hyam muhiadinنجحت الجماعات المتطرفة عبر السنوات انهار فيها مستوى التعليم وتدني فيها الاهتمام بثقافة التنوير في اجتذاب أجيال من الشباب إلى اعتناق فكرها المتطرف مستغلة الخواء الثقافي وتقليدية المناهج التعليمية التي تعتمد على الاستظهار والحفظ ولا تهتم بالتفكير والفهم، فنشأت أجيال من الشباب امتلأت عقولها بفكر ضال مضلل في فهم العالم حوله وفي معرفة الأسس الفكرية والثقافية والاجتماعية التي يقوم عليها عالمنا المعاصر، ويسير على أساسها في تطوير نموه الحضاري، فحصروا الشباب في فكر فقهي مر عليه ألف عام، واكتسب قداسة زائفة كأنه جزء من الوحي، واختاروا منه أشد آرائه تطرفا وأكثرها بعداً عن العصر وعن العقل، لكي ينمو جيل يعطل خلايا التفكير ويؤصل عملية التلقين التي تلغي العقلية النقدية الخلاقة التي تشكل العمود الفقري للتقدم الإنساني، فأصبح شبابنا الذي عومل تعليميا وثقافيا تحت هذه الظروف آلة للتدمير والهدم ومثالاً للغباء والجهل لا يقبل الرأي الآخر ولا يستطيع التفكير المستقل ويقدس شيوخه الضالين ويعتبر فكرهم المنحرف وحيا منزلا من السماء ويكفر من لا يتبعه أو حتى من يناقشه في مدى صحته وتعبيره عن صحيح الدين فدعا لمخلوق وألَّه زائلاً وارتد في ظلم العصور القهقري، لنجد مجتمعاً منغلقاً على فكر تجاوزته البشرية منذ قرون – بعضهم يؤكد أن الأرض مسطحة وينكر قانون الجاذبية – مما يؤكد فشل المناهج التعليمية حتى في أساسيات علوم الكون بل زاد الطين بلة أن طائفة من المعلمين تم غسل أمخاخهم بفكر تيار التأسلم المتطرف فأصبحوا دعاة له بين تلاميذهم بل وصل ذلك الفكر المتطرف إلى بعض أساتذة الجامعة مما أسهم في انتشار بين الصغار والشباب في المدارس والجامعات، وحتى داخل بعض الأسر نجد أن التربية التي يهتم الآباء فيها بغرس عقائد الدين وعباداته تحولت إلى استخدام أساليب التلقين والإلزام دون أساليب التفكير والإقناع فانتشرت ظاهرة تحفيظ الأطفال في سن مبكرة للقرآن الكريم دون فهم أو إدراك للمقصود الإلهي من النص أو الإعجاز اللغوي فيه فيصبح ترديد الآيات ببغائيا هو الهدف الأسمى من عملية التحفيظ وأقيمت المسابقات على أساس الحفظ فقط دون مراعاة للمرحلة السنية أو العقلية وتم إهمال غرس القيم الدينية الأخلاقية والسلوكية اكتفاء بمظاهر اللحية والحجاب والنقاب وأداء العبادات ظاهريا وتسميع الآيات بلا فهم ولا تطبيق، فليس في مناهج هذا الفكر المسطح ذم للكذب ولا حث على الصدق أو نهي عن الخيانة وتأصيل للأمانة أو بغض للظلم وحب للعدل كما أنها تعادي حرية التفكير وتكرس لعبودية الاتباع، ويتسم هذا الفكر المنغلق بإصدار سيل من الفتاوى التي تكفر المجتمع وتحل العنف وتشجع على التخريب مما يحول مواجهته إلى مواجهة أمنية تقوم على أسلوب الردع بوسائل الأمن ولا تناضل بأسلوب العقل بوسائل الفكر، لأن فكرهم بطبيعته غير المنطقية لا يصمد أمام المنطق والحقائق العقائدية والدينية ويعرفون عن يقين أن أي صراع فكري يعتمد على الحقائق والمنطق العلمي والعقلي سيخرجون منه خاسرين، لذلك يتجنبون ما أمكنهم الدخول في مواجهات فكرية أو عقائدية بل ويقنعون أتباعهم بذلك ويؤكدون عليهم عدم الاستماع إلى أي فكر واتهام معارضيهم بالكفر والخروج على الدين لينفروا الشباب منهم ويبعدوه عن الاستماع إليهم.

فنحن نواجه فكرا شديد الانغلاق والتخلف لا يتورع عن استخدام أحط الوسائل في صراعه ضد التقدم والفكر وقد تغلغل كثير من نشطائه في مؤسسات هامة وخطيرة كالمدارس والجامعات والمؤسسات الشبابية والرياضية وجمعيات المجتمع المدني تحت ستار الدعوة إلى الدين والتي تخلو عندهم من الدعوة إلى مكارم الأخلاق التي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتممها فقال: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق فنحن أمام صراع بين فكر التنوير والتقدم وانغلاق التخلف والظلام، وعلينا أن نقوم بعمل تنويري شامل يكشف هذا الفكر ويبين تخلفه وزيف تعبيره عن حقيقة الإسلام الذي هو دين العلم والتفكير والتقدم والحرية وليس دين الانغلاق والتخلف والرجعية ونبين لهم أن الإسلام لا يلزمنا باتباع آراء فقهية ربما كانت صالحة لزمانها ولكنها لا تتسق ولا تصلح لزماننا، كما أن مفهوم النص الديني لديهم ليس أيضا ملزما لنا في ضوء التقدم العلمي والحضاري الهائل الذي حققته البشرية في العصر الحاضر نعم إن النص الديني ثابت ولكن فهمه البشري متغير وعظمة النص الديني الثابت في الإسلام أنه يمكن فهمه بما يلاؤم كل تقدم يحققه البشر، وهذه حقيقة ثابتة في النص القرآني الذي أذهل إعجازه اللغوي والعلمي والعقائدي البشرية منذ نزوله على محمد صلى اله عليه وسلم حتى اليوم، إن تقدمنا وخروجنا من مشكلاتنا الحالية مرهون بقدرتنا على محاربة هذا الفكر المنغلق وكشف زيفه وبعده عن حقيقة الدين وهذا واجب العلماء المستنيرين والإعلام المتفتح ومؤسسات المجتمع الفكرية والثقافية علينا أن نخبرهم على الإتيان لحلبة النقاش العلمي، وأن نمنعهم من إفساد عقول أبنائنا وعقيدتهم بكل ما نملك من علم وفكر وعقيدة ووطنية.

 

هيام محي الدين

يحتل الدين في المجتمع العراقي مكانة مركزية، في ذهنه وحياته، كمعيار شرعي ومعرفي وأخلاقي، واستقرار نفسي وروحي. لكن مفهوم الدين متأثر جدا بقيم المجتمع ونفسية الفرد باستقلال نسبي عن مفهوم الدين ألاعتقادي والفقهي، وهذا ما سأبحثه التناشز ما بين الدين كمعتقد والدين كممارسة في المجتمع العراقي.

أول شيء يلفت الانتباه في المجتمع العراقي هو التزام العراقي بالعبادات دون الالتزام بالمعاملات والأخلاق سوى القول دون الفعل وهي الفروع الأخرى للدين، مستبدلا إياها بالقيم البدوية القائمة على الغلبة، أي أن الدين مجتزأ التطبيق، فالعراقي يصلي لكنه فاسد إداريا أو ماليا في دوائره الحكومية؟ يتكلم بالزهد في الدنيا وهو مهووس بالجنس والمال في حياته، يغش في البيع والشراء، يغش في مهنته إذا كان صاحب المال في غفلة منه أو جاهل بأجور المهن.

الدين عند العراقي فردي، والإيمان ليس إلا عبادة وأدعية وتسبيح، من اجل خلاصه الفردي والمتاح للعابدين من جماعته المذهبية فقط، لإشباع حاجات غريزية في الجنة كالأكل والشرب والجنس، والخوف من الاحتراق بالنار، دون أن يفكر بالخلاص لمجتمعه، أي جعل وظيفة الدين الاجتماعية وظيفة أنانية، فالدين كما هو معروف عبادات ومعاملات وأخلاق وعقائد، والعراقي يركز على العبادة ويهمل الأخلاق والمعاملات ويتركها للكلام بها فقط (باستثناء عقود الزواج)، العبادة والأدعية والتسبيح هي علاقة حصرية بالله وهي تخص الآخرة، أما الأخلاق والمعاملات فهي علاقة الإنسان بالإنسان وهي تخص الدنيا، أي انه يلتزم بنصف الدين، فالأخلاق والمعاملات تساعد في تكوين مجتمع ملتزم أخلاقيا ويُنظم معاملات الناس وفق ضوابط حتى لا يعم الفساد والفوضى، أما العبادة لوحدها فهي خاصة بالإنسان وربه للفوز بالآخرة وحين يكون الدين عبادة فقط، كلُ يبحث عن خلاصه الفردي الأخروي، فيتفرق الناس كل لخلاصه، فيعم الفساد بينهم دون أن يتكاتفوا لمكافحته وتكون نتيجته الاهتمام بالآخرة على حساب الدنيا فيهدر حقوقه الاجتماعية والإنسانية والسياسية تاركا التخلف والاستبداد والفساد يعم بالمجتمع. ولذ نرى كثير من العراقيين ملتزمة بالعبادة والأدعية وفاسدة إداريا وماليا وتغش بالبيع وتكذب بالكلام وترتشي وتزوّر وتختلس بالمال العام أو الخاص؟ وهو مخلص في عبادته مع نفسه وليس رياء كما يظن سائر الناس، عازلا الدين عن وظيفته الاجتماعية الأخلاقية والمعاملاتية! وحتى العبادة إن وضعت تحت النقد فإننا سنراها عادة وليست عبادة، مجرد حركات بدنية يكون فيها العراقي ساهيا في أمور بعيدة عن الصلاة غالبا ما تخص العمل، حتى أن بعض المصلين ينسى عدد الركعات! لتصبح هذه الحركات البدنية غاية بذاتها يشعر بها العراقي بالرضا النفسي في أداء الواجب لله، ولا تصبح هذه الصلاة تفاعل مع الله إلا في المواقف الحرجة كالمرض والإفلاس والعوز والمشاكل وطلب حاجة، أي في مواقف الضعف والمنفعة؟ بينما الصلاة هي صلة نفسية وروحية بين الإنسان والرب. إن العراقي لا يفهم من وظيفة الدين الاجتماعية إلا إقامة الدولة الدينية ليردد عبارات مثل قوله (يجب تطبيق القرآن، يجب فرض الحجاب وتطبيق الحدود كقطع اليد والرجم والجلد وقتل المرتد) لكنه يستخدم الدين بالغش فاثر الركوع على جبينه الذي يكون عامل احترام وثقة من الناس له، يستغل هذه الثقة ليغش الناس بيمينه الذي لا يكذب وبوقاره المحترم يستغفل الناس، أو يستخدم الرموز الدينية المقدسة قسما يحلف بها كذبا للخداع، ويستغل حتى رحمة الله ليرتكب الذنوب والمعاصي فأي عمل غش يقوم به يطلب العفو والمغفرة والتوبة عنه بالصلاة والدعاء والتسبيح والتصدق للفقراء والمثل العراقي يقول (ساعة ﻟﮕلبك وساعة لربك) ودائما يردد العراقي (يمعود الله غفور رحيم) ليبقى يغش ويكذب ويختلس كأن التوبة والمغفرة هي مبرر الذنوب! مسقطا هذا التناشز بالشخصية على شخصية الله، فبحجة أن الله غفور رحيم ترتكب الأخطاء ليغفرها الله بالعبادة فيما بعد؟ لان الله لا يريد من الفرد إلا الولاء بالعبادة والطاعة والخوف وكل ما عداها يهون كما يرى العراقي! أو يستخدم الوساطة مع الله بزيارته للأضرحة المقدسة ليشفعوا له عند الله وهو أيضا إسقاط للوساطة الأرضية على السماء فيمحو ذنوبه كأنه عاد طفلا!! وهذا الاستغلال لرحمة الله بسبب الخوف والطاعة الذي يحكمه في علاقته بالله! لان صورة الله منسوخة عن العلاقة العبودية بالسلطة المستبدة التي بدورها رسختها بوعاظها الرسميين، بدون وجود علاقة حب بينهما، فالخوف والعوز والطمع هي البديل عنها، أي أن العراقي لا يحب الله بل يخافه ويحتاجه! لأن عقاب الله إذا غضب يتجاوز الأفراد إلى أسرهم وأقاربهم أو حتى العقاب الجماعي لمدن، فصورة الله اجتماعيا منسوخة عن السلطان، حيث يتقدم الولاء على النزاهة! وعليه ما دمنا نعبد الله (الولاء) فليس مهماً النزاهة لان الله لا يريد إلا الولاء! ولا يمكن وصف العراقي المصلي بالمتدين بل العابد. والناس من جانبها تكتفي بالرجل الذي يلبس الدشداشة والقلنسوة والمسبحة واثر السجود بجبينه ويذهب للمسجد والحج لتصفه (متدين) أو (مؤمن)، تراه يكثر من قراءة المصحف ويستشهد بالأحاديث النبوية في أحاديثه مع الناس ويحرّم الأغاني والسفور ويحث الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والناس تكتفي بإلزام أولادها الصلاة فقط دون التركيز على الأخلاق؟ وهي تذهب لصلاة الجمعة والاستماع للخطبة دون أن تتأثر بما تسمع فالذهاب من اجل الأجر وليس التأثر؟ وكذلك الحال في الاستماع لخطب التلفزيون فالأجر أهم من التغير! فهي علاقة جدلية بين الناس والعابد. والعراقي يهتم بطهارة الجسد من النجاسات كالتبول واقفا، ولا يهتم بطهارة النفس كالنزاهة والأمانة والصدق والإخلاص والوفاء من نجاسات الكذب والغش والنفاق والرشوة والفساد والسرقة، وهو يحرم بعض المأكولات والمشروبات دون أن يحّرم رمي النفايات بالشارع، التجاوز على أراضي الدولة، هدر الماء والكهرباء، إطلاق النار بالمناسبات، مخالفة قواعد المرور، الإضرار بالممتلكات العامة، التدخين بالأماكن المغلقة، تجاوز الآخرين بالطابور، إزعاج الغير بالصوت العالي، فالطهارة جسدية وليست نفسية، والتحريم جسدي وليس سلوكي اجتماعي.

إن الدين عامل توحيد اجتماعي كما نظر إليه عالم الاجتماع (أميل دوركهايم) لكن الدين أصبح عامل انقسام طائفي عندنا! إذ جعلنا من وراثتنا لمذهبنا حجة للانتقاص من المذاهب الأخرى، وجعلنا من وراثتنا لديننا مبررا لتكفير الأديان الأخرى! لان كل ما عدانا باطل! وأن الخلاص لمذهبنا وديننا فقط! ويمكن استثمار الدين عاملا ثوريا ضد الأنظمة الفاسدة والدين عندنا صار عامل تزكية الأنظمة وصك شرعيتها، والدين ينظم بعض أمور الدنيا والآخرة ونحن جعلناه للآخرة فقط لهذا يكثر العراقي الحديث عن الآخرة ويحتقر الدنيا برمتها متنازلا عن حقوقه الإنسانية الأساسية كالعيش الكريم وتوفر فرص العمل ونظافة البيئة والماء وتوفير التعليم والمستشفيات وإتاحة الحرية والعدل والمساواة الخ لكونها مطالب دنيوية ويترك أمر تحقيقها إلى إرادة الله وحده! لأنه يعتقد أن البؤس والفقر والظلم قدر من الله وعلى الإنسان القبول والشكر في حين أن الإسلام ثار على العبودية والوأد، والنظام الظلم ليس بسبب الله بل بسبب خضوع الناس وسكوتهم على اغتصاب وانتهاك حقوقهم.

الخلاصة إن مفهوم الدين عند العراقي فردي وليس اجتماعي، غريزي وليس روحي، نفعي وليس إنساني، أخروي وليس دنيوي، شكلي وليس جوهري، جزئي وليس كلي.

محمد لفته محل

modar alhilouقبل أن أدخل في صميم الحديث لابد من مقدمة تتألف من ثلاث نقاط أولاً: أنني لا أدعي أن ما سألقيه هو نظرية أو فكرة متكاملة وإنما هو مجموعة خواطر أحببت أن أبثّها بينكم وأنا حريص جداً على أن نتحاور فيها علّنا نصل إلى صيغة معينة تخدمنا جميعاً في خضم هذا الواقع المتأزم الذي نعيشه وسينعكس الفرق جلياً فيما سأقول بين الحوزوي والأكاديمي. فالمنهج الحوزوي لا يعتمد على الورقة أو النص المكتوب بقدر ما يعتمد على الذاكرة، ولا أظنكم في يوم من الأيام رأيتم مُعمّماً يقرأ من ورقة، وإنما يتكلّم شفاهاً في الأعم الأغلب مُعتمداً على ذاكرته ولهذا تكثر عندنا في الحوزة جملة "الكلام يجرّ الكلام". إذن، يتحدّد الأكاديمي في العادة بمادة معينة يكتبها ويُمنهجها، أما الحوزوي فينهل من خزين ذاكرته المعرفية الذي يتراكم بمرور الأيام. ثانياً: أنني لا أدّعي أن ما سأذكره هو عين الحقيقة وبالتالي لا يجدني أحد منكم مدافعاً شرساً عمّا أقول لأن ما سأقوله هو مجرد خاطر يخطر في الفكر قد يقبله البعض وقد لا يقبله البعض الآخر. وبالتالي فأنا لا أدّعي امتلاك الحقيقة كما يدّعيها عادة رجال الدين لأنني أومن بأنَّ الحقيقة كالمكعّب عندما ينظر له شخص من جانب يعتقد أنه رأه كله، وعندما ينظر له شخص آخر يعتقد أيضاً أنه رآه كله ولكنه في واقع الحال أن كل وجه يختلف عن الوجه الآخر. أو هو كالفيل في المثل الهندي المشهور الذي كان في غرفة مظلمة وقد ادّعى الجميع بأنهم مسكوا الفيل ولكنهم في الواقع مسكوا أجزاء من الفيل، فهذا مسك يد الفيل، وذاك مسك أذن الفيل، والثالث مسك خرطوم الفيل وهكذا دواليك. ثالثاً: إذا أردنا لأفكار الحداثة أن تعطي ثمارها ويكون لها تأثير على الناس فيجب ألا تبقى حبيسة الغرف المغلقة، بل لابد لهذه الأفكار أن تنزل إلى الشارع وتنتقل من عالم النخبة إلى عامة الناس كي تثمر وتؤتي أُكُلها". يعتقد السيد الحلو أن الأفكار التي تدور في خلد النخبة هي التي أحدثت التغيير الهائل في الغرب ولم يكن لها أن تؤتي ثمارها لو أنها بقيت حبيسة النُخب والجماعات المثقفة غير أن هؤلاء المثقفين استطاعوا أن ينزلوا إلى الشارع ويطرحوا آرائهم ونظرياتهم التي أصبحت زاداً ثقافياً للناس غيّرت أفكارهم نحو الأفضل. أما إذا بقي المثقف يعيش "وهْم النخبة" كما يسمّيه المفكر علي حرب فلا أعتقد أن هذه الأفكار سوف تثمر أو تغيّر شيئاً من حياة الناس. اختزال الدين إن نص المحاضرة هو "الدين والشريعة: الثابت والمتغيّر". ولكي نفهم دور الدين في حياة الإنسان لابد أن نتوقف عند وجهتي نظر، الأولى تقول إن الدين عبارة عن مجموعة نظم اقتصادية واجتماعية وسياسية. وكل الذي فعله الفقهاء أنهم ركّزوا الدين على الشريعة، أي عن الحلال والحرام، والتزام الإنسان بالأوامر والنواهي، ثم زحف الحلال والحرام على الدين واحتل المساحة كلها لأنه اختزل الدين بالحلال والحرام. يعتقد السيد الحلو أن وجهة النظر هذه قد أفضت إلى "كارثة" سواء قصد الفقهاء ذلك أم لم يقصدوه. فكل مَنْ لديه مشكلة مع الشريعة اتخذ موقفاً من الدين على اعتبار أن الدين هو الشريعة. ومن بين مشكلات الشريعة أن تكون غير موائمة لظروف الزمان أو غير مؤهلة للإجابة على كل الأسئلة أو علامات الاستفهام التي تُثار في واقعنا الراهن. فالمرأة تجد نفسها مظلومة في الشريعة لذلك اتخذت موقفاً من الدين. لقد قامت المؤسسة الدينية بدور خطير جداً، ولا أدري إذا كان مقصودا أم غير مقصود، فأنا لا أرجم بالغيب حينما اختزلتْ الدين كله بالفقه وأعتبرت رجل الفقه أو دارس الشريعة هو رجل الدين. وهذا يعني أنه لا يمكن لأحد من الناس أن يفهم الدين إلا عن طريق رجل الدين الذي صُوّر للناس وكأنه مخزن لأسرار الغيب، وهو الواسطة بين الغيب والناس لذلك أصبحوا مشدودين لرجل الدين، ومنقادين إليه وهو أعمى ولعل هذا الأمر ينعكس على بعض المقولات التي تتردّد على الألسن من قبيل "ذبها برقبة عالم واطلع منها سالم". وبالنتيجة فقد تمّ احتكار الحقيقة الدينية من قِبل رجل الدين مما أساء كثيراً إلى الدين الذي سيتعرّض إلى هزّات عنيفة، ومخاضات عسيرة، ومواقف قاسية جداً من قِبل الذين اتخذوا موقفاً من الشريعة أفضى بالنتيجة إلى خسارة الدين لبعض من جوانبه. الإسلام السياسي استشهد السيد الحلو ببعض الأمثلة التي لها مساس بواقعنا المعاصر مثل بعض حركات الإسلام السياسي الذي وصل إلى الحكم باسم الدين أو اتخذ من الدين وسيلة للوصول إلى الحكم، ووصلوا بالفعل. والمفارقة في وصولهم إلى الحكم أنهم بدأوا يتصرفون بطريقة فجّة مع حقوق الناس، ولا أقول إنهم يتصرفون كرجال الدين. قد يسأل سائل عن الخلل وأين يكمن؟ والجواب هنا هو في فهمنا للدين على أنه الشريعة، أي الحلال والحرام، وموضوع الشريعة هو موضوع ظاهري كالصلاة والصيام والفرائض، وليس أمراً جوهرياً. وعندما تحوّل الدين من هذا الجانب الجوهري الذي يتمحور حول علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى تحوّل الدين إلى مجموعة من الطقوس والفرائض والممارسات الظاهرية التي يقوم بها الإنسان ويُعتبر على أساسها متدينا. الأمر الذي أتاح لأي لص من اللصوص أن يتخفى وراء هذه المظاهر كاللحية والسبحة وأثر السجود والتردّد على الحسينية أو الجامع وما إلى ذلك بحيث يُحسب هذا الموقف السلبي على الدين. يرى السيد الحلو أن هذه اللصوصية التي حصلت هي التي سرقت الدين وحوّلته إلى مجموعة من الممارسات والمظاهر والطقوس التي أفضت إلى استحداث مفهوم التدين الذي لم يكن له أصل في النصوص القرآنية المؤسِسة أو في نصوص السُنة التي يرد فيها ذكراً للتديّن. فالقرآن لم يوصِ بأن يكون الناس متدينيين، كما لم يوصِ النبي "ص" أو الأئمة الأطهار أن يكون الناس متدينيين. إن الذي أوجد التدين هي حركات الإسلام السياسي لكي تسرق هذا المفهوم لأنها تعرف رغبة الناس وميولهم نحو الدين فلاغرابة أن يجعلوا من أنفسهم ممثلين للناس بالتنسيق مع الفقهاء الذين أوصلوهم إلى هذه المرتبة. الإيمان والعمل الصالح استنطق السيد الحلو القرآن الكريم في هذا الموضوع ووجد أن القرآن يوصي الناس بالإيمان والعمل الصالح لأن الدين في المعادلة القرآنية يساوي الإيمان بالله+ العمل الصالح وكلاهما لا علاقة له بمفهوم التديّن المعمول به أو المُتصوّر لدى الناس. فالإيمان بالله عز وجل لا علاقة بمقولة الظاهر وإنما بالباطن، ذلك لأن الإيمان بالله هو من الأمور القلبية والجوانية والدليل أننا لا نستطيع الآن أن نشخّص أياً مِن الحاضرين مَنْ هو أكثر إيماناً من الآخرين. بينما نستطيع أن نشخّص ظاهرياً من هو متدين ومن هو غير مُتدين على أساس المظهر، أما من هو مؤمن بالله أو غير مؤمن فلا يمكن تشخيصه ظاهرياً لأن الإيمان بالله هو مقولة من مقولات الباطن. كما لا يمكن تمييز الناس المتدينين وغير المتدينين على أساس العمل الصالح لأن العمل الصالح مبدأ إنساني ويعمل به كل الناس. عندما تزوج الأمير وليم أوصى بأن تُمنح الهدايا التي تُقدم له بمناسبة زواجه، وهذه هدايا ملوك، للمؤسسات الخيرية، هذا عمل إنساني رائع وهذا في عرفه غير متدين فبالنتيجة الإيمان بالله والعمل الصالح لا علاقة له في عرف القرآن بمفهوم التديّن الذي أشرنا إلأيه قبل قليل. سأضرب مثالاً عن لص كبير في العراق يسرق المال العام لكنه بمجرد أن يبني حسينية أو يعمل موكباً في عاشوراء يتحول إلى قدّيس وينأى عن مراقبة الناس له لأنه حينما يرتدي هذا اللباس يستطيع أن يمدّ يده إلى جيوب الناس. ظلت الحقيقة الدينية حبيسة وكأنها مُلك لرجل الدين. وحينما يريد إنسان، كأن يكون طالباً أو أستاذاً جامعياً، من خارج المؤسسة الدينية أن يصبح متديناً فهو يحاول أن يستنسخ شخصية رجل الدين الذي لا يفعل شيئاً من دون أن يستخير ممسكاً مسباحه بيده طوال الليل والنهار، ويبسبس بشكل دائم وكأنه رجل معمّم بلا عمامة. المثقف المؤمن نوّه السيد الحلو إلى أن المثقف العراقي إما أن يكون رجل دين بلا عمامة أو يكون من روّاد النوادي الليلية مخموراً طوال الليل والنهار، أي إما أن يكون أقصى اليمين أو أقصى اليسار. فلم نفرز مثقفاً مؤمناً يثير أسئلة وعلامات استفهام لم يثرها رجل الدين، أو يحاول أن يخوض في مناطق فكرية لم يخضها رجل الدين، أو يلج إلى مناطق من المستحيل الولوج فيها كما في إيران، فشريعتي يمثل المثقف المؤمن الذي استطاع أن يدخل في مناطق ملغّمة ويفجّرها، بينما ظل الدين في العراق حديث المؤسسة الدينية ورجل الدين، وليس لمن هو خارج المؤسسة الدينية الحق في أن يلج هذا المجال، وربما الأستاذ الخيون هو من القلائل الذين ولجوا هذا المجال بعد أن استأذن من الفقيه في كتابه المعروف. أما التصور الثاني فهو عن المقولات الداخلية الباطنية التي تتعلق بطبيعة علاقة الإنسان مع الله عز وجل وهي علاقة جدوى وانعكاس إيجابي على حياة الإنسان وإلاّ لا خير في الدين الذي لا يغيّر حياة الإنسان نحو الأفضل. وكما هو معروف فالإنسان يعشق الدين الذي ينبع من معاناة الإنسان ومشاكله وأحزانه لأن يحل هذه المشاكل ويخفف هذه الأحزان. أما الدين الذي يُفرض على الإنسان من الخارج وتحت التهديد والإرهاب، والتخويف بالنار والعذاب والقتل فلا أعتقد أن هناك إنساناً سيتمسك بهذا الدين. يريد الله عز وجل من الإنسان أن يؤمن بالدين باختياره وإرادته ومن دون أي نوع من أنواع الإكراه والإجبار. أما الشريعة فهي المظهر الخارجي للدين بهذا المعنى. سلطة العقل لابد لنا أن نقرأ تراثنا قراءة جديدة لكي نتصالح مع الحداثة الكونية، فالكون كله يمر بحداثة ويتغير ولا شيئ في الكون ثابت طالما أن الشريعة من مقولات علاقة الإنسان بالإنسان أو علاقة الإنسان بالعالم الذي يعيش فيه فلابد لهذه الشريعة أن تتغير خصوصاً وأن الله سبحانه وتعالى قد قرر في القرآن الكريم أن الشريعة لابد أن تتغير ولكل قوم شريعة متغيرة أما الدين فهو ثابت. يقول الله سبحانه في محكم كتابه "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا". استشهد السيد الحلو بمقولة المفكر الكبير محمد إقبال عن مفهوم الخاتمية الذي لا يعني حسب فهمه "أن الوحي خُتم بالنبي محمد" وإنما المقصود بها انتهاء سلطة الوحي وبداية سلطة العقل. أي أن الإنسان قد وصل إلى درجة تمكّنه من أن يدير أموره بعقله. صحيح أن التجربة النبوية باقية ولكن على كل إنسان أن يخوض التجربة النبوية في علاقته بالله عز وجل ويطورها ويحلّق في عوالمها. أما ما يتعلق بالشريعة وبإدارة أمور الإنسان فقد أوكل الله تبارك وتعالى هذه المسألة إلى عقل الإنسان خصوصاً بعد مرحلة النبوة. ذكر السيد الحلو بأن بعضاً من الناس يخشى من طرح مسألة تغيّر الشريعة بحجة أن إعادة قراءة التراث سوف تُضعف الإسلام أو تُبعدنا، نحن المسلمين، عن الإسلام، والحقيقة هي العكس تماما. فليس بقاء الإسلام أو خلود يعني أن يُكره على اللتزام بأحكام زمانية ومكانية نزلت في وقت من الأوقات نتيجة ظروف معينة، أو نتيجة أطر اجتماعية للمعرفة كما يسميها أركون، وإنما خلود الإسلام وبقائه قائم على إحياء الحوار بين المسلم وتراثه. فحينما جاء النبي محمد لم يؤسس لمنظومة تشريعية جديدة في المجتمع بل قال: "بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ولم يقل "لأوسس مكارم الأخلاق" أي بمعنى أن هناك مبادئ ومفاهيم أخلاقية جاء ليتممها، أما إذا كان في بعض هذه المفاهيم ظلماً فسوف يحاول أن يرجعها إلى نصابها الصحيح، وهذا ما قام به النبي محمد حيث ترك جُل المنظومة الأخلاقية والاجتماعية على ما كانت عليه ولم ينسف أياً من النظم والإيقاعات والحدود السائدة. لقد غيّرت الحداثة كل شيئ ولابد من قراءة جديدة لنصوصنا لكي نجعلها تتماشى وتتناغم مع ضرورات الحياة في هذا الزمان وإلا سيبقى الإسلام بعيداً جداً ويتحول إلى شيئ تاريخي. مفهوم القيمومة ضرب السيد الحلو مثالين على هذا التغيّر الجذري الأول يتعلق بمكانة المرأة بحسب التعاليم التي طرحها النبي محمد "ص" كما وردت في القرآن الكريم تحت شروط معينة منها سيادة الرجل، وسيادة الحاكم، وسيادة العقيدة. لقد تبدلت الآن هذه المفاهيم كلها فلا سيادة للرجل على المرأة لأن المجتمع يعامل المرأة والرجل على حد سواء، كما غابت سيادة الحاكم المطلقة لانها انتقلت إلى الشعب وحتى حركات الإسلام السياسي أصبحت مرغمة وغيّرت نظمها الداخلية إلى سيادة الشعب والديمقراطية والانتخابات. كما أن سيادة العقيدة قد غابت لأن السيادة قد انتقلت إلى الإنسان أو المواطن، وشاع الآن مفهوم المواطنة الذي حل محل مفهوم العقيدة. في القرآن الكريم ثمة مقولة صريحة مفادها "أن الرجال قوّامون على النساء". فمفهوم القوامة، ولا أقول السيادة، يعني الأخذ بزمام الأمور كان يتناسب في ذلك الزمان الذي نزل فيه القرآن الكريم حيث كان الإنسان يعتمد على قوة عضلاته وكانت الطبيعة تُروّض يدوياً، بينما المرأة لا طاقة لها على القيام بهذه الأعمال فلابد أن تكون السيادة للرجل فهو الذي يعمل ويكّد ويجلب لها الرزق الأمر الذي جعله يستحق قيادة الأسرة. أما الآن فقد تبدّل هذا المفهوم كثيراً وأن هناك الكثير من النساء اللواتي يُعِلن الرجال. كما أن الحياة لم تعُد تُروّض بالعضلة بل بالفكر، هذا إضافة إلى أن النساء يُدرن الآن مؤسسات ضخمة وعملاقة وهذه إشارة واضحة إلى نجاح المرأة في الكثير من ميادين الحياة. إذن، لابد من قراءة جديدة لمفهوم القوامة التي لا تبتعد كثيراً عن النص الديني لأن النص الديني فيه من المرونة ما يمكن ترويضه على وفق معطيات الحداثة. ففي النص القرآني " الرجال قوامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم". إن معنى القوامة كما ذكرنا فيه مرونة ولا يقتصر على السيادة والقيادة، بل بمعنى أن يتقوّم بالشيئ وأن يكون له الدور في إصلاح الشيئ. وهناك آية قرآنية تؤيد هذا الشيئ وهي " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم الذي جعل الله لكم قياماً" أي لإصلاحكم وإصلاح المجتمع لذلك لا تعطوها بأيدي السفهاء لأنهم يخربون وضع المجتمع. ربط القرآن القوامة بجزئي العلة الأول هو " بما فضّل الله بعضهم على بعض"، والجزء الثاني هو " بما أنفقوا"، فالقرآن لم يحدّد فضل الرجال على النساء، بل قال بعضهم على بعض، فمن كانت له الأفضلية فهو القيّم. وعلى سبيل المثال امرأة درست وأصبحت محامية وزوجها أميّ فلا يجوز لهذا الأميّ أن يكون قيّماً عليها. كما أن الله فضّل الذين يعملون على الذين لا يعملون. ومن يُنفق يستحق القوامة وإذا أنفق كلاهما فكلاهما قيّمان. قتال غير المسلمين أما المفهوم الثاني الذي يسمّى بالكفّار على وفق المنطوق التراثي الديني فهناك نصوص قرآنية تقرر وجوب قتال غير المسلمين "وقاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر" وهذا يعني أن علينا أن نجرّد سيوفنا ونقطّع برؤوس الكفار. الغريب أن الفقهاء لم يتوقفوا عند هذه الآيات كثيراً، بل سكتوا عنها، ولم يقولوا إننا يجب أن نقرأ هذه الآيات قراءة تاريخية لأنها مؤطرة بإطار تاريخي معين وخاضعة لظروف الزمان والمكان كي يريحوا ويستريحوا، وإنما هم يقولوا ذلك ويعملوا بظاهر الآيات التي أمرت بقتال غير المسلمين وأخذ الجزية منهم. يعتقد السيد الحلو بضرورة قراءة هذه الآيات قراءة تاريخية لأنها وردت في ظروف معينة ونحن غير ملزمين بتنفيذ هذه الآيات المباركة. أما ترويع الناس وقتلهم واستباحة أعراضهم فهو ما يقوم به المتشددون والمتطرفون. أما الخالق جلّ وعلا والمشرّع للنصوص لم يشأ أن يؤسس لأحكام جديدة. ولو أنزل الله نبياً في الوقت الحاضر لماشى الوضع وأقرّ بمبدأ الانتخابات ، والنظام الديمقراطي، والتعددية وما إلى ذلك

 

...............

جاءت محاضرة السيد مضر الحلو ضمن امسية فكرية نظّمتها مؤسسة الحوار الإنساني بلندن للسيد العلاّمة مضر الحلو. حيث قال مدير الندوة الاستاذ عدنان حسين احمد:

ساهم في تقديمه (اي السيد مضر الحلو) الدكتور رشيد الخيون الذي قال عنه أن لمضر الحلو آراء خاصة ونادرة في هذا الزمن الذي تعلو فيه موجة التطرّف والغلو باسم الدين. وذكر الخيون "بأن هناك نوعين من العمائم، الأولى هي عمائم الدلافين، والثانية هي عمائم القروش. فالدلافين تنقذ الغريق، وتهدّئ الناس، وتقلّل من الغلو، وتصعّد من المحبة، بينما عمائم القروش تفتي بالقتل وتحضّ على الكراهية، وتُباعد بين الناس". سيتحدث الحلو عن موضوع شائك بالنسبة للآخرين لكنه غير شائك بالنسبة إليه ألا وهو "الدين والشريعة: الثابت والمتغير" وسيؤكد بأن الحياة لا تثبت على شيئ لأن المتغيرات كثيرة. وإذا تصادمت المتغيرات والثوابت فإنها ستفجّر الحروب، وستفعّل الكراهية.

 

adnan oayeedهذه هي الدراسة الأخيرة من قضايا التنوير التي اشتغلت عليها كمشروع فكري تنويري نهضوي، منذ عام 2004 جسدتها في سبع قضايا أساسية هي التنوير، والحداثة وما بعد الحداثة، والعلمانية، والعقلانية، والحرية، والديموقراطية، والمجتع المدني. بحيث نالت كل قضية عدداً من الدراسات، محاولاً في كل دراسة منها تسليط الضوء على جانب من جوانب أي قضية من القضايا المتناولة في هذا المشروع، هذا وقد بلغ مجموع الدراسات التي قدمتها في هذا المشروع ست وعشرين دراسة. أعتقد بأنها قد حققت شيئاً ايجابياً لمثقفنا العربي من الناحية المعرفية بقضايا التنوير. وبذلك أكون في مشروعي التنويري هذا مع مشروعي السابق (قضايا النهضة العربية) الذي درست فيه حركة التحرر العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، وهو الذي خصصت له ثلاثة كتب من كتبي هي: (الأول: إشكالية النهضة في الوطن العربي من التوابل إلى النفط. والثاني: التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغريب. والثالث معوقات حركة التحرر العربية في القرن العشرين. وقد صدرت عن داري المدى والتكوين في دمشق.)

ختاماً أتقدم بجزيل الشكر لكل السادة رؤساء وهيئات تحرير المواقع الإلكترونية التي ساهمت في تبني نشر هذا المشروع التنويري أو بعض دراساته، إيماناً منهم بأهمية المعرفة والمعرفة التنويرية منها بشكل خاص، من أجل تجاوز تخلف هذه الأمة وتحقيق نهضتها.

في الختام أقول: لقد اشتهدت، ومن اشتهد وأصاب فله أجران، ومن اشتهد ولم يصب، فله أجر واحد

 

د.عدنان عويّد

 

في نهاية عام 2010 جرى لقاء ضم العديد من وجهاء قبائل وعشائر المنطقة الشرقية في سورية، وبعض المهتمين في الشأن الثقافي العام، عقد في منزل أحد وجهاء عشيرة المشاهدة في وادي الفرات (منطقة المياذين السورية)، حيث تعلق مضمون اللقاء آنذاك ببحث مسألة الثأر فـي هذه المنطقة وضرورة إيجاد الحلول الكفيلة لتجاوزها، لاسيما وأن الثأر هو أحد الظواهر السلبية، المعبرة في الحقيقة عن حالة من حالات التخلف الكثيرة التي لم تزل تنخر في جسد مجتمعنا العربي عموما وبنيته الفكرية، وتحول دون قدرتنا على تحقيق الدولة المدنية، أو ما نسميها دولة القانون حتى هذا التاريخ، وبالتالي يتطلب منا الأمر جميعا أن نتكاتف لتذليل تحديات كل تلك المرجعيات التقليدية، والحد منها في عالم تتسارع فيه معطيات الحداثة والتنوير. ولكوني أحد الذين دعي لهذا اللقاء، فقد لفت نظري طبيعة تلك الطروحات التي دارت في هذا اللقاء، الأمر الذي دفعني بالتالي إلى تناول ظاهرة العشيرة والقبيلة والطائفة، في مجتمعنا العربي، وهي الظاهرة التي لم تزل تشكل المركب الأكثر تعقيداً لوجودنا الاجتماعي والثقافي، وهي التحدي الرئيس لقضايا نهضتنا.

أمام معطيات هذا اللقاء نستطيع القول : هناك فرق بين أن تتماها كليا مع الظاهرة أية ظاهرة من ظواهر المجتمع الذي تعيش وتنشط فيه، في سلبها وإيجابها، وبين أن تدرس هذه الظاهرة وتتخذ منها موقفا (عقلانيا)، تراعي فيه خصوصيات الواقع الذي أنتجها، وما مدى استجابة هذا الواقع لها ولمفرزاتها، ثم ما هي الجوانب السلبية الكامنة فيها، والتي يجب الحد من فاعليتها، أو محاربتها والعمل على إقصائها ماديا ومعنويا من جسم المجتمع وتفكير أبنائه، ثم ما هي الجوانب الايجابية أيضاً التي يمكن استثمارها في هذه الظاهرة من أجل تنمية المجتمع، وبالتالي تطويره بالضرورة .

ومن هنا نقول أيضا، انطلاقا من التحليل الاقتصادي والاجتماعي للظاهرة، إن ظاهرة العشيرة والقبيلة والطائفة في مجتمعنا العربي عموما، هي من الظواهر الاجتماعية الأساسية الأكثر حضوراً، التي يتكون منها وجودنا الاجتماعي والثقافي، فمجتمعنا تحت ظل الظروف الموضوعية والذاتية المعاشة حاليا وبكل مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ما قبل دولة القانون، هي ظروف إنتاج ظاهرة العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب، بل هي الظاهرة ذاتها التي تعمل على إعادة إنتاج الكثير من معطيات تخلفنا أيضا، فمعظم ما نراه من ممارسات في نطاق مجتمعنا العربي يشير ويؤكد على ما جئنا عليه، بالرغم من التحولات الكبيرة التي تمت في بنية هذه المستويات كافة، والتي نجزم تماما بأنها – أي التحولات – قد لامست في واقع أمرها الشكل أكثر من المضمون، فما حدث من تطور في بنى المجتمع المادية والفكرية (القاعدة الخدماتية – التربية والتعليم – الجامعات - الصحة – المؤسسات الثقافية والإعلامية .. الخ)، لم يتسرب ايجابيا بعد إلى جوهر بنية هذا المجتمع وعقلية أفراده، أي لم يصل بعد إلى مسامات ذهنية وسلوكيات أفراد المجتمع بما يتناسب وطبيعة هذه التحولات السريعة التي تمت في البناء التحتي، الأمر الذي خلق حالة من الانفصام ما بين شكل المجتمع العربي، الذي يدل في الكثير من معطياته الحالية على التمدن والعمران والحداثة بشكل عام، وبين جوهره الذي لم تزل تعشش فيه عقلية الداحس والغبراء، في الكثير من دلالات هذه العقلية بشكل خاص.

على العموم يظل السؤال المشروع الذي يطرح نفسه علينا هنا وبعمق، هو : ما العمل؟ .

نحن لا ننكر أن هناك الكثير من الدراسات والكتب التي تناولت قضايا الواقع العربي من حيث النظر في معوقات النهضة والتمدن التي أفرزتها أو أنتجتها وتنتجها عقلية وممارسة القبيلة والعشيرة والطائفة في مجتمعنا العربي، مثلما بينت لنا أيضا الظروف الموضوعية والذاتية التي شكلت هذه المرجعيات التقليدية، وساعدت على إعادة إنتاجها، كما حذرتنا دائما من خطورة السير في لعبة هذه المرجعيات التقليدية المهزومة تاريخيا أمام معطيات الحداثة والتقدم، إلا أنها لم تقل لنا حتى هذا التاريخ أن هذه المرجعيات قد انتهت وجودا وفكرا في محيطنا الاجتماعي، وبأننا قد انتقلنا إلى المجتمع المدني النظيف والخالي من هذه المرجعيات التقليدية ، ولكن في الوقت ذاته يعلمنا المنهج العلمي في التحليل كيف علينا أن نتعامل مع هذه المرجعيات التقليدية، ومع غيرها من الظواهر الايجابية والسلبية في المجتمع العربي. فالمنهج العلمي في تحليله وإعادة تركيبه للظاهرة التي نتعامل معها، ومنها ظاهرة العشيرة والقبيلة والطائفة، قد بين لنا من جهة، أن مجتمعنا لم يزل مجتمعا مركبا من أبنية تخلف كثيرة، يأتي في مقدمتها البناءان الاقتصادي والاجتماعي، مثلما بين لنا أيضا من جهة ثانية، أن لا نتعامل مع ظواهر هذا المجتمع بسلبها وإيجابها وفقا لعقلية اليسار الطفولي أو الحرن، أو وفقا لعقلية قاطع الطريق (بروكست) وسريره، وهي العقلية التي تفرض علينا أن نتعامل مع هذه الظواهر وفق ما نرغب ونريد فحسب - أي بطريقة إراديّة - دون مراعاة لخصوصيات الواقع، وقوة وحيوية معطياته، أو بتعبير آخر، إن المنهج العلمي يدعونا للتعامل مع ظواهر الواقع القائمة فيه بروح نقدية عقلانية، تقر بوجود الظاهرة، والنظر في درجة قوتها، ووتيرة حركتها وتفاعلها وتطورها وتبدلها، مثلما تقر بأن الظاهرة في مجموع مكوناتها وآلية عملها في بنية المجتمع، ليست واحدة في تأثيرها على المحيط الذي تنشط أو تفعل فيه، وهذا بالتالي يتطلب منا أن نقف عند الجوانب السلبية في بنية المجتمع، ونعمل على تشريحها وتحديد ظروف إنتاجها ودوافعها ومكوناتها وآلية عملها، وما مدى تأثيرها في المحيط الذي تنشط فيه، ومن ثم العمل على الحد من هذا النشاط أو التأثير وقمعه ، مثلما نقف عند الجوانب الايجابية أيضا في هذه الظاهرة والعمل على تعميقها، خدمة لتطور المجتمع والظاهرة ذاتها.

إن حضورنا لقاء (الثأر) العشائري في "المياذين"، وما جرى فيه من حوارات وما طرح فيه من أفكار ورؤى، بين لنا أن بنية مجتمع المنطقة الشرقية في وادي الفرات السوري شأنها شأن بنية واقع المجتمع العربي بعمومه، هي بنية العشيرة والقبيلة والطائفة، وأن الموضوع المطروح للنقاش في هذا اللقاء هو من المواضيع المهمة التي لم يزل للعشيرة والقبيلة الدور الكبير في تجاوزه أو تأزيمه، علما أننا وقفنا كثيراً ولم نزل نقف ضد العديد من مفاهيم وسلوكيات العشيرة والقبيلة، وخاصة دورها السلبي على نشاط مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية القائمة في وطننا العربي معا، تلك المؤسسات التي يكون لممارسة الديمقراطية في صيغها المشوهة والمبتسرة، والتي لم تتجاوز مسألة التأثير الأفقي في ممارستها، أي التي لم يزل لمسألة عدد الأصوات، الدور الأهم فـي تكوينها وتحديد حواملها الاجتماعية، وممارسة نشاطها في المجتمع والدولة. وبالتالي، فإن وجود الحوامل الاجتماعية في هذه المؤسسات والأحزاب، ظل الهدف منه ولدى الكثير من هذه الحوامل هو تحقيق الوجاهة و(البروزة) لهذه العشيرة أو القبيلة أو الطائفة، أو لمن يمثلها من حوامل اجتماعية في هذه المؤسسات، على حساب المصلحة العامة التي ُخلقت هذه المؤسسات والأحزاب من اجلها، فعقلية (لنا في السربة خيال) التي تفرزها معطيات العشيرة والقبيلة والطائفة، كانت دائما ولم تزل محط تسفيهنا ونقدنا لها، لأنها تعيق في نهاية المطاف عمل الدولة ومؤسساتها، وتقف حجر عثرة أمام خلق مجتمع الحداثة والمواطنة .

ختاما نقول: إن العشيرة والقبيلة والطائفة لم تزل قائمة في بنية مجتمعنا، كما أشرنا سابقا، وهي تمارس دورها الفاعل أفقيا وعموديا في نشاط حياة الفرد ومؤسسات المجتمع اليومية، وإن مسألة إقصاء هذا النشاط كليا عن الساحة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية أمر لا يتم بقرار سياسي، أو بمرسوم، أو عن طريق الشعارات والتنظير الأيديولوجي المأزوم غالبا في بنيته الفكرية أمام قوة وحيوية معطيات الواقع المادية والفكرية معا، وخاصة حوامله الاجتماعية، إن إزاحة أو إقصاء هذه المرجعيات التقليدية تتم بناء على ما يتحقق من تحولات وتغيرات إيجابية عميقة في جملة الظروف الموضوعية والذاتية التي تصيب المجتمع المنتج لبنية هذه المرجعيات التقليدية بكل مستوياته، وذلك عبر مجاري وقنوات سيرورة وصيرورة هذا المجتمع، لتساهم في خلق بنية مجتمع جديد هو مجتمع الحداثة، أو مجتمع المدنيّة والمواطنة.

إن بنية هذه المرجعيات التقليدية، (القبيلة - العشيرة - الطائفة) قائمة في مجتمعنا العربي بالضرورة، ماديا ومعنويا كما قلنا سابقا، بل هي تشكل جزءا أساسيا من تركيب أو بناء الدولة العربية ذاتها في معظم دولنا العربية، إن لم نقل إن معظم دول وطننا العربي هي دول عشيرة وقبيلة وطائفة بامتياز، وإن الحوامل الاجتماعية لهذه الدولة أو المسيطرة على أهم مفاصل قوتها، تسعى بقوة وبكل ما توفر أو أتيح لها من إمكانات مادية ومعنوية، على استمرار صيغة هذه الدولة وإعادة إنتاجها، وبالتالي فإن (الرغبة) أو الدعوة من قبل البعض إلى إقصاء العشيرة والقبيلة والطائفة، وفي المحصلة إقصاء دولتها القائمة ذاتها من محيطنا الاجتماعي، يتطلب منا أن نعمل على تغيير مقومات وجودها أصلا، أي أن نعمل على تغير بنية الاقتصاد ألريعي، مرورا بمحو الأمية، وصولا إلى عقلية الداحس والغبراء .. الخ، وهذه التحولات برأيي لا تتم بيوم وليلة، بل هي تقوم على سيرورة وصيرورة تاريخيتين طويلتين، وتتطلب الكثير من الجهد والتضحية، كي تنتج في المقابل ظروفا موضوعية وذاتيه أخرى أكثر تطورا، يأتي في مقدمتها توافر حوامل اجتماعية أخرى واعية لذاتها، تتناقض مصالحها مع مصالح الحوامل الاجتماعية لتلك المرجعيات التقليدية، ولديها المقومات اللازمة لحمل المشروع الحداثي النهضوي وتجسيده في الواقع، لذلك طالما أن هذه المرجعيات التقليدية قائمة بفعل ظروف إنتاجها الموضوعية والذاتية في مجتمعنا، وطالما أننا لم نستطع بعد (نحن) حملة المشروع الحداثي التنويري أن نلغي من على نعوات وفياتنا عبارة (تنعي لكم عشيرة – قبيلة – آل، وفاة المرحوم أو المرحومة ...)، فعلينا أن نستثمر كل موقف ايجابي يبدر من الحوامل الاجتماعية لهذه العشيرة والقبيلة والطائفة ونصفق له، طالما هو يصب في تعميق دور الدولة المدنية والمواطنة، وبالتالي الدفع نحو مجتمع الحداثة الذي نسعى إليه، وكثيرة هي المواقف الايجابية التي يمكننا استثمارها ودعمها وتشجيعها، أو حتى التوجيه نحوها تحت ظل سيادة سلطة العشيرة والقبيلة والطائفة، وأن أي تجاهل من قبلنا لهذه المسألة هو قفز فوق الواقع، وتجاهل لدورنا ولمشروعنا الحداثي والنهضوي

المنوط بنا تحقيقه في نطاق المرحلة التاريخية المعاشة، هذا دون أن ننسى في الوقت نفسه محاربة كل موقف سلبي يبدر من هذه المرجعيات التقليدية ويساهم في عرقلة مسيرة الدولة المدنية والمواطنة، علما أن التاريخ لا يعود إلى الوراء، بل هو يسير دائما نحو الأمام بفعل تطور ظروفه الموضوعية والذاتية، وتجدد إرادات حوامله الاجتماعية. فواقع أمتنا العربية منذ نصف قرن مثلا هو غيره الآن، وتاريخ الأمم والشعوب يثبت دائما أن التقدم الايجابي حاصل بفضل تطور العلوم الطبيعية والإنسانية، ونمو التربية والتعليم والإعلام، وزيادة التفاعل الحضاري مع شعوب وحضارات العالم وغير ذلك من سبل ووسائل نمو المجتمعات وتطورها، وسيسقط من التاريخ كل من لم يستطع فهم حركة التاريخ العالمي ومواكبتها، فكثيرون هم الذين سقطوا عبر التاريخ، لا لشيء إلا لكونهم جهلوا أو تجاهلوا حركة التاريخ، ولم يستطيعوا خلق وعي مطابق قادر على التعامل بعقلانية مع هذه الحركة .

 

كاتب وباحث من سورية

adnan oayeedالمواطنة في سياقها العام مفهوم يحمل دلالاته الاجتماعية قبل أن يحمل دلالاته السياسية والاقتصادية والثقافية، ففي دلالاته الاجتماعية، هو دعوة إلى الانتقال بالإنسان من حالة ضياعه وغربته واستلابه في مجتمع أو دولة يتحقق فيها التفاوت والتمايز الطبقي والعرقي والديني بكل أشكاله وتجلياته، إلى مجتمع أو دولة الحرية والعدالة والمساواة وحق الاختلاف للجميع. وعند تحقيق هذه الدعوة على أرض الواقع، فهذا يعني نقل الإنسان من حالة (الرعيّة) إلى حالة (المواطنة). أي إلى الحالة التي ستؤدي في المحصلة إلى فسح في المجال واسعاً أمام الجميع لتحقيق العدالة في الحياة الاقتصادية، والرفاه الاجتماعي، والتعليم، وكذلك المساواة أمام القانون، وحق الانتخاب والترشيح والوصول إلى مناصب الدولة، والمشاركة في القرار السياسي وبناء الحياة السياسية للبلد، مثلما يعني أيضا، تحقيق المساواة بين الجنسين (الذكر والأنثى)، والحد من سلطة المجتمع الذكوري، إضافة إلى تحقيق عدالة إنتاج واستهلاك الثقافة والمعرفة للجميع . هذا ونحب أن نؤكد هنا على مسألة في غاية الأهمية من الناحية المعرفية والإنسانية معاً، وهي، أن تحقيق حالة المواطنة، أي تخليص الإنسان من حالات اغترابه وضياعه واستلابه، لا تنال من وقع عليه فعل الاغتراب والاستلاب والضياع فحسب، بل تنال أيضاً من فرض حالات الاغتراب والاستلاب والقهر على الآخرين بفعل امتلاكه سلطة القهر والاستبداد في حال اقتناعه بضرورة التنازل عن هذه السلطة الاستبدادية، أو المساهمة في إلغائها عبر السماح للآخرين بالمشاركة معه في قيادة الدولة والمجتمع. وفي حال تحقق مثل هذه الصيغة من المواطنة، نكون في الحقيقة قد وصلنا إلى مجتمع المدينة الفاضلة، وهو المجتمع الذي لم يتحقق بعد رغم كل التحولات التاريخية التي مرت بها المجتمعات البشربة، والنظريات التي طرحت لتحقيق هذا المجتمع .

أمام هذه المعطيات النظرية المتعلقة بمفهوم المواطنة، هناك مجموعة من الأسئلة المشروعة تطرح نفسها علينا وهي : هل الدعوة إلى مجتمع (المواطنة) - مجتمع المدينة الفاضلة - هي دعوة مشروعة أو عقلانية في وقتنا الراهن؟. هل شعارات المواطنة التي جئنا عليها أعلاه، أو ما نستطيع تسميته مضامين المواطنة، هي شعارات أو مضامين تتحقق بالإرادة الطبية ؟، أم هي فعل مقاومة مفتوح في كل دلالاته ؟. وهل مهام المقاومة وأساليب تحقيقها إرادوية، أم هي مهام تتطلب فعل مقاومة، يضعها الإنسان المقاوم وفقاً لظروفه الموضوعية والذاتية التي تتحكم بحركته ونشاطه والمهام التي يضعها لنفسه؟. أي هل مهام المقاومة توضع وفقاً لتصورات ذاتية، أم هي مهام تحدد طبيعتها ودرجتها ونوعها وأساليب تحقيقها معطيات الواقع المادية والفكرية؟، وذلك انطلاقا من مقولة (أن الناس يضعون لأنفسهم المهام التي يستطيعون إنجازها فقط، أو التي ساعدت الظروف على تحقيق إنجازها) .

إن الإجابة عن هذه الأسئلة المشروعة باعتقادي ستحدد لنا النتيجة التي نرمي  إليها من طرحنا لموضوعة المواطنة. لذلك هذا ما يدفعنا للقول : إن أي دارس لطبيعة تكوّن وتطور المجتمعات البشرية سيجد أن التطور الذي يصيب المجتمعات تتحكم به جملة من الظروف الموضوعية والذاتية، وهذه الظرف لا تفرخ بشكل مجرد، بل هي نتاج الواقع ذاته وآلية عمله، دون أن نغفل مسألة أساسية في هذا الاتجاه وهي أن الظروف الذاتية، وبخاصة الحوامل الاجتماعية، هي في طبيعتها محكومة بالحرية والضرورة معاً، وبالتالي فإن الحامل الاجتماعي محكوم بضرورة الواقع أولاً، ثم بالضرورة الكامنة فيه هو ذاته أيضاً، من حيث مهاراته وقابلياته واستعداداته النفسية والفسيولوجية، ودرجة وعيه لذاته وللآخرين وللمهام المناطة به .. الخ .

إذاً، إن ما هو مطروح للتغيير في هذا الواقع محكوم بالضرورة بمعطيات الواقع، وأن كل الشعارات والمهام التي تطرح من أجل تغيير الواقع غالباً ما تعمل على إنتاجها وتحديد مسارها وأساليب عملها الظروف التاريخية المعاشة. وهذا يذكرني بمقولة عقلانية للمفكر النهضوي "رئيف الخوري" يتكلم فيها عن مفكري الثورة البرجوازية في فرنسا التي أدت إلى كومونة باريس حيث يقول بما معناه: لم تكن أفكار فولتير مونتسكيو وروسو وهلفسيوس وغيرهم، هي التي حركت الثورة البرجوازية، بل كانت أفكار هؤلاء هي نتاج لهذه الثورة. ولكن هذا القول لا يحجب الحقيقة التي تقول إن أفكار هؤلاء استطاعت فيما بعد أن تلعب دوراً هاماً في التأثير على تفكير النخب المثقفة لشعوب العالم وما لعبته هذه النخب من تأثير على حياة شعوبها، ومنها الشعب العربي منذ الربع الأول للقرن التاسع عشر مع الطهطاوي، وخير الدين التونسي وإبراهيم اليازجي، وبطرس البستاني، وفرح أنطون، ومحمد عبده، والكواكبي، والأفغاني، وأديب اسحق وغيرهم الكثير.

على العموم نستطيع القول : إن مسألة طرح مشروع المواطنة هي مسألة نسبية في تطبيقاتها أولاً، وهي تدخل في نطاق التغيرات الكبيرة التي تصيب حياة الشعوب ثانياً، وهي تأتي ثالثاً، في مرحلة لاحقة لسيادة المجتمع المدني، وتحقق الدولة البرجوازية، لذلك نجد أن الإرهاصات الأولية لدولة المواطنة، (الدولة المدنيّة)، بامتياز، راحت تطرح نفسها مع بدء تشكل الطبقة الرأسمالية، التي أخذت تطمح إلى السلطة أو المشاركة فيها، وإلى التخفيف من حدّة السلطة الاستبدادية لدولة الملك والكنيسة والنبلاء. وهذا ما عبر عنه مفكرو الطبقة البرجوازية والمدافعون عن مصالحها آنذاك أمثال، توماس هوبس (1588- 1679) الذي راح يدعو إلى إقامة دولة المواطنة (الدولة المدنية) بما يتفق وطبيعة المرحلة التاريخية المعاشة آنذاك، ووفقاً لقوة سلطة الدولة ما قبل الرأسمالية آنذاك، وهي الدولة التي يقول عنها هوبس: (إن السلطان الحاكم غير مقيد بشيء، وهو الذي يضع القوانين ويعدلها حسب مشيئته). مشيراً هنا إلى السلطة (الملكية) المطلقة التي يجب أن تنتقل ليد الدولة التي لا حدود لسلطتها، كونها المسؤولة عن حقوق الأفراد ورعاية مصالحهم والدفاع عنها، والأفراد في مثل هذه الدولة كلهم رعايا في خدمة القانون المدني، ومواطنون في حقوقهم وواجباتهم.

أما جون لوك (1632 – 1704) الذي جاء بعد "هوبس" بمسيرة نصف قرن تقريباً من التحولات باتجاه النظام الرأسمالي، فقد كان أكثر جرأة من هوبس، بل وعلى النقيض منه في حدّة وعمق أطروحاته تجاه دولة المواطنة، فدولة المواطنة، أو (الدولة المدنيّة) عنده تقوم على الحرية لا على الطاعة العمياء لسلطة الدولة، وهو يرى انه بموجب العقد الاجتماعي بين الأفراد والدولة يتم احترام سلطة الدولة والقانون طالما أن الدولة تقوم بإشباع حقوق الأفراد وتنفيذ العدالة واستقرار وأمان المجتمع، وفي حال فقدان الدولة القدرة على تأمين هذه الحقوق، فمن حق الأفراد الدفاع عن حقوقهم. أما السلطة عند لوك فتنبع من البرلمان وليس من الملك، هذا وقد دافع لوك عن الحرية الفردية والتربية والتسامح والملكية الخاصة التي لاتتعارض مع سلطة الدولة .

أما جان جاك روسو ، (1712- 1778)، الذي جاء أيضاً بعد "لوك" بمسيرة نصف قرن آخر من التحولات ذاتها، نراه يقدم مشروعاً لدولة المواطنة (المدنية) يقوم على أساس الإرادة الشعبية العامة، مبيناً في ذلك، أن العقد الاجتماعي هو العقد الذي يكون بين طرفين وليس من حق طرف واحد أن يملي شروطه كما يريد على الآخر، ومن هنا يتحد الفرد عند روسو بالمجموع وبإرادته، مكوناً مع الكل إرادة جمعية لتحقيق المصالح المشتركة.

هذا دون أن نغفل الكثير من النظريات الأخرى التي طرحت مع قيام النظام البرجوازي في أوربة، وكانت تدعوا إلى دولة المواطنة لتحقق المساواة والعدالة والحرية الفردية وحق التملك والاختلاف بين الموطنين، ويأتي في مقدمتها النظرية الليبرالية التي قامت على تحطيم أسس الدولة الاستبدادية بكل سلطاتها التقليدية القائمة على الملك والنبلاء ورجال الدين، والدعوة لمشروع الدولة الديمقراطية الدستورية القائمة على البرلمانات المنتخبة من الشعب، ولكن دون النظر إلى البنية الطبقية لهذه المجتمعات والدور الذي يلعبه الصراع الطبقي في تحديد معالم المجالس النيابية لهذه المجتمعات وطبيعية القوانين والتشريعات التي ستسنها أو تشرعها. وعند هذه المسألة بالذات - أي مسألة النظر إلى طبيعة الصراع الطبقي داخل المجتمع - جاءت النظرية الماركسية فيما بعد لتأسس عليها نظرية الدولة المدنيّة (المواطنة) التي تقول بأن مزيداً من الاشتراكية يعني مزيداً من الديمقراطية والعكس صحيح .

مع انتشار أفكار الحرية والعدالة والمساواة بين شعوب العالم، ومع ما تم من تحولات تاريخية هامة في حياة الشعوب، راح ينعكس تأثير هذه التحولات بالضرورة على طبيعة عمل الدولة ذاتها، التي راحت وبخاصة في دول العالم الثالث، تأخذ في حساباتها طبيعة أفكار المواطنة وأهميتها بالنسبة لمستقبل الطبقة الحاكمة لهذه الدولة نفسها. وبغض النظر عن طبيعة نظام الحكم القائم، وشكل الدولة ذاتها، وطبيعة حاملها الاجتماعي، فإن قيم المواطنة أصبحت من المهام الأساسية التي تفرض نفسها على السياسات الداخلية لحكومات هذه الدول، لا سيما بعد التحولات التي تمت في مضمار النظام العالمي الجديد، حيث فرضت هذه التحولات وعياً لدى المواطن بمواطنتيه أولاً، والسعي لتحقيق هذه المواطنة عبر وسائل عدة، يأتي في مقدمتها الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني وغيرها. مثلما فرضت على الدولة ذاتها أن تقدم تنازلات تجاه فكرة المواطنة من الناحية العملية وبخاصة على المستوى الدستوري.

إن قيم الموطنة، أصبح من الواجب على الدولة أولا، ومن ثم على مؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية ثانياً، ترسيخها عملياً وفكرياً لدى الفرد والمجتمع، ويأتي في مقدمتها: الوعي بمهام الدستور، وبالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للفرد والمجتمع، وبمهام الفرد، ومدى الحريات الممنوحة وأنواعها، وبكيفية تشكيل القرارات السياسية، وكيفية تنفيذها، وبنمط الحكم السائد، وبنظم الحكم العالمية، وبشروط التمثيل النيابي، وبكيفية المشاركة في الانتخابات، وتشكل المجالس النيابية، وغيرها من قضايا المواطنة التي تساهم في رفع سويّة المواطنة ذاتها، وتخليص الفرد والمجتمع والدولة على السواء من عقلية وثقافة الراعي والرعيّة، وكل ما يعيق تحقيق دولة القانون، هذه الدولة التي إذا ما حققت مشروع المواطنة لأبنائها، ستشكل هذه المواطنة الرافعة العملية والفكرية لاستمرار الدولة وقوتها من جهة، والرفع من القيمة الإنسانية لشعبها ومكانته بين شعوب العالم من جهة ثانية. وهذا ما يدفعنا في الختام للقول وبثقة عالية : إن المواطنة ودولة القانون وجهان لعملة واحدة.

كاتب وباحث من سورية

 

qassim salihyاروع مثل شهده التاريخ عن (التسامح) ضربه الراحل نلسون مانديلا، اذ وصلت الممارسة التطبيقية فيه الى ان الجلاّد والضحية كانا يصطحبان معا السواح الى الجزيرة التي كان فيها الضحية سجينا ويشرحان لهم معا كيف كان يجري التعذيب في أقبية سجونها!.فلماذا لا نكون نحن ،ولو على قدر منه، مع ان التسامح يعدّ ركنا اساسيا في الاسلام الذي هو ديننا؟!

ان التسامح لا يعني ان نتخلى عن معتقداتنا وافكارنا، وانما يعني الامتناع عن غصب واكراه الأخرين لاعتناق ارائنا، او قهرهم للتخلي عن ارائهم، او الاستهزاء بوجهة نظرهم او النيل منهم. والتسامح يجعلنا ننتبه الى قضية فكرية غاية في الاهمية هي الاقرار بأن الحقيقة ليست حكرا" لطرف من دون سائر الاطراف الاخرى. ويتعاظم مفهوم التسامح كونه منظومة اخلاقية قيمية وانسانية تحكم السلوك الاخلاقي للانسان، وآلية لضبط هذا السلوك، ونهج لثبات المفهوم في العقل والقلب. وفي جانبه الاخلاقي والاجتماعي يعني التسامح قبول الاخر بحقوقه في الوجود والحرية والحياة وصيغ التعبير عن مشاعره ومعتقداته مهما كان دينه وعرقه ومذهبه.

ومع ان هنالك اكثر من مصدر لاشاعة ثقافة التسامح،فان الأسرة يقع عليها الدور الأكبر في تغذية الناشئة بثقافة التسامح،،ليس فقط بالارشاد والتبصير بما ينجم عن العنف،بل بتجسيد التسامح في تصرف الآباء والأمهات امام أطفالهم ،حيث اشارت الدراسات الى ان الابناء الذين يرون قيم التسامح بين والديهم يكونون في المستقبل قادرين على استيعاب الآخرين.

والتسامح يرتبط بمفاهيم اخرى مثل التنوع والخصوصية والمواطنة. ويفترض ان هناك تنوعا وتعددا في المجتمع ينعكس في صورة اراء وممارسات تفضي الى حالة من التعايش السلمي تتمثل في سيادة مظاهر الاطمئنان ما بين الفئات الاجتماعية المختلفة، مع شعورها بالمسؤولية في ضرورة التعايش المشترك في وطن واحد وفي ظل نظام سياسي متفق بشكل جمعي على آليات عمله التي ينبغي ان تؤدي الى سيادة مظاهر الاستقرار السياسي وغياب مظاهر التمرد والعنف والرفض لهذا النظام من قبل فئات اجتماعية تشعر انها مهمشه او مغيبة عن المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .

ان التعايش وضع سياسي جيد، ولكن الافضل منه ما يصف حقيقة الحال الذي عاشه العراقيون الذين تقاسموا الويلات والنكبات وسعدوا سوية بالانتصارات، بما يحمل معنى التلقائية والانسياب العفوي للعلاقات بينهم دون احتساب للمصالح السياسية التي قد تجبر بعض الجماعات على التعايش لمدة محددة، وعين كل منها على الانفصال عن الاخر عندما يحين الوقت.

صحيح ان عمق الجراحات وبشاعة ما حصل من قتل للخصوم وتعذيب لمن يحمل افكارا غير افكار حزب السلطة لا تجعلنا قادرين على ان نتصرف كما تصرف شعب مانديلا. ولكن اليس من الواجب ان نحتذي(بخاصة السياسيين الذين يحكمون باسم الاسلام وبعضهم من يدعي ان النبي جده) بما فعله نبينا المسامح العظيم حين دخل مكه فاتحا وقال لمن قتل اصحابه المسلمين (اذهبوا فانتم الطلقاء) ، وما فعله مع (وحشي) قاتل عمه العزيز على قلبه..الحمزة لحظة جثى على ركبتيه قائلا: (سامحني يارسول الله) فتنازعته في اللحظة ذاتها قوتان: الانتقام من قاتل أشد المحاربين واعز الناس على قلبه، وبين قوة التسامح التي أعلتها قيمه الراقية وغلبّتها على انتقام سهل..قائلا بما فاجأ الجميع:(سامحتك..ولكن اغرب عن وجهي الان).

وثمة حقيقة سيكولوجية:

ان اللاتسامح يجعل الانسان عدوانيا كارها حتى لنفسه ويائسا من اصلاح الحال..كما هو واقع العراقيين الذي وجدته في زيارتي الى بغداد قبل أيام،فيما التسامح يجعله محبّا لنفسه والآخرين ومتفائلا بالخير والسعادة..وبكل ما هو جميل..مع خالص محبتنا.

 

mustafa alomariحالة الاختلاف بين البشر حالة طبيعية اذا ما سارت وفق قواعد منضبطة ولكنها تتحول الى تصلب غير مقبول في خروجها من المعقول الى اللامعقول، وأنا إذ أنقد رجال الدين لا يعني أنني انقد الدين نفسه وعندما أكتب لتشذيب الحديث لا يعني بأي شكل من الاشكال أنني أكتب عن شخص الرسول . الاحاديث الكثيرة التي زورت ودست في تراثه عليه الصلاة والسلام ليس لها حصر لكنني سأقف على محورين في هذه الفرزة، المحور الاول هو بعض الاحاديث التي قيلت باسم الرسول فاترك لعقل القارئ الحكم على هذه الاحاديث، أي صحتها من عدمه . رغم ان بعض علماء المسلمين استنكروا بعضها وهذا الاستنكار والرفض هو من ولد عندنا حق التساؤل في فحوى ومعرفة الحديث الصحيح ؟ فليس هناك مجسات معرفية حقيقية لكي نعرف صحة الاحاديث فالذي تعتمده المدرسة السينية من الاحاديث والكتب الموقرة ترفضه المدرسة الشينية . والسين تعد كتب شين باطلة لا يصح الاخذ منها مطلقاً .

ومن بين عقدة الاختلاف والتمايز الحار بين جهة واخرى خلق لنا بعض المغرضين كتباً لكي نتمايز بها على غيرنا من الطائفة الاخرى، بحيث ذهب أحدهم الى حديث من أن الرسول كان يكلم الحمار ولم يرتقي على ظهره لأنه من نسل الحمار الذي كان في سفينة نوح ! وخلقوا لهذا العنوان قصة تصلح في كتاب الف ليلة وليلة .

سأعرض بعض الاحاديث التي أُلصقت باسم الرسول وعلى الواعين إزالة هذا الدنس من إسم عرفه التأريخ قبل الاسلام بالصادق الامين .

في حديث مطول بين الرسول وبين احد اليهود هذا الحديث مروي في صحيح مسلم: باب بيان صفة مني الرجل والمرأة وأن الولد مخلوق من مائهما

1- قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلى مني الرجل مني المرأة ذكرا بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به .

2- شراركم عزابكم "

قال ابن عراق: رواه ابن عدي من حديث أبي هريرة

3- من نام بعد العصر ففقد عقله فلا يلومن إلا نفسه

4- من تزوج قبل أن يحج فقد بدأ بمعصية

5- دفن البنات من المكرمات

ذكره ابن الجوزي في الموضوعات

 

6- لا يدخل الجنة ولد زنا

قال ابن عراق: رواه الدارقطني من حديث أبي هريرة

وهذا الحديث مخالف لقوله تعالى ولا تزو وازرة وزر أخرى

7- خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء "

قال ابن حجر : "لا أعرف له إسنادا

8- صعد النبي على جبل احد هو وابو بكر وعمر وعثمان، فرجف الجبل بهم فقال النبي، اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ! (البخاري ج 4 ص 197)

لا أريد التعليق على هذه الموضوعات لكن سأقتبس قولاً لإبن الجوزي أراه أنفع للمتعقلين في هذا السياق: (ان الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم وينفر منه قلبه، إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الاصول فاعلم انه موضوع)

وهذه الاحاديث السالفة كنموذج على قول ابن الجوزي فالرسول الذي لا ينطق عن الهوى لا يمكن ان يتفوه بهذا النوع من الاقوال . هذه الاحاديث المصطنعة أدت سلباً على العقل الاسلامي عامة حيث لا يستطيع الفرد ان يتساءل عن صحة الاحاديث المروية في كتب الحديث والفرد العامي ما عليه الا الاستماع ومن ثم التصديق بهذه المرويات بعدها عندما ينتهي من سمع الحديث يقول صدق رسول الله!

 

المرأة في الحديث:

جاءت التشريعات الاسلامية فحولية ليس للمرأة فيها الا الإذلال والتنكيل فهي مخلوق ثانوي ليس له قيمة في عقلية التشريع الفحولي المستند على الحديث فهي أي المرأة ناقصة عقل ودين كما يفهم المتجردين من العقل والدين ! موضوع المرأة في الفقه الاسلامي او التشريع يحتاج الى مساحة أكبر وربما سأكتب فيه قريباً . لكني وقفت واجماً أمام أحدث الفتاوى والتي يستند صاحبها على حديث نبوي فيقول : يجوز ان تطلب المرأة من الرجل المسلم أن يدخلها في عقد ملك اليمين كي تصير ملك ليمينه. واستشهد هذا الشيخ بحديث للرسول عن انس قال، قال رسول الله ان من أشراط الساعة ان يرفع العلم ويظهر الجهل، ان يكون للخمسين إمرأة القيم الواحد فيصرن له موالي وإماء . وفي الحديث الذي رواه البخاري : يرى الرجل الواحد يتبعه أربعون أمرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء . وقوله أيضاً اذا عمت الفتنة ميز الله أوليائه حتى يتبع الرجل خمسون إمرأةً تقول يا عبد الله استرني يا عبدالله أنكحني؟. وعندما تلفظ إنكحني فيبقى للرجل الخيار من ان ينكحها او يهبها او يبيعها؟

هل الامة الاسلامية تحتاج الى هذا النوع من الفتاوى التي تشرخ وحدة المجتمع وتجعله بهائمي حيث ان الرجل تجري خلفه خمسون إمرأة هل من العدل الالهي ان لا تقوم الساعة الا ان نرى خمسين إمرأة خلف الرجل الواحد ؟ ما هذا الاستهتار بالعقل ثم ألا ترون ان أكثر الفاسدين والتابعين أثر النساء هم رجال

الدين لذلك يفتون لأنفسهم بمثل هذه الفتاوى الغريبة؟ .

الى متى يبقى التشريع حارناً على ان المرأة مخلوق ثانوي عبثي ؟ لا اعلم .

المحور الاخر في هذه الفرزة هو محور المعترضين على ما أكتب فالرسائل العديدة التي استلمتها تعكس ثقافة الفرد وتطلعه منهم من إعترض بطرق بحثية معرفية ومنهم ذهب بعيداً الى حيث التخوين والمؤامرة واكثرية الردود أتت داعمه لما أقدمه في هذا البحث

وعلى أي حال فأنا أسأل كل المعترضين من طوائف المسلمين: إذا كنت أنت أيها الرجل الذي تؤمن بكتب الصحيحين وكل ما جاء بهما هل تؤمن بكتب المجلسي والكافي وغيرها؟ فهي تنقل أحاديث تزعم أنها أحاديث الرسول فهل لك ان تصدق بها؟ الجواب الف كلا ثم ستردف قائلاً أنها كتب مدسوسة ومزورة وتافهة لا تثبت أمام الحديث النبوي .. وبالعكس الذي يؤمن بكتب المجلسي والكافي لا يؤمن بكتاب الصحاح ويقول أنها جاءت في مصلحة الحاكم .

اذن أنا لا أقول أكثر مما قاله أصحاب المدارس في الازدراء والتضعيف من الاحاديث التي عند كل طرف منهما . هذه الاحاديث التي تصلبت شرايين الوعي بسببها وتجمدت مسامات المعرفة وتقاتل المسلمون بدعم هذه الاحاديث واستبيحت حقوق الناس والاجناس وتفرق المسلمون الى طوائف واحزاب . فالى متى سيبقى نزيف الدم في بلادنا ومعاول اللعن والطعن تشتغل ليل نهار لهدم كيان الانسان المسلم وتجرده من انسانيته؟ متى يلتفت الواعون ومتى تستيقظ الامة؟

 

مصطفى العمري

 

 

 

mustafa alomariجدلية العقل والنص جدلية ازلية لا تنتهي الا بانتهاء البشر فالنص يأخذ قدسيته من البسطاء والعوام من الناس هؤلاء المساكين يستلمون الحديث (أي حديث) على انه المقدس الذي يجب عليهم الركوع له وكأنه المرسل الالهي لا شك ولا اشكال فيه وحين تعترض فإنك الزنديق الاشر الخارج عن الدين والملة .

يستخدم بعض المنتفعين من الدين الاحاديث لرغباتهم وشهواتهم وللإرتفاع من مكانتهم الاجتماعية وذلك بتفويض السلطة القاهرة وهم الدهماء من الناس، وفي هذه المرحلة القاحلة من عدم التساؤل في هذا الموروث يتيبس الوعي الفكري ويتجمد العقل في عمامة ونعال رجال الدين .

أما العقل الحر فهو ذلك المتسائل في كل ادبياته الموروثة غير مكترث لما يسمعه من العوام من ان هناك بعض القداسات البشرية فهو يريد الانعتاق من صخب الجهلاء وحديث الصعاليك والارتفاع الى حيث يكمن حب الله والبشرية .

سارت جدلية العقل والنص في المجتمعات الاسلامية سيرة غير متكافئة فالهيمنة دائماً لأصحاب النص يريدون ان يبسطوا سلطتهم بشتى الوسائل ويحكموا قبضتهم على الشارع العام بفرض اعتى القيود وأعنفها على من يحاول العبث بذلك الموروث الهزيل . أما في محاولة احد ما الاستنشاق خارج هوائهم الفاسد فحكمه الموت او النفي .

أود ان اقول شيئاً مهماً في هذه اللحظات وانت تقرأ هذا الموضوع، وهو عليك ان تتحلى بقدر من الشجاعة لكي تفسح لعقلك المجال كي ينطلق بالتفكير ولو لعشرة دقائق حتى يتسنى لك معرفة بعض جوانب الحقيقة .

إعترض بعض المعترضين من ان الاحاديث النبوية صحيحة ولا مجال للتشكيك بها لأنها من رسول الله؟!

أنا لا أعترض على هذا السؤال لكني اتساءل من خلاله فاقول:

لقد صلى الرسول بالمسلمين لسنوات عديدة وهو أمر متكرر يومياً خمس مرات، فكان من المفترض ان تكون الصلاة أول الملتقيات الاسلامية حيث لا مجال للشك بها وبطريقة تأديتها طالما رأى المسلمون ذلك من الرسول لمرات عديدة، والصلاة فعل يومي ليس قول في مسألة إستثنائية، فأول شئ يجب ان يكون صحيحاً هو الصلاة . وهنا نقول الى الذين جمدوا العقل على حساب النص . انظروا الى صلاتكم فأي صلاة هي التي كان يصليها الرسول؟ هل مسح رجليه ام غسلهما؟ هل رفع يديه أم أسبلهما؟ هل وضع تربة يصلي عليها؟ هل كان يقول بالشهادة له ولإبن عمه علي بن ابي طالب في الصلاة؟ كيف يبدأ ويؤدي ويسلم؟

اذا كنا اختلفنا في عمل كان يقوم به الرسول كل يوم على مرأى ومسمع من المسلمين كيف لنا ان نتفق على حديث نسب للرسول في ليلة ظلماء دهماء! ثم يطلب منا التصديق بهكذا احاديث .

الصحابة الذين عجزوا ان يحفظوا صلاتهم من الرسول هم أعجز من ان يحفظوا ربع حديث قاله الرسول في ذلك الوقت .

ينقل عن ابي هريرة قال قال رسول الله ماضل الامم قبلكم إلا بما كتبوا من الكتب مع كتاب الله .

فإذا كان يعرف صاحبنا ابو هريرة ان الاسلام سيضل بهذه الكتب والاحاديث لماذا روى كل هذا الكم الهائل منها وهو المتصدر على لائحة الرواة؟؟

حال الامة الاسلامية اليوم يتطلب مراجعة شجاعة لكل هذا التراث الثقيل والذي سبب بزهق أرواح العديد من خلق الله على انه آت من الله ورسوله مراجعة يتصدر العقل بها جلسة الحوار والتحقيق يعرض النص مطأطئاً امام العقل لكي يحكم العقل بثبوته او إلغائه وليس العكس كما هو الحال الان . ليس لنا نتقدم ونحن لازلنا منهمكين في احاديث سارت بنا القهقري دون ان نندلق منها او نأدلقها الى اللارجعة أحاديث مختلقة مزورة تافهة من حيث المعنى المضمون بدل ان يفسح المجال لاصحاب العقل الى حذفها وتشذيبها أسس اصحاب النقل مدارس وجامعات تخرج الافاً من المنغمسين والمعتوهين بكذبة الحديث دون ان يجرؤ احد الى الاعتراض امام هذا الهذيان الكبير، جامعات تخرج الدكاترة باختصاص الحديث ودكاترة غير قادرين على فتح حذاء صحابي روى الحديث فكيف لهم فتح الحديث نفسه لكي يضعوه على منصة التشريح حتى يتسنى لهم معرفة الحقيقة . إنها مهزلة وها أنا أخوض في حديث المهازل عذراً منكم .

 

مصطفى العمري  

 

 

mouaiyad  alabedلقد كنّا وما زلنا نحن الاكاديميين ننظر بعين الى الابحاث الدينية غير العين التي ينظر بها عالم الدين. او لنقل رجل الدين. حيث يعتقد البعض ان هناك تناقضا او عدم التقاء بين المنهج الاكاديمي الذي يتبعه ارباب العلم الطبيعي والمنهج الذي يتبعه عالم او رجل الدين الاسلامي خصوصاً. وهذا المسمى بعدم الالتقاء جعل الكثير من ارباب العلوم الطبيعية يعزف عن الادلاء بدلوه في الكثير من الامور التي ارى من الضروري ان يكون هناك تلاقح بين المنهجين او الاسلوبين. الا ان هناك من قام بطريقة متطورة يتلاقى من خلالها الاسلوبان.

من هنا يتضج لنا اهمية موضوعة المنهج في اي مجال معرفي فانه ما لم يجد الباحث ذلك في الرتبة السابقة فسوف يؤدي الى الوقوع في الهلكات المعرفية ولا يزيده البحث في اثبات مدّعاه الا بعدا عنه ولعل هذا هو المراد مما ورد عن الامام ابي عبد الله الصادق عليه السلام حيث قال (العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير الا بعدا) والبصيرة في المقام هي المنهج($)

لذلك نرى المنهجية في ذهن وتطبيق العلامة السيد الحيدري الضرورة الكبرى في اي بحث من البحوث ناهيك عن كون هذا البحث متعلّقاً بالتفسير القرآني أو بغيره. فكيف اذا كان ذلك متعلّقاً بالقرآن الكريم، وهو دستور الامة الذي تركه الكثير، الا من قليل، هذا الكثير الذي يتعلق بسطحية عجيبة! وان احسنا النية نقول سطحية غير متعمّدة! لذلك يسعى العلامة الحيدري من خلال منهجيته الرائعة الى تصحيح وتجديد الكثير من الافكار ومن التفاسير التي توقّفت عند حدّ ضيّق، قد حدّت من خلاله كذلك الكثير من التصورات التطويرية في هذا المجال. فقد كان السيد ومازال يحذّر من الفوضى في المنهجية التي سار عليها اغلب المفسرين والكتّاب في هذا المجال. لذلك نرى السيد يسعى الى ما يطلق عليه (التاسيس النظري للعملية التفسيرية) الذي يعتمد على المنهجية في التعاطي مع الطرق الصحيحة والجادة للتخلص من الفوضى التي ادت الى هذا الغبش والتصورات غير الدقيقة في التعاطي مع الاحكام التي وردت كنصّ يحتاج الى من يسبر اغوار هذا، للوصول الى الغاية المرجوّة وهي حقيقة يقبلها العقل ولا تتعارض مع النصّ حين تفسيره. وينبغي ان نشير الى حسّاسية البحث باتجاه يعتقد الكثير من الجمهور الخروج على التقاليد الدينية او الاجتماعية الدينية. بينما المعروف عن الولوج في مسائل البحث بل الاهم من نقاطه هو الجرأة العلمية في القول والشرح والاسهاب لتوضيح الفكرة بالاضافة الى نزاهة الاسلوب في الوصول الى نتائج ايجابية ونزاهة المعرفة المستندة الى المصادر الحقّة، الدقيق ذكرها وعدم الاستغراق فيما لا ينفع عقيدياً او فكريا. لذلك ترى السيد الحيدري دقيقا في البحث عن المعلومة وسط ترك واهمال للمعلومة من قبل العديد من الباحثين بل من قبل الغالبية العظمى من الباحثين في المجال الدينيّ. وقد سار ويسير السيد الحيدري على منهج موضوعي وتنظيم وصدق وانفتاح كامل على كل المذاهب في البحث عن المعلومة ومدى دقّتها والفائدة من ذكرها وفي الموضع والزمان المناسبين. واقول بالاسلوب الاكاديمي الصحيح. ولو نأخذ مثلاً على ذلك نراه في الاستناد على المباديء الاساسية في مثل هذه البحوث، مثل صياغة الفرضية وتصميم كامل على الاعتماد على التجارب لاختبار الفرضية مع جمع التفاسير الكاملة للبيانات والاتصال مع امكنة المعلومة العلمية البحثية وتجريدها من الشخصانية التي غالبا ما تستهلك اسماءها قيمة المعلومة العلمية التي باتت تعرف من خلال الرجال وليس العكس كما يقول الامام علي عليه السلام (يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال). لذلك فقد سلّط السيد على امّهات الكتب من كافة الطوائف ضوءاً عالي التردّد وكانت غايته الضوء الشديد والنور المبين الذي يمثّل الحقيقة. فقد اشار الى كتب المذاهب الاسلامية العديدة من بحار الانوار الى من لا يحضره الفقيه وكتب الكافي الاصول والفروع وغير ها من كتب الشيعة. بالاضافة الى كتب عامّة المسلمين من المذاهب الاخرى.

لقد قرأت وشاهدت العديد من (المحاضرات!) والجلسات والكتابات التي تهتك أو تحاول ان تسير بهذا الطريق لتدمير او اضعاف المشروع الاصلاحي الكبير الذي جاء به سماحة المرجع السيد الحيدري والذي يعتبر بحق اكثر مشروع شجاعة منذ عشرات ان لم اقل مئات السنين، نعم ولا ابالغ في ذلك. لقد اشار هذا المشروع الى العديد من النقاط الحسّاسة المدافعة عن المشروع القرآني العظيم.

لقد اشار هؤلاء المتقوّلون مع الاسف إدعاء وتجنياً بما لم يقل السيد او هكذا فهموه! ان احسنّا الظنّ ونحن كذلك! يقولون ان السيد الحيدري قد نسف الحديث النبوي وهو قول الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلّم. والحقيقة غير تلك! لقد قال واشار وكتب السيد الحيدري الى انّ الائمة عليهم السلام يذكرون الى ان اي حديث يأتينا يتعارض مع القول الكريم فإضربوه عرض الحائط. اضافة الى هذا الكمّ الهائل من الاقوال والروايات والاحاديث من على المنابر عن رؤيا رآها احد او قيل له كذلك ومرويات يكون استنادها الى تلك الرءيا حتى اصبح الكثير من الروايات التي يتحدث بها الكثير من الخطباء والقائلين والمتحدثين عن تأريخ يستند بشكل أو بقدر معيّن الى روايات عجيبة. لا ننسف من هذه الاحاديث الا ما يتعارض مع الكتاب الكريم ومع العقل الذي يستند الى استنادات وبراهين كبيرة تتفاعل مع الزمن بما يخدم طريق الحق. ليس اسلامنا بهذه الركاكة من الاحاديث التي تبيّن الدين وكأنه مجاميع من الاساطير! لا والف لا!

يقول مشروع السيد الحيدري من خلال الدكتور الاخ طلال الحسن في كتابه اسلام القرآن واسلام الحديث كملخّص للمشروع الاصلاحي للسيد الحيدري بالقول:

انّ البناءات العلوية للرؤية الدينية هي نفس المنطلقات الاساسية التي تشكّل في ضوئها الدين الاسلامي بأصوله وفروعه ولا ريب أن جميع أصوله برهانية وحيانية خالصة أي: عقلية قرآنية وأما فروعه التي يغلب عليها التشكيل الروائي فلا بدّ أن تكون متفرّعة ومبتنية على تلك البناءات العلوية، وإلاّ يضرب بها عرض الجدار. وحيث إنّ الاعم الاغلب منها بحسب واقعنا العملي قد تشكّل في ضوء الموروث الروائي فإنّه لابدّ من تحصين ذلك الموروث الروائي لضمان صحّة ما نحن فيه وليس أمامنا سوى التمسّك بالقرآن والعقل.

وهنا يجب القول ان هذا المشروع الكبير لا ينفي الحديث ولا يقوّضه بل بترشيحه وتنقيته من فعل ان الشك هنا عنوان مهم للعرض على القرآن الكريم اولا حيث يقول المشروع: (لا ريب في ضرورة الرجوع الى الروايات المرويّة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم واهل البيت عليهم السلام فتلك ضرورة دينية ملزمة، وضرورة معرفيّة لفهم الدين والوقوف على تفاصيله وهذا أمر واضح لا نقاش فيه عند المدرستين معاً، ولكنّ هذا الرجوع الضروريّ لا يصحّ فيه إلغاء القرآن بمعنى الاكتفاء بالرواية دون الآية، فإنّ الروايات موقوفة على القرآن ومتعلّقة على القرآن ومتعلّقة به، لانّها بيان وتفصيل له، فاذا ما طالعنا نصوصاً تفصيلية فلا بدّ من جذرها القرآني، ليكون دليلاً على صحّة التفصيل، وبذلك سيكون عندنا أصل قرآني شاخص نحدّد من خلاله صحّة وواقعية ذلك الكمّ الهائل من الروايات ومن ثمّ العمل به، وهذه هي الفكرة الاساسية لاسلام القرآن الذي ندعو له، واما الانكفاء على الروايات دون متابعة جذرها القرآنيّ فذلك هو اسلام الحديث الذي نحذّر منه). ص16 من نفس الكتاب

وبذلك تتّضح الصورة والغرض من هذا المشروع العظيم والمهم والذي لابدّ منه فالامر وصل الى حال عند المسلمين لا يمكن الا ان تكون هناك مراجعات مهمّة للتراث والرواية والحديث وما الى ذلك فقد اصبح هناك شرخ كبير بين القول الكريم لله تعالى وبين الكثير من الاحاديث المروية. اما اذا تحدّثنا عن تلك الاحاديث التي تستند الى زمان حكم بني امية في الشام فحدّث ولا حرج!!

ربّما يسأل سائل: هل هذا الكم من الباحثين في المجال الاسلامي يدركون المعنى القرآني وتفسير القول الكريم؟ الجواب بالطبع لا، لذلك وجب تهيئة الالسن والاقلام الصادقة المتدبّرة والعاقلة والهادئة في البحث القرآني والدخول في جدليّة علميّة بحثيّة لا بأس من اساليب عديدة من اسلوب اكاديمي واسلوب تتوفّر فيه كلّ العوامل التي طرحت من قبل السيد الحيدري وهي واضحة من خلال محاضراته وكتبه والمجموعة من الباحثين الذي يسيرون وفق هذا المنهج.

يقول السيد الحيدري(شاهد القول صوتا وصورة في العنوان):

https://www.youtube.com/watch?v=wj45vMYabRI&feature=c4overview&list=UUFj9KQcceK3XduMOVNyXrVg

في الدقيقة:0:12:39

(اسلام الحديث الاموي الدخيل لتمييزه من اسلام الحديث النبوي الاصيل)

لذلك اي مفتر هذا الذي يقول ان السيد يريد ان ينسف الحديث كلاً بلا تمييز او ذلك الذي يقول ان اسلام الحديث فيه الكثير من العقائد التي لا يمكن الاستغناء عنها وكأنّي به يقول لولا الاحاديث المروية لما كان هناك اسلام او لما كان هناك نهج عقيدي نستند اليه في حياتنا!

وجب على الانسان ان يكون منصفا اذا اراد لنفسه العزّة في الدنيا والآخرة! هناك اسلامان احدهما طريقه معبّد الى الصراط المستقيم وآخر فيه اعوجاج يؤدي بنا الى الهلاك لا محالة. وكما يقول الشاعر ابن الرومي:

أمامك فأنظر أيّ نهجيك تنهجُ       طريقان شتّى: مستقيم وأعوجُ

ألا أيّهذا الناس طال ضريركم     بآل رسول الله فإخشوا أو إرتجوا

ولنا بقية في القول باذن المولى الكريم

 

د.مؤيد الحسيني العابد

 

...........................

($) الاصول من الكافي لثقة الاسلام ابي جعفر بن يعقوب الكليني تحقيق علي اكبر الغفاري نشر دار الكتب الاسلامية الطبعة السادسة كتاب فضل العلم باب من عمل بغير علم، الحديث 1 ج1 ص43

 

mustafa alomariلكل مرحلة من مراحل العصر سياقاتها الخاصة وطبائعها المختلفة وعلومها المرتفعة وسايكلوجية الافراد المعرفية والحركية تختلف تماماً من وقت لأخر فلا يمكن ربط الماضي بالحاضر وفق منهج معطوب وإقحامه في حياة الناس على انه جاء من اناس كانوا قريبين من الرسول والرسالة والحال أن الذين كانوا في زمن الرسول تخاصموا وتلاعنوا وتقاتلوا ونحر أحدهم الاخر وهذا من المسكوت عنه في ظل ثقافة التخويف . كيف لنا ان نوفق بين مرحلتين متباعدتين زمنياً ومعرفياً وتكنلوجياً ومدنياً، هم عاشوا حياتهم كما أرادوها هم فلماذا لا يترك الناس في عصرنا ان يعيشوا أحراراً من دون إيهامهم وتضليلهم بالرجوع الى عصر الصحابة عصر سالت فيه دماء وسملت فيه أعيناً وقطعت فيه رؤوساً. لماذا يطلب منا ان نتقيد باحاديث بعيدة كل البعد عن أخلاق الرسول؟ أحاديث أختلق بعضها وحرف الاخر وغير المعنى في الكثير منها؟

ينقل ابراهيم فوزي في كتابه تدوين السنة: قد يأمر رسول الله بشئ أو ينهى عنه في حالة خاصة فيفهم الصحابة انه تشريع مؤبد فيسألون الرسول التخفيف لما يلحق بالمسلمين من حرج فيبين لهم ان ذلك ليس مؤبداً بل جاء لعلة خاصة .

يعتقد البعض ان التاريخ كان الامضى والاقوى في تفريق المسلمين، نعم كان التاريخ كذلك لكنه ليس كالاحاديث المدسوسة والملفقة ولأن التاريخ ليس فيه إلزام في حال العبادات والمعاملات إنما هو الاثر الزمني للأفراد نطلع عليه لكي نزداد بغضاءً وشحناءً وعداءً، لكنه يبقى ماضياً لا يستطيع الفقهاء اصدار فتاوى على ضوء نظرية التأريخ . الحال يختلف في الاحاديث او ما يسمونه بالسنة النبوية لأنهم يعتمدون (المسلمون جميعهم بشتى اطيافهم) على هذه الاحاديث في استخراج الفتاوى وهذه الفتاوى مكتوبة الى عصرنا ومرحلتنا، حديث رواه صحابي قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة ثم أهمل هذا الحديث وترك لفترة المأتين عام بعدها جاء شيخ من أقصى بلاد الله ليستخرج هذا الاحديث ويضعه في كتابه ليكون دستور حياتنا الحالي وشفيعنا الى الله ومقربنا منه سبحانه !!

إنها مهزلة نعم مهزلة تلك التي يدعوك إليها أرباب العمائم واللحى الى الانسياق وراء تفاهتم وجهلهم وتخلفهم وزيفهم ثم يدعونك ان تؤمن بقوة بكل ما يرد منهم من فتاوى وأحكام، ورغم إني استشعر بمجسات غير مرئية أن القادم سيكون فيه من المأساوية ما لا يحتمل لكن هذه القسوة والمأساة ستجعل الكثيرين ينعتقون من منظمات تشبه الماسونية وطوائف متيبسة على أعتاب الماضي وموروثات وطقوس بذيئة دنيئة متوحشة .

ما كان الرسول مختلياً بحاله جالساً في بيته يستنكف من مشاركة الناس في أعمالهم وحرفهم، بل كان واحداً منهم يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم يزورهم ويزورونه يضحكون ويمرحون يعملون ويكدحون، يشير عليهم برأيه الخاص فيتذمرون أحياناً ويتقبلون أحايين كثيرة . مرّ ذات يوم فوجد الناس يأبرون النخل فقال ماذا تصنعون قالوا كنا نصنعه، قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً فتركوه فنقضت فذكروا ذلك له فقال : إنما انا بشر إذا أمرتكم بشي من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشي من رأيي فإنما أنا بشر. (القاضي عياش 178)

ومن هذا الكم الهائل من النصوص المنقولة عن الرسول نستطيع ان نميز بعض لمحات وحركات الرسول البشرية التي كان يتعامل بها مع الناس جميعاً، ليس لنا ونحن نعيش في عصر يختلف ومنظومة من المعارف المختلفة عن ذلك العصر ليس لنا الا استخدام العقل امام هذه النصوص وليس العكس فالنص منتوج بشري قابل للتغيير والتبديل والإلغاء أما العقل فهو المنتج إلالهي يرتفع ويرتفع الى اللانهاية، فالنصوص التي إختلقها إجدادنا لمرحلة ما وزمن ما لا تصلح ان تمرر على هذا الزمن وفي هذه المرحلة الصاعدة من حيث الوعي .

هذه المرحلة تحتاج من الواعين ان لا يتيبسوا على النص ويحاولوا الارتقاء بالعقل لكي يرشدهم الى حيث الصواب من عدمه . يقول الشيخ شلتوت في كتابه الاسلام عقيدة وشريعة (أن كثيراً مما نقل عن النبي صدر بأنه تشريع او دين او سنة او مندوب وهو في الحقيقة لم يكن صادراً على وجه التشريع أصلاً وقد كثر ذلك في الافعال الصادرة عنه بصفته البشرية او بصفته العادية او التجارب)

فمتى يقرأ المسلمون الرسول على انه الانسان البشري دون استعلائه على الناس ومتى يدركوا ان الاحاديث التي نسبت اليه هي ليست له وانه كان يتعامل مع ذلك العصر وفق معطياته وضروراته واذا جاء الرسول محمد اليوم فسيسير بالناس على ضوء منهج الحضارة الحديثة فسيركب السيارة والطيارة وسيقلع عن ركوب الخيل وسيجد نفسه غريباً بين أمة تدعي نهجه وحبه .

  

مصطفى العمري

 

abdulsalam alhitariألقي هذا الخطاب بتاريخ 28 أغسطس / آب عام 1963، في محيط نصب لينكولن التذكاري بواشنطن دي سي.

يسعدني أن انضم إليكم اليوم في هذا الحشد المهيب الذي ستتناقله الأجيال عبر التاريخ كأعظم مظاهرة في سبيل الحرية في تاريخ أمتنا.

قبل قرن من الزمان، صادق الأمريكي العظيم، الذي نقف اليوم في ظله الرمزي، على إعلان انعتاق العبيد. جاء هذا القرار التاريخي كشعلة أمل عظيمة يهتدي بها الملايين من العبيد الزنوج الذين اكتووا بنيران الظلم والجور. جاء كمطلع فجر بهيج ليبدد ظلام ليل عبوديتهم الطويل.

ولكن بعد مضي مائة عام، لا تزال حرية الزنوج منقوصة. بعد مضي مائة عام لا تزال حياة الزنوج مكبلة بقيود الفصل العرقي وأغلال التمييز العنصري. بعد مضي مائة عام، لا يزال الزنجي يعيش معزولا في جزيرة الفقر وسط بحر مترامي الأطراف من الرفاه المادي. بعد مضي مائة عام لا يزال الزنجي يتلاشى على هامش المجتمع الأمريكي، ويجد نفسه منفيا في أرضه ووطنه. وها نحن قد احتشدنا اليوم في هذا المكان لنعبر عن سخطنا على هذا الوضع المخزي.

لقد قصدنا عاصمة بلادنا اليوم لنصرف شيكا. فعندما سطر مؤسسو جمهوريتنا أروع الكلمات في الدستور وإعلان الاستقلال فإنهم كانوا يوقعون سندا لكل أمريكي سهم فيه. كان هذا السند بمثابة وعد بمنح كل الناس، أجل كلهم، أسودهم وأبيضهم على حد سواء، "حقوقهم الثابتة" في "الحياة والحرية ونشدان السعادة"، بيد أن من الواضح اليوم أن أمريكا قد أخلفت وعدها ولم تف بدَينها بالقدر الذي يخص مواطنيها الملونين. وبدلاً من الوفاء بهذا الالتزام المقدس عمدت أمريكا إلى إعطاء الزنوج شيكا زائفا، فما أن أرادوا صرفه حتى أعيد إليهم مُعلَّما بعبارة "الرصيد غير كاف."

لكننا لا يكمن أن نصدق بأن بنك العدالة مفلس. لا يمكن أن نصدق أن الرصيد غير كاف في أروقة الفرصة العظيمة في هذا البلد. وعليه، فقد أتينا لصرف هذا الشيك – الشيك الذي يمنحنا ثروة الحرية وضمان العدالة عند الطلب.

لقد قصدنا هذه البقعة المعظّمة لنُذكِّر أمريكا بإلحاح اللحظة الآنية. فهذا ليس وقت الدخول في ترف التهدئة ولا وقت تعاطي مهدئات التدرج المرحلي. لقد آن الأوان للوفاء بتعهدات الديمقراطية، لقد آن الأوان للصعود من غياهب فجاج الفصل العنصري المقفرة إلى إشراقة درب العدالة بين الأجناس. لقد آن الأوان لانتشال أمتنا من وحل الظلم العنصري كي تقف على صخرة الأخوة الصلبة. لقد آن الأوان لجعل العدالة واقعا معاشا لكل الخلق.

إن تغافل إلحاح اللحظة الآنية سيكون قاصمة ظهر هذه الأمة. ولن ينقضي هذا الصيف القائظ من سخط الزنوج الشرعي إلا بقدوم خريف يمكِّن للحرية والمساواة، فسنة 1963 ليست النهاية، إنما هي البداية. أما أولئك الذين يمنّون أنفسهم بأن الزنجي كان بحاجة للتنفيس عن غضبه وأنه سيقنع الآن بذلك فلسوف يوقظون إيقاظا فظا بعد فوات الأوان إذا ما عادت الأمة لممارسة حياتها الطبيعية المعتادة؛ فلن تنعم أمريكا بالاستقرار والسكينة حتى ينال الزنوج كافة حقوق المواطنة، وستستمر زوابع الثورة في هز بنيان أمتنا من جذوره حتى يسطع نهار العدل وضاحا جليا.

وهنا ينبغي علي أن أقول لقومي الذين يقفون على العتبة الدافئة المؤدية إلى قصر العدالة: ينبغي علينا ألا نقوم بارتكاب أي أعمال مشينة أثناء نضالنا في سبيل الحصول على مكانتنا المشروعة. ولنبتعد في سعينا لإرواء غليلنا من الحرية عن الشرب من كأس الأحقاد والانتقام؛ ينبغي علينا دائما أن نخوض نضالنا بمستوى رفيع من الكرامة والانضباط. ينبغي ألا نسمح لاحتجاجاتنا الخلاقة أن تنحطّ إلى مستوى العنف الجسدي. ينبغي أن نعلو بذواتنا على الدوام إلى أسمى مقام فنواجه القوة الجسدية بالقوة الروحية.

ينبغي أن لا تجرنا هذه الروح النضالية الرائعة التي تغمر المجتمع الزنجي إلى الشك بكل البيض، فكثير من إخواننا البيض قد استوعبوا أن مصيرهم معقود بمصيرنا، وأن حريتهم مرتبطة ارتباطا وثيقا بحريتنا، ويشهد على ذلك وجودهم بيننا اليوم.

ليس بوسعنا أن نمضي في هذا الطريق وحدنا.

فإذا ما خطونا، ينبغي أن نقطع على أنفسنا عهداً بأن نمضي قُدماً على الدوام.

فليس بوسعنا أن نتراجع.

هناك من يسأل أنصار الحقوق المدنية: "متى سترضون؟" لن نرضى أبداُ ما دام الزنجي ضحية لوحشية جهاز الشرطة وفظائعه التي لا توصف. لن نرضى أبدا ما دامت أجسادنا المنهكة من السفر لا تجد مأوى في نزل على الطريق أو فندق في المدينة. أنَّى أن نرضى ما دام الزنجي مطوقا بالعزلة محصورا في تحركاته الأساسية فلا يخرج من الجيتو الصغير إلا إلى الجيتو الكبير. أنى أن نرضى ما دام أطفالنا مجردين من ذواتهم، مسلوبين من كرامتهم وهم يرون تلك اللوحات التي كُتب عليها "للبيض فقط." ليس بوسعنا أن نرضى ما دام الزنجي في ولاية المسيسبي لا يمكنه التصويت في الانتخابات، والزنجي في نيويورك يشعر أن لا طائل من وراء تصويته. كلا، كلا، لسنا راضين ولن نرضى حتى "يتدفق العدل كالسيل الجرار ويفيض الإنصاف كالنهر العظيم."

لست غافلا عن أن الكثير منكم قد خرجوا لتوهم من محن عصيبة ورزايا عظيمة، فقد خرج بعضكم لتوه من زنزانات ضيقة، وبعضكم قَدِم من تلك المناطق التي اجتاحتكم فيها عواصف التنكيل وتخطّفتكم رياح همجية الشرطة، بسبب سعيكم لنيل الحرية. لقد أثبتم أنكم متمرسون في النضال حتى أبدعت معاناتكم نضالا. واصلوا نضالكم بإيمان راسخ وأيقنوا بأن معاناتكم بغير جرم اقترفتموه هي سبيل الخلاص. عودوا إلى المسيسبي، عودوا إلى ألاباما، عودوا إلى ساوث كارولينا، عودوا إلى جورجيا، عودوا إلى لويزيانا، عودوا إلى الأحياء الفقيرة والجيتوات في مدننا الشمالية، عودوا وأنتم موقنون بأن هذا الحال بالإمكان أن يتغير ولسوف يتغير.

أقول لكم اليوم يا أصدقائي: لا يقعدن بنا اليأس عن مواصلة نضالنا.

أمَا ونحن عازمون على المضي في طريقنا، وبالرغم من أننا نلقى مصاعب جمة اليوم وسنلقى الكثير في قادم الأيام، فإني لا يزال لدي حلم. إنه حلم ضارب بأطنابه في الحلم الأمريكي.

لدي حلم بأن هذه الأمة ستنتفض يوماً ما، وستتمثل معتقدها بـ: "أن الناس كلهم خلقوا متساوين، ونحن نؤمن بأن هذه حقيقة بديهية لا مراء فيها" وتجسده واقعاً مُعاشاً.

لدي حلم بأن أولاد من كانوا عبيدا وأولاد من كانوا ملاكا للعبيد سيجلسون يوما ما فوق التلال الحمراء في جورجيا، جنبا إلى جنب على طاولة الأخوة.

لدي حلم بأن ولاية المسيسبي ذاتها، تلك الولاية التي تصطلي بجحيم الظلم، تصطلي بجحيم الجور، ستغدو يوما ما واحة للحرية والعدل.

لدي حلم بأن أطفالي الأربعة سيعيشون في أمة لا تحكم عليهم من خلال لون سحنتهم، بل من خلال كنه شخصياتهم.

لدي حلم هذا اليوم!

لدي حلم بأن يوما ما، هناك في ألاباما، حيث عنصرييها المقيتين، حيث حاكمها الذي تقطر شفتاه بتعبيريّ "الاعتراض" و"الإلغاء"، يوما ما هناك في ألاباما، سيضع الفتيان والفتيات السود أيديهم في أيدي الفتيان والفتيات البيض كإخوان وأخوات.

لدي حلم هذا اليوم!

لدي حلم بأن كل الفجاج ستعلو يوما ما، وأن كل التلال والجبال ستسوى بالأرض، ستمهد الأماكن الوعرة، وتقوَّم المعوجة، "وستتجلى عظمة الرب فيراها كل البشر سويا."

هذا هو أملنا، وهذا هو الإيمان الذي سأحمله بين ضلوعي عائداً إلى الجنوب.

بهذا الإيمان سيكون بمقدورنا أن نقتطع صخرة أمل من جبل اليأس، بهذا الإيمان سيكون بمقدورنا أن نحيل الشقاق والخلافات الصاخبة بين أبناء أمتنا إلى لحن أخوة جميل. بهذا الإيمان سيكون بمقدورنا أن نعمل معا، ونصلي معا، ونكافح معا وندخل السجن معا ونناضل في سبيل الحرية معا، فأنا على يقين بأننا سنغدو أحرارا يوما ما.

في ذلك اليوم سينشد كل الخلق بمعنى جديد:

بك أتغنى يا بلدي، بك يا أرضي الطيبة، أرض الحرية.

الأرض التي فيها مات أجدادي، أرضي فخر الحجاج،

فلتدق أجراس الحرية عند سفح كل جبل!

ولن تصبح أمريكا أمة عظيمة حتى يتحقق ذلك.

ألا فلتدق أجراس الحرية من قمم تلال نيوهامبشر الخلابة.

فلتدق أجراس الحرية من الجبال الشامخة في نيويورك.

فلتدق أجراس الحرية من جبال ‘أليغنيز’ الشاهقة في بنسلفانيا.

فلتدق أجراس الحرية من قمم جبال كولورادو المغطاة بالثلوج.

فلتدق أجراس الحرية من المنحدرات المتعرجة في كاليفورنيا.

وليس ذلك فحسب:

بل فلتدق أجراس الحرية من جبل ‘استون’ في جورجيا.

فلتدق أجراس الحرية من جبل ‘لوك آوت’ في تينسي.

فلتدق أجراس الحرية من كل تلال المسيسبي وهضابها.

فلتدق أجراس الحرية عند سفح كل جبل.

وحين يحدث ذلك، حين نسمح لأجراس الحرية أن تدق، حين ندعها تدق في كل القرى والضِياع، وفي كل الولايات والمدن، سيكون بمقدورنا أن نعجل بمجيء ذلك اليوم حين يجتمع كل الخلق، أبيضهم وأسودهم، يهودهم وأغيارهم، البروتستانت منهم والكاثوليك، فيضعون أيديهم في أيدي بعض مرددين كلمات الأهزوجة الزنجية القديمة:

ها نحن أحرار أخيرا، ها نحن أحرار أخيرا!

نحمد ربنا تعالى، ها قد غدونا أحرارا!

 

د. عبدالسلام الهتاري

أكاديمي وكاتب ومترجم من اليمن

 

 

abdulaziz khaylلا تتوقّف قرائح العلماء والمفكرين والمربّين عن الجود بالأفكار والبرامج والتحليلات النفسية والاجتماعية التي تتناول الشباب وتخاطبه لترشيد مسيرته خاصة في ظلّ العولمة الطاغية التي تهدّد الدين والقيم والأخلاق والذات المستقلة، لكن لنا أن نتساءل : هل ما زال الشباب يستمع إلى الخطاب الترشيدي ويُصغي إلى الدارسين والمنظّرين؟ المشكلة قائمة بذاتها بسبب طوفان التغييرات الثقافية والاجتماعية التي كثيرا ما لا نملك لها حماية صلبة من ذاتنا سوى بقية من خطاب ديني قويّ في جوهره لكن يحدث أن يقلّ تأثيره وتتجاوزه أدوات العولمة وأساليبها، فما العمل إذُا، والشباب مورد لا يمكن تجاهل أهميته وخطره، ولا يمكن تناسي موضوعه؟ هل من فائدة في إضافات تنظيرية تشكّل تراكمَا معرفيّا ضخما إذا كان الذين نتناولهم بالدراسة ونتفنّن في مخاطبتهم لا يلتفتون إليها لانشغالهم بخطاب آخر يشكّل في شعورهم أو لاشعورهم المرجع الأقوى في بريقه وتأثيره لأنه سهل المنال، لا يرهقهم بتكاليف ذهنية أو سلوكية بل يقرّب إليهم الأحلام وينقلهم من عالم الأفكار وما تقتضيه من كدّ ومكابدة إلى ساحات الاستهلاك المادي والنفسي بلا ضوابط ولا حدود؟ إذا استثنينا القلّة الملتزمة بدينها وهويّتها وشخصيتها على بصيرة  بفضل انخراطها في محاضن التربية ودروب الدعوة فإنّ الأغلبية الساحقة الواقعة تحت ضغط الإرهاق من تأثيرات العولمة بعيدا عن أجواء الشريعة والأخلاق أصبحت يستهويها التمرّد على الأمة والتراث والمجتمع، تتموقع في مربّع التحدّي والمعاكسة وهي تظنّ أن ذلك هو ثمن إثبات الذات والخروج من التخلّف والرتابة وعربون الانطلاق نحو الرقيّ والتقدم و نبض الحياة المزدهرة...كيف نحدّث هؤلاء عن الشباب محرّك الدنيا ومسعّر الجهاد ومشيّد الحياة في سبيل الله؟  كيف نحدّثهم عن القدوات الكبرى في تاريخ الأمة الممتدّ من أنبياء وصحابة ورموز خالدة في ميادين العلم والجهاد والإصلاح وقد صنعت لهم السينما والأدب الغربي والتغريبي قدوات تتجاوز في تأثيرها ابراهيم عليه السلام الفتى الثائر على الشرك، وإسماعيل عليه السلام الشاب الذي رضي بالتضحية بنفسه امتثالا لأمر الله، وأصحاب الكهف الذين فضّلوا حياة العزلة على الذوبان في المجتمع الجاهلي، ورموز البطولة والعطاء اللافت أمثال أسامة بن زيد و القاسم بن محمد الثقفي و محمد الفاتح، وصنو هؤلاء من النساء الفاضلات اللائي تركن بصماتهن في دنيا المسلمين والبشرية كلّها، لقد أصبح للشباب – رغم إسلامهم وعروبتهم – نماذج عالية أخرى من الممثّلين واللاعبين والفكاهيّين الذين يمثّلون في نظرهم النجاح والبروز بالإضافة  إلى المعاصرة، ويرمزون إلى السعادة، أي إلى السهولة في نيل الشهرة والمادة بغير كدّ ولا طول انتظار، إذ تكفي أغنية تروّج لها الأوساط الفنية أو هدف يسجّله لاعب مغمور ليحظى بالأضواء الإعلامية تسلط عليه والأموال تصبّ عليه صبّا والدنيا تتبرّج لها بكل زينتها، بينما يعرف هو شخصيا أساتذة جامعيين وباحثين وعلماء دين لا يملكون سكنا ولا سيارة ولا دخلا كافيا، وهذا يكفي الشباب لاختيار موقعه الاجتماعي، إذ أصبح من المعلوم في الساحة العربية أن طلب المعارف بالمعنى العلمي والأكاديمي فَقَدَ وزنه عند أكثر الطلبة وحلّ محلّه في أحسن الأحوال الحصول على الشهادة ولو بلا رصيد علمي محترم، وقد رصد المراقبون في الجزائر – على سبيل المثال – أن الجهة الأكثر استقطابا للمسَّجلين الجدد في الجامعة هي معهد تكوين الرياضيين، لأنه يجمع بين سهولة الدراسة وضمان المستقبل، بخلاف كليات الطبّ والهندسة فضلا عن العلوم الانسانية.

الشباب يعرف كلّ هذا لكنه في الغالب لا يعبأ لا بالمشكلة ولا بالحلّ لأنه – كما ذكرنا – حسم اختياره وانحاز للطريق السهل الذي يجنّبه الكَد، وترك الكلام عن الأمة والعلم والمستقبل والتحديات للمنظرين الذين لا يقرأ ما يكتبون ولا يصغي إلى ما يقولون، لذلك تراكمت أزمات الهوية والفراغ الروحي والانحراف السلوكي والسلبية والتراجع المعرفي وفقدان المناعة الحضارية وغيرها بل صارت رقعتها تتّسع باطّراد حتى مسّت الفضاء الديني ذاته وألقت عليه بظلال التديّن العاطفي غير المنضبط والغلوّ في الفهم والتطبيق والانسحابية والاغتراب الزماني في مواجهة العولمة، والضجر من معاناة إنضاج الأفكار والعواطف ومعاناة مكابدة الواقع السياسي والصبر على مكاره طريق الاصلاح وتوضيح معالمه وتنفيذ خططه، وإن المرء ليجد في مواطن اللغو واللهو وفي مواقع التطرف أضعاف ما يجد في مظانّ العلم والبحث والعمل الدائم من الشباب، لأن الأغلبية لم تصمد أمام مفاتن التهوّر والاستعجال والغثائية .

هذا هو الواقع الذي يعرفه كلّ واحد ولا يجدي معه التمويه، وإذا كان ولا بدّ من ظرف مخفّف فهو ما نشأ عليه شبابنا من بيئة موبوءة على أكثر من صعيد في ظلّ الغزو الثقافي الذي تساهلت معه الحكومات وشجّعته النخب العلمانية واستهلكته البيوت، حتى إن الروح الأجنبية غزت أكثرها في كلّ مظاهر الحياة، فأصابت العجمة الألسن وطغت مظاهر التغريب على الأزياء والأثاث ومواعيد العمل والراحة والطعام وحتى التحية المتبادلة بين الناس، وسرى مع كلّ هذا – وهو أخطر ما في الأمر – سلبيات الحضارة الغربية التي غزت العقول والقلوب وقلبت الموازين وخدشت الأخلاق فصنعت في النهاية هذا الشباب الذي نتحدث عنه والذي أصبح – من حيث يدري أو لا يدري – يستهلك منتجات الغرب المادية والنفسية بحلوها ومرّها وخيرها وشرّها، ما يُحمد منها وما يُعاب، تمامًا كما خطّط دعاة التغريب – وصرّحوا بذلك - منذ عقود، فأصبحت الانحرافات الجنسية والزواج المثلي والسحاق تجد رواجا فكريا واجتماعيا في بلادنا مع أنها عند أية فطرة سليمة من الموبقات التي يتقزز منها الرجال والنساء لبشاعتها وحيوانيّتها، لكن تتبنّاها أوساط سياسية وثقافية بصراحة باعتبارها من الحريات الشخصية وصميم حقوق الانسان، في حين يُصنّف الحجاب والنقاب واللحية في خانة الخروج عن النسق الاجتماعي ومقدّمات التطرف الديني والإرهاب المترتّب عنه بالضرورة، وبقي ملاحظة تخلّي الأغلبية الساحقة من المسلمات – في السنوات الأخيرة -  عن اللباس الشرعي وإقبالهنّ  على الحجاب المتبرّج الذي صمّمته الأوساط الغربية لإعادتهنّ إلى الجاهلية الأولى بخمار يغطي الرأس وثياب كاشفة للمفاتن لا يبقى معها  معنى للحياء و العفّة  وغضّ بصر الرجال والنساء، وهؤلاء النساء وأزواجهنّ وأولياؤهنّ يعرفون الحكم الشرعي للباس المرأة لكنّ التغريب غدا أقوى من الثقافة الدينية عند الجميع إلا فئة موَفّقة تتحدّى سيل العولمة الجرّار بالثبات على المبدأ في وجه التلفزيون والمجلة والانترنت .

وقد زاد من تعقيد الموقف سيطرة الشيخوخة على مفاصل الحياة – السياسية بدرجة خاصة – في البلاد العربية رغم التمجيد الشفوي للشباب والوعود المتتالية بتسليمهم المشعل وإفساح مجال القيادة والتسيير لذوي الكفاءات منهم، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، وجاءت الثورات العربية فزادت الخرق اتساعا إذ قام بها الشباب وماتوا من أجلها فلمّا انتصرت سرقها منهم العجائز، فكيف لا يديرون بعد ذلك ظهورهم للشأن العام ومعالي الأمور؟ فكيف نقنعهم - عندما نكتب ونحاضر وننظّر – بموقعهم من التحدي الحضاري ونحذّرهم من التخلّف عن المنهج الرباني ومن السطوة  النزعة المادية  وندعوهم إلى الالتزام بأحكام الشرع؟ هل يسلّمون بما نرى فيهم من أمراض فتّاكة كضعف الفاعلية وعدم الاكتراث بالوقت والنزوع إلى السلبية والإفراط في الشكليات وانتهاج الفوضى في كلّ شؤونهم؟ وإذا سلّموا بذلك فهل يثقون بوصفاتنا العلاجية ونحن وإياهم غارقون في صراع الأجيال؟ ما العمل لتخليص هؤلاء الأبناء من أخلاق المجتمعات المتخلفة  وعلى رأسها ضعف ثقافة التساؤل وانعدام القلق الحضاري واضطراب منهجية التفكير وطغيان الانفعال؟ وقبل ذلك كيف نجعلهم يقتنعون بالمشكلة حتى تتسنّى معالجتها؟ هل نبقى نكتب ونخطب ونحاضر رغم إعراضهم أو لامبالاتهم؟ ما جدوى ذلك؟

ليس غرض هذا المقال اقتراح الحلول ليبقى الأمر تنظيرا باردا وإنما نريد طرح الأسئلة الوجيهة – كما نظنّ – ليلتفت المربّون والمفكّرون والعلماء وأصحاب القرار إلى أنفسهم وتنظيرهم بالمراجعة وطلب الجدوى لاستدعاء الشباب إليهم كندّ ناضج يعطينا الإجابات التي نبحث عنها بعيدا عنه، ويتبنّى قضيته ويكبّ عليها بالتناول الجدّي فيجد المجال لطرح الأسئلة الوجيهة والصعبة والمحرجة ويقترح الإجابات أو يلتمسها عند أصحاب الاختصاص والتجربة.

  

عبد العزيز كحيل

 

   

 

على هامش أمسية "جذور العنف الجندري ومعالجاته" للدكتورة هالة الدوسري في منتدى الملتقى الثقافي بالقطيف مساء الخميس الماضي، سألت الضيفة العزيزة عن فعالية الحركة النسوية وأبرز معوقاتها فأجابت بإسهاب كعادتها مشيرة إلى أن العمل النسوي لازال يتلمس طريقه، وأن العائق الثقافي هو من الضخامة بحيث يستدعي تجلدا وصبرا إذ لا داعي للعجلة.

وخطر بذهني على الفور أن الاستعجال الفكري الملاحظ في مجالات وحقول عديدة هو نفسه الذي يفتك بهذا النشاط الفتي "الحراك والنشاط النسوي". كنا أمام فكر عجول وهانحن نجد أنفسنا أمام عجلة نسوية، عجلة في حيز لا تنبغي فيه العجلة. توطين الحقوق النسوية، شأنها شأن كل وافد حديث بحاجة إلى تبيئة.

لن تتوطن هذه الحقوق بغير تبيئة تستدعي تمهيدا فكريا، لكن الملاحظ أن الاستعجال النسوي يهمل الفكر بقفزة بهلاونية نحو عمل ونشاط حقوقي يقارب الاشكالية بمعالجة قانونية في مراوحة دائمة بين الحق والتجريم: بين الحق في الحماية من العنف وبين تجريمه، رغم ما يكتنف التحديد القانوني والحقوقي من ثغرات تطاول المفهوم، مفهوم العنف ومفهوم الجندر، بل تتعداهما لتضع الحق والنسوية نفسها موضع سؤال.

دائما ما نصل متأخرين، تتحول العجلة إلى بطء سلحفائي كنتيجة مأساوية لإهمال الفكر والتمهيد الفلسفي الكفيل وحده بأي توطين مشتهى، الاستعجال في مقاربة الوضع النسوي حقوقيا، أدى وفي مفارقة مدهشة إلى عدم الوعي بحجم التجاوزات الفكرية والتساؤلات المحيطة بالمفهوم الأيقوني للعمل النسوي، حيث النسوية اليوم، وقد صارت علامة استفهام كبيرة، ليست سوى خطاب استعارته المرأة من الرجل، غريمها التاريخي.

"لا نولد نساء بل نصبح كذلك".. هكذا وفي صرخة احتجاجية "ناعمة" تُدشن ما بعد النسوية. تلك النسوية يجب أن تشطب، إنها، وكما تعبر احداهن، خطاب ضحية لمستعمر ذكوري. العمل الحقوقي والنسوي لم يعد كافيا في وسط يهيمن عليه الذكر، حيث يتوجب، ضمن استراتيجية القلب المعروفة جيدا في سياسة المابعديات، تغيير الأولويات: أن نعكس الترتيب الشائع في الفقه النسوي، فبدل البدء بالنتيجة "الحقوق" يتعين أولا كسر الهيمنة الذكورية بكل حمولاتها وتغلغلها اللامرئي، لصياغة مفهوم جديد تستعيد المرأة بفعله ذاتها الضائعة.

تاريخ من الاغتراب، تاريخ حميم يربط الجلاد بضحيته، أذكر هنا السيرة الذاتية "كامليا" للكاتبة الايرانية كامليا انتخابي فرد، فالعذاب والاستعمار الذكوري يحمل في طياته عشقا فريدا يجمع بين ضابط المخفر/ الحارس الأمين للثقافة الذكورية/ الجلاد المداعب بالسياط وبين ضحيته، الأنثى التي فقدت القدرة على المقاومة ففقدت الكلام ثم كنتيجة تلقائية فقدت هويتها .. لتصبح المرأة الصورة، المرأة الموديل، المرأة الستار ونجمة هوليود.. بؤرة النظرة والتحديق الذكوري وموضوع الفرجة الإمتاعية.. المرأة الجوهرة.. المرأة النفيسة / بيت تحيطه الحراسة والندرة الاقتصادية، لتؤول أخيرا للمرأة الجسد، فالجسد الأنثوي، بما هو " منطقة خاصة بالرجال" هو أيكولوجيا القوة: محل لممارسة السلطة.. الرجل هو الذي يتكلم وهو الذي يتكلم من خلالها، وما تاريخ النسوية إلا تاريخ ضياعها.. تاريخ تموضعها وتشيؤها.. تاريخ اخضاعها، ترصيعها، تزيينها، أو لنقل "جسدنتها" حيث تعد وعلى نار هادئة لتصبح جاهزة ومؤهلة ثقافيا وقانونيا لدور الجوهرة: المرأة تساوي جسدها.

واحدة من المستعجلات كتبت ذات يوم حول المعنى وتبديده ضمن توزيع جندري حاد، لتعيد الصياغة الازلية أو التأثيث العريق لبيت الأنوثة، ورغم أن شطب النسوية يحيل كل شيء إلى ثقافي ويضع حدا للفصل "الأقنومي" بين الذكورة والأنوثة، نجد الكاتبة العجولة تشطر القاموس متماهية دون وعي –على الأرجح- مع سيد الخطاب ومنشئه: عالم الرجل وعالم المرأة.. الأنثى، الذكر.. النعومة والحزن والخشونة أو الصلابة والمرح... لم كل هذا التقسيم المانوي ؟ أجد تهافتا بينا في خريطة الكلمات وبنية الخطاب لدى السيدة الكاتبة التنويرية "أتحفظ على اسمها" فبين صياغة إنشائية تؤثثها الأسئلة وبين تقريرات ثنائية تأخذ شكلا مؤدلجا مانويا لجنسانية فجة منشطرة بفعل مقص مفهومي بائس لازال يجترح ذلك النزوع الكلياني.. وكأن السيدة لم تسمع بعد بحادثة الموت: موت الكلي والمفهوم والكلمات المتسيدة.

بين النسوية وما بعد النسوية موت الكلي، فانتفاضة المرأة ضد تجسيدها "تحويلها إلى مجرد جوهرة" تستدعي ذلك الاجراء السديمي الأكثر ثورية والأكثر نيتشوية وقلبا وخلطا للأوراق، أعني كسر التنميط الكلياني الشمولي "التوتاليتاري" للجندر، فهذا الجندر "النوع الاجتماعي" حصيلة لتواطؤ، الجندر ينشأ كلعبة، إنه شيء يُبتكر، شأن أي تحديد ثقافي. موت الكلي بعد نسف التشييء الجسدي يخلط الأوراق في فوضى لنجد قلبا في الأدوار ونافذة لتفردات جندرية كانت ولاتزال -في وسطنا طبعا- موضوع لتجريم وادانة."في كل ذكر أنثى، وفي كل أنثى ذكر". يموت الكلي فتتحول النسوية إلى نسويات ساخطة متعددة، رغم الترسانة الهائلة من التوحيد والتنميط الممارس يوميا بدءا من الشعر ووصولا للاقتصاد والدعاية والتسويق.

وإذا كان "الرجال يفعلون، والنساء يظهرون" فالسؤال التراجيدي: هل ثمة جدوى لأي عمل حقوقي نسوي دون تمهيد فكري وتوطئة مفهومية؟ الدكتورة هالة الدوسري والتي بذلت جهدا بحثيا مقدرا ومشكورا، لم يكن بوسعها إلا أن تقر، على شكل اعتراف، أن أي نشاط حقوقي دون تبيئة هو مجرد ترقيع وعمل عجول وضجيح فارغ، لكن ذلك لم يأت دون سبب، فكثير من الحقوقيات والنسويات مجهزات فقط لممارسة عمل حقوقي ولسن ضليعات بفلسفة هذه الحقوق.. وفي وسط توشك فيه المرأة على الانقراض إلا فيما وراء المدينة، تبدو الحقوقية فارسة توقد شمعة "حقوقية" ولا تلعن ظلاما "فكريا"..

 

majed algarbawiaبات الارهاب باسم الدين والاسلام خطرا حقيقيا يهدد أمن العالم وسلامة الامم، وصارت الحركات الاسلامية المتطرفة عبئا اثقل كاهل

العاملين والمصلحين. ففي كل يوم تفيق الشعوب على جريمة نكراء، يذهب ضحيتها  النساء والرجال والاطفال. وكلما حاولت الذاكرة نسيان الماضي ايقظها انفجار هنا او جريمة هناك. وكلما ارتكز الانسان الغربي الى التسامح في التعامل معنا جرته دماء الابرياء الى التعصب والانكماش والرفض، وكلما اعتذر المسلمون عن جريمة افسدتها جريمة اكبر. ان ما تقوم به الحركات الاسلامية المتطرفة يتطلب مزيدا من التنقيب في الاسس الفكرية والعقدية التي يصدر عنها العمل الارهابي، ولا يكفي الانشغال بدراسة وتحليل الاسباب الظاهرية للحدث، فثمة سبب اعمق يدفع الفرد باتجاه التضحية بالنفس. لا نريد التقليل من اهمية الاسباب النفسية والسياسية والاقتصادية، الا انها اسباب ثانوية. اما السبب المحرك فهو سبب ايديولوجي، ديني. فعقيدتي ان الاتجاهات الاسلامية تحركها دوافع دينية ايديولوجية، او دينية – سياسية، وليست سياسية خالصة. واذا لم تصدق هذه الرؤية على التيارات الاسلامية الجديدة، فانها لا شك تصدق على التيارات السلفية والتكفيرية والحركات الاسلامية المتطرفة. نعم ربما تستغل هذه الروح من قبل قادة التنظيم او غيرهم، الا ان الحافز الحقيقي لتضحيات القواعد والافراد تبقى حوافز عقدية دينية.

وعندما ينتسب الارهابيون الى التيار الاسلامي، نكون قد وضعنا ايدينا على مصادر العقيدة الاسلامية، وهما الكتاب والسنة، اضافة الى تاريخ طويل من الحروب والمعارك التي جرت باسم الدين والاسلام، بدءا من الصحابة حتى يومنا هذا. وهنا بالذات تبدأ المشكلة، مشكلة النص الديني وقدرته الفائقة على تلبية حاجة الايديولوجيات والاتجاهات الفكرية والسياسية. النص الديني يتصف بمرونته العالية، ومراوغته، وسهولة الوقوع في شراكه. لذا فكل الاحداث الدامية التي مر بها المسلمون جرت باسم الدين، وكل الويلات التي ذاقتها شعوبنا كانت باسم الاسلام. نشبت الحروب باسم الدين، واريقت الدماء باسم الدين. شرعنة القتل، ومصادرة الحقوق، والاستحواذ على السلطة، وتكفير الآخر المخالف، بل حتى تكفير الآخر الداخلي الذي ينتمي الى ذات الاسلام، كل ذلك جرى ويجري باسم الدين. فلا حجة اقوى من الدين، ولا سلطة اكثر فاعلية كسلطة الدين، فكان الدين وما يزال ملاذا لتبرير الممارسات الارهابية، والسياسات التعسفية. من هنا كان النص الديني اكثر النصوص حاجة الى منهج علمي رصين، يلاحق مناسبات الحكم والموضوع، ويحدد دلالات النص قياسا الى نصوصه الاخرى. سيما بالنسبة الى القرآن الكريم، الذي تميّز على غيره من الكتب السماوية، بكثافة نصوصه التحريضية على القتال والحرب، او الارهاب بالمنطق الحديث. والسبب ان القرآن دخل المعركة الى جانب الرسول، فكان الموجه، والهادي، والمخطط، والامر، والناهي. وكان يتابع فصول الدعوة، ويلاحق مشاهد المعركة بين الاسلام والكفر. فضبط لنا النص تفاصيل الغزوات والمعارك التي خاضها المسلمون بمعية الوحي الالهي. وهي احداث مرتبطة بعصر الرسالة، ومن خصوصيات الرسول، كما هو واضح في كثير من الاوامر الموجه الى شخص النبي (ص). وكان الخلفاء الراشدون يعلمون ذلك، لذا اعترض الخليفة الثاني على حروب ما يسمى بحروب الردة، وساءل ابا بكر عن مبرراتها الشرعية!! بينما تنحى الامام علي جانبا. الا ان السياسية ومتطلبات الحكم كانت المبرر الاساس  لتوظيف النص وتفعيله ثانية رغم خصوصياته. والمؤسف ليست هناك محاكمة صريحة وعلنية لمرحلة الخلفاء، وليس هناك من يناقش في شرعية المعارك والحروب التي جرت باسم الدين والاسلام. بل العكس اصبحت سيرة الخلفاء حجة شرعية يستدل بها على شرعية قتال الآخر، لاي سبب كان!!.

اذن اضافة الى مشكلة النص، التي هي مشكلة ذاتية، هناك مشكلة الاتجاهات  والنفعية، التي وظفت النص لخدمة مصالحها السياسية والأيدلوجية. وربما كتاب معالم في الطريق لسيد قطب مثالا واضحا لهذا الاتجاه. فقد ألهب الكتاب مشاعر الشباب المتدين المؤمن وزجهم في اتون المعركة باسلوب ادبي اخـّاذ. فلم يختر سيد قطب من النصوص سوى ما يخدم هدف الكتاب. وهو الثورة المستمرة ضد الآخر، ايا كان اتجاهه. وفق معادلة تضع الانسان امام خيار واحد، لضمان مرضاة الله تعالى، وهو الشهادة في سبيل الله.

وبعبارة اوضح، ان الخطاب الديني اعاد تشكيل العقل الحركي على اساس هجاء الحياة وعشق الموت، كراهية الآخر وتمجيد الذات، اهمال الدنيا وتعمير الآخرة، كسب رضا الله تعالى بالتضحية والفداء لاي سبب كان. فلم يثقف الخطاب الديني قواعد الحركات الاسلامية على تبني العفو والرحمة والتسامح والمغفرة مع الآخر، وانما تثقف على كره الآخر، والتخطيط لقتله واستئصاله. ولم يتثقف الفرد على سعة رحمة الله ومغفرته، وانما تثقف على ان الله جبار السماوات والارض، لا يمكن ادراك رحمته بالايمان والعمل الصالح، وانما بالتضحية والشهادة في سبيله. فالفرد الحركي ليس مخلوقا لاعمار الارض، وادارة الحياة، وانما مخلوق للآخرة، يتمنى كل يوم ان يرزقه الله الشهادة ليتخلص من عبء المسؤولية وينال رضا الله ويحظى بالنعيم الابدي. ليست الدنيا سعادته، وانما الآخرة، وليست المرأة انسه، وانما الحور العين. وليس الانسان رفيقه وانما الملائكة المقربون. انها ثقافة لا تمت الى القيم الانسانية التي نادى بها القران بصلة. بينما تؤكد النصوص على فوز الانسان في الآخرة من خلال اعمار الارض، والاهتمام بالحياة، والنجاح في تجربة الدنيا، والنجاح في كيفية تحول مفاهيم الخير الى قيم حقيقة بين الناس، وكيف يكون الانسان المؤمن اول من يتحلى بالروح الانسانية، ويحترم قيم الانسان، لا ان يستهين بحياته وحياة الآخرين، ويستسهل قتل العزل والابرياء.

  بهذا الطريقة تشكل العقل الحركي، فحافزه الى الموت هو كسب رضا الله تعالى. فيكون عنوان الشهادة بذاته مطلبا دينيا لضمان مرضاة الله، بقطع النظر عن جدوى الموت بهذه الطريقة، وجدوى العمليات الانتحارية، وما هي تداعياتها، وكيف ينعكس الموقف على الجاليات الاسلامية المنتشر في انحاء العالم، وكيف سينظر المجتمع الدولي لنا. كل هذا ليس مهما امام الجهاد وخوض المعركة ضد الآخر المختلف دينيا. والذي يساعد كثيرا على تنشيط العمليات الانتحارية ويستقطب اعدادا كثيرة، هو وجوب طاعة اولي الامر، وعدم جواز مناقشتهم او التمرد على اوامره (يا ايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم). فالخطوة الاولى على الطريق ان يتحول الداعية الى دمية بيد قائد الخلية، ويرتهن اليه مصيره ومستقبله. وهي صفة اساسية طالما اكد عليها قادة التنظيمات الدينية المتطرفة، بل هي رأس مال هذه الحركات. شاب مؤمن بالشهادة في سبيل الله، ومطيع لامر القيادة الى حد الخضوع والتذلل. سيما هو يعتقد حقا انما يطيع الله تعالى باطاعة هؤلاء، لذا لا شك بصحة ما ينقل من ابتهاج وفرح وبكاء قبل وبعد العمليات الانتحارية، فمن لم ينتدب لعملية قتالية، يبكي ويتألم ويعتقد ان الله تعالى ساخط عليه، فلم يوفقه للشهادة، بينما يفرح ويبتهج عندما يكلف بمهمة، فانه دليل الفوز بالجنة. انها مشكلة الوعي ومشكلة تمييز الحقيقة، ومعرفة الصواب. للاسف ان المؤمن ادمن التقليد والانصياع فينفذ ما يملى عليه رجل الدين، وقادة التنظيم.

فكيف نعالج هذا النمط من التفكير، والنص الديني مستعد لتلبية كل الطلبات، حينما يتعامل معه الفرد بطريقة انتقائية تخدم مصالحه الايديولوجية؟. وهل ستنفع فتوى التحريم؟ اعتقد حتى الافتاء بحرمة هذا العمل لا ينفع، لان اصحابها مدانون بنظر الحركات الاسلامية المتطرفة، بل متقاعسون عن الجهاد يستحقون العقاب. وليس صعبا عليهم اقناع قواعدهم بذلك، بل النص الديني زاخر بالتقريع والوعيد لكل من يتخلف عن الجهاد!!. كما ان فتاوى دينية جاهزة لتبرير العمليات القتالية في أي وقت ومكان، و لا يبقى على الحركة سوى اقناع الداعية بفعلية الموضوع. فهل يا ترى ينفع اجماع مئة وثمانين عالما دينيا على حرمة هذه الاعمال في المؤتمر الاسلامي الاخير المنعقد في الاردن؟ كلا، لا ينفع لكن ربما يساهم في زيادة الوعي مستقبلا. ان هؤلاء وجدوا في العلميات الانتحارية فرصة تاريخية طالما راودتهم في احلامهم. والشهادة جاءتهم اليوم على طبق من ذهب، سيما اذا كانت ضد المصالح الغربية، الذي ساهم الخطاب الاعلامي الديني والوطني في تشويه جميع معالمه، حتى بات شرا مطلقا يجب القضاء عليه اجلا ام عاجلا.

من هنا ينبغي الاسراع في بلورة ثقافة دينية جديدة، ترسم حدود الاحكام الشرعية في القرآن، وتحدد ما هو مختص بحياة الرسول، وتبين متى وكيف يكون الحكم مطلقا في كل زمان ومكان. وهل جميع ما في القرآن فعلي. ثم يجب تكثيف الحديث عن النسخ، وهل صحيح ان آية السيف نسخت كل رحمة وعفو ومغفرة بالقرآن؟ يجب علينا اكتشاف حقيقة مسألة النسخ، يجب علينا كشف الاهداف السياسية وراء ترسيخ مفهوم نسخ آيات الكتاب. يجب التعامل مع المسلمين الاوائل باعتبارهم بشرا لهم مشاعرهم واحاسيسهم وغاياتهم واهدافهم السياسية. يجب الاطاحة بالساتر التاريخي الكبير بيننا وبين الوقائع، يجب ان نبدأ بالخلفاء الراشدين لنتبين مدى رشدهم، نكتشف اهدافهم وغاياتهم وخططهم. لقد تحول التاريخ الى حجة شرعية وهو بعد لما يكتسب شرعيته. يجب ان نفضح كل الذين وظفوا الدين والنص الديني من اجل مصالحهم السياسية والاجتماعية. بهذا الاسلوب فقط يمكن انتشال ما تبقى من قواعد الحركات الاسلامية المتطرفة. ونثقف ابناءنا على مفاهيم قرآنية تنتمي الى ثوابته وغاياته ومقاصده.

لا شك ان شرائح واسعة من الحركات الاسلامية اليوم بدأت تعي الواقع وتكتشف ملابساته، واخذت تسير بطريق آخر بعيدا عن العنف وثقافة الموت، وهو نقلة نوعية في تفكير الحركات الاسلامية، لكن تبقى وظيفة الوسط الثقافي والاعلامي مواصلة خطاب الوعي حتى يعود المتطرفون الى رشدهم ويعوا الحقيقة، ويكتشفوا اهداف قادة التنظيمات المتطرفة، وبهذا الاسلوب يمكن تحجيم العنف ثم القضاء عليه، لكن متى؟ نحتاج الى خطط فورية واخرى طويلة الامد ربما تستمر لسنين طويلة تطال الكتب والمدارس والمؤسسات والاعلام والتبليغ الديني، وتلاحق الوعي في كل مكان بغية القضاء عليه في مهده، لكن دائما باسلوب سلمي يقارع الحجة بالحجة والدليل بالدليل ومن داخل المنظومة الفكرية الدينية وليس من خارجها.

 

المقال منشور في ايلاف بتاريخ

الجمعة 8 يوليو GMT 5:00:00 2005 

 

.....................

ملاحظة هامة

كتب الكاتب الامريكي (Charles Paul Freund | July 30, 2005) مقالا بعنوان: Nailed to the Mosque Door  

تحدّث فيه عن افكار الكاتب ماجد الغرباوي حول الحركات الاسلامية والارهاب، معتمدا بشكل كامل على هذا المقال، لكن للاسف الشديد تقوّل الكاتب الامريكي على الكاتب الغرباوي ما لم يقله لذا اقتضى التنبيه، من اجل الحقيقة فقط

للاطلاع على المقال باللغة الانكليزية.

http://reason.com/blog/2005/07/30/nailed-to-the-mosque-door

 

يمكنم الاطلاع على المقال بنسخته الاصلية في صحيفة ايلاف على الرابط ادناه:

الحركات الاسلامية والارهاب

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2224   السبت  8/ 09 / 2012)

adnan oayeedالحرية كمفهوم في سياقه العام، هي رغبة الفرد في الانعتاق من المعوقات أو المحددات التي تحول دون قدرته على تحقيق إنسانيته في المحيط الذي يوجد وينشط فيه. ولكي تتحقق هذه الحرية في صيغتها العقلانية، يجب أن تحكم بشروط ثلاثة هي: المعرفة والممارسة والمسؤولية . ففي المعرف ‘تكتشف الضرورة، أي ‘يكتشف ما يعوق حركة الحرية الإنسانية وتجلياتها بشكل عام، لذلك يقال، الحرية هي "وعي الضرورة"، أو هي "الضرورة الواعية".

بيد أن المعرفة لوحدها غير قادرة على تجاوز معوقات الحرية إذا ظلت معرفة مجردة، لذلك لابد من ممارستها عمليا، فبممارسة المعرفة عمليا لا تتم مسألة تجاوز معوقات أو محددات الحرية الإنسانية فحسب، بل وإغناء كل من المعرفة والحرية والممارسة كذلك .

أما المسؤولية، فهي الضابط الأخلاقي أو ألقيمي الذي من خلاله تتم عملية توجيه المعرفة والممارسة معا، خدمة لأهداف الحرية. وهي تحقيق إنسانية الإنسان.

أما الممارسة، فهي الوسيلة الأهم في كشف ومعرفة سلبيات وإيجابيات ما نعتقد أو نؤمن به بأن من صلب حريتنا.

بهذا الفهم المنهجي العقلاني إذا جاز لنا نعته بالعقلانية، نستطيع الولوج إلى عالم المرأة وتناول مسألة الحرية عندها لنقول: عبر التاريخ الطويل للمجتمع الذكوري الذي مورس فيه القهر على المرأة، هذا القهر الذي أفقدها ليس حرية الممارسة والتعبير والاختيار فحسب، وإنما حولها إلى وسيلة للمتعة والإنتاج، وعمل على مسح هويتها الإنسانية المتكافئة مع الجنس الآخر من ذاكرتها، لتفقد معرفتها لذاتها كإنسانة خلقت والذكر من نفس واحدة كما تقول الآية الكريمة في سورة النساء، الآية (1)، (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) .

وهذه المسألة، أي فقدان الذات والإقرار بالدونية من قبلها تجاه الجنس الذكوري، تعرفها المرأة ذاتها وتعبر عنها وتمارسها عبر نشاطها اليومي دون وعيها ويرضى عنها نتيجة الظلم التاريخي الذي مورس عليها من قبل المجتمع الذكري. وأعطي مثالا واحداً للتأكيد على ما جئت إليه هنا وهو: رغبتها العارمة عند الحمل في معرفة حملها، أ ذكر هو أم أنثى ؟. فهذا الموقف الذكوري المهيمن على مخيلة المرأة وسلوكياتها عبر نشاطها الحياتي اليومي لم تستطع أن تتجاوزه حتى هذا التاريخ، وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية لحرية المرأة، فالمرأة لكي تستطيع أن تمارس الحرية إيجابياً بكل مستوياتها في مضمار محيطها الاجتماعي، عليها أن تتجاوز شعور النقص الداخلي لديها بدونيتها تجاه الذكر أولا، ففاقد الشيء لا يعطيه، وإن حاول إعطاءه سيكون مبتسراً وقاصراً ومشوهاً، وبالتالي سينعكس سلبا ليس عليه ذاته، وإنما على محيطه الأسري والاجتماعي الذي يوجد فيه أيضاً. وهذه المسألة بالذات هي ما أود الإشارة إليها هنا من خلال تسليط الضوء على الحرية الاقتصادية التي حققتها المرأة في زمننا الحاضر بعد أن تعلمت ومارست العمل الوظيفي أو الإنتاجي ، وما ترتب عليها من تشوهات أخلاقية واجتماعية .

لاشك أن هناك نضالاً مريراً شارك فيه الرجال المتنورون والنساء المتنورات معا من أجل تعليم المرأة وتحريرها اقتصاديا، وقد تحققت مساحة كبيرة في هذا الاتجاه بالنسبة للمرأة، في هذا المجتمع أو ذاك من مجتمعاتنا العربية والإسلامية، بالرغم من كل المعوقات المادية والمعنوية التي لم تزل قائمة وتعمل على مقاومة هذا التوجه، ويأتي في مقدمتها قوة سيطرة العقلية الذكورية وما يساندها أو يدعمها من مواقف سياسية وفكرية (دينية – سلفية)، نعرف جميعاً مصادرها ومكانتها في هذه المجتمعات .

بيد أن هذا النضال المرير من أجل حرية المرأة، والطويل نسبيا في تاريخه، حيث يعود إلى الربع الأول من القرن التاسع عشر، وما حققه من مكتسبات على مستوى التعلم والتحرر الاقتصادي، رحنا نلمس كيف أن الكثير من الفتيات اللواتي تحررن اقتصاديا - أي مَنْ أصبح لهنّ دخل مادي من خلال ولوجهنّ العمل الاجتماعي- أخذنّ يمارسنَ هذه الحرية بعيداً عن امتلاك شروط مقوماتها، ومنها حس المسؤولية تجاه أنفسهنّ أولاً، وتجاه أسرهنّ والمجتمع الذي ينشطن فيه ثانياً.

إن تحررهنّ اقتصادياً بعد دخولهنّ مجال العمل الوظيفي خارج المنزل ترك أثاره السلبية في طريقة تفكيرهنّ واختياراتهنّ المتعددة، بدءاً من لباسهنّ، وصولاً إلى علاقاتهنّ الاجتماعية، واختيارهنّ للأصدقاء. بل حتى تمرد بعضهنّ على الأسرة وقيم والمجتمع، الأمر الذي جعلنا نلمس عند الكثير منهنّ فقدان التوازن في تصرفاتهنّ، إن كان من مستوى اهتمامهنّ الزائد جداً بمظهرهنّ على حساب الجوهر، وهذا بدا لنا في انسياقهنّ الجارف وراء معطيات المجتمع الاستهلاكي، وبخاصة لهاثهن اللامعقول وراء الشكل، إن كان في طريقة مكيجتهنّ ولباسهنّ الفاضح أحيانا كثيرة، أو في ازدواجية قيمهنّ الأخلاقية من حيث المزج ما بين قيم المجتمع الدينية، ومفرزات المجتمع الاستهلاكي، وهذه المسألة نجدها واضحة في مزجهنّ بين (بنطال الضب والحجاب)، هذا عدا الانحرافات الأخلاقية التي أصبحت طافية على السطح ولدى الجنسين معا، بفعل تكنولوجيا المعلومات، وتوظيفها للشهوات الغريزية على حساب تنمية العقل والمنطق والأخلاق السليمة.

أمام هذه المعطيات التي جئنا عليها، نستطيع أن نشير إلى بعض المعوقات التي لم تزل تقف عقبة أمام ممارسة الفتاة لحريتها فيما حققته لها هذه الحرية من مكتسبات وفي حدودها الدنيا ، والتي كانت وراء ذاك الخلل الذي أشرنا إليه .

 

أما أهم هذه المعوقات فهي:

أولاً: عدم مقدرة القسم الأكبر من الجنس الإنوثي حتى هذا التاريخ التخلص من مسألة الشعور بالدونية تجاه الذكورة كما أشرت في موقع سابق، فالمرأة التي لم تزل قاصرة في فهمها لدلالات الحرية الفردية أو حتى درجاتها، لم تستطع برأيي أن تصل في هذه الناحية من فهم جوهر الحرية درجة (الصفر)، طالما أنها لم تزل تشعر هي ذاتها بأن الذكر هو أفضل منها، وتبدّيه على جنسها. وهذه المسألة، أي مسألة التخلص من شعور عبودية الجنس ألذكوري تجاهها التي فرضها تاريخ العلاقات الاقتصادية الاجتماعية البطريركية (الأبويّة) بين الجنسين، تتعلق في واقع الأمر بها هي ذاتها، على اعتبارها قضية دخلت البنية النفسية واللاشعورية عندها. وإن قضية الصراع مع هذه الحالة من العبودية، هي قضية تكمن ما بين وعي المرأة وشعورها بذاتها، وبين حالة شعورها بالدونية، وليس هناك أي دور لأحد في مساعدتها على تجاوز هذه الحالة من العبودية، بعد أن حققت الكثير من منجزات حريتها في هذه المرحلة التاريخية، قياسا لوضع حريتها في العهود السابقة. لذلك فإن الأساس الحقيقي لإصلاح ما تحقق للمرأة من حرية سابقة، وإمكانية تحقيق وممارسة ما تحصل عليه من حرية لاحقة بشكل عقلاني، هو تحقيق شعور المساواة لديها مع الذكر، وهي المساواة القائمة على (النفس الواحدة) التي منحها الله لها كما أشرنا بالآية الكريمة السابقة.

ثانيا: معرفة ظروف الوجود الاجتماعي التي تحيط بها بكل ما تعبر عنه هذه الظروف من مستويات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، وبالتالي فإن شأن ممارسة الحرية عند المرأة هنا، يكون هو ذاته شأن الذكر، فأي جهل أو تجاهل لهذه الظروف وعدم مراعاتها من الناحية (الأخلاقية)، تجاه الذات والآخرين معا أثناء ممارسة الحرية، سيكون له نتائج سلبية على الطرفين، الذكر والأنثى بشكل عام، بل ستكون حدّة هذا الجهل أقسى على المرأة وذويها بشكل خاص، كونها لم تزل تعيش في مجتمع مساحة الحرية فيه للذكر أوسع بكثير من المساحة المسموح بها للأنثى، علماً أنها هي ذاتها تقر وتمارس قناعاتها كعنصر بشري مرتبته الفكرية والاجتماعية أدنى من مرتبة الذكر في هذا المجتمع كما أشرنا سابقا، وهذا بدوره يفرض على المرأة هنا، شرط المسؤولية تجاه نفسها وأسرتها وقيم المجتمع عموماً، أكثر من الذكر عند ممارستها لحريتها .

ثالثا: المسؤولية تجاه الذات والآخرين. إن فقدان المرأة لمقومات وشروط حريتها في هذا المجتمع الذكوري، ترتب عليه الكثير من القيم والمفاهيم الأخلاقية بحق المرأة وأسرتها، فالمرأة هنا أصبحت تشكل في حديثها وسلوكياتها ولباسها وما تقوم به من علاقات اجتماعية، معايير أخلاقية، تقاس عليها ليس أخلاقها هي وحدها فحسب، بل وأخلاق أسرتها والمجتمع الذي تنتمي إليه، لذلك كثيرا ما تظلم الأسرة عندما تتمرد وتتجاوز الفتاة في تصرفها سقف الحرية التي يسمح به المجتمع المعاش، فتصرفها هو في المحصلة رهن لقيم أخلاقية المجتمع التي عليها مراعاتها ولو بالحدود الدنيا، إيمانا منها بمسؤوليتها تجاه كرامتها أولاً، وتجاه كرامات الآخرين، وفي مقدمتهم أسرتها ثانياً. مع تأكيدنا هنا على أن لا تكون مسألة مراعاة خصوصيات الواقع الاجتماعي المعاش، آو المعيوش، هو سلبها لحريتها وخضوعها الكامل لكل ما هو سائد في المجتمع، فهذه مسألة يجب على المرأة أن تفرض قناعاتها وما حققته من معارف عقلانية تتعلق بحريتها وخلاصها من القيود التي تحد من إنسانيتها في تحدي هذا الواقع، وهنا تأتي مسألة التمرد على التقليدي والجامد في المجتمع فكراً وممارسة، والمرأة برأيي هي الأكثر قدرة على تحقيق هذا الإنجاز. لذلك صدق "سان سيمون" هنا عندما قال: (تقاس حرية المجتمع بدرجة تحرر المرأة). عموماً نقول في هذا الاتجاه: إن الإنسان ليس ضرورة يخضع لمعطيات الواقع وجبره فحسب، بل هو حرية أيضاً وقادر على تحدي هذا الواقع وتجاوزه إذا كان هذا الواقع يمارس قهراً على إنسانية الإنسان.

أخيرا نقول: الحرية قيم إنسانية شمولية تبدأ بمعرفة الذات أولاً ، ثم معرفة القيم الأخلاقية التي يحددها المجتمع لسقف الحرية في مرحلة تاريخية محددة ثانيا، ثم هي مسؤولية الفرد ذكراً كان أم أنثى، فيما يتصرف أو يمارس من سلوكيات تجاه ذاته والآخرين ثالثا . وأخيراً هي قدرة الإنسان على التمرد وتحدي كل ما يعيق تحقيق إنسانية الإنسان. فالإنسان في مجموعه إضافة لكونه قيما مادية تعبر عن علاقات اجتماعية، فهو يشكل قيما أخلاقية أيضا، تحدد درجة معياريتها طبيعة الظروف الموضوعية والذاتية التي تفرضها المرحلة التاريخية المعاشة، وعلينا أن نلتزم بحدود هذه القيم في الوقت الذي علينا فيه أن لا نستسلم لما هو سلبي فيها كما أشرت قبل قليل، وأن ونعمل على إزاحة كل ما يعيق من ممارستنا لحريتنا من أجل تعميق وزيادة مساحة ما هو إيجابي في هذه القيم، فالحرية في المحصلة شرط أساس لإبداع الإنسان، وكشف كل ما هو جوهري ويساعد على تنمية جوهر إنسانيته، وهذا لن يتحقق إلا بوعينا لذاتنا، وممارستنا العقلانية القائمة على هذا الوعي، ومسؤوليتنا تجاه ذاتنا والآخرين معا .

 

كاتب وباحث من سورية

 

 

mustafa alomariأبحث اليوم عن أهم مصدر من مصادر المسلمين في التشريع بعد القران الكريم وهو السنة النبوية، وما ألحقته بضرر على المسلمين دون سواهم وكيف أصبحت السنة مصدراً من مصادر التكريه ومفرق لأصطفافات حزبية غير اسلامية او انسانية ابتعد منها نفس النبوة وروح النبي محمد (ص)

السنة النبوية أختلقت لتصب في مصلحة الحاكم ولتقوم عرشه وهي جاءت لعصر ربما تتوائم معه من حيث السلوك لكنها لا تصلح لهذ العصر تماماً لأنها بضاعة مزجاة لا نتقبلها ولا نقبل ان يقال أنها من رسول الله .

أتفق المسلمون على ان القران الكريم كتب بشكله الحالي بعد وفاة الرسول وتحديداً في خلافة عثمان بن عفان وذلك خوفاً منهم ان يقتل حملة القران في حروب المسلمين، أما السنة النبوية فلم تكن ذا شأن عند المسلمين ولم يهتموا لأمرها كثيراً وذلك لأن الرسول بين لهم ما يريده الله من خلال القران الكريم وأكمل لهم دينهم من حيث العبادات والرسول كان يعيش بينهم كأحدهم يشاورهم في الآراء ويسمع لهم في الامور العامة كانوا يأخذون منه ويردون عليه يناقشونه كفرد منهم ويناقشهم دون استعلاء عليهم . وهذا ما حصل في معركة بدر عندما نزل المسلمون في احدى المواقع فسأل الحباب بن منذر قال يا رسول الله أهذا منزل أمرك به الله أم هو من رأيك ؟ فقال الرسول بل هو الرأي والمكيدة والحرب فقال له الحباب فإنه ليس بمنزل فنهض حتى غيروا مواقعهم .

شفيعي في هذه القصة لو كان الرسول حياً لكنا قد تحدثنا أليه دون خشية او مواربة ولقلنا له بصراحة ما هو في أذهاننا دون ان يعترضنا الصعاليك والقتلة لكن إرادة الله شاءت ان تفتتن الناس ويترك لهم التحكيم في عقول قد وهبها لهم الله دون إخضاعها لسلطة البشر .

 

النهي عن كتابة السنة:

لا أريد الخوض كثيراً في اشكالية النهي لكني ساتطرق الى بعض الاحاديث ثم اترك الامر الى الفكر الحر من المسلمين والواعين من رجال الدين لكي يحكموا على كيفية كتابة السنة .

1- روى احمد بن حنبل ومسلم والدرامي والترمذي والنسائي، عن ابي سعيد الخدري قال : قال رسول الله (لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن فمن كتب عني غير القرآن فليمحه) وأخرج الترمذي عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال (أستأذنا رسول الله في الكتابة فلم يأذن لنا . (أضواء الى السنة المحمدية محمود ابو رية ص 49 )

2- روى ابن عساكر عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس . وكان عمر يقول أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل به .

3- روي ان عمر بن الخطاب اراد ان يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله في ذلك فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير الله شهراً ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال : إني كنت أريد أن اكتب السنن وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً .

4- عن عبدالله بن يسار قال سمعت علي بن ابي طالب يخطب يقول (أعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم .

5- عن ابي هريرة: بلغ رسول الله ان أناسا كتبوا أحاديثه، فصعد المنبر وقال ماهذه الكتب التي بلغني أنكم قد كتبتم إنما انا بشر فمن كان عنده شيئاً منها فاليأت بها، يقول ابو هريرة فجمعنا ما كتبناه وأتلفناه أو أحرقناه . (تقييد العلم للخطيب البغدادي)

سيعترض البعض على هذه الاحاديث وإعتراضه يقابله إعتراض مغاير وهو، لو كانت السنة النبوية صحيحة لما وجدت احاديث النهي عن كتابة الحديث في نفس كتب الحديث .

لقد تمايزت كتب الحديث وأمور الدين إجمالاً بين أبي حفصة عمر بن الخطاب وبين ابي هريرة عبدالرحمن بن صخر الدوسي، ولاريب في ان ابن الخطاب كان له السبق في الاسلام والحرص على تأدية رسالة الله بأدق التفاصيل من يتابع سيرة عمر بن الخطاب سيجد في الرجل الغلظة التي يأنس لها الناس والعدل الذي قنن فيه حركتهم وعملهم فأحبوه من غير تكلف وناصحوه من دون خوف او تردد، نجد ان عمر شاور أصحابه لمدة شهر هل يكتب السنة أم يحجم عن كتابتها، لكنه خرج برأي حريص على الدين والعقل ومستقبل المسلمين والانسانية فقال:

إني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً .

يا ربي أيعقل ان المسلمين فقدوا صوابهم فتركوا رأي عمر بن الخطاب ليأخذوا برأي بو هريرة الذي ملئت كتب الحديث من رواياته وأحاديثه ! أيعقل ان رجل مثل عمر حريص على المسلمين وعلى دينهم، ينقل عنه حوالي الخمسين حديثاً بينما ينقل عن ابي هريرة 5374 حديثا . (أضواء على السنة ص 133)

لقد تنبه ابن الخطاب الى ضرر كتابة السنة وما ستلحقه بتجهيل الناس وإعفاء للعقول والقران في آن واحد، وهذا ما تحقق بالفعل فلقد صارت كتب السنة عديدة والاحاديث لا حصر لها وتشظت الامة وبحمد لله كل من هذه الشظايا له أحاديثه المختلقة والمختلفة والمقدَسة والمقدِسة .

ينقل الدكتور علي الوري في كتابه: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، يقول كان القطار يمشي بالبخار بينما هناك اشخاص معتمدين موظفين في القطارات يقرأون كتاب البخاري وذلك للتبرك، فقام ذات يوم الشاعر العراقي المعروف جميل صدقي الزهاوي مخاطباً البرلمان العراقي قائلاً (أريد أعرف القطار يسير بالبخار او بالبخاري) .

 

يلحق البخاري وكيفية تدوين السنة

 

مصطفى العمري

 

fatehi alhabowbi«... الذي يضطهد فردا آخر هو أخوه في الانسانية لأنّ له رأيا يخالف رأيه، هو وحش. وهذا لعسر في إدراكه. فما بالك بالحكومة وبالقضاة وبالأمراء الذين ينكّلون بمن لا يدينون بدينهم ».

فولتير/ من كتاب " القاموس الفلسفي"

 

يعسر على الإنسان العربي وهو يخضع إلى أَلف قيدٍ وقيد على حريّته، أن يعبّر عن رأيه أو معتقده المختلف عن السائد دون خوف ووجل من ردّة فعل المجتمع، التي قد تكون مدوّية بقوّة بركان ينفجر، حتّى في نطاق الأسرة الضيّق، بما ينسجم مع ما يعبّر عنه بالعقل المجتمعي أو الأنا الأعلى، الرامز في حضارتنا إلى هُويَّة المجتمع العربي والإسلامي وذاكرته ومعتقده وثقافته، المنفعلة والمتأثرة بتاريخ التخلّف الذي عاشه ويعيشه هذا المجتمع المثقل بإرث تشريعات هي اليوم خارج سياقاتها الموضوعيّة و تقاليد لا تنسجم مع روح العصر وعادات سيّئة وترّهات فظيعة، جاء بها شيوخ السلاطين الذين يتوهّمون النطق باسم الدين الذي لا ناطق رسمي باسمه، فيما هم يروّجون لتخاريف، طوّقت رقابنا وعقلت عقولنا وحجّرت علينا التفكير الحرّ وعصفت بالمجتمع العربي وتعسّفت عليه بما أعاق الأنا و ضمن أسترقاقها. لذلك فإنّ قضيّة تحرير عقل الإنسان العربي المكبَّل بالأَغلالٍ، تعتبر ذات أولويّة قصوى لينطلق من عقاله فيفكّر ويعبّر ويبدع ويحقّق نصيبه من التقدّم في العلم والفكر والأدب والفنون، في سياق ما يسمّى بالصراعَ بين العقل الفاعل والعقل المنفعل. و حتّى لا يبقى العقل العربي موسوما على الدوام بالعقل المنفعل لا الفاعل. وهي سمة تكاد تكون وصمة عار-مزمنة- في جبين أجيال عديدة من أجيال العرب منذ نكبة سقوط الأندلس إلى اليوم.

وعلى نحو ما قال فولتير عن التعصّب من أنّه « مرض متجذّ ر في أعماق الشعب الفرنسي، وفي أعماق عائلته الشخصيّة وطائفته الكاثوليكية بالذات»، فإنّي أزعم، رغم ما قيل ويقال وما كتب في موروثنا الثقافي والديني من أنّ مجتمعنا متسامح، أنّه -بالقطع- ليس كذلك. فلو كان مجتمعنا أو عقلنا المجتمعي بالصورة التي يروّج لها -زورا و زيفا- لما صودر الرأي المخالف وحورب المعتقد المغاير واضطهد أصحابه في ظروف مأساويّة شديدة الفظاعة كما حدث للحلّاج و محي الدين بن عربي وغيرهما. بما شكّل عائقا كبيرا ومزمنا أمام بلوغ حركيّة فكريّة نشيطة مثلما هي قائمة في الغرب الذي لم يكن يختلف عن مجتمعنا في تشدّده وعدم تسامحه، لا سيّما فيما يتعلّق بالدين والمعتقد جرّاء التعصّب المذهبي البغيض. ولكنّ أعمال ونضالات فلاسفة كبار من طينة الفيلسوف الإنجليزي جون لوك القائل« الحرية هي ألا يتعرّض المرء للتقييد والعنف من الآخرين » والفيلسوف الفرنسي فرانسوا ماري أرويه شهر فولتير القائل « إنّنا جميعا مجبولون على الضعف والخطأ فليغفر كل منّا حماقة أخيه». لقد طرح هؤلاء الفيلسوفان وناقشا بجدّية مسألة التسامح بما يمثّله من إشكاليّة بين أفراد المجتمع فيما لو جدّ إختلاف فكري أو إيديولوجي ومذهبي بين أفراد المجتمع الواحد، بل حتّى داخل الأسرة الواحدة مثلما هو واقع الحال في قضيّة جون كالاس (Jean Calas)،بما هي مظلمة سنعرض لها لاحقا. و قد أعطى طرح كلا الفيلسوفين واقتراحهما الحلول لموضوع التسامح ثماره الطيّبة بعد مرور أجيال عديدة على عصرهما ومبحثهما في التسامح. وها هي اليوم تنعم بنتائجه شعوب العالم الغربي التي تنظر إلى التسامح كقيمة وفضيلة أخلاقيّة وإنسانيّة و إجتماعيّة بصرف النظر عن إرتباطها بالدين من عدمه.

فليس من قبيل الصدف أن يكتب جون لوك سنة1689 ثم فولتير سنة (1763) كتابين بنفس العنوان تقريبا وهو " رسالة في التسامح'' (Traité sur la tolérance)، بل كان ذلك نتيجة حتميّة لتحوّلات عصري النهضة والتنوير ولتطوّر النزعة الإنسانيّة التي كرّستها أفكار و مبادئ فلاسفة عصر التنوير، ولا سيما الموسوعون منهم؛ ديدرو (Diderot) و روسو ((Rousseau ودالامبير (D'Alembert) و كوندياك (Condillac) وفولتير، والمرتكزة بالأساس على إعلاء مكانة العقل في مواجهة الفكر الغيبي. رغم انتقاد نيتشة –لاحقا- لهذه المكانة في سياق نقده للحداثة التي تقوم بالأساس على العقلانيّة.

لذلك فقد أكّد جون لوك صاحب مقولة« إن حريّتي تنتهي عندما تبدأ حريّة الآخرين» في" رسالته في التسامح" على عدميّة التفكير الآحادي الذي ينفي الآخر و لا يقبل محاورته. كما شدّد على عبثيّة ودمويّة التعصّب الديني المغلق على ذاته، ودعا إلى فهم الدين إعتمادا على العقل بما يسمح بتأسيس مفهوم التسامح الديني الذي يستتبعه أن لا تكون الدولة لها دين بعينه. لأنّ من مفاعيل خلاف ذلك ما يجدّ من إضطهاد معتنقي الأديان الأخرى والطوائف التي تمثّل الحلقة الأضعف صلب الدولة على نحو ما يجري اليوم للشيعة في السعوديّة والبحرين واليمن وللسنّة والمسيحيين في لبنان وسوريا وللشيعة العرب في إيران بما يتماشى تماما مع مقولة توماس الأكويني « إن كان خصمنا لا يؤمن بالوحي المقدّس، فالوسيلة الوحيدة المقنعه لإثبات البنود الدينيّة ردّا على إعتراضاته هي القول أنّها ضد الدين». وهو ما يعني أنّنا على صواب ومخالفنا على خطأ، و لا يكون التسامح عندئذ عنوانا لأيّ فضيلة بل عنوانا للتنازل لمعتقدات الآخر.

و في سياق مقاربته لمفهوم التسامح الديني، دعا جون لوك، وهو أول من استخدم تاريخيّا مصطلح حقوق الإنسان، إلى تكريس مبدأ المساواة في الحقوق بين جميع الطوائف الدينية في زمن كانت فيه الحرب ضارية بين الكاثوليك والبروتستانت بماهي تعبير عن الحقد الذي يجمع بينهما على مدى التاريخ تماما كما هو حال الحقد والعداء و"الخصام الأخوي " الذي لا ينتهي بين كلّ من السنّة والشيعة1 من أجل أحداث غابرة تجاوزها التاريخ ولم يعد لها تأثير فعلي في حياتنا المزدحمة بالمشاغل المهمّة والأحداث والتحدّيات الكبيرة التي تختلف درجات خطورتها في المكان والزمان. ولكنّه الهوس بالحفر في الذاكرة والنبش في الماضي، شديد القتامة والدمويّة، لاستحضاره بدلا عن الحاضر. بما يعني الإنبتات عن العصر والإنصراف عنه نهائيّا والعيش خارج التاريخ أو في أحسن الاحوال في جوار مزبلة التاريخ التي تزكم الأنوف.

ودون الغوص -لضيق المجال- في التفاصيل الدقيقة لكتاب ''رسالة في التسامح'' لجون لوك، الذي يعتبر بحقّ أهم فيلسوف تنويري في العصر الحديث، فإنّه يمكن أن نكتفي بالإشارة إلى بعض مقولاته التي من بينها أنّه « ليس لأي انسان سلطة في أن يفرض على إنسان آخر ما يجب عليه أن يؤمن به أو أن يفعله لأجل نجاة نفسه هو، لأنّ هذه المسألة شأن خاص ولا تعني أيّ انسان آخر. إن الله لم يمنح مثل هذه السلطة لأي انسان و لا لأيّة جماعة (... )». ولو طبّقت الكنيسة هذه المقولة لما كفّرت عالِم الفلك و والفيزيائي الإيطالي غاليلو غاليلي (1564 - 1642)، و لما اعتبرت مواطنه ومعاصره الفيلسوف والشاعر وعالم الفلك جيوردانو برونو (1548-1600 )Giordano Bruno مهرطقا مكابرا و سجنته ثمّ قطعت لسانه وأحرقته حيّا بتهمة الإرتداد عن المسيحيّة والكفر لمجرّد تأكيده على لا نهائيّة الكون وعلى أنّ المسيح إنّما هو "دجّال ذكي" أو "ساحر ماهر" (Mage habile).

ويضيف جون لوك لمزيد تأكيد المعنى السابق أنّ« خلاص النفوس من شأن الله وحده...ثم ان الله لم يفوّض أحدا في أن يفرض على أي انسان دينا معيّنا... وأن قوّة الدين الحقّ كامنة في اقتناع العقل، أي كامنة في باطن الانسان». ولكن -للأسف الشديد- هذا هو عكس ما يحدث اليوم في سوريا بعد مرور قرون على اقتناع الغرب بوجاهة هذا القول. حيث أبلغني الصديق الصحفي الفرنسي من أصل لبناني روني نابا René Naba)) ، عبر مقال2 له تفضّل بإرسال نسخة منه لي، أنّ 18 قرية درزيّة سوريّة أرغمت ، في خضمّ الثورة السوريّة المسلّحة، على أن تتحوّل إلى "اعتناق الوهابيّة". و هو ما لا يمكن القبول به مطلقا. لأنّ حمل النّاس على الإيمان بالقوّة بعكس ما يعتقدون إنّما هو إرهاب ديني، لا يمكن أن يجعلهم في إعماق ضمائرهم مخلصين له مهما كان حجم الترغيب والترهيب. ومن هذا المنطلق فقد أكّد جون لوك على أن حريّة الضمير هي حقّ طبيعي لكلّ انسان. ولعلّه من المفارقات اليوم أنّ السجال لم يحسم بعد في المجتمع المدني التونسي حتّى بعد التصديق على الفصول المتعلّقة بحريّة الضمير و تجريم التكفير ضمن الدستور الجديد رغم ثوريته وريادته و تقدّمه على جميع الدساتير العربيّة. باعتباره-رغم هناته- قد حقّق نقلة نوعيّة في مجال تثبيت قيم الجمهوريّة، و تأسيس دولة الحقّ و القانون العصريّة، وتكريس الحقوق والحرّيات الأساسيّة العامّة منها والفرديّة، و ضمان استقلاليّة عديد الهيئات القضائيّة والإعلاميّة و الإنتخابيّة والحقوقيّة ونحوها عن الدولة، بما يستجيب للمعايير الدوليّة وينسجم مع القيم الكونيّة وأسس الدولة المدنيّة المعاصرة.

وأمّا فولتير، أحد   رواد العقلانيّة والتنوير، المعروف بدفاعه عن قيمة التسامح بفضل مقولته الشهيرة « إنّي أخالفك رأيك ولكنّي أدافع حتّى الموت عن حقّك في إبدائه»، فمعلوم لدى دارسيه أنّه ركّز أغلب معاركه الفكريّة على تكريس هذه القيمة النبيلة .التي طالما قرنها بحريّة العقيدة وبحريّة التعبير في آن معا. وقد سعى فولتير بصدق إلى إشاعة روح وثقافة التسامح، دون السقوط في السجالات العقيمة والمناقشات البيزنطيّة حول ما إذا كان العنف يسبق التسامح و الشرّ يسبق الخير أم العكس. بل حارب العنف والتعصّب الديني و الايديولوجي المقيت، وكان براغماتيّا في مقاربته لمفهوم التسامح من خلال دفاعه المستميت منذ أكثر من قرنين ونصف عن قضيّة جان كالاس ( Jean Calas)، المنتمي إلى مذهب الأقليّة البروتستانتية والذي أتّهم زورا بقتل إبنه لوي كالاس (Louis Calas) بوحشيّة وبشاعة لمجرّد إعتناقه للمذهب الكاثوليكي المخالف لمذهب العائلة البروتستانتي فيما هو بريء تماما من ذلك. إلّا انّه أعدم رغما عن ذلك بتسرّع مثير للريبة والإستغراب ودون احترام للإجراءات القانونيّة مثلما يحدث اليوم-بعد قرون- في أغلب الدول العربيّة التي لا تزال تفتقر لسلطة قضائيّة مستقلّة حقّا. وقد تبنّى فولتير هذه القضيّة بعد أن سجّل الإخلالات التي رافقتها منذ انطلاقها، فدافع عنها بشراسة وإصرار لرفع الظلم عن صاحبها ولو بعد مصرعه. حتّى أنّه أفرد لها كتابه الموسوم ''رسالة في التسامح''. و هي بالقطع إحدى روائع الفكر التنويري الفرنسي المنحاز إلى الحقّ أينما كان، والمؤسّس لمفهوم المواطنة وحقوق الإنسان. وجاء دفاع فولتير على رجل بروتستانتي من الأقلّية رغم أنّه يتبع مذهب الأغلبيّة الكاثوليكي بحكم الانتماء العائلي. بل ورغم أنّه مفكّر لاديني (déiste)، يؤمن بالله ولا يؤمن بأيّ دين. وهو دليل، لا يرقى إليه الشكّ، على عظمة هذا المفكر الحرّ، الذي ينتصر للمذهب المعادي لمذهبه "المفترض" عندما يكون على حقّ، بدل انتصاره لعصبيّته الطائفية عندما تكون على باطل. وبهذا المعنى، فهو لا ينصر أخاه ،ظالما أو مظلوما وفي كلّ الأحوال، مثلما هو سلوك النّاس في ربوع العرب والمسلمين رغم ما ورد في القرآن في خلاف ذلك.

وقد استهلّ فولتير رسالته في التسامح بالحديث مطوّلا عن مصرع جان كالاس جرّاء سيادة التعصّب الديني المذهبي الذي يثير في نفسه الاشمئزاز والقرف ، مستغلّا هذه الواقعة الفظيعة ليقف بحزم ضدّ كل المجازر التي إرتكبها الكاثوليك في حقّ البروتستانت في أكثر من مكان من أوروبّا، مندّدا بها بصوت مرتفع يعلو على كلّ الأصوات دونه، و متوجّها للأصوليين المتعصّبين، المنتهجين للعنف كوسيلة للدفاع عن الدين أو المذهب بالقول «فإن شئتم أن تتشبّهوا بالمسيح، فكونوا شهداء لا جلّادين». فيا له من قول رائع، إذ لو استوعب الوهابيون، الطارئون عن الإسلام، دلالاته الإنسانيّة النبيلة، لما وجدت حركات على شاكلة "القاعدة" ولا "النصرة" ولا "داعش"، ليس لها من مهمّة غير البطش بالإنسان أينما كان.

ويستعرض فولتير تفاصيل كافة الأطوار الغريبة للمحاكمة المستعجلة للمتّهم جان كالاس، مشكّكا في القضاء والقضاة، بل ومستغربا بشدةّ من اضطهاد الانسان للانسان بسبب عقيدته أو رأيه، ومعتبرا أنّ التعصّب مخالف لجوهر وروح الديانات جميعا. وهو موقف ينمّ عن إحترام فولتير لكل الديانات رغم عدم إيمانه بها مطلقا. وفي ذلك إشارة إلى أنّه متسامح إزاءها ولا يعتبرها شرّا مطلقا. كما انّه لا يعتبر نفسه على صواب فيما الآخرون على خطأ، بما يستدعي تكفيرهم و هدر دمائهم بالنتيجة. وفي هذا السياق فقد عبّر فولتير عن إعجابه بالنموذج الهولندي و الإنجليزي، حيث يسود التعايش في كنف السلام بين مختلف الأديان والمذاهب بخلاف ما هو حال فرنسا أنذاك.

وبعد رحلة شيّقة عبر التفاصيل المثيرة للقضيّة موضوع الكتاب بما آل إلى إعادة محاكمة جان كالاس الذي ينتصر بعد موته(à titre posthume)؛ حيث أنصفته العدالة فبرّأته، في نهاية المطاف، بفضل الجهود المضنية المبذولة التي يعود منها لفولتير النصيب الأوفر. وبذلك و إضافة إلى ما سبق، فإنّ فولتير يعتبر مثقّفا عضويّا بامتياز، لأنّه يعايش قضايا المجتمع المدني معايشة لصيقة، وفق مفهوم المثقّف العضوي، الذي سيحدّده المفكّر الإيطالي أنطونيو غرامشي بعد عدّة عقود من عصر فولتير.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

.........................

(1) أنظر مقالي على النت حول هذا الموضوع بعنوان La querelle fratricide sans fin entre Sunnites et Chiites

(2) أنظر مقال René Naba الصادر في 17 يناير 2014 في موقعه En Point de Mire بعنوان Les deux François et la chrétienté d’Orient /Conversion forcée au wahhabisme de 18 villages druzes de Syrie

 

mustafa alomariثمة ما يدفعنا الى العزوف عن الدخول في واقع الامة المشتعلة والخوض مع الخائضين في قضايا ميتة أصلاً، لكن ثمة ما يؤرقنا لحال هذه الامة التي ننتمي لها ثقافة وتأريخاً ونندمج معها كنشوء فطري وننصهر بها كمكون اجتماعي وحتى وان تقولبنا مع هذا المجتمع يبقى يرعبنا ذلك المجتمع بسلطته غير الواعيه وتحريكه من قبل بعض الاطراف التي تؤلب قوماً على قوم اخرين وتبقى قضايانا ليس فيها حياة ولو كانت حية لما أجزم كل طرف على انه الخلف الحقيقي للرسول وانه هو من يملك الحقيقة المطلقة التي لا يشاركه بها آدمي قط، أمة مسعورة على نهم لحوم البشر ومولغة بدم المساكين ومنعطفة الى حيث القتل والنحر والتفجير دون أي واعز انساني او محرك عقلي يرشدنا الى حيث المعطوب من هذا الذي يؤرق حياتنا ويزل بنا وبمستقبل أمة كاملة الى حيث الهلاك الحقيقي، اننا نحتاج الى تشخيص هادئ ومتقن منصف وغير متحزب متعلم ومتحرر لكي يعتق هذه الامة المسعورة من بعض المسعورين الذين تشرعنوا باحاديث ونصوص ليس لها مساحة تتوائم مع اخلاق النبوة، اننا نحتاج الى دراسة شجاعة لإزالة كل سواد التأريخ عن حاضر اليوم والمستقبل .

الذي تمر به الامة العربية والاسلامية اليوم من حرب وقتل ودمار وقطع الرقاب كله يأخذ شرعيته من نصوص دينية ولأن هذه النصوص اخذت قدسيتها من قدمها وإعتياد الناس على التحدث والتبرك بها ليس هناك من يحاول من رجالات التدين ان ينقب عن صدقية هذه الاحاديث وعن هتكها في بعض الاحيان للعرف العلمي والاجتماعي والادبي، ولأن أغلب رجال الدين من المنتفعين بالدين وغير نافعين به تجرهم أهوائهم الى حيث السمين من العلف والكثير من الاموال والوفير من العيش، فتغافلوا عن واقع الدين المنخرط الى الدرك المنحط في هذا العالم الكبير وتهافتوا يتلاهثون خلف ملذاتهم وشهواتهم . لم يكتفوا بالطعن واللعن بل سيرتهم غرائزهم المتوحشة الى استباحة دم الابرياء من الناس يلقونها بخطب صادحة يحرصون بخطبهم على ان تخرج الحروف من مخارجها الصحيحة يتلون بها كتاب الله وتعاليمه ويدعون بأسم الله الى قتل عباد الله، مفارقة محزنة حقاً .

إننا أحوج الامم الى الانسانية التي يأخذ الدين منها وينطلق بها، الانسانية المصلوبة على عتبة صفار الكتب المزورة الداعية الى جلد المتحررين وقتل المبدعين وتحجيم الواعين، كيف لنا ان نسير في هذه الحياة وما زالت كتب الحديث المختلقة تهدد عيشنا وتقهرنا على الرجوع الى زمن ميت عاش فيه اصحابه بتناحر وخصام وقتل وصليل سيوف لم تهدأ، ودم لم يجف ؟ كيف لي ان أعيش في الولايات المتحدة المتطورة علمياً وأنا لازلت أفكر في أحاديث ابو هريرة وطريقتها وسردها وموضوعاتها صحتها ودسها كذبها وتحريفها ؟ كيف لنا ان نستقيم ونحن لازلنا نتعامل مع التأريخ وكأنه اليوم أما اليوم فهو عدم غير موجود؟

المدافعون عن الاسلام والشريعة الاسلامية كثر لكن للأسف المخلصون قله المتأسلمون كغثاء السيل أما المسلمون فقلة ايضاً، المتصلبون على الاسلام البيئي يلهثون ان الحق معهم يحيطونه بهالة من الاحاديث والروايات الزائفة، أما المسلمون المنفتحون فتجدهم يوجدون المشتركات مع الاخر المغاير دون حرج في الاخذ منه او تزويده بما يتلائم مع المصلحة الانسانية والادبية، العاملون على تنقية التراث محاربون أما المبتدعون في تزييف التراث متصدرون واجهة الاحداث ويرفعون على الاكتاف .

 

نحاول هنا إيجاد مساحات غير ملغومة لكي يعيش عليها البسطاء من الناس وغير المنتفعين منهم نجتهد في تطهير بعض الملغوم في أزقة الفقراء وأذهان العوام نحاول إزالة ذلك الثابت المقدس بسلطة التخويف وألسنة الوعاظ والفارغين من الناس .

السنة النبوية احاديث الرسول أم تلفيق مزيف . يلحق ...

 

مصطفى العمري / أمريكا

 

adnan oayeed"الليبرالية الجديدة"، هي مجموعة من الخطط الاقتصادية التي أصبحت واسعة الانتشار مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث بدأ المهتمون يتلمسون نتائجها وتأثيراتها هنا، من خلال تلك الظاهرة الاجتماعية المرعبة، وهي زيادة غنى الغني وفقر الفقير، رغم أن العالم قليلا ما سمع عن الولايات المتحدة الأمريكية في تلك الفترة. هذا وأن الليبرالية الجديدة استطاعت أن تعبر أيضا في تطبيقاتها العملية والفكرية إضافة إلى المسائل الاقتصادية، عن المسائل السياسية والدينية أيضا، ففي الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت الليبرالية السياسية، موقفا استراتيجيا قائما بذاته في منع الصراعات الطبقية / الاجتماعية، وهي تحاول أن تقدم في مشروعها الفكري النظري الفقراء والطبقة العاملة، كمعادل تقدمي تجاه التيار اليميني المحافظ، بينما نجد في الممارسة غير ذلك. أما الحرية الاقتصادية، فموقف السياسيين الليبراليين المحافظين تجاهها هو موقف مختلف، حيث ليس لديهم مشكلة مع الليبرالية الاقتصادية وخاصة في شكلها الليبرالي الجديد، الذي يعمل على قطع العلاقة نهائيا ما بين السوق والدولة، والحد كثيرا من الطموحات الايجابية لدى الليبرالية (الاقتصادية)، وخاصة في موقفها من تدخل الدولة في فترة ما بين الحربين، وأثناء الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين، تجاه مساندة أفراد المجتمع والتخفيف من مشاكلهم بشكل عام .

إن الليبرالية (الاقتصادية) في الحقيقة أصبحت أكثر شهرة، منذ بداية طرحها في بريطانيا، مع الاقتصادي المشهور "آدم سميث" وبعض من ناصروا عدم تدخل الدولة في الأوضاع الاقتصادية، ورفض وضع القيود على المانيفاكتورات، أو الحواجز وفرض الضرائب على التجارة من قبلها. حيث يعبر عن هذا التوجه آدم سميث بقوله: إن التجارة الحرة كانت الطريق الأفضل لتقدم اقتصاد الأمة، وأن تطبيق الفردية شجع المشروع الحر، والمنافسة الحرة... التي جاءت أصلا بهدف حرية الطبقة البرجوازية من أجل تحقيق منافع كثيرة لهم ووفقا لما يريدون هم.

أما في أمريكا فقد راحت الليبرالية الاقتصادية تسود منذ القرن الثامن عشر حتى أواخر النصف الأول من القرن العشرين، غير أن أزمة عام/1929/أدت إلى ارتفاع بعض الأصوات التي راحت تطالب بضرورة مواجهة الليبرالية الاقتصادية من أجل الحفاظ على النظام البرجوازي والطبقة البرجوازية ذاتها، ومن بين هذه الأصوات كان صوت الاقتصادي المشهور"جان ماينارد كينز"(John Maynard Keynes ) الذي طرح نظريته المشهورة بـ (الكنزية)، وهي نظرية أريد منها مواجهة تلك الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم آنذاك وأدت إلى قيام الحرب العالمية الثانية كما هو معروف، حيث يشير"كينز في هذه النظرية قائلا: في الجوهر، من أجل أن تنمو الرأسمالية،وتستطيع أن تنجز مهامها، من الضروري أن تتدخل الحكومات والبنوك المركزية في دعم الاقتصاد الوطني، وتأمين العمالة، وهذا ماتم فعلا، حيث حققت هذه الأفكار تأثيرا واضحا على الرئيس الأمريكي"روزفلت"، وشرعت أمريكا والعديد من الدول الأوربية التي أصبحت بسبب الحرب العالمية الأولى وأزمة/1929/ منهكة، في تبني هذه النظرية الكنزية، وبذلك استطاعت أن تعيد التوازن والثقة للطبقة الرأسمالية ونظامها مع تحسين واضح لحياة العديد من الناس.

إن الاعتقاد الذي يقول، بأن الحكومة قادرة على تقديم الأشياء الجيدة للمجتمع، أصبح مقبولا آنذاك بشكل واسع. ولكن مع توالي الأزمات الاقتصادية وخاصة بعد حرب تشرين وارتفاع أسعار النفط، ثم أزمة الثمانينيات من القرن ذاته ( مثل أزمات الحرب الباردة ومنها حرب النجوم مثلاً- المترجم)، وما تلا هذه الأزمات من انكماشات في الإنتاج، وتقلص في نسب الأرباح، أثار لدى النخبة الرأسمالية المتضامنة الرغبة في إنعاش الليبرالية الاقتصادية، التي راحت بدورها ترتقي شيئا فشيئا إلى ليبرالية جديدة على السلم العالمي، وبخاصة مع تلك التحولات ذات الصبغة العالمية السريعة والعميقة التي انتابت الاقتصاد الرأسمالي، ومنحته صفة العولمة تحت ظل النظام العالمي الجديد.

 

سمات وخصائص الليبرالية الجديدة:

أولا: التأكيد على دور السوق الحرة: تعتبر الليبرالية الجديدة أن تحرير أي مشروع مفروض من قبل الدولة، ليس مشكلة، مهما تكن طبيعة الأذى الذي يمكن أن تتركه عملية التحرير هذه على المجتمع، كما تعتبر أيضا، أن الانفتاح الكبير على التجارة العالمية والتوظيفات، كما الحال في/نافتا/، سيساعد على تخفيف الأجور، ويضعف وحدة أو تحالف العمال، وإلغاء حقوقهم التي ربحوها عبر سنين طويلة من النضال، ثم لا تعود الأسعار موجهة ومدروسة كثيرا، أو بتعبير آخر، الكل في الكل، هو الحرية الكاملة للتيار الرأسمالي، هذا ويؤكدون أن عفوية السوق هي أفضل وسيلة لزيادة النمو الاقتصادي التي سوف تخدم بشكل مطلق كل فرد من أفراد المجتمع.. ولكن بطريقة لن يعطي فيها الغنى كثيرا من خيراته للفقراء كما سيبدو لنا.

 

ثانيا: إلغاء النفقات العامة من أجل المجتمع:

1- الخدمات: وتمثل هنا، التربية، العناية الصحية، شبكة الأمان للفقراء، صيانة الطرق والجسور، التزود بالمياه ... الخ، فالليبرالية الجديدة تقف ضد دور الحكومة في تقديم المعونات في مجال هذه الخدمات للمواطنين، بينما هي لا تمانع أن تقوم الحكومة في تقديم المعونات للصناعات البرجوازية من فوائد الضرائب وغيرها. (لذلك طرحت كل تاتشر وفيما بعد بلير ضرورة تبني النظرية العالمية الثالثة، وهي نظرية مخالفة تماماً للنظرية الكنزية، أو دولة الرفاه- المترجم)

2- تحرير التجارة: هي تطالب بأن تكون التجارة حرة من أي قيد يمكن أن يفرض عليها من قبل الحكومة، كما تدعو الحكومة إلى تخفيف أو إلغاء أي إجراء من قبلها يساعد على إضعاف الأرباح، حتى لو كان الأمر يتعلق بحماية البيئة، أو العمالة.

3- الخصخصة: هي تطالب ببيع المشاريع الكبيرة والهامة التابعة للدولة، من مصانع، ومشاريع خدمية وغيرها، للقطاع الخاص، وهذه المشاريع تتضمن، الصناعات الرئيسة، البنوك، السكك الحديدية، ضريبة الطرق الرئيسة، الكهرباء، المدارس، المستشفيات، وحتى المياه النقية.. الخ، وتأتي كل هذه المطالب عادة تحت أسم من أجل تحقيق الكفاءة العالية التي غالبا ما تكون ضرورية بالنسبة لها في طبيعة الحال. هذا وأن الخصخصة حققت بالدرجة الأولى تركيز الثروة في أيدي القلة، التي راحت بدورها تعمل على تحديد أجور العمالة وفقا لمصالحها.

4- إلغاء مفهوم الجمهور أو العامة: تسعى الليبرالية الجديدة إلى تمييع أي دور لمسؤولية الكتل الاجتماعية، ومحاولة مركزة المسؤولية في الفرد كسمة عامة لنشاط وطموح المجتمع، لذلك كثيرا ما يمارسون الضغط على الناس الفقراء من أجل أن يقوموا هم أنفسهم في البحث عن الوسائل أو الطرق التي تساعدهم على تأمين حاجاتهم الصحية والتعليمية وأمانهم الاجتماعي، ثم توجيه كل اللوم لهم في حال عجزوا عن تحقيق ذلك، ووصفهم بالكسالى.

إن أهم ما يميز سمات الليبرالية الجيدة هو، تبنيها من قبل مؤسسات مالية قوية مثل صندوقي النقد الدولي (imf)، وصندوق البنك الدولي للإعمار والتنمية، ومنظمة الجات العالمي .. الخ، ومحاولة نشر وتسييد أنموذجها عالميا من خلال هذه المؤسسات المالية، هذا وقد كانت أمريكا اللاتينية أول ضحايا هذه الليبرالية الجديدة، حيث اعتبرت (تشيلي) الدولة الأسبق في هذا الاتجاه، والشكر يعود طبعا لمن سيّد هذا الأنموذج، وهم جامعة شيكاغو، والاقتصادي"ميلتون فريدمان"، والمخابرات المركزية الأمريكية التي كانت وراء الانقلاب الذي أطاح بالنظام السياسي لـحكومة "الليندي"المنتخب من الشعب عام/1973/، ثم تلت الشيلي فيما بعد الكثير من الانقلابات في العديد من دول أمريكا اللاتينية، إلا أن التأثير الأكثر سوءاً لليبرالية الجديدة كان في دولة"المكسيك"، حيث راحت الأجور تنحدر إلى ما بين 40% و 50%، في العام الأول من نشاط منظمة التجارة العالمية،/نافتا/، بينما تكاليف الحياة ارتفعت حتى 80%، يضاف إلى ذلك أن ما يقارب/20000/مشروع صغير ومتوسط قد فشلت وتوقف نشاطها، وأكثر من/1000/مشروع خاص بملكية الدولة (قطاع عام)، قد خصص في هذه الدولة، ونتيجة لهذا الانحدار المخزي راح يعلق أحد الباحثين حول ذلك قائلا: إن (الليبرالية الجديدة) هي وسائل للاستعمار الجديد، تهدف إلى استعمار أمريكا اللاتينية).

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد استطاعت الليبرالية الجديدة أن تحطم برامج"دولة الرفاه"، ومهاجمة حقوق العمال بما فيها حقوق العمال المهاجرين، وكذلك استطاعت تخفيض البرامج الاجتماعية، وبخاصة ما يتعلق منها بحماية الأطفال والشباب والنساء، بل الكوكب نفسه الذي نعيش عليه.. كما يحاول دعاتها خداعنا لنقبل بالقول إن كل ما تقوم به الليبرالية الجديدة سوف يبعد الحكومة عن كاهلنا.

عموما نقول: إن الليبرالية الجديدة، لن تحقق الفوائد إلا للقلة القليلة في هذا العالم، بينما هي سببت كل الدمار والعذاب للأغلبية الساحقة من شعوب العالم.

 

What is Neoliberalism?

by Elizabeth Martinez and Arnoldo Garcia

ترجمة: د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

adnan oayeedقبل القرن العشرين، كانت الليبرالية " الكلاسيكية " هي الفلسفة السياسية المسيطرة في الولايات المتحدة الأمريكية على ما يبدو، وهي التي شكلت منطلق الفلسفة السياسية لـ " توماس جفرسون " (Thomas Jefferson) .. ولموقعين بيان الاستقلال .. وعلى أساسها تم تطبيق بنود بيان الاستقلال الأمريكي، ممثلة بالدستور، وأوراق الفيدرالية، والعديد من الوثائق التي أنتجت من قبل الناس الذين أوجدوا نظام الحكومة الأمريكية، هذا وأن العديد من المحررين أو المعتقين الذين عارضوا العبودية، كانوا من حيث الجوهر ليبراليين، مثلما كان المنادون بحقوق المرأة، أو ممن قاتل من أجل مساواتها في الحقوق ليبراليين أيضا.

على العموم، إن الليبرالية " الكلاسيكية " في سياقها العام هي الإيمان بالحرية، وحتى هذا اليوم، فإن أوضح البيانات (النظرية) لهذه الفلسفة هو ما جاء في بيان الاستقلال/ لجفرسون/، وإن معظم الناس في ذلك الوقت، كما هي الحال اليوم، يعتقدون أن حقوقهم تأتي من الحكومة، وأن معظمهم اعتقد أيضا بأنه يملك هذه الحقوق فقط عندما يتم انتخاب الحكومة التي ستمنحهم هذه الحقوق . بيد أن الفلاسفة الانكليز أمثال " جون لوك " ( John Locke)، فقد بينوا أن الطريق الآخر للحقوق يدور حول الإقرار بأن الناس يحصلون على حقوقهم بمعزل عن الحكومة كون هذه الحقوق تشكل جزءا من طبيعتهم، ثم إلى حد بعيد يستطيع الناس تشكيل هذه الحكومات وحلها أيضا، على اعتبار أن الهدف الشرعي للحكومة هو حماية هذه الحقوق .

إن الناس الذين يطلقون على أنفسهم اليوم اسم " الليبراليون الكلاسيكيون " غالبا ما يميلون إلى امتلاك الرؤية ذاتها للحقوق، ولدور الحكومة ذاتها التي امتلكها أوعبر عنها " جفرسون " ومعاصروه، إضافة إلى ذلك، لم تكن لديهم الرغبة أو الميل لوضع أي تمايز هام ما بين الحريات الاقتصادية، والحريات المدنية .

على يسار بقعة الضوء السياسية لليبرالية، توجد أشياء كثيرة معقّدة، حيث نجد الاختلاف الكبير بين ليبرالي القرن التاسع عشر، وليبرالي القرن العشرين، فليبراليون القرن التاسع عشر اعتقدوا بالحريات الاقتصادية، بينما لم يؤمن أو يعتقد بها ليبراليون القرن العشرين، الذين اعتقدوا بأنها – أي الحريات الاقتصادية - لاتكون اختراقا أو اغتصابا لأي حق أساسي من حقوق الحكومة في ضبطها لمسائل مثل، أين يعمل الناس ؟، ومتى يعملون ؟، أو ما هي الأجور التي يعملون من أجلها؟، وما هي الأشياء التي يستطيعون شراءها، أو يستطيعون بيعها، أو السعر الذي يستطيعون الشراء به؟ ... إلخ. هذا وفي الوقت نفسه، نجد أن ليبراليين القرن العشرين قد استمر تأثرهم بمعتقدات القرن التاسع عشر، وكذلك احترامهم للحريات المدنية، بل نجد في محطة المدار الأخير للقرن التاسع عشر، أن هناك دعما غير محدود من قبل الليبراليين للحريات المدنية. هذا ونحب أن نشير هنا أيضا إلى أنه منذ أن أصبحت الليبرالية هي الآيديولوجيا المسيطرة في القرن العشرين، راحت النزعة السياسية العامة لهذا القرن تعكس معتقدات هذه الليبرالية، ثم مع نهاية القرن العشرين ذاته، حقق المواطنون القليل من الحقوق الاقتصادية قياسا لما حققوه أو حازوا عليه في بداية القرن، بينما كان حظهم أوفر كثيراً في جانب الحريات المدنية .

نماذج الحقوق المدنية :

إن قوائم حقوق الإنسان تشير بأن للأفراد " حقوقا " كثيرة، ولكن الأسئلة المشروعة التي تطرح نفسها علينا هنا هي : ماذا يعني الحصول على الحق ؟، وهل تكون بعض الحقوق مختلفة بالأساس عن الأخرى ؟ . ومع ذلك نجد في تقاليد الليبرالية الكلاسيكية،أن الحقوق حازت على الكثير من الصفات أو السمات التالية :

أولا : الحقوق تعتبر وسائل اتصال :

تعتبر الحقوق وثيقة الصلة بالمسؤوليات الأخلاقية التي يتعامل بها الأفراد مع بعضهم بعضا، وهي تشير هنا بشكل خاص إلى نطاق السلطة أو السيادة التي يتمتع بها الأفراد داخلها، وتخويلهم رغبة الاختيار دون تدخل من أحد، ففي هذه الحالة تحكم الحقوق هنا كمسألة أخلاقية على أعمال الناس الآخرين في عالم لا يقوم على شخص واحد فقط، أو على عالم يتواجد فيه أفراد كثر لايتفاعلون مع بعضهم . فالعدالة أو الحقوق وفق هذه الرؤية سوف لن توجد في عقل الفرد الذي لايريد لأي شخص آخر أن يطالب بحق مقابل، كما أنها لن توجد أيضا في عقل من يريد الدخول بصراع مع أية تجربة لحقوق الفرد، إن الحقوق توجد حيث يتفاعل الناس مع بعضهم ويقيمون علاقات وفقا لاهتماماتهم ومصالحهم .

ثانيا : الحقوق الأساسية تقتضي الواجبات :

إن من حق أي فرد أن يقوم بأعمال خاصة تتطلبها رغباته وحاجاته، على أن لايكون لهذه الأعمال مساس بحقوق الآخرين، وهذه الأعمال الفردية في المقابل تتطلب واجبات من قبل الآخرين تجاهها، فعندما يقوم (س) مثلا بوضع (مرجوحة) في منزله، يعتبر هذا حق مشروع له، ومن واجب الآخرين عدم ممانعته في عمله هذا، ولكن في المقابل ليس من المفروض على الآخرين تقديم المواد الأولية له على سبيل المثال، وهذا ينطبق على(س) أيضا تجاه الآخرين .

على العموم يمكنا القول في هذا الاتجاه، إن هناك واجبا سلبيا وآخر إيجابيا في مثل هذه الحالة، فوضع (المرجوحة) في منزل " س " على سبيل المثل فرض الواجب (السلبي) على الآخرين تجاه بناء المرجوحة، - أي عدم ممانعتهم أو تدخلهم في وضعها -، كما أنه لم يفرض واجبا إيجابيا في المقابل وهو المساعدة في تقديم المواد الأولية لـ " س ". هذا وفي السياق ذاته يمكننا الإشارة هنا إلى أنه من الحقوق الأساسية المعروفة وهي، حق الحياة، والحرية، وحق الملكية، قد تدفقت حقوق كثيرة أخرى أو اشتقت من هذه الحقوق الأساسية، بناء على تزايد النشاط العملي والفكري للناس، ثم راحت من هذه الحقوق المشتقة تتكون واجبات جديدة .

ثالثا : الحقوق مصانة :

بين " توماس جفرسون " في بيان الاستقلال، بأن الحقوق الأساسية مصانة، وهذا يعني أنه من غير الممكن التفريط بها من قبل الفرد الذي حاز عليها، كما أنه من غير الممكن تصديرها أو استيرادها .. بيعها أو شراءها، أو المتاجرة بها، ولكن من الممكن انتهاكها على أية حال .

رابعا : الحقوق الأساسية لايمكن أن تأتي من الحكومة :

وهنا أيضا نتكئ على بيان الاستقلال الذي أشار بأن الحقوق الأساسية لاتعطى أو تصنع أو تحوز على شرعيتها من قبل الحكومة، بل إن الحكومة ذاتها تحصل على شرعيتها من وجود هذه الحقوق ذاتها، وحسب رؤية كل من " لوك " و " جفرسون "، والعديد من الآخرين الأخلاقيين والعقلانيين، فإن الحكومات تشكل من أجل حماية هذه الحقوق، هذا وقد أكد " لوك " في هذا الاتجاه أيضا، بأن شرعية الحكومات في الحقيقة قد أسست لتسهل أكثر الأعمال تأثيرا وهي فرض هذه الحقوق الأساسية، وأن الحكومات الشرعية وجدت بالتوافق، بينما الحقوق الأساسية لم تؤسس أو توجد بالتوافق .

خامسا : الحقوق الجوهرية مقابل الحقوق الإجرائية :

إن بعض الحقوق التي دخلت ضمن قائمة حقوق الإنسان عدّت حقوقا " جوهرية " وبعضها الآخر حقوقا " إجرائية "، والآباء المؤسسون لقضايا حقوق الإنسان، كانوا مهتمين جدا وبكل وضوح بهذين النوعين من الحقوق، والعمل على التمييز بينهما، لذلك كثيرا ما نجدهم يشيرون إلى أن الحكومات الشرعية وجدت أساسا لحماية الحقوق الجوهرية، ولكن أثناء ممارستها لهذه المهمة الحكومية، تكون بحاجة للإلتزام بإجراءات حقيقية لتحقيق مهمتها، فعلى سبيل المثال، لكي تحمي الحكومة الحقوق، وتحكم أو تفصل في الخلافات حول هذه الحقوق، يجب على الحكومة هنا أن توجد وتدرب أجهزة خدمة لهذه المهمة (قوات شرطة)، وهذه المسألة تدخل في مدار الحقوق الإجرائية، هذا وتحوز الحقوق الإجرائية على أربع سمات أساسية هي الآتية :

1-هي أقل أصالة من الحقوق الجوهرية .

2- هي حقوق عرضية .

3- هي تدل ضمنا على الواجبات الايجابية .

4- هي نتاج توازن المصالح .

الحقوق في الدولة التشا ركية :

ما يميز نشاط الدول ذات الطابع التشا ركي في القرن العشرين، مثل الدولة (الشيوعية) أو الدول ذات الطابع القومي العنصري، مثل، (النازية، والفاشية)، هو رفضها الفكرة الكلاسيكية للحقوق الليبرالية، حيث نجد أن كل أنموذج من هذه الدول يؤكد وفقا لاتجاهه الأيديولوجي، طبيعة أو صيغة الحقوق التي يطالب بها، فبالنسبة للشيوعية كان التركيز على حقوق الطبقة العاملة، ومواجهة الحقوق الفردية في صيغتها الليبرالية، وبالنسبة للنازية والفاشية، كان التركيز على حقوق العرق والأمة والمجال الحيوي، وبالنسبة لمهندسي دولة الرفاه، كان التركيز على مطالب الحاجات الاجتماعية بعمومها، هذا وأن كل هذه الأنظمة تقر بشرعية عيش الأفراد من أجل الدولة، ومعارضة الحقوق التي طرحتها الليبرالية الكلاسيكية، ثم نادرا جدا ما هاجمت فكرة الحقوق في حد ذاتها، بل هي في الحقيقة طرحت تعريفا جديدا لمفهوم " الحق " بالشكل الذي أفرغت منه معظم محتوى الحق في صيغته الليبرالية .

مصادر الحقوق :

سؤالان مشروعان يطرحان نفسيهما علينا هنا وهما : من أين تأتي الحقوق ؟، وكيف يمكن لهذه الحقوق أن تصان ؟ .

إن الآباء المؤسسين لمسألة الحقوق، اعتقدوا أن الحقوق الأساسية أو الجوهرية تأتي من الطبيعة، لذلك من هنا جاءت تسمية " الحقوق الطبيعية "، هذا في الوقت الذي اعتمدوا فيه أيضا على النماذج الأخرى من المفاهيم أو الرؤى العقلانية لحماية كلا الاتجاهين في الحقوق وهما، الجوهرية منها والافتراضية وهي التي تتضمن المذهب النفع، والقانون المشترك، ونظرية العلاقات الاجتماعية .

أما أهم مصادر هذه الحقوق فهي :

الطبيعة كمصدر للحقوق :

إن الحقوق كمطالب أخلاقية وشرعية، تعمل على محاصرة أعمال الحكومة والأفراد التي تتخذ ضد الفردية، أو ضد ما من شأنه أن يقوي أو ينمي تلك المطالب التي نهضت بداية مع الحقوق الطبيعية التقليدية في الفلسفة، فالفلاسفة أمثال " هوجو كروتيوس "Hugo Grotius ((1583 -1645)، و (سامول فون فبندوروف) (Samuel von Pufendorf) (1632- 1694)، والعديد من المشاهير أمثال (جان لوك) (1704- 1632 (، ناقشوا بأن الإنسانية قد حازت على حقوق أساسية أكيدة مثل حق (الحياة، الحرية، الملكية)، وهذه الأفكار قد أثرت في الحقيقة وبكل وضوح في الآباء المؤسسين، كما انعكست في بيان الاستقلال الأمريكي والعديد من الوثائق المتعلقة بحقوق الإنسان. ففي الوقت الذي نرى فيه العديد من المفكرين المبكرين بما فيهم " لوك " يعتقدون أن " الله " هو الذي منح هذه الحقوق، نجدهم أيضا يشيرون إلى أن الإنسانية امتلكت حقوقا أخرى حتى مع إبعاد فكرة أنها من عند " الله "، وبذلك استطاعوا عبر اكتشافهم لإمكانية استخدام القدرات الإنسانية للعقل، أن يمتحنوا حتى القوانين الطبيعية للكون .

إن مسألة الجدال الذي دار حول القوانين الطبيعية غالبا ما يتسع ليجذب إلى محيطه نماذج القوانين الأساسية، أو الجوهرية أيضا، مثل، حق الحياة، الحرية، والملكية، وأنه من السهل بمكان أن نرى كيف أن نظرية الحقوق الطبيعية قد توافقت مع الحقوق الافتراضية، لتدرج في قائمة الحقوق فضاءات حق الكلام، والدين، والاجتماع .

المنفعة مصدر من مصادر الحقوق :

تعامل الاتجاه الفلسفي الثاني من الجدال مع الحقوق الأساسية أيضا، حيث أكد دعاة هذا الاتجاه أن الحقوق الأساسية أو الطبيعية تكون ذات بعد حيوي، كونها تخلق الظروف التي تكمن تحتها السعادة، أو القاعدة العامة للرفاه بشكل متزايد، إضافة إلى ذلك، وبسبب، أن معظم الأفراد يعتبرون أنفسهم، هم الحاكم الأفضل لحاجاتهم التي تمثل متطلباتهم، رغباتهم، قيمهم، ومن ثم مجموع الرفاه الاجتماعي لهم، فإنه من المكن أن تتحقق هذه الحاجات وبشكل متزايد عندما يكون الشعب حرا في قراراته، ومستقلا عن تلك القرارات التي يصنعها شخص بمفرده، أو كتلة اجتماعية صغيرة تحركها منافعها الشخصية الضيقة . لذلك، ولكي تتحقق سعادة الإنسان ورغبته في العيش، من الضروري إيجاد مجال أو فسحة واسعة للاستقلال الذاتي داخل هذا الإنسان. فكل حكم للفرد نابع من إدراك الفرد بذاته (هو أو هي ) لطبيعة وأهداف عمله، يكون هذا الإدراك هو الأساس، أو المنطلق للحرية الحقيقية، وأي تدخل من قبل الآخر فرد كان أم حكومة في هذا (الحكم) المتعلق بالفرد، سيكون غير قانوني .

إن المنظرين القدماء لحقوق الإنسان، أمثال (لوك)، قدروا تماما ذاك الجدال الذي دار حول أهمية (المنفعة) كمصدر للحقوق، ففي نقاشه حول مسألة (الملكية) وجد " لوك " أنه عند السماح للناس في نقل ملكيتهم من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة، فإن الجهد الذي وضعوه من أجل تحسين ملكيتهم عبر هذه الطريقة يهدف – برأيه – إلى إنتاج المنفعة للمجتمع بعمومه .

القانون العام مصدر من مصادر الحقوق :

يعتبر هذا المصدر الذي عرف واشتهر من قبل المؤسسين بـ (القانون العام)، قريبا في رؤيته من رؤية (الحقوق الطبيعية)، هذا ويمكن للقانون أن يقسم هنا إلى قسمين هما : القانون العام، والقانون الخاص، والقانون العام في سياقه العام وجد من قبل هيئات تشريعية، ويتألف من قوانين شرعية، أسست بدورها على أبنية دستورية. أما على مستوى القانون الخاص، فقد ارتقى عبر السياق التاريخي له كنتيجة للقرارات الرسمية المتعلقة بالمحكمة، أو للقرارات القضائية، في دوائر الملكية والاتفاقات القانونية بين الناس .

إن (القانون الخاص) صفة استخدمت لوصف عملية قانونية قديمة، عملت على تصوير وكشف أن أساس هذه العملية القانونية جاء تراكميا – قضية قضائية بعد أخرى – عبر التاريخ، وبذلك فإن الحكام الذين تعاملوا مع هذا القانون الخاص، لم يروا أنفسهم كخالقين لهذا القانون بقدر ما هم مكتشفين له، وبالتالي هذا الموقف دفعهم إلى تأييد مبدأ (القانون الطبيعي) الذي بموجبه يكون هناك قوانين طبيعية للتصرف تأصلت في الإنسانية نفسها، وبسهولة كبيرة، اكتشفت عبر ثورة العادات والتقاليد التجارية .

إن وظيفة أو مهمة حاكم القانون الخاص، كانت للنظر، أو بذل الجهد لكشف القوانين التي وجدت مسبقا، ثم تقديم أحكام جديدة تؤسس عليها.

 

العقد الاجتماعي مصدر من مصادر الحقوق:

لقد أدركت سلطات الدساتير التي انطلقت من حقوق الإنسان، ذاك الأثر العظيم لنظرية "العقد الاجتماعي" على الحقوق الفردية، وفي هذا الاتجاه ناقش الفيلسوف " توماس هوبس " بأن الحكومة الشرعية هي التي تؤسس على عقد اجتماعي بين المواطنين (الذين تعهدوا بإطاعة الدول)، وبين سلطة الدولة التي تعهدت بدورها مقابل تنفيذ المواطنين لتعهدهم أن تقوم بحمايتهم من الجريمة والاعتداء الخارجي)، هذا وللفيلسوف " جان لوك " وجهات نظر حققت تأثيرا واسعا على المؤسسين، حيث شرح مفهوم (العق) بين أعضاء المجتمع على انه وعد يتم فيه تبادل التخلي عن الحريات الحقيقية التي استطاع الأفراد قانونيا ممارستها في الحالة الطبيعية من أجل التزود با الأمان عبر الحكومة التي أنشئت بذاك العقد الاجتماعي . ثم أن كلا من " هوبس " و"لوك" وفي إدراك محدود جدا، ناقشا بأن المواطنين الحقيقيين اعتقدوا بضرورة الحفاظ على الحقوق الأساسية بمستوى يواجه عمل الحكومة .

إن المعرفة الأساس لنظرية العقد الاجتماعي، هي أن الحكومة ربحت شرعيتها من خلال موافقة المحكوم (الشعب) الذي حاز على حق تشكيل الترابط السياسي بين الطرفين (الحاكم والمحكوم)، وهذا الترابط أو الدمج، هو نفسه الذي أوجد الواجبات والقوة لكلا الطرفين، بينما نرى في الواقع أنه لاتوجد حكومة قامت من خلال عقد اجتماعي، وراحت تتطور عبر طريق ميثاق العقد الاجتماعي الذي فرض طاعة المواطنين للحكومة مقابل حمايتها لحقوقهم وتامين الاستقرار لهم، لذلك غالبا ما نجد تلك الاختراقات والتعديات على الحقوق غير المبررة إما من قبل المواطنين أنفسهم تجاه بعضهم بعضا، أو من قبل الحكومة نفسها التي تقوم بتجاوز سلطتها الشرعية باختراقها للحقوق الفردية .

من بين الفلاسفة الأكثر حداثة، يأتي الفيلسوف "جان راولز"   John Rawls، الذي أعطى حياة جديدة لنظرية "العقد الاجتماعي"، فبدلا من عرض الحقوق على أنها هدايا من الحكومة أو من (الله)، أو بدلا من كون أساسها المنفعة، أو العقل، وما يحققه هذا العقل من نتائج تتعلق بأسس هذه الحقوق، فهو يرى أن "العقد الاجتماعي" كأساس للحقوق، لم يكن عقدا اجتماعيا يوقعه الناس فيما بينهم، بقدر ما هو (اتفاق افتراضي) يريده الناس (العقلاء) الذين عرفوا بأنهم ذاهبون بالضرورة للعيش تحت ظل حكومة، غير أنهم لم يعرفوا إلى أين تقودهم مواقفهم الفردية. ففي هذه الحياة الحقيقية، كل واحد منا يعرف بأنه يحوز على ممتلكات، ومسؤوليات قانونية تتضمن في سياقها العام، الذكاء، القوة، الصحة، الدخل الوافر، وعلاقات أسرية .. الخ، وبهذه المعرفة كل واحد منا أيضا، يفضل هنا الميل بالضرورة نحو المؤسسات التي تحقق له منافعه الخاصة حتى ولو كانت بعيدة عن الحكومة وسلطتها .

 

What Is Classical Liberalism

by John C. Goodman

ترجمة (بتصرف): د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية