فوزية موسى غانمترجمة: فوزية موسى غانم


نحن نعيش في مدن سرية

ونسافر في طرقات مجهولة

نحن نتكلم كلمات ندركها

والتي لا نستطيع البحث عنها

هي كلماتنا

تأتي من ابعد مكان في أفواهنا 

أنت وأنا، نحن مواطنون سريون  في المدينة

في داخلنا، في داخلنا

 

هناك ذهبت كل السيارات التي قدناها

وكذلك هناك كل الناس الذين رأيناهم

 

نحن نعرف وقد عرفنا

كل الإمكان هناك

 

ولكن اعتدناها كذلك .

وهنا حيثما ذهبوا، ولم يختفوا

 

كل منا اخذ قطعة

أما بالعين وأما بالإذن

 

أنها عالية في داخلنا .هناك.

 وعندما نتكلم في العالم الخارجي

 

نحن  نتمنى بان بعض من  ذلك الصوت

لا يخرج، انه  السلاح

بان لا يصل بدلا عن  اللسان 

***  

.......................

* البرتو ريوس (1952): أكاديمي وكاتب أمريكي، ومؤلف لعشرة كتب في الشعر وثلاث مجموعات من القصص القصيرة ومذكرة آب في سنة 2013. وحصل على لقب أول شاعر في ولاية أريزونا، وظل البرتو حامل اللقب حتى عام 2015.

* رابط القصيدة باللغة الانكليزية

 https://poets.org/poem/cities-inside-us

 

 

جمال ابو زيدترجمة: جمال أبو زيد

11- العنزة والحمار

ربّى رجلٌ عنزة وحماراً. انتابتِ العنزةَ الغيرةُ من الحمار لأنه كان يُغذّى تغذيةً حسنةً للغاية. لذا قالت له: " بكلِّ ما تبذله من عناء لتدير حجر الرحى، وكلّ الأعباء الملقاة على كاهلك، غدت حياتُكَ مجرّد عذاب لا نهاية له".

ونصَحَتْهُ بالتظاهر بأنه مصابٌ بداء الصَّرْعِ، وبالسقوط في حفرة بغيةَ الحصول على قسطٍ من الراحة. أخذ الحمار بنصيحتها وسقط في الحفرة وأصيب بكدمات ٍ في جميع أرجاء جسمه. ذهب سيّدُهُ لإحضار الطبيب البيطريِّ وسأله عن علاجٍ لما لحق به من أذى. وصفَ  الطبيبُ نقيعَ رئة عنزة وهذا العلاج كفيلٌ بإعادته إلى جادّة الصحة. وعليه، ضحّى الرجلُ بالعنزة ليعالج الحمار.

**

12- الثعلب والتمساح

كان الثعلب والتمساح يتباريان بنبالة محتدهما. مطَّ التمساح نفسَه إلى أقصى طاقته ليعطي مثلاً توضيحيّاً عن أسلافه، وقال إن أجداده كانوا أخصائيين متعدّدي البراعات بالرياضة الجمنازيّة. فقال الثعلب: " لا حاجة لك إلى إخباري بذلك. فبمجرّد النظر إلى جلدك أستطيع أن أرى أنك كنتَ تمارس التمارين الجمنازيّة سنوات كثيرةً إلى حدِّ أنك ملأتَ نفسك تماماً بالتشقّقات".

**

13- القاتل

ارتكب رجلٌ جريمةَ قتلٍ فطارده أهلُ ضحيّتِهِ، وفي فراره وصل إلى حافة نهر النيل فرأى نفسه وجهاً لوجهٍ أمام ذئب. وارتاع ارتياعاً شديداً إلى حدِّ أنه تسلّقَ شجرة ً كانت بجانب الماء وأخفى نفسه، بَيْدَ أنه لمح وهو هناك أفعى ضخمة ً تسعى في اتجاهه فسقط في النهر، لكنّ تمساحاً فيه التهمه.

**

14- الزوج والزوجة المزعجة (39)

كان لدى رجلٍ زوجةٌ تتصرّف في غاية الفظاظة مع جميع خدم المنزل. وأراد أن يعرف ما إذا كانت ستتصرّف على النحو نفسه مع خدم ِ وعمّالِ أبيه، فأرسلها بذريعة ما لزيارة منزل أبيه. وحين عادت بعد بضعة أيام سألها كيف استقبلها الخدم. قالت: "رعاةُ البقر والخراف عبسوا في وجهي".

فردّ الزوجُ: "حسناً يا امرأة. إذا لم تكوني موضع ترحيب ٍ لدى الخدم الذين يخرجون بالقطعان عند الفجر ولا يعودون حتى مغيب الشمس، فماذا عن أولئك الذين كان عليك أن تنفقي اليوم كله معهم؟".

**

15- الفلكيّ

دأب فلكيٌّ على الخروج كلَّ مساء ليراقبَ النجوم. ثمّ، وذات ليلة، وبينما كان في الضواحي مستغرقاً في تأمُّلِ السماء، وقع مصادفةً في بئر. سمعه عابرُ سبيل ٍ يئنُّ ويستنجد. وحين أدرك ما حدث ناداه من حافة البئر قائلاً: " أيُّهذا الموجود هناك. أنتَ في غاية التحمُّس لمراقبة ما يحدث في الأعلى في السماء، إلى درجة ِ أنكَ لا ترى ما هو موجود هنا في الأسفل على الأرض".

***

.....................

إيسوب (620  ق.م – 564) كاتب إغريقي ولد عبداً في القرن السادس قبل الميلاد في اليونان في جزيرة ساموز، ثم أعتقه سيده الأخير. انطلق بعد ذلك يجوب الآفاق وينشر أفكاره وحِكَمَهُ وقد ألّف مئات الحكايات الخرافية حتى صار أحدَ رُوّادِ هذا الفن. وهو شخصية مثيرة للجدل، ولا يُعرف عن حياته إلا القليل. فثمةّ من يشكك في وجوده أصلاً ويعتبره شخصية أسطورية اخترعها اليونانيون، الذين كان من عادتهم نسبة الأعمال الأدبية إلى مؤلف، فنسبوا تلك الحكايات إلى شخصية وهمية تدعى إيسوب.

بيد أننا في حقيقة الأمر نرى أنّ الجميع اتفقوا على أنَّ "حكايات إيسوب" عمل أدبي رائع، صيغ بأسلوب طريف وممتع. وتضع تلك الحكايات فلسفة للحياة والسياسة مليئة بالحِكَمِ والدلالات التي جاءت على ألسنة الحيوانات. تُعدُّ كلُّ حكاية منها ذات معنى خاص يستطيع القارئ الوصول إليه بسهولة. لاقت تلك الحكايات رواجاً كبيراً، واهتم بها كثير من الكُتّاب والنقاد والقرّاء والمترجمين على مَرّ القرون اهتماماً بالغاً. 

 

 

عادل صالح الزبيديترجمة: عادل صالح الزبيدي

الليلة الأولى


 "لابد ان اسوأ شيء في الموت هو الليلة الأولى".

.. خوان رامون خيمينيث

 

قبل ان افتحك يا خيمينيث،

لم يحدث لي قط  ان الليل والنهار

سيواصلان الدوران حول بعضهما في حلقة الموت،

 

لكنك الآن تجعلني اتساءل

هل سيكون هناك ايضا شمس وقمر

وهل سيتجمع الموتى ليشاهدوهما يشرقان ويغربان

 

ثم يذهبون، كل روح لوحدها،

الى شيء ما مرادف شاحب لسرير.

او هل ستكون الليلة الأولى الليلة الوحيدة،

 

ظلاما لا نملك اسما آخر له؟

كم هو ضعيف قاموسنا بوجه الموت،

يا لاستحالة تدوينه.

 

هذا هو المكان حيث ستتوقف اللغة،

الحصان الذي امتطيناه طوال حياتنا

قافزا على قائمتيه الخلفيتين عند حافة منحدر صخري شاهق.

 

الكلمة التي كانت في البدء

والكلمة التي تحولت جسدا—

تلكما وكل الكلمات الأخرى ستتوقف.

 

حتى في هذه اللحظة، وانا اقرؤك على هذه الشرفة المتعرشة،

كيف لي ان اصف شمسا ستشرق بعد الموت؟

لكنها تكفي لتخيفني بما يكفي

 

لحملي على اعارة المزيد من الانتباه الى القمر النهاري للعالم،

لضوء الشمس الساطع فوق الماء

او المتشظي في ايكة اشجار،

 

او انظر بمزيد من الدقة الى هذه الأوراق الصغيرة ها هنا،

الى هذه الأشواك الحارسة،

التي ما وظيفتها الا حراسة الوردة.

***

...........................

بيلي كولينز: شاعر أمیركي من موالید مدینة نیویورك عام ١٩٤١ یتمیز شعره بكسر جمیع الأشكال والأوزان التقلیدیة فھو یكتب شعرا متحررا من جمیع القیود وله أیضا آراء حول الغموض في الشعر وتعقید الشكل الشعري وفي تأویل القصائد یعبر فیھا عن انحیازه إلى البساطة ووضوح التعبیر والشعر الذي یسھل فھمه معترضا على الشعر الذي یكتبه الشعراء لغیرھم من الشعراء ولیس لجمھور عریض من القراء. شغل كولينز منصب شاعر الولایات المتحدة بین عامي 2001- 2002 وخلال فترة إشغاله ھذا المنصب حرر كولینز مختارات شعریة بعنوان (شعر ١٨٠) تتألف من ١٨٠ قصیدة على عدد أیام السنة الدراسیة. وھي مجموعة یسعى كولینز من خلالھا إلى إیصال الشعر إلى أكبر عدد من طلاب المدارس وإشاعته بین المراھقین.

نال كولينز جوائز عديدة على مجموعاته الشعرية وفيما يأتي بعض عناوينها: (قصائد فيديو) 1980؛ (التفاحة التي أدهشت باريس) 1988؛ (فن الغرق) 1995؛ (الإبحار وحيدا حول الغرفة) 2001؛ (تسعة خيول)) 2002؛ و(المتاعب التي يثيرها الشعر وقصائد أخرى) 2005.

 

 

2342 EganPicAترجمة: صالح الرزوق

حينما وصلوا في النهاية إلى الكثبان، فتح جان المصور المظلة الفضية. كانت هذه آخر صورة لليوم. كان الضوء ساطعا وهجوميا. وانتشرت أكوام الرمل حولهم وهي تلمع كأنها أكوام من مسحوق الزجاج. غرست البنت أصابع قدميها في الرمل، وهي ترتدي تنورة قصيرة من القطن، وقميصا خفيفا عريضا. وعلى مبعدة أقدام منها، بحثت المصممة عن شيء ما في حقائب اليد المزدحمة ببذات الاستحمام. اسم المصممة برناديت. وكانت تقوم بهذا العمل منذ سنوات طويلة.

قالت:”خذي”. وقدمت للبنت البكيني. كان من مادة حمراء لماعة. رمقت البنت جان، المشغول بتحميل الكاميرا بفيلم. وتخلت عن سروالها الداخلي من تحت التنورة، وارتدت النصف السفلي من ثوب الاستحمام. ولم تكن على مشارف العشرين بعد.

سألت البنت واسمها أليس:”هل هذا هو غطاء المصورة”. كلما كانت تلتقط صورة تسألها السؤال نفسه.

 قالت المصممة:”أين كنت قبل شهرين؟”.

ردت:”ماذا تقصدين؟”. واتخذ وجهها شكل ألماسة. بينما التمعت عيناها بلون أصفر ذهبي.

سألتها برناديت مجددا:”أين كنت قبل شهرين؟”.

“كنت في البيت. قبل أن يكتشفوني”.

“وأين بيتك؟”.

“في روكفورد، إلينويز”.

قالت برناديت للبنت:”سواء كان غطاء الكاميرا أم لا، أنت تبلين بلاء حسنا”.

وفاجأ ذلك أليس. فتحت فمها لترد، ولكنها استدارت ورفعت القميص الخفيف لما فوق رأسها. كانت حركات كتفيها غير متوازنة. وغطت ثدييها الصغيرين بالنصف العلوي من ثوب الاستحمام. وربطت برناديت العقدة. ونظرت أليس للحظة للأمواج، وكانت زرقاء باهتة ومضطربة.

سألت:”أين نحن الآن؟”.

قالت برناديت:”في لامو”.

ووصل مصفف الشعر والعناية بالبشرة، وهو يخبط بقدميه الممشى. كان اسمه نيك، وبدأ بالعمل على عيني البنت والتي احتضنت نفسها.

سألت:”أين كنا بالأمس؟”.

قالت برناديت:”في مومباسا”.

وأصبح المصور جاهزا. ورفع المظلة الفضية لاستقبال الإضاءة. ووضع عداد الضوء على صدر البنت. ودخن مصفف الشعر سيجارة. كان في الرحلة عارضتان إضافيتان. والتزمتا بالمراقبة بحذر وعن بعد. دمدم البحر أمام الكثبان. بدت البنت عارية بشكل خاص، ومحاصرة بالناس المحتشمين. كانت جديدة بعملها والكاميرا تخيفها. خلصها جان من الحامل الثلاثي وقربها من وجهها، وقال وهو يقف بطريقة تمكنه من رؤية المتبقين:”من فضلكم انظروا للوجه. انظروا من فضلكم للوجه هناك”.

نظروا جميعا. كان رقيقا وناعما مثل قمر أشرق للتو. وطرف جان بعينيه وراء الكاميرا. وتناغم صوت الإغلاق مع هدير تكسر الأمواج. وبعد الصورة بدأت البنت تتحرك.

صاح جان:”هناك. انتهينا”.

نظروا جميعا. ومثلهم فعلت برناديت، وشعرت أن الآخرين ينظرون مثلها. كان هناك شيء في طريقة سقوط الضوء، في يدي البنت المتحفزتين، بفمها الحزين. وسقط سكون عميق. لا يمكن أن تقول إنها مجرد بنت نحيلة وشابة على الشاطئ. بل هي بنت شابة وحزينة بشعر طويل، تراقب خط الأفق الرفيع. وفرقعت الكاميرا. ثم مرت لحظة أخرى.

ومالت أليس نحو الأسفل وحكت ركبتها. نظرت برناديت إلى جان ولاحظت أنه يبتسم. فقالت :”أحسنت”.

***

هبت الرياح في المدينة، وشحنت الهواء بالغبار وأوراق لف السكاكر. توجد نوافذ كثيرة في لامو، ونساء كثيرات جالسات تتمسكن بنقاب أسود ليحميهن من الرياح. وفي ساحة السوق كن تجتمعن قرب سلال الفواكه المجففة، والبذور، والحبوب الحمر. وكان للريح رائحة حريق. كانت الجماعة تنتظر في فندق قديم من طابقين قرب الجبهة المائية - مكان يناسب عازفي البيانو والرجال الأشداء الذين يشربون نخب أوطانهم. وذكر برناديت بالفندق الذي نزلت به في نيو أورليانز حيث أمضت شهر عسلها. ومثل الفندق كان لهذا المكان مراوح سقفية. وبالأمس استلقت بالسرير وراقبتها وهي تدور حول نفسها. بعد الغداء، أخبرتنا أليس كيف تم اكتشافها. قالت حدث ذلك في مجمع التسوق. كانت البنات تتسكعن فيه، كان من المناسب التقاط الصور فيه، وحصلت على صورة لنفسها وهي تستند على كتف أخيها. وبدا السأم على العارضتين الأخريين. أشعلت برناديت سيجارة، والتفتت إلى جان، والتي كانت تقلب في صفحات مجلة، وقالت:”بماذا يذكرك هذا؟”.

نظر إلى الأعلى، ورفع حاجبيه الأشقرين. كان لطيفا وقويا مثل محارب فايكنغ في كتاب للأطفال.

قال:”وماذا تنفع الذكرى؟”.

“لهذا. من أجلنا جميعا”.

وبدا الارتباك على جان. ولكن تابعت. قالت:”ألم تلاحظ كيف أن أحدا لا ينسجم مع أحد. مع أننا عائلة واحدة”.

شعر بالدهشة. أخذ جرعة كبيرة من البيرة وتخلل شعره بأنامله. قال:”تكلمي عن نفسك”.

ضحكت برناديت ثم توقفت وقالت:”ماذا يحمعنا برأيك؟”.

قال جان وهو يميل للخلف على كرسيه:”الجواب بسيط”. وسمعت أنين خشب الكرسي القديم. وأردف:”الأمر لا يحتاج لإعمال الذهن”.

قالت برناديت:”خفف عني إذا بذكر رأيك”.

مال للأمام، واستند بكوعيه على غطاء الطاولة الشمعي، وحملت الريح ألحانا خفيفة من موسيقا تنبعث من الشوارع الضيقة. وابتعدت العارضات، وازدحمت الغرفة بأناس شديدي السواد وتلمع بشرتهم بلون أزرق تحت الضوء. قال:”نحن في برنامج أزياء”. ولم يكن للكلام أي معنى.

ولعب بعود ثقاب على راحتيه ثم أشار للساقي لإحضار كوبي بيرة إضافيين. واستقرت ذبابات على طرف الطاولة. نظر إلى برناديت وقال وهو يرفع كأس البيرة:”لالتقاط تلك الصور”. كان صوته غامضا. وشربت برناديت من زجاجتها، وسمحت لرأسها أن يستلقي للخلف. كان عنقها أبيض وطويلا. وراقب جان بلعومها يتحرك وهو يبتلع. قالت:”نخب اليد التي تطعمنا”.

والآن كانت البنات تتبخترن للأمام، وأبدين الرغبة بالذهاب للرقص في مكان ما. في مومباسا يوجد ديسكو مزدحم بالعاهرات الإفريقيات اللواتي ترقصن بمهارة وتنتظرن الإشارة. وسحرت البنات بذلك.

قال جان:”ليس في لامو. تذكرن. هنا لا يوجد حتى سيارات”.

تثاءبت أليس علنا مثل قطة، ولمع الضوء على أسنانها. مالت للأسفل وأراحت رأسها على كتف جان. وبطريقة المراهقين اليائسة شعرت نحوه بالوله منذ البداية. قالت:”أنا نعسانة”.

نظر جان لبرناديت وجر البنت إلى أحضانه، ومرر راحته على شعرها الناعم، وأرخى ثقله عليها، ورمت ساقيها الطويلتين على الأرض، وخيم الصمت عليهما. طرفت الفتاة بعينيها وحركت رأسها. في هذه الساعة قبل شهرين، كانت تطبع قبلة مساء الخير على وجه أبيها. وقفت على قدميها ونأت بوجهها عن برناديت وجان وقالت:”حسنا. أراك في الغد”.

تجولت بحثا عن الاثنتين المكتبقيتين اللتين تركتاها خلفهما.

قال جان:”صغيرة مسكينة”.

وراقبوها وهي تبتعد، ومدت برناديت يدها تحت الطاولة ولمسته، بنعومة أولا، ثم بمزيد من الجرأة. وفكرت: من المدهش كم من السهل أن تتصرف هنا مع الآخرين كأنك تسرق. ومن حسن الحظ البنات الصغيرات لا تعرفن هذه الأمور. ونظر جان نحوها وابتلع فمه. واقتنعت أنه أصغر مما تعتقد. رشفت من البيرة، وكان لها طعم الدخان، ولم تحرك يديها. قالت:”بماذا يذكرك هذا؟”.

هز رأسه، واحمر خداه. قالت برناديت:”هيا بنا للطابق الثاني”.

***

غادرا البار وتسلقا سلما ضيقا قادهما إلى حجرات الفندق. مررت برناديت راحتيها على الجدران. كانت مخمورة أكثر مما تصورت. وتوقفا في نهاية السلالم، حيث كانت الحشرات تلقي نفسها على ضوء كهربائي. وغرس جان أصابعه بقفا جينز برناديت وحركها بنعومة. وانتقلت لها الرغبة الفولاذية وانتشرت من الأسفل حتى بلعومها. قالت:”إلى حجرتك؟”.

كان سرير جان مرتبا، والشبكة الواقية من البعوض ملتفة بشكل كومة فوقه. ذهب إلى الحمام وأغلق الباب. وقفت برناديت أمام النافذة. لم يكن لها زجاج، فقط أغطية خشبية مفتوحة لتسمح لقليل من الهواء بالدخول ليلا. وانسكب ضوء القمر الفضي على الأمواج. ولونت الشاطئ أشرعة زوارق مطلية بألوان متعددة. وسمعت صوت الماء في الحمام ولكنها بقيت قرب النافذة، وتوقعت أن يأتي جان من خلفها. ولكن لم يفعل. وأن السرير تحت وزنه. قالت وهي تواجه البحر:”كما تعلم هذا يذكرني بشيء”.

قال:”كل شيء يذكرك بشيء”.

“هذا صحيح. وذات يوم سأحزر ما هو”.

“هل من اقتراح؟”.

تمطت وشدت عضلات بطنها وقالت:”كلا. لا بد أنه شيء من بين أشياء قليلة لم أشاهدها ولم أمر بها”.

لزم جان الصمت. وتساءلت برناديت إن كان قد أغلق الشبكة الواقية. قال:”حسنا. من الصعب إذا تحديده. حينما يقع”.

تخلصت برناديت من قميصها. كانت حمالة الصدر سوداء، وثدياها ممتلئان وشديدا البياض في الحمالة. كان عريها فاضحا. وهذه هي الحالة دائما، ولكن بعد يوم من من العناية بثياب البنات ذوات الخصور النحيلة والبطون المسطحة التي تشبه صحونا غير عميقة وفارغة فاجأها جسدها. والتفتت إلى جان. قالت:”سأعرف حينما يحصل لأنه لن يذكرني بأي شيء آخر”.

كان مستلقيا ويداه معقودتان وراء رأسه. وعينه الفوتوغرافية عليها. وشعرت أن جسدها عرمرم لكن بلا مذاق. وتمنت لو أنها لم تتخلص من قميصها. قالت:”لو أغلقت عينيك لن يكون هناك فرق”.

هز جان برأسه. وتابعت المروحة السقفية دوراتها. ولامست كتفي برناديت بتيار الهواء. اقتربت من طاولة الزينة ولاحظت النقود المعدنية مبعثرة، مع علب الأفلام، وعلب السجائر. وأخرجت سيجارة وأشعلتها. كانت هناك صور بولارويد: اثنتان في صباح المدينة، والبقية من المرفأ. وانتبهت لصورة أليس بين الرمال. حملتها وقالت:”ما رأيك بها؟”.

قال جان:””ظريفة. لكنها متصلبة. جديدة العهد على الجو”.

قالت برناديت:”هي مفتونة بك. وأنا متأكدة أنك تعلم”.

قال جان:”طفلة مسكينة. عليها أن تنتسب لمدارس التعليم العالي”.

نظرت برناديت مجددا للصورة. كان ضوء الشمس يغطي شعر البنت. الرمال شاحبة وبراقة كالثلوج، والبحر بلون أزرق خفيف. واشتاقت فجأة لأن تستلقي على تلك الرمال البيض، كما لو أنها لم تشاهد ما يشبهها من قبل. ولا بد أنها ذكرت نفسها أنها واقفة خارج المشهد، وأنها من اختار ثوب استحمام البنت.

 سألته:”هل لاحظت من قبل المعنى الموجود في مضمون هذه الأشياء؟”.

ضحك جان وقال:”هل لاحظت؟. أنا من التقط هذه الصور”.

وضعت برناديت الصورة وراء البقية، وقالت بصوت هامس:”بعموم المعنى هكذا يسير العمل”.

 وامتلأت الغرفة بأشعة نفاذة. وتوجهت برناديت إلى السرير. وفكرت: مدهشة طريقة تداخل الرغبة مع الضرورة وهي تدفعك باتجاه شخص ما. وجلست على السرير ثم تمنت لو أنها ذهبت نحو الباب. وكانت تريد منه أن يطلب. وقالت لنفسها: لا بد أنه سيطلب. واستلقت قربه تحت المروحة الدوارة. وذكرتها بالمقص. ولم يتلامسا. قالت تخاطب المروحة:” والآن هل تخطط لتحصل على إيراداتك؟”.

“إيراد ماذا؟”.

“من أليس”.

و توتر ذراعاه. وسأل:”هل أنت هكذا دائما؟”.

قالت برناديت:”أنت من تخاطب أفضل شريحة من نفسيتي”.

وحضنت وجهه بيديها وقبلت فمه. وارتفع الرضاب بين حلقها وأسنانها. وتساءلت هل بمقدور جان أن يتذوق هذا الرضاب. وضغطت بطنها على بطنه وجرت قميصه نحو رأسه. تخليص إنسان من ثيابه شيء سهل - كانت تكسب قوتها من هذا العمل. وانتشرت من جان رائحة الشاطئ. وكان صدره تقريبا حليقا دون شعر. قال:”ماذا بك؟”.

وبدت عيناه صغيرتين يغطيهما الضباب. وسحبها نحو الأسفل وأصبح فوقها، وسحب سروالها الجينز.. كل ساق على حدة. وتأملت ذراعيه. شاهدت نفس العضلات الطويلة والرفيعة والشرايين التي تراها كلما حمل الكاميرا في الأيام الماضية. وتلمستها بأناملها، وصنعت على جلده أهلة صغيرة بلون أبيض. ولم يحتج. لقد امتلكته الآن، وهي موقنة من ذلك. وقالت لنفسها: هل يوجد فرق بعد الآن؟

***

لاحقا حينما مارسا الحب اختنقت الأصوات الآتية من البار، واستلقى برناديت وجان ساكنين.

قالت:”أنت تعلم أن هذه الحجرة تشبه كثيرا غرفة شهر عسلي. في نيو أوليانز”.

قال:”شهر العسل؟”.

قالت:”بالتأكيد. وهل لديك خيار آخر في السبعينات؟”.

لم يرد جان. أضافت:”كنت جميلة، وكان شعري طويلا ويبلغ طوله إلى هنا”.

واستدارت قليلا، ولامست أسفل عمودها الفقري. كان جسمها نديا. قال جان:”ولكن أنت جميلة الآن”.

قالت برناديت:”من فضلك لا تبالغ”.

ومرر جان أصبعه على خدها. قالت:”توقف من فضلك”.

“لماذا؟”.

“الجسم العجوز يكون دائما مشققا”.

سألها:”كم يبلغ عمرك؟”.

“ستة وثلاثون”.

ضحك وقال:”ثلاثة وستون. يا إلهي. أي تجارة تورطت بها”.

ولامست برناديت خدها في المكان الذي لمسه جان من لحظات. وضغطت على الجلد كما لو أنها تبحث عن بثور. قالت:”كنت مصممة منذ بلغت السادسة عشرة. وكنت أنافس العارضات في البداية. الآن أشعر نحوهن بعاطفة الأمومة”.

قال جان وهو يهز رأسه:”في السادسة عشرة”.

قالت:”الآن يبدأن من عمر أقل. أنت تعلم ذلك”.

“ولكنهن يتقدمن بالعمر مثلك. فكري كيف سيكون الحال حينها”.

“من يعلم؟. فهن يختفين فورا”.

قال جان:”بالضبط”.

وأخلدا للصمت وهما مضطجعان. وقررت برناديت أن تعود إلى غرفتها. فالهدف من أي حوار أن يحملك لمكان ما، أما هي وجان فقد التقيا وافترقا. قال:”أنت تعلمين. من الصعب أن أتصورك متزوجة”.

“كنت شبه متزوجة. لم يستمر الأمر أكثر من لمح البصر”.

”كيف انتهى؟”.

قالت:”يا للمسيح. لقد ورطت نفسي هنا بكلام لا ضرورة له”.

قال:”ولكن أخبريني”.

ضيقت ما بين عينيها وجلست على السرير. وبحثت على الأرض بأصابع قدميها عن صندل. قال جان:”لا يمكنك الإجابة على سؤال بسيط. أليس كذلك؟”.

وضعت برناديت عقد أصابعها على شفتيها. كان الباب على بعد عشر أقدام من السرير. وتمنت لو أنها ترتدي ثيابها. قالت:”أنا مضطربة”.

قال جان:”مضطربة”.

قالت:”مضطربة. كما تعلم - مضطربة؟ لا أزال أفكر بالأماكن التي عملنا بها”.

ضحك جان وقال:”أعتقد أنك اخترت الحياة الصحيحية”.

 قالت برناديت:”أعتقد ذلك”. وبحثت عن ولاعتها. وأضافت:”ألا ترى أنك تلح بكثير من الأسئلة؟”.

وأشعلت سيجارة ودخنت بعمق. وأطلقت الدخان من منخريها وسمحت له بالتدحرج من فمها. كانت تحب التدخين، وإلا كيف سيكون إحساسها بحوارات من هذا النوع.قال جان وهي تخمد عقب السيجارة في صحن رماد بشكل نصف محارة:”إذا. هل توافقت مع حسن ظنك؟. الأماكن؟”.

لوحت ذراعها نحو السقف وقالت:”بالتأكيد كانت جميلة. جميلة جدا. وهذا شيء رائع”. وأضافت:”تجولت في كل العالم. وأنت فعلت ذلك. هل أنا محقة؟”.

قال جان:”وأنا تجولت في العالم”.

شهقت، ثم زلقت قدمها في صندلها وأشعلت آخر سيجارة. قالت لنفسها: هذه للطريق. ثم قالت بصوت مسموع: ”ندمت على أمر واحد. أنني دون صور شخصية إلا فيما ندر. كل ما علي أن أصور العارضات وهن ترتدين تصاميمي”.

أومأ جان برأسه وقال:”هذا مثل التلصص على ألبوم الآخرين”.

التفتت برناديت لتواجهه. كان له وجه مليح القسمات حسب رأيها. قالت:”هذا صحيح. هذا بالضبط هو الحال”.

أطفأت ما تبقى من سيجارتها. وتمنت لو أنها غادرت قبل عشرة دقائق. وقالت لنفسها: ستتريث لنصف ساعة أخرى. استلقت على ظهرها، وجسمها قبالة جسم جان، كان كتفه حلو الرائحة قليلا، مثل شمع الشمعة. وضعت راحتها على بطنه، وعندما حاولت أن تزلق يدها غطاها جان بيده.

قال:”ما هو المكان المفضل لديك من بين كل تلك الأماكن التي زرتها؟”.

تنهدت برناديت. تعبت من الأسئلة. وعلى نحو غريب، لم تتذكر أحدا وجه إليها مثل هذا السؤال من قبل. وتساءلت هل هذا ممكن. لا بد أن أحدا سأل هذا السؤال، ولا بد أنها قدمت إجابة. وحاولت مجددا تحريك يدها. ولكن منعها جان. قالت:”أحببتها كلها”.

“هراء”.

وانتابتها فورة من الندم لأنها وجدت نفسها لا تزال هنا، وأنها وقعت في هذا الحوار. وحركت يدها وأبعدتها عن بطن جان نحو صدره. كان جلده هناك أدفأ، وأقرب للعظام. وأمكنها الشعور بقلبه النابض.

قال:”لا بد أن أحدها ترك انطباعا دائما”.

ترددت برناديت. وقالت:”نيو أورليانز. شهر عسلي”.

هل هو المكان الوحيد الذي يمكن أن تفكر به. وشعرت فجأة أنه قد تنخرط بالبكاء. وسمح جان ليدها بأن تتحرر من قبضته. واستدار على جانبه ليكونا وجها لوجه. وتلامس وركاهما. قال:”لا بد أنه مكان هادئ”. وأصبح صوته ناعما.

وتحركت برناديت لصقه. لم يمكنها أن تمنع نفسها. وضع جان يده على رأسها واحتواه وأجبرها أن تنظر إليه وقال:”هيييييي. وبماذا يذكرك هذا؟”. كان يلعب بأعصابها ويضايقها. ولاحظت سلسلة فضية رفيعة حول رقبته. قالت:” لا شيء”. وتوقف شيء في بلعومها. ولدقيقة من الوقت لم يحرك أحدهما ساكنا. قال جان وهو يجرها نحوه:”حسنا. نحن هنا. وهذه بداية”.

***

في الصباح التالي ترنحا باتجاه الكثبان، وهما مغموران بالإرهاق. كان الوقت باكرا، والضوء شاحبا وجليديا. كان يضفي لونا أبيض على الأمواج. لم يحلق جان وجهه. ولم تتمكن برناديت أن تمنع نفسها من التحديق به. كان الوقت متأخرا. وتسكع بقية الموجودين قرابة الشاطئ، ثم التفتوا نحو الرمال ليتأكدوا عما حل بهما. كان وجه العارضة غامضا في شمس هذا الصباح الباهت. وفكرت برناديت: ربما سيخمنون. ورغبت أن يفعلوا ذلك.

قالت:”شيء غريب أن نعود”.

أشار جان للمجموعة بيده وقال:”إليهم؟ أم للخلف؟”.

قالت:”كلاهما”.

في وقت لاحق من هذا اليوم سيسافرون بالطائرة إلى نيروبي. وفي صباح الليوم التالي إلى نيويورك. وبعد أسبوعين من الآن ستتابع إلى الأرجنتين. قالت برناديت:”كل شيء يتلاشى في نفس اللحظة التي تبدل بها مكانك”. ولكن من الخطأ أن تتكلم تستعمل كلمة “تتلائى” في هذا السياق. ونقل جان كاميرته من كتف لآخر. وبدأت لحيته تلمع بقطرات العرق. ثم قال وهو يبتسم لها:”شيء ما يجب أن يستمر. وإلا لن يتبقى لنا غير صور من تصميمك وبتصويري”.

لوح لهما مصففة الشعر والمسؤول عن المكياج. وتوقف البقية على الرمال بنفاد صبر وملل. كانت الأرض ناعمة ولا يصدر عنها أي صوت. قالت برناديت:”هذا لا يكفي”.

قال جان:”لا. لا يكفي”. وحاولت أن تنظر بعينيه، لكنه كان مسرعا. وفكرت لقد كان صريحا. ولكنها لم تتمكن من القفز من فوق الحوار. ورددت:”لا. لايكفي”.

وانضما للمجموعة. ونظر إليهما الجميع بحذر. واستمتعت برناديت بهذا الاهتمام بطريقة طفولية وعارية عن الخجل. ولم يمكنها أن تتذكر هذا الشعور منذ أيام المدرسة الثانوية. هناك شيء مثير في أن تكون موضع التعجب والتساؤل. أول صورة كانت لأليس وهي ترتدي قطعة واحدة سوداء قصيرة موشاة بخيوط ذهبية. وهو ما تفضله برناديت. قالت وهي تبرم خيطا شاردا:”يبدو أجمل عليك مما لو أنه علي”. كان ثديا البنت صغيرين جدا ولم يكن لبرناديت أن تخمن صدرها من ظهرها. ولم تبتسم أليس. كانت عيناها عابثتين اليوم، كما لو أنها لم ترقد أبدا. أما نيك، المسؤول عن التجميل، لم يتمكن من إضافة الظل المناسب. وقال لها وهو يضيف الكحل:”أنت متورمة”.

شخرت برناديت تقول:”متورمة.كيف سأكون بعد عشرين عاما”.

وعندما شعر نيك بالرضا، انصرفت أليس نحو حافة المياه. وأحاط بها بقية العارضات، وأدرن ظهورهن للكاميرا. ومدت أليس ذراعيها بعيدا عن كتفيها قليلا، بوضعية راقصة باليه. وعندما بدأ جان بالتصوير، رفعتهما ببطء. وقفت برناديت بجانب جان. واعتقدت أنها طفلة رفيعة، ذات جسم مضغوط بصعوبة داخل انحناءات ضعيفة وأولية. كان هناك شيء ما يستسلم في وجه البنت، شيء يمكن بسهولة تعبئته. ونظرت إلى جان.

قال:”ثبتي نظراتك. اجعليها أقسى”.

رفعت البنت ذقنها، وأصبح خط فكها الناعم واضحا. كانت عيناها لماعتين وضيقتين. نظرت إلى جان وبرناديت بنظرة حزينة وشرسة كأنها لإنسانة رأت شيئا وتعلم مسبقا أنه ليس لها. وشعر جان بالاهتمام وصاح:”يا بنوتة! أحسنت”.

وفكرت برناديت: بالفعل لقد نجحت. وربما بغضون ثلاث سنوات ستصبح مشهورة. ولن تتذكر لامو، وإذا شاهدت صورها على هذا الشاطئ ستتساءل من التقطها.

بعد الانتهاء من الصورة، تمخترت أليس نحو الماء وبدأت تتجول فيها. كانت لا تزال ترتدي ثوب الاستحمام الأسود. وهي تقف وحدها بدت مثل مراهقة على وشك أن تغطس. بعد ارتداء بقية العارضات، جاءت برناديت. كان لديها شيء تريد أن تقوله. وتجولت هي وأليس بصمت معا. قالت أليس:”أريد العودة للبيت”. وكانت عيناها محمرتين.

قالت برناديت:”أمامنا أربع وعشرون ساعة”.

“أقصد الوطن يعني الوطن”.

“أين. روكفورد، إلينويز؟”.

وافقت البنت بحركة من رأسها. وقالت:”أنا هنا مستوحشة”.

وفكرت برناديت: شيء عجيب. كيف يمكن للشابات أن تتكلمن بهذه البساطة. كم هذا الكلام سهل بالنسبة للشباب.وقالت للبنت:”نحن في أفريقيا”.

وشهقت أليس ونظرت للشاطئ. كانت الأشجار الغريبة الشكل تبزغ من خلف الكثبان. والتقط جان المزيد من الصور. كانت بقية العارضات مستلقيات على الرمال.

قالت برناديت:”لا يكون الوطن فاتنا وساحرا هكذا إن لم تكوني في إفريقيا”.

استدارت أليس نحوها، وطرفت بعينيها أمام الضوء المتوهج وقالت:”ماذا تقصدين؟”.

قالت برناديت:”أقصد بمقدورك العودة لبيتك حينما ترغبين، لا أحد يمنعك”.

وثبتت البنت نظرتها المشوشة على الأفق. كانت المياه كثيفة مثل سائل الفضة ودافئة على فخذي برناديت.

قالت:”ثم سوف تجدين نفسك في البيت”.

غمست أليس أصابعها في الماء ورسمت خطوطا مائية على طول ذراعها. وبدت دون أمل، كما لو أنها توقعت أن تسمع شيئا آخر.

قالت برناديت:”ولكن الآن باعتبار أنك تذوقت السفر. ربما لن ترغبي بالعودة”.

شعرت بلحظة من الزهو بخصوص الطريقة التي وجهت بها حياتها الخاصة. وفكرت:أنا لن أعود للبيت.

قالت أليس:”أراهن أنني لن أفعل”.

وشيء ما تراخى حول فم البنت. وبدت مرتاحة. من الصعب أن تتابع حياتك الاستثنائية والمذهلة.

قالت برناديت:”عموما يمكنني أن أسعدك قليلا”.

شهقت أليس، وتمسكت بغموضها. هي في النهاية مراهقة.

قالت برناديت:”الصورة التي انتهينا منها للتو - صورتك؟ ستكون هي الغلاف”.

تخللت البنت شعرها بأصابعها. وافتر ثغرها، وامتلأت عيناها بالدموع. وحاولت أن تكبت الابتسامة. والتفتتا نحو صخب أصوات. كان جان يهرول نحوهما برفقة نيك وراءه. فقد انتهيا من اللقطة. قال جان لبرناديت:”تلزمني واحدة منكما. أنا بحاجة لنسخة”.

ورمقت برناديت بنظرها أليس. كانت البنت تنظر للبعيد. ويداها المنداتان تتدليان على طرفيها.

قالت برناديت:”لثلاثتنا”.

وقدم جان الكاميرا إلى نيك. واقترب من جانب برناديت. ووقفت هي في الوسط بين جان والبنت. وحضنت كلا منهما بأحد ذراعيها. كان بمقدورها أن تشعر بعظام كتف أليس، هش ودافئ مثل عصفور. وأبعدت بيدها بعض الشعرات عن وجه البنت.

قال نيك:”ابتسامة لو سمحتم”.

خمدت حركات الثلاثة، واتضحت حدود المشهد لدقيقة من الوقت. ولاحظت برناديت النسمات، كان زحف الماء يغسل أصابع قدميها. وداهمتها أوجاع نوستالجيا خفيفة، وضغطت يد جان على ظهرها. وبين الثلاثة امتدت خطوط من نسيج خفيف، مثل شبكة العنكبوت. وشعرت برناديت بعاطفة جارفة لهذه اللحظة، شوق يشبه الحنين لأمر انتهى، أو شيء كان ثم اختفى. مع ذلك ها هي الآن.. هنا.

 ***

 ..........................

جنيفر إيغان Jennifer Egan كاتبة أمريكية. من أهم أعمالها رواية (زيارة من فرقة الأغبياء)2011، ورواية (شاطئ مانهاتن/)2017. وهذه القصة من مجموعتها (مدينة الزمرد/ 1996).

ترجمة صالح الرزوق / عن مجلة ناراتيف الأمريكية (السرديات الأمريكية)، عدد 2021.

 

 

2334 براين بيلستنترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

 قاموس روجـر للمترادفات

كي ينمـّي، يوسـّع، يمدّد

نتاجـَه المعجمي،

اشترى، ابتاع، استحصل روجـر

موسوعة مترادفات، قاموس تيسوروس.

 

وفي الحال، حالا، دون تأخير

لم يعد مستنفذا الأشياء التي يقولها،

يتكلمها، ينطقها، يعبر عنها، يلفظها،

يجهر بها، يعلنها، يوصلها.

 

كان كل ذلك حسنا، جيدا جدا، عظيما،

مدهشا، فائقا، رائعا،

لكن أصدقاءه، رفاقه، أصحابه وجدوه

مملا، مضجرا، مسئما، مبرما.

 

لذا فليكن ذلك تحذيرا،

إنذارا، إشارة، هاجسا،

بأنه من المستحسن جدا إظهار المعرفة،

الثقافة، التعلم، الاطلاع،

 

لكن إليك فائدة، تلميحا،

اقتراحا، نصيحة،

لا تدعه أبدا يمنعك

من أن تكون موجـِزا،

 

مختصرا، مبتسرا، واضحا، مفصحا،

محكما، مستخلصا، مقتصدا،

مكتنزا، مقتضبا، مـُقـْصرا،

بليغا.

***

................... 

* عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر) على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له أول مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار) في عام 2016 ورواية بعنوان (يوميات احدهم) في العام الحالي. يواظب بيلستن على نشر قصائده على مواقع التواصل على نحو شبه يومي.

 

 

2330 simicترجمة: صالح الرزوق


أحيانا أخرج بنزهة في آخر الليل

وأتوقف أمام حانوت جزارة مغلق.

أرى فيه ضوءا يتيما

كالذي يهتدي به المسجون ليحفر نفق الهروب.

وهناك صدرية معلقة على خطاف:

وعليها بقع الدم بشكل خريطة

قارات عظيمة  تسبح بالدماء،

وأنهار ومحيطات عريضة من الدم.

وهناك أيضا سكاكين تلمع مثل مذبح

في كنيسة معتمة

حيث يأتون بالمقعدين والممسوسين

لعلاج أرواحهم.

وتجد كذلك لوحا من الخشب يجري عليه تكسير العظام،

وكشط اللحوم: النهر يجف ويتحول إلى حوض

كالسرير الذي أتناول طعامي عليه،

حيث يتناهي لمسامعي، إذا جن الليل، الصوت الهامس.

***

.....................

من مجموعته: فندق الأرق. وشارلز سيميك شاعر أمريكي من أصل صربي. حائز على البوليتزر عام 1990. آخر أعماله (حياة من صور / 2015).

 

 

ترجمتها عن البولندية:

مريم لطفي


ألحمد لله

لكلِ ضربة حظ

لكلِ حصاة

لدموعِ العنبر

شكرا لك يارب

لألوان قوس قزح

لقطرات الندى

لضباب الصباح

شكرا لك يارب

لسنبلة الحياة

للخبز اليومي

هدية الحب

شكرا لك

للقمر والشمس

للجبال والبحار

لكل النعم

الهي شكرا لك

أجد معنى الحياة فيك

أنت قوتي

ألامل

أسعى معك خلال حياتي

أنت دليل لايقدر بثمن

نور الروح

رغم إني لااراك

أستطيع أن أشعر بوجودك

قلبي يرفرف من الفرح

شكرا لك على كل شئ

حمدا لك

.................

Dziękuję Panie

za każdy łut szczęścia

za każdy kamyczek

za bursztynowe łzy

Panie dziękuję Ci

za barwną tęczę

za krople rosy

za poranne mgły

Panie dziękuję Ci

za życia kłos

chleb powszedni 

miłości dar

dziękuję

za księżyc i słońce

za góry i morza

za wszystkie łaski

dziękuję 

w Tobie sens życia znajduję

jesteś moją siłą

nadzieją

z Tobą przez życie mknę

jesteś bezcenną wskazówką

światłem duszy 

chociaż Cię nie widzę

obecność czuję

moje serce z radości drży

za to wszystko dziękuję

dziękuję Ci

.....................

الشاعرة :آنا انطونيتا شاعرة وكاتبة بولندية تكتب الشعر والقصص القصيرة للاطفال،تتناول موضوعاتها باتقان فهي عاشقة للطبيعة ،مقرة بوحدانية الله ،تشعر بالامتنان لله على كل شئ وهذا ماانعكس جليا على قصائدها التي تتوج فيها شكرها لله ذاكرة كل النعم،اسلوبها سلس،رقيق ،مفعم بالمفردات الانسانية الراقية.

 مريم لطفي

 

2331 كلود استيبانCLAUDE ESTEBAN

ترجمة: أحمد بن قريش


 

أأكون شخصا

ينظر لنفسه ترحل

 

و لا يجد بجانبه

ما عدا الغبار، أفقدت

 

أثر الشمس،تعود جملة كانت

دليلي منذ الفجر

 

بالأمس، أنزل، أتمدد

على حجر

 

المعجزة

كانت في انتظاري، هذه الحدائق

 

كنت أظنها فسيحة، ضحكة

النسوة في الأصياف

 

أأكون من يتمنى فقط

أن يتركه جسده

و تهجره الكلمات في الصباح.

 

"الموت عن بعد" غاليمار 2007

2

السماء

أفقية

طير على خيط حلم غير مرئي

كل شيء في ابتعاد رهيب عنا

مناظر لامعة،

سفن مقيلة من الزمن

ــ جروح

سأمحو حتى صوتي من صفحة النهار

 

من وراء السياج الأحمر

نود لو نعيش ونشيخ

طويلا  نكون

دون فزع، بقليل من الشوق

وما عدا كلام الشجر فينا

حديث في النسخ والمزيد

ثم  محرك الساعات الثابت

ثم الموت كقشرة مبللة،نكون هناك،

بعيوننا المنفتحة، لو نحي فقط

من وراء السياج الأحمر

***

كاتب و مترجم من الجزائر

........................

* كلود استبان من ديوانه "محو النهار" ـ منشورات قاليمار2006

** كلود استيبان (1935- 2006): شاعر فرنسي و مترجم و ناقد فني. حوالي أربعين كتابا. ترجم ل أوكتافيو باز وبورجيس وغارسيا لوركا. حائز على جائزة جونكور للشعر عام 2001

 

 

 

صالح الرزوقواين كونولي

ترجمة: صالح الرزوق


لم أحب أمستردام أبدا. كانت تبدو لي دائما مكانا ضيقا، تناسب خيبات الأمل وليس الغرام. وأول مرة زرتها كان لقضاء عطلة الأسبوع مع أغاثا بعيدا عن مكان العمل والعائلة. كنا التقينا في مؤتمر في مسقط رأسها وهو مدينة بودابست قبل بضعة شهور، وتوقعنا أن أمستردام ستقدم لنا ملجأ مناسبا. ولكن تصادف يوم وصولنا مع يوم عطلة وطنية. وكانت الموسيقا تعزف في كل زاوية والشوارع مزدحمة بالشباب الذين يرقصون ويشربون. وفي نهاية الأمسية أينما ذهبنا كنا نمر بين كؤوس بيرة من البلاستيك ولفافات وجبات سريعة. وكان الشعور بالعجز وتقدم العمر يغمرنا. وفي إحدى الساحات ترنح صبي باتجاهنا، وكان بعمر يقارب عمر ابني، ولوح بعلبة هاينكين أمام وجهينا وقال:”ماذا تفعلان هنا؟. يبدو أنكما محترمان”. ثم ضحك وابتعد.

وفي اليوم التالي كانت المدينة هادئة. والأرصفة فارغة ولكن تستطيع أن ترى بقايا الأمس في المنعطفات والأزقة. وفي سوق مفتوح اشتريت لأغاثا لوحة نصف تجريدية تمثل باقة من الزهور. وكلفتني أكثر مما أطيق. ولاحظت مباشرة أنها لم تعجب بها. قلت:”من المفروض أنها توليب. أليست هي الوردة الوطنية المفضلة في هنغاريا؟”. قطبت ملامحها قليلا وقالت:”لم أشاهد توليب بهذا الشكل من قبل. لا هنا ولا في هنغاريا”.

2305 connollyوتابعنا التجوال دون خطة طوال المساء، وبدأ الطقس يتبدل. واجتمعت الحشود مجددا واتجهت نحو الساحة الرئيسية. وفي هذه المرة كانوا بالأغلب من الشباب ويحملون الرايات الحمر والبيض، وهم يغنون ويهزجون ويطلقون الألعاب النارية. وتذكرت أنني سمعت أن فريق نادي أجاكس فاز بالبطولة في الأمسية الماضية. وبدأت الاحتفالات بصوت أعلى. قلت:” يبدو كأن أيام كرايوف عادت”. ردت أغاثا بنظرة فارغة.

انسحبنا من الصخب وأسرعنا بالابتعاد عن الساحة باتجاه شوارع سكنية هادئة. وتوقفنا بمحاذاة القناة واتكأنا على السور الحديدي، وراقبنا شمس الغروب وهي تسطع على الماء وتلمع على علب البيرة المعدنية ولفافات الطعام. ومرت من جانبنا فتاة صغيرة، وهي تدفع دراجة هوائية بسلسلة مكسورة. كانت صغيرة بشعر أسود، وسروالها الجينز ملوث ببقع من الزيت. وتوقعت أولا أنها تمر بمحنة، ثم انتبهت أنها تبتسم لنفسها، دون أي اهتمام بصوت الحشود القريب. وكانت تفيض بالسعادة.

التفتت أغاثا نحوي وقالت: ”آسفة. يبدو أنني أحببت لوحتك. أنت إنسان لطيف ومهذب. ولكن لا أعتقد أنه يجدر بنا أن نلتقي مجددا. اذهب إلى غلاسغو وانس أنك أتيت إلى هنا. هذه المدينة للشباب. انظر”. وأشارت بأصبعها للبنت التي تبتعد. وأردفت:”إنهم شباب وأحرار وسعداء. ويمكنهم أن يفعلوا أي شيء. ولكن أحيانا ثمن الحب أعلى من إمكاناتنا”.

***

...........................

 

واين كونولي Wayne Connolly: كاتب إسكوتلاندي، وموظف مكتبات متقاعد، يحمل إجازة بالأدب الإنكليزي. الترجمة من موقع دار النشر الإسكوتلاندية Thi Wurd

 

 

بهجت عباسأوقات من يواقيت

سامي العامري

ترجمة بلغتين: د. بهجت عباس

Zeiten von Rubinen

Sami Al Amiri

Übersetzer: Bahjat Abbas

Deutsch

Unser Leben ist Spannung, Anziehung und Ruhe:

Für mich ist es ein Witz mehr als viele Witze.

**

Aber ich vergesse keinen Moment,

der machte aus dem, was kommen wird, Erinnerungen.

**

Sie schaufelten mich zu dem, was ich nicht weiß,

Und du weißt es nicht und das Leben weiß es nicht.

**

Mein Kelch war voller Wein,

Wie ein überfülltes Boot mit süßem Wasser.

**

Ich trinke um aufzuwachen oder

Die Sorge meines Lebens übertraf alle Liköre.

**

Wir alle sinken mit ihren Illusionen

Wir alle brechen die Flöte der Leidenschaft.

**

Wir alle verzichten auf den Geburtstag.

Jeder schafft aus ihm mehrere Menschen.

^^

Der Falke geht weiter zu seiner Verleugnung

Beschwörend, dass die Spatzen die Täter sind.

**

Aber das Herz, das ich trage,

Sah den Unterschied, Dattel wie Kern?

**

Es sah Falschheit in der Zustimmung der Menschen.

Es sah Hoffnungen als gekaufte Welt.

**

Es kehrte ohne minimale Hoffnung zurück,

Wie Kneipe ohne Freund und Kellner.

**

Flüsternd ins Ohr, vom dem es faszinierte.

Mit Buchstaben, deren Wirkung wie die Wirkung des Gebets ist.

**

Gleichgültig, mitten in der tobenden Welle,

Der Tod ist für mich und Überleben  ist für die Hoffnungslosigkeit!

..........................

English

Times from Rubies

Sami Al Amiri

Translator: Bahjat Abbas

Our life is tension, attraction and rest:

For me it's a joke more than a lot of jokes.

**

But I do not forget a moment,

That made memories, from what will come.

**

They shoveled me towards what I do not know,

And you do not know and life does not know.

**

My goblet overflowed with wine

Like overflowed boat with sweet water.

**

I drink to wake up or

My life’s concern surpassed all liquors.

**

All of us sink with their illusions

All of us break the passion’s flute.

**

All of us abstain from the birthday.

Everyone creates from him several people.

^^

The hawk goes on its denial

Swearing that the sparrows are the culprits.

**

But the heart that I carry

Did the difference, dates as core?

**

It saw falsehood in people consent.

It saw hopes as a bought world.

**

It returned back without any minimum hope,

Like a pub without a friend and waiters.

**

Whispering in ear of whom it fascinated.

With letters whose effects are as prayer’s effect.

**

Indifferent, middle of the raging wave,

Death is for me and survival is for hopelessness!

27. 12 . 2020

..........................

سامي العامريأوقات من يواقيت

عيشُنا شدٌّ وجـــذبٌ فسباتْ

نكتةٌ عندي ولا جيشُ نكاتْ

 

غير أني لست أنسى لحظــــةً

جعلتْ ما سوف يأتي ذكرياتْ

 

جرفتْني نحـــو لا أدري ولا

أنت تدرين ولا تدري الحياةْ

 

طفحت كأسيَ بالخمر كمــــا

طفحُ الزورقُ بالماء الفراتْ!

 

إنني أسكرُ كـــــي أصحوَ أو

فاق هَمُّ العمر كلَّ المُسكِراتْ

 

كلنا يغرق فــــي أوهامهِ

كلنا يكسر ناي الصبواتْ

 

كلنا يضربُ عــن ميلادهِ

كلنا يخلقُ من ذاتٍ ذواتْ

 

يتمادى البازُ في نكــــرانهِ

مُقْسِماً أنَّ العصافيرَ الجناةْ

 

لكنِ القلبُ الـــذي أحملهُ

شاهدَ الفرقَ، أتمرٌ كنواةْ؟

 

شاهد الزورَ لدى الناس رضاً

شاهَــــــدَ الآمالَ دنيا مُشتراةْ

 

فانثنى من غير أدنى أملٍ

مثل حانٍ دون خِلٍّ وسُقاةْ

 

هامساً في أذن مـــــن تيَّمَهُ

بحروفٍ فعلُها فعلُ الصلاةْ

 

لا أبالي وسط موجٍ هـــادرٍ

فليَ الموتُ ولليأسِ النجاةْ !

          ***

سامي العامري

................................

* القصيدة هذه كتبتها في منتصف العام 2020 ولا أدري بالضبط أي شهر وأي يوم

(1) عنوان قصيدتي هذه (أوقات من يواقيت) هو نفس عنوان مجموعتي الشعرية القادمة.

(2) أنا بالطبع أحسن الألمانية فأنا مقيم في ألمانيا منذ 37 عاماً والإنكَليزية التي تعلمتها في العراق وتوسعتُ بها لاحقاً وأقرأ بهاتين اللغتين في بعض الأحيان ولكن الشاعر والمترجم د. بهجت عباس المقيم حالياً في كندا سبق له وأن عاش في ألمانيا سنوات عديدة ودرس فيها ثم إنه يتقدمني في السن لهذا أحترم خبرته في اللغتين وأثق بها علماً أنه ترجم لي قصيدتي الأخيرة (مطربة الحي) إلى الألمانية والإنكليزية أيضاً وسبق له وأن ترجم لي مشكوراً قصيدة كتبتها في ليلة إعدام الدكتاتور العراقي وأتمنى استمرار التعاون فهذا هو مشروعي الحالي ألا وهو إصدار كتابين شعريين مترجمين إلى الألمانية والإنكليزية تارة بترجمة الأستاذ بهجت عباس وتارة بترجمتي إذا وافق وسأعرض عليه ترجماتي قبل الشروع بنشرها، أقول هذا لأني لا أريد إرهاقه بترجمة مجموعتين شعريتين كل منهما يتكون من 100 صفحة تقريباً.

 

 

صالح الرزوقكايت ماكلين

ترجمة: صالح الرزوق


 

 هناك لوحة قرب القناة في شمال غلاسغو. كتبعليها: ”واحة المدينة”. عبرنا من فوق الأعشاب معا، وجلسنا على مقعد. كان هناك اثنان يربطان قاربهما، ويشربان البيرة والشمس تغمر ما تحتها.

مكان رائع. لكن لا يمكن أن تقول إنك ستعيش هنا.

لم لا؟.

حسنا هذا المكان قريب جدا من الشارع.

وأردفت: و الجرذان.

أنت وأنا دائما نتكلم عن الجرذان.

وحينها ظهر رجلان. أحدهما شاب نحيف. والآخر أصغر بالحجم وأكبر بالعمر. وجلسا في قارب. وأغلقا بابه وراءهما.

هل تعتقد أنهما سيمارسان الجنس؟.

هززت رأسي وأنا أفكر بالموضوع أيضا.

سألت: لماذا يحمل ذلك الكيس من الشطائر.

2303 كيم ضحكت ولكن لم ترد. والآن أفكر بالحب السري. لماذا نتستر عليه. ألا يحمل الناس معهم أسرارهم. أسرار الآخرين والأسرار الشخصية. حينما يبلغ الإنسان 30 عاما يصبح كأنه موظف بدوام كامل لأنه يتعين عليك أن تحمل أسرارك معك. ولا يمكن أن تغادر البيت دونها.

كنا آنذاك أنا وأنت في أمستردام. هل هي أمستردام؟. وكل ما بقي في الذاكرة هو القناة.

غيوم حارة بيض، ولكن كنا نستعد لتلقي الرذاذ. هذا كل ما تفهمه حينما تعيش مثلنا. وقفنا على الجسر نراقب فرقة من الشباب الصغار. كانوا يتخلون عن قمصانهم ويقفزون في المياه. وهذا شيء سيندمون عليه في الصباح، ولكن هناك على الجسر يوجد شيء للمشاهدة. وكنت أقف بقربك.

قال أحدهم: إنهم يجرون من القناة جثث أموات.

ضحكنا. وأغلقت عيني لثانية.

فكرت: حاول أن تتذكر هذه الدقيقة. أنت لست بحاجة لصورة لتتذكر.

مرة قلت لي: أفضل شيء فيك الظهور بالوقت المناسب.

والحقيقة أنه شيء كنت دائما أتعب وأكد من أجله. في بعض اللحظات يغيب عن عينيك أشياء لا تستطيع أن تتذكرها حينما تنظر للوراء. ترى فقط الأشكال العائمة. الخطوط العامة.

وأنت تحاول أن تتذكر ذلك الآن. وأنت جالس على ضفة قناة غلاسغو. عد بذهنك إلى أمستردام. وتمهل فوق الجسر وانظر. 

كايت ماكلين Kate McAllan فنانة بصرية وكاتبة مولودة عام 1990 في غلاسغو. تعيش وتعمل في إدنبرة. أسكوتلاندا.

***

............................

الترجمة من موقع دار النشر الإسكوتلاندية Thi Wurd.

 

 

فتحي مهذبO heaven, my eternal sister.

مع ترجمة بقلم: د. يوسف حنا فلسطين.


أنا والسماء

كنا شقيقين سعيدين في العالم

نتقاسم الملابس ذاتها

فضة الخيال المترامي

معاطف فلاسفة اليوطوبيا

الصعود معا في باص الملائكة

نجوب الأمكنة المطلقة

اللانهايات الأثيرة

نلبس مطرزات النجوم اللامعة

نتقاسم السرير المصنوع من الهواء الخالص.

ولنا أرجوحة أبدية قدت من حبال المخيلة

نهرعُ إليها كلما هاجَمَنا الفراغ

بمسدسه الأشيب الحزين

نلهو معا بعذوبة لا متناهية

لا نفكر في علل الأشياء

ولا نصغي لزئير الضباب القادم

من رؤوس الكواكب.

لا نفكر في رقصة عربة الأموات

ومخالب المعزين البرونزية

أو تلك الحفرة القذرة

التي تبتلع الجثامين ببرودة دم.

لا نفكر في الخرادق التي يطلقها النسيان على الرهائن .

نذهب معا إلى دار الأوبرا

بدلا من شطائر البيتزا

نأكل الموسيقى بملعقة نادرة للغاية

نضحك كلما رأينا طائرة

تقترب من مدارنا الوسيع

كأنها حمامة متجمدة في الجو

تزورنا صحون طائرة

تعبر رأسينا على أطراف هواجسها

كلما عطشنا نشرب من نور القمر

وفي آخر الليل

نقرأ بريد الفلكيين بأعين دامعة

العالم شاسع والحقيقة طويل سلمها.

كلما رأينا طائرا يتخبط

قلنا: هذا شاعر فر من المذبحة

كلما سمعنا أزيز الرعد

قلنا: جيراننا من مجرات مجاورة

ينادوننا لحضور الوليمة.

أنا والسماء

كنا شقيقين جميلين

نلعب بالصواعق والنيازك

نلعق حليب الشمس

وعلى حبل الجاذبية

نعلق شريط ذكرياتنا الطويل

ولنثرنا اليومي طعم الأناناس.

لكن ذات جرح

بينما كانت السماء نائمة

منهكة جدا

بعد يوم من الرقص الجنوني

إختلست حقيبة الله

وهبتها للشيطان مقابل حصتي من الأبدية

غير أن الله طردني

ضاربا مؤخرتي بجزمته القديمة.

لا تحزني يا سماء

قريبا ستنام روحي بجوارك

على سرير بالغ النعومة والبهاء.

***

بقلم فتحي مهذب تونس

..............................

O heaven, my eternal sisterيوسف حنا

By Fathi Muhadub / Tunisia

From Arabic Dr. Yousef Hanna / Palestine

Heaven and I

Were two happy brothers in the world

We shared the same clothes,

Silvery sprawling imagination,

The Coats of Utopian Philosophers,

Taking together the bus of angels,

Going through the absolute places

Eternal infinities.

We wear bright star embroideries

We share a bed made of pure air

And we have an eternal swing made of the ropes of imagination.

We rush to it whenever the void attacks us

With his sad gray pistol

Have fun together with infinite sweetness

Do not think about the causes of things

And do not listen to the roar of the coming fog

From the planets' vertices.

We do not think of the dead chariot dance

And the bronze claws of the mourners

Or that dirty hole

Which swallows the dead bodies with cold blood.

We do not think of the buckshot that Oblivion shoots the hostages with.

We go together to the opera house

Instead of pizza sandwiches

We eat music with an extremely rare spoon.

We laugh whenever we see a plane

Approaching our wide orbit

As if it was a frozen dove in the air.

Flying saucers visit us

Crossing our heads at the fringes of its obsessions.

Whenever we thirst, we drink moonlight

And at the end of the night

We read astronomers ’mail with tearful eyes

The world is vast and the ladder to truth is so long.

Whenever we see a bird wandering

We said: This is a poet who fled the massacre

Whenever we heard the roar of thunder

We said: Our neighbors are from neighboring galaxies

They call us to attend the feast.

Heaven and I

Were two beautiful brothers

We play with thunderbolts and meteors

We lick sun milk

And on the rope of gravity

We attach our long memories lane

And our daily prose has taste of pineapple.

But one day of wound,

While the sky was sleeping,

Too exhausted

After a day of crazy dancing,

I embezzled the bag of God

And granted it to Satan in exchange for my share of eternity

However, God expelled me

He hit my ass with his old boots.

Do not be sad, O heaven

Soon my soul will sleep next to you

On a very soft and pompous bed.

***

 

 

بهجت عباسللشاعر الألماني هاينريش هاينه

 (1797-1856)

ترجمة: بهجت عباس


الترجمة نثراً

لا أدري لِمَ هذا الحزن

يسيطر على قلبي

أسطورة من عهد ماضٍ

اجتاحتني وهي ليست من خلدي

 

النسيم بارد وقد أخذ الظلام بالهبوط

والراين ينساب بهدوء

تتلألأ قمة الجبل

من شعاع شمس الغروب

 

تجلس الفتاة الأكثر جمالاً

بروعة هناك عالياً

وتلمع حليّها الذهبية

وهي تمشط شعرها الذهبيّ

 

تمشّطه بمشط من ذهب

وتغنيّ أثنـاءّ ذلك أغنية

وكان لها نغم

مدهش عظيم

 

الملاّح على ظهر قاربه الصغير

سيطر عليه ألم شديد

لم يبصر الصخور في الأسفل

ولكنه ينظر إلى الأعلى

 

أعتقدُ أن الأمواج ستبتلع

الملاّح وقاربه معاً في النهاية

وهذه بغنائها

صنعت اللورَلايْ.

***

الترجمة شعراً مُقفّى

لست أدري لِـمَ هذا الحزن يجتاح فـؤادي

هي أسطورة عهد قد تمـادى فـي البِعـــادِ

هي ليست بنتَ أفكـاريَ كيْ أُحْـني لهـــا

هامـتي قسراً فأمسي فـي هـمـوم وسُهــاد

 

النسيـمُ العـذبُ فــي مسراه يـُمـسي بـارداً

في هبوط الليل و"الرايِـنُ) نشوانُ طروبْ

تـتـلالا قــمّـةُ الطَــوْدِ عــلـى أعــطــافــهِ

مــن شعـاع الشمس فــي وقـت الغــروبْ

 

 وفـتــاةٍ فـاقـتِ الشَّـمـسَ بـهـــاءً وسَـنـــا

هـيَ حـوريّــةُ بَـحــرٍ فـي أعـالـي القِـمـمِ

فـي يـديـها حِـلــيــةٌ مــن ذهـبٍ لامــعــةٌ

تمشُط الشَّعـرَ كـثـيــفــاً ذهــبــيّ الـلِــمَـمِ

 

تَـمـشُـط الشَّـعــرَ بمـشـطٍ لامـــعٍ مـــنْ ذهــبٍ

وتـغـنّــي بـرقـيـق اللحـن فـــي دنـيــا الجـمـال

لحنُـها يسحــر مَــن يُصغــي لــه مِـنْ شجـــوهِ

نــغــمٌ يأخـــذ بالــروح إلــى أفـــق الخـــيــال

 

يـا لهــذا القـاربِ السّادرِ فـــي نــهــر الهــوى

ولِـنوتـيٍّ تَــولاّه مــن الدنـيـــا شـديـــدُ الألـــمِ

لا يـرى مــا تحـتــه مـن خطــر الصَّخــر ولا

يــرهـب المـوتَ فـيـرنـو نحـو أعلــى الهــرمِ

 

فـي اعـتـقـادي: هـذه الأمـواجُ تغـدو نهـمَــةً

تـبـلـعُ النّـوتـيَّ والقــاربَ مـن غـيـر اصطبـارِ

هكــذا الحـوريّــةُ الحسناءُ فــي أنـغـــامـهــــا

صنـعتْ أسطورةَ "اللورْلايْ" مِـن مـاءٍ ونـارِ

                       ***

............................

(ابتدع الشاعر الألماني كليمنس برنتانو عام 1801 قصة من وحي الخيال عن صوت الصّدى الذي يُسمع عند  الصخرة لورَلايْ (لوريلي) – على ضفة نهر الراين في ألمانيا، على أنّه صوت امرأة شرّيرة ولكنها فائقة الجمال تغنّي للملاحين وهم في طريقهم إلى الهلاك، فسمّى هذه المرأة لورَلايْ.

وأتى من بعده الشاعر الألماني هاينريش هاينه فكتب قصيدة عام 1824 أسماها (لورَلايْ Lorelei) بأثارة وتشويق، فبالغ في جمال المرأة الشريرة ووصفها بأنها تجلس على جرف فوق نهر الراين وتمشط شعرها الذهبي وتجذب البحارة من غير قصد للنظر إلى جمالها وأغنيتها الرائعة ، مما يسبب لهم حادثَ تحطّمٍ على الصخور... ويكيبيديا)

.........................

النصّ الألماني

Lorelei- Heinrich Heine (1797-1856)

 

Ich weiß nicht, was [soll es]1 bedeuten

Dass ich so traurig bin;

Ein Märchen aus alten Zeiten

Das kommt mir nicht aus dem Sinn.

 

Die Luft ist kühl und es dunkelt,

Und ruhig fließt der Rhein;

Der Gipfel des Berges funkelt

Im Abendsonnenschein.

 

Die schönste Jungfrau sitzet

Dort oben wunderbar,

Ihr goldnes Geschmeide blitzet

Sie kämmt ihr goldenes Haar.

 

Sie kämmt es mit goldenem Kamme

Und singt ein Lied dabei;

Das hat eine wundersame

Gewaltige Melodei.

 

Den Schiffer im kleinen Schiffe

ergreift es mit wildem Weh,

Er schaut nicht die Felsenriffe,

Er schaut nur hinauf in die Höh.

 

Ich glaube, die Wellen verschlingen

Am Ende Schiffer und Kahn;

Und das hat mit ihrem Singen

Die Lorelei getan.

 2231 لورلاي

الصّخرة الجبّارة لـورَلاي على نهر الراين

 

 

عادل صالح الزبيديمارك ستراند

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


في حقل

أكون غياب

الحقل.

هذه هي

الحال دائما.

أينما أكون

فأنا الشيء المفقود.

 

حين امشي

افلق الهواء

ودائما

يدخل الهواء

ليملأ الفراغات

التي كان جسمي يشغلها.

 

كلنا لدينا

أسباب للحركة.

أنا أتحرك

كي احتفظ بالأشياء مجتمعة.

***

..................

مارك ستراند: شاعر وكاتب مقالات ومترجم أميركي من مواليد كندا عام 1934، تلقى تعليمه في كندا والولايات المتحدة وايطاليا، ألتحق عام 1962 بمشغل كتاب ايوا ليحصل بعدها على درجة الماجستير في الفنون. عمل ستراند ومازال في التدريس الجامعي ونشر إحدى عشرة مجموعة شعرية، فضلا عن ترجمته أعمالا للشاعرين رافائيل البرتي و كارلوس دراموند دي آندراد وشعراء آخرين. انتخب في 1981 عضوا في الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، ونال شعره جوائز عديدة لعل أهمها جائزة البوليتز عام 1999 عن مجموعته بعنوان (زوبعة ثلجية لأحدهم). من عناوين مجاميعه الشعرية الأخرى: (النوم بعين مفتوحة واحدة) 1964، (قصة حياتنا))1973، (الساعة المتأخرة)) 1978، (مرفأ مظلم) 1993، و(رجل وجمل) 2006.

 

 

بهجت عباسللشاعر الأمريكي والت ويتمان (1819-1892)

ترجمة: بهجت عباس

(مع فيديو قراءة الترجمة باللغة العربية وآخر للقصيدة باللغة الإنگليزية)

أوه يا قُـبطانُ! يا قُـبطاني! لقد انتهتْ رحلتنـا الرّهيبة،

فقد اجتازتْ سفينتـنا كلَّ عقبـةٍ، وأُحرزَ الهدفُ الذي ابتغيناه،

المينـاءُ قريبٌ، إنني أسمع الأجراسَ، الناسَ أجمعَ يهلّلون،

بينما أعيـُنٌ تَـتَـبَّـعُ الرافـدةَ الثّـابتةَ، تتقدّم السَّفينـة

متجهِّـمةً جريئـةً :

ولكنْ، آه يا قلبُ، يا قلبُ، يا قلبُ!

آه القَطـراتُ الحُـمـرُ النّازفـة،

حيث القبطانُ يضطجع على سطح السَّـفينـة،

ساقطـاً بارداً وميِّـتاً .

 

آه يا قـبطانُ! يا قـبطاني! انهضْ واسمعِ الأجراسَ

انهضْ- لك تُـنَكَّـسُ الرّايةُ- لك يرتعش صوتُ البوق،

لك باقاتُ الأزهارِ والأكاليلُ الموشّحة ولك تَجَـمهُـرُ

السّواحل،

إيّـاكَ ينـادون، الحشدُ المُتـرنِّحُ، أوجهُهم المُتَحمِّسة

تدورُ ؛

هنـا، يا قبطانُ! أيّها الأب الغالي!

هذا الذراع تحت رأسك!

إنّه بعضُ حُلمٍ، ذاك الذي على ظهر السّفينـة،

سقطتَ بارداً وميِّـتاً .

 

 قبطاني لا يُجيبُ، شفتـاه باهـتتـانِ وساكـنتـانِ،

أبي لا يُحِـسّ ُ بذراعي، لا نبضَ فيه ولا حَـولَ،

رست السَّفينـةُ سالمةً ومُجلجِـلةً، أُغلقتْ رحلتُهـا وأُكمِلتْ،

من رحلة رهيبـة أتت السَّفينـةُ المنتصرة مُحرزةً الهدفَ ؛

هلّلـي يا شواطئُ، دقّـي يا أجـراسُ!

ولكنّي بخطىً كئيـبةٍ

أسير على ظهر السَّفينة حيثُ قُـبطاني يضطجع،

ساقطاً بارداً وميِّتاً.

***

..................

 

O Captain! My Captain!

O CAPTAIN! my Captain! our fearful trip is done,

The ship has weather'd every rack, the prize we sought is won,

The port is near, the bells I hear, the people all exulting,

While follow eyes the steady keel, the vessel grim and daring;

         But O heart! heart! heart!

         O the bleeding drops of red!

         Where on the deck my Captain lies,

         Fallen cold and dead.

 

O Captain! my Captain! rise up and hear the bells;

Rise up--for you the flag is flung--for you the bugle trills,

For you bouquets and ribbon'd wreaths--for you the shores crowding,

For you they call, the swaying mass, their eager faces turning;

         Here, Captain! dear father!

         This arm beneath your head!

         It is some dream that on the deck

         You've fallen cold and dead.

 

My Captain does not answer, his lips are pale and still,

My father does not feel my arm, he has no pulse nor will;

The ship is anchor'd safe and sound, its voyage closed and done,

From fearful trip the victor ship comes in with object won;

         Exult, O shores! and ring, O bells!

         But I, with mournful tread,

         Walk the deck my Captain lies,

         Fallen cold and dead.

 

فيديو باللغة العربية

أوهٍ يا قبطان، يا قبطاني ⚓️ القصيدة | BDM - YouTube

فيديو القصيدة باللغة الإنگليزية مع الترجمة العربية

!آهِ يا قُـبطانُ! يا قُـبطاني/والت ويتمان/ بهجت عباس - YouTube

 

 

صالح الرزوقموريا دايان كوديش

ترجمة: صالح الرزوق


 نعم، يا إلهي. نعم يا إلهي.

في وسط الحقل، ليس بعيدا عن حدود غزة، كان غاي، الملتاع والثائر، يحترق من أعماقه. ووقف قربه المنسق الأمني الذي يمثل الجيش، وسيارة جيب عسكرية، وسيارة إسعاف خرج منها مسعف وطبيبة شابة، ومعهم سكرتير الموشاف. وبدأ المسعف، وهو رجل أرثوذوكسي بحوالي الثلاثين من العمر، باستلام زمام النقاش.

قال:”أنت يا بني. نرغب أن ترافقنا لإجراء اختبارات والتأكد أن كل شيء على ما يرام”.

كان غاي مستلقيا على الأرض. يتقلب على التراب وينوح مناجيا ربه، لكنه لم يرد على المسعف. قال له:”عليك أن ترافقنا ياصاحبي. الصاروخ سقط للتو ويجب أن نتأكد أنه لم يضرك بشظية، لا سمح الله”. لم يرد غاي أيضا.

اقتربت الطبيبة الشابة من غاي، وشعرها يتدلى بشكل ذيل حصان طويل، ولمسته برفق، وسألته:”هل كل شيء على ما يرام؟”. نظر غاي إليها، وعيناه يغشاهما الصور الباهتة. وفمه يبتلع التراب. ثم ألقى نظرة عميقة على الجميع قبل أن يدفنها بالأرض مجددا.

قالت الطبيبة للمسعف:”لا بد أنه يعاني من رضة وقلق ما بعد الهجوم. وهو بحاجة لرعاية فورية. الدقائق التالية لأي حادث هي المعول عليها”.

2290 موريا دايانولم يعجب المسعف أن يتلقى التعليمات من الطبيبة الشابة التي لا تزيد بعمرها عن عشرين عاما. ثم هي لا تضيف لمعلوماته شيئا. لم يكن متحمسا منذ البداية للقيام بهذه المهمة، وجاء رغما عنه، ودون أي معلومات عن الحالة. كان بوسعه أن يعالج الجروح الجسدية، ولكن هذا الصبي يعاني من مشاكل نفسية خطيرة أيضا. واتسعت الحلقة حول غاي وتحولت لأنشوطة تخنقه. بالإضافة لهيفتز صاحب الحقل، هناك سكان الموشاف، وطاقم الإعلام، وسيارات الشرطة وطبيبة الصحة الذهنية في المدرسة والتي استدعيت من بيتها الكائن في محلة مجاورة. ثم والد غاي، لسوء الحظ.

اقترب وبطنه تهتز أمامه وهو يصيح:”غاي، غاي. ماذا أصابك يا غاي؟. ماذا تفعل؟ انهض يا بني”.

و لم يقف غاي على قدميه ولم يصرف أنظاره. ولم يرد على كلام والده، ولا حتى حين هدهده بعناية فائقة، ولا عندما هزه بنوبة من الخوف كما لو أنه يشاهد عفريتا، ولا عندما رافق الأب الشرطة والإسعاف بعيدا عن الحشد وهو يلوح بذراعيه بعنف ويصيح:”سوف أقاضيكم! سوف أقاضيكم، أيها المرضى الحمقى. كيف يمكنكم أن تجروني بعيدا! كرامة لله، الا ترون أن ابني جن!”.

كان المسعف يبدو مصدوما وهو ينظر من الزاوية بانتظار شخص آخر ليمسك بالزمام. وقرر ناتان، أحد ضباط الشرطة، أن يفرض سطوته. فقال للمسعف:”ما هي المشكلة؟ لماذا لا يصعد الولد إلى الإسعاف”.

رد:”ألا ترى أنه يتكلم مع اللــه”.

سخر ناتان قائلا:”ألا يمكنه أن يتكلم معه وهو في الطريق إلى المستشفى؟. هيا بنا نرفعه إلى السيارة”. وتابع بلغة متسلطة:”سأباشر العد. حينما أبلغ رقم ثلاثة، سنرفعه معا. كل واحد منا يجره من ساق”.

واتخذ ناتان والمسعف وضعا قرب رأس غاي، ووقف هيفيتز وضابط شرطة آخر عند قدميه. ولكن تابع غاي تأتأته المتلعثمة.

صاح ناتان:”واحد، اثنان، و.... ثلاثة!”. ومد الرجال الأربعة أيديهم نحو أطراف الصبي. ولبث غاي جامدا أول الأمر. ولكن ما أن فارق الأرض، حتى أطلق صيحة تجمد الدم وأفلت هيفيتز الساق التي قبض عليها.

صاح ناتان:” أمسكه! هيا أمسكه! ولنتابع نحو سيارة الإسعاف”.

وحاول هيفتز أن يقبض على ساق غاي، وكانت ترتفع وتنخفض بسرعة البرق. واقترب ثلاثة آخرون ليشتركوا في جر غاي. ومع ذلك واصل زئير متوحش بالاندلاع من جوفه، واكتساح الأرض المحروثة.

وجه المصور الفوتوغرافي من واينيت نيوز عدسته على المشهد. فصاحت دافنا طبية المدرسة النفسية:”الصور ممنوعة! التصوير ممنوع”. وثبت غاي المصور بنظرة جليدية وتوقف عن التلويح بيديه وساقيه.

وقال عوضا عن ذلك بنبرة معدنية في صوته:”صور. صور. فهنا شيء كبير يجري”. وأضاف موجها كلامه لمن يجره:”وأنتم، أفلتوني فورا”. ضغط المصور على زر الكاميرا. وكانت الشمس تنفجر أمامهم. ودب النشاط في الشرطي ناتان وقال:”هيا إلى الإسعاف. إلى سيارة الإسعاف!”.

ولكن قاومه غاي وقال:”أفلتني. لدي شيء يجب أن أخبركم به”.

وصاحت دافنا:”أفلته. أفلته. لنستمع لما لديه. كفانا ما حصل، يكفينا هذا العنف. أنتم تسببون له المزيد من الألم فقط”.

ومرت في ذاكرة دافنا موجة مستمرة تستعرض المناسبات التي زارها بها غاي في مكتبها. إما بصفة متهم بفعل شائن، أو بسلوك غير مقبول، أو للتحقيق، أو للتجميد والطرد من المدرسة. وشعرت بشيء غير مريح في حنجرتها. إنها مسؤولة عن سلامته العاطفية، وهي المكلفة باستلام زمام صحته وعافيته. نعم. لقد نصحت والديه أكثر من مرة أو مرتين أن يفكروا بتوفير العلاج النفسي الشامل له، ولكن اقتراحها لاقى الرفض بكثير من الامتعاض. وهذا لا يخفف من المسؤولية التي تتحملها. كانت خائفة من الصبي. وكانت دائما تخاف منه. له نظرات متوحشة تلمع في عينيه. وشخصيته شجاعة. وحولت رعبها نحو المصور. قالت له:”عليك أن تنفذ الأوامر! أغلق الكاميرا. ألا تفهم؟”.

وصاح غاي:”بل صور. وأنتم: أفلتوني”.

وتململ الرجال الذين كانوا حول غاي. الشرطي ناتان، والذي كان يبذل كل قواه ليجبر الولد على الدخول في السيارة. والمرأة التي كانت تولول ليطلقوا سراحه. والمصور مع دليل الإثبات الذي بين يده والموجه إليهم. والتعب المخزي الذي تعاني منه الحلقة الأخطبوطية. وأخيرا الولد.. صوته. وجسمه الملتهب.

قال مجددا:”أفلتوني”.

وأفلتوه. فاستلقى غاي على الأرض. وهو منهك من الشعور بالإعياء والحنين.  فاقتربت منه دافنا وقالت:”غاي. أنت بحاجة للعناية والرعاية. ولكن لا نريد أن نحملك للمصحة عنوة. قلت لديك شيء لتخبرنا به. ماذا أردت أن تقول لنا؟”.

حسن غاي من وضعيته المستلقية، وجلس على الأرض، ويداه تعبثان بالتراب كما لو أنه يلهو بمسبحة. والتقط أنفاسه. ونظر الحشد بانتباه إليه. وانفجرت الكاميرا بومضة ساطعة.

وجاء صوت غاي يقول:”أنا غاي ابن سفيتلانا، رسول أتيت لشفاء أرواحكم”.

***

............................

* الترجمة من العبرية: ستيفن كوهين. Steven Cohen. وهو مترجم يعمل مع مجلة “الأدب العالمي اليوم”.

* موريا دايان كوديش  Moria Dayan Codish كاتبة ومحررة. صدرت أولى أعمالها بعنوان “السلاحف” عام 2018 عن دار كنيريت زمورا دفير.

  

خيري حمدانسيلفيا ستيفانوفا

Силвия Стефанова

ترجمة: خيري حمدان


В ухото на раковина,

في أذنِ المحارة

تلاطمُ أمواج البحرِ

في الأعينِ

ملحٌ ونجوم

أجِدُكَ، تجِدُني.

**

Пламъци бели

لهبٌ أبيضَ

برائحةِ الياسمين

صاعقةٌ تحرقُ الأرضَ

الطريقُ صنوُ الفراق.

**

Камък от тайни

حجرٌ من أسرار،

وسادةُ اللهفة.

ياقوتٌ أحمرَ

في أعلى الجبال.

**

Сини огньове в гора

حرائقٌ زرقاءَ في الغابة

شعلةٌ تائهة.

في الطريقِ

آثارُ ضباء

تبحثُ عن قلبِ غزال.

**

Река

نهرٌ

يخطُّ المحيطَ بالتراب

وهو يرسمُهُ

في مغيبٍ ناعس

 

على شواطِئِهم – حانَ وقتُ الحبّ.

**

Студена самота

وحدةٌ باردةٌ

تحكي الريح.

يتملّكُهُ الوجدُ

ملاطفة وتحنان.

اعترافٌ يسبقُ النوم.

***

...................

تعمل الأديبة سيلفيا ستيفانوفا في مجال الصحافة ومقدّمة برامج في راديو صوفيا. أنهت دراسة الأدب البلغاري في جامعة صوفيا "القديس كليمنت أوخريدسكي". أهم أعمالها الشعرية ديوان "الغريبة 2002"، "نبي متقاعد 2003"، "ظلال وجدانية، صدى من الشعر الياباني الكلاسيكي 2010"، ترجم هذا الديوان لليابانية وقدّم في طوكيو. "محكوم بالجمال 2013. وغيرها من الدواوين. نالت جائزة الآداب من جامعة بلغاريا الجديدة عام 2012. نالت جائزة شعر "الهايكو" في المهرجان الرابع في صوفيا.  

 

 

مها الاسطةكاثرين مانسفيلد

ترجمتها عن الإنكليزية: مها الأسطة

هل ترى ذلك المسمار الكبير على يمين الباب الأمامي؟ لا أكاد أقوى على النظر إليه حتى الآن ومع ذلك لم يكن في وسعي أن أجرؤ على انتزاعه من مكانه. أودّ اعتقادَ أنه كان دائماً هنالك، حتى بعد موتي. أحياناً أسمع الناسَ في الجوار يقولون: " لا بد وأن قفصاً كان يتدلـّى منه". ويريحني ذلك. أشعر أنه لم يخلد إلى النسيان تماماً.

ليس في مقدورك تصوُّرُ مدى روعة تغريده. لم يكن يشبه تغريد طيور الكناري الأخرى. وليس ذلك محض خيال ٍ من مخيلتي. اعتدتُ في أغلب الأحيان أن أرى من النافذة الناسَ يتوقفون عند البوابة ليصيخوا السمع، أو يستندون على السياج قرب نبتة البرتقال الزائف مبهورينَ لفترة طويلة تماماً.

يبدو الأمر،على ما أفترضُ، سخيفاً في نظرك ـ  لن يكون كذلك لو كنتَ قد سمعتـَه ـ بيد أنه بدا لي حقـّاً أنه كان يغني أغانيَ كاملةً ذات بداية وذات نهاية.

على سبيل المثال عندما أكون قد فرغتُ من الأعمال المنزلية في الأصيل، وغيَّرْتُ بلوزتي وأحضرتُ حياكتي إلى الفراندة هنا، اعتاد أن يواصل الوثب هنا وهناك من مجثم إلى آخر، وينقر القضبان وكأنه يجذب انتباهي، ويرتشف القليل من الماء كما يليق بمغنّ ٍ محترف، ثم يشرع في غناء أغنية في غاية الروعة إلى حدّ أنه كان لزاماً عليّ أن أنحّي إبرتي جانباً لأصغي إليه. ليس في مقدوري وصفها. أتمنى لو كان ذلك في مقدوري. كان الأمر دائماً يجري على المنوال نفسه كلَّ أصيل. وكنتُ أشعر أنني فهمتُ كل نغمة موسيقية منها.

أحببتـُه. كيف أحببتـُه! قد لا ينطوي ما  يحبّه المرء في هذا العالـَم على أهمية بالغة، غير أن الحبّ شيءٌ يتوجـّب على المرء. طبعاً كان ثمة دائماً منزلي الصغير والحديقة، بيد أنهما ولسبب ما لم يكونا كافيين قـَطّ. الأزهار تستجيب على نحو رائع غير أنها لا تتعاطف. ثم أحببتُ نجمة المساء. هل يبدو ذلك حماقة؟ دأبتُ على دخول الفِناء الخلفي، بعد غروب الشمس، وانتظارها إلى أن تشعّ فوق شجرة الصمغ القاتمة. اعتدتُ أن أهمس:" ها أنتذي يا حبيبتي"، وفي تلك الوهلة الأولى تماماً كانت تبدو وكأنها تشعّ لي وحدي. كان يبدو أنها تفهم ذلك...إنه شيء كالحنين، ومع ذلك فهو ليس حنيناً. أو كالأسف، إنه أقرب ما يكون إلى الأسف. ومع ذلك، الأسف على ماذا؟ لديّ الكثير مما يستوجب امتناني.

لكنني بعد أن دخل حياتي نسيتُ نجمة المساء. لم أعد في حاجة إليها. بيد أن الأمر كان غريباً. حين أتى الرجلُ الصيني إلى الباب ومعه طيور للبيع رفعه في قفصه الصغير وبدلا ً من أن يرفرف، يرفرف كالحَسَاسين الصغيرة المسكينة، أطلق سقسقة ً صغيرة خافتة، ووجدتُ نفسي أقول، تماماً كما كنتُ أقول للنجمة فوق شجرة الصمغ، " ها أنتذا يا حبيبي". ومنذ تلك اللحظة غدا مُلكي.

يدهشني حتى هذه اللحظة كيف تقاسم كلٌّ منّا حياته مع الآخر. في اللحظة التي كنتُ أنزل فيها إليه في الصباح وأرفع قطعة القماش عن قفصهِ، اعتاد أن يُحَيِّيني بتغريدة ناعسة صغيرة. وأعرف أنها كانت تعني "ربّة البيت! ربّة البيت!" ثم كنتُ أعلّقه على المسمار في الخارج ريثما أقدّم لشبابي الثلاثة وجبة إفطارهم، ولم أكن أعيدُهُ إلى الداخل قَطّ إلى أن يصبح المنزل لنا معاً. بعدئذٍ، وحين أفرغ من الغسيل، كان يصبحُ إلى حدٍّ بعيدٍ تسليةً صغيرة. كنتُ أفرُشُ صحيفةً فوق إحدى زوايا الطاولة وحين أضع القفص عليها اعتاد أن يخفق بجناحيه على نحو يائس وكأنه لا يعرف ماذا سيحدث.

واعتدتُ أن أوبّخه قائلةً: "أنتَ ممثّلٌ صغيرٌ محترف". كنتُ أكشطُ الصينية، وأرشُّها برمل ٍ طازجٍ، وأملأ آنيَتَي بذوره ومائه، وأدسُّ قطعةً من عُشْبِ الطير (1) ونصفَ قرنٍ من الفلفل بين القضبان. وأنا على تمام اليقين من أنه كان يفهم ويقدّر كُلَّ جزءٍ من هذا الأداء الصغير. أنتَ تُدْركُ أنه كان رائع الأناقة بالفطرة.  لم يكن ثمة لطخةٌ قَطّ على مجثمه. وكلُّ ما يتحتّم عليك القيام به هو رؤيته وهو يستمتع بحمّامِهِ، لتدركَ أنه كان ذا شغفٍ حقيقيٍّ صغير ٍ بالنظافة. كان حمّامُهُ آخرَ ما يتمُّ إعدادُهُ، وفي اللحظة التي كان يوضع فيها في القفص كان  يقفز إليه قَطْعاً. في البداية كان يرفرف بجناحٍ واحدٍ، ثم يُغَطِّسُ رأسَه ويبلّلُ ريشات صَدْرِه. وكانت قطرات الماء تتبعثر في جميع أنحاء المطبخ، بَيْدَ أنه ومع ذلك كان لا يزمع على الخروج. اعتدْتُ أن أقولَ له: "والآن، هذا يكفي تماماً. أنتَ تسعى إلى الاستعراض للتباهي فحسب". وأخيراً، كان يَحْجِلُ خارجاً، وبالوقوف على رِجْلٍ واحدةٍ كان يُجفِّفُ نَفْسَهُ بالنَّقْر. في نهاية المطاف، كان يختلجُ بهَزَّةٍ، وبضربةٍ خفيفةٍ سريعةٍ، وبتغريدةٍ، ثم يرفع حنجرته، وأوه بالكاد أقوى على تذكُّرِ ذلك. كنتُ دائماً أنظّفُ السكاكين في ذلك الوقت. وكان يبدو لي، على وجه التقريب، أن السكاكين كانت تغنّي أيضاً حين كنتُ أفركُها إلى أن تشعَّ على اللوح الخشبي.

العِشْرَة، على ما ترى. ذلكَ ما كانه. العِشْرَة الكاملة. إذا كنتَ قد عِشْتَ وحيداً، فسوف تدرك قيمة ذلك. طبعاً كان هنالك شبابي الثلاثة الذين كانوا يأتون لتناول العشاء كلَّ مساء، وكانوا أحياناً يمكثون في حجرة الطعام بعد ذلك وهم يقرؤون الصحيفة. بَيْدَ أنني لم يكن في وسعي أن أتوقّع منهم إيلاء اهتمامٍ بالأمور الصغيرة التي كانت تصبغ يومي بالبهجة. ولِمَ يتحتّمُ عليهم ذلك؟ لمْ أكنْ شيئاً في نظرهم. في الواقع، سَمِعْتُهُمْ بالمصادفة ِ ذات مساءٍ يتحدّثون عنّي على الدرجِ على أنني "الفزّاعة" (2). لا أهمّيَّة لذلك. الأمر غير مهمّ. على الإطلاق. أتفهّمُ الأمرَ تماماً. إنهم شباب. ولِمَ يتحتّمُ عليَّ أن أجدَ بأساً في ذلك؟ بَيْدَ أنني أتذكر شعوري بالامتنان على نحوٍ استثنائي لأنني لم أكن وحيدةً تماماً في المنزل ذلك المساء. أخْبَرْتُهُ بعد ذهابهم قائلةً: "هل تعرف ماذا يسمّون ربَّةَ البيت؟". فأمال رأسَه جانباً ونظر إليَّ بعينه الصغيرة البرّاقة إلى أن عجزتُ عن منع نفسي من الضحك. وبدا أن ذلك سلاّه.

هل ربَّيْتَ طيوراً؟ إذا لم تكن قد فعلتَ، فكلّ ذلك يجب أن يبدو مبالَغاً فيه، ربّما. لدى الناس فكرةٌ مفادُها أن الطيور لا قلوب لها، أنها مخلوقات صغيرة باردة، وأنها تختلف عن الكلاب والقطط. المرأة التي تغسل الملابس لي بالأجرة اعتادت أن تقول لي أيام الإثنين عندما كانت تتساءل لِمَ لا أربّي "تَرْيرَ (3) ثعالبَ قريباً إلى النفس": " لا توجد راحة يا آنستي في طائر كناري". هذا غير صحيح. غير صحيح على الإطلاق. أتذكّرُ ذات ليلة. كنتُ قد حلِمْتُ حلماً مُرَوِّعاً للغاية. الأحلام قد تكون شديدة القسوة. حتى بعد استيقاظي لم يكن في مقدوري التعافي منه.

لذا، وضعتُ عليَّ ردائي المنزليَّ ونزلتُ إلى المطبخ لتناول كأس ٍ من الماء. كانت ليلة شتويّةً وكانت الأمطار تهطل بغزارة. وأعتقد أنني كنتُ لا أزال نصفَ نائمةٍ، ولكنْ من خلال نافذة المطبخ، التي لم تكن مغطّاةً بستارة، بدا لي أن الظلامَ كان يحدِّقُ إلى الداخل، يتجسَّس. وعلى حين غرّة أحسَسْتُ أنّ افتقاري إلى وجودِ مَنْ في وسعي أن أقولَ له: "حلمتُ حلماً مُرَوِّعاً للغاية" أو..أو.."خبِّئني من الظلام" كان أمراً فوق طاقة احتمالي، وغطَّيْتُ وجهي لمدة دقيقة حتى. وحينئذٍ، أتتْ "يا حُلوتي! يا حُلوتي" صغيرة. كان قفصُهُ على الطاولة، وكانت قطعةُ القماشِ قد انزلقَتْ عنه بحيث شعَّ منها شِقٌّ من الضوء. وقال الرفيقُ الحبيبُ الصغيرُ مرة ثانيةً: " حُلوتي! حلوتي!" برفق ٍ قَدْرَ ما أراد القولَ: "أنا هنا يا ربّةَ البيتِ! أنا هنا!". وكان ذلك مُريحاً على نحوٍ جميلٍ إلى درجةِ أنني كدتُ أنخرطُ في البكاء. والآن لقد مات. لن أقتني أبداً طائراً آخرَ، أو حيواناً أو طائراً مُدَلَّلاً آخرَ أيّاً كان نوعه. كيف يمكنني ذلك؟ عندما وجدْتُهُ مستلقياً على ظهره باهتَ العَيْنِ، مَلْوِيَّ المخالب، وعندما أدْرَكْتُ أنني لن أسمع أبداً مرةَ أخرى حبيبي يغنّي، بدا أنَّ شيئاً مات في داخلي. وشعرْتُ أن قلبي غدا خاوياً وكأنَّهُ كان قَفَصَه.

سوف أتعافى من ذلك. طبعاً. هذا ما ينبغي عليَّ. في وسع المرء أن يتعافى من أيِّ شيءٍ بمرور الوقت. والناس يقولون دائماً إنّ لديَّ حَسْماً مَرِحاً. وهم مُحقّون تماماً. وأشكر ربّي على ذلك. ومع ذلك، ودون أن أكون مفرطةً في الكآبة، وأفسح المجال لـ - للذكريات وهكذا دوَالَيْكَ، يتحتّمُ عليَّ الاعترافُ بأنّه يبدو لي فعلاً أن ثمة شيئاً حزيناً في الحياة. من الصعب القولُ ما هو. لا أقصد الأسى الذي نعرفه جميعاً، كالمرض والفقر والموت. كلاّ. إنه شيءٌ مختلف. إنه موجود هنالك، في أغوار النَّفْسِ، في أغوار النَّفْسِ، جزءاً من المرء، كَتَنَفُّسِه.

ومهما عملتُ بجدٍّ وأرهقْتُ نفسي، فإنه يتحتَّمُ عليَّ التوقُّفُ فحسب لأعرف أنه هنالك، ينتظر. وغالباً ما أتساءل ما إذا كان الشعورُ نفسُهُ ينتابُ كلَّ شخص. ليس في مقدور المرء أن يعرف أبداً. ولكنْ، أليس أمراً استثنائيّاً أنَّ تحتَ غنائه العذبِ البهيجِ الصغيرِ كان هذا الحزن فحسب؟ آه. ما هو؟ ما سمِعْتُه.   

***

.....................

(1) عُشْبُ الطير: عُشبٌ تأكلُ الطيرُ وَرَقَهُ وَحَبَّهُ. (المورد).

(2) الفزّاعة: ما يُنْصَبُ في المزرعة تخويفاً للطير. (المورد).

(3) تَرْيَر الثعالب: كلب صغير من كلاب الصيد. (المورد).

..........................

كاثرين مانسفيلد (1888- 1923):

أبصرتْ كاثرين مانسفيلد، وكان اسمها الأصلي كاثلين مانسفيلد بوشامب، النورَ في ثورندُن في ويلينغتن/ نيوزيلندا في الرابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول عام 1888، ووافاها أجلُها قرب بلدة فونتانبلو الواقعة جنوب شرق باريس، في 9 يناير/كانون الثاني 1923، عن عمر يناهز الرابعة والثلاثين.

وبين هذين التاريخين، وفي غضون هذا العمر القصير، استطاعت أن تحجزَ لنفسها مكاناً في خريطة الأدب ككاتبة قصة قصيرة حداثيّة متميزة ومرموقة في القرن العشرين، حسب تصنيف العديد من النقاد ومؤرخي الأدب.

أدبيّاً، كان اهتمامُها منصَبّاً على وجه الخصوص على الشعراء الفرنسيين الرمزيين والقاص والمسرحي الإيرلندي، أوسكار وايلد. وقد قُيِّضَ لها لاحقاً، مَنْ لَفَتَ نظرها إلى كتابات القاصِّ الروسيِّ الأشهر، أنطون تشيخوف، التي تركت أثراً بالغاً في نفسها.

في عام 1903 انتقلت إلى لندن، حيث التحقت بكلية "كوينز كوليج"، وهناك بدأت تساهم في صحيفة الكلية. وبين عامي 1903 و1906، سافرت إلى أوروبا وأقامت على نحو رئيسي في بلجيكا وألمانيا. وبعد انتهاء دراستها في إنكلترا عادت إلى نيوزيلندا ووقتها فحسب بدأت جدِّيَّاً تكتب القصص القصيرة. كانت قد نشرت عدة أعمال في "نيتيف كومبانيون" في أستراليا، وكانت تلك أول مرة تتقاضى فيها أجراً عن كتاباتها، وقرَّ قرارُها على أن تصبح كاتبة محترفة. وكانت تلك أيضاً أول مناسبة تستخدم فيها اسمَها المستعارَ: كاثرين مانسفيلد. 

وبعد سنتَيْن رجعت إلى لندن، وخصص لها والدُها مبلغ 100 جنيه على أساس سنوي حتى وفاتها. ولم يُقيَّضْ لها الرجوع إلى نيوزيلندا مرة أخرى قطّ بسبب إصابتها بالسّلّ الرئويّ، كما سنرى لاحقاً. في يناير/كانون الثاني 1910،  قابلت محرر مجلة "نيو إيج"، ألفرد ريتشارد أوريج، الذي أدرج بعض قصصها القصيرة في مجلته. 

وفي العام نفسه، تعرّفت إلى جون ميدلتون مَري، وهو محرر مجلة طليعية تدعى "الإيقاع"، وبدأت تنشر فيها، وفي عام 1911 بدأ الاثنان علاقة عاطفية تتوَّجَتْ بالزواج عام 1918،  بعد إنهاء إجراءات طلاقها من زوجها الأول، وكان مدرّسَ غناءٍ يدعى جورج باودِنْ، وكانت قد تركَتْهُ في ليلة الزفاف نفسها. 

وكانت كاثرين وجون على صداقة مع الروائيّ والقاصّ المتميّز وأحد أعمدة الأدب الإنكليزي الباسقة، دي إتش لورانس وزوجته فريدا ويكلي، وقد جمعتهما صداقة مع الروائيّة والقاصّة الشهيرة فيرجينيا وولف وزوجها ليونارد وولف أيضاً.

مع ذلك، كانت علاقة كاثرين وجون، مع بعضهما بعضاً، قائمةً على مَدٍّ وجَزْر.

في عام 1911 نشرت مجموعتها القصصية الأولى، " في نُزُل ألماني"، وقد لفتتْ هذه المجموعة أنظار فيرجينيا وولف فكتبت عنها تقريراً جعل سمعة كاثرين كقاصّةٍ تحلّق في سماء الشهرة. نُشِرَتْ مجموعتها القصصية الثانية، "سعادة"، عام 1920، تبعتها مجموعتها القصصية "حفلة الحديقة وقصص أخرى"عام 1922. و"حفلة الحديقة" واحدة من أشهر قصصها.

في ديسمبر/كانون الأول 1917، تمّ تشخيص وضعها الصحّي المتردّي على أنها مصابة بالسلّ الرئوي. كانت في سنواتها الأخيرة غزيرة الإنتاج، وكأنها تسابق الموت. في 7 يوليو/تموز 1922، وفي سويسرا، أكملت كاثرين قصة "الكناري"، الموجودة بين أيدينا، وكانت آخر قصة قصيرة تكملها، ونُشِرَتْ في صحيفة "ذا نيشن آند أثينيوم" في 21 إبريل/نيسان 1923، أي بعد وفاة كاثرين بأكثر من ثلاثة أشهر، ثم ظهرت لاحقاً في مجموعتها "عُشُّ اليمام وقصص أخرى".  

في 9 يناير/كانون الثاني 1923، وفي فرنسا، عانت كاثرين من نزف رئويٍّ جرّاء صعودها مجموعة من درجات السُّلَّمِ راكضةً، وفي غضون ساعة من ذلك كانت قد أسلمَتْ روحَها. ولأن جون "نسِيَ" أن يدفع تكاليف جنازتها، دُفِنَتْ في مقبرة الفقراء المُعْوِزين. غير أن الأمور صُحِّحَتْ ونُقِلَ تابوتها إلى مثواها الأخير الحالي في مقبرة أفون قرب بلدة فونتانبلو الواقعة جنوب شرق باريس.

حين أسلمت روحها، كانت لديها أعمال كثيرة لم تجد طريقها إلى النشر،إلاّ أنّ جون أخذ على عاتقه مهمة تحريرها ونشرها بعد وفاتها في مجموعتي قصص قصيرة: " عشُّ اليمام" (1923)، و"شيء صبياني" (1924)، ومجموعة شعرية، ومجموعة مراجعات كتب بعنوان "روايات وروائيّون"، ومجموعات من رسائلها ويومياتها.  

 

 

عادل صالح الزبيديلورنس فيرلنغيتي

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

ويل لأمة

(محاكاة لخليل جبران)

ويل لأمة شعبها غنم

ورعاته يضللونه

ويل لأمة قادتها كذابون، وحكماؤها صامتون

ومتطرفوها يهيمنون على وسائل الإعلام

ويل لأمة لا ترفع صوتها

الا لتهلل للغاصبين ولتعلن المستبد بطلا

وتطمح الى حكم العالم بالقوة وبالقمع

ويل لأمة لا تعرف لغة غير لغتها

2271 لورنس فيرلنغيتيولا ثقافة غير ثقافتها

ويل لأمة تتنفس المال

وتنام نوم المتخمين

ويل لأمة –أوه، وويل لشعب 

يدع حقوقه تتآكل

وحرياته تجرفها المياه

يا وطني، إنها دموعك

يا ارض الحرية الجميلة!

***

....................

لورنس فيرلنغيتي (1919-2021): شاعر ورسام وناشط اجتماعي وسياسي أميركي واحد مؤسسي الحركة الطليعية التي عرفت بجيل الإيقاع (Beat Generation) في سان فرانسيسكو أواسط خمسينيات القرن العشرين. أسس مكتبة لبيع كتب الجيب ودار نشر باسم (أضواء المدينة) أسهمتا في تطور وانتشار الحركة وفي نشر دواوين أبرز شعراء تلك الفترة. نشر أول مجموعة شعرية له بعنوان (جزيرة كوني العقلية) في عام 1958 أصبحت المجموعة الأشهر والأكثر مبيعا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. من عناوين مجموعاته الأخرى: (البدء من سان فرانسيسكو) 1961؛  ((المعنى السري للأشياء)) 1970؛ (الحب ليس حجرا على القمر)) 1971؛ (من نحن الآن) 1976؛ و(الشعر بوصفه فنا متمردا) 2007. نترجم قصيدته هذه بمناسبة وفاته في الثاني والعشرين من الشهر الحالي عن عمر 101 عاما.

 

 

تامي الشيخ عليفيرجينيا وولف

ترجمة: تامي الشيخ علي


"إلى سِسي مِلَر". ملتقطاً دبّوسَ الزينةِ المصنوعَ من اللؤلؤ والقابعَ بين مجموعةٍ من الخواتم ودبابيس الزينة على منضدة صغيرة في غرفة استقبال زوجته، قرأ غيلبرت كلاندُن الإهداء: " إلى سِسي مِلَر، مع حُبّي".

من خصائص آنجِلا المميَّزَةِ أن تتذكّر حتى سِسي مِلَر، سكرتيرتها. مع ذلك، فكَّرَ غيلبرت كلاندُن مرةً أخرى كم كان غريباً أنها تركتْ كلَّ شيءٍ في ترتيب هائل: هدية صغيرة من نوع ما لكلِّ واحدةٍ من صديقاتها، حتى لكأنها كانت قد تنبَّأت باقتراب أجَلِها. ومع ذلك، كانت موفورةَ الصحّةِ تماماً حين غادرتِ المنزلَ ذلك الصباح، قبل ستة أسابيع، واجتازتْ حافَّةَ الرصيفِ في بيكاديلي فأزْهَقَتِ السيارةُ روحَها.

كان ينتظر سِسي مِلَر. كان قد سألها الحضورَ إذ شعر أنه مدينٌ لها، بعد كلِّ السنين التي قَضَتْها معهما، برمز التقدير هذا. أجَلْ، تابعَ التفكيرَ، فيما كان يجلس هناك منتظراً، كان أمراً غريباً أنَّ آنجِلا تركتْ كلَّ شيءٍ في ترتيب هائل. كانت كلُّ صديقةٍ قد تُرِكَ لها تذكارٌ من عاطفتها. كلُّ خاتمٍ، كلُّ عِقدٍ، كلُّ علبةٍ صينيَّةٍ صغيرةٍ، وكانت مولَعَةً بالعُلبِ الصغيرة، كانت تحمل اسماً عليها. وكانت لكلٍّ منها ذكرى بالنسبة إليه. هذه كان قد أعطاها إيّاها. وهذا، الدولفين المطليّ بالمينا ذو العينين الياقوتيّتيْن، كانت قد انقضَّتْ عليه متلهِّفَةً في شارعٍ خلفيٍّ في مدينة البندقية. كان في ميسوره تذكُّرُ صيحة بهجتها الصغيرة. أما له، بالطبع، فلم تترك شيئاً على وجه الخصوص، اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلّق بيوميّاتها. خمسة عشر كتاباً مُجَلَّداً بتجليدٍ أخضر كانت تنتصب وراءه على منضدة كتابتها. منذ أن تزوَّجا كانت تواظب على كتابة يوميّاتها. وبعضٌ مِنْ - لم يكن في مقدوره أن يسمّيها مشاجراتهما - فلنقل مشاحناتهما الطفيفة القليلة للغاية، كانت حول هذه اليوميات. عندما كان يدخل عليها ويجدها تكتب، كانت دائماً تغلقها أو تضع يدها فوقها وكان في مقدوره سماعها تقول: " لا، لا، لا. ربّما بعد موتي". وهكذا خلَّفَتْها له كَتَرِكَةٍ منها. كانتِ الأمرَ الوحيدَ الذي لم يكن مُشْتَرَكاً بينهما حين كانت على قيد الحياة. بّيْدَ أنه كان دائماً يعتبر أن من البديهيّ أنها ستُعَمِّرُ أكثرَ منه. ولو توقَّفَتْ لحظةً واحدةً وأعمَلَتْ تفكيرها فيما كانت مُقْدِمَةً عليه، لكانت الآن في عِدادِ الأحياء. غير أنها كانت قد خَطَتْ مباشَرَةً فوق الحاجز الحجري للرصيف نحو الشارع، على حدِّ ما قال سائق السيارة في التحقيق. لم تُعْطِهِ فرصةً للتوقُّف. وهنا قطَعَتْ عليه تفكيرَهُ أصواتٌ تعالَتْ في القاعة.

قالت الخادمة:

- الآنسة مِلَرْ يا سيدي.

دخلتْ. لم يكن قد رآها لوحدها قطّ طيلة حياته، ولا دامعة العينَيْن طبعاً. كان الحزن قد ألمَّ بها أيّما إلمام. ولا غَرْوَ. فقد كانت آنجِلا بالنسبة إليها أكثر من ربَّةِ عمل بكثير. كانت صديقة. وفكّرَ في قرارة نفسه، وهو يدفع كرسيّاً إليها ويطلب منها الجلوس، أنه يصعبُ أن ترى فيها ما يُميِّزها عن أية امرأة أخرى من مثيلاتها. كانت ثمة آلاف من سِسي مِلَر، نساء ضئيلات القامة مُتَّشِحات بملابس سوداء رثة يحملن حافظات أوراق. بَيْدَ أن آنجِلا، بعبقريّتها في التعاطف، كانت قد اكتشفتْ كلَّ الخِصالِ الحميدةِ الموجودة في طبيعة سِسي مِلَر. كانت نموذجَ التعَقُّلِ مُجَسَّداً، صَموتاً للغاية، وموضعَ ثقةٍ إلى حدٍّ بعيدٍ، وفي وسع المرء أن يخبرها بأيِّ شيءٍ وما إلى ذلك.

لم يكن في مقدور الآنسة مِلَر التحدُّثُ في بداية الأمر. جلست هناك تجفف عينيها بمنديلها. ثم بذلت جهدَها للتحدُّثِ قائلةً:

- اعذرني سيّد كلاندُنْ.

فتمتمَ بما معناه أنه طبعاً يتفهّمُ الموقف. كان الأمر طبيعيّاً فحسب. كان في مقدوره أن يحزر مدى ما كانت زوجتُه تعني بالنسبة إليها. قالت وهي تُجيلُ الطَّرْفَ حولها:

- لقد كنتُ في غاية السعادة هنا.

واستقرَّتْ عيناها على منضدة الكتابة الموجودة ِ وراءه. كان هذا هو المكان الذي كانتا تعملان فيه سَوِيَّةً، هي وآنجِلا، إذ كان لآنجِلا نصيبُها من الواجبات التي تُلقى على عاتق زوجة سياسيٍّ بارز. وكانت خيرَ عَوْنٍ له في مِهْنَتِه.  ولطالما أبصرها وسِسي جالستَيْنِ إلى تلك المنضدة، وسِسي أمام الآلة الكاتبةِ وهي تُدَوِّنُ الرسائلَ التي تُمليها عليها آنجِلا. ولا ريبَ في أنَّ الآنسة مِلَر كانتْ تفكّر بذلك أيضاً. والآن، كانَ كلَّ ما يتحتَّمُ عليه القيامُ به إعطاؤها دبّوسَ الزينة الذي ترَكَتْهُ زوجتُهُ لها. وبدت هذه الهدية غير مناسبة إلى حدٍّ ما. ربما كان أجدى بها لو تركت لها مبلغاً من المال، أو حتى الآلة الكاتبة. بَيْدَ أن ذلك هو ما كان موجوداً: " إلى سِسي مِلَر، مع حُبّي". تناول الدبّوسَ وأعطاها إيّاه مع الكلمة الصغيرة التي كان قد أعدَّها. قال إنه كان يعرف أنها ستُقَدِّرُهُ حقَّ تقديره، فلطالما ارتَدَتْهُ زوجتُه. وردَّتْ وهي تأخذه، وكأنها هي أيضاً كانت قد أعدَّتْ على وجه التقريب كلمةً، قائلةً إنه سيكون دائماً من ممتلكاتها الثمينة. كان يتصوَّرُ أنّ لديها ثياباً أخرى لو وَضَعَتْ عليها دبّوساً من اللؤلؤ فلن يبدو غير مناسبٍ تماماً. كانت ترتدي المعطف الأسود الصغير والتنورة اللذين كانا يبدوان بذلة مهنتها النظاميّة. ثم تذكَّرَ... كانت في ثياب الحِداد بالطبع. كانت لها، هي أيضاً، مأساتها، فقد توفي أخٌ لها كانت قد كرَّسَتْ له نفسها، وكان ذلك قبل وفاة آنجِلا بأسبوع أو أسبوعَيْنِ فقط. هل كانت وفاته جرّاء حادث؟ لم يكن في وسعه التذكُّر. كلُّ ما تذكَّرَهُ هو آنجِلا تُخبرُه بذلك. آنجِلا، بنزعتها المميَّزَة إلى المشاركة الوجدانيّةِ، كانت في غاية الاضطراب. أثناء ذلك كانت سِسي مِلَر قد نهضتْ. كانت ترتدي قفّازَيْها. كان من الواضح أنها شعرتْ بضرورة ألّا تُثقل عليه. بَيْدَ أنه لم يكنْ في وسعه أن يدعها تغادر دون ذِكْرِ شيء عن مستقبلها. ماذا كانت خططها؟ هل كانت ثمة أية طريقة يمكنهُ بموجبها إسداءُ العَوْنِ لها؟

كانت تحدّقُ إلى المنضدة، التي كانت تجلس إلى آلتها الكاتبة الموضوعةِ عليها، حيث تقبع اليوميّات. ولأنها كانت تائهة في ذكرياتها عن آنجِلا لم تُجِبْ  في الحالِ على اقتراحه بوجوب إسداء يد العَوْنِ لها. وبدت للحظةٍ أنها لم تعِ ما قال. لذلك كرَّرَ قائلاً:

- ما هي خِطَطُكِ آنسة مِلَر؟

فهتفتْ قائلةً:

- خِططي؟ أوه إنها على ما يُرام يا سيّد كلاندُن. أرجوك لا تضايق نفسَك بي.

ففَهِمَ من ذلك أنها ترمي إلى القول إنها ليست في حاجة إلى مساعدة ماليّة. وأدرك أنه كان يَحْسُنُ به أن يعرض أيَّ اقتراح من هذا القبيل في رسالة. كلُّ ما كان في مقدوره القيام به الآن هو القول وهو يشدُّ على يدها:

- تذكّري، آنسة مِلَر، أنه إن كانت ثمة أية طريقة يمكنني بموجبها أن أسديَ لكِ العَوْنَ، فسيكون ذلك مدعاةً لسروري.

ثم فتح الباب. وللحظةٍ توقفتْ على عتبته وكأنّ فكرةً طارئةً كانت قد خَطَرَتْ ببالها على حين غِرَّةٍ، وقالت وهي تنظر إليه مباشَرَةً للمرة الأولى:

- سيد كلاندُن. إذا كان ثمة ما يمكنني القيام به، في أي وقت، لأسدي لك عَوْناً، فتذكّر أن ذلك سيكون مدعاةً لابتهاجي، كُرْمى لزوجتك.

وللمرة الأولى، أدهَشَهُ التعبير الحاني والباحث في الوقت نفسه الذي ارتسم في عينيها.

ومضتْ بعد أن قالت ذلك. كانت كلماتها والنظرة التي رافقتها خارج نطاق توقّعاته. وكأنها، على وجه التقريب، كانت تعتقد، أو تأمل، أنه سيحتاجها. وخامَرَتْهُ فكرة غريبة، وخيالية ربما، فيما كان يعود إلى كرسِيِّه. أكان من الممكن، طيلة تلك السنوات كلِّها التي قلّما لاحظها فيها، أنها كانت، على حدّ تعبير الروائيِّيِن، تُكِنُّ له هوىً في نفسها؟ لَمَحَ صورته في المرآة حين مرَّ أمامها. كان عمرُهُ يُنيفُ على الخمسين، بَيْدَ أنه لم يكن في مقدوره الكفُّ عن الاعتراف بأنه لا يزال، كما أرَتْهُ المرآةُ، رجلاً متميِّزاً للغاية.

قال نِصْفَ ضاحك: "يا لَسِسِي مِلَرْ المسكينة!". لَكَمْ كان سيودّ مشاركة هذه النكتة مع زوجته! والتفتَ إلى مذكَّرَاتِها على نحوٍ غريزيّ. قرأ وهو يفتحها عشوائيّاً: " بدا غيلبرت في غاية الروعة." وبدا ذلك وكأنها أجابت على سؤاله. طبعاً كانت ترمي إلى القول إنك جذّابٌ للغاية في نظر النساء. وطبعاً سِسِي مِلَرْ شعَرَتْ بذلك أيضاً. وتابع القراءة: "كم أحسُّ بالفخر لكَوْني زوجتَهُ!". ولقد كان دائماً في غاية الفخر لكَوْنِهِ زوجَها! ولطالما، حين كانا يتناولان العشاء خارج المنزل في مكان ما، نظر إليها عَبْرَ المائدة وقال في دخيلة نفسه: إنها أجمل امرأةٍ هنا. وتابع القراءة: في تلك السنة الأولى كان مُرَشَّحاً لعضويّة البرلمان. وكانا قد قاما بجولةٍ في منطقة ناخبيه. "عندما جلس غيلبرت، كان التصفيق هائلاً. ونهض الجمهورُ بأكمله وغنّى (لأنه رجلٌ طيّبٌ إلى حدٍّ بعيد). وعجزتُ عن التحكُّمِ في مشاعري". تذكَّرَ ذلك أيضاً. كانت جالسة على المنصَّةِ بقربه، ولا يزال في مقدوره أن يُبْصِرَ تلك النظرة التي رَمَقَتْهُ بها، وكيف كانت عيناها مُغْرَوْرِقَتَيْنِ بالدموع. وبعد ذلك؟ قلب الصفحات. كانا قد ذهبا إلى مدينة البندقيّة. واستعاد ذكرى تلك العطلة السعيدة بعد الانتخابات. "تناولنا المثلوجات في مقهى فلوريان" (1). ابتسم. كانت لا تزال طفلة جدّاً. كانت تعشق المثلوجات. "سرَدَ لي غيلبرت تقريراً ممتعاً للغاية عن تاريخ مدينة البندقيّة. أخبرني بأن الأدواج (2)......... ". كانت قد كتبت كلَّ ذلك بخطِّ يدها الشبيه بخطِّ تلميذة مدرسة. إحدى متع السفر مع آنجِلا هي أنها كانت توّاقةً للغاية إلى التعلُّم. واعتادت القولَ إنها كانت جاهلةً إلى حدٍّ مريع، وكأن ذلك لم يكن من  مُقَوِّمات سِحْرِها. وبعد ذلك، فتح المُجَلَّدَ التالي، كانا قد عادا إلى لندن. "كنتُ جِدَّ متلهِّفة لتَرْكِ انطباع طيِّبٍ عنّي، فارتديتُ ثوب زفافي". كان في مقدوره الآن أن يبصرها جالسةً قرب السِّير إدوارد العجوز، منتزعةً إعجاب ذلك المُسِنِّ المرعب، رئيسِه. وتابع القراءة على جناح السرعة وهو يقوم بتركيب المَشَاهِدِ مَشْهَداً إثرَ مشهدٍ مِنْ نُتَفِها المُشظّاة.

"تناولنا العشاء في مجلس العموم، ثم ذهبنا إلى حفلة مسائية في لاف كروفز. وسألتني الليدي  (ل) إن كنتُ قد أدركتُ حجم المسؤولية الملقاة على كاهلي باعتباري زوجة غيلبرت؟". ثم مع مرور السنين، تناول مُجَلَّداً آخر من منضدة الكتابة، كان انهماكُهُ بعمله قد ازداد باضطرادٍ. وكانت هي، بالطبع، وحيدةً في أغلب الأحيان. ولشدَّ ما كان يحزُّ في نفسها، على نحو واضح، أنهما لم يكونا قد رزقا بأطفال. ووَرَدَ في إحدى التدوينات" لَكَمْ أتمنّى لو كان لغيلبرت ابن!". وكان من الغرابة بمكان أنه هو نفسه لم يتحسَّرْ على ذلك قَطّ. كانت الحياةُ زاخرةً للغاية، وغنيَّةً للغاية كما كانت. في ذلك العام كان قد أُعطيَ منصباً ثانويّاً في الحكومة. مجرَّد منصب ثانويٍّ، بَيْدَ أنّ تعليقها كان: "أنا واثقة تمام الثقة الآن أنه سيصبح رئيسَ وزراء". في الواقع، لو كانت الأمور قد جرَتْ على نحوٍ مختلفٍ لكان من الممكن أن يحصل ذلك. وتوقّف هنا ليتفكّر في ما كان يمكن أن يحصل. كانت السياسة قماراً، فكَّرَ مَلِيَّاً، غير أن اللعبة لم تنته بعد. ليس في سِنِّ الخمسين. أدارَ عينيه بسرعة فوق المزيد من الصفحات المُتْرَعَةِ بالصغائر، الأمور اليوميّة السعيدة التي لا تحمل أية أهمية، والتي كوَّنَتْ حياتَها. تناول مُجَلّداً آخرَ وفتحه على نحوٍ عشوائيّ. " يا لي من جبانة! لقد تركتُ الفرصةَ تضيع مرة أخرى. بَيْدَ أنني أحسستُ أنه من الأنانية أن أُثْقِلَ عليه بأموري الخاصة ولديه ما لديه من المشاغل. وصرنا قلَّما نقضي مساءً لوحدنا". ماذا يعني ذلك؟ أوه. ها هو التفسير. إنها تشير إلى عملها في منطقة الـ "إيست إند". "استَجْمَعْتُ شجاعتي وتحدَّثْتُ مع غيلبرت في نهاية المطاف. كان في غاية اللطف وفي غاية الطيبة. ولم يُبْدِ أيَّ اعتراض". تذكَّرَ تلك المحادثة. كانت قد أخبَرَتْهُ بأنها تشعر بأنها عاطلة للغاية وعديمة النفع للغاية وتمنَّتْ أن يكون لديها عملٌ خاصٌّ تقوم به. كانت تودُّ القيام بعملٍ ما - وتذكَّرَ كيف احمرَّ وجهها خجلاً على نحوٍ فاتنٍ للغاية حين قالت ذلك وهي جالسة على ذلك الكرسيِّ بالذات - لمساعدة الآخرين. كان قد مازحها بعض الشيء. ألا يكفيها عملاً الاعتناءُ به والاعتناءُ ببيتها؟ مع ذلك، إذا كان العمل يسلّيها فبالطبع لا اعتراض لديه. وماذا كان؟ في مقاطعة ما؟ في لجنة ما؟ فقط كان لزاماً عليها أن تقطع الوعدَ على نفسها بألّا تُسْقِمَها بالعمل. وهكذا بدا أنها كانت تذهب إلى "وايت تشابل" كلَّ أربعاء. وتذكَّرَ كم كان يكره الملابس التي كانت ترتديها في تلك المناسبات. بَيْدَ أنها كانت قد أخذت الأمر على محمل الجدِّ تماماً، كما بدا. كانت يوميّاتُها مُتْرَعَةً بإشارات مثل هذه: "رأيتُ السيدة جونز...لديها عشرةُ أطفال...زوجُها فَقَدَ ذراعه في حادث...بذلْتُ قُصارى جهدي لإيجاد عمل من أجل لِلِي." وواصلَ تَخَطِّي الصفحات. وطفقَ تكرارُ اسمه يقلّ. ففَتَرَ اهتمامُه. ولم تَعْنِ له بعضُ القطعِ المُدَوَّنَةِ  أيَّ شيء. على سبيل المثال: " حدثتْ مناقشة حامية عن الاشتراكية مع ب.م." مَنْ كان ب.م.؟؟ واستغلق عليه إلى ماذا يرمز هذان الحرفان الاستهلالِيَّان(3). وافترض أنها قد تكون امرأةً ما قابلتها في إحدى لِجانِها ربّما. " شنَّ ب.م. هجوماً عنيفاً على الطبقات العليا....رجعتُ مع ب.م. بعد الاجتماع وحاولتُ إقناعَه. غَيْرَ أنَّه ضيِّق الأفق للغاية." إذن كان ب.م. رجلاً (4). ومن دون ريب واحداً من أولئك "المفكّرين"، كما يُسَمُّون أنفسَهم، بالغي العنف، كما قالت آنجِلا، وضيِّقي الأذهان. كانت، كما هو واضح، قد دَعَتْهُ إلى المجيء ومقابلتها. "جاء ب.م. إلى العشاء. وصافح ميني.!". وأعطت علامةُ التعجُّبِ فَتْلَةً أخرى للصورة الذهنيّة التي رسمها في خياله. بدا أنّ ب.م. لم يكن معتاداً على خادمات الضيوف في البيوت. كان قد صافح ميني. لعلّه كان واحداً من أولئك العمال الودعاء الذين يفصحون عن آرائهم في صالونات السيّدات. كان غيلبرت يعرف هذا النمط  ولا يُكنُّ مَيْلاً إلى هذه العيّنة الشخصيّة أيّاً كان ب.م. وها هو ذا يظهر مرّة أخرى: "ذهبتُ مع ب.م. إلى برج  لندن. قال إن الثورة قادمةٌ لا محالة. وقال إننا نعيش في جَنَّةِ الحمقى". كان ذلك هو تماماً نوع الأشياء التي سيقولها ب.م. كان في مقدور غيلبرت أن يسمعه. وكان في مقدوره أيضاً أن يراه بوضوح تام. رجلٌ قصيرُ القامة وبَدِينٌ، بلحية خشنة وربطة عنق حمراء، ويرتدي، على شاكلة أمثاله، بدلةً من التويد (5) ، ولم يعمل طيلة حياته قطّ يوماً واحداً بأمانة.  بالتأكيد كان لدى آنجِلا الحسُّ لإدراك مراميه الخَفيَّة؟ تابع القراءة. "قال ب.م. أشياء لا يمكن قبولها البتّة عن.....". كان الاسم مَشْطوباً بحرص.

" أخبرتُهُ بأنني لن أصغي إلى أية شتيمة أخرى عن .....". ومرّةً أخرى كان الاسمُ مَمْحُوَّاً. أكان من المحتمل أن يكونَ الاسمُ اسمَه؟ ألذلك السبب غطَّتْ آنجِلا الصفحة بمنتهى السرعة عندما دخل؟ شكَّلَتِ الفكرةُ إضافةً إلى كُرْهِهِ المتنامي لـ ب.م. أبَلَغَتْ به الوقاحةُ حَدَّ تناولِ سيرَتِهِ في هذه الغرفة بالذات؟ لِمَ لَمْ تخبرْهُ آنجِلا بذلك قَطّ؟ لم يكن من سجاياها أن تخفي عنه أيَّ شيء. كانت نموذجَ الصراحة مُجَسَّداً. قلب الصفحات مُلْتَقِطاً كلَّ إشارةٍ إلى ب.م. "أخبرني ب.م. بقصة طفولته. كانت أمُّهُ تعمل في تنظيف البيوت. وعندما أفكّر في ذلك أكاد لا أقوى على الاستمرار في العيش في هذه الرفاهية. ثلاثة جنيهات ثمناً لقبّعة واحدة!". ليتها كانت قد ناقشتِ الأمرَ معه، بدلاً من إرباك رأسها الصغير المسكين بأسئلةٍ يصعبُ للغاية فهمُها بالنسبة إليها! كان قد أعارها كتباً. كارل ماركس، الثورة القادمة. وطفق الحرفان ب.م. ب.م. ب.م. يتكرّران مرّةً تِلْوَ أخرى، ولكنْ لمْ يكنِ الاسمَ الكاملَ قَطّ؟ كان ثمة رفعُ كلفةٍ وأُلفةٌ في استخدام الحرفَيْنِ الاستهلاليين وهو ما يخالف سجايا آنجِلا تماماً. هل كانت تدعوه ب.م. في حضوره؟ وتابع القراءة. "جاء ب.م. على غير انتظار بعد العشاء. ولحسن الحظّ كنتُ بمفردي." كان ذلك قبل عام فحسب. "لحسن الحظّ"- لماذا لحسن الحظّ؟ - "كنتُ بمفردي". أين كان تلك الليلة؟ راجَعَ التاريخ في دفتر مواعيده. كانت ليلة العشاء في المانشن هاوس. وب.م. وآنجِلا كانا قد قضيا المساء بمفردهما! حاول أن يتذكّر ذلك المساء. هل كانت مستيقظةً تنتظره حين عاد إلى البيت؟ هل كانت الغرفة تبدو كما اعتادت أن تكون؟ هل كان ثمة كأسان على الطاولة؟ هل كان الكُرْسيّان قد أُدْنِيَ كلٌّ منهما إلى الآخر؟ لم يكن في وسعه أن يتذكّر شيئاً. لا شيء على الإطلاق، لا شيء باستثناء كلمتهِ التي ألقاها في عشاء المانشن هاوس. وازداد استعصاءُ الوضْعِ بِرِمَّتِهِ على التفسير بالنسبة إليه. استقبال زوجته رجلاً مجهولاً لوحدها. لعلَّ المُجَلَّدَ التالي يُفسّرُ. وعلى جناح السرعة حاول الاستغاثة بآخر مجَلَّدات اليوميّات، المُجَلَّدِ الذي تركَتْهُ دون أن تنهيه قبل موتها. وهناك، وفي الصفحة الأولى بالذات، كان الرجل الملعون مرّةً أخرى. "تناولتُ العشاء لوحدي مع ب.م. أصبح شديد الاهتياج. قال إنّ أوَانَ أن يفهمَ كلٌّ مِنّا الآخر قد حان. حاولتُ دَفْعَهُ إلى الإصغاء. غير أنه لم يكن في وارد ذلك. وهدَّدَ أنني إن لم......". كانت بقيَّةُ الصفحة مشطوبةً. كانت قد كَتَبَتْ على الصفحة بأكملها "مِصْر. مِصْر. مِصْر." لم يستطع فهم كلمة واحدة، ولكنْ قد يكون هنالك تفسيرٌ واحدٌ فحسب: كان ذلك الوغد قد طلب منها أن تصبح خليلَتَه. وحدهما في غرفته! اندفعتِ الدماءُ إلى وجه غيلبرت كلاندُن. طفق يقلب الصفحات بسرعة. ماذا كان جوابها؟ كان الحرفان الاستهلاليّان قد توقفا، وتحوّلا ببساطة إلى "هو" الآن. " جاء هو مرّةً أخرى. أخبرتُهُ بأنني عاجزة عن الوصول إلى أيِّ قرار. وناشَدْتُهُ أن يتركني." كان قد فرض نفسه عليها في هذا المنزل بالذات. ولكنْ لِمَ لَمْ تخبرْهُ؟ كيف تأتّى لها أن تتردّدَ لحظةً؟ ثمّ: "كتَبْتُ له رسالةً". ثمّ تُرِكَتِ الصفحاتُ  خاليةً من الكتابة. ثمّ كان هذا: " لا جوابَ على رسالتي." ثمّ المزيد من الصفحات الخالية من الكتابة، ثم هذا: "لقد نفّذَ تهديدَه". وبعد ذلك - ماذا حدث بعد ذلك؟ قلب صفحةً إثر صفحة. وكانت كلُّها خالية من الكتابة. ولكنْ كانت هنالك، في اليوم السابق لوفاتها بالذات، هذه التدوينة: "هل أملك الشجاعة للقيام بذلك أيضاً؟"

كانت تلك النهاية.

ترك غيلبرت كلاندُن المُجَلَّدَ ينزلق إلى الأرض. كان في مقدوره أن يراها أمامه. كانت واقفةً على حافة الرصيف في بيكاديلي. عيناها مُحَدِّقتان، وقبضتاها مُطْبَقَتان. وها قد أتتِ السيّارة...

لم يَقْوَ على احتمال ذلك. وكان لزاماً عليه أن يعرفَ الحقيقة. فَخَطا خطواتٍ واسعةً نحو الهاتف.

"الآنسة مِلَر!". كان ثمة صمت. ثم سمع أحداً ما يتحرّكُ في الغرفة. وأجابَهُ صوتُها أخيراً: "الآنسة مِلَر تتحدّث".

فهَدَرَ بصوتٍ كالرعد سائلاً:

- مَنْ هو ب.م.؟

كان في مقدوره أن يسمع ساعة الحائط وهي تُتَكْتِكُ على رفِّ موقدها، ثم تناهت إلى سمعه تنهيدةٌ طويلة ٌوعميقةٌ. ثم قالت أخيراً:

- كان أخي.

كان أخاها. أخاها الذي قتل نَفْسَهُ. وسمع سِسِي مِلَر تسأل:

- هل ثمة أي شيءٍ في ميسوري أن أشرَحَه؟

صاح قائلاً:

- لا شيء. لا شيء.

كان قد استلم تَرِكَتَه. كانت قد أخبَرَتْهُ بالحقيقة. كانت قد نزلت عن حافة الرصيف لكي تنضمَّ ثانيةً إلى حبيبها. كانت قد نزلت عن حافة الرصيف لكي تفرَّ منه.

***

.................. 

(1). مقهى فلوريان: افتتح هذا المقهى أبوابه في مدينة "البندقية" عام 1720، ويعتبر أقدم مقهى فيها وفي العالم. اشتهر في ما بعد بضخامته وفخامته وزبائنه المتميّزين، وكان في عِدادِ مَنِ ارتادوه على نحو متكرّر الشاعر والسياسي الإنكليزي جورج غوردون بايرون (اللورد بايرون)، والروائي الفرنسي مارسيل بروست والروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز. (ويكيبيديا).

(2). الأدواج: جمع دوج وهو القاضي الأول في البندقية وجنوا في إيطاليا (المورد).

(3). الحرفان الاستهلالِيَّان: الحرفُ الأوَّلُ من الاسم، والحرفُ الأوَّلُ من الكنية. (المترجمة).

(4). عندما قرأ غيلبرت في اليوميّات: حاولتُ إقناعه (tried to convince him)، غَيْرَ أنه ضيِّق الأفق للغاية ( But he is so narrow-minded)، عرف من الضميرين him و he أن المقصود رجلٌ، وليس امرأةً كما كان قد افترض، لأن الفعل في اللغة الإنكليزية لا يدلّ على كَوْنِ الفاعل مُذكَّراً أم مُؤنَّثاً. (المترجمة). 

(5). التّويد: نسيجٌ صوفيٌّ خشنٌ (المورد).

 ................

فيرجينيا وولف (1882- 1941):

روائيّةٌ وقاصّةٌ وناقدة ٌ أدبيّةٌ وكاتبةُ مقالاتٍ وناشطةٌ في مجال حركات التحرّر النسائيّة، تُعتَبَرُ واحدةً من أهمِّ مؤلّفي القرن العشرين الحداثيين، ورائدةً في استخدام تيّار الوعي كوسيلةٍ سرديَّة.  

ولدتْ باسم فيرجينيا ستيفن عام 1882، في عائلة ثريَّةٍ، في ساوث كِنْزِنْغْتِن، لندن، وعلى مقربة من حديقة هايد بارك،لأبوين هما ليزلي ستيفن (1904-1832) وزوجته الثانية جوليا جاكسون دَكْوورث (1895-1846). وكان ترتيب فيرجينيا السابعة في عائلة مدمجة من أصل ثمانية أطفال، أربعة من زواج أبيها وأمِّها، وأربعة من زواجَيْنِ سابِقَيْن لكلٍّ منهما، فقد كان لأبيها ابنة واحدة من زواج سابق، وكان لأمها ثلاثة أطفال من زواج سابق. وقد عاش الأطفال الثمانية معاً تحت سقفٍ واحد في بيت والد فيرجينيا، الذي كان كاتباً ومؤرخاً وكاتبَ مقالاتٍ ومتسلقَ جبالٍ بارزاً وفيلسوفاً ومثقفاً أصدر "المعجم القوميّ لِلسِّيَرِ الذاتيةِ"، وكان صديقاً لعدد من مشاهير الأدباء، ومنهم هنري جيمس وماثيو آرنولد وجورج إليوت (وهو الاسم المستعار الذي اتَّخَذَتْهُ الروائية والشاعرة والصحافية والمترجمة الإنكليزية ميري آن إيفانس 1819-1880 للكتابة).

أما والدتها، جوليا جاكسون دَكْوورث، فتنحدر من أصول أنكلوهنديّة مرموقة، وانتقلت إلى إنكلترا مع والدتها ولها من العمر سنتان حيث قضت معظم سنواتها المبكرة مع خالتها، سارة، التي أنشأت برفقة زوجها  صالوناً أدبياً وفنياً وأصبحت جوليا بفضلِهِ على تواصل مع الكثير من رسامي حركة "ما قبل الرفائيلية"، مثل  إدوارد بيرين-جونز، والذي عملت معه كـعارضة. كما عملت ممرضة وأولت شؤونَ الفقراء والمرضى الاجتماعيةَ الأولويّةَ في لائحة اهتماماتها الشخصية، وعُرف عنها قيامُها بالأعمال الخيرية.

في هذه البيئة ذات الخلفية المُطَهَّمَةِ والمتنوّرة بالثقافة ولدتْ فيرجينيا.

بَيْدَ أن نَشْأتها، وإن لم تَخْلُ من المتع الطفولية في حينها، كانت مشوبة بسلسلة متلاحقة من خيبات الأمل والصدمات المريرة، التي أربكَتْ وَعْيَها النقيَّ ودَفَعَتْها أحياناً إلى حدود التشتُّت الذهني والاضطرابات العقلية، مُذِ اكتشفتْ بدايةً أن والدها، على ثقافته الواسعة، كان يرسل الذكور في العائلة إلى المدارس والجامعات، فيما كانت الإناث يتلقّيْنَ العلم في البيت، فشعرت بدونيّة المرأة، رغم أنه أعطاها وأخواتها الحرية التامة ودون قيد أو شرْطٍ في استخدام مكتبته الضخمة، وشجّع فيرجينيا على الكتابة حين لمس استعدادها النفسي لذلك، وهي تَدينُ له بالكثير من ثقافتها وشخصيتها الفكرية في هذا الصدد. وزاد من حدّة صدماتها تعرُّضُها للتحرُّش الجنسي من قِبَلِ أخَوَيْها غير الشقيقَيْنِ جيرالد وجورج دَكوورث. ومع وفاة والدتها عامَ 1895، وَصَلَتْ فيرجينيا إلى أوَّل انهيار عصبي. وبعد عامَيْنِ من ذلك توفيت أختُها غير الشقيقة، ستيلا دَكْوورث، والتي كانت بمثابة الأم لفرجينيا.  

ومع ذلك، أتيح لفيرجينيا الالتحاق بقسم الفتيات في كلية الملك (كِنْغْزْ كوليج) في لندن، حيث درست الكلاسيكيات والتاريخ (1901-1897) وأصبحت على تواصل مع أوائل النساء الإصلاحيات لحركة التعليم العالي للنساء وحركة حقوق المرأة. وقد تركَ إخوتُها، الذين تعلموا في جامعة كامبريدج الشهيرة، ووجودُ مكتبة أبيها الضخمة، بالغَ الأثر عليها وعلى أختها الكبرى فانيسا. وبدأت فيرجينيا الكتابة بشكل احترافي عام 1900.

توفي والد فيرجينيا عام 1904 بعد معاناته البطيئة من إصابته بسرطان المعدة، وكانت وفاته نقطةَ تحول مهمة في حياة فيرجينيا وأختها فانيسا ستيفن، وسبباً في حدوث انهيار عصبيٍّ آخر لفيرجينيا. بعد ذلك بيع منزل العائلة، وانتقلت فيرجينيا مع أختها الكبرى فانيسا وأخيها الأكبر ثوبي وأخيها الأصغر إيدريان إلى العيش في منزل في بلومزبيري، ومن هناك، وبالتعاون مع أصدقاء أخويها المثقفين تم تكوين "مجموعة بلومزبري" الفنية والأدبية الشهيرة.

وفي عام 1906 توفي أخوها ثوبي ستيفن بعد إصابته بالتيفوئيد أثناء إجازةٍ في اليونان.  

 في عام 1907، تزوجت أختها فانيسا الرسام كلايف بيل ليصبح اسمُها فانيسا بيل وغدت رسامة ومُصمِّمَة حداثية. وفي عام 1912 تزوجت فيرجينيا المُنَظِّرَ السياسي والناقد ليونارد وولف وهكذا أصبح اسمها فيرجينيا وولف. وفي عام 1917، أسستْ مع زوجها دار نشر "هوغارث"، التي قامت بنشر معظم أعمالها، كما نشرت أعمال كُتّابٍ آخرين ذائعي الصيت، منهم الشاعر تي إس إليوت (الذي حاز جائزة نوبل للشعرعام 1948)، والروائي إي إم فورستر (والذي رُشِّح لنيل جائزة نوبل مرّاتٍ كثيرةً بيد أنه لم يَنَلْها)، وكاثرين مانسفيلد، وغيرهم، كما نشرت ترجمة الأعمال الكاملة للعالم النفسي ذائع الصيت سيغموند فرويد.

ولم تتوقف نوبات الانهيار العصبي التي كانت تنتاب فيرجينيا، ومحاولاتها الانتحار أكثر من مرّة. أدخِلَتْ مَصَحّاً عقليّاً وتمّ تشخيص حالتها على أنها اضطراب وجداني ثنائيّ القطب، والذي لم يكن له أي علاج ناجع في ذلك الوقت. وتحت وطأة نشوب الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وتدمير منزلها في لندن والفتور الذي استُقْبِلَتْ به السيرة الذاتية التي كتبتها عن صديقها الراحل روجر فراي، انتابتها حالة اكتئاب شرسة أقوى من سابقاتها. وفي 28 مارس/آذار 1941 كتبت رسالة وداعية لزوجها ليونارد وولف، وارتدت معطفها وملأته بالحجارة وألقتْ نفسها في نهر أوز القريب من منزلها. ولم يُعْثَرْ على جثّتها إلا في 18 أبريل/نيسان 1941. وفي 21 أبريل/نيسان تم إحراق جثمانها، ونُثِرَ رمادُهُ تحت شجرة دردار في حديقة منزلها، مونكس هاوس، في قرية رودْمِلْ سَسِكْسْ.

من أعمالها: "غرفة يعقوب" (رواية 1922)، "السيدة دالاوي" (رواية 1925)، "إلى المنارة" (رواية 1927)، "أورلاندو" (رواية سيرة ذاتية 1928)، "الإثنين أو الثلاثاء" (قصص 1921)، "القارىء العادي" الجزء الأول 1925، و"القارىء العادي" الجزء الثاني 1932 (مقالات نقدية)، "غرفة خاصة بالمرء" (مقالات نسوية 1929).