المثقف - نصوص أدبية

طريقة آمنة للانتحار

مسرحية قصيرة

في فصل واحد

 

طريقة آمنة للانتحار / ممدوح رزق

 

الشخصيات:

ـ رجل عجوز في منتصف الستينيات تقريبًا.

ـ شاب في منتصف الثلاثينيات تقريبًا.

المكان:

جزء من شارع غير مزدحم.

الوقت:

ظهيرة شتوية

 

شجرة تعلو رصيفًا على جانب الطريق، يجلس الرجل العجوز تحتها، فوق حافة الرصيف، بجانبه كرسي متحرك فارغ .. العجوز لا يبدو على وجهه أكثر من الشرود بينما يراقب ما حوله في صمت .. يدخل الشاب إلى المسرح، يمر أمام العجوز بخطوات بطيئة نوعًا ما وهو ينظر إليه ثم يعود ليقف بجواره.

الشاب: مساء الخير.

العجوز (بابتسامة خفيفة وهزة رأس مُرحبة): مساء الخير .. أهلا بك.

ـ هل تعرف إن كان يوجد محل لبيع الزهور بالقرب من هنا؟

ـ كلا .. أنا غريب عن هذا الشارع .. فقط أجلس لأستريح قليلا.

ـ هل تريدني أن أساعدك في شيء؟

ـ أشكرك .. أنا بخير .. أنت تعرف، في عمري هذا يزداد التجول في الشوارع صعوبة يومًا بعد آخر.

ـ لقد رأيتك من قبل أكثر من مرة في شوارع مختلفة، تدفع هذا الكرسي الفارغ.

ـ كرسي فارغ؟! .. أنت إذن مثل كل هؤلاء الذين لا يستطيعون رؤيته.

ـ رؤية من؟

ـ إبني الوحيد .. الولد الجميل الذي يجلس أمامك .. إنه لا يسمعنا، كما أنه لا يستطيع أن يتكلم، أو ينهض من مكانه .. من المؤسف أيضًا أنه لا يستطيع أن يمد يده ليصافحك، لكن ها هو يبتسم لك .. لماذا لا تبتسم له أنت أيضًا؟

(ينظر الشاب إلى الكرسي الفارغ، ويبتسم ثم يرفع يده بتحية خاطفة ومرتبكة).

الشاب (كأنما قرر مسايرته لتسلية ممزوجة بالشفقة): أنتما تتنزهان يوميًا إذن؟

العجوز: نعم .. أخرج به كل يوم، نتجول في شوارع المدينة ثم نتوقف قليلا كي ألتقط أنفاسي، وبعد ذلك أعود به إلى البيت .. نحن نعيش وحدنا منذ زمن طويل، وأنت من يعيش معك؟

ـ لا أحد .. لقد مات كل أفراد عائلتي.

ـ لابد أن لديك أصدقاء إذن؟

ـ كان عندي الكثيرين ممن يبدون كذلك، ابتعدت عنهم جميعًا، ومنذ زمن طويل لم أعد أغادر البيت إلا نادرًا.

ـ وإلى أين تذهب في تلك المرات النادرة؟

ـ أتجول وحدي، أشتري جريدة أو كتابًا، أجلس أحيانًا في مقهى لأراقب العابرين ثم أعود سريعًا.

ـ أنا أيضًا لم أقابل أحدًا منذ فترة بعيدة، المرة الأخيرة كانت منذ عدة شهور حينما حاولت إيقاظ هذا الولد في الصباح فلم يستيقظ .. ناديت واحدًا من الجيران فجاء ليساعدني في إيقاظه، لكنه فشل مثلي .. بعد قليل وجدت أشخاصًا لا أعرفهم يحملون جسدًا صغيرًا، ويخرجون به من البيت إلى مكان ما .. لم أكن أدري شيئًا عما يحدث، ولم أفهم ما الذي كان يعتقده هؤلاء الغرباء، لكنني  حقيقة، لم أهتم بسؤالهم .. كل ما كان يعنيني هو انتظار إبني  حتى يستيقظ، ولهذا ظللت جالسًا بجواره فوق السرير .. كنت أعرف أن هذا الولد الماكر يحلم حلمًا جميلا، وأنه يرفض مغادرته .. ربما كان يرى نفسه طائرًا يحلق في السماء، ويرقص بين النجوم .. لم أستطع التأكد منه حينما استيقظ، وإن أعطتني ملامحه السعيدة إنطباعًا قويًا بذلك وأنا أجهز فطوره، وأبدّل ملابسه، وأجلسه فوق كرسيه، ثم أخرج به كما تعوّدنا.

ـ كم يبلغ من العمر؟

ـ إثنا عشر عامًا.

ـ لقد كتبت في مثل عمره قصة قصيرة عن ولد يجلس فوق كرسي متحرك، يحاول الاستجابة لنداء نجمة، لكنه حينما حاول النهوض للطيران إليها سقط على الأرض.

ـ هل مازلت تكتب القصص؟

ـ نعم، وجميعها تحكي نفس الحكاية بطرق مختلفة.

ـ لقد قرأت الكثير من القصص .. أتذكر جيدًا رجل عجوز على الجسر لهمنجواي، أمام القانون لكافكا، الشحاذ أو الكلب الميت لبريخت .. هل قرأتهم؟

ـ نعم قرأتهم جميعًا.

ـ هناك شيء مشترك في هذه الحكايات .. شخص يجلس أو يقف في مكان ما ثم يأتي شخص آخر لا يعرفه كي يتكلم معه .. شخص لديه حاجة قهرية إلى هذا الغريب .. هذه الحاجة دائمًا ما تكون اعترافًا لا يتم.

(صمت)

الشاب: هل لاحظت أنه لم يعبر أحد من هذا الطريق منذ أن بدأنا نتحدث؟

العجوز: نعم، هذا بالتأكيد أمر نادر، فهذه المدينة ينقص هواؤها لحظة بعد أخرى.

ـ لكنها ممتلئة بالكثيرين الذين أتمنى رؤيتهم يتعذبون.

ـ وهل هم لا يتعذبون بالفعل؟

ـ نعم، ومع ذلك طالما أنهم لم يتعذبوا بسببي فإنهم سيظلون أكثر البشر سعادة بالنسبة لي.

ـ لا يبدو لي أنك من النوع الذي يستطيع أن يؤذي أحدًا باستثناء نفسه.

ـ أنت لا تعرف شيئًا عني.     

ـ حسنًا .. هل تريد تعذيبهم أم قتلهم؟

ـ كلا .. لا أريدهم أن يموتوا .. أريدهم أن يظلوا أحياءً.

ـ وماذا لو أفضى العذاب إلى الموت؟

ـ لا أدري .. أعتقد أن الندم سيقتلني حينئذ.

العجوز (بسخرية): يبدو أنني أعرف عنك أكثر مما تتخيل.

الشاب (بسخرية عصبية مضادة): حقًا؟ .. هل تظن أن الخوف من موتهم هو ما يعطلني عن إيذائهم؟

ينهض العجوز ويتحرك حول الشاب: كلا .. لا أظن ذلك، ولكنه على الأقل هاجس لا يفارقك، أما الذي يعطلك بالفعل، أنك لم تعرف بعد كيف تنتقم دون أن يكتشف أحد بصماتك .. أليس كذلك؟

ـ هذا صحيح، ولو أن الأمر أكبر بكثير مما تعتقد .. إنني لا أريد الانتقام من بعض البشر فحسب .. إنني أريد تحويل هذه المدينة إلى ظلام تام لا تضيئه إلا الحكايات الفاضحة.

ـ أنت تحتاج إلى شخص مثلي إذن.

الشاب (بتهكم قلق): مثلك أنت؟

ـ نعم .. شخص قضى عمره يتجوّل في كل الشوارع  .. يحتفظ بالكثير من الأسرار .. من يدري .. ربما يمتلك قصصًا غريبة حدثت في بيوت قديمة .. ربما لديه صور .. أوراق .. أصوات مسجلة .. خرائط .. مخطوطات لا يعرف عنها أحد شيئًا .. شخص يستطيع أن يسافر عبر الزمن كلما نزل إلى قبو صغير في منزله.

الشاب (مقويًا نبرة الاستهزاء): حسنًا .. وما الذي فعلته بكل هذه الثروة العجيبة؟

ـ لا شيء .. أنا مجرد ذاكرة .. ماض محايد، يخلو تمامًا من العداوات كما يخلو من التطلعات .. أنا لا أريد شيئًا من هذه المدينة، ولا يرجع هذا لكوني أصبحت عجوزًا بل صدقني؛ لقد كنت هكذا دائمًا طوال حياتي .. أجمع أرواح العالم، وأنا في عزلة تامة عنه.

ـ ربما أنت لا تعرف إذن ما الذي يعنيه أن تقضي حياتك مسجونًا داخل الحواف المائعة، عاجزًا عن أن تكون متورطًا كما يجب، أو منفصلا كما يجب .. ربما أنت لا تعرف ما الذي يعنيه أن يكون مفترق الطرق تعريفًا بائسًا لعمر ينتهي كلحظة خاطفة دون أن يكترث أحد بذلك .. نعم .. هذه المدينة ممتلئة بالكثيرين الذين أتمنى تعذيبهم .. أريد أن أحوّل كافة الأشياء الماسخة التي صنعت وجودي إلى كوابيس تملأ لياليهم .. ربما أنت لا تعرف ما الذي يعنيه أن تسكن عتبات ضبابية يمر فوقها الشامتون.

ـ لمن كنت تريد شراء الزهور إذن؟

ـ الزهور؟

ـ ألم تسألني منذ قليل إذا ما كان هناك محل لبيع الزهور في هذا الشارع؟

ـ نعم .. كنت أريد شراء الزهور لنفسي .. كنت سأضعها فوق طاولتي المنزلية التي أجلس أمامها في الظلام كل ليلة .. ربما كنت أعطيت وردة لإبنك.

ـ إبني .. أي إبن؟

ـ هذا الولد الجميل الجالس فوق الكرسي.

ـ عزيزي الشاب الطيب؛ لا أحد يجلس فوق هذا الكرسي .. لقد مات إبني منذ عدة شهور، ومنذ ذلك اليوم أخرج كل ظهيرة لأدفع هذا الكرسي الفارغ إلى الشوارع كما اعتدت أن أفعل، كأنه لا يزال حيًا .. كأن روحه لا تزال جالسة فوق هذا الكرسي؛ تراقب الناس، وتأكل الآيس الكريم، وتبتسم للقطط التي تأتي لتجلس بجانبه .. أصبح الخروج بهذا الكرسي الفارغ هو السلوى المتبقية لحياتي .. العزاء الوحيد بعد فقده .. أصبح الخروج بهذا الكرسي الفارغ هو الطريقة الوحيدة التي تساعدني على استرداده من الموت.

ـ حسنًا .. ماذا عن الأسرار والحكايات الغريبة التي لديك، ألن تطلعني عليها، أو على الأقل على بعضٍ منها؟

ـ ماذا ستفعل بها؟

ـ أنت تعرف .. سأستعملها في تعذيب أعدائي بالطبع .. سأصنع مزيجًا بين هذه الغنيمة والقصص التي أعرفها عنهم .. جروحهم المخزية التي أحتفظ بها في ذاكرتي .. سأخلق لكل واحد وواحدة حياة جديدة تتناقلها الألسنة في هذه المدينة، ثم تتطور عبر الزمن دون أن تخبو.

ـ هل أنت واثق من أنك ستستطيع أن تفعل هذا؟

ـ بالتأكيد.

ـ ألن تظل تكتب فقط ما تتمناه ولا تقدر على تحقيقه؟ .. ألن تتزايد الأوراق التي تدوّن فيها أحلامك التي لن تتجسد أبدًا في الواقع؟ .. ألن تواصل حكاياتك اختباءها بعيدًا عن عيون الشامتين؟.

الشاب (بغضب): لا أعلم ما الذي يدفعك لمثل هذه التساؤلات الأشبه بتوقعات سخيفة.

ـ ألم أخبرك بأنني أعرف عنك أكثر مما تتخيل.

ـ حسنًا .. سأفترض أن توقعاتك صائبة تمامًا، وأنني سأظل عاجزًا عن تحقيق أمنياتي، وعن تجسيد أحلامي، وأن حكاياتي الانتقامية ستظل مختبأة بعيدًا عن الذين أود تعذيبهم .. سأفترض أن لديك كل الحق في ظنوك، ومع ذلك أنت أيضًا لا تبدو لي كشخص يمتلك أسرارًا أو قصصًا غريبة.

العجوز (بسخرية): وكيف يبدو من يستطيع السفر عبر الزمن في تصورك؟

ـ لا أدري، ولكن كل ما أعرفه أنه لن يكون في عينيه مثلك هذه الغفلة المعتادة التي تسكن عيون الجميع.

العجوز (يضحك): حسنًا .. أنت تلعب جيدًا، ولهذا سأعطيك مكافأة صغيرة .. سر واحد فقط سأخبرك به .. ما رأيك؟

الشاب (مبتسمًا كأنما حقق انتصارًا خبيثًا): وهل من الممكن أن أرفض؟

ـ لقد مات إبني مقتولا.

الشاب (محاولا السيطرة على صدمته): ومن الذي قتله؟

ـ أنا.

(يظل الشاب صامتًا، بصدمة كاملة، دون سيطرة)

العجوز (بألم كأنه على وشك البكاء): نعم .. لقد ظل يعاني فوق هذا الكرسي لسنوات طويلة منذ أن كان في الثانية عشر من عمره حتى أصبح شابًا في الثالثة والعشرين، وكنت أدرك تمامًا أنه لو أصبح عمره مائة عام فإنه لن يغادر هذا الكرسي، وأن معاناته هذه لن تساوي شيئًا أمام ما سيلاقيه وحده بعد موتي .. لذا قررت أن أنهي حياة هذا الولد المسكين قبل أن يجد نفسه وحيدًا .. قتلته دون ندم، وبطريقة لم يكن من الممكن أبدًا أن يكتشفها أحد.

ـ وما هي؟

العجوز (بابتسامة تزيح الألم من ملامحه تدريجيًا): هل تعتقد فعلا بأنني سأخبرك؟

ـ ولم لا؟ .. هل تخاف مني؟

ـ أنت تعرف جيدًا من منا يشعر بالخوف تجاه الآخر، ولكن يكفي أن أخبرك بأن واحدة من الحكايات الغريبة التي أمتلكها هي التي ألهمتني طريقة قتله.

(صمت)

الشاب: ما رأيك لو أخبرتني فقط ببداية هذه القصة؛ فربما أستطيع أن أستنتج وحدي بقية تفاصيلها حتى نهايتها.

العجوز: حسنًا .. كان هناك في هذه المدينة جماعة من البشر، يعيشون في بيت قديم، ينسى كل واحد منهم في صباح كل يوم أي صلة تربطه بالآخرين، وما الذي جاء به كي يعيش معهم في هذا المكان.

ـ نعم .. وهذا ما كان يحتم عليهم أن يتعرفوا على بعضهم من جديد كل صباح.

ـ بالضبط.

ـ ولكن التعارف كان يتم كل يوم بطريقة أسوء من اليوم السابق.

ـ أكمل.

ـ حتى بدأوا يختفون من البيت واحدًا وراء الآخر.

ـ هذا صحيح.

ـ وفي النهاية تبقى شخص واحد فقط.

ـ نعم.

ـ هذا الشخص لم يعد ينسى، وإنما على العكس تضاعفت ذاكرته فجأة كأنما أصبح ماضيه يحمل حياة كل واحد من الذين كانوا يعيشون معه.

ـ بالفعل.

ـ ثم قضى أيام وشهور وسنوات وحدته في محاولة استعادتهم.

ـ أكمل.

ـ ظل يكتب، ويخلق قصصهم من جديد، حتى اكتشف تدريجيًا الطريقة التي قتلهم وأخفاهم بها دون أن يشعر.

ـ وهذه الطريقة هي؟

الشاب (ينظر في عيني العجوز كأنما يفيق من غيبوبة بتنفس ثقيل): أنت كاذب.

ـ لكنني كان يجب أن أفعل هذا.         

ـ حسنًا .. أنت ...

ـ نعم .. أنا لم يكن عندي ولد في يوم من الأيام.

ـ لماذا ...

ـ لأنك طوال الوقت تنتحر بطريقة آمنة.

ـ لكنني ...

ـ أنت كاذب أيضًا.

الشاب (باستسلام مقبض): نعم .. أنا لم أكن أبحث عن محل لبيع الزهور.

العجوز (بابتسامة منتصرة وهو يشير إلى الكرسي): ماذا تنتظر إذن؟

يجلس الشاب فوق الكرسي .. يدفعه العجوز إلى خارج المسرح.

(ظلام)

 

ممدوح رزق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3838 المصادف: 2017-03-09 11:36:40