في اقناع "لوثر" التراجع عن مواقفه.

عقب ذلك أصدر البابا في 15 حزيران عام 1520 مرسوما يقضي بحرمان لوثر من حقوقه وإحراق جميع كتبه، ما لم يسحب تعاليمه ويلتمس رحمة البابا خلال ستين يوما.

 كانت قلوب معظم الألمان مع لوثر، فأدرك أن الوقت مناسب لإعلان انسحابه من الكنيسة ومقاومة سلطتها علانية. ثم قام بحرق القانون البابوي وبعض مؤلفات الكنيسة على مرأى من الجماهير الغفيرة التي التفت حوله. ثم أعلن تمرده على سلطة البابوية واعتبر أنها ليست ذات مصدر إلهي، إنما هي سلطة دينية سياسية اقتصادية من ابتكار البشر، وطالب بحرية الفرد في الدين.

حركة الإصلاح الديني التي قادها "لوثر" قامت على أفكار محاربة الغفران، ورفض سلطة البابا المطلقة، وانتقاد شراء المناصب الدينية. بمرور الوقت أصبح أتباع البروتستانتية ـ المعارضة لسلطة البابا ـ هم الأغلبية في ألمانيا، مما دفع الكنيسة الكاثوليكية إلى إقامة محاكم التفتيش المرعبة ضد المعارضين. تولت هذه المحاكم مهمة ردع الناس عن الخروج على الكاثوليكية. هذه المحاكم قامت بإبادة الناس عبر الخنق والحرق والإغراق والإعدام شنقاً، واستخدمت أساليب تعذيب شنيعة ورهيبة. ثم انقسم العالم المسيحي إلى كاثوليك وبروتستانت.

وبعد ما يقرب من مئة عام على الإصلاح وانقسام الكنيسة، ونشوء صراع كبير بين الكاثوليك والبروتستانت، ومن أجل حقوقهم الدينية، هاجم النبلاء البروتستانت في الثالث والعشرين من أيار/مايو عام 1618  برج براغ، الذي يقطنه والي القيصر الألماني "ماتياس"  الذي سبق وأن أصدر قرارات لتقليص حقوق البروتستانت الدينية في الإمبراطورية الألمانية، وكانوا يطالبون بالحرية الدينية. هذا الفعل الثوري الذي سجله التاريخ كان بداية التمرد البروتستانتي، ثم سعى القيصر الألماني لإخماده، مما تسبب في حرب الثلاثين عاماً، وانهيار أوروبا الوسطى كاملة، وشكلت الحرب صدمة للقارة، وخلّفت ندوباً عميقة استمرت لعقود متتالية.

الحرب خلفت تسعة مليون قتيل، حيث تم القضاء على ثلث السكان الألمان، وانهارت الدولة، وأعادت الحرب البلاد إلى الخلف بعقود من الزمن، وشكلت نقطة فاصلة في وعي الناس..

مع انتهاء حرب الثلاثين عاماُ انتهت الأصولية الدينية المسيحية إلى غير عودة. ومهدت الطريق أمام ولادة عصر التنوير. انتهت فكرة الامتلاك والفهم الأحادي للدين كما كان يدعي كل فريق، وانتهت الاتهامات بالانحراف والضلالة والهرطقة والزندقة التي كان يوجهها كل طرف للآخر، تماماً كما تفعل المذاهب الإسلامية والطوائف في عصرنا الحالي. وكان الكهنة والقساوسة يحشدون المتدينين البسطاء من عامة الناس، وتهييجهم على بعضهم البعض ودفعهم لارتكاب المذابح باسم الدين، كما يفعل بعض رجال الدين المسلمين اليوم.

الانتقال لمرحلة العقل

بعد القرون التي عاشها الأوروبيون تحت سيطرة الكنيسة ورجال الدين الذين مارسوا ظلماً واستبداداً، حيث كان يسود الجهل والخرافات، وتحقير العلم والعلماء. في القرن السابع عشر تشكلت حركة فكرية رفعت شعار استخدام العقل مرجعاً رئيسياً للحياة بدلاً من الدين. جاء التمرد نتيجة طبيعية دموية للظلم. وظهر الفكر التحرري الذي دعا إلى إعلاء العقل والمنطق على الخرافة.

حينها تقدم عدداً من المفكرين والفلاسفة التنويريين لتفكيك العقيدة اللاهوتية المسيحية ومناقشتها علناً. وهذا ما فعله دينيس ديديرو، وفولتير، وجان جاك روسو، وهم فلاسفة ربوبيين وليسوا ملحدين. وكذلك فعل رينيه ديكارت، فرنسيس بيكون، جان بول سارتر، إيمانويل كانت، فريدريك نيتشه، جون لوك، كارل ماركس. وأسس لنشوء الرأسمالية والعلمانية فيما بعد.

هذه الفترة مهدت لقيام الثورة الفرنسية، وما تلاها من ثورات في القارة الأوروبية، وفي الولايات المتحدة، وأمريكا اللاتينية.

أُطلق على هذا العصر عدة تسميات، منها عصر الأنوار، عصر التنوير، عصر العقل. من أهم مظاهر عصر التنوير قلة عدد الصراعات والحروب الناجمة عن أسباب دينية. ثم بدء استخدام المنهج العلمي في تحليل كل الظواهر الحياتية. وتحقيق تطور كبير في العلوم الطبيعية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء. وتقدم العلوم الإنسانية خاصة الفلسفة. ثم ترك الجهل والخرافة وامتلاك مناهج علمية وتفكير منطقي. فتطور الأدب والمسرح والترجمة، وظهرت الصحف التي ساهمت في نقل ونشر الأفكار والعلوم والفلسفة. أيضاً انتشرت المدارس والجامعات والمكتبات، وتم تأسيس المقاهي والصالونات الثقافية. مناقشة الأفكار نجم عنه زيادة الوعي المعرفي لدى الناس. كل ذلك أسهم في تنشيط الحركة العلمية التي أنتجت قيام الثورة الصناعية في أوروبا وازدهارها.

الإصلاح الإسلامي بين الفلسفة والدين

في فترة كان الفكر العربي والإسلامي يعاني حالة من الانغلاق والانسداد في المشرق العربي بالقرن الثاني عشر ميلادي، حيث تم زندقة الفلسفة والحط من قدرها، ومحاربة المنطق والعلوم العقلية الأخرى، وجرى تكفير أصحابها حتى قيل "من تمنطق فقد تزندق ودمه حلال"

تصدى صاحب أهم كتب الفقه المقارن "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" الفيلسوف الأندلسي "ابن رشد" 1126ـ1198م للدفاع عن الفلسفة، وهو الرجل العالم بها والمبحر بالدين، فقال "الله لا يمكن أن يعطينا عقولاً، ويعطينا شرائع مخالفة لها" واعتبر أن ما يجري جهلاً بالفلسفة وتجاهلاً للنصوص الدينية التي تدعو إلى إعمال العقل. ثم قام "ابن رشد" بتأليف كتاب "فصل المقال" لفض الاشتباك بين الدين والفلسفة، فاعتبر أن الحكمة هي الفلسفة، والشريعة هي الدين.

ظهرت في العهود اللاحقة محاولات تنويرية دعت للعلم والعقل من دون النزوع عن الدين. قام "محمد علي باشا" عام 1827 ببعض الإصلاحات وأرسل البعثات الطلابية إلى القارة الأوروبية. ثم الشيخ "رفاعة الطهطاوي" الذي كان منبهراً بالغرب، وحاول عام 1842 تأكيد الإيمان الديني للفلاسفة التنويريين الغربيين قياساً على فلاسفة اليونان القدماء، للترغيب فيهم. ثم ظهر "جمال الدين الافغاني" الذي حذّر من الغرب ودعا إلى تجديد الفكر الإسلامي وإنشاء حزب وطني للمسلمين عام 1871. ثم ظهر الشيخ "محمد عبده" واحداً من أبرز المحدثين في الفقه الإسلامي بالعصر الحديث، ودعا عام 1882م إلى الحريات الشخصية والسياسية.

ثم ظهرت تجربة "عبد الرحمن الكواكبي" صاحب كتاب "طبائع الاستبداد ومصاره الاستعباد" مع الإصلاح، هو الذي أسس 1897 جمعية لبحث أسباب الخفوت العربي قياساً بما تقدمت به أوروبا.

ومن خارج الإطار الديني ظهر دعاة تنويريين من المفكرين والمثقفين العرب والمسلمين، منهم "قاسم أمين"، "طه حسين"، "معروف الرصافي".

المفكر الفلسطيني الليبرالي "إدوارد سعيد" الذي أسس دراسات ما بعد الاستعمار ـ الكولينيالية. والمفكر السوري العلماني "صادق جلال العظم" صاحب كتاب "نقد العقل الديني"،

المفكر والفيلسوف المغربي "محمد عابد الجابري" يعد واحداً من أبرز الوجوه العلمية التي قدمت مقاربة جديدة في قراءة التراث العربي الإسلامي في العصر الحديث. وقاد الجابري مشروعاً مهماً للحفر والبحث والتقصي عن الآليات المنتجة لمضامين ونظم ومعارف الفكر والتراث الإسلامي. فيما المفكر والفيلسوف المغربي "عبد الله العروي" يؤمن بالتاريخانية مذهباً وفلسفةً ومنهجاً للتحليل، وهو بعكس الجابري ينادي بالقطيعة مع التراث العربي والإسلامي، ويتبنى الحداثة الغربية كقيمة إنسانية.

بينما آمن المفكر والفيلسوف الجزائري "محمد أركون" بالحداثة، وانتقد العقل الإسلامي بلسان فرنسي وبعقل استشراقي غربي.

ومن خارج المؤسسة الدينية نذكر المفكر السوري "جورج طرابيشي" صاحب كتاب "نظرية العقل العربي: نقد نقد العقل العربي" الذي يعتبر أنه لا توجد في الاسلام فلسفة وما كان لها أن توجد، وأن المسيحية احتضنت الفلسفة منذ بداياتها.

ولكن من سوء طالع هذه الأمة أن كافة الجهود الني بذلها الأولين تعرضت لانتكاسات على يد الطغاة العرب، والمتشددين، وانتهت مآلاتها إلى غير عودة. وحاربت الأنظمة العربية الاستبدادية الأفكار التنويرية، ولا حقت المفكرين والمثقفين الليبراليين، وفعلت كل ما من شأنه لتقهقر مشاريع التنوير، التي استعاضت عنها تلك الأنظمة البائدة بالأيديولوجيات والقهر الحزبي والسياسي.

التنوير العربي

نحج التنوير في أماكن متعددة في العالم وفشل بنسخته العربية، ولا يزال معظم العالم العربي يرزح تحت وطأة الاستبداد والجهل والخرافة، ولا يزال يحارب الأفكار الليبرالية، وخطاه متعثرة وتائهة ومتباعدة في درب التنوير. ولا يزال العرب غير قادرين على تفكيك العقائد وتحليلها من منظور إسلامي عقلاني، وهذا يحتاج إلى عقود كي يتمكن العرب التحرر من الرؤية القديمة للعالم، ومواجهة الشعوذة، والإيمان بالتفكير العقلي، وإعادة المكانة للفلسفة، لبناء مشروع تنويري عربي.

فشلت جميع الحركات والشخصيات الدينية والمحاولات التي تدعو إلى التنوير كلاً بأسلوبه. بعض هذه الحركات آمنت بالإصلاح الديني، ثم تحولت إلى حركة سياسية، لم تتمكن لأسباب أيديولوجية من بناء نظام اجتماعي واقتصادي لإحداث إصلاحات حقيقية في بنية الفكر والعقل العربي والإسلامي لقيادة نهضة عصرية حقيقية.

يفتقد العالم الإسلامي اليوم رجلاً يفعل ما قام به الفيلسوف الأندلسي التنويري "ابن رشد" في الأندلس، حين قام بترجمة وشرح أعمال أرسطو المعلم الأول، مما ساهم في زيادة تأثيره على أوروبا القرون الوسطى.

ما يعانيه العالمين العربي والإسلامي من تصاعد الطغيان والجور، واتساع رقعة الصراعات الدينية والمذهبية والطائفية، وارتفاع الغلو والتطرف الديني والمذهبي، يتطلب من المفكرين والمثقفين الليبراليين ومن رجال الدين المحدثين العرب والمسلمين، العودة إلى ما قبل ثمانية قرون سابقة، لأنه طوال هذه المدة كان العقل العربي خلالها في حالة سبات وتخدير، وكانت الفلسفة في موت سريري.

نحن ما زلنا لغاية اللحظة لم نتجاوز التساؤلات عن/ حول الدين والفلسفة التي قدمها كلاً من ابن المفقع، وأبو حيان التوحيدي، والرازي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، والكثيرين سواهم، وجميعهم اتهموا بالزندقة والكفر والإلحاد، وبعضهم تم حرق كتبه ومنهم من مات قتلاً.

إن المقاربة الموضوعية حالياً بيننا وبين الغرب، لا تظهر تخلف العرب والمسلمين فلسفياً وفكرياً وعلمياً وتكنولوجياً فقط، بل وتخلفاً في فهم الدين أيضاً.

إن من أهم المقومات التي تقود إلى الإصلاح والتنوير بظني هو أن نفهم الدين الإسلامي فهماً سليماً يتوافق مع العقل ولا يتصادم معه. حيث لا يمكن الحديث عن التنوير في ظل انتشار الجهل والخرافة والسحر والشعوذة وربطها بالدين في العالم العربي. وفي ضوء قيام بعض رجال الدين بتشجيع ما يسمى التدين الشعبي، ومحاربة أية أفكار إصلاحية تلجأ إلى استخدم العقل ـ الذي هو جوهر الدين الإسلامي ـ وتكفير أصحابها وزندقتهم.

فهل أصبح التنوير العربي في ذمة الماضي، وانتقل إلى جوار التاريخ؟

في الحقيقة أن التنوير لم يتجاوزنا ولم نتجاوزه، فنحن لا زلنا متأخرين فلسفياً وعقلياً وفكرياً، وما هذه الانسدادات والتخبطات والصراعات، إلا مرحلة لا بد الاكتواء بنارها من أجل مستقبل أفضل، حسب قانون "هيغل" للتقدم، فالتناقض هو جوهر جميع الظواهر والاشياء وهو منبع كل نمو. لأنه عبر الحركة والصراع الموجودتان في كل شيء يولد الجديد. لذلك فإن التنوير آت، فهو أمام العرب والمسلمين لا خلفهم.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

 

 

صالح الرزوقلا أعتقد أن الأستاذ ماجد الغرباوي باحث في الدين ولكنه مفكر إسلامي. وهناك فرق واسع بين الدروس والعظات الدينية وبين تحليل أساليب واتجاهات المعرفة. وهذا لا يعني أنه مفكر محايد. فأي إنسان مرتهن لمعتقدات معرفية جاهزة وهي على أنواع.

جزء منها ينتقل بالتلقين وأساليب التربية والبيئة أو كل ما يعرف عادة باسم القانون والسلطة. وغالبا ما يأخذ شكل رهاب يفرض نفسه على الوعي. ولهذا المستوى من المعتقدات عدة أسماء اقترحها الغرباوي خلال محطات مشواره الطويل مع تحليل النص ومنها: الأنساق الثقافية المضمرة، قبليات الكاتب، مخزونه الثقافي اللاواعي وسوى ذلك. وكما قال في مستهل كتابه “مضمرات العقل الفقهي” هي المسؤولة بشكل مباشر عن انحياز التشريعات والأحكام. ويعزو لها كل أشكال النشاط السلبي في الاجتهاد والقضاء (مضمرات العقل / ص 6). بالإضافة لعدم التفريق بين البشري والإلهي (مضمرات العقل / ص 6 أيضا).

وما تبقى يتشكل بالاختيار والإرادة الذاتية. ويعبر بنفس الوقت عن متطلبات الوعي الباطن والرواسب التي تعمل فيه بتوجيه مباشر من صراع الرغبات والضرورة. وإذا كنت أفضل أن أسمي هذا الجانب بـ “الإدراك”، يسميه الغرباوي “ثقافة الفرد”. ويرى أنه تعبير عن نزاع بين الحياة وأساليب تجلياتها. ويقصد بذلك: اتصال المتشابهات في حقل الإدراك رغم الاختلاف بالجذور المعرفية. فالثقافة، برأيه، نتيجة معارف ميتافيزيقية وأحكام. (ص 22/ الفقيه والعقل التراثي).  

ولطالما كنت أعتقد أن الغرباوي نموذج للمفكر الموضوعي الذي لا يخرج على دائرة وعيه بأهمية الروح. فهو يحاول بكل ما أوتي من عزم أن يتحرى حقائق الذهن البشري وطرق الاستجابة للواقع، وبشرط لا يحيد عنه وهو أن يكون داخل شبكة العلاقات الإسلامية. ويمكن أن تقول إنه ليس باحثا في المعرفة وفي أصول التشريعات التي تتحكم بسلوك الإنسان، وبالمسموح له أو بنطاق الحريات الوجودية المتاحة  كالحال عند عابد الجابري. ولا هو أيضا باحث لا ديني يتابع مشكلة المعرفة بالانطلاق من وظائفها أو أساليب عملها كشأن طيب تيزيني. وإنما يحمل هم العقيدة نفسها. ومن المعروف أن قراءة الإسلام تنطوي على تيارين.

بالإضافة للمبشرين بالشريعة (بمعنى قوانين تفسير وعينا بمفهوم وهوية الإيمان)، هناك محور تكويني يتابع ظواهر المعرفة بالمقدس من خلال الوعي بها. ومحور ديالكتيكي يطبق نتائج الوعي بالتاريخ على  تطوير أساليب وقوانين المعرفة. وربما لذلك هو ينظر بعين الشك للانتقائية في تأويل المعنى، وبالأخص بعد هذا الفاصل التاريخي بين أسباب النزول والواقع الراهن. ففقد بلغ ما يزيد على خمسة عشر قرنا تراكمت خلالها عمليات إلغاء وتثبيت، وعلى الأرجح أنها أدت في النهاية لعزل الأسباب عن النتائج وزيادة مساحة الإجبار أو الإكراه في الدين. ومن الطبيعي أن يسيء أنصار الظاهراتية فهم معنى الحرية أو ضرورته. فلا حرية في الاختيار أمام أوامر الخالق. لكن هذا لا يعني أن الخير مطلق والفضيلة ثابتة على الدوام. فالغايات هي الثابتة لكن أدواتها دائما تتعرض للتطوير والتعديل. وغني عن القول أنه لا يوجد معنى دون أساليب للتعبير عنه. وفي هذه المساحة يبدأ النزاع التقليدي بين النص وخطابه. وتجد تفصيلات وافية عن أهمية الحرية في الخطاب الديني عند برديائيف وكركيغور. فبالبديهة أنت تنحاز للخير، ولكن بملء إرادتك. لأن الخير هو العلة الأولى لاستمرار الحياة. ولا يمكن لأحد أن ينكر أنه يفضل البقاء على العدم. وهذا وحده يحسم مسألة الجهاد والسياق الطبيعي لاستعمال العنف في الإسلام كما وضح الغرباوي في كتابه “تحديات العنف” ثم في “مدارات عقائدية ساخنة”. فقد بذل في هذه المؤلفات ما بوسعه لينظر إلى الفكرة الإسلامية من خارج ثقافة الحداد والقطيعة مع الشريعة (بتعبير رجاء ابن سلامة)، ولكن من داخل شبكة العلاقات بين الإنسان و دينه الاجتماعي (هذا إذا قبلنا أن الدين موجود لكن بصور تشبه التخزين السحابي). بلغة أوضح ضمن تيار متصل خارج البنية الفردية.  ولقد رأى أن التحديات تتكاثر وتتوسع يوما بإثر يوم، ولا سيما بعد اتساع رقعة الاحتكاك مع بقية أرجاء العالم، وما يمثله ذلك من تحديات في تعيين مجال أشياء تبدو متشابهة، لكن لكل منها مساره الخاص كالضمير والوعي والروح والإحساس والعاطفة إلخ...

وهذا يعني أنه اهتم بالسياق والظواهر. وليكون لكلامنا معنى لا بد من أمثلة. لقد درس حروب الردة بالانطلاق من الأسئلة والمنغصات التالية:

ما هي الدواعي؟.

ومن أشعل الفتيل؟.

وكيف كانت طبيعة العلاقة بين الأطراف المتنازعة؟.

ووضع هذه المشكلة ضمن إطارين. داخل دورات التاريخ، وفي سياق أساليب التعبير. وقد أولى كل عنايته للمدونة وللنص. بتعبير آخر نظر للمشكلة كأزمة طرأت على علاقة الحاكم بالمجتمع، أو المركز بالأطراف. وخلص إلى نتيجة مفادها أنها فتنة عسكرية. وكانت الغاية منها أن يفرض الخليفة أبو بكر سطوته على كل أجزاء شبه الجزيرة العربية. بمعنى أنها حرب للسلطة ضد الشعب، ولإسكات أصوات المعارضة، ولإخضاع الجميع لتوجهات القيادة الجديدة. واستطاع الغرباوي بهذا المنهج أن يرسي الأساس لحدود أو معرّفات تفرز الإلحاد والكفر من الخلافات السياسية. واختار لهذه الحدود عنوانا عريضا هو (فعلية النص). وشرحه كما يلي: مادامت أسباب النزول قائمة النص واجب، وبزوالها يجب تعطيله، أو اعتباره في عداد المنسوخ بوجوب تبدل الأسباب. وأصلا إن فكرة إبطال الأحكام والأوامر الإلهية، التي جاء بها الوحي، كانت تهدف إلى الارتفاع بالواقع إلى واقع أفضل منه. وهذا يختلف عن الإلغاء والإزالة. وله معنى التكيف والتطوير كما قال أحمد عبدالرازق في كتابه (فلسفة المشروع الحضاري بين الإحياء الإسلامي والتحديث الغربي – ج2). فالنبوة وسيلة وليست غاية، والوحي أسلوب أو طريق كما يقول عبد الرازق أيضا (ص943)*.

وقد ناقش الغرباوي باقة من الأحكام التي تندرج في هذا المضمار. بالإضافة لحروب الردة (التي أنكرها في وقت مبكر الشيخ علي عبد الرازق) توقف عند الجزية والفتوحات الإسلامية. ثم أعاد التأمل في حدين من حدود المذهب الشيعي وهما فريضة الخمس والإمام الغائب. بالإضافة لدور الشفاعة وكيف انتشرت بين البسطاء حتى أنها سيطرت على أفكارهم، ولعبت دور قيد أو رباط بشري يحل محل العناية الإلهية. وبالتالي عطلت الثواب الذي يمكن أن يناله المؤمن من التفكير والاجتهاد. وكأن هؤلاء الوسطاء نسوا أن الإسلام هو دين معرفة وثقافة أولا. وأن العقيدة في عصر العلم وفلسفة التنوير لا تبنى بالتأويلات ومراكمة الخرافات والاستجارة بالتراث كما ورد بالحرف الواحد في كتابه الإشكالي (مدارات عقائدية ساخنة) (ص88)** والذي اتصف بقدر لا يستهان به من الشغب والممانعة. وأعتقد أن هذا الكتاب، الذي أصدره بالاشتراك مع طارق الكناني، مخصص بمعظمه لتفنيد الأساطير والخرافات التي دخلت على المذهب الشيعي، وتسببت له باختناقات اجتماعية. وكانت حجته الأساسية أن الإسلام جاء لينظم علاقة الإنسان بالله أولا (معرفة) ثم علاقة الفرد بالمجتمع (سياسة). والدين لم يأت ويبذل كل تلك التضحيات ليضع الإنسان المسلم في زاوية تمنعه من التفاهم مع واقعه ومع العالم الذي يحيط به. وقد استطرد لاحقا لموضوعة الصلاة، باعتبار أنها ركن أساسي من أركان التثبيت، أو العقيدة (إن استعملنا مفردات كاتب لاهوتي هو الشيخ علي الطنطاوي). و لا جدال بوجود فرق واسع بين المنهجين.

88 majedalgharbawi600

فالطنطاوي يوجب الأداء أولا ثم التفكير ثانيا. مثل القانون المعمول به في الجيش: نفذ ثم اعترض. لكن الغرباوي يستحسن بيان حقائق الأشياء أولا قبل فرضها. ويؤكد أن خصائص الأشياء، وهي موضوع الإيمان، عبارة عن نشاط ذهني سواء كان للشيء وجود خارجي أم لا. ويترتب على ذلك أن مصادر الأحكام سابقة على النص. وأي نص لا يمكن أن تفسر مضمونه دون العودة لمصادره أو علته. وهذا لا يمكن أن ينطوي على أي شبهة بالممانعة لأن العلة شمولية والمصادر متحققة بالعلة الأولى وهو الخالق (كما ورد في موسوعته: متاهات الحقيقة/ فصل العبادات والأخلاق). ولا يوجد في الإسلام تشريع جامد. ويذكر مثالا عمليا وهو الصلاة. ويشترط أن تكون صلة روحية مع الخالق من طرف ومع جماهير المؤمنين من طرف آخر. بمعنى أنها ذات وجهين، روحي ومادي. أو أنها جسر للعبور من الذات الإلهية نحو الذات البشرية، وإلا لاكتفى الله بفرض حركات رياضة أو جمباز. والصلاة أيضا بتعبير القرآن “كتاب موقوت”. بمعنى أنها نشاط له علاقة بدورة التاريخ، أو كما يمكن أن تجد في معاجم اللغة: هي عمل تتصل به الحقيقة المكتوبة مع الحقيقة المطلقة. وبلغة أوضح: هي إسقاط للحقيقة على الكون (بلغة محمد شحرور). ففي كل نشاط ديني لا بد من أن يتصل الجسم وحركاته مع الذهن وتفكيره ثم مع الروح واستعداداتها. وهكذا تستكمل الروح دورتها الفطرية: بين الطبيعة والعقل والله.  أو المادة والوعي والذات الكلية. وكان بودي لو أضاف حسين مروة لكتابه (النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية) فصلا خاصا عن المعنى الدرامي للصلاة. فهي الفقرة الوحيدة من بين كل مدونات أركان الإسلام والتي يمكنها أن تتأقلم مع الواقع المعاش. ومن المؤكد أنها لم تكن في بواكير ولا فجر الإسلام تفرض نفسها على الواقع. بل العكس هو الصحيح. كانت تضطر للاستسلام لتيار الحياة الجارف في الحرب وفي السلم. ويمكن أن تقول كانت حريصة على تسهيل معاناة الإنسان وتخفيف درجة إحساسه بضغط الحياة من خلال إجراءات تطبيقية كالاختصار وتبديل الموعد لو أنك مسافر أو حتى بعدد الركعات ونوع التلاوة. 

ويلاحظ على الغرباوي أن أمثلته بمعظمها تهتم بنفي الحدود الوضعية. وبرأيه إن معظم الممارسات في الوقت الحالي لا تكلف نفسها نفض غبار السنوات، من جهة، ولا تحاول التعالي على سياسة التبرير لخدمة مآرب الحكام. ويؤكد أن مبدأ ولاية الفقيه هو مبدأ إيديولوجي وضعي (بمعنى إجرائي)، ونجم عنه انحدار مستوى فهمنا للشورى، وعدم إمكانية تحويلها إلى ديمقراطية متطورة حسب سلم القيم والمعايير الغربية. وفيما أرى اشترط الغرباوي على الدولة الإسلامية والحاكم الصالح عدة شروط استمدها من أحكام وفقه الشريعة (الكتاب والسنة). وهي نشر روح التكافل الاجتماعي والنفسي بين كل الفئات. ونزع الفتيل من الشكل العسكري للدولة.  بمعنى آخر، على الحاكم أن يكون مدنيا، وعلى الحكومة أن تتحلى بالوعي الإداري. ودون هذين البندين كان لا بد من تفكك الدولة وانحدارها لشكل متخلف وبدائي من أشكال الهيمنة والتسلط. وعليه إن تعويم فكرة الجهاد واعتبارها فرضا والتمسك بمفهوم الجزية والنظر إليها كأنها ركن سادس في الدين قاد إلى تسريع تحويل الإسلام من دين إلى إدارة. ومن علاقة مع الوحي لعلاقة بين المركز والأطراف. ويبدو أن هذا الضرر بدأ من انقلاب السقيفة الذي تورط بعدة أخطاء.

الأول هو الاقتراع العلني على الخليفة وتشكيل لوبي ضاغط.

الثاني اقتصار التمثيل على حفنة من الصحابة.

والثالث هو إهمال الأقليات والتقليل من شأن الأنصار.

ولا يمكن لأحد أن ينكر غياب أي تمثيل للعشائر النائية، ومنها عشائر عسير ونجران بالإضافة لمناطق قريبة من الرياض (أو حجر اليمامة حسب الحفريات والتي تعود لأيام طسم وجديس). ولنأخذ مدينة اليمامة كمثال حيث انتشرت أولى حركات التمرد. أيضا لم يتم دعوة مراقبين عن الديانات الأخرى. فالدولة ليست خاصة بأكابر قريش، والشعب لم يكن كله من عرب الحجاز. إن عدم وجود مثل هذه الضمانات مهدت الجو لتقليص الاختيارات المتاحة أمام المسلمين، ثم لإقامة ثيوقراطية ملكية ظالمة، وانتهت بكونتونات هيمن عليها الجيش، وتبعها أوليغارشيات لا ترتبط بالخليفة. وقد رأى الباحث خليل أحمد خليل في كتابه الكلاسيكي (العرب والقيادة) أن معيار الولاء كان يقتصر على رفد خزينة الدولة بالنقود السائلة والثروات، ثم على بروتوكول شكلي بحت.

وأنا لهذه الساعة لا أفهم كيف تنازل الأنصار عن السلطة للمهاجرين. ناهيك عن غياب أي مؤسسة وطنية يشاركون بمجلس الإدارة فيها. ولنأخذ مخيمات الفلسطينيين في لبنان كمثال. لقد نجم عنها أكبر فتنة دمرت بيروت ورسمت خطين في أنحاء البلاد. خط بالطول قسم لبنان إلى دويلتين، وخط بالعرض أعاد رسم الخريطة الطبقية بين السكان. بمعنى آخر انطلقت الشرارة من الكامبات وأدت لتحول سياسي واقتصادي. والآن يواجه حزب الله نفس الحالة الوجودية بالرغم من التضحيات في حرب 1996. فهل كان مجتمع المدينة طوباويا ويعيش فوق المنطق الذي يقبل به البشر؟. بالمنطق إن تدفق المهاجرين على المدينة أدى إلى اختناقات يمكن أن تسميه اقتصاد الحرب. وإذا أضفت لذلك الزيادة غير المسبوقة باليد العاملة، تستطيع تصور الأزمة التي أتت، كما تشير المصادر، في فترة من الركود والبطالة. فكيف تسنى لهؤلاء الضعفاء أن يكسروا شوكة مكة؟..

حتى الجهاديين الذين تدفقوا على سوريا في أزمة الربيع العربي، تحولوا لقوة احتلال، واغتصبوا بيوت السكان الفارين من أذى الحرب. وقد تصرفوا لاحقا على أساس أن الأرض وما عليها هي غنيمة حرب. ويشمل ذلك المتعلقات المادية والمعنوية، يعني الممتلكات والنساء.

وأن تخلو كل السجلات من صورة واضحة للمدينة جعلها أشبه بفانتازيا لأنه لا يعقل أن لا تتبلور في تلك الفترة الحاسمة أية دائرة أو مؤسسة أو دار لفض النزاعات. ولو كانت موجودة ما هي هيكليتها؟. وبالأخص أننا نتكلم عن حكومة طوارئ تحارب على أكثر من جبهة.

في الداخل الأحياء اليهودية. وفي الخارج طبقة النبلاء ومن يواليهم من المشركين. حتى أن عثمان، أحد المبشرين بالجنة، لاقى حتفه لاتهامات طبقية، وتحول لاحقا لمنعطف أساسي بدّل وجه التاريخ. ناهيك عن دور أبي بكر الضعيف والذي أشبهه بدور محمد نجيب في ثورة يوليو. لقد دامت له مقاليد الحكم لسنتين ثم اضطر للتنحي، ولو لا وفاة أبي بكر لكبر سنه لأجبره الصحابة على التقاعد.

لم يناقش الغرباوي هذه الحلقات الضعيفة من التاريخ الاجتماعي لبواكير الإسلام، غير أنه أسهب في الولاية التكوينية (حسب المفهوم الذي استشرى في السنوات الأخيرة)، وأنها تعني التصرف بالكون. وأكد أن هذه المهمة ربانية صرف، وإلا دخلنا في الشرك (ص 300 / مدارات)، فالله ليس كمثله شيء، وهو متفرد بالوجود، ولا يقبل أية شراكة أو نيابة (المصدر السابق).

90 majedalgharbawi 600

وبرأيي إن ما تعرضت له حركات التنوير والإصلاح، وبلغة أوضح: المذاهب والفرق الباطنية، من دس وتحوير وتحريف وإضافات، يحتاج لعمل شاق في سبيل التنقية وتقريب وجهات النظر. فقد تحولت هذه الاتجاهات إلى حضارة جريحة، ولا سيما بسبب الاستبعاد المقصود من المشاركة في بناء كيان الدولة. وتهمة التكفير والإشراك التي تعرضوا لها في عدة عهود، منذ تأسيس الدولة الأموية وليومنا الحالي، هي المسؤولة عن رابع أزمة عسكرية تعصف حاليا بالخليج (وهي حرب اليمن). ولدي شبهات أن الإبادة الجماعية التي طاردت حركات الإصلاح (كالشيعة والمتصوفة والأدباء المستنيرين)، في غضون حرب المائة عام، لا تختلف بشيء عن المحرقة النازية. ويمكنني أن أرى في عقوبة الصلب والحرق التي اتبعها الأمويون والعباسيون لتصفية خصومهم محرقة يندى لها الجبين. وقد وصل التشويه ذروته في عصر التنوير والنهضة، واتهم كل صاحب رأي جريء أو مستنير بتهم كاريكاتورية تدعو للهزء. وبهذا الخصوص تساوى المتنبي والحلاج والنفس الزكية وزرادشت وقرة العين الداعية لسفور المرأة.  وأقرب مثال على ذلك كتاب (العقائد) لعمر عنايت (صدر عن دارالعصور عام 1928). وكتاب (الدعاة) لوجيه فارس الكيلاني (صدر عن دار المطبعة العربية عام 1923). فقد اعتبر الكيلاني أن زرادشت (ص 38) ومسيلمة (ص 50) والحسين (ص 92) وجان دارك (ص 95) كانوا على قدم المساواة، ومن بين الشخصيات التاريخية الشاذة أو المارقة.

وطاردت تهمة مماثلة الإمام الأفغاني، وأدانته بالانحراف عن أصول الدين. ولا تزال كل الأدبيات الإسلامية الكلاسيكية تطعن بتفسيره للقرآن وتشوه أهدافه السياسية، وترى أنه لا يجد فرقا بين مفهوم الوحدة ومفهوم الأمة، أو بين الجامعة الشرقية والجامعة الإسلامية، كما ورد في (الدرر السنية) بتحريرعلوي بن عبدالقادر السقاف.

وبناء على ذلك أصبحت أمام الغرباوي مهمة مزدوجة.

وهي الكشف عن المبالغات الدينية التي يرعاها الوعي الباطن، وإعادتها إلى مكانها في سياق تطور التاريخ والأحداث. وهكذا تطور أسلوبه من مجرد الوصف والتحليل إلى التفكيك وإعادة التركيب. ويتضح ذلك في كتابه (مضمرات العقل الفقهي، 2020)***. فقد واتته الجرأة ليقول عن كثير من العتبات الدينية أنها رواسب من التخلف والجهل وسوء التربية. ثم ليردف إنها منحنيات أسطورية تثقل على وعي الإنسان المسلم وتخنقه وتكبت حرية السلوك والتصرف الإيماني النابع لديه من الفطرة والبديهة . ولا يسعني أن لا أرى أن جهود الغرباوي تشير بجلاء وبكل وضوح لموت وجه آخر من وجوه تاريخ المعرفة وهو الحقيقة. لقد تحولت لقطاع صامت نغتاله يوميا بإضافاتنا الأسطورية غير المنزهة عن أغراض الإيديولوجيا وأطماعها في السلطة.  وتبدو لي أن هذه المشكلة تؤزم ذهنية الغرباوي مثلما أزمت سابقا تفكير رائد من رواد نقد المعرفة وهو جلال صادق العظم. فأن تموت الحقيقة على يد من سبقها بالموت، وهو الإيديولوجيا السلطانية، يضعنا أمام عالم غامض لا يمكن التعامل معه إلا بمقاربة جرئية لا تخشى من بنية الوعي الراهن ومقولات العقل الجماعي (كما ورد في كلمة الناشر على غلاف كتابه: مضمرات العقل الفقهي). 

 

د. صالح الرزوق

......................

* المعهد العالمي للفكر الإسلامي. د. محمد أحمد جاد عبدالرازق. فرجينيا. الولايات المتحدة الأمريكية. 1981.

** دار الأمل الجديدة. ماجد الغرباوي وطارق الكناني. دمشق. 2017.

*** دار الأمل الجديدة. ماجد الغرباوي. دمشق. 2020.

 

 

محمود محمد عليهل يمكن أن يعيش الإنسان يغير دين؟، التجربة التاريخية تقول لا !، فقد حاول الإنسان أن يُحل العلم محل الدين وفشل، حاول أن يستغني عن ربه وفشل!، حاول أن ينكر وجوده وفشل! .. ما زالت الروح الإنسانية في قلق وتعب تبحث عن ركناً ركيناً لراحتها وهو الدين، إلا أن تعدد الأديان وتنوعها واختلافها ما يجعل بعض الناس في حيرة: أيهما الدين الحق؟، ومن الطبيعي أن الأديان تحتكر الحقيقة وتحتكر النجاة وترمي الآخرين بالكفر، فما العمل؟..

البعض يري الصراع حلاً !، من ينتصر يسود !، والدنيا لمن غلب !، البعض يري المقارنة والمناظرة والسجال صراع دون دم؛ فالبعض يضع الحجج والبراهين والحيل البلاغية والمنطق، والبعض يري الحوار- أي حوار الأديان ! .. لا من أجل تغيير المؤمن لدينه، بل لأجل مزيد من وعي المؤمنين بأديانهم، مزيد من القبول، والتفهم بغيرهم .. مزيد من التعايش، من التفاهم لا العنف، من المودة لا الكراهية، فكيف يتحاور أصحاب الأديان المختلفة؟ ولماذا يخوضون هذه المغامرة وسط مزايدات المتطرفين من مختلف الأطراف؟ وهل هو حوار مجدي وفعال؟ أم أنه محاولات لتأجيل المواجهة؟ وهل يملك كل طرف ما يؤهله لخوض حوار ندي أم أن طرفا يطغي علي الآخر؟ وما هو ماضي هذا الحوار؟ وتاريخه وما حاضره؟ والمهم ما مستقبله؟

في هذا المقال نحاول أن نجيب علي تلك التساؤلات، حيث يمكن القول بأنه: حين هاجر المسلمون إلي الحبشة هرباً من البطش القرشي، أرسل القرشيون خلفهم من يأتي بهم، ووقف الفريقان يتناظران بالحجة أمام النجاشي (ملك الحبشة) وكان مسيحياً، فحاول كفار مكة أن يكيدوا للمسلمين وادعوا كذباً أن المسلمين يسيئون للمسيحية، فقرأ جعفر بن أبي طالب علي ملك الأحباش آيات القرآن الكريم التي تتحدث المسيح وأمه مريم ( سيدة نساء العالمين) فأنصت النجاشي لما يتلي، ثم قال: إن هذا (أي القرآن) هو الذي جاء به عيسي (أي الإنجيل) ليخرج من مشكاة واحدة (أي من مصدر واحد) ..

أدرك النجاشي أن الرسالة واحدة، وأن المصدر واحد، وإن اختلفت المذاهب وتنوعت التشريعات، والمتأمل للتشريعات الإلهية في الأديان الإبراهيمية يجدها واحدة في جوهرها وغاياتها ومقاصدها، لكنها تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال والمقامات، وقد تبادل أصحاب الشرائع السماوية التأثير في بعضهم البعض ؛ تجد ذلك في التصوف والرهبنة، كما تجده في التأثير الإسلامي الواضح في صياغات التلمود وبعض التشريعات اليهودية .

وقد ساهم هذا التفاعل والتأثير والتأثر في تعزيز التعايش السلمي بين أصحاب الديانات السماوية، وعاش اليهود والمسيحيون والصابئة قروناً طويلة في ظل الحكم الإسلامي، وتركوا من الآثار الفكرية والأدبية الدينية وكتب النقاش والحوار والتناظر، بل والاشتباك الفكري مع المسلمين ما سجله التراث الإسلامي واحتفي به، وأعاد استكشاف الآخر من خلاله، بل واكتشاف نفسه وعقيدته وذاته الدينية والحضارية .

وقد جمع المستشرق الألماني "مورتس استنشيندر" معلومات عن هذه المخطوطات وأماكن وجودها في المكتبات وتعريفا بمحتوياتها ومؤلفيها وجميعها أُلفت باللغة العربية في العصور الإسلامية المبكرة، وفي مرحلة النهضة الفكرية والتدوين، ومن أمثلتها: أصول الدين وشفاء المؤمنين لدانيال بن الحطاب السرياني في القرن الرابع عشر الميلادي، ويرد فيه علي الانتقادات الإسلامية للمسيحية، وكتب عدة تعرض حوارات وأسئلة وإجابات منها: محاولة الخليفة الأموي " عبد الملك بن مروان " مع النسطوري " إبراهيم الطبراني" .

وفي العصر الحديث راهنت بعض فلاسفة التنوير علي نهاية حقبة الأديان وانتهاء دور الدين، إلا أن التجربة أثبتت فشل رهانهم وسقطت مقولات موت الإله، وعادت الأديان والبحث عن إجابات لأسئلة الحياة الكبري لتشغل العالم الأوربي بعد أن عانت القارة العجوز ويلات الحروب والدمار، وتطلع العقلاء إلي علاقة مختلفة مع الآخر الديني والحضاري، علاقة تقوم علي اكتشاف الآخر وفهمه ومحاولة استبدال التفاعل بالصدام، التعايش بالكراهية، الحوار الديني والفكري بالصراع الدموي الصفري، وعادت فكرة حوار الأديان لتكون احدي إمارات هذا التصور، تبنتها مؤسسات ومنظمات وهيئات، ورصدت لها الميزانيات والتمويلات والدعايات، واختلفت التقديرات بين الفرقاء حول طبيعة الحوار، ومعناه، ومبناه ودلالاته الدينية والسياسية، وما إذا كان حواراً حقيقياً علي غرار سابقيه في التجربة الحضارية للمسلمين أم إعادة تدوير ذكية أنتجتها ذهنية الاستعمار .

ونعود إلي سؤالنا مباشرة: هل هناك من جدوي للحوار بين الأديان؟

اعتقد أن الحب بين الأديان قد يزحف ولكن لا يموت، وهذه حقيقة، لأن الله سبحانه وتعالي خلقنا لكي نتوحد ونعيش حالة من الحب، ولذلك أقول لكل الذين يتوحمون علي لحن التسامح ما بين الأديان لمن يتوحمون لغرس الكثير من الخناجر في خاصرة الأديان، سواء كانوا مسيحيين متطرفين أو يهود متطرفين، نقول لهم إن خيارنا أن نغرس شجرة الياسمين، مهما كانت الظروف لا يهمنا المشاريع السياسية، ولكن ما نريده الأديان، فالأديان شئ والمشاريع السياسية شئ آخر .

ولذلك إذا كان هناك أنيميا في التسامح، أو فقر دم في التعايش، فهو بسبب السياسيين، وكما يقول أنيس منصور:" السياسة فن السفالة الأنيق"، فالسياسيون هم أساس تدمير العلائق بين الأديان، وإلا ما المانع من أعيش المسيحية في قلبي، وأن يعيش المسلم في قلبي، إننا نعشق المعتدلين من هؤلاء وهؤلاء ممن يقفون مع حقوق الإنسان .

ولذلك فإنني اعتقد أن تحالف الشيطان مع مافيا الدين ومافيا السياسة هي وراء ما نعيشه من تذمر وما نعيشه من ضعف وتفكك، ولهذا فإن دورنا كرجال فكر ودين أن تُتزع الألغام المتكدسة علي الخطاب الديني، وإذا صفينا القلوب، نستطيع أن نتحرك .

ولذلك فإنني أدعوا هنا من موقع صحيفة المثقف الزاهرة إلي حزب الإنسان، لأن حزب الإنسان هو الذي يجنب هذه الخريطة من عرائس الدم .. ما الفائدة من أن تهدم الكنائس في العراق؟، أو تهدم المساجد في العراق؟، أو تهدم المآذن في سوريا؟ .. ولذلك فإنني أقول أن الضحايا ليسوا فقط من المسلمين، والمدرعة الإسرائيلية تقتل المسيحي وتقتل المسلم أيضا، وهناك العشرات والعشرات من المسيحيين ومن المسلمين ضحايا المشاريع في شارع الاحتلال وما إلي ذلك .. فهل معني هذا ألا نعيش الحب تجاه المسيحي أو تجاه الأديان السماوية الأخري .

وهنا أقول لا صراع حضارات كما قال هينتجتون، أو ولا نهاية التاريخ كما قال فوكاياما، وإنما نقول صراع التفاهات، وليس صراع الحضارات، ولذلك أقول المتطرفون هم جينات مختلفة ولكن الحمض النووي واحد، أما الذين يريدون الحفاظ علي الشخير العام لكي تعيش الأمة ضعفا وجهلا وتباعدا، فإنهم يرفضون الحوار بحجة إسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية، فهؤلاء شئ، والحوار شئ، فأنا أحترم صاحب الدين، ولكن لست مسئولا بكل هؤلاء، ولذلك أقول فلتسقط نظرية أن الإسلام إرهابي أو فاشيستي، فاليمن المتطرف لا يميز بين مسلم ولا غير مسلم، فالمتطرفون يريدون القضاء علي الجميع، ولذلك أقول أيضا وتسقط مقولة " لعن الله اليهود والنصارى أحفاد القردة والخنازير"، ونقول فليحيا الحب بين الأديان، وأن أحترم المسيحية واليهودية التي تحافظ علي الخصوصية الإسلامية .

إنّ التخلص من عقدة الاختلاف هي الخطوة الأولى في كل عمل منهجي، مهما كانت مقاصده بعد ذلك. والخطوة الثانية المطلوب تحقيقها اليوم، هي التخلص من الرؤية الأحادية للحقيقة، والعقلية الكلامية برمتها، كي ننتقل إلى عصر حوار الأديان والحضارات.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط 

................

حوار الأديان .. كيف نفهمه؟│قراءة ثانية (يوتيوب).

الاتجاه المعاكس- حوار الأديان (يوتيوب).

محمد الحدّاد: حوار الأديان وعقدة الاختلاف (مقال).

 

 

 

 

محمود محمد عليلا شك أن المفكر العراقي الأستاذ ماجد الغرباوي، شكل ظاهرة مثيرة للجدل على مر السنوات الماضية، فلطالما فاجأ الجمهور (عامته وخاصته) بتأويلاته للعقل الفقهي الإسلامي تختلف بشكل كبير، وربما تناقض تلك السائدة، والمتعارف عليها، (كتأويله الحاجة إلى الفقيه، تداعيات تفاقم الفتوى، قداسة الفقيه، فهم النص الديني، نقد العقل الفقهي، مقدمات الاجتهاد، الفقيه ومضمرات الوعي، المسكوت عنه، الإمامة الدينية، التعارض بين العقل والنقل، العقل وملاكات الأحكام، شمول الشريعة، الفقيه واحتكار التفسير، وغير ذلك)، ورغم ما عُرف عن ماجد الغرباوي (مع حفظ الألقاب) من مواقف رآها البعض ثورية كموقفه من حرية المرأة، والحجاب، إلا أنه غالبا ما يُصنف كمفكر مجدد من خارج المؤسسة الفقهية (أي حداثياً من خارجها)، وكذلك هناك من يراه أيضاً (مثل كاتب هذا المقال) بأنه مجدد في الفكر الديني، يسعي من خلال مشروعه التجديدي إلي ترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، وذلك من خلال قراءة متجددة للنص تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، من أجل فهم متجدد للدين، كشرط أساس لأي نهوض حضاري، يساهم في ترسيخ قيم الحرية والتسامح والعدالة، وفي إطار مجتمع مدني خال من العنف والتنابذ والاحتراب.

والسؤال الآن الذي أود أن أطرحه: تُرى كيف تنبأ ماجد الغرباوي لتأويلات لم تخطر على بال أحد غيره تقريبا للعقل الفقهي ؟.. هل نحن أمام مفكر حداثي؟ .. أم مجدد؟ .. وكيف يمكن فهم موقفه من تأويل مضمرات العقل الفقهي في تراثنا العربي- الإسلامي في ظل مواقفه المتقدمة في كثير من القضايا الفقهية؟ .. وكيف يمكن قراءة كتابه الأخير "مضمرات العقل الفقهي"، من خلال توجهات الغرباوي نفسه التي نقرأها له صباحاً ومساءً من خلال صحيفة المثقف الزاهرة؟

وسأرجئ الإجابة على تلك الأسئلة لنهاية المقال، وأكتفي هنا في هذا المقال بالإجابة على السؤال الأخير؛ فأقول : لقد كتب كثير من المفكرين العرب عن أزمة العقل العربي، معتبرين أنه عقل قديم، وغير متفاعل مع العصر، ولا ينتج المعرفة، رغم استهلاكه وتعاطيه لمنتجاتها وإنجازاتها، وقد ظل العقل العربي منذ أفول الحضارة العربية الإسلامية، خاضعاً لسلطة التراث، وربما الأصح أن نقول لسلطة تراث بدون ألف ولام التعريف، فتراثنا الفكري والديني فيه المستنير، كما فيه الظلامي، المارد المتحرك وكذلك الجامد الثابت .. أخذنا من التراث كل ما يصلح لتثبيت وتمكين حالة التخلف، واستبعدنا كل ما من شأنه التأسيس لحالة نهضة .. ما الذي جعل العقل العربي سجين الماضي؟ .. غير تواق للحرية والانعتاق؟ .. بل قانم بقيوده؟ .. ومدافع شرس عن تلك القيود؟ .. ما الذي يمنع العقل العربي من التفكير والتفكر ويكتفي بالنقل والحفظ؟ .. هل الأموات يحكمون الأحياء في مجتمعاتنا؟.. لماذا ما زلنا ننتمي عقليا وفكريا ونحكم من المقابر؟.. ما السبيل لعقل عربي مفكر؟.

هذه الأسئلة وغيرها نناقشها من خلال هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وهو كتاب "مضمرات العقل الفقهي" لماجد الغرباوي، حيث يعد هذا الكتاب امتداداً للحركة العلمية المعاصرة التي يشهدها علم مقاصد الشريعة، والمقاصد هي مجموعة من الغايات الإلهية والمفاهيم الخلقية التي يقوم عليها التشريع الإسلامي، مثل مبادئ العدل، وكرامة الإنسان، والإرادة الحرة والمروءة، والعفاف، والتيسير على الناس، والتعاون الاجتماعي . فمثل هذه المفاهيم والغايات تشكل جسراً بين التشريع الإسلامي والمفاهيم السائدة اليوم عن حقوق الإنسان، والتنمية، والعدالة الاجتماعية.

وقد كانت مقاصد الشريعة تمثل الحركة التي قادها ورفع لواءها من قبل عدد من رواد الإصلاح والنهضة في عصرنا الحاضر، مثل الإمام محمد عبده،، ثم محمد الطاهر بن عاشور، وعلال الفاسي، وغيرهم من قادة الإصلاح في مشرق العالم الإسلامي ومغربه؛ إذ كانت العناية بمقاصد الشريعة من أبرز مقومات ومرتكزات دعوتهم الإصلاحية . وقد كان الأثر الأكبر في تتابع الكثير من الدراسات والأبحاث العلمية المعاصرة في علم مقاصد الشريعة، وهي التي آذنت بدخول هذا العلم حقبة جديدة، يمكن أن نطلق عليها حقبة "الإحياء والتميز" .

أما الإحياء؛ فلأنه قد مضى على علم المقاصد حين من الدهر توقفت فيه حركة العطاء والبحث؛ فبعد كتاب أبي إسحاق الشاطبي الموافقات، مرت على علم المقاصد حقبة طويلة من الزمان ساد فيها الركود والتراجع، وتعطلت عملية الاجتهاد والبحث، وقد امتدت هذه الحقبة ما يقارب ستة قرون!.. وأما التميز؛ فلأن مقاصد الشريعة قد أصبحت اليوم علماً قائماً بذاته، له مقو ماته وخصائصه الذاتية التي يستقل بها عن بقية علوم الشريعة الأخرى، كأصول الفقه، والفقه، والتفسير، والعقيدة، بعد أن كان هذا العلم منثورا في مضامين، ومفردات غيره من علوم الشريعة الأخرى.

ولعل غياب الفكر المقاصدي عن مجالات: التعليم، والتصنيف، والبحث، والتوعية، والدعوة، والاجتهاد، كان من أبرز أسباب تردي أحوال الأمة وتراجعها، ووصولها إلى ما صارت إليه اليوم، من عجز عن أن تنهض بمسؤوليتها الحضارية التي أناطها الله بها في الشهود على الناس وقيادة الأمم نحو الخير والعدل والحرية . واليوم تتابع الدراسات العلمية المقاصدية مبشرة بنهضة مقاصدية معاصرة، تشكل بمجموعها ركيزة أساسية من ركائز مشروع نهضة الأمة، واستئناف دورها، وإصلاح أحوالها، عن طريق إبراز القيم العليا التي يجدر بجميع المخلصين من أبناء الأمة العمل على تفعيلها، والجهاد في سبيل تحقيقها وإقامتها.

وتأتي هذه الدراسة التي قدمها الأستاذ ماجد الغرباوي عن " مضمرات العقل الفقهي"، حلقة في سلسلة هذه الحركة المباركة، ومواصلة للجهود الفكرية الأصيلة التي يقدمها المخلصون من أبناء الأمة؛ لإظهار ريادة الإسلام في تحقيق مصالح الإنسان، وسبقه في إرساء القيم الإنسانية التي تمثل أعظم مقاصد الشارع وأهم أهداف التشريع، حيث جاء الكتاب مكملا للكتاب السابق (الفقيه والعقل التراثي)؛ حيث يحفر داخل البنية المعرفية للفقيه وما تشتمل على مضمرات عقدية تساق كمسلمات ينحاز لها الفقيه لا شعوريا في فتواه ومواقفه.

90 majedalgharbawi 600

يقع الكتاب في 236 صفحة من الحجم الكبير، وقد زينت لوحة الفنان التشكيلي الكبير ا. د. مصدق الحبيب الجميلة غلاف الكتاب.

وقد جاء الكتاب كما يقول الغرباوي في سياق الكتاب السابق: الفقيه والعقل التراثي، لمواصلة نقد بنية العقل الفقهي ودور النسق العقدي والاتجاه الأيديولوجي للفقيه في انحياز الفتوى، والموقف السياسي، وتكريس قيم العبودية والانقياد. فثمة مضمرات خطيرة تتوارى في ظل مفهوم الاجتهاد الذي يعني منهجا علميا في استنباط الأحكام الشرعية، غير أن الكلام حول يقينياته التي يستند لها في استنباط الأحكام، فثمة نهائيات هي ليست كذلك، وهناك بداهات لا يصدق عليها عنوانها.

لذا تناول الكتاب مجموعة قضايا أخرى قاربها الكاتب ضمن الحوار المفتوح، منها: الحاجة إلى الفقيه، تداعيات تفاقم الفتوى، قداسة الفقيه، فهم النص الديني، نقد العقل الفقهي، مقدمات الاجتهاد، الفقيه ومضمرات الوعي، المسكوت عنه، الإمامة الدينية، التعارض بين العقل والنقل، العقل وملاكات الأحكام، شمول الشريعة، الفقيه واحتكار التفسير، وغير ذلك.

من هنا جاءت الأجوبة في هذه الموسوعة الحوارية (متاهات الحقيقة)، تقارع حصون الكهنوت وتحطّم أسيجة تراثية تستغرق الذاكرة، وتطرح أسئلة واستفهامات استفزازية جريئة.. بحثا عن أسباب التخلف، وشروط النهوض، ودور الدين والإنسان في الحياة. فتوغّلت عميقا في بنية الوعي ومقولات العقل الجمعي، واستدعت المهمّش والمستبعد من النصوص والروايات، وكثّفت النقد والمساءلة، وتفكيك المألوف، ورصد المتداول، واستنطقت دلالات الخطاب الديني، بعد تجاوز مسَلَّماته ويقينياته، وسعت إلى تقديم رؤية مغايرة لدور الإنسان في الحياة، في ضوء فهم مختلف للدين، وهدف الخلق. فهناك تواطؤ على هدر الحقيقة لصالح أهداف أيديولوجيات – طائفية. ومذهبية - سياسية.

ويستهل المؤلف الكتاب بالحديث عن الفقيه والفتوي، حيث رأى أنه بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم انتهى عصر التشريع واكتمل الدين، ثم غدا كتاب الله وسيرة نبيه مرجعية لمعرفة الأحكام الشرعية، تخللتها بشكل تدريجي بعض الآراء الاجتهادية، ثم يؤكد المؤلف بعد ذلك إلى أنه مع تجدد الحاجة للفتوي بناء على مرونة الشريعة وقدرتها على تلبية الحاجات الفعلية للفرد والمجتمع، بدأت مرحلة الاجتهاد، واستنباط الأحكام الشرعية؛ ففتاوى الفقهاء وجهات نظر اجتهادية، ليست ملزمة باستثناء من ألزم نفسه بها (المقلد)، وبالتالي الفقيه في نظر المؤلف لن يكون له دور واحد، ألا وهو تبليغ رسالات السماء، وبيان الأحكام للناس، وتعليمهم من الحكمة ما لا يعلمون؛ وأما في مجال التشريع في نظر المؤلف، فالواقع متجدد، ومتغير، وملاكات الأحكام واضحة بينة ومقاصد الشريعة يمكن إدراكها .

ومن هذا المنطلق وجدنا المؤلف يتوجه لاستخدام منهج الحفر الأركيولوجي عند ميشيل فوكو داخل الينية المعرفية للفقيه وما تشتمل على مضمرات عقدية تساق كمسلمات ينحاز لها الفقيه لا شعوريا في فتواه ومواقفه؛ فوجدنا المؤلف يحفر في هذا الكتاب لمناقشة قضايا كثيرة مثل : تداعيات تفاقم الفتوي (12-14)، وقداسة الفقيه (15-18)، وفهم النص الديني (19-20)، ونقد العقل الفقهي (21- 22)، ومقدمات الاجتهاد ( 23-25)، والفقيه ومضمرات الوعي (26-33)، وإفرازات البعثة (34-35)، وحديث الغدير وملابسات الصدور ( 36- 39)، وحديث الغدير (40-58)، وآية التبليغ ( 59- 68)، ومعنى المولى ( 69- 74)، ودلالات الإمامة ( 75- 94)، والدولة بين ضرورتين ( 95- 123)، والصحابة والبيعة ( 140- 157)، والمنطق القبلي للحاكم (158-167)، والإمامة ولاية الفقيه (168-179)، والعترة والرسالة ( 180-193)، ومرجعية الإمام (194-197)، والتعارض بين العقل والنقل (198-200)، والعقل وملاكات الأحكام (201-204)، وشمول الشريعة (205-209)، والخلافة والاستخلاف (210-214)، والفقيه واحتكار التفسير ( 215-219)، والمنجز البشري (220-223)، والرق ومبررات التشريع ( 224-230)، وخطابات التبرير (231-232).

ومن خلال تلك القضايا المتشبعة التي ناقشها الأستاذ الغرباوي، يمكن أن نستنبط بعض النتائج التالية :

1- إن الدين نفسه في نظر الغرباوي لا يتجمّد، لكن الذى يتجمد هو عقول فسرت النصوص القرآنية والنبوية الواضحة والمباشرة، بأيديولوجيات عقيمة تجمدت معها المنظومة العقائدية والتشريعية فى كهنوت بشرى يتخفى فى ثوب إلهى.

2-لقد كان التأويل – والتأويل النقدي تحديداً – هو منهج الأستاذ الغرباوي في هذا الكتاب، ولكنه لم يكن تأويلا خالصاً، ولكنه كان تأويلاً خاصاً اصطنعه الغرباوي لنفسه وسار به – فيما بعد- في معظم كتاباته، إنه التأويل المفتوح على المناهج الأخري، الذي يستطيع أن يستخدم أي منهج في أي موضع من أجل خدمة أغراض الغرباوي البحثية؛ وبهذا المعنى يمكننا أن نقول أن التأويل عند الغرباوي هو منهجه الأوحد، إذا فهمناه على أنه القدرة على التلاعب الحر بالمناهج.

3- لقد كشف لنا الغرباوي على أننا لا نستطيع أن نبنى بناء جديداً على بناء قديم، وبالتالي فلا بد قبل الشروع فى تكوين وبناء خطاب دينى جديد، أن نقوم أولاً بعملية تفكيك علمى للخطاب الدينى القديم الذى أوصل أمتنا إلى ما وصلت إليه من خلل فى التصورات والرؤى الحاكمة، ليس للوجود والعالم فقط، وإنما للواقع المعيش وحركة التاريخ ومنطق التقدم.

4- إن التفكيك الذى يحتاجه الخطاب الدينى في نظر الغرباوي كما ظهر لنا في هذا الكتاب، ليس تفكيكاً يتنكّر لكل «مركز» مثل التفكيك الجذرى فى مرحلة «ما بعد الحداثة»، وإنما هو تفكيك يريد العودة للمراكز الأولى للعلم والفكر والدين، وبهذه العودة سوف يتم الالتقاء مباشرة مع الدين الأول الخالص فى نقائه وخصوبته الأولى.

5- إن الغرباوي في هذا الكتاب لم يدخر وسعاً في الإسراف في القول بأن الفقيه إذا أراد أن يساير مستجدات واقعنا المعاصر، فعليه التخلص من كل التأويلات المغرضة والجهولة بطبيعة النص، والتى حوّلت القرآن عن معناه الأصلى إلى أداة سياسية أحياناً وإلى غطاء للأساطير أحياناً أخرى، وهذه التأويلات -سواء كانت مغرضة أو جهولة- فى «بعض» كتب التفسير الذائعة تجدها مستندة إلى إسرائيليات ومرويات موضوعة أو ضعيفة.

6- إن مضمرات العقل الفقهي عند الغرباوي كشف لنا بما لا يدع مجالا للشك أن أغلب الفقهاء في تعاملهم مع النص يعطون له معانى لا تعكس مقاصده، ولا تبالى بسياق آياته، ولا تفسر الكتاب بالكتاب، ولا تراعى قواعد اللغة والأساليب العلمية لفهمها واستنباط الأحكام منها. إنهم يختزلون النص فى مجموعة من آياته معزولة عن مجموع النص، ويأخذون حرفياً بالحدود والغنائم، عازلين السياق التاريخى والثقافى، ضاربين بالمقاصد العامة للنص عرض الحائط.

7- لقد كشف لنا كتاب مضمرات العقل الفقهي عند الغرباوي أنه ينطلق من مشكاة واحدة من نفس المشكاة التي انطلق من خلالها الدكتور محمد عثمان الخشت في كتابه "نحو تأسيس خطاب ديني جديد"، فكلاهما يسعيان إلى تجاوز “عصر الجمود الديني” الذي طال أكثر من اللازم في تاريخ أمتنا العربية، من أجل تأسيس عصر ديني جديد، وتكوين خطاب ديني من نوع مختلف.

8- أجمل ما في كتاب مضمرات العقل الفقهي عند الغرباوي هو الدعوة إلي العودة إلى “الإسلام النقي المنسي”، لا الإسلام الذي نعيشه اليوم بسبب الجماعات الارهابية ومجتمعات التخلف الحضاري، وبالتالي فإن المشكلة في نظر الغرباوي ليست في الإسلام، بل في عقول المسلمين وحالة الجمود الفقهي والفكري التي يعيشون فيها منذ أكثر من سبعة قرون.

9- إن أهمية محاولة الغرباوي في كتابه مضمرات العقل الفقهي؛ هو كونه يمثل نقلة نوعية في الدراسات العربية حول الدين ومقاصده، ولا تنبع أهمية هذا الكتاب من كونه يمثل فتحاً جديداً للدراسات في هذا المجال المعرفي المهم الذي تندر فيه الكتابات العربية؛ بقدر ما تتمثل في الأساس العقلاني المتين الذي اعتبره الغرباوي أساساً يمكن إقامة هذا الصرح، أعني الدين عليه.

10-إن كتاب مضمرات العقل الفقهي كشف لنا على أن الأستاذ الغرباوي هو واحد من مفكري العربية القلائل الذين تعاملوا مع التراث الفقهي بروح تجديدية متفتحة، وهو من الفلاسفة الذين لا يثيرون الجدل بكتاباتهم بقدر ما يثيرون الإعجاب ويدفعون إلى التأمل . للغرباوي شخصية أريحية متصالحة مع نفسها ومع الآخرين ومع العالم.

وحتى لا يطول بنا السرد في إبراز النتائج، إلا أنني في نهاية هذا المقال لا أملك إلا أن أعود لأجيب بنفسي وباختصار عن تلك الأسئلة التي أرجأتها في بداية هذا المقال؛ فأعود هنا فأقول : لقد كان للغرباوي مواقفه الفكرية والعقدية الواضحة التي تمثل سنداً قوياً استند إليه في تحليل مختلف الآراء والأفكار الدينية والفلسفية والسياسية التي انتهجها .. لقد أراد الأستاذ الغرباوي فلسفة بنكهة تنويرية تقوم على القضاء على الاستبداد في الحكم، والقضاء على الاستبداد في الرأي، مع الاستناد إلى مراعاة الظروف والمتغيرات التي طرأت على عصرنا والقضايا وثيقة الصلة بالعصر، والتي تعد من المستحدثات التي طرأت على الساحة الفقهية، وفي حاجة إلى ردود شافية تمنع الناس من التخبط، كل ذلك في إطار التمسك بأصول الإيمان، وهي تلك الدعوة الفقهية التي اصطدمت بما هو عليه واقع المسلمين من : ضعف الأخلاق وانتشار الرذيلة، والاختلاف، والشقاق بينهم، والتخلي عن مبادئ الإسلام الخالصة بالنظر الفكري والأخذ بأسباب العلم أياً كان مصدره النافع، كذلك اصطدمت بما عليه المسلمين من أمراض نفسية تتمثل في اليأس والجبن والتواكل وغيرها من الصفات الذميمة والمنهي عنها في الإسلام.

لقد كان الأستاذ الغرباوي في كل دراساته يحاول – موفقاً-نقدها على أسس عقلية امتدحها القرآن والسنة النبوية؛ إذ ما تزال مسألة العقل والتنظير العقلي من أهم المبادئ التي يستند إليها الإسلام في حواره مع الأديان الأخري، ونحن نستطيع بسهولة اكتشاف علاقة واضحة بين النقل والفلسفة على كافة مستوياتها العقدية منها الميتافيزيقية والسياسية.

وفي نهاية هذا المقال أقول مع الدكتور صالح الرزوق بأن الأستاذ الغرباوي هو بحق يمثل : نموذج للمفكر الموضوعي الذي لا يخرج على دائرة وعيه بأهمية الروح. فهو يحاول بكل ما أوتي من عزم أن يتحرى حقائق الذهن البشري وطرق الاستجابة للواقع، وبشرط لا يحيد عنه وهو أن يكون داخل شبكة العلاقات الإسلامية. ويمكن أن تقول إنه ليس باحثا في المعرفة وفي أصول التشريعات التي تتحكم بسلوك الإنسان، وبالمسموح له أو بنطاق الحريات الوجودية المتاحة كالحال عند عابد الجابري. ولا هو أيضا باحث لا ديني يتابع مشكلة المعرفة بالانطلاق من وظائفها أو أساليب عملها كشأن طيب تيزيني. وإنما يحمل هم العقيدة نفسها.

فتحية طيبة للأستاذ ماجد الغرباوي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

..........

1- ماجد الغرباوي: مضمرات العقل الفقهي، مؤسسة المثقف ودار أمل الجديدة، 2020.

2-الكيلاني، عبدالرحمن إبراهيم زيد: قراءة في كتاب مصالح الإنسان : مقاربة مقاصدية، تأليف عبدالنور بر، إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي - مكتب الأردن، المجلد 14، العدد 55، 2009.

3- د. صالح الرزوق: موت الحقيقة.. الإسلام والتأسلم في فكر ماجد الغرباوي.. مقال منشور بصحيفة المثقف، على الرابط أدناه .

https://www.almothaqaf.com/a/tanweer/952065

 

 

لم يكن لوثر في القرن السادس عشر في المانيا هو من فجر ما يعرف بثورة الاصلاح الديني كان هناك ما يجري تحت السطح وفوقه وان ببطء.

قبل لوثر بمائة عام ظهر جون هس في بولندا الذي اعترض على الكنيسة وانتقد امورا في العقيدة الكاثوليكية وتعرض للادانة والقتل علىيديها وتكونت بعده جماعة الهسيين نسبة اليه، كان هناك ايضاً علماء الانسانيات المتنورين الذين تأثر بعضهم بالارث الحضاري الاسلاميوكتابات ابن رشد وقد لعب هؤلاء دوراً كبيراً في نقد العقيدة الدينية والكنيسة وترجمة العهدين القديم والجديد الى اللغات المحلية بعد انكانا باللغة اللاتينية التي لا يجيدها الكثيرين.

كما ساهم انفتاح التعليم على الاشخاص العاديين بعد ان كان محصوراً برجال الدين بفتح افاق جديدة من التفكير خارج نطاق الدين الذيكان يتحكم بكل مفاصل الحياة ويغّيب اي لحظة تحاول الخروج من هذا الآسار.

كان الصراع بين الكنيسة والامراء والدوقات على الاراضي والثروات عاملاً مهماً ساهم في ايقاظ روح الثورة والتمرد لدى اولئك المغلوبينعلى امرهم والذين كانوا يدفعون الضرائب للكنيسة وللامراء والملوك .

كل ذلك ساهم في ظهور لوثر الذي كان قساً المانياً قام بتسجيل اعتراضه على صكوك الغفران وكتب رداً على العقائد الكاثوليكية المحمية منقبل كنيسة روما ومزق الحرمان الكنسي الذي صدر بحقه وخاض منازعات ونقاشات علنية مع مبعوثي البابا .

استمر لوثر بكتابة المقالات والرسائل والكتيبات وطباعتها ولقي تفاعلاً شعبياً كبيراً وساهم ظهوره في تسونامي هز فرنسا وانكلترا وسويسرا وهولندا فضلا عن بعض دول شرق اوربا التي كان بعضها يدين بما دان به جون هس سابق الذكر .

توسعت حركة لوثر كثيراً وحدثت نزاعات ولكن لوثر بدأ بشيء وانتهى بنقيضه لقد بدأ بحرية الضمير وانتهى بفرض البروتستانتية علىالكاثوليك المقيمين في مقاطعات تخضع لمذهبه وهكذا فعل كالفن الذي سيطر على جنيف وصنع مملكة بروتستانتية متطرفة ضمت اولئكالمضطهدين الدينيين الهاربين من ايطاليا وفرنسا فضلاً عن السويسريين المؤمنين بالمذهب الجديد.

يخيل الى من يقرأ ذلك التاريخ ان بني الانسان حين يثورون ضد الظلم سرعان ما يمارسون ذات الظلم ولكنه هنا سيكون مدفوعا ومشرعناًبقوة الثورة الجديدة، تلك سنة سيئة تتكرر كلما حانت فرصتها .

يقارن ول ديورانت بحذاقة بين منهجية ارازموس وهو عالم انسانيات وجه نقداً للكنيسة وتعرض على اثره الى محاكمات واستدعاءاتومضايقات ولكن البابا كان متعاطفاً معه لأن اسلوبه في النقد كان معتدلاً، يقارن الكاتب بين منهجية ارازموس هذا ومنهجية لوثر المتشددةو المتعنتة التي وجهت سباباً وشتائم مقذعة للبابا والمؤسسة الدينية التابعة له.

يبقى ان نقول ان الاصلاح الديني الذي منح السلطة الزمنية للامراء صلاحيات اعلى رتبة من السلطة الدينية دشن عصر الدولة الحديثة كمايقال وكان هذا ما اغرى بعض الامراء بدعم البروتستانتية وتبنيها كما اثرى الاصلاح الديني وعمّق نقاشات حول مفاهيم التسامح الدينيو الضمير الانساني والتعامل مع المختلف وفتح ابواباً لم يكن ليتخيلها كما كان له تأثيرات اقتصادية واجتماعية وحتى تربوية فالفردانيةتدين للاصلاح الديني وحتى الشيوعية ومذاهبها وجدت اولى نقاشاتها لدى ما يعرف بالمعمدانيين الذين ظهروا ابان فترة الاصلاح الديني وتوسعوا ولاقوا مصائر مؤسفة نتيجة عدم التسامح .

ان تجربة الاصلاح الديني تجربة مليئة بالعبر والامة الاسلامية بحاجة الى قراءتها والاعتبار بدروسها لاعادة ترتيب اوراقها واخذ مكانهابين الامم التي سارت شوطاً كبيراً في الحضارة، وما اكثر العِبر وما اقل المعتبرين.

 

اياد نجم

 

جعفر نجم نصرالبحث عن الاعتدال بين غوايات الحداثة والحنين الى السلفية!؟

ان اَي محاولة لبناء صياغة معرفية نقدية للدين إنما تتوخى توجيه سهام النقد والتمحيص والتدقيق الى المعرفة الدينية المنجزة التي بنيت على تأويل القران والسنة النبوية الكريمة.. هذا كخط اول.. .اَي ان هنالك جهود بشرية أنتجت مدوناتها الدينية أيا كانت (فقهية.. .كلامية.. .الخ) على تلك النصوص المقدسة، ومن ثم وجب توجيه المراجعة النقدية لها لكي تلائم روح العصر.. ولكن من دون اعتماد العبارات المطلقة بالتقييم فالكثير منها جهود معتبرة وقيمة.. التقييم يجب ان يكون ملتزما باللغة النسبية .. لا بالإطلاق فتحدث البلبة .. وتنهار المنظومة التي هي غطاء معرفي لجماعات مازالت تتعبد بها.. فالحذر الاخلاقي واجب وضروري.. والا الفتنة والاضطراب الفكري..

وقد يتطلب النقد الديني في كثير من الاحيان العودة الى أسباب نزول القران وجدلية المكي والمدني والناسخ والمنسوخ، فضلا عن الامر قد يتطلب مراجعة احاديث نبوية من جهة المتن او السند، ولكنها مراجعات ستظل تطال الجانب البشري كذلك، لانها تطال ما قاله المفسرون من جهة وما قاله المحدثون او الرواة من جهة اخرى..

ويظل النص القراني الكريم والحديث النبوي الشريف المثبت متنا وسندا.. سيظلان مقدسان .. ولايمكن لاحد الطعن بهما ابدا فهما في مجال قدسي مطلق .. يضاف إليهما ما صح متنا وسندا عن اهل البيت الاطهار.. وما ثبت لدى العرفاء والمتصوفة متنا وسندا وتجربة او ذوقا.. (وهذا موضوع خاص سنحاول الحديث عنه لاحقا في مكان اخر).. اما المدونات الفقهية والكلامية او غيرهما فهي تاريخية يطالها النقد والتمحيص .. ولكن يرافق ذلك التقدير للجهود الكبيرة للكثير من العلماء الذين كتبوا لوجه الله تعالى وليس نصرة لسلطة او طلبا للجاه او الثروة.. !!؟..

ولكن بين هذا وذاك تطل الحداثة وتاطيراتها النظرية ومناهجها التحليلية وأدواتها التفسيرية والتفكيكية لتفعل مفاعيلها وتقدم أساليب النقد الديني الجديد بغوايات مفرطة .. تدفع الكثيريين الى الاستعانة بها لاجل موضعة (القدسي) في المجال (البشري).. وهذا الامر فعله الكثير من الباحثين او المفكرين في العالم الاسلامي .. وبمحاولة سريعة نكشف الغوايات التي وقع في فخها هولاء.. فنصر حامد ابو زيد يقر مثلا بان القران مقدس في كتابا حول سيرته.. او في اللقاءات التلفزيونية.. واذا كان الامر هكذا فما ذا أنتجت بكل هذه الضجة.. نقد المعرفة الدينية .. نحن معك .. والكثير معك.. ولكن هي الغوايات الحداثوية/المنهجية لديه ولدى محمد اركون الذي ظل يدور في دائرة مغلقة كلها تدور في فلك اصطلاحي ومفاهيمي لا طائل منه ابدا ..

والأمر يشمل صاحب الحشو واللغو الحداثوي (علي حرب).. كل هولاء لم يدركوا.. اَن اَي منهج هو وليد فلسفة العلم.. وفلسفة العلم محكومة بالمحددات الاجتماعية والمعرفية التي تنشئ بها.. فالجدل يكون هنا.. عبر إسقاط المناهج الغربية على بيئة ونصوص مغايرة لمجتمع المنهج وبنيته المعرفية.. فلهذا يجوز ان توجه سهام النقد لمحمد اركون اوغيره.. .. واذا كان المنهج يتناول مسالة معينة.. تنتمي لحقل اجتماعي اسلامي.. فهنا يصار الى البيئة ذاتها ونصوصها من الداخل بمعاييرها الذاتية..

ونحتاج الى السفر العقلي بموضوعية تنتمي للحقل الدلالي الاسلامي نفسه..

ولكن رغم ذلك كله.. .هذه المناهج مهمة للغاية ولكن بشرط التبيئة المعرفية لها.. والا تصبح اجترار ونسخ لاطائل منه.. لانها جات من عوالم معرفية مغايرة..

ان هذه الآراء يجب ان لايفهم منها اننا ندور في فلك الحنين الى (السلفية).. الى النزعة الماضوية.. وبذلك نغدو خارج التاريخ المعاش والآني بكل تحدياته واسئلته الجديدة والثقيلة.. اننا مطالبون بان نحتفظ بجسر رابط مع الماضي ولاسيما مع النصوص المقدسة (القران والسنة النبوية) لاجل ان نكتشف بها .. او نعيد استنطاقها .. لاجل الاجابات الملهمة التي تكون كخارطة طريق او مرشد معاصر لنا في حياتنا اليومية.. واحسب ان هذه الإجابات موجودة بتلك النصوص المقدسة .. مادامت محاولات الاجابة ذاتها تدور في الفلك الاخلاقي والعقائدي .. بالضرورة.. .اما فلك (المعاملات) فيحتاج الى تقنين مستمر.. عبر أدوات معرفية من داخل النص ذاته وتنتمي الى حقله الدلالي..

فالذي اريد قوله هنا ان جوهر السلفية او الماضوية الاسلامية هو التوحيد .. فينبغي التشبث به اولا.. اما جوهر الحداثة فهو القيم الانسانية كما تقول .. وهذا الامر موجود في قيم القران ..

فلا تحديث مطلق بلا قيود او تبيئة مناهجية ومفاهيمية لما قدمه الغرب، ولا سلفية مطلقة (معاملاتية/فقهية) .. والخروج من حركة التاريخ.. الوسطية بين هذا وذاك كمنهج ثالث او طريق ثالث (العقلانية المؤمنة) مركزها التوحيد.. وكما قال الحق سبحانه (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ )(143)سورة البقرة ..

 

د. جعفر نجم نصر

 

حيدر جواد السهلانييعتقد موسى بضرورة أن تعطى كافة الحقوق للمرأة، وأن لا يقلل من قيمتها فبناء المجتمع يرتبط ارتباطاً وثيقا بتعليم المرأة، وعلى المرأة المتعلم أن تعمل خارج البيت وتؤدي خدمة اجتماعية لوطنها، ويجب عليها أن تستغل معارفها ومهاراتها في عمل اجتماعي آخر إلى جانب الزواج والأمومة، وهذا العمل الاجتماعي هو الذي يصل بينها وبين المجتمع ويكسبها العقل الاجتماعي ويربي شخصيتها ويدرب ذكاءها ويؤكد استقلالها، وعلى المرأة أن تحيا لنفسها أولاً ثم لمجتمعها وزوجها وابناءها، كما على الرجل أن يحيا حياته لنفسه أولاً ثم لمجتمعه وزوجته وابناءه، وأن حياة الرجل والمرأة يجب ألا تتخصص للزواج، ذلك لأن حياة الرجال والنساء أعلى من هذا وأرحب من أن يحتويها هذا التخصص.

يدعو موسى المرأة إلى أن تكون متعلمة وتربي ذكاءها من خلال العمل والاختلاط بالمجتمع، ولا تكون لعبة بيد الرجال، أو خادمة له، فالرجال يتهمون المرأة بأنها غير ذكية وغير شجاعة وغير سخية وغير بصيرة، وكل هذه التهم صحيحة، لأن المرأة تمضي حياتها محبوسة بين أربعة جدران في البيت، ولو قدر للرجل أن يحبس داخل البيت لكان على هذا الحال التي تتهم به المرأة، فالبقاء في المنزل وممارستها فقط الطبخ والأمومة والغسل والاعتناء بالمنزل، لا يعطي لها القدرة على الفهم، ولذلك يكون الرجل أكثر قدرة على الذكاء والانفتاح والتعامل بحكمه مع الأمور، وذلك لاحتكاكه مع المجتمع، لأن المجتمع يوسع من أفاقه، لذلك المرأة معطلة الذهن، لأنها لا تهدف إلى الاهداف الاجتماعية العظيمة التي يهدف إليها الرجل، ونتيجة ذلك أنه يدرب ذهنه فيكون ذكياً بل عبقرياً، فالذكاء والعبقرية تتربى في بالاشتباكات الاجتماعية ومصادمة المشكلات في المجتمع ومحاولة حلها، وعلى المرأة أن تزامل الرجل في العمل، بل يجب أن تبدأ الزمالة من الطفولة، ثم تزاملي الرجل في المكتب والعمل والمتجر والمصنع، فالعبقرية ليست شيئاً موهوباً مقصوراً على الرجال، إنما هي ثمرة الاهتمامات والأعمال التي تربطنا بالمجتمع، فإذا اشتبكت المرأة في المجتمع فأنها ستذكى وقد ترتفع إلى العبقرية. ويرى موسى على المرأة أن تتعلم حرفة أو صناعة، حتى لا يقودها عجزها من أن تعول نفسها والارتماء والرضا بأي زوج، وهنا لا تستطيع أن تختار زوجاً صالحاً وجدير بالأبوة، وإنما تختار عائلاً يعيلها ولربما يكون دميماً، فتنتقل الدمامة إلى أولادها، وقد يكون مغفلاً، فتنتقل الغفلة إلى أولادها.

يعتقد موسى أن الإنسان البدائي الذي كان يعتمد على الصيد، وعدم قدرة المرأة للخروج إلى الصيد، وذلك لأنها أما حامل أو مرضعة للأطفال أو ترعى الصغار، فعدم قدرتها على الصيد اصبح الرجل هو من يتكفل برزق العائلة واصبحت المرأة مطيعة للرجل وتلبي رغابته خاصة الجنسية، ومن هنا نشأت سلطة الرجل على المرأة. أما فكرة الحجاب فيعتقد موسى أن فكرة الحجاب نشأت من الحيض عند المرأة، فلما كانت تزورها العادة الشهرية وتنزف دماً ويبقى بضعة أيام، فأنها اصبحت إنساناً نجساً، ويجب على جماعة الصائدين من الرجال أن يتجنبوها قبل الصيد ببضعة أيام، بل يجب ألا يروها بتاتاً قبل الصيد ببضعة أيام حتى يخرجوا وهم غير متلبسين بشؤم الدم، ولهذا السبب كانت المرأة تخفي نفسها عن الرجال حتى لا يتشاءموا، ولا يعرف الرجال بأن المرأة عليها العادة أو لا، لذلك بدأت المرأة بعدم الظهور أمام الرجال وكان هذا أول ظهور للحجاب. وبعد عصر الصيد جاء عصر الزراعة والذي جعل المرأة زميلة للرجل في الأرض الزراعية، لكن مع ذلك لم تلغى عادة الحجاب، ثم جاء عصر الغزو، وهو كان العصر الجائر بحق النساء، لأنه زاد من احتقارها والهبوط بها إلى ما دون الإنسانية، ذلك أن القبيلة التي كانت تغزو قبيلة وتتغلب عليها، كانت تقتل الرجال ثم تسبي النساء ويبيعن في الأسواق، والرجل الذي يؤدي ثمنها يستطيع أن يفعل بها ما يشاء، وكانت الجارية المسبية تذل لسيدها وتلبي كل شهواته، مما أضطر الزوجة الحرة إلى أن تباريها في كل ذلك، فتبرجت هي أيضاً حتى لا تتفوق عليها الجارية، ومن هنا بدأت المرأة لعبة بيد الرجل.( عصر الرق لم ينتهي ألا بعد الحرب الأمريكية الأهلية عام 1860، وأن كانت بعض الدول تحررت المرأة ليس بالشكل الكامل على يد الإسلام، وعلى الرغم من تطور العلوم، لكن تبقى حقوق الإنسان راكدة أو فقط شعارات، يتناولها الساسة وغيرهم، فمثلاً إلى يومنا هذا الكثير من الدول لا تعرف سوى منطق العنف والمؤامرات الخبيثة والتسابق في صنع أحدث الأسلحة لقتل الإنسان، وكأن لم نغادر مرحلة الصيد والغزو، بالإضافة إلى أن اصحاب الرأي لا يستطيعون الكتابة والتعبير خوفاً من الاغتيال أو السجن في كثير من الدول)

يعتقد موسى أن المجتمع الانفصالي الذي مازلنا نعيش فيه إلى حد بعيد، يحرمنا السعادة ويفسد الزواج، بل يحرض على الغش في اختيار الزواج، أنه جناية حية على كل شاب وفتاة، ويشجع موسى على التعارف والتلاقي قبل الزواج وانفتاح المرأة على المجتمع، وذلك يكثر من نجاح العلاقات الزوجية، وأن عدم الاختلاط والتمسك بالحجاب، سيؤدي إلى الشذوذ الجنسي، وربما ينتهي في يوماً ما إلى حمل صاحبه إلى السجن( وهنا يقصد موسى بالحجاب وهو حرمان المرأة من الدراسة والعمل وممارسة حقوقها الإنسانية، وعم الاختلاط بالمجتمع) ويرى موسى بضرورة عمل المرأة والاحتكاك بالمجتمع، ويجب أن تواجه أخطار العمل والكوارث التي تتعرض لها اثناء خروجها من المنزل، فما دامت الكوارث لا تقتلنا فإنها تعلمنا، هي تجربة تزداد بها خبرة وحكمة، فالذكاء اجتماعي وينشأ من الاختلاط بالمجتمع والعمل، وأنه لكي تبقى المرأة على مستوى من الذكاء والمعرفة وفي توسع وتجدد، يجب أن تحيا في المجتمع وأن يكون لها نشاط اجتماعي وثقافي وتساهم في تطور الأمة وحتى تتكون شخصيتها وتنضج مثل الرجل، فالمرأة أذا أنتجت أحست بالكرامة، وإذا عطلت عن العمل، أحست بكل ما يحس به الرجل المعطل وأضرت المجتمع بكل ما يضر به الرجل المعطل، والمرأة تعطلها أسوأ من فراغ الرجل، لأنه هو يستطيع أن يشغله في نشاط اجتماعي، أما المرأة فهي تجتر خواطرها ولا يمكن أن يؤدي هذا الاجترار إلى سوء في الصحة، فالمرأة عندما تعمل تجد الكرامة وتجد الاستقلال وتجد الأمل والثقة، فهي لا تقلق على مستقبلها ولا تخشى أن يفوتها زواج، وهي تعرف أن كرامتها وعيشها وسعادتها لا تتوقف على محاسنها الجسدية فقط، إذ لها محاسن أخرى هي ذكاؤها ومهاراتها التي تنمو بالعمل، هذا العمل الذي يربيها وينضجها ويجعلها تكبر وتحيا الحياة.

الزوج ليس رئيساً لزوجته، وإنما هو زميل لها يتعاون معها، إنسان مع إنسان، رجل مع امرأة، كلاهما على مستوى واحد، ليس أحدهما رئيساً والآخر مرؤوساً، وإنما هما زميلان، ومعنا الرياسة التي موجودة في الوطن العربي، والذي يتمتع بها الزوج، يجب أن تلغى، إذ يجب أن تكون العائلة ديمقراطية يتساوى فيها الزوج بزوجته، فلا رئيس ولا مرؤوس، هو يأمر وهي تطيع، ولابد من مكافحة فكرة السيادة للرجل على المرأة ومحوها وأقام بدلها فكرة المساواة والزمالة، إذ زمالة المرأة للرجل قوة كبيرة، إذ هي تتربى بهذه الزمالة، وتعرف الدنيا الواسعة التي كانت إلى وقت قريب محرمة عليها، أي تعرف الانتاج والكتب وتتخذ أخلاق الرجال في الجد والعمل والدرس والطموح، بل أن الرجل يتربى أيضاً بهذه الزمالة، فلا يؤمن بأنه رئيس زوجته، لأنه حين يتعود الزمالة في المدرسة ثم في المصنع أو المكتب، ينقل هذا الاحساس إلى البيت، فيتعود الزمالة مع الزوجة، والزواج على أساس الزمالة والمساواة يقوم الحب من الزوجة مقام الاحترام لزوجها، والحب أبر وادعم للعائلة من الاحترام، الزوجة التي تحب زوجها خير من الزوجة التي تحترمه، ولن يسود الحب في البيت ألا إذا كانت الزمالة تأخذ مكان الرياسة. ويقر موسى بأن العرب لديهم الإرادة في تحرير المرأة واعطائها كل الحقوق، ومن الخطأ الضن بأن الاستعمار لم يكن يتدخل في شؤون المرأة العربية، فأننا نعرف أن مدة الاحتلال الإنجليزي أقفلت مدارس البنات عقب استيلائهم على الدولة، وأقفلوا جميع المدارس سوى مدرسة واحدة للبنات وللمرحلة الابتدائية ومديرة المدرسة إنجليزية.(1)

تعقيب:

سلامة موسى (1887 - 1958) مفكر مصري ويعد رائد الاشتراكية ومن المروجين لأفكارهم، إذ يرى في الاشتراكية هي السبيل لتحقيق العدالة الاجتماعية، وقد كان موسى يعتقد بالفكر ويعده هو الضامن للتقدم والرخاء، وقد آمن موسى بأن تحقيق النهضة في مجتمعه يستوجب التمثل في الغرب.( يعد موسى من اصحاب الاتجاه القطعي مع التراث، فيعتقد أن علينا أن نأخذ بالمنتج الغربي كما هو، وفي الحقيقة أن هذا الاتجاه كان هو الغالب قبل نكسة حزيران، إذ بعد نكسة حزيران تغير الكثير من مواقفهم تجاه الحضارة الغربية ولعل من أبرزهم زكي نجيب محمود، وقد ظهر بقوة الاتجاه التوفيقي والذي يرى علينا أن نأخذ من التراث ما يلائم واقعنا، أن مشكلة الأصالة والمعاصرة هي من أهم المشكلات وأكثرها التي كتب عنها المفكرين، إذ طرح السؤال التالي هل أن تحقيقي النهضة يلزم القطيعة مع التراث أو الرجوع إلى التراث، فظهرت ثلاثة اتجاهات وهو الاتجاه القطعي والتوفيقي والسلفي، وعلينا أن نأخذ بالتجربة اليابانية، إذ أن الحضارة اليابانية أخذت بالمنتج المادي الغربي وتحقيق النهضة الصناعية وتعليم الشباب الحضارة الساموراي وذلك من خلال التربية والتعليم، وبذلك علينا أن نتخذ من التجربة اليابانية نموذج يحتذى به، إذ اليوم دخلت العولمة والمنتج الغربي من خلال وسائل التواصل الاجتماعية أو سهولة السفر، وبذلك على الدولة اعطاء أولوية كبيرة للشباب من خلال تعليمهم أو عملهم وتعليمهم الاحساس بالمسؤولية تجاه الوطن والتراث) وقد تعرض موسى لكثير من النقد سواء من المفكرين أو السياسيين فمثلاً يصفه العقاد بأنه الكاتب الذي يكتب ليحقد ويدين بالمذاهب ليربح منها، ويقول العقاد أن سلامة موسى أثبت شيئاً هاماً، هو أنه غير عربي، كما قال عنه إن العلماء يحسبونه على الأدباء والأدباء يحسبونه على العلماء، لهذا فهو المنبت الذي لا علماً قطع ولا أدباً. وبذلك أن سلامة موسى يعتبر أحد القلائل الذين أثاروا الجدل الفكري على مدى القرن العشرين بسبب جرأة أفكاره وثباته الفكري الطويل لغرس قيم الوعي بالنهضة عبر الكتابة والدعوة المستمرة لعدة عقود. من مؤلفات موسى: مقدمة السوبرمان 1910، الاشتراكية 1913، أشهر الخطب ومشاهير الخطباء 1924، الحب في التاريخ 1925، احلام الفلاسفة 1926، الحرية وابطالها في التاريخ 1927، اسرار النفس 1927، العقل الباطن 1928، نظرية التطور واصل الإنسان 1928، اليوم والغد 1929، السيكولوجية في حياتنا العادية 1934، غاندي والحركة الهندية 1934، ماهي النهضة 1935، الشخصية الناجعة 1943، حياتنا بعد الخمسين 1944، البلاغة العصرية واللغة العربية 1945، التثقيف الذاتي 1946، تربية سلامة موسى 1947، عقلي وعقلك 1947، فن الحب والحياة 1947، مصر اصل الحضارة 1947، محاولات 1953، هؤلاء علموني 1953، كتابات الثورات 1954، الأدب والشعر 1956، الأدب والحياة 1956، دراسات سيكولوجية 1956، المرأة ليست لعبة الرجل 1956، احاديث إلى الشباب 1957، برنارد شو 1957، مشاعل الطريق للشباب 1957، حرية العقل في مصر، الدنيا بعد ثلاثين عاماً.

ينتمي كتاب "المرأة ليست لعبة الرجل" في الأدبيات الفكرية إلى التيار النسوي، وهو تيار تحركه دوافع متعلقة بقضايا المرأة، حيث أن هدف التيار هو القضاء على اشكال القهر المجتمعي المتصل بالنوع الجنسي، ليسمح لجميع النساء بالنمو والمشاركة في المجتمع بأمان وحرية. ويأتي كتاب موسى من ضمن الكتب التي تحاول أن تغير نظرة الرجل إلى المرأة واعطاؤها كافة الحقوق، أن كتاب موسى صدر عام 1956، وفي هذا الوقت بالفعل كانت المرأة أشبه ما تكون مهمشة ولها دور بسيط في الحياة الاجتماعية والسياسية، وكتابه هنا يخص المرأة المصرية، وهو كان بالفعل حال أغلب نساء الوطن العربي، ولربما نساء مصر كان أفضل حال مع بقية البلدان، وذلك بفعل أن النهضة العربية الفكرية، أول ما بدأت في مصر وارسالهم البعثات واحتكاكهم في الغرب، لكن مع ذلك هي لم تأخذ حقوقها، لكن في وقتنا الحاضر نعتقد أن سلامة موسى لو رأى ما حصلت عليه المرأة من حقوق، لربما لا يصور مظلومية المرأة بهذه الطريقة، فاليوم المرأة العربية تستطيع أن تكمل دراستها وأن تعمل و تختار الزوج المناسب لها، لكن مع ذلك إلى يومنا هذا لم تأخذ المرأة حقوقها الكاملة فمثلاً عندنا في الوطن العربي لم أشاهد امرأة استلمت منصب سيادي في أي دولة من دولنا العربية.

يتطرق موسى ويدعو إلى اعطاء المرأة كافة الحقوق ولابد من تعليمها والاختلاط المباشر بالمجتمع من خلال العمل، فهذا يزيد من توسع عقلها وذكاؤها، ويعتقد موسى بأن حجم المرأة أكبر من البيت ويدعوها للعمل. (لا اعرف لماذا هذا الاستصغار من قبل المفكرين للمرأة التي تهتم بتربية الأولاد وشؤون البيت، ولا اعرف لماذا يعتقد البعض مثل موسى أن المرأة إذ اخذت حقوقها عليها بالعمل، وهل عمل البيت هو عمل قليل، هذا العمل يفوق عمل الرجل بكثير، أنا اعتقد بعمل المرأة في كافة المجالات وبضرورة تعليم النساء، لكن ليس معناه التقليل من شأن البيت. أما دعوة موسى لتعليم الفتيات الرقص، والرقص يجعلها أكثر اتزاناً، فلا نعتقد كما يعتقد موسى أن المرأة عليها التعلم والعمل ولكن ليس من دواعي الاتزان الرقص، إذ الرقص وإن كان معتدل فهو يفتك بالعادات الإسلامية وأيضاً يثير الشهوة، أما دعوته للاختلاط، لأن عدم الاختلاط يؤدي إلى الشذوذ، أن الشذوذ لا يأتي من عدم الاختلاط بل هو حالة مرضية عند البعض، ويخيل لنا موسى في كتابه أن الرجل عندما لا يرى المرأة يبدأ لديه شذوذ، ويبدأ يتأمل الشاب وذلك لفقدانه الاختلاط بالمرأة، وهل الشاب الذي في المدينة أو القرية لم يرى المرأة لماذا يضن موسى أن الاختلاط هو فقط في المدرسة والعمل، المجتمعات العربية مجتمعات عشائرية والشاب يعرف الالف النساء من اقاربه ومن تعمل معه في المزرعة، وكثير من قصص الحب نسمع بها أغلبها تأتي من القرى، أن رؤية موسى حول المرأة والذي نتفق معه في كثير من المواقف، يريد أن يغير المرأة وتصبح كالمرأة الاوروبية، وهذا غير ممكن نحن نعيش على أرض تحمل تاريخ، من دين وتقاليد والخ...، لا يمكن أن تكون المرأة العربية كالمرأة الاوروبية ونعني هنا بالتقاليد، أما بالنسبة بالذكاء لدينا عالمات جليلات. لكن موسى مع كونه ناقماً على الظلم الواقع على المرأة، لكنه في كتاب مقالات ممنوعة وكتابه الصحافة حرفة ورسالة: يرى أن المرأة بدأت بالارتقاء من الأسلوب الشرقي إلى الأسلوب الغربي وهذا الارتقاء قد اتبع تغيرات عديدة في العلاقات الاجتماعية فأصبحت كلمة حب من الكلمات التي لا يخجل منها الشاب والفتاة، وأيضاً بدأ انتشار المدارس وظهور الكثير من المتعلمات والعاملات.(2)

 

حيدر جواد السهلاني

.................

الهوامش:

1 - ينظر سلامة موسى: المرأة ليست لعبة الرجل، دار هنداوي، القاهرة، ص(8 - 9 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 20 - 21 - 23 - 24 - 25 - 30 - 43 - 44 - 46 - 47 - 50 - 51 - 65 - 95 - 96 - 97)

2 - ينظر سلامة موسى: مقالات ممنوعة، دار هنداوي، القاهرة، ص109. وأيضاً ينظر سلامة موسى: الصحافة حرفة ورسالة، مطبعة التقدم، القاهرة، ص97.

 

باسم الحسناويليس التجديد سهلاً في الحوزة، حتى وإن كان سهلاً بعض الشيء في الأوساط العلمية والفكرية الأخرى، فنحن نقرأ في كتب الأدب -على سبيل المثال- أنَّ أديباً ما، أو أنَّ جماعةً أدبيةً ما، عانت الكثير من أجل أن ترسي قواعد مذهبٍ جديدٍ في كتابة الشعر أو في كتابة القصَّة والرواية.. إلخ، وقل الشيء ذاته عمَّن يختطُّ لنفسه منهجاً جديداً لمقاربة الموضوعات الفلسفية أو التأريخية أو الإجتماعية، قد دخلوا في صراعاتٍ فكريةٍ عديدةٍ قبل أن تصبح طريقتهم مبررةً من وجهة نظر الفنّ الذي يكتبون فيه، فللقارئ إذن أن يتخيَّل حجم المعاناة بالنسبة إلى الفقيه الأصوليِّ عندما يريد أن ينهض بمهمَّة التجديد في الحوزة، وهي التي أضفت عبر مراحل تأريخها على العديد من سلوكياتها وطرائق تدريسها ومناهجها قداساتٍ مزعومةً لا تختلف في نظر الجماهير عن القداسات الحقيقية الأخرى التي تعتبر جزءاً لا يتجزَّأ من جوهر الشريعة والدين.

ما كان يدهشني في السيِّد محمَّد حسين فضل الله قُدِّس سرُّه أنه كان يخوض مغامراته التجديدية بالكثير من الهدوء والطمأنينة، فهو هادئٌ ومطمئنٌّ على طول الخطّ، حتى لا يكاد المرء يلمح شيئاً من التشنُّج في ردوده على تشكيكات خصومه ومناوئيه، فحتى حين لا يكون الرأي المضادُّ بريئاً من الدوافع الشخصية للخصوم، فإنه كان يجرِّد الرأي من تلك الآثار السلبية لشخصنة الآراء، وينهض بها إلى مستواها التجريديِّ والموضوعيّ، بغضِّ النظر عن مصدر الرأي وقائله، ثمَّ يمنح ذلك الرأي في الأثناء كلَّ ما يتمتَّع به الرأي الحرُّ من الحقِّ في حواره ومساجلته على قاعدة الدليل والبرهان، وتلك واحدةٌ من أجمل صفات السيِّد محمَّد حسين فضل الله في الحقيقة، وهي صفةٌ لا تتوفَّر في الكثير من دعاة الفكر الحرِّ أنفسهم، ناهيك عمَّن درجوا على تقديس ما لا قداسة له عبر التأريخ بدوافع دينيةٍ وعقديةٍ مختلقةٍ أو مزعومة.

  من المعلوم أنَّ السيِّد محمَّد حسين فضل الله كان قريناً للسيِّد محمد باقر الصدر وأحد كتاب مجلَّة (الأضواء) الشهيرة، جنباً إلى جنبٍ مع مجموعةٍ من الكتاب الإستثنائيين في مقدِّمتهم السيِّد الشهيد محمَّد الصدر قدِّس سرُّه، ولقد سمعت من مصادر أثق بها أنَّ السيِّد محمَّد حسين فضل الله كان يكتب العديد من المقالات الرصينة بأسماء مستعارةٍ، لكي تحافظ المجلَّة على منهجها الرصين في تجديد الفكر الدينيّ آنذاك.

الآن أريد أن أسأل: لماذا لم تشأ بعض المرجعيات أن يكون للسيِّد محمد حسين فضل هذه المكانة الكبيرة في العالم الإسلاميّ، وليس مقنعاً القول إنَّ أحداً لم يكن يفعل ذلك، فإنَّ ذلك خلاف الحقيقة كما يعلم المتابعون للشأن الثقافيِّ والمرجعيّ، كما اننا لا نقصد على الإطلاق أن نثير من القضايا ما يكون سبباً في ضعضعة الصفّ، بل كلُّ ما نرمي إليه هو أن نضع حداً للممارسات التي من شأنها أن تكبح عجلة التطوُّر الفكريِّ والفلسفيِّ والثقافيِّ في أوساطنا الإسلامية والحوزوية مستقبلاً، هذا كلُّ ما نرمي إليه، لا سيما وأنَّ السيِّد محمد حسين فضل الله أصبح في ذمَّة الخلود الآن، فليس من أثرٍ سلبيٍّ إذن في الحديث عن هذا الموضوع بالذات.

أعتقد أنَّ مواقف السيِّد فضل الله وخياراته السياسية مستنداً فيها إلى استدلالاته وبراهينه من الكتاب والسنة وأحاديث آل البيت عليهم السلام هي السبب وراء ذلك.

هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإنَّ للسيد فضل الله فضاءه الإجتماعيَّ الخاصَّ داخل لبنان، ومن الطبيعيِّ أن يكون رأيه الإجتهاديّ بخصوص العديد من القضايا التي تخصُّ فقه الفرد والمجتمع وفقه السياسة وغير ذلك مختلفاً عن الآراء الإجتهادية لغيره من الفقهاء، وهذا ما جعل العديد من الفقهاء الذين يعيشون في ظلِّ ظروفٍ وملابساتٍ اجتماعيةٍ مختلفةٍ عن ظروفه هو، يشنِّعون عليه وينظرون إلى فتاواه تلك بعين الإستغراب، ولم يقفوا عند هذا الحدّ، فصاروا يحكمون عليه بأنه يأتي بالغريب من الفتاوى التي يخالف فيها جمهور الفقهاء.

لو أنهم أنصفوا فضل الله لصارحوا الجماهير الدينية بأنَّ هناك فضاءً في الشريعة يسمح له باستنباط تلك الأحكام الفقهية التي استغربت منها بعض الأوساط، لكنهم تركوا أنصاف العلماء يشنِّعون عليه وينقدونه ويطعنون في نزاهته من دون أن يحرِّكوا ساكناً مع الأسف.

عندما أفتى السيِّد محمد الصدر بعدم مفطِّرية الدخان، استغلَّ أنصاف العلماء عدم معرفة الجماهير الدينية بالمستند التشريعيِّ والفقهيّ لهذه الفتوى، فصاروا يشنِّعون على السيِّد الشهيد في حينها، ولم يصارحوا الجماهير الدينية بأنَّ السيِّد محمد الصدر ليس منفرداً بهذه الفتوى، بل يشاركه فيها العديد من الفقهاء حتى وإن لم يفتوا بذلك في رسائلهم العملية للناس.

ومن جهةٍ ثالثةٍ، فإنَّ أعداداً كبيرةً من مقلِّدي سماحة السيِّد فضل الله، كانوا من الوسط النخبويِّ والثقافيِّ المنتشر في العالم العربيِّ وأوربا، ولم تكن مثل هذه الحال لتسرَّ بعض الفقهاء، ولذلك فإنهم حاولوا أن يحطوا من شأنه، وأن يطعنوا في ملكة اجتهاده، ولم يصيبوا نجاحاً في تقديري على الإطلاق، بل كانت مساحة تقليد السيِّد في اتِّساعٍ مستمرٍّ، وحتى  من لم يقلِّده فإنه كان يعتبره في طليعة علماء الدين التقدُّميين في هذا الزمان.

إنَّ السيِّد محمَّد حسين فضل الله مجتهدٌ، بل إنه مجتهدٌ واسع الأفق والنظرة، وبالتالي فإنَّ له الحقَّ أن يشتغل على الموضوعات الفقهية بآلته الإجتهادية كما يراها هو بوصفه مجتهداً، ولا يمكن أن يلغي سلطة الحجة العلمية والدليل كما يظهران لديه من أجل مراعاة ما درج عليه الفقهاء الآخرون في مجال إصدار الفتوى أو اتخاذ الموقف العلميِّ أو التأريخيِّ بخصوص عددٍ كبيرٍ من القضايا التي يكون له فيها رأيٌ اجتهاديٌّ خاصّ، وأنا أسال:من هو المجتهد، هل هو الذي لا يصدر الفتوى إلا على أساس ما يمكن أن يتقبَّله منه المجتمع الدينيّ، أم هو الذي يعلن ما توصَّل إليه رأيه الإجتهاديُّ مهما كانت النتائج، يقول محمَّد حسين فضل الله:"أنا لا أنظر إلى مسألة أن يقبل المجتمع الفتوى أو لا يقبلها، المسألة المنفتحة على الخطوط الإجتهادية العلمية لا بدَّ من أن تدرس موضوعياً في العناصر التي يمكن الإنسان أن يكتشف فيها ما يراه حقيقةً، لذلك ليست لديَّ أيَّة مشكلةٍ في الفتوى حتى تلك التي قد تكون مخالفةً للمشهور من الفقهاء. أنا كنت أوَّل فقيهٍ أفتى بطهارة كلِّ إنسانٍ، بينما كان الرأي الفقهيُّ عند الكثير من علماء الشيعة هو الحكم بنجاسة الكفار، وقد حصل هناك بعض التطوّر، فأصبح البعض يُفتي بطهارة أهل الكتاب، لكن بنجاسة الباقين من الملحدين... أما رأيي الإجتهاديّ منذ عدَّة سنين فهو أنه لا دليل عندنا على نجاسة الإنسان جسدياً، لذلك أفتيت بطهارة كلِّ الناس. نعم هناك نجاسةٌ في الفكر، قد توجد في المسألة السياسية، الإجتماعية، وقد توجد في المسألة الدينية. بعضهم يقول: الله يقول (إنما المشركون نجسٌ)، نحن قلنا إنَّ النجاسة هنا هي النجاسة المعنوية، باعتبار أنَّ الشرك يمثِّل قذارةً فكريةً لا يحترم فيها الإنسان عقله".

الرجل لديه دليله الإجتهاديّ من الكتاب والسنة، وهم يلجأون في محاربته إلى تأليب رأي الناس عليه، مستغلين الوجدان الشعبيَّ الذي تربّى على الإعتقاد بالنجاسة المادِّية للكفّار، وهكذا سوف يصبح محمَّد حسين فضل الله في نظر الجماهير الدينية منحرفاً.

هذا من جهة خصوم السيِّد محمد حسين فضل الله، أما من جهة محبيه ومريديه، فإنَّ هناك وهماً كبيراً مرتكزاً في أذهانهم، إنَّ عدداً مهمّاً منهم يعتقدون أنَّ السيِّد محمد حسين فضل الله كان يصدر تلك الفتاوى من واقع الشعور بضرورة تسهيل الأحكام الفقهية عليهم، وهذا ليس صحيحاً، فالرجل مجتهدٌ، ولا يمكن أن يخضع إلا للحجَّة والدليل، يقول فضل الله: "أنا لا أنطلق في الفتوى من عقدة تسهيل أمور الناس، بل من خلال العناصر الإجتهادية التي تجعلني أقتنع بالنتائج في هذا المجال".

كذلك يجد المغرضون ضالَّتهم في التهكُّم على مختلف الفتاوى التي أصدرها السيِّد لمعالجة القضايا الجنسية وغيرها من شؤون المرأة، وينسون أنَّ لبعضهم فتاوى مضحكةً حقاً ليس ها هنا مجال التعرُّض لها، لكنهم لا يوافقون على أن يراجع السيِّد مختلف الفتاوى المشهورة بناءً على استعمال آلته الإجتهادية، إذ هذا بالضبط هو دور المجتهد، وإلا كان المجتهد مقلِّداً بطبيعة الحال، وقد أوضح السيِّد رأيه في هذا الموضوع وكان على حقٍّ فقال: "أما بالنسبة إلى النساء، فأنا أرى أنَّ الكثير من النظرات في فتاوى النساء تنطلق من خلال التقاليد، لا من خلال الحقيقة القرآنية، لذلك أفتيت قبل مدَّةٍ فتوى أثارت الكثير في العالم الإسلاميّ، وهي حقُّ الدفاع عن النفس بما أنه حقٌّ لكلِّ إنسان، فللمرأة الحقّ، إذا أراد زوجها أو أخوها أن يضربها، أن تدافع عن نفسها، وقد طلبت من النساء أن يتدرَّبن على الأخذ ببعض أسباب القوَّة التي تتيح لهنَّ الدفاع عن أنفسهنّ سواءٌ في هذا الجانب أو في الإعتداءات التي قد يتعرَّضن لها كالإغتصاب وما أشبه ذلك. طبعاً نحن نعتقد أنَّ الحياة الزوجية قائمةٌ على المودَّة والرحمة، لكن قد تصل المسألة أحياناً لدى الزوج لأن يضطهد زوجته، فمن حقِّها أن تدافع عن نفسها كما للرجل الحقّ في أن يدافع عن نفسه فيما إذا كانت زوجته أخت الرجال".

من الطبيعيّ أن لا تعجب هذه الفتوى المجتمعات الذكورية، فهذه المجتمعات تعتقد بتفوُّق الرجل على المرأة من الناحيتين التكوينية والتشريعية معاً، ولا ينتبهون إلى أنَّ عشرات النصوص القرآنية تقف ضدَّ هذا الإعتقاد الزائف، فلا علاقة لاعتقادهم بمتبنيات العقيدة في الواقع بقدر ما تكون علاقته بالموروث القبائليِّ البدويِّ أكيدةً وراسخةً، وقد واجه السيِّد الشهيد محمَّد الصدر قدِّس سرُّه الكثير من المعاناة في إعادة النظر بالعديد من التقاليد العشائرية في المجتمع العراقيّ، حتى تمكَّن أخيراً من فرض مقولات الشريعة على مقولات القبيلة، وهي ذاتها المشكلة التي واجهها السيِّد محمَّد حسين فضل الله في الدائرة الخاصَّة بفقه المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية، يقول فضل الله: "لم يسلِّط الله الرجل على المرأة إلا في دائرة ما يقتضيه عقد الزواج. الزواج عندنا ليس سرّاً خفياً، بل هو تعاقدٌ بين الرجل والمرأة. ليس للرجل أيَّة سلطةٍ على زوجته، ولو بنسبة واحدٍ في المئة، إلا بما التزمت به المرأة في الجانب الجنسيّ باعتبار أنَّ الزواج يقوم عليه، لذلك ليس لها أن تمنعه من نفسها إذا كانت له حاجةٌ في ذلك، ولم تكن لديها موانع شرعيةٌ أو صحيةٌ أو نفسيةٌ فوق العادة، ومن حقِّها على الرجل أن يستجيب لحاجاتها الجنسية. غير ذلك، لم يسلِّط الله الرجل على المرأة مثلاً في إجبارها على القيام بشؤون البيت إلا إذا اشترط عليها ذلك ضمن العقد، وإلا فللمرأة أن تحسب نفسها عاملةً في البيت وتأخذ أجراً على عملها، لكنَّ الله أحبَّ لها أن تكون علاقتها بزوجها وأسرتها علاقة المودَّة والرحمة".

أليس هذا هو حكم الإسلام، فلماذا يعتبرون السيِّد فضل الله مارقاً من الدين لأنه يصدمهم بضرورة العودة إليه، والتخلِّي عن الموروثات البدوية التي اعتادوا عليها كثيراً حتى حسبوها جزءاً لا يتجزَّأ من الدين؟

طبعاً هم يحتجون بأنَّ الرجال قوامون على النساء، هكذا يحتجون بطريقةٍ فجةٍ لا تعتمد التحليل والإستدلال، لكنَّ فضل الله يوضح أنَّ "القوامة لا تعني السيادة، بل الإدارة، بمعنى أنَّ الرجل في الإسلام هو المسؤول عن الإنفاق على زوجته، ولو كانت غنية. كذلك، إنَّ الرجل هو الذي يستطيع أن يدير الأمور باعتبار الظروف الخاصة للمرأة لجهة الدورة، الحمل، الحضانة، لا فرق بين الرجل والمرأة في الإسلام. اقرئي سورة الأحزاب، وسورة النمل التي تحدث فيها عن ملكة سبأ وأنها أعقل من الرجال، امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران. أختصر، القوامة ليست السيادة بل الإدارة، لأنَّ الرجل هو مسؤولٌ عن ميزانية البيت، وهو الذي يملك حرية جسدية في قضية العمل".

طبعاً، لا يعجبهم مثل هذا البيان، لا لأنهم حريصون على أن يطبِّقوا حرفياً تعاليم القرآن، كلا، ولكن لأنهم حريصون على أن يبقى المجتمع محافظاً على تراتبياته الهرمية الظالمة في العائلة وفي المجتمع وفي الحكومة وفي كلِّ شيءٍ، إنهم حريصون على تزييف تعاليم الإسلام لا أقلّ ولا أكثر.

حتى تلك الإشكاليات الكبيرة التي تثار في وجه الإسلام بخصوص بعض التشريعات التي باتت تثير حساسية الإنسان المعاصر، فإنَّ خصوم السيِّد فضل الله عاجزون عن تقديم إجاباتٍ مقنعةٍ للضمير الإنسانيِّ المعاصر، فغالباً ما يثار هذا الإشكال: لماذا لا يوافق الإسلام على زواج المسلمة من اليهوديِّ أو المسيحيّ، في حين يوافق على زواج المسيحية أو اليهودية من المسلم، فيقدِّم الفقهاء التقليديون إجاباتٍ مضحكةً أو غير مقنعةٍ في هذا المجال، لكنَّ السيِّد فضل الله يقدِّم جواباً عبقرياً مقنعاً حقاً إذ يقول: "إنَّ الإسلام يعترف بالمسيحية واليهودية، والعكس غير صحيحٍ، لذلك فإنَّ الرجل المسلم، عندما يتزوَّج مسيحيةً أو يهوديةً، فهو لن يجرؤ على الإساءة إلى مقدَّساتها من خلال دينه، لا من خلال الجانب الإنسانيِّ فقط، فيما غير المسلم قد لا يحترم كلَّ مقدَّسات المسلمين، فلا يحترم مقدَّسات زوجته".

إنَّ هذه الإجابة تقع في الصميم من المنهجية التي يعتمدها السيِّد فضل الله في مقارباته الإجتهادية لمختلف القضايا، إنه لا يقدِّم إجاباتٍ جاهزةً، بل يعيد النظر مراتٍ ومراتٍ من خلال أخذ حساسية العصر في نظر الإعتبار فيكتشف كثيراً من المعاني الجديدة من خلال هذا التأمُّل المنهجيِّ الجديد في القرآن والسنة، بينما يعجز الآخرون عن تقديم مثل هذه الإجابات الشافية التي تنسجم مع الحساسية العامَّة لثقافة الإنسان في الزمن المعاصر.

إنَّ السيد محمد حسين فضل الله جرئٌ في كلِّ مناحي التفكير التي يخوض فيها، حتى تلك التي تخصُّ نقد رجال الدين،  انطلاقاً من قناعته بأنَّ النقد حالةٌ إيجابيةٌ يجب أن تصبح شائعةً، لكن من موقع الحبِّ والرغبة بالإصلاح، وليس من موقع الحقد أو من موقع الرغبة بالحطِّ من شأن رجال الدين، ولا يجب أن ننظر إلى من يقوم بمهمَّة النقد بوصفه خصماً كما أكَّد سماحة السيِّد محمَّد حسين فضل الله قدِّس سرُّه على هذا المعنى مراراً في عددٍ كبيرٍ من المناسبات.

يقول بهذا الصدد:"رجل الدين هو الذي يملك ثقافةً دينيةً واسعةً، والتزاماً دينياً، ودوره ينطلق مما قاله الله للنبيّ: (ولذلك فادعُ واستقم كما أُمرت). ليس كلُّ ما يفعله رجال الدين يمثِّل الدين، علينا أن ننقد رجال الدين، حتى في أعلى الدرجات، كما ننقد رجال السياسة والإجتماع، ليس هناك معصومٌ عندنا في هذه الحياة. رجل الدين يفكِّر وقد يخطئ أو يصيب، وعلينا أن ننبهه إلى خطئه، ولا نعدَّ أخطاءه  حجَّةً على الدين. لا مقدَّس إلا الله ورسوله وأولياؤه الذين فرض قداستهم".

 

د. باسم الحسناوي

 

 

باسم الحسناويما الذي فعله السيِّد جمال الدين الأفغانيّ ليستحقَّ من النخب الثقافية في العالمين العربيّ والإسلاميّ كلَّ هذا التقدير والإجلال؟!.

هل ترك الرجل مؤلَّفاتٍ عظيمةً نستطيع أن نقيِّم فكره من خلال الرجوع إليها، أم أنَّ طلابه نقلوا إلينا أنه كان يحمل فكراً ضخماً فقط، وأنه لم يجد الظروف المواتية للكتابة والتأليف، فقاموا هم بنقل أفكاره، حتى أنَّ الشيخ محمَّد عبده كان يقول عن جميع ما كتبه في العروة الوثقى أنَّ اللفظ له، وأنَّ المعنى للسيِّد جمال الدين الأفغانيّ.

 وهكذا قل عن صاحب تفسير المنار الشيء نفسه، إذ أخبرنا بأنه ينقل الكثير من آراء السيِّد جمال الدين الأفغانيّ في هذا التفسير.

إنَّ السيِّد جمال الدين الأفغانيّ من ذلك النمط الذي يعطي زخماً للعصر في أن ينزع جلداً ليلبس مكانه جلداً آخر، وليختطَّ له مساراتٍ أخرى غير المسارات السابقة التي هي إمّا أنها أدَّت دورها في السابق، وأصبحت فاقدةً للفاعلية في مجال الوصول إلى الغاية في المراحل التأريخية التي تلت ذلك، وإما أنها كانت تمثِّل مسالك خاطئةً أصلاً، فلم تؤدِّ إلى أيَّة غايةٍ محمودةٍ على الإطلاق.

ولهذا فإنَّك لن تستطيع أن توجِّه اللوم إلى أجيالٍ تعاقبت من المبدعين والمفكِّرين الذين يشيرون إلى السيِّد جمال الدين بوصفه نقطة الإنطلاق المهمَّة في رسم الإتجاه الجديد للتفكير حول المشكل الحضاريِّ كلِّه داخل الأمة الإسلامية، من دون فرقٍ بين العلمانيين والإسلاميين، فإنهم جميعاً يؤكِّدون على أهمِّيَّته الإستثنائية في هذا المجال.

إنَّ حركة النهضة العربية والإسلامية في كثيرٍ من مجالاتها التنويرية لا يمكن أن تغفل ذكر السيِّد جمال الدين الأفغانيّ بهذه الصفة، كما انها تفعل صواباً إذ تضيف الحسنات التي تصيبها في المسيرة التي أعقبت وفاته إليه، بينما تتحمَّل وحدها وزر الإخفاقات التي تتورَّط فيها، لأنها لم تستطع أن تسير في الطريق الصحيح الذي حدَّد معالمه المهمَّة ذلك المصلح الإسلاميّ الكبير.

الشيء المهمُّ في هذا السياق أن نجري مقارنةً بين الشخصيتين، بين شخصية السيِّد جمال الدين الأفغانيّ والسيِّد محمد حسين فضل الله، لنرى هل إنَّ دور الثاني يقلُّ عن دور الأوَّل، أم انه يتفوَّق عليه في الكثير من المفاصل الرئيسة داخل مشروع الإصلاح والتنوير الإسلاميّ، مع ضرورة التنبيه إلى أنَّ غايتنا من إجراء هذه المقارنة، ليست هي أن نمجِّد شخصية السيِّد محمد حسين فضل الله، وهو الذي أصبح الآن في ذمَّة الخلود، ولا يمكن أن ينتفع من تمجيدنا بحالٍ من الأحوال، كما انَّ قدحنا فيه لا يمكن أن يؤثِّر فيه مثقال ذرَّةٍ على هذا الأساس.

المقارنة الأولى: الإحساس بالمعضلة الحضاريَّة:

 تلك حقيقةٌ صادقةٌ، وهي أنَّ الأمَّة الإسلامية كلَّها قد عاشت تداعيات القطيعة المعرفية والثقافية الطويلة مع عصور الإستنارة الإسلامية، لكنَّ المشكلة هي أنَّ هذه الأمة لم تشعر بقسوة هذه التداعيات عليها، حتى في اللحظة التي اكتشفت فيها مقدار الهوَّة الفاصلة بين المستوى المتخلِّف الذي تعيش تحت وطأته واشتراطاته، وبين ما بلغته الحضارة الغربية على صعيد ذلك البعد المدنيِّ المهمّ من الحضارة، من دون أن نغفل الترابط الأساسيّ بين البعدين المدنيِّ والروحيّ أو المعنويّ في كلِّ الأحوال، ولكنَّ الشيء الخطير بالفعل هو أنَّ الأمة إذ اكتشفت تقدُّم العالم الآخر عليها في المجال التقنيِّ والعلميِّ التطبيقيّ الذي كان في غاية الوضوح حتى بالنسبة إلى الأعمى الأصمّ، فضلاً عن البصير السميع من الناس، لم تفكِّر بجدٍّ في سبل تجاوز هذه القطيعة بوسائل مناسبةٍ توصلها بالفعل إلى تحقيق  هذه الغاية من دون التفريط بالجانب المعنويّ والروحيّ من الحضارة، حيث كان منسوبه في الحضارة الإسلامية عالياً بشهادة العديد من فلاسفة الحضارة الغربية المتفوِّقة في الجانب التقنيّ والتجريبيّ أنفسهم، فكانت ردَّة فعل الأمة في اتجاهين:

الإتجاه الأوَّل: ذلك الإتجاه الذي بقي مصرّاً على عدم أهمية هذا الجانب من الحضارة، وأنَّ المهمَّ هو أن تركِّز الأمة اهتمامها على ما لديها من التراث الروحي والمعنوي والديني، وأن تصون كلَّ ذلك من الخطر الداهم الذي تمثِّله التقانة الغربية الحديثة.

الإتجاه الثاني: هو الإتجاه المعاكس، الذي بالغ تماماً وما زال يبالغ إلى الآن باستغلال الإعتراف بواقع تلك القطيعة المعرفية ذاتها للدعوة إلى نبذ التراث كلِّه، بما في ذلك الدين نفسه، أو تفريغه من الجوهر الإيمانيّ القاضي بالإلتزام والتعبُّد على الأقلّ، كشرطٍ أوَّليٍّ للتخلُّص من حالة التخلُّف في المجالات المختلفة، ولم يقتصروا على الدعوة إلى تجديد المناهج أو العلوم بالإنسجام مع الروح العامَّة للحضارة العربية والإسلامية، بل أرادوها قطيعةً تامَّةً مع كلِّ جذرٍ حضاريٍّ لهذه الأمَّة، لاسيما الجذر العقائديّ والدينيّ، واستغلوا تلك الرؤى والتصوُّرات التي حكمت أذهان الفئة المتزمِّتة الأولى، فصاروا يبرهنون على أنَّ مشروع تحديث الأمَّة بالإنسجام مع الروح العامَّة لموروثها العقائديِّ والدينيِّ مشروعٌ يدعو إلى التهكُّم والسخرية على أساس ذلك.

 فكان الإتجاه الفاصل بين هذين الإتجاهين هو الإتجاه الذي اختطَّه السيِّد جمال الدين الأفغاني بالذات، حيث  دعا علانيةً إلى أن تنتبه الأمة إلى واقعها المتخلِّف، وأن تأخذ بأسباب التطوُّر في مجال التقانة والطبِّ والزراعة وما إلى ذلك، وأن تعيد النظر في الكثير من متبنيات الناس العقائدية مما توزَّعَتْه المذاهب الإسلامية المختلفة، وأن يوجدوا سبلاً للوحدة بدلاً من التشرذم الذي ورثته من القرون السالفة بسبب الإختلاف الموجود بين هذه المذاهب، وقطع السيِّد جمال الدين بالفعل أشواطاً معتداً بها في هذا السبيل.

المشكل الحضاريُّ ذاته، هو الذي عاناه السيِّد محمَّد حسين فضل الله وأحسَّ به بعمقٍ، في ظرفٍ لا يختلف كثيراً عن الظرف الذي اكتنف مشروع السيِّد جمال الدين، وهو الظرف الذي يشير إلى وجود شريحتين من المفكِّرين تتجاذبان مناطق الصراع:

الشريحة الأولى: هي شريحة المفكِّرين العلمانيين المتزمِّتين بين ملحدين وليبراليين وماركسيين وقوميين.. إلخ، وهؤلاء جميعاً كانوا ينظرون إلى الدين على أنه عقبةٌ كأداء في طريق بناء الدولة العربية الحديثة، وسواها من الدول التي وجدت في العالم الإسلاميّ.

الشريحة الثانية: هي الشريحة التي تنظر إلى الدين نظرةً متزمِّتةً متخلِّفة، أي انها تسقط تخلُّفها وتزمُّتها على الدين، فتكون النتيجة هي أن يكون الدين إما خارج منطقة الصراع أصلاً، وإما أن يكون محكوماً عليه بأن يعاني الخسارات والإنكسارات المتتابعة على الدوام.

 فكان الخطُّ الذي عمل السيِّد محمَّد حسين فضل الله ضمنه، وهو خطُّ السيِّد محمَّد باقر الصدر، فكان هذا الخطّ فلسفياً حتى النخاع، وحاملاً للهمِّ الإسلاميِّ من وجهة نظرٍ حركيةٍ خالصة، مضافاً إلى الإحساس العميق بأصل المشكل الحضاريّ، في البعدين المادِّيّ والمعنويّ، على صعيد مشكلات الأمة، وقد ساعد السيِّد محمد حسين فضل الله أن يمارس دوره بقوَّةٍ في تلك الفترة وجوده في وطنه الأمّ لبنان، لأنه لم يكن هناك مضطراً لأن يمارس أيَّ دورٍ من أدوار التقية كما هو واضح.

المهمّ هو أن نقول في هذا السياق أنَّ السيِّد فضل الله كان قطباً أساسياً من أقطاب الخطِّ الثالث المشار إليه، فكانت نقطة الإلتقاء الكبيرة بين مشروعه ومشروع السيِّد جمال الدين الأفغانيّ من هذا الجانب.

المقارنة الثانية: ترسيخ وعي المقاومة للإحتلال:

هذا هو المشترك الثاني بين الرجلين، فللسيِّد جمال الدين الأفغاىني يعود الفضل في بلورة الوعي المقاوم في تلك الفترات التي لم تكن فيها المجتمعات الإسلامية تملك وعي المقاومة على الإطلاق، مضافاً إلى أنَّ النخب القليلة فيها إما أن تكون غير معنيةٍ ببلورة هذا الوعي، كونها فاقدةً له على صعيد الذات، أو أنها عاشت تبعات التفكير بإحداث القطيعة، كما فعلت الكثير من النخب الثقافية التركية، حتى انتهت إلى ترسيخ المبدأ الأتاتوركيّ الذي انتهى بالوعي القوميِّ التركيّ مؤخَّراً إلى الرغبة بالإنسلاخ من الهوية الإسلامية من الأساس، وكذلك فضل الله، فإنه قام بدور ترسيخ الوعي ذاته في الظروف ذاتها تقريباً، فمن الواضح أنَّ النخب الثقافية العربية والإسلامية عاشت الإنقسام ذاته، ولكن بصورةٍ أشدّ، إذ إنَّ النخب الثقافية في الفترات التي اشتدَّ بها عود السيِّد فضل الله قد تسلَّحت بفكرٍ حداثيٍّ غير عاديّ، وباتت الكثير من الأفكار والرؤى والتصوُّرات التي لم تكن تحتاج كبير جهدٍ في السابق لتفنيدها وردعها، باتت بحاجةٍ إلى استخدام ترسانةٍ فكريةٍ وفلسفيةٍ غير عاديةٍ في سياق المواجهة الثقافية معها.

قد يقال إنَّ العديد من المفكِّرين قاموا بالدور ذاته من خارج الدائرة الحوزوية أو الدينية، فما بالك تركِّز على عمل السيِّد جمال الدين أو على عمل السيِّد محمد حسين فضل الله على وجه التحديد؟

الجواب: نعم، يوجد الكثيرون ممن قاموا بهذا الدور، إلا أنَّ تأثيرهم لم يكن كبيراً على مستوى توفير القناعة لدى الجماهير العربية والإسلامية، وهذا هو المهمّ، فمع الأهمية القصوى للأعمال التنظيرية التي يقوم بها المفكِّرون من خارج دائرة الحوزة، فإنَّ تأثيرهم على مستوى توفير القناعة لا يمكن أن يكون موازياً لأهمية ما يكتبون بالتأكيد، وتلك حقيقةٌ معلومةٌ للجميع ولا تحتاج في رأيي إلى البرهنة.

من هنا، فإنَّ الأهمية الكبيرة لفكر السيِّد جمال الدين الأفغاني، أو لفكر السيِّد محمد حسين فضل الله تنبع من هذا الجانب، وكذلك أهمية كلِّ مفكِّرٍ يمارس عمله التنويريَّ من داخل الحوزة أو المؤسَّسة الدينية على وجه العموم.

لقد نادت العديد من الحركات القومية بضرورة مقاومة الإحتلال الإسرائيليّ، لكن متى أصبحت ثقافة المقاومة ثقافةً شائعةً في أوساطنا الشعبية، أليس بعد أن تمكَّنت بعض المرجعيات الحركية، ومنها مرجعية السيِّد محمد حسين فضل الله، من التثقيف المباشر للمجتمع على ضرورة المقاومة باستلهام الدافع العقائديِّ والدينيّ، وقد ذهبت كلُّ الدعوات القومية في هذا المجال أدراج الرياح.

المقارنة الثالثة: التأثير في الوسط الثقافيّ النخبوي:

هذه هي النقطة الأهمّ، فلا يستطيع كلُّ مرجعٍ حوزويّ، أو كلُّ رجل دينٍ سنيٍّ أو شيعيّ، التأثير في تلك الأوساط، فهي عصيةٌ على التأثير من قبل رجال الدين في الحقيقة، لأنها طبقةٌ تعتدُّ بثقافتها وفكرها في مقابل الثقافة التي يروِّج لها رجال الدين، وهي ثقافةٌ لا تستجيب لمتطلَّبات العصر في رأي الغالبية منهم، ولهذا فإنَّ رجل الدين التقليديّ من الخير له أن يسكت أمام هؤلاء، كي لا تحملهم الإستهانة به على مخالفته في كلِّ مبادئه، وجلُّها حقٌّ في الواقع، إلا أنه لا يستطيع بسبب تخلُّفه الثقافيّ الترويج لها بثقافةٍ عصريةٍ رصينةٍ تكون مهمةً ومحترمةً في نظر هؤلاء.

لن تتأثر النخب الثقافية والفكرية إلا بالمرجع المفكِّر الحركيّ في الواقع، أي ذلك الرجل الذي يستطيع أن ينهض بمتطلَّباتهم وتطلُّعاتهم كلِّها بالإضافة إلى القيام بمسؤوليته الدينية والتعبوية.

هذا هو العنصر الرئيس في نجاح مرجعية السيِّد محمد باقر الصدر وتغلغلها في وجدان المفكرين والمثقفين في العالم الإسلاميّ، وهو العنصر ذاته الذي يعزى الى تأثيره نجاح المشروع الإصلاحي الكبير للسيد محمد الصدر، وهو ذاته العنصر الذي ساهم في نجاح التجربة المرجعية للسيِّد محمد حسين فضل الله كذلك.

المقارنة الربعة: الإشتغال على المعطى الفلسفيِّ الحداثيِّ الغربيّ:

ليس المهمّ الآن أن نركِّز على الموضوعات الموروثة من علم الكلام القديم، بل يجب الإشتغال على الموضوعات والمحاور الجديدة لعلم الكلام الجديد، هذا هو المهمّ، فلك أن تناقش عشرين أو أربعين عاماً كلَّ مباحث علم الكلام التقليديّ، وأن يكون لك الباع الطويل فيها، ولكن عليك أن تعلم أنَّ جهدك هذا لا قيمة له في الواقع، إلا من الناحية الأكاديمية الخالصة، فمن سمة هذه المباحث أنها لا تقدِّم حلولاً واقعيةً للمشكلات النظرية والواقعية المطروحة، فتكلِّف نفسها وتكلِّف القارئ جهداً كبيراً لا تكون حصيلته إلا الإبتعاد عن المشكل النظريِّ أو الواقعيِّ المطروح.

إنَّ السيِّد جمال الدين الأفغانيّ أحدث نقلةً كبيرةً في هذا المجال في محاور العروة الوثقى، وكذلك فعل طلابه الذين ساروا على دربه، مع أننا لا نملك وثيقةً تشير إلى انخراط السيِّد جمال الدين في التأليف ضمن هذا المجال، إلا تلك الوثيقة الصغيرة التي تحمل عنوان (الردّ على الدهريين) فقد أبدى فيها مسامحةً كبيرةً تجاه الكثير مما كان يطرح في ساحة الجدل العلميّ، خاصةً ما يتعلَّق بنظرية دارون في النشوء والإرتقاء، فبيَّن أنَّ الإعتقاد بتلك النظرية على فرض صحتها وعدم نهوض الأدلة والبراهين العلمية في الحاضر والمستقبل ضدَّها، فإنها لا تنفي معقولية الإيمان بوجود الخالق، بل على العكس، فإنَّ التفسير الفلسفيَّ لها سائرٌ في خطِّ الإيمان ذاته.

المهمُّ أن نقول إنَّ السيِّد جمال الدين الأفغانيَّ فتح الباب واسعاً أمام خوض هذه التجربة، وهي الإنفتاح الجديّ على الكثير من المعالجات النظرية المبتكرة في حقل علم الكلام الجديد، الذي لم يكن معروفاً بهذا الإسم إلا في أيامنا هذه، فكانت خطواته وخطوات مريديه تأسيسيةً في هذا المجال.

وقد فعل الشيء نفسه السيِّد محمد حسين فضل الله من موقعه المرجعيّ، وهذا هو ما يمنحه الخصوصية، فكانت أغلب محاور كتبه تصبُّ في هذه الغاية، حتى عندما يجيب على الإستفتاءات الفقهية الخالصة، فإنه سرعان ما يتَّخذ حديثه سبيل التنظير الفلسفيِّ والمعرفيِّ والكلاميِّ الذي يصلح لتزويد المسلم المعاصر بترسانةٍ مهمَّةٍ من المفاهيم والإصطلاحات والأفكار، حيث تركِّز التلقي العقلانيّ للشريعة، وتبتعد به عن مواطن الخرافة والفهم السطحيِّ الساذج.

المقارنة الرابعة: الهدوء والبساطة وعدم التهاتر مع الخصوم:

وهذه نقطةٌ أخرى تلتقي من خلالها الشخصيتان موضوع المقارنة، فلا يكاد القارئ يلمح شيئاً في التراث المكتوب عن السيِّد جمال الدين الأفغانيِّ يشير إلى أنه كان يحبُّ الإنخراط في المهاترات الفارغة مع الخصوم، بل إنه كان يتجنَّب كلَّ ذلك بأن يتغافل عنه بشكلٍ تامّ، حتى لكأنَّ هذه الشخصية الإشكالية لم يكن لديها خصومٌ على الإطلاق، وهو الذي خاض غمار التجديد على الصعيد العلميّ والدينيّ، كما يُعدُّ أبرز من تصدّى للعمل السياسيِّ المعارض للإستبداد الداخليِّ والإستعمار الخارجيِّ من بين مفكِّري عصره، إلا أنه كان يتمتَّع بهذا الخلق الذي وفَّر عليه الكثير من المتاعب في الحقيقة، وساهم مساهمةً فاعلةً في نجاح مشروعه، كما كان يتمتَّع بشخصيةٍ أريحيةٍ وجذابةٍ مع العلماء من كافَّة المشارب والمذاهب والأديان، وكان يحظى باحترام خصومه من جميع الأطراف بسبب ذلك.

وكذلك السيِّد فضل الله، فإنه لا يختلف عن السيِّد جمال الدين الأفغانيّ في هذا الجانب، بل كانت شخصيته أقرب إلى التحلِّي بهذه الصفات كلِّها، مع التركيز طبعاً على أنه كوَّن جيلاً من المريدين الكبار عن طريق هذا التأثير أكثر من التأثير والإنتشار اللذين حقَّقهما السيِّد جمال الدين الأفغانيّ نفسه.

 

د. باسم الحسناوي

 

ظريف حسينإن أكثر أربع نظريات تأثيرا في تاريخ العلم صاغها ملحدون، كما أدت بدورها إلى دعم الملحدين، برغم أن فصل التفسير العلمي عن الاعتبارات الدينية يتم في ذهن العالم بطريقة تلقائية، وهذا لا يعني بالضرورة أن العلم يتناقض بصفة عامة مع الدين، ولكن طبيعة العلم نفسها هي التي تفترض تفسير الظواهر بظواهر أخري فقط لا غير.

وسنعرض لأهم وأقدم هذه النظريات كما يلي:

1- نظرية التطور:

وتتلخص في أن حياة الإنسان الفرد هي تكرار أبدي لتطور النوع البشري علي مدار التاريخ، أي أنه بدأ بخلية واحدة وارتقي ليصبح في النهاية إنسانا مارا بكل أشكال الحياة الحيوانية الأدني منه في الرتبة.

و لقد سببت هذه النظرية أكبر صدمة للمؤمنين بالله، أي الذين يعتنقون نظرية الخلق الواردة في الكتب المقدسة، من كل الملل والنحل السماوية ظنا منهم أنها تتضارب مع الاعتقاد بأن الإنسان مخلوق علي صورته الحالية، طبقا لما جاء في العهد القديم اليهودي، وليس مجرد كائن حي متطور عن الأحياء الدنيا كما قرر دارون.

ولكن هؤلاء المؤمنين قد لا يمكنهم جحد الأدلة العلمية التي قدمها دارون تصديقا لما قال، وخاصة الحفريات، وعلم الوراثة الجزيئية، وعلي الأخص الچينوم البشري علي صدق نظريته.

2-النظرية المادية التاريخية:

وهي المعروفة بالماركسية وملخصها أن طريقة حياة الإنسان أو ثقافته يصنعها عمله ودخله فقط، وبالتالي فإن الاقتصاد ومستوي معيشة الناس هو الذي يحدد طريقة تفكيرهم. وليس العكس: أي أن نوع العمل وأدواته والأشكال القانونية التي تضمن وجوده مثل الاتفاقيات والتعاقدات والقوانين المنظمة للعمل.. هي التي تحدد مكانة الناس في مجتمعاتهم، ومكانة المجتمعات نفسها في العالم، أي تحدد مدي سلطة كل منهم علي الآخرين.

وهذا يعني ببساطة أن الإنسان طبيعته مادية، وبناء عليه فإن الإقتصاد هو الذي يحدد نوع السياسة والنظام السياسي...،

وبصفة عامة تصبح الثقافة بكل أشكالها وأرفعها مقاما وقداسة مرهونة بالمستوي الاجتماعي الذي هو بدوره مرهون بالمستوي الاقتصادي للناس.

ومن الواضح هنا اشتراك هذه النظرية مع نظرية التطور لدارون في اعتمادهما معا علي التفسير المادي الطبيعي فقط، أي علي اكتفائهما بالتفاسير المادية، أي الطرائق العلمية لوصف التحولات الحيوية والاجتماعية، علي الترتيب، وتجنب كل ما يتعلق بالأديان وخاصة ما يعرف عادة باسم "الروح" والنظر إلي كل ما ليس "ماديا" علي أنه شكل أعلي من أشكال التحولات المادية، ومن ذلك الدين والأخلاق والفن... وبالاختصار:كل أشكال الثقافة وأرفعها قيمة في نظر الشعوب المثالية والمقدسة.

3- نظرية التحليل النفسي:

وتتلخص نظرية فرويد في أن الحياة النفسية للإنسان محكومة ببنية مادية لا بمنطق روحي غيبي علي الإطلاق؛ فالطاقة النفسية - ككل أشكال الطاقة-ذات طبيعة مادية، وهي عبارة عن غريزة لها دافعان متصارعان أحدهما إيجابي وهو "التمسك بالحياة" والآخر سلبي وهو "الخوف من الموت"، وأن كل شيء في حياة الفرد محكوم بهذين الدافعين الرئيسين.

ولقد قرر فرويد أن يؤسس تفاسيره للعمليات النفسية علي أنها عمليات مادية بحتة، يحكمها أيضا منطق مادي له صورتان:

الأولى: شكل من أشكال "قانون بقاء الطاقة".

والثانية: هي قانون نفسي يعد ترجمة نفسية مباشرة للصورة الأولي مؤداه أن "كل شيء لا بد من أن يعبر عن نفسه وإنجاز وجوده باحدي الصور المتاحة، وأنه إذا استحال عليه ذلك بالطرائق الطبيعية للإشباع في تاريخ إشباعها الطبيعي، فإنه سينشأ المرض النفسي الذي يسميه بـ" العصاب" الذي قد يأخذ منحي أكثر حدة، أي صورة "ذهان" أي اضطراب عقلي.

وأن كل هذه التصرفات إذا لم تتم تحت رقابة الوعي فإنها ستتم حتما في غيابه، أي سيتم إشباعها والتعبير عنها بطريقة "لا واعية" وهذا التعبير يعتمد علي محتويات الوعي، أي علي مضمون الثقافة. وكل ذلك محكوم بـ"حتمية نفسية"، بمعني أن كل شيء نفسي محكوم بإجراءات صارمة لا يمكن أن يحيد عنها وإلا نشأت الأمراض أو الانحرافات التي هي أعصبة نفسية وربما عقلية.و بذلك يكون فرويد قد استورد قانوني بقاء الطاقة وقانون بقاء الكتلة من عالم الفيزياء إلي عالَم النفس.

وتستبعد هذه النظرية النفسية كل ما يعده المؤمنون من مظاهر الروح أو النفس التي هي - في نظرهم - من أصل غير مادي، أي مستقلة عن الجسد. فالنفس طبقا لهذه النظرية المادية مجرد مجموع وظائف المخ الواعية وغير الواعية بنفسها، أي مجرد مظاهر للوظائف العليا للمخ وخاصة مراكز الفكر والعواطف.

وكان من نتائج هذه النظرية تفسير الأمراض النفسية والعقلية بوصفها مجرد ردود أفعال لتعويض النواقص في إشباع الرغبات المادية في مراحل الحياة الباكرة، طبقا لقانوني "بقاء الطاقة" و"الحتمية النفسية"، كما قلنا، أي ضرورة إشباع الحاجات النفسية الحيوية بطرائق معينة وفي تواريخ محددة.

و برغم التعديلات التي طرأت علي هذه النظرية سواء من فرويد نفسه أم من تلاميذه ونقاده، فإنها حققت نجاحا ملحوظا في فهم النفس البشرية، ويظل النهج المادي في تفسير الظواهر النفسية بصفة عامة هو أبرز نقاط الاتفاق بينها وبين طب المخ والأعصاب الحديث.

4- النظرية النسبية:

وهي النظرية التي استطاع بها آينشتين القضاء علي أشباح المطلق المادي في الكون ولكن المثقفين الذين تلقفوها وظفوها كعادتهم توظيفا عاما ومطلقا، وفي كل المجالات.

و أهم ما في هذه النظرية هو أننا يمكننا السفر عودة إلي الماضي الذي كان مستقبلا في يوم ما، وبذلك يقبل الزمان الرجوع للخلف.

و لكن العائق الأوحد لإنجاز ذلك السفر هو غياب وسيلة المواصلات التي تمكننا من الانتقال بسرعة الضوء علي الأقل.

وما أود أن أقوله هنا هو أن الطبيعة لا تعطي علمها إلا للعالمين بقوانين عملها فقط. وبذلك كانت الطبيعة في النظريات الأربع السابقة مستقلة تماما عن معتقداتنا الدينية التي لم تعد مكونا من مكونات معارفنا؛ فكوننا مؤمنين أو ملحدين ليس له أدني علاقة بمكانتنا في العلم ولا في العالم!

وكذلك الأمر في مجالات السياسة والاجتماع...؛ فلا بد من أن تكون في كل ذلك علمانيا لتفلح في فهم الأشياء وتسييرها طبقا لقوانينها التي أودعها فيها بارئها، أي أنه لا محيص لنا عن الفصل بين المناهج العلمية والعقائد الدينية، فعندما نمارس العلم وأي نشاط إنساني آخر، فلابد من الرجوع إلي قوانين الله في الطبيعة وليس إلي الله نفسه، بغية التحكم في الطبيعة، وإلا حجزنا مقاعدنا في قطار التخلف الذي لا يسير أبدا إلا إلي الوراء!

 

د. ظريف حسين

أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بجامعة الزقازيق - مصر

 

سامي عبد العالحجمُ الإهانةِ داخل أيِّة ثقافةِ متعثرةٍ لا يتم باجترار كهوفها المظلمة ومواضِع التخلف فيها، إنما بإفشال إمكانية نقد وغربلة الأسس القائمة عليها، والحيلولة دون فهمِ الأحداث والقضايا فهماً حقيقياً. والإهانةُ ليست أخلاقيةً هنا، لكنها معرفية، لأن الأخلاقيات لدينا تنفذُ إلى كافة المستويات وتتشكل بأكثر من وجوه، ليس أبعدُها أنْ تقلل من شأنك، لكن أقربها أنْ تستنفدَ وجودَك وعقلك.

هذا هو الحاصل ضمن بعضِ ثقافتنا العربية بامتياز تاريخي، على سبيل المثال فكرة "السمع والطاعة" إلى حد الخنوع والإذلال (وهي فكرة سياسية) قد تأخذُ وضع المعرفة الواثقة، بينما جذرها هو المعنى القائل: ليس في الإمكان أبدع مما كان، حيث يتواطأ الفعل السياسي والديني والاجتماعي. أي إبقاء الأوضاع على ما هي عليه، كأنَّ هناك قائلاً يقول: لا تقترب أيها المثقف(أقصد المثقف الحقيقي) مما نعتقد، كُن بعيداً بقدر ما لا يبلغُك سوطُ اللعنة. لو اقتربت، فرّدُ الفعل لن يكون متوقّعاً، الرد من أطراف( متناقضة) في وقت واحدٍ.  صحيح أن التشكيل غريب، بيد أنه يحتاج تاريخاً من التحليل والتفكير، كل آفاق اشكالية لا تُعطي نفسها لأول وهلة، إنما تتمنّع عن الظهور والانفكاك لدرجة الاستحالة.

إذن المثقف منبوذاً، مطروداً، كالجمل الأجرب في الحياة العربية هو واقع الحال. النبذ نوع من الترك والطرح بَعيداً دون اهتمامٍ، مصير هو الإقصاء والابعاد بسبب معنى غير قابل للمهادنة. والنبذ عادةً نتيجة التجرؤ على ما يمثل شيئاً ذا بال، ولا نقبل النّيْل منه في الأفق العام. تحمل دلالةُ الكلمة جوانب الازدراء والهُجران وتترك نكهةً لاأخلاقية بعد سماعِها. كأنَّ المنبوذ قد ارتكب ما يستحيل التسامح معه. وبالقرآن جاء اللفظ في سياق التنابذ بالألقاب ربطاً بالفسوق بعد الإيمان(الأخلاق+ المعرفة+ الاعتقاد). إذن من يحمل المعنى يغدو مفعولاً به جمعياً في المعجم العربي، أي أنَّ النبذ نتيجة عامة وليست خاصة بحالٍ. وهذا هو "مصير المثقف الحقيقي" منبوذاً إذا فكَّر بجديةٍ، أنه المَرْمِي هناك بأي مكان، فقد يقرنه البعض بالعزلة نتيجة اهتماماته الخاصة، لكن الرمي فعل مقصود (الاهمال) إزاء حالة عامة (تراكم الثقافة).

حيث ثمة فوبيا من انتقاد الموروثات الفكرية الرائجة، ويتجنب المثقف طوال حياته ذلك، لدرجة أنَّه تجري ملاحقة من يقول شيئاً مخالفاً، فهو المتهم سلفاً قبل أي شيء آخر. وسيكون عليه أنْ يدفع تهمة لم يرتكبها وجريمة لم يقترفها، وهي: انتهاك كيان الأمة والتسبب في ايقاع الأذى بالسلف والخلف وبالمقدسات الحيّة والميتة. إنَّها حالة الرفض الكلي الذي يترصد الكُتاب والأدباء والباحثين الجادين مع النتائج المترتبة على ما يطرحون فكرياً وسياسياً.

لقد شكلّت المحرمات الثقافية - باتساعها- لعنة تصيب كل من يقترب. لأنَّ قداستها غدت فخاً يُدمي أقدام كل مستكشف قادم، لمجرد أنَّه يطّأ أرضاً لم يسر عليها الآخرون. هكذا تورط المثقفون في معركة أشبه بمعارك طواحين الهواء التي لا تنتهي. فهم يحاربون ظلالَّهم الكئيبة نتيجة تداعيات القضايا الفكرية بهذا التوصيف... مثل قضية الأصالة والمعاصرة أو قضية تحديث المجتمعات العربية أو قضية قراءة التراث أو قضية ابداع انسانية كونية عامة. والأنكى أنْ تستدير الظلال الهاربين منها لتحل محلهم .. فتقوم الثقافة مرةً أخرى بمطاردتهم (دائريةُ عودٍ على بدء). لكن: كيف يُحال دون الظلال المشوِّهة للمثقف بكل عنفٍ؟! ما طبيعة الثقافة التي تأكل أبناءها؟! ولماذا تنقلب إلى جحيم دنيوي؟!

إذا تصورنا القدرة  النقدية خروجاً عن الثقافة المتراكمة، فلتكن قدرةً لتطوير المهام التساؤلية والفكرية لكل مثقف مبدع إزاء مشكلات المجتمع وظواهره. وهذا سبب محاصر المثقف داخل زجاجة مغلقة، بحيث لا يقترب من المحظورات الاجتماعية. ومن ثم ينهض أتباعُها دفاعاً عنها (من غير معرفة أبعاد الموضوع). ذلك لكون ارتباطهم بإنتاج الثقافة يؤكد وجودهم ووجودها معاً. أحياناً يدخل الناسُ معركة (الأفكار الجديدة) ظنّاً منهم أنها معركة حياةٍ أو موتٍ، بينما هم الخاسرون قبل أنْ تبدأ، وأنَّ الطرف المقابل ليس هو دائماً الخصم الصحيح. لأنه لابد في المعارك الفكرية من الوعي الخصب بما يجري ومعرفة أبعاد المسألة قبل البدء في إطلاق  عبارات النفير.

فقد يظهر مثلاً التواطؤ بين الإسلاميين المتشددين والثقافة الشائعة على نبذ المثقفين. حيث توجد مصالح مُشتركة كانت ممتدةً ومازالت بين الطرفين. في الحقيقة كانت زواجاً بين التدين الشعبي وحالة الذهنية الشائعة بميثاق سياسي غليظ. لأنَّ السياسة - في  تاريخ المجتمع العربي- لم تكن لتضمن الولاء إلاَّ بضمان هذين (التدين والذهنية الشائعة). فكم خدم الإسلاميون أيةَ سلطةٍ سياسيةٍ استبدادية بقدرِ خدمات الناس العاديين لها.

ذلك بالرغم من الصورة المنتشرة عن محاربة الارهابيين للسلطة القائمة وأنَّ الأخيرة تحاول تطهير البلاد والعباد من رجسهم الشيطاني. إنَّ الفكرة هي قمة الزيف الذي انكشف بجلاء في التاريخ القريب، عندما تعايش الاثنان في مصر طوال السنوات الماضية. حتى افسحت الأنظمة السياسية للمتشددين البرلمان كجماعة الإخوان المسلمين والسلفيين. ثم وجدناهم وقد اخذوا السلطة نفسها بعد الربيع العربي في أكثر من دولةٍ عربية. وشكلوا الرهان الغالب في عين الغرب للملمة قطعان الثوار وهوام الفوضى التي كانت بداية للعيان.

براجماتياً في الواقع، لم تكن ثمة خصومة بين الجماعات الارهابية والأنظمة السياسية الديكتاتورية أيضاً إلاَّ بصدد الوسائل فقط. السلطة القمعية تبلغ مآربها باحتكار العنف باسم القانون والشرعية السياسية ذات الآليات الحديثة، ثم تغلفها بنصوص اللوائح وطقوس العقوبات السياسية والقانونية البراقة. بينما يمتلك الاسلاميون – كما يظنون- مشروعية العنف بقرائن دينية وبآليات عنف مبررة مرحلياً. الفارق أن السلطة لها الغلبة بموجب المُؤسسات ومواقع الحكم في حين لا يجلس الآخرون (الذين تطاردهم لذات الهدف) داخل المؤسسات.

الأخطر أنَّه لو كان هناك صراع بينهما (السلطة- الإسلاميون) فليس لصالح الشعب إنما كان جرياً وراء كرسي الحكم. وكل مبررات تساق في هذا المجال لا قيمة لها إطلاقاً إذا لم نأخذ بالحسبان هذا الجانب غير المطروق. وذلك ما يجعل غالبية الناس البسطاء هم وقود الصراع المشترك كذلك. ولذلك يتناوب الإسلاميون والسلطة الحاكمة اللعبة الشهيرة بينهما: "تديين السياسية وتسييس الدين" حتى أخر رمق.

فرأينا السياسيين يلتحفون عباءة الدين بالمناسبات العامة وغيرها. يغتنمون الفرص تباعاً لتدجين الشعوب العربية بمطارق الدين الناعمة (فالدين يوازي الصلاح والإخلاص والطاعة). ولكن نظراً لخشونة الإرهابيين، فإنهم يعلنون نواياهم على الملأ مباشرة دون مواربة. وإذ ظلوا يرددون أنهم يقصدون وجه الله حتى سقط القناع – أثناء الربيع العربي وبعده- باعتبار دولَّهم إسلامية. وحتى أصبحت الخلاقة مثل القناع الأكبر الذي يضم كافة الوجوه الاخوانية والسلفية وغيرها. إلى درجة أن التحدي الجسيم لكل فكر عقلاني هو: كيف يستطيع اقتلاع هذا التصور من الأدمغة؟!

كم يخرج رحال الحكم ليعلنوا على الملأ أنهم يخشون الإرهاب تحت مظلة الدين. وبالمقابل يعلن الارهابيون أنهم يحاربون من يحارب دين الله. ويستهدف الاثنان التهام رؤوس القطاع العريض من الناس. وإذا حدث نبذ للمثقف ومطاردة له، فإن الأخيرة مطاردة مزدوجة. الإسلاميون يفعلون ذلك لحماية المقدسات ثم يتضامن معهم السياسيون بالصمت المريب. والأنكى أنْ يفتحوا لهم المؤسسات القضائية الحداثية لإقامة دعاواهم ضد المثقفين. ويدخلها الإسلاميون بثقة منقطعة النظير بضمان التعاطف الشعبي دفاعاً عن دين الله. ولخداع الناس أيضاً من زاوية أنهم يحترمون اجراءات القانون وأصول الدولة المدنية. بينما هم ينتظرون الفرصة المواتية لتقويضها والانقضاض على السلطة. على الجانب الموازي يبتهج السياسيون كثيراً. لأن الاسلاميين سيخلصونهم من مصادر الازعاج (المثقفين) وبخاصة إذا لم يستطيعوا ترويضهم.

إذن هناك ازدراء صامت (ومتبادل) في صلب كل اتهام للمثقفين والأدباء بالتطاول على المقدسات. لم يكن لتهمةٍ أن تبحث عن مجرم وهمي إلا بإيعاز من كراهية شاملة (من العامة والإرهابيين والسلطة السياسية). فالمثقف الحقيقي كائن منبوذ إلى حد الرجم في المجتمعات العربية، لا محل له من الاعراب. أصلاً يقال: ماذا يقدم؟ هل سنأكل من عمل يديه؟ ما أهميته هنا أو هناك؟ ألاَ يمثل خطراً سياسياً؟ إن تلك الأسئلة المفترضة - كلما أدلى برأي أو طرح تحليلاً أو اخذ موقفاً- تنطلق تلقائياً من جميع الاتجاهات المذكورة.

كل ازدراء تجاه أي شيء يهون أمام ازدراء المجتمع بجميع أطيافه المختلفة للمثقفين. لقد تركهم يتسولون لدى الحكام ووضعهم خارج حساباته. ولذلك ما كان لأي إرهاب أنْ يتصيدهم (كطعن نجيب محفوظ وتكفير نصر حامد أبو زيد مثلاً) دونما أخذ الاشارة الخضراء من المجتمع. كما أن هذا الارهابي بلغ مكانته عن طريق خيول الفتاوى والخطاب الديني وثقافة الدهماء. الإرهاب يعشعش بجميع أشكاله في أحشاء اجتماعية متخلفة كانت لها الغلبة إزاء أي فكر نقدي. وحتى لو كان المثقف صاحب انجاز حقيقي، فلن يجد موضع قدم مقارنةً بخطاب ديني متشدد يسلب عقول الناس مقابل وعدهم بالنعيم والحور العين.

هكذا فالأسوأ أنَّ المثقف لا يلاحقه الارهابيون والساسة فقط، بل القطاعات العريضة من المجتمعات العربية أيضاً. وبالتالي كل اتهام له يصبح ثلاثي الأبعاد بصرف النظر عن ماذا يكون: اسلام سياسي كان يدفعه إلى المحاكم ويحاول إهانته وقتله، ثم يتلاعب به النظام السياسي، فيقف الناس له مهللين!! هذه المأساة جعلت التواطؤ السالف كماشة تقتل كل ابداع فكري وثقافي.

إن المشكلة لن تنتهي إلاَّ بنقض محددات الثقافة ذاتها، نسفها من الجذور التي تسمح بتضامن المتناقضات وتواطؤها على السطح إزاء الفكر. بحيث أن اتساع الهوة يبقي منظوراً بين هذه الأطراف، لكن سرعان ما تجتمع للاتفاق البراجماتي فوق جثة المثقف.

والتهمة الجاهزة (ازدراء الاديان وخلخلة المجتمع وتكدير السلم العام)، كانت بهذا المثلث نوعاً من التنكيل بأي مثقف يفكر بصورة مختلفة. لأنَّها تهمة تبحث عنه بثلاثة مقابض (المجتمع والدين والسياسة) أينما ذهب. كما أنها تركت بموجب القانون عصا غليظة في يد الناس لانزال العقاب الجماعي به لو أحيل إلى المحاكمة. وذلك يفسر أنه كلما تثار قضايا نقد النصوص التراثية تذهب إلى القضاء فورا بمباركة السلطة. وفي النهاية يزعم الإسلاميون دفاعهم عن هوية الأمة. وكأن تلك الهوية هي الصليب الذي يُعلق عليه المثقف، حتى تترك جثته في العراء لأكلي الجيف من البشر. رغم أننا تجاوزنا عصر الهويات القاتلة كما يقول الأديب اللبناني أمين معلوف. وحينما يسمع الإنسان العادي بالخطورة القائمة على هويته ينطلق للدفاع عنها بأنيابه ومخالبه.

وبالتالي سيستّحِل أي إنسان عادي دماء المثقف مصمماً على أخذ الثأر بنفسه. والحقيقة كما رأينا مع نجيب محفوظ فقد قام بطعنه شاب جاهل ثقافياً. لم يقرأ كلمة واحدة من كتاباته ولا يعرف من هو محفوظ ولا أهميته ولا حتى كيف يتجرأ على قضايا الدين. وبالتالي لم يعرف قيمته الأدبية في تاريخ الرواية. بل كانت تلك  الأفكار بالنسبة إليه هلوسات لا قيمة لها.

لقد صيغت تهمة "ازدراء الأديان" التي توجه للمثقفين لإشباع نهم السلطة والاسلاميين والناس العاديين من دمائهم. إنَّ سك الازدراء بوصفه انتهاكاً للموروثات يعني تطويقاً لكل محاولة تفكر في المعتقدات الجمعية. وحينما تتكيف كلمة الازدراء مع القوانين والدساتير، فهي تهدم أسس الدولة المدنية. لأنه ليس ثمة شيء في الدولة الحديثة اسمه انتهاك المقدسات. إلاَّ إذا تمَّ تسييس ما لا يُسيَّس كما أشرنا. والتهمة مجهلَّة " القادر" على اقامتها من جهة الحق والإمكانية والقبول والتبرير والمعاني حتى. وبالتالي تصبح اللغة كخطاب  من هذا الصنف سلاحاً في يد كل من يريد ملاحقة المثقفين والأدباء رغم تفاهتهم في حالات كثيرة.

لقد أمست تهمة ازدراء المقدسات خارج حتى القانون. لأن وقعها الاجتماعي والديني أكبر من دلالتها قانونياً. ذلك والإسلام السياسي كان قد نحج في خلط الأوراق مسرباً قناعاته إلى الرأي العام كما في مصر والأردن مثلاً. وربما لو دققنا النظر فليس ثمة فارق كبير بين الإرهاب وهذا الوعي الصامت. فمن أين خرج الدواعش؟ لماذا يجند الاسلاميون أتباعهم بسهولة على النت ومن دور العبادة؟ حتى جاءت تهمة ازدراء الأديان مرادفة للكفر، لأنه لا يتم مناقشته وتحول من مجال المعرفة والتساؤل والنقد إلى مجال الدين. ولهذا لم يكن ليقيّم أحدٌّ أعمال الكتاب والمثقفين ويرد عليها إنما يكفرونهم مباشرة.

والتقييم الديني على النوايا في ضوء ثنائية الكفر والإيمان يغالب أيَّ تقييم فنيٍّ داخل هذا المناخ. كما أنَّ التواطؤ الثلاثي السابق (الاسلاميون- السلطة- الناس) يُعْلي نبرة التشفي تجاه المثقفين. حتى أنه يمكننا اعتبار تهمة ازدراء الاديان المجاني قتلاً لا إنسانياً لهم. وفوق ذلك تغذي التمادي في تناولها بالأوصاف اللاأخلاقية، وأساسها هو كراهية التغير والمشاركة في حالة من التفكير تجاه الواقع وأزماته.

 

سامي عبد العال

 

سامي عبد العالعلى مستوى الفلسفة، لا يأتي تكوين التساؤل الكلي في ثقافةٍ ما(كأسئلة الماهية– المعنى– الحقيقة- الإنسان) جُزافاً، فتشكيله يتعيّن كمعطى وجودي أصيلٍ للعصر الذي تعيشه. حتى أنَّ تَمَيُز التكوين يتمُ تبعاً لبناء الرؤى الفلسفية خلال هذا العصر (حيث يجمعنا كونياً بالآخرين). قد نسميه الحضارة الإنسانية إجمالاً بقدر ما نُسهِم لا بقدر ما نستقبل فقط، وربما في غير سياق نُطلق عليه ظواهر عالمية خارجَ أفقنا الفكري. والتكوين معناه: كيف نبتكر الرؤى وكيف تتخلَّق ثقافياً؟ إذ سنكتشف أعماقنا الفكرية في إطار إنساني كوني، وإلى أي أساس نستند؟ وكيف سنُعبر عنها؟

لنلاحِظ أنَّ وجود المفكر الأصيل صاحب الرؤية ليس خبط عشواء، هو يلتقط بكل دأبٍ ما هو مشترك بين عناصر الإنسانية، وإنَّه لكي يصبح قادراً على الإبداع، لابد أنْ يخرج من دائرته المحدودة. أي لن يعود محليّاً على غرار زَمّار الحي (وحتى زَمّار الحي لا يُطرب عادةً). وأمام هذه المرحلة، ليس الأمر سهلاً كذلك، فلا يكون مفكراً كما نعتقد إلاَّ إذا كانت أسئلتُه الجوهرية مؤثرةً على نطاق واسع، مما يقتضي فهماً لروح العصر والقضايا الحيوية وابدع المفاهيم والقدرة على طرح المختلف.

بعبارةٍ أوضح كان للمفكرين أصحاب الأسئلة الأصيلة تأثيرٌ في الثقافات الإنسانية التي هي راهنة ومستقبلية بالوقت نفسه. على سبيل التوضيح كان ابن رشد شفرةً فلسفية لعصره ولعصور تالية، لقد ترك الرشدية اللاتينية بأصدائها البالغة في أوروبا. فلم يكن شارحاً محايداً للفلسفة اليونانية، لكنه ترك بصمات دلالية في التركيب اللغوي للنصوص الكبرى التي تعامل معها. فالترجمات والشروح هي ضيافة النصوص وتحميلها بالكرم الفلسفي والتأويلي الذي ظل معها إلى الآن. أي إعادة كتابة وخلق للنص في رحاب ثقافةٍ هي ثقافة الشرق، لدرجة أنَّ الفلسفة الغربية نهلت من الكرم الشرقي في صورة مفكريه ومازالت. وكذلك مارتن هيدجر لم يكن فيلسوفاً عارضاً، بل كان أثراً فذاً لعصر كامل من الإبداع الفلسفي ونقد الحداثة وتحويل عقارب الفكر نحو ما بعد الحداثة. ليس ثمة فلسفة ما بعد حداثية لم تمر بأسئلة هيدجر سلباً وايجاباً حول التقنية والإنسان والفن واللغة والنصوص والحقيقة والشعر والمعنى الأصيل للوجود.

دوماً السؤال الخصب فلسفياً مسكون بهذا التطلع نحو الكوني، أي لا يفقد نبرة التعميم إلاَّ وقد فقد إمكانية تأثيره. ولاسيما أنَّ الفكر الأن لم يعد حكراً على مساحة جغرافية من العالم. إنَّ جغرافيا العالم ليست هي الأقاليم الجيوسياسية فقط، لكنها أيضاً جغرافيا العقول المشاركة في إنجاز الأفكار الكبرى والاتجاهات والنظريات النقدية والفكر الفلسفي. ونحن كقاطني كوكب الأرض إنْ لم نكن لنسبق إلى الجديد، فعلى الأقل ينبغي أنْ نتزامن فكرياً مع الآفاق نفسها.

أيضاً السؤال الفلسفي من خطورته إنَّه يحرك ما هو قديم. بمعنى أنك تستطيع بسؤال مبتكر تجاه التراث أنْ تستنطقه وتعيد إبداعه. فالزمن لا يُبلي الأسئلة أيا كانت، إنَّما قد يأكل الإجابات الواحدة تلو الأخرى. فلقد رأى الغربُ في الفلسفة اليونانية جذراً لأصوله الثقافية، اتصلت أسئلة أفكاره بالجذور القديمة للمجتمع الأوروبي. ولم يأتِ أيُّ فيلسوفٌ راهن ولا حديث دون أنْ يشتبك مع تلك الجذور البعيدة وصياغة تحولها المستقبلي. ثمة أسئلة حديثة ومعاصرة كانت تُطرح باستمرار على أفلاطون وأرسطو. وهما الفيلسوفان اليونانيان، لدرجة أننا لا نستطيع احصاء كم "عدد أفلاطون" وكم "عدد أرسطو" قد واصلوا حياتّهم الأوروبية إلى الآن!!

أزعم أنَّ هناك عدداً من "أفلاطون الألماني" -بقدر التأويل والنقض وإعادة القراءة- داخل نصوص فشته وهيجل وشوبنهور وشلايرماخر ونيتشه وجادمر وكارل بوبر وفتجنشتين. هناك كم آخر من "أفلاطون الفرنسي" ضمن نصوص سارتر وجاك دريدا وميشل فوكو وجيل دولوز وبول ريكور وجان فرانسو ليوتار. وما جرى بصدد أفلاطون جرى بالمثل على أرسطو في أي أفق فلسفي أوروبي بإيطاليا وانجلترا ورومانيا وهولندا.

إذن وفقاً لأهمية الأسئلة، ليست الفلسفةُ باحةً نسقيةً لمقابر الفلاسفة، ولا أضرحة فكرية (الأنساق والمذاهب والأيديولوجيات) يتبادلون زيارتها. لكنها فن صياغة الحرية الفكرية وتذويب تكلسها- لو حدث- بآليات الأسئلة الكبرى. كان نيتشه فيلسوفاً هاوياً إزاء تلك المهمة السرية، صاغ من فلسفته فناً لتحطيم الأصنام( الفكرة الإبراهيمية القديمة). فقد عرف جيداً ماذا تصنع الفلسفة (حين ترتكس وتصدأ) بأدمغة الناس، فأراد تعليمهم ماذا تعني أنْ تكون أقدام الأصنام من صلصالٍ. ولهذا وضعَ نصوصاً ثورية بلهجة معاصرةٍ، أقصدُ تحرير طاقات الأسئلة لا انهاء وظيفتها. لم يعطل نيتشه السؤال عن أداء واجبه المقدس، لكن أعتبره ضد القداسة التي قد تُخلع على أي شيء. وهناك فرق شاسع بين الواجب بذلاً ودأباً بروح كانط وبين وقوعه في شرك القداسة اللاهوتية باسم الفكر.

التأسيسُ الفلسفي يعلِّن فرادةَ الماهية لا نَسْخَاً بين فكرٍة وأخرى، على غرار ما فعل بعض الأسلاف( مؤرخو الحكمة والفلسفة لدينا) بين فلاسفة اليونان معارفنا التراثية. وكذلك ليس التأسيس محاكاةً بأسوب الصورة والأصل بطريقة تعاملنا حالياً مع الفكر المعاصر، لكن بكون "ماهية أي تأسيس"- بين قوسين- لا تخلو من بَذْرٍ خالقٍ. هكذا يُوجد غموضٌ تصنيفي حتى فيما يُنسب إلينا فلسفياً كعربٍ ولا يتجانس مع أفقنا الروحي والثقافي. لقد أطلقنا على أفلاطون وأرسطو حكيمين بإعلان مباشر لأحد كتب الفارابي "الجمع بين رأي الحكيمين".

لكنهما كانا حكيمين بنبرة دينيةٍ لدى مؤرخي الحكمة والملل والنحل كابن النديم والشهرستاني وابن أبي اصُيبعة في التراث، فما سكت عنه الفارابي أنطقته الثقافة السائدة ومبررات الاعتقاد على ألسُن أخرى. لا ابالغ حينما أقول "تم صناعة النبوة في شخصيتي الفيلسوفين اليونانيين"، أُعيد إنتاجها في أفكار أفلاطون وأرسطو الاسلاميين هذه المرة (أي أسلمة العلوم والمعارف منذ القدم). نُقلّت فكرة النبوة حرفياً وجرى استعمالها بمنأى عن النقد وظل تأثيرها سارياً في الفلسفة بقدر تأثيرها أدباً وحكمةً. قالب النبوة أقرب القوالب للذهنية العربية نظراً لحماستها وايمانها بالخارق الغيبي في مجالات كثيرة.

وكما كانت النبوة سقفاً لا يعلوه سقف ولا ينبغي، فيستحيل تجاوزها معرفياً إنما قد تُدَّعى فقط كحال مدَّعي النبوة: مسيلمة الكذاب وسُجاح ومازال البعض يراها كذلك إلى يومنا هذا. والنبوة بالنسبة إلى ذهنية العربي سلطةُ وضع الحقيقة معلقةً ميتافيزيقياً فوق كل العقول. وهي هبوط الوحي من مصدرٍ لا قبل له به، من قوة إلهية تختار من تشاء وتقرر ما تشاء وتصرّف الحياة كيفما تشاء. لكنها تحولت إلى مجالات السياسة والاجتماع، فأصبحت النبوة كافيةَ الاستعمال فيما يرى ابن خلدون (الملك القائم على النبوة) لإخضاع الإنسان وغدت قادرةً على إلهاب عواطفه وتحريكه للمنافحة عن أصوله المحفوظة. لعلَّ كانط أصاب حين اعتبر الإسلام ديناً شجاعاً إزاء الأغيار. فإنْ كان هناك ما يميزه عن سائر الأديان من وجهة نظره، فيتميز بشجاعةٍ ليست تقنية صراعية، لكنها عمل كوني جعله ديناً عالمياً. وهنا تمتص الثقافة الأنماط الكبرى للسلطة وتعيد إفرازها وتوزيعها في جوانب ثقافية أخرى (النبوة من الدين إلى السياسة).

المفارقةُ تبرز هنا في وجود أكثر من أفلاطون وأرسطو في الفلسفة الغربية بينما في الفكر الإسلامي ظل الشخصان كما هما، لم يتغيرا بل أُضيفت إليهما مساحيق النبوة وطبقة دلالية سميكة من نبوءات الأخلاق والحكمة. هذا هو الفارق بين الذهنيتين العربية والغربية. بل بإمكاننا العثور عند العرب على الفيلسوفين محنطين كمومياء ثقافية، فلم نبتكر أسئلةً جديدة جدة وجودنا الحضاري، لأننا ما عدنا لنتجاوز مواقفنا بدورها إلاَّ نقلاً أو حفظاً.

وهذا لا يعنى عدم اسهامنا في مسيرة الفكر الفلسفي. فالإسهام واضح ببصمات الفارابي وابن رشد – كما نوّهت- على التراث اليوناني أثناء عبوره إلى الغرب، ولكن هذه جهود فلسفية فردية لم تؤثر في بنية الثقافة الأم. وهنا اتحدث عن طريقة ولادة الأسئلة في الذهنية العربية، كانت ولادة داخل البيئة بإمكانياتها على التفكير التساؤلي واجهاضه كذلك. ولادة قيصرية من حيث أن الأسئلة تتجزأ وتنهضم خلال البنية العامة، تلك التي تتميز بالنزعة التجزيئية كما تقول الشاعرة نازك الملائكة.

يبدو أننا لكي نُطلق عناناً لأسئلة حقيقيةٍ لابد من تجاوز هذا الهضم الثقافي. فكل اسهام فكري لا يحاول تجاوزاً للمواقف المحدودة يظل تجزيئياً، ولا يفعل أكثر من تمتين البنية المهيمنة في كافة الجوانب الحياتية. إن الهضم الثقافي- الذي يشعرنا بالامتلاء والاريحية- هو الصورة المتنكرة في عباءة براقةٍ، غير أنَّها مرقعة بنفس الجوهر. بالمقابل فإن التفلْسف بكونه أسئلةً ماهويةً، يفترض انتهاكاً فكرياً لهذا الوضع( كشفه ونقضه من الجذور). فلم يعد شأنا يخص فرداً أو جماعة أو طائفةً، إنما بنية ثقافية تطال الجميع حتى المثقفين المتنورين وأصحاب الاسهام الفكري.

السؤالُ الفلسفي يحرر العقل من سلطة العقل (التي هي تاريخه الثقيل)، لكونَّه سؤالاً (فيه وله) قبل أنْ يتجاوزه إلى غيره. التحرير شرط للطرح (أي يجب اشتراط فهم التاريخ)، لأنَّه استشكال لوجوده، ومساءلة بقاياه السارية بواسطة مفاهيم نمطيةٍ. من حينه لن يهادن الاستفهامُ موضوعه، ولا يكتفي بهذا الوضع، لكنه لا يدع أساساً دون نسفه من الداخل. فهو كاستفهام ينخرط عاملاً على تحرير دلالة الكلِ، وهو بهذا سيعلِّن عن قلقه بالمثل، فنبرته الميتافيزيقية لن تكون بدون أضرار مثلما يتوقع كانط.

فالعقل الخالص– من رأي كانط- قد يهدم مبادئه بنفسه، إذا طرح السؤال الذي يعجز عن الإجابة عليه. بل تصور الفيلسوف الألماني أنَّه قد يكون سؤالاً واحداً (من بين مجموعة الأسئلة) هو الكفيل بإتمام ذلك. فلو ثبت أنَّ مبدأ العقل الخالص لا يقدر على الإجابة عنه فعلاً، فلا مناصَ من رفض المبدأ ذاته، لكونه سيفشل كما يعتقد في إجابات أخرى حيال بقية الأسئلة بصورة وافية ومتسقه مع الكلِ.

لم ينس كانط تذكيرنا أنَّه مهما بلغت مبادئ النسق العقلي من الكمال، يظل شمول هذا النسق نفسه عرضة لخطر التآكل الاستفهامي. أي يجب ألاَّ تغيب عنه مبادئ مشتقة نتيجة أسئلة مطروحة بعد تبلور الأفكار. فحيث لا يمكن تقديم المبادئ المشتقةَ بصورة قبليةٍ بل يتم اكتشافها بالتدرج، ينفتح النسق على أفاقٍ أخرى. هو لا ينفتح قسراً، إنما من طبيعة ذاته لأنه منطوٍ على إمكانيات نقائضه. أي نسق فكري وأيديولوجي ينطوي علة تلك السمة التي تهدد كيانه قد أن يتساقط بفعل الصراع من الانساق الأخرى وعوامل النقد الخارجي.

التغاضي عن تلك النقطة يؤدي إلى "الفقر الفلسفي"، حالة من الدوار- بحجم الحياة- تؤرجح وجودنا: هذا الارباك العربي الذي نشاهده في الأوضاع الاجتماعية والتنظيم السياسي والمجال الأخلاقي واهتزاز بوصلة القيم. نظراً لغياب الفلسفة عربياً وتضخم المذاهب والأيديولوجيات المتشددة، فالفلسفة سؤالٌ لشيء أعمق من كلِّ الأشياء. شيء لم يعد قادراً على احتواءنا، ومع هذا ينتج كلَّ طاقته لتمرد الوعي، ويفتحُ اهماله ثقباً فيه بحجم ثقب الأوزون الذي يمتص كافة الطاقات، هذا هو مناخ الفكر الذي تساءله الفلسفة جذرياً وتصنع منه أسئلة حيوية لصالح الإنسان. إنسان ربما يخرج يوماً عن "قواقع الأنظمة" اجتماعياً وسياسياً، حيث يعلن عصيانا جذرياً للفكر.

إذا أردنا توضيحاً للموضوع تبعاً للذائقة العربية، فالسؤال المؤثر استشكال خلْقِي بلغة الله الخالق لا بكيانه. لأنَّه كسؤال من جسد الثقافة بحدِّ ذاتها لا يضع هناك مرجعية لاهوتية لما يطرح. فلم يكن الله في القرآن حين عرض قضية أدم على الملائكة طارحاً للكلام بصيغة آمرةٍ وهو القادر عليه، لقد طرحه بمضمون الاستفهام. كان مضموناً استشرافياً باعثاً لدى المتلقي على التوجس والخيفة والترقب. هذا معناه أنَّ كل سؤال به هذا الارهاص الكوني، هذا البعد المستقبلي؛ أي الارهاص البدئي بالأشياء الخطرة.

ليست خطورتها جزئيةً، لكنها خُطورة كلية من نقطة بعيدةٍ تكاد تلامس دلالة الإله وقدراته في الأفق العام. فلم تكن قصة الخلق التي تحدث عنا القرآن (خلق آدم) وضعاً معرفياً وحسب. لأنَّ الله قال لملائكته: "إني أعلم ما لا تعلمون"؛ أي رفع عنهم عبء المعرفة المنجزة بمنطق المستقبل. وجعلهم في حلٍّ من نتائج سقوط توقعاتهم. إذن ليس السؤالُ موقفاً معرفياً فقط. ولهذا هم ردوا بصيغةٍ استفهاميةٍ تصديقاً لكلية السؤال، قالوا "أتجعل فيها من يفسد فيها ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"، لقد فهموا الموقف كطرح لمسألةٍ تحتاج إلى بدء حياة مغايرة لمعرفتهم لا مجرد اثبات فكرةٍ مسبقةٍ.

الاستفهام الإشكالي به هذا الطابع الخائض في المستقبل، به ذلك الحدس المتجاوز للظرفي. وكلام الله في القرآن هو طاقة الخلق ليست غير، مثلها مثل فكرة الألوهية في تاريخ الثقافة الإنسانية، إذ تعبر أحياناً عن قدرتنا على ممارسة الحياة. أي طاقة المعنى عند إنسانٍ قادر على الشعور بالله ايمانياً في تجارب مختلفة، إنَّها لغة القيمة الإجمالية لتنوع الأفعال والأشياء. وأيا كان تعيُنها خلال أشكال ومعتقدات أو غيرها، فستظل على وعدها الذي تحمله، كوعد تكويني بالأساس وفوق ذلك يذهب الوعد خارجاً نحو التحقق. سيكون السؤال علي أثرها عملاً مهموماً بإعادة تأسيس نفسه وتدعيم طاقته بذات المعنى. ليس الله هو الشكل ولن يكون اتجاهاً، ولهذا نفته الأديانُ الابراهيمية في جوهرها، فكان بدلالةِ العرفان هو اللا حدود.

ولو دققنا النظر، لوجدنا في حركة السؤال (أي سؤال فلسفي) معنى متفجراً، قدرةً على التأويل المبتكر والفهم المفتوح المترتبين عليه وأحياناً المصاحبين له. إنَّه يؤكد حالة الحيرة التي تكتنف فكرة الكشف والتجلي وبدلاً من التّعيُّن في نقطة ما ينطلق الاستفهام بالرغبة التي تلاحق مجهولاً محتملاً. السؤال يتخطى إمكانية طرحة، مهارته الذاتية أبعد من مجرد الصياغة والتفكير في حدوده، وقد يتعاونان على خلق طريقة في التفلسف.

إنَّ أصالةَ الأسئلة ليست عتاداً في مواجهة التراث وصورته المكتملة ماضياً. هي تحمل بكارة الفكرة، وطرح الاختلاف- لو اتيح - وسط استحكام العقل، فليس هنالك أكثر من البحث عن الحياة المتغيرة. إنَّ نهراً كلياً في هديره هو الحياة إذ نحن مغمورون فيها، أحداثها واعدة بالجديد، وأفعالها غير متوقعه، مخلوقاتها مذهلة تظهر أحياناً وأخرى تختفي. إنَّها استحالة التصور لما يُطْرح من أساسه. تماماً مثلماً كان رد الملائكة على الله هاجساً حياتياً عاماً (أتجعلُ فيها من يُفسِد فيها ويُسفك الدماءَ ونحن نسبحُ بحمدك ونقدسُ لك)، ردٌّ كَشفَ خطورة الحياة في المخلوق (آدم) الآتي من القادم لا من الماضي، فكانوا يتكلمون بعبارات المستقبل.

السؤالُ إذن: هو أنْ تعيش حياة الفكر بشكلٍ أكثر أصالةً، بشكل أكثر جذريةً كما هي، لا كما يُراد لها بالإنابة، فلا أحد يعيش مكانك أو يأخذ قدّرك، وتاريخنا العربي تقريباً جرى "بالإنابة عن لا بالأصالة في". إذا كانت  الفرق الإسلامية(كالمعتزلة والأشاعرة ) قد طرحوا مشكلة حرية الإرادة على نحو تفصيلي، فالتراث العربي، بخاصة السياسي والاجتماعي، أثبت العكس، تراث الاستعباد تحت الحاكم المستبد والأنظمة القمعية، فأكد عملياً قيام الإنسان بدور المُكْرّه لا الفاعل.

بالفعل كان إثباتاً لخطأ الطرح الكلامي (أو لمكره الثقافي)، حيث جاء توظيفاً سياسياً وثقافياً للإرادة الإنسانية، فحياة الناس سارت بأدوار وظيفية تحركها السياسة والتقاليد لا بدوافع ناشطةٍ ذاتياً وروحياً. وهذا كان منبتُه أنَّ المعتزلة والأشاعرة انطلقا (بحسن النية) من تبرئة الإرادة الإلهية إزاء الشرور وأفعال السوء، فكانت إرادة الحاكم هي المبرأة رغم تورطها في استعباد الإنسان. وهنا تم خلع صفات الجلالة والقداسة والصفات الالهية على الحكام رسمياً ودينياً. وأصبح الفقهاء الذين برأوا ساحة الله من التعطيل والتجسيم والتشبيه قد تورطوا في تجسيم رجال السلطة وتشبيه أفعالهم عياناً بياناً، وضعوا نوعاً من الوثنية المقلوبة من حيث لا يعلمون.

إنَّ آليات السياسة هي تفريغ آدم الكوني من أهميته، تلويثه سياسياً بالعبودية والخنوع والتدجين والمسخ. حياة المجتمعات العربية إفشال صريح لمشروع آدم، وتصفية لقضية الجعل الإلهي للإنسان جعلاً حُراً بخَلْق إلهي. وعندما يُوصف المشروع بالمهم، تأتي الأهمية من خطورة ماهيته الإنسانية. فهو كائن بصلاحية الإله (خليفة بلفظة القرآن)، لكن بقدرات بشريةٍ جاء العربُ ليتنازلوا عنها للسلاطين والملوك والطوائف الاجتماعية والتقاليد. أي تنازلوا (عن الله) فيهم بشكل حر لصالح عبوديتهم لغيره الأكثر عنفاً. وليس تُستثنى من ذلك جماعة أو طائفة، ولذلك فإن هؤلاء الدُعاة الذين يتكلمون باسم الله، قد أسسوا لاهوت السلطة وعلاقات الراعي والرعية وهيكل الكهانة ولوثة الوسيط العنيف وانحرافه.

ومن ثمّ، فحدودُ الوعي بالسؤال ليس تلقيناً لمواقف مستهلكة ولا تلقيماً لأفكار بائدة. إنَّه انفتاح بإمكانيات الماهية المتجددة، التي ليست نحن حصراً بقدر ما نبتكر وجودنا ابداعياً. فالإنسان من حيث هو كذلك يستعيد وجودّه من الضياع حين ينطلق مع التفكير الحر. قد يخشى العواقب، لكن من العواصف تُخلق الأجواء الحرة، ومن الأنواء الهادرة تعبر السماء عن تشكيل العالم. المعنى الدال في هذا أنَّ كلمة السماء في العربية لا تدل على التعالي المناوئ لأي سقف، لكنها تُستعمل فعلاً بمعنى السطح القريب. بلاغة الأسطح الدنيا في السياسة والاجتماع والمعرفة هي سماء العقل العربي حتى الاختناق. فكل ما يعلو الرأس يسمى في العربية سماءً، وهذا مصدر القيود واستعصاء اختراقها. لهذا لا يستطيع المفكرُ العربي تجاوزها، بل يضعها لنفسه ويسلسل بها أرجله ويعلن زيفاً أنّه طليق حر!! وأخطر أنواع القيود تلك التي تترسخ داخل اللاوعي نتيجة الخوف من ملاحقة التقاليد أو السلطة أن الهواجس الاجتماعية.

باصطلاح هيدجر تعدُّ ماهية الأساس لدينا تسطيحاً للمبادئ إلى درجة التعميم الانفعالي. فلئن كانت الفلسفة تعلمنا التفكير بالمفاهيم، فنتيجة غيابها المأساوي في مجتمعاتنا العربية، يصبح التفكير مجرد انفعالات لا رابط بينها. ولذلك لن تكون ثمة قيمة للفكر لكونه غير مؤثر وهو انطباع عام لا يلوي على قدرة عقلية تحقق نفسها أو تسعى إلى ذلك. ثم إنَّ الواقع يُعلن منذ بالبدء كما تقول الأم في الثقافة العربية داعيةً لابنها (اللهم يكفيك شرَ الفكر يا بني). إذن الفكر في الوعي الشائع مرض عضال وشر نفسي يجب اللجوء إلى الله لإزاحته دون طريق من نحب وهو مجال علة لا مجال صحة.

والأم هنا هي الثقافة التي تردد ما تضمر وتكشف نفسها في المواقف الحرجة باسم فلان أو علان (الأب أو الأم). وربما أنَّ كون الفكر شراً هو أبلغ ما يُوضع تحت الاستفهام، لأن الأنظمة السياسية استغلت الدعاء بزوال الفكر عن الناس لتتلقفهم، حيث فكرت بدلاً عنهم، وحلت المشكلات عوضاً عن وجودهم وبالنهاية أصبح لا وجود لهؤلاء الفارين من الفكر حتى فروا من الحياة ذاتها. فجاء المواطنون في دولنا العربية كـ" العصف المأكول"، لا قيمة لهم ولا أهمية، إنه سقف الأفكار المعلقة في مناخ قريب من الحس اليومي، حس هو "ضعف العمران والعصبية والتوحش" بلغة ابن خلدون، لغة شارحة وكاشفة تاريخياً للأحداث والتحولات العربية حتى هذه اللحظة من عصرنا.

 

سامي عبد العال