Los zapaticos de Rosa*

ترجمة: بسّام البزّاز

حذاء روسا الصغير*

شمسٌ ضاحية

وبحرٌ مزبد

ورملٌ ناعم،

وپيلار

تريد أن تخرج

بقبعتها الجديدة

قبّعة الريش الجديدة

*

- كم أنتِ رائعة، يا طفلتي!

يا أنتِ يا فتنة!

قال أبوها...

قبّلها.

- انطلقي، عصفورتي الحبيسة

وهاتِ لي

من رمل البحر الناعم حفنة.

*

- سأذهبُ معك، بُنَيّتي.

قالت الأم الطيبة.

- ولكن، لا تعفّري بالرمل حذاءكِ الورديَّ، پيلار!

*

سارت الاثنتان نحوَ الحديقة

عبرتا صفّ أشجار الغار

قطفت الأم قرنفلة

وقطفت ياسمينة پيلار.

*

راحت تلعب،

بالطوق والجردل والرفش؛

راحت تلعب پيلار،

كان الجردلُ بنفسجيا

وكان الطوقُ بلون النار.

*

تطلعوا إليهما وهما تمران

لا أحدَ يريد أن تذهبا

انفجرت الأم بالضحك

وأجهش العجوزُ بالبكاء.

*

يعبثُ الهواءُ بشعرها

وهي تروح وتؤوب

مسرورة... جذلى... طروبْ:

- "خبّريني، أمّاه!

هل تعرفين ما معنى الملكة؟"

*

فإن تأخرتا

وعادتا

من شاطئ البحر

ليلا

فسيرسل الأبُ العربة

لتأتي بهما:

بالأم وپيلار

*

ما أجملَ الشاطئ،

ما أجملَ البحر

يغصّ بالبشر؛

مربية فلوريندا الفرنسيّة،

بنظاراتها الشمسيّة.

*

وألبرتو،

عسكري الاستعراض،

بقبعته المثلثة على رأسه

وعصاه في يده،

يُنزل القارب إلى البحرْ.

*

ماجدالينا! ما أسوأ ما تفعلين

بالشرائط والخيوط،

وتدفنين

دميتكِ في الرمل

مبتورة الذراعين!

*

سيدات

جالسات

على الكراسي

يتحادثن مع السادة

كأنّهن زهور

وفوقهنّ ظُللٌ

وشمسيات.

*

لكنّ البحرَ بدا قاتما،

لمنظر هؤلاء، بدا حزينا

فالفرحُ هناك

في تلك الناحية

في الناحية الأخرى

من الشاطئ.

*

صوتُ الموج هناك- يقولون- أجمل،

والرمل– يقولون- أبيض وأنعم

هناك

حيث الفتياتُ الوحيدات.

*

تركض پيلار إلى أمّها:

- أمّاه، دعيني أذهب إلى الرمل...هناك

سأكون مطيعة...أعدكِ

وسأكون في مرمى بصرك، هناك!

*

- يا لكِ من طفلة مدللة!

كم تثيرين أعصابي!

هيا اذهبي، ولكن...

لا تبللي حذاءك الوردي.

*

بلغ زبدُ الموج قدميها

صرخت الاثنتان فرحتين؛

وذهبت صاحبة قبعة الريش

ملوّحة بالوداع

*

ذهبتْ!

أين؟

بعيدا!

حيث الماءُ ملحٌ أجاج

حيث الفقراء

والعجائز

والمسنّون!

*

ذهبت الطفلة لتلعب

انحسر الزبد الأبيض

مرّ وقتٌ،

ومرّ نسرٌ

محلقا فوق البحر.

*

وحين انزوت الشمسُ

خلفَ جبل الذهب

أقبلتْ من صوب الرمل

قبعة خرساء.

*

هيّا، هلّمي. عجّلي:

- ماذا دهاك پيلار؟

لماذا تسيرين هكذا؟

لماذا تعودين هكذا

محنيّة الرأس؟

*

وتعلمُ الأمُ جيدا

لماذا تُبطئ پيلار:

- والحذاء؟ پيلار؟

أين حذاؤك الوردي؟

*

" يا لكِ من مجنونة! أين هو؟

قولي لي أين هو، پيلار! – سيدتي،

قالت امرأة وهي تبكي:

"حذاؤها معي، ها هو!"

*

" ابنتي مريضة...

عليلة... سقيمة

تبكي وحيدة

في الحجرة المظلمة

فأتيتُ بها لتشمّ الهواء،

لترى الشمس،

ولِتنام.

*

" البارحة رأتْ في منامها

نفسها في السماء،

سمعتْ تراتيلَ وأناشيد.

خفتُ، ارتعبتُ

وأتيتُ بها إلى هنا، ونامت".

*

كأنّها تعانقني بذراعيها الصغيرتين؛

وأنا أنظر وأحدّق في قدميها الصغيرتين العاريتين.

*

وصل الزبدُ إلى جسمي.

ورفعتُ نظري ورأيتُ

هذه الطفلة قبالتي

وعلى رأسها

قبعة الريش".

*

- "طفلتكِ كالصورة! – قالت:

كأنّها من شمع؟

هل تريد أن تلعب؟ إن أرادت...

ولماذا هي حافية، من دون حذاء؟"

*

"يا إلهي! يداها تكويان

وقدماها باردتان!

خذي، خذي هذا حذائي الأثير

فلديّ في البيتِ منه الكثير!"

*

"لا أدري، سيدتي الفاتنة،

ما الذي جرى؛

حتّى رأيتِ الحذاءَ الورديّ

في قدمي ابنتي!

*

أخرجت الروسيةُ منديلها

وجففت الإنكليزية دمعتها

ورفعت المربية الفرنسيّة

النظاراتِ من عينيها

*

فتحت الأم ذراعيها،

ألقت پيلار بنفسها على صدرها،

وأخرجت البدلة البالية،

من دون زينة ولا شرائط.

*

تريد السيدة أن تعرف كلّ شيء

عن الطفلة السقيمة:

لا تريد أن ترى امرأة تبكي

من الفقر!

*

- نعم، پيلار، أعطيها إياه!

وهذا أيضا! شالك! خاتمكِ!"

وأعطتْها هي حقيبة يدها،

أعطتها القرنفلة

وطبعتْ على خدّها

قبلة.

*

عادتا إلى بيتهما ليلا

بيت الحديقة الكبيرة؛

أتت بهما العربة

ساكتتين، واجمتين

وپيلار تجلس في المقعد الأيمن.

*

وروتْ فراشة

إنّها رأت،

من مكانها على شجرة الورد،

حذاء وردياً

محفوظا في علبة كريستال

***

...........................

* النص الأصلي في:

https://www.poemas-del-alma.com/los-zapaticos-de-rosa.htm

* هذه قصيدة تصويريّة (مثّلت في أوپريت عام 1984) كتبها الشاعر الكوبي الكبير خوسيه مارتي José Martí (1853-1895)

لن نطيل الكلام عن المؤلف، وهو سياسي وثوري وشاعر كبير.

حسبنا أن نذكّر بأنّه زعيم حرب الاستقلال الكوبية التي انتهت عام 1898 باستقلال كوبا عن السيطرة الإسبانية.

من المفارقات أنّ الدولة الكوبية تتخذ من خوسيه مارتي ملهما ومعلما وبطلا (مطار هافانا الدولي اسمه مطار خوسيه مارتي)

وهو ما تفعله المعارضة الكوبية المسنودة بالأمريكان (إذاعة وتلفزيون خوسيه مارتي التي تبثّ من ميامي)

أمّا على المقلب الأدبي والشعري فخوسيه مارتي يعدّ أبا الحداثة الشعريّة في أدب أمريكا اللاتينيّة. يغلب على أشعاره الطابع الإنساني ويتسم بموسيقيّته ورومانسيّته.

***

لخوسيه مارتي قصائد كثيرة في "أدب الأطفال" بمعنى الأدب الذي يتخذ من عالم الأطفال مسرحا له.

في القصيدة التي نقدم ترجمة لها، والتي توصف بأنّها "درّة أشعاره"، يرسم خوسيه مارتي تلك العوالم الطفوليّة والإنسانية، ويصوّر التفاوت الذي يتميّز بالوفرة لدى الغني والندرة لدى الفقير. بالعافية لدى الأوّل والمرض لدى الثاني. بحياة القصور وحياة القبور. بشاطيء الأغنياء وشاطيء الفقراء. ثمّ يرجّح كفّة المشاعر الإنسانيّة ويضفي على لوحته بريق أمل من أجل بلوغ عالم تسود فيه مشاعر الخير والحب والجمال.

***

2578 جين هيرشفيلدترجمة: عادل صالح الزبيدي

كانت هذه يوما ما قصيدة حب

قبل ان تتصلب مفاصلها، ويتسارع نفـَسها،

قبل ان تجد نفسها جالسة،

مرتبكة وحائرة قليلا،

فوق وقاء سيارة مركونة،

بينما يمر الناس جنبها دون ان يديروا رؤوسهم.

 

تتذكر نفسها وهي ترتدي ملابسها كأنها تتهيأ لموعد استثنائي.

تتذكر اختيار هذا الحذاء،

هذا الوشاح او الرباط.

 

كانت فيما مضى تشرب الجعة في الفطور،

وتحرك قدميها

في نهر جنبا الى جنب مع قدمـَي آخر.

 

كانت فيما مضى تتظاهر بالخجل، ثم أصبحت  خجلة حقا،

مطأطئة رأسها حتى سقط الشعر الى الأمام،

فلا تعود العينان مرئيتين.

 

كانت تتكلم بشغف عن التاريخ، عن الفن.

كانت جميلة حينها، هذه القصيدة.

تحت ذقنها، لم تتهدل طية جلد.

خلف الركبتين، لا لبادة شحم صفراء.

ما كانت تعلمه في الصباح تبقى مؤمنة به في الليل.

ثقة غير مستحضرة كانت ترفع عينيها ووجنتيها.

 

الرغبة الشديدة لم تتضاءل.

لم تزل تفهم. حان الوقت لتتأمل قطة،

زراعة البنفسج الأفريقي او الصبار الزهري.

 

اجل، انها تقرر:

شجيرات صبار صغيرة عديدة، في زهريات زرقاء وحمراء الطلاء.

حين تجد نفسها

يقلقها الصمت المطبق وغير المألوف لحياتها الجديدة،

فسوف تلمسها—واحدة، ثم أخرى—

بإصبع واحد ممدود كأنه لهب صغير.

***

....................

جين هيرشفيلد: شاعرة ومترجمة وكاتبة مقالات أميركية من مواليد مدينة نيويورك لعام 1953. تلقت تعليمها في جامعة برنستون. نشرت سبع مجموعات شعرية نالت او رشحت لجوائز مرموقة عديدة. عملت بالتدريس في جامعات عديدة وشاركت في برامج عديدة لتدريس الكتابة الإبداعية وفي مهرجانات ونشاطات كثيرة داخل وخارج الولايات المتحدة، وشغلت منصب مستشارة أكاديمية الشعراء الأميركيين خلال 2012-2017. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (عن الجاذبية والملائكة)1988؛ (قصر أكتوبر)1994؛ (حيوات القلب) 1997؛ (حصى وتجارب) 2004؛ و(تعال ايها اللص: قصائد) 2013.

 

 

2566 scott minarترجمة: صالح الرزوق


بعد لقاء كامنسكي بإله الشعر

عاد إلينا أصم. روحه

احترقت بدائرة مغلقة، والنصف البرتقالي

سقط في النار.

قصائده هي الجسد

المسكوب. في معتزل

مثل الملائكة، عصف الجنون بشعره،

ونظاراته قطفت رأسه.

وأشباح العائلة ما انفكت عن ملاحقته.

في تريستي* شاهدت الدجاج

يسد الدروب

وامرأة عجوز لوحت لي بإشارة معاكسة.

والجسر صب الماء تحته

ليرى كم يمكنه أن يبتعد

قبل أن يسقط رأسه.

 

لو قابلت كامنسكي هناك،

بين عقدة من الشقوق الطويلة

سيكون منكبا على القراءة، يقرأ، يقرأ ...

يجر المجلدات من الرف وهو يرتعش،

كما لو أنه يفعلها بقوة عينيه،

ولا يعترف

هل هو سيء أم رديء

فأنت محتار. أمريكا بشاطئين

أحدهما لبرودسكي والآخر

لكامنسكي.

لكن الثاني أطول من رفوف المكتبة،

وها هو، راكعا على ركبتيه وكوعيه، يتلصص

على العناوين وطيات الأغلفة المتساقطة.

وحينما يقف تسرع الريح،

والكلمات تفقس

وتتدحرج منها كل تلك الأجساد.

***

................................

* سكوت ماينار Scott Minar شاعر أمريكي معاصر. والقصيدة من مجموعته الأخيرة “أكورديون الجليد”. صدرت عن دار ماموث في منتصف عام 2021. الترجمة بإذن منه.

* تريست Trieste مدينة في إيطاليا.

 

 

خيري حمدانترجمة: خيري حمدان


самоличност

انتماء

كم من الوقت هدرتُهُ عائدًا إلى الماضي

وحين وصلتُ أخيرًا إلى هناك

كانت مدينتي قد رحلت

مع كلّ عمرانها وأصبغة جدرانها

وأماكنها الغامضة وتاريخ مولدي.

في محطة الحافلات المركزية شاهدت امرأة

كنتُ قد قبّلتها سابقًا في تلك المدينة

لكنّها قالت لي في هذه البقعة:

"ستنطلقُ حافلتك من المسرب الثالث".

صعدتُ وسارت الحافلة ما بين الأحياء

في كلّ ركن رُفعت ملصقات

لشخصٍ ما لا أعرفُ عنه شيئًا

ما هي هويته يا تُرى؟

أيكون موضعَ اهتمامِ الكثيرين

خارج حدود المدينة! 

وعلى صندوقٍ فارغ في محيط المدينة

جلست بائعةُ هوى لوّحت الشمسُ بشرتَها

انشغلت بتقشير كعبيها.

مهما طرأ من أحداثٍ ومواقف

تبقى بعضُ الأمور ثابتة لا تتغيّر

ما يبعثُ على الأملِ

واليأسِ أيضًا

وهي فرصة مواتية للنسيان..

**

Задръж рестото

احتفظْ بالباقي

ذات مرّة وأنا أتجوّل ثملا حزينًا

في متنزّه المدينة

ذي الأراجيح الكثيرة الصدئة

نظرتُ إلى النجوم مضطجعًا

على مقعدٍ دائريّ باردٍ يرفضُ تدوير

النجوم لأجلي.

ثمّ مضيتُ وبيدي غصنُ صنوبر قصير

يصلحُ لتعديله مسدّسا أخّاذ

وضعته في الحزام تحت سترتي

عبرتُ فوق الجسر بمحاذاة

ثلّة من رجال الأمن.

صعدتُ إلى عربةِ أجرةٍ ومضيت،

حين بلغتُ وجهتي طالبني السائق بالأجرة

قلتُ له: لا أملك مالا.

صاح وغضب وعربد.

عندها ناولته مسدّسي وقلت له:

إذا كنتَ شجاعًا حقًا

أطلق النار واحتفظ بالباقي.

ثمّ غادرتُ العربةَ ومضيتُ في طريقي

والصمتُ يقضم ظهري..  

***

....................

ولد الأديب طوني تلالوف في مدينة شومن البلغارية عام 1970. أنهى دراسة التربية الاجتماعية في جامعة شومن وحصل على شهادة الدكتوراه في التربية الاجتماعية عام 2012. يعيش ويعمل في هذا الإقليم القريب من البحر الأسود. أهمّ الدواوين التي صدرت للأديب تلالوف "المخمورون 1996"، "هنا وعبر تسعة جبال 2013"، "كسرة من أيقونة 2021". القصائد المترجمة هي جزء من ديوانه الأخير. حاز على الجائزة الأولى للشعر في مسابقة الآداب الوطنية للطلاب عام 2002. الجائزة الأولى للقصة عام 2007 والعام 2015 وغيرها من الجوائز في مجال الشعر والآداب. يعمل محرّرًا للعديد من الإصدارات الشعرية والمختارات الأدبية، عضو في اتحاد الكتاب وتجمّع الأدباء في مدينة شومن.  

 

 

جمعة عبد الله( ΓΙΑΝΝΗΣ ΡΙΤΣΟΣ )

ترجمة : جمعة عبدالله


يا ولدي، لا أعرف أي قدر كتب عليك وعليَّ

مثل هذا الشؤوم، الذي أحرق صدري بالنار واشتعل

قبيل - قبيل رنين أجراس طلوع الفجر

تتطلع كالعادة الى النافذة المعتمة لبزوغ ضوء الصباح الباكر

وتنطلق مسرعاً كأنك ذاهب الى الاحتفال

في عينيك الداكنتين وفكك المشدود

وانت في جرأتك الحلوة، ثوراً وعندليباً

وأنا الفقيرة . التعيسة .  المجنونة . الكلبة

أسخن مربى التفاح بعيون قلقة

وأنت مليء بالانشراح والبهجة

جعلتني اتوهج فرحاً كالفتاة الرقيقة

ولكن لا أعرف من الذي دفعني أن أركض حافية القدمين

أردت ان اضع صدري ليحميك من الرصاص

لكن آآآآآآآخ . وصلت متأخرة في تلك اللحظة المشؤومة

شعرت،  ان عظام الوطن تكسرت في صدري

**

أنهض يا مهجتي، لقد تأخرنا والشمس اشرقت، هيا

طعامك الصحراوي  برد في الماعون

وقميص العمل الازرق معلقاً على الباب

ينتظر جلدك الرخامي المنهوك

الماء البارد ينتظر ان  ينعش  ظمأك

وغرفتك المطلية بالابيض تنتظر أنفاسك

وقطتنا ننتظر قدومك لتعلب بين قدميك

وشارعنا ينتظر طلعتك،  والشبابيك تنتظر قدوم صوتك العندليبي

ورفاقك ينتظرونك مثل كل مساء

يقولون ويقولون في الكلام الملتهب والمتوهج

كأنهم في بيتنا يجلبون النور الى الخلق

والامآسي تنتظر قدومك

وانا أنتظرك  صباحا ومساء

حبيبي . ليت الموت يأتي ليأخذني اليك .

***

.......................

النص اليوناني

Γιέ μου، ποιά Μοίρα στόγραφε και ποιά μου τόχε γράψει

τέτοιον καημό، τέτοια φωτιά στα στήθεια μου ν᾿ ανάψει;

Πουρνό – πουρνό μου ξύπνησες، μου πλύθηκες، μου ελούστης

πριχού σημάνει την αυγή μακριά ο καμπανοκρούστης.

Κοίταες μην έφεξε συχνά – πυκνά απ᾿ το παραθύρι

και βιαζόσουν σα νάτανε να πας σε πανηγύρι.

Είχες τα μάτια σκοτεινά، σφιγμένο το σαγόνι

κι ήσουν στην τόλμη σου γλυκός، ταύρος μαζί κι αηδόνι.

Και γω η φτωχιά κ᾿ η ανέμελη και γω η τρελλή κ᾿ η σκύλα،

σουψηνα το φασκόμηλο κι αχνή η ματιά μου εφίλα

Μια – μια τις χάρες σου، καλέ، και το λαμπρό σου θωρὶ

κι αγαλλόμουν και γέλαγα σαν τρυφερούλα κόρη.

Κι ουδέ κακόβαλα στιγμή κι οὐδ᾿ έτρεξα ξοπίσω

τα στήθια μου να βάλω μπρός τα βόλια να κρατήσω.

Κι έφτασ᾿ αργά κι، ὤ، που ποτές μην έφτανε τέτοια ώρα

κι، ὦ، κάλλιο να γκρεμίζονταν στο καύκαλό μου ἡ χώρα.

V

Σήκω، γλυκέ μου، αργήσαμε· ψηλώνει ο ήλιος· έλα،

και τὸ φαγάκι σου έρημο θα κρύωσε στην πιατέλα.

Η μπλε σου η μπλούζα της δουλειάς στην πόρτα κρεμασμένη

θα καρτεράει τη σάρκα σου τη μαρμαρογλυμμένη.

Θα καρτεράει το κρύο νερό το δροσερό σου στόμα،

θα καρτεράει τα χνώτα σου τ᾿ ασβεστωμένο δώμα.

Θα καρτεράει κ΄  η γάτα μας στα πόδια σου να παίξει

κι ὁ ήλιος αργός θα καρτερά στα μάτια σου να φέξει.

Θα καρτεράει κ΄ ἡ ρούγα μας τ΄  αδρό περπάτημά σου

κ᾿ οἱ γρίλιες οἱ μισάνοιχτες τ᾿ ἀηδονολάλημά σου.

Καὶ τὰ συντρόφια σου، καλέ، που τις βραδιές ερχόνταν

και λέαν και λέαν κι απ᾿  τα  ίδια τους τα λόγια εφλογιζόνταν

Και μπάζανε στο σπίτι μας το φώς، την πλάση ακέρια،

παιδί μου، θα σε καρτεράν  να κάνετε νυχτέρια.

Και γω θα καρτεράω σκυφτή βραδὶ και μεσημέρι

να ρθει ο καλός μου، ο θάνατος، κοντά σου να με φέρει.

 

بهجت عباسسفينة العبيد – للشاعر الألماني هاينريش هاينه (1797-1856)

Das Sklavenschiff- Heinrich Heine (1797-1856)

ترجمة د. بهجت عباس


1

يجلس سيّد الشحنة المميّزة مينهير فان كوك

في مقصورته حاسباً ؛

يحسِب مبلغَ الشحنة

والأرباحَ المحتملة.

Der Superkargo Mynheer van Koek

Sitzt rechnend in seiner Kajüte;

Er kalkuliert der Ladung Betrag

Und die probabeln Profite.

***

"المطّاطُ جـيِّد، الفـلفـلُ جـيِّـد،

ثلاثمائة كيس وبرميل :

عندي مسحوق الذهب والعاج –

البضاعة السَّـوداء أحسن.

»Der Gummi ist gut, der Pfeffer ist gut,

Dreihundert Säcke und Fässer;

Ich habe Goldstaub und Elfenbein -

Die schwarze Ware ist besser.

***

" حصلتُ على ستِّـمائةِ عبدٍ بالمقايضة

بثمن بخس عند نهر السَّنغال.

عضلاتهم صلبة، والألياف متراصّـة،

مثل أحسن حديد مصبوب.

Sechshundert Neger tauschte ich ein

Spottwohlfeil am Senegalflusse.

Das Fleisch ist hart, die Sehnen sind stramm,

Wie Eisen vom besten Gusse.

***

" أعطيتُ مقابل ذلك براندي،

لآلئَ من زجاج ومصنوعاتٍ من حديد،

والربح على هذا ثمانمئة بالمئة.

لو بـقِيَ نصفُهم على قيد الحياة.

Ich hab zum Tausche Branntewein,

Glasperlen und Stahlzeug gegeben;

Gewinne daran achthundert Prozent,

Bleibt mir die Hälfte am Leben.

***

" لو بـقِيَ لي ثلاثمئة عبد فقط

في ميناء ريو دي جانيرو،

هناك تدفع لي شركة كونزاليز بريرو

مائةَ دوكات على كلِّ رأس. "

Bleiben mir Neger dreihundert nur

Im Hafen von Rio-Janeiro,

Zahlt dort mir hundert Dukaten per Stück

Das Haus Gonzales Perreiro.«

***

بغتةً ُقُـطِعَ مينهير فان كوك

من أفكاره،

فقد دخل جرّاح السفينة،

دكتور فان دير سْـميسِّـن.

Da plötzlich wird Mynheer van Koek

Aus seinen Gedanken gerissen;

Der Schiffschirurgius tritt herein,

Der Doktor van der Smissen.

***

نحيفٌ كَـعودٍ يابسٍ،

أنفُـه مُغطّى بثـآلـيلَ حُـمْـرٍ.

"الآن، يا جرّاحَ البحر"، صاح فان كوك،

"كيف أحوالُ أعزّائـي السّـودِ ؟"

Das ist eine klapperdürre Figur,

Die Nase voll roter Warzen -

»Nun, Wasserfeldscherer«, ruft van Koek,

»Wie geht's meinen lieben Schwarzen?«

***

شكره الطبيبُ على هذا الاستفسار وقال :

" جئتُ لأبلغَ،

بأنّ الوفياتِ هذه الليلةَ

ازدادتْ بصورة واضحة.

Der Doktor dankt der Nachfrage und spricht:

»Ich bin zu melden gekommen,

Dass heute nacht die Sterblichkeit

Bedeutend zugenommen.

***

المعدَّل أنْ يموتَ إثنان يوميّـاً،

ولكن اليومَ مات سبعةٌ :

أربعةُ رجال، وثلاثُ نساء- أدخلتُ الخسارةَ

فوراً في السِّـجلِّ.

Im Durchschnitt starben tägich zwei,

Doch heute starben sieben,

Vier Männer, drei Frauen - Ich hab den Verlust

Sogleich in die Kladde geschrieben.

***

"فحصتُ الجثثَ بعناية،

لأنَّ هؤلاءَ الأوغادَ يتظاهرون

أحياناً بأنَّـهم أمـواتٌ ، ليجعلونـا

نـقـذفُـهمْ في الأمواج.

`` Ich inspizierte die Leichen genau;

Denn diese Schelme stellen

Sich manchmal tot, damit man sie

Hinabwirft in die Wellen.

***

" نزعتُ قيودَ الحديد عن الأموات،

وكما أعمل عادةً،

جعلتُ الجثثَ تُـقذَفُ في البحر

عند مطلع الفَجر.

`` Ich nahm den Toten die Eisen ab;

Und wie ich gewöhnlich tue,

Ich ließ die Leichen werfen ins Meer

Des Morgens in der Frühe.

***

" فانطلقتْ فوراً من المدّ

الكواسجُ، قطيعٌ بأكمله،

إنّـهم مُغـرمون جداً بلحوم السّـودِ،

إنّـهم متقـاعدون على حسابي.

 Es schossen alsbald hervor aus der Flut

Haifische, ganz Heere,

Sie lieben so sehr das Negerfleisch;

Das sind meine Pensionöre.

***

" تـتـبّعوا مسارَ سفينتـنا،

منذ أنْ غادرنا السّـواحلَ:

الوحوشُ تكتشفُ رائحةَ الجثث،

وتشـمّـُها بشهيّة جامحة.

 Sie folgten unseres Schiffes Spur,

Seit wir verlassen die Küste;

die Bestien wittern den Leichengeruch,

Mit schnuppendem Fraßgelüste.

***

" إنّه لغريب أنْ تُشاهدَ،

كيف ينقضّون على الموتى!

واحد يُمسك بالرأس، وأخرُ بالرِّجلِ،

وآخرون يزدردون الخِرقَ.

 Es ist possierlich anzusehen,

Wie sie nach den Toten schnappen!

Die faßt den Kopf, die faßt das Bein,

Die andern schlucken die Lappen.

***

" عندما يُبـتَـلعُ كلّ ُ شيء، يلعبون بمرح

حول ألواح السَّـفينة

ويُحـدِّقون فيَّ، كما لو أنَّهم يُريدون

أنْ يُعبِّـروا عن شكرهم لهذا الفطور."

 Ist alles verschlungen, dann tummeln sie sich

Vergnügt um des Schiffes Planken

Und glotzen mich an, als wollten sie

Sich für das Frühstück bedanken.´´

***

ولكنَّ فان كوك قاطعه مُتـنهِّـداً :

كيف أستطيع أن

أُخفِّفَ من الشَّـرِّ ؟ كيف أستطيع

أنْ أمنعَ تصاعدَ الوفَيات ؟

Doch seufzend fällt ihm in die Red

Van Koek: Wie kann ich linden

Das Übel? wie kann ich die Progression

Der Sterblichkeit verhindern?

***

أجاب الطبيب : " نتيجةَ أخطائهم هم

مات كثير من العبيد :

إنَّ روائحَ أنفاسِهم الكريهـةَ أفسدت الهواءَ

في عنبر السَّـفينة.

Der Doktor erwidert: ``durch eigne Schuld

Sind viele Schwarze gestorben;

Ihr schlechter Odem hat die Luft

Im Schiffsraum so sehr verdorben.

***

" وأيضاً مات كثير منهم من الاكتئاب،

لأنَّ الضجرَ أصابهم حتّى الموت:

فـقليل من هواء طلقٍ، موسيقى ورقصٍ

تدَعُهمْ يُـشـفَـوْنَ من الأمراض."

Auch starben viele durch Melancholie,

Dieweil sie sich tödlich langwelen;

Durch etwas Luft, Musik und Tanz

Läßt sich die Krankheit heilen.´´

***

عند هذا صاح فان كوك " إنّها لنصيحة جيدة!

يا عزيزي جرّاحَ البحر الغالي

الذي هو بحكمة أرسطو طاليس،

معلم ِالإسكندر.

Da ruft van Koek: ``Ein gutter Rat!

Mein teurer Wasserfeldscherer

Ist klug wie Aristoteles,

Des Alexabders Lehrer.

***

" إنَّ رئيسَ جمعية

منتجي الخُـزامى في دلفت

ذكيّ جداً، ولكـنْ لا

يملك نصفَ إدراكك."

 Der Präsident der Sozietät

Der Tulpenveredlung in Delfte

Ist sehr gescheit, doch hat er nicht

Von Eurem Verstande die Hälfte.

***

" موسيقى! موسيقى! على السـّود

أنْ يرقصوا هنا على سطح السفينة.

وكـلّ ُ من لا يستهويه القـفـز،

يجب أن تعالجه السِّـياط."

 Musik! Musik! Die Schwarzen sollen

Hier auf dem Verdecke tanzen.

Und wer sich beim Hopsen nicht amüsiert,

Den soll die Peische kuranzen.´´

11

عالياً من خيمة السَّـماء الزَّرقاء

تُحـدِّقُ آلافُ النّـُجوم إلى تحت،

متألّقة بشوق ٍ، كبيرةً وذكيّةً،

كعيون النِّساء الجميلات.

Hoch aus dem blauen Himmelszelt

Viel tausend Sterne schauen,

Sehnsüchtig glänzend, groß und klug,

Wie Augen von schönen Frauen.

***

تُحـدِّقُ إلى تحت في البحر،

المغطّى طولاً وعرضاً

بعطرٍ أ ُرجوانـيٍّ مُتـألق،

مدمدمةٌ أفواجُـه بانتشاء.

Sie blicken hinunter in das Meer,

Das weithin überzogen

Mit phosphorstrahlendem purpurduft;

Wollüstig girren die Wogen.

***

لا شراعَ يخفـق على سفينة العبيد،

فهو مَـطويّ كأنْ لم يُـشـرعْ،

ولكنَّ المصابيحَ تومض على السطح،

حيث موسيقى الرِّقص المُدهشة.

Kein Segel flatter am Sklavenschiff,

Es liegt wie abgetakelt;

Doch schimmern Laternen auf dem Verdeck,

Wo Tanzmusik spektakelt.

***

قائد الدفَّـة يعزف على الكمان،

الطَّباخُ الذي يلعب على النّاي،

يقرع الطَّبلَ غلامُ السّـفينة،

وينفخ الطبيبُ في البوق.

Die Fiedel streicht der Steuermann,

Der Koch, der spielt die Flöte,

Ein Schiffsjung schlägt dir Trommel dazu,

Der Doktor bläst die Trompete.

***

مئة من العبيد الأصحّاء، رجالاً ونساءً،

يهلّلون من الفرح، يقفزون ويدورون

في حلقات بجنون، وفي كلِّ قفزة

تـقـعـقعُ سلاسلُ القيود مع الموسيقى.

Wohl hundert Neger, Männer und Fraun,

Sie jauchzen und hopsen und kreisen

Wie toll herum; bei jedem Sprung

Taktmäßig klirren die Eisen.

***

أخذوا يدمَغون سطحَ السَّـفينة بفرح عارم،

ومِن السَّوداوات الجميلات

مَنْ تقبض برغبة عارمة على رفيقها العاري،

وفيما بين تـنبعثُ التأوهّـات.

Sie stampfen den Boden mit tobender Lust,

Und manche schwarze Schöne

Umschlingt wollüstig den nackten Genoß -

Dazwischen ächzende Töne.

***

رئيسَ الخدم كان السَّجان،

وبضرب السِّياط،

نشّط الراقصين الكسالى،

أنْ يندفعوا إلى المرح.

Der Büttel ist matre des plasiers,

Und hat mit Peitschenhieben

Die lässigen Tänzer stimuliert,

Zum Frohsinn angetrieben.

***

دي دل دن دي و شنيد در دنغ!

الصَّخبُ أغرى من الأعماق

وحوشَ عالَمِ الماء،

التي نامت متبلِّـدةَ الإحساس هناك.

Und Didelumdei und Schneddredeng!

Der Lärm lockt aus den Tiefen

Die Ungetüme der Wasserwelt,

Die dort blödsinnig schliefen.

***

مُـثـقَـلةً بالنوم سابحة إلى الأعلى،

تأتي الكواسج، مئات كثيرة،

تتطلع إلى السَّـفينة عالياً،

هي في حَيْـرة، هي مُـنذهلة،

Schaftrunken kommen geschwommen heran

Haifische, viele hundert;

sie glotzen nach dem Schiff hinauf,

Sie sind verdutzt, verwundert.

***

تلاحظ أنَّ ساعة الفطور

لم تَحِـنْ بعـد، وتتـثاءب،

فاغرة حَلاقـيمَـها على مداها؛

الفكوك مغروسة بأسنان منشارية.

Sie merken, dass die Frühstückstund

Noch nicht gekommen, und gähnen,

Aufsperrend den Rachen; die Kiefer sind

Bepflanzt mit Sägezähnen.

***

و دي دل دم داي و شنيد در دينغ-

ليس ثمة للرقص نهاية.

أخذت الكواسج تعَضّ من نفاد الصَّبر

ذيولَها.

Und Didelumdei und Schneddredeng -

Es nehmen kein Ende die Tänze.

Die Haifische beißen vor Ungeduld

Sich selber in die Schwänze.

***

أعتقد أنَّها لا تأبه للموسيقى،

كآخرين كُـثرٍ من أنواعها.

لا تـثـقْ بأيِّ وحش، لا يحبّ

الموسيقى! يقول شاعرُ الإنجليز الكبير.

Ich glaube, sie lieben nicht die Musik,

Wie viele von ihrem Gelichter.

Trau keiner Bestie, die nicht liebt

Musik! sagt Albions großer Dichter.

***

وشنيد در دينغ ودي دل دن دي-

ليس ثمة نهاية للرقص.

عند الصّاري الأمامي يقف مينهير فان كوك

يشبك يـديه مُصليّـاً:

Und Didelumdei und Schneddredeng -

Die Tänze nehmen kein Ende.

Am Fockmast steht Mynheer van Koek

Und faltet betend die Hände:

***

" إكراماً للمسيح أبقِ لي، آه مولاي،

على حياة السّـود الآثـمين!

إذا كانوا قد أغضبوك، أنت تعرف،

إنَّهم أغـبياءُ كالبقـر.

 Um Christi willen verschone, O Herr,

Das Leben der schwarzen Sünder!

Erzürnten sie dich, so weiß du ja,

Sie sind so dumm wie die Rinder.

***

" أبقِ لي على حياتِـهم إكراماً للمسيح،

الذي مات من أجْـلنا كُـلِّـنا!

فإذا لم يَـبـقَ لي ثلاثمئة منهم،

فإنَّ تجارتي ستـؤول إلى بَـوار."

 Verschone ihr Leben um Christi willn,

Der für uns alle gestorben!

Denn bleiben mir nicht dreihundert Stück,

So ist mein Geschäft verdorben.´´

***

 

2513 نعومي شهابترجمة: عادل صالح الزبيدي

 عزيزي اللقاح


أنقذنا، يا عزيزي اللقاح.

عاملنا بجدية.

كان لدينا خطط.

كنا ذوي مستقبل واعد.

أطفال في روضة أطفال.

أصوات عديدة، في جوقة.

أعطنا عالمنا ثانية!

أيتها القوارير الصغيرة اللامعة،

ادخلي مدننا وبلداتنا

مشرقة بنورك.

أعيدينا الى بعضنا.

كنا نحب حياتنا.

ربما لم نحمدها بما يكفي.

كنا نستطيع عبور الشوارع

مع أناس لم نعرفهم،

نضغط أزرار المصعد،

مبتسمين للغرباء،

واقفين في طابور كي نسدد.

كنا نحب الوقوف في طابور

أكثر مما نتظاهر.

انها وخزة سريعة في الذراع

لا تكاد تلحظها

انها الوقود في السيارة

تجعلنا نسير ثانية

انها الاستدارة في الطريق

المحادثة وجها لوجه

يوما ما قريبا؟

انها العناق. الى الأبد،

انها العناق!

ايها اللقاح، أرجوك اجعل الهواء نقيا!

كنا نذهب الى دروس اليوغا،

التنفس الجماعي العميق،

في غرف صغيرة في المدن

لم نكن نعيش فيها حتى!

كم كنا شجعانا.

ايها اللقاح، رجاء.

اعد إلينا حياتنا.

صدّق لقد كانت جميلة.

***

......................

نعومي شهاب ناي: شاعرة وروائية فلسطينية أميركية ولدت في فلسطين عام 1952 لأب فلسطيني وأم أميركية. بدأت النشر مبكرا وأصدرت كتيبين شعريين عامي 1977 و1978 تحت عنوان (اذرع موشومة) و(من العين الى الأذن)، الا ان أول مجموعة شعرية مكتملة صدرت لها كانت في عام 1980 تحت عنوان (طرق مختلفة للصلاة) توالت بعدها عدة مجموعات منها (القفاز الأصفر) 1986، (الحقيبة الحمراء) 1994، و وقود: قصائد) 1998، (نحلة العسل: قصائد وقطع نثرية قصيرة)؛ (تسع عشر تنويعا على الغزل: قصائد الشرق الأوسط) 2002؛ و(الصحفي الصغير: قصائد) 2019. نال شعر ناي جوائز عديدة وشغلت مناصب فخرية كثيرة.

 

 

خيري حمدانАна Цанкова

ترجمة: خيري حمدان


Само набързо исках да ти кажа

أردتُ أن أبوحَ لك هكذا على عجل:

كم أفتقدُكَ حين تغيب

عندها تخمدُ بقسوة

تجلّيات الصمتِ التي كانت تثير سخريتنا.

ها أنا أتفهّم الشاعراتِ اللواتي يعِشنَ حروفَ الحياة.

وأريدُ أن أبوحَ لكَ للتوّ

بأنّني أختارُ بحذر فستاني

الذي ستنزعه عنّي هذا المساء،

وأنّني أتذكّرُ يديكَ وأطرافِ أصابعك،

وأصابُ بالصمم من وقعِ كلمات وخطى

العابرين تحت نافذة حياتي.

وكتلة تلو الأخرى أعدّ ساعات النهار

ليتحقّق حلمي في المساء

في شارع السادس من أيلول

أمام أنظارِ الذكريات الغريبة

المتّجهة نحوك مباشرة. 

**

Сънувах че тичам по стълбо нагоре

حلمتُ بكَ تركض فوق السلالمَ إلى الأعلى

وأنتَ تطاردُني وتعجزُ أن تلحق بي.

عندها خرجتُ إلى الشرفة الصفراءَ المخضرّة

السطحُ شرفةٌ صفراءَ مخضرّة

يتهادى تحت وقعِ الريح

وأنتَ لحقتَ بي.

توقّفتُ وقلتُ لكَ:

أنتَ كهذا السطحِ

أشعر معكَ هنا بوجلٍ ونشوة

لا أريد العودة إلى الأسفل

لا أريد.

أريدُ البقاءَ هنا

أن أتأرجحَ مع الريحِ

لكن عليّ أن أهبطَ ثانية

عليّ أن أهبط

لأنّك

لستَ سقفي.

**

الوحدة

Самотата

تعرّفتُ إليها عندما بلغتُ السابعة من عمري

أيقظتْني

جلستْ عندَ حافّةِ سريري

قذفتْ دمية الدبّ بعيدًا عنّي

استبدلتْها بكرةٍ رماديّةٍ كبيرةٍ من الخوف

وأخبرَتْني بأنّها تحبّني

لم أكذب يومًا في حياتي طوالَ هذا الوقتِ

حين أخبرتُها بأنّي أبادلها الحبّ أيضًا.

**

تدجين المشاعر الجيّاشة

Укротяване на страстта

أخبرتُ العصافيرَ كلّها

عنكَ.

والآن،

تتسابقُ ما بينها

لإطعامي.

***

............................

* ولدت الأديبة الشابة آنا تسانكوفا في مدينة كردجيلي البلغارية، تعمل وتعيش حاليًا في العاصمة صوفيا. نُشرت قصائدها في المجلة الأدبية "No poetry"، "الأدب المفتوح" وغيرها من المواقع الأدبية المختصّة. صدر ديوانها الأول عام 2018 بعنوان "علم آثار الندوب". نالت جائزة "ريح الجنوب" للشعر عام 2019، رشّح ديوانها للعديد من الجوائز الوطنية. نالت جائزة دوبرومير تونيف للشعر، تعمل حاليًا على إصدار ديوانها الثاني.

 

2499 مايكل سيمزترجمة: صالح الرزوق


 

* عزيزي الفيروس، عزيزي اللقاح

لقد جعلتنا أكثر حكمة،

متفاهمين جيدا مع الأسف

ومع الغرام، لأن

العشق شيء خاص. أنا لا أحب

الكلاب ولا الأشجار ولا الأطفال.

بل أغرم بهذا الكلب، وهذه الشجرة، وهذا الطفل.

أشياء غالبا  أنساها ثم أتذكرها.

وحينما نباشر الدخول في حياتنا الجديدة

هل نتذكر

كلما أسرعنا بالحركة

أغرقنا بالمرض؟.

هل نحن نتذكر

أننا لا نرتدي وجوهنا الحقيقية؟.

**

أهلا وسهلا بالصباح السعيد

 

الراحة النفسية تأتي من الحديقة في الصيف، ومن سقف البيت في الشتاء

في الحديقة وعاليا سهم الرياح يدور

وفي الباحة الخلفية يشيد ابني مأوى للنباتات

لكن في الشتاء تذوب مونوغيلا تحت الجليد

حتى نيأس ونطلب الموت من الرب.

هلا تفضلت بأغنية أخرى

ونحن نترافق على هذا الطريق.

واحبكي لي باقة ورد أبيض

فالأيام الناصعة تكون معك، والليالي السعيدة أيضا.

**

بنزين

المقاتلون المسنون نادرا

ما يتكلمون عن

قتلاهم أو

عن الرعب الذي مروا به، بل

يثرثرون عن الوجوه المسلية

في الحروب والعشب السام و

المرأة التي عاشروها

في عطلة نهاية الأسبوع و

أو ربما

ينتابهم شعور غريب

خلال إخلاء الطائرة في مطار دوليس:

أنهم بدلوا موضع حياتهم

والآن سيدخلون بدورة حياة جديدة.

وحينما كنا نشرب

أخبرني هاوارد كيف شاهد

سبعة عشر طفلا فيتناميا

يرديهم بالخطأ رشاش

حملته حوامتنا، وهاوارد

ورفاقه نفذوا الأوامر

بتكويم الأجساد الميتة

وسكب البنزين عليها

وإشعال النار بها.

وتبادر لذهني: يا لقداسة يسوع

أرسلنا كل هؤلاء الرجال لارتكاب

جرائم فظيعة

باسم الواجب..

هيا اردم هذا الهراء على عمق كبير

في مكان لا تصله يد أحد.

***

................

مايكل سيمز Michael Simms : شاعر أمريكي معاصر. من آخر أعماله مجموعة (رماد أمريكي)، وقد صدرت عام 2020. الترجمة بالتنسيق معه.

 

 

عادل صالح الزبيديترجمة: عادل صالح الزبيدي

في زمن السلم


بعد ان كنت من مستوطني الأرض لما يناهز الأربعين عاما

وجدت نفسي مرة في بلد ينعم بالسلم.

 

أشاهد الجيران يفتحون هواتفهم

ليشاهدوا شرطيا يطلب من رجل إبراز رخصة السوق.

وحين يحاول رجل إخراج محفظته،

يطلق الشرطي النار. نحو نافذة السيارة. يطلق النار.

 

انه بلد ينعم بالسلم.

 

ندس هواتفنا في جيوبنا ونمضي:

الى طبيب الأسنان،

لشراء الشامبو،

لاصطحاب الأطفال من المدرسة،

لشراء النعناع.

 

بلدنا بلد يتمدد فيه الفتى الذي يطلق الشرطي النار عليه لساعات على الرصيف

 

نرى في فمه الفاغر

عري

امة بكاملها.

 

نشاهد ونشاهد

و يشاهد الآخرون.

 

جسد فتى ممدد على الرصيف يشبه جسد فتى تماما.

 

في بلد ينعم بالسلم.

 

انه يقلم أجساد مواطنيه

بلا مبالاة، مثلما تقلم زوجة الرئيس أظافر رجليها.

 

كلنا لا زال علينا

انجاز العمل الصعب الخاص بمواعيد طبيب الأسنان،

وتذكر إعداد سلطة صيفية:

نعناع، طماطم، انها متعة، طماطم، أضف قليلا من الملح.

 

هذا زمن السلم.

 

لا اسمع إطلاق نار،

لكنني أشاهد الطيور تتساقط فوق الفناءات الخلفية للضواحي. ما اشد إشراق السماء

بينما يدور الطريق حول محوره.

ما اشد إشراق السماء (اغفروا لي) ما اشد إشراقها.

***

................

2492 ايليا كامنسكيايليا كامنسكي: شاعر وناقد ومترجم وأستاذ جامعي أميركي يهودي روسي أوكراني المولد حيث ولد عام 1977 في اوديسا في الاتحاد السوفيتي السابق إحدى مدن أوكرانيا الحالية. بدأ كتابة الشعر في سني مراهقته فنشر أول كتيب بالروسية تحت عنوان (المدينة المباركة) وظهرت أول مجموعة له بالانكليزية عام 2002 تحت عنوان (موسيقى الجسد والروح). ظهرت مجموعته الثانية بالانكليزية تحت عنوان (الرقص في اوديسا) عام 2004 . نالت أشعار كامنسكي استحسانا نقديا واسعا وحازت على جوائز عديدة. القصيدة التي نترجمها هنا مأخوذة عن مطولته الشعرية بعنوان (الجمهورية الصماء) الصادرة في عام 2019.

 

2491 paulbrothcolorترجمة: صالح الرزوق

هل جاء في ذهنك أنك لا تعرف اسمك، وأنك غير مجبر

على نطقه منذ البداية،

قد تكون شيئا آخر، أي شيء باستثناء إنسان خائف،

أي شيء باستثناء أنك مملوك في حياتك، أي شيء غير إنسان حي بحضور

موتك نفسه

وربما  أنت تسلك طريقا تجهل فيه ذاتك،

أنت لا تعرف أن همساتك

هي الريح، وشجرة قيقب صيفي ترشح من بين الأخضر الذي لا يتعرف عليه

غير الشمس

أنت لا تعلم أنك قادر على لفظ صوت انهيار أوراقها

على الأرض، أو أنك قادر

أن تشارك في أداء كل غصن مقوس، وهو يهتز بالعزيمة،

ويتخطى محنة الوصول للأرض منتصب القامة،

وبرفقة الضباب المنقشع رذاذ قطرات المطر تنتشر عبر

منحنيات جلد كل ورقة متغضنة، لتتحيي ألوانها المحتضرة.

***

............................

بول روث  Paul B. Roth  شاعر أمريكي معاصر. من أهم أعماله (حقول تحت درجة الصفر) 2002، (لا شيء هناك) 1996، (نصفه مذكور) 1977. الترجمة بإذن من الشاعر.

 

2464 adichiترجمة صالح الرزوق

كان شقيقي يرتب مكالمات الزوم من إنكلترا كل يوم أحد، حتى أصبحت هذه المكالمات الطقس الشرير الملازم لسياسة الإغلاق: وكان ينضم إلينا اثنان من أقاربنا في لاغوس، بالإضافة لثلاثتنا المقيمين في الولايات المتحدة، ثم والداي، من آبا، موطن أسلافنا في جنوب شرق نيجيريا، وأحيانا يتخلل هذه المكالمة الصدى والخشخشة.

في 7 حزيران لم ينضم للجلسة غير والدي، كان جبينه يملأ الشاشة، كالعادة، لأنه لا يعرف تماما كيفية القبض على الهاتف في مكالمات الفيديو. وكان أحدنا غالبا ما يتطوع ليقول له:”ابتعد قليلا عن الهاتف يا والدي”.

في ذلك اليوم كان يلعب بأعصاب شقيقي أوكي، ويطلق عليه لقبا جديدا مزعجا، ثم قال له إنه لم يتناول وجبة منتصف اليوم لأن غداءهم يتأخر موعده كثيرا. ثم تكلم عن ملياردير من بلدة مجاورة اعتاد أن يطالب بملكية أرض قرية أسلافنا. وأبدى قليلا من الامتعاض حيال صحته، وأخبرنا أنه قليل النوم، ولكن ليس علينا أن نقلق.

في 8 حزيران غادر أوكي إلى آبا ليقابله، وأخبرنا أنه بدا متعبا.

في 9 حزيران، اختصرت حديثنا، ليتسنى له الوقت الكافي للخلود للراحة. وكان يضحك ببرود حينما ألقيت طرفة عن أحد الأقارب. قال لي:”كا شي فو”. ليلة طيبة. وهذه آخر عبارة سمعتها منه.

في 10 حزيران كان قد رحل. اتصل بي أخي شاكس ليخبرني بهذا النبأ، وهكذا شعرت بالصدمة.

2-

قالت لي ابنتي التي تبلغ من العمر أربع سنوات إنني أرعبتها. وهبطت على ركبتيها لمزيد من التوضيح، وقبضتها المضمومة ترتفع وتنزل، وهذه المحاكاة جعلتني أرى نفسي كما كنت: غير متماسكة أبدا، وبحالة اهتياج يتخلله الصراخ والضرب على الأرض. كان الخبر مثل اقتلاع شيء من جذوره دون رأفة. وانفصلت عن العالم الذي أعرفه منذ أيام طفولتي.

 ثم دخلت في حالة عناد أو ممانعة وهمية: رأيت والدي يقرأ صحيفة المساء، ويتبادل النكات مع أوكي حول الحلاقة قبيل الموعد المحدد غدا للقاء أونيتشا اختصاصي الكلى. وناقش نتائج اختبارات المستشفى بالهاتف مع شقيقتي إيجيوما، وهي طبيبة - ولكن كيف يمكن لذلك أن يجري؟.

ها هو أمامي. وأوكي يمسك بالهاتف قبالة وجه الوالد الذي يبدو مستغرقا بالنوم، الوجه مطمئن، وبوضعية مدهشة وأخاذة.

كانت مكالمة الزوم سريالية، كلنا انخرط بعاصفة من البكاء، وفي أجزاء متفرقة من العالم، ونظرنا بكثير من الشك لوالدنا المحبوب الذي يستلقي الآن بسكون على سرير المستشفى.  لقد حصل ذلك قبل منتصف الليل بدقائق، بتوقيت نيجيريا، وكان أوكي بجانبه، وشاكس على مكبر صوت الهاتف. قلبت النظر بإمعان بالوالد. وتعثرت أنفاسي. هل هذا هو معنى الصدمة، أن يتحول الهواء إلى صمغ؟. قالت أختي أوشي إنها نقلت الخبر للتو لصديق للعائلة برسالة نصية، وأوشكت أن أعنفها وأصيح:”كلا!. لا تخبري أحدا، لأننا إذا أعلنا النبأ، سيصبح حقيقة”. وقال زوجي:”أمسكي أنفاسك، واشربي جرعة من الماء”. ثم رأيت مئزري المنزلي وكمامة الإغلاق الصحي ملقاة برعونة على الأرض. ولاحقا سيقول لي أخي كيني ضاحكا:”لا يحسن بك تلقي الأخبار السيئة في العلن، فأنت تمزقين ثيابك عند سماع الفجائع”.

3-

الفجيعة فرع خشن من فروع المعرفة. تتعلم منها كيف يمكن للعزاء أن يكون قاسيا، وكيف يكون الغضب عنيفا. وكذلك تعلم كيف أن التعزية شيء لا فائدة منه. وتلاحظ أن الحزن مسألة متعلقة باللغة. فاللغة تفشل أمام الأحزان البالغة وأنت تطارد الكلمات لتعبر بها عن أحاسيسك. لماذا كان جنباي متألمين ومتخاذلين؟. لا بد أنه بسبب البكاء كما أرى. لم أكن أعلم أننا نبكي بعضلاتنا. فالألم لا يفاجئ أحدا، ولكن الشعور به يفاجئك: كان لساني مرا بشكل لا يحتمل، كما لو أنني تناولت وجبة غير طيبة ونسيت تنظيف أسناني. وربض على صدري ثقل مزعج وكبير ومحزن. وفي داخل جسمي، تفشى إحساس دائم انتشر في كل الأرجاء.

أما قلبي - قلبي الحقيقي بذاته، لم يكن فيه أي شيء ملموس - كان يهرب مني، وأصبح شيئا منفلتا مستقلا يتحكم بنفسه. ينبض بسرعة، وإيقاعه لا يستطيع أن يتوافق معي.

لم يكن ذلك صدعا بالروح فقط بل بالجسم. محملا بالتعب والقوة المعطلة. أما البدن، العضلات وبقية الأعضاء، فقد خارت كلها. لم يكن هناك موضع فيزيائي بوضعية الراحة. ولأسابيع، كانت معدتي تدور حول نفسها، متوترة ومنقبضة لأقصى درجة. وتتناوشها أفكار لا أقبل بها: فقد كنت أعتقد أن شخصا آخر سوف يلقى منيته بكل تأكيد، وأنه مكتوب علينا تقديم المزيد من التنازلات. وفي أحد الأيام، اتصل أوكي بي، أبكر من المعتاد كما أعتقد، وأخبرني، أخبرني فقط وفورا، بنبأ الوفاة التالية. لقد كانت والدتي.

4-

في بيتي الأمريكي، أحب أن أستمع لمحطة الإذاعة الوطنية، وأتركها طوال الوقت خلف المشهد بشكل صخب لا ينقطع. ولو أن والدي على قيد الحياة سيغلقها، في حال عدم وجود شخص محدد يصغي لها.

قلت لأوكي:”كنت أفكر كيف أن والدي اعتاد على إغلاق الراديو دائما، وكيف كنت أشعلها مجددا. ربما كان يعتقد أنه هدر بطريقة من الطرق”.

قال أوكي:”مثلما اعتاد أن يغلق المولد بوقت مبكر في آبا. لو عاد إلينا سأكون مسرورا من هذا التصرف”. وأغرق كلانا بالضحك.

قلت له:”وسيصبح من دأبي أن أستيقظ باكرا وأتناول الغاري*  وأصلي كل يوم أحد في الكنيسة”.  وضحكنا أيضا.

وأعدت عليه سرد حكاية زيارة الوالدين لشقتي المخصصة للدراسة الجامعية في يال، ولا سيما حينما قلت:”هل تريد ياوالدي عصير الرمان؟”. فرد يقول:”لا. شكرا. ولكن ما هو هذا”.

وأصبح عصير الرمان طرفة دائمة. كل تلك النكات المضحكة، التي نرويها مرارا وتكرار، كان والدي يقف حيالها لدقيقة من الوقت دون أي ردة فعل، قبل أن يفهم مغزاها وينفجر بضحكته المرحة.

اكتشاف آخر: الضحك جزء لا يتجزأ من الفجائع. والضحك يلقى عناية خاصة من لسان عائلتنا، والآن نحن نضحك لنتذكر والدي، ولكن في مكان ما في الخلفية تلاحظ طبقة خفيفة من الشك وقلة الإيمان. كانت الضحكة تختفي بالتدريج. وتتحول لدموع وأحزان وغضب. لم أكن مجهزة لهذا البؤس، وكل هذا الكم من الحنق الهادر. بوجه هذا الجحيم والذي نسميه الحزن، أصبحت ضعيفة وغير تامة الإنجاز. ولكن كيف يمكنه أن يضحك ويثرثر في الصباح الباكر، وأن يرحل للأبد في المساء؟.

لقد جرى الأمر بسرعة، بسرعة فائقة. لم يكن من المفترض أن يتم بهذا الشكل، ليس على شاكلة مفاجأة شريرة، وليس خلال وباء أحكم إغلاق العالم.

أثناء الإغلاق، كنت أتكلم مع والدي عن غرابة ما يحصل، وكان مرعوبا، وأخبرني عدة مرات أنه لا يمكن أن يقلق على زوجة طبيب**.

سألته في أحد الأيام:”هل تشرب الماء الدافئ يا والدي؟”.

وشعرت بالدهشة، وضحكت كثيرا، بعد أن قال، بمرح رخيص، إنه قرأ في مكان ما أن تناول الماء الدافئ يقلل من فرص الإصابة بفيروس كورونا.

وضحك من نفسه وأضاف إن الماء الدافئ في نهاية الأمر غير ضار. لم يكن هذا يشبه ما أحاط من ملابسات انتشار مرض إيبولا المرعب، كان الناس يغتسلون بالماء المالح قبل الفجر.

كنت إذا سألته:”كيف حالك يا والدي؟” يرد دائما “إيويروم نسوغبو شاشا”. (لا أعاني من أي مشكلة. أنا على أتم ما يرام). وفعلا هكذا كان. حتى وضع القدر نهاية لذلك.

***

.....................

* من مسحوق الكسافا

** زوج أديشي طبيب.

شيماماندا نغوزي أديشي  Chimamanda Ngozi Adichie قاصة وروائية مولودة في نيجيريا عام 1977. تعيش في الولايات المتحدة. من أهم أعمالها: أميركانا، القلادة التي حول عنقك، نصف شمس صفراء، مانيفيستو الأنوثة، وغير ذلك...

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعرة الصومالية-البريطانية: ورسان شاير

ترجمها عن الإنكليزية: عامر كامل السامرّائي


 ما من أحد يهجر وطنه

ما لم يكن وطنه كفم القرش

تهرع نحو الحدود فحسب

عندما ترى المدينة كلها تفعل ذلك

 

جيرانك يهرولون أسرع منك

يتنفسون في حناجرهم دماً

الصبي الذي رافقكِ إلى المدرسة

والذي قبَّلَكِ مشدوهاً خلف مصنع القصدير القديم

يحمل سلاحاً أطول من قامته.

أنت تترك وطنك

عندما لا يسمح لك الوطن بالبقاء.

 

ما من أحد يهجر وطنه ما لم يطارده الوطن

نار تحت قدميك

ودم يغلي في أحشائك

لم يخطر ببالك فعل هذا قط

حتى حَرقَ نصل التهديدات

عنقك

ورغم ذلك حملت نشيد بلدك

بين أنفاسك

تُمَزق جواز سفرك في مراحيض المطار

وأنت تبكي مع كل قصاصة

تؤكد أنك لن تعود.

 

عليك ان تفهم،

أن ما من أحد يضع أطفاله في قارب

ما لم تكن المياه أكثر أماناً من اليابسة

ما من أحد يحرق راحة كفيه

تحت القطارات

أو بين عرباتها

ما من أحد يقضي الأيام والليالي في بطن شاحنة

يقتات على الجرائد مالم تعني الأميال المقطوعة

شيئاً أكثر من مجرد رحلة.

ما من أحد يزحف تحت الأسوار الشائكة

ما من أحد يريد أن يُضرب

ولا أن يُشفق عليه

 

ما من أحد يختار مخيمات اللاجئين

أو أن يُعرى أثناء التفتيش

وجسده لا يتوقف عن الألم

أو أن يُسجن،

لولا أن يكون السجن أكثر أماناً

من مدينة ملتهبة

وحارس سجن واحد

في الليل

أفضل من شاحنة مملوءة

برجال يشبهون والدك

ما من أحد يقبل بذلك

ما من أحد يقدر على هضم ذلك

ما من أحد بهذه الصفاقة يتحمل كل ذلك

 

كلمات مثل:

عودوا إلى أوطانكم أيها السود

أيها اللاجئون

أيها المهاجرون القذرون

طالبي اللجوء

تمتصون خيرات بلادنا حتى تنضب

أيها الزنوج المتسولون

ذوو الروائح الغريبة

الهمج

أفسدوا بلادهم ويريدون الآن العبث ببلادنا

كيف لمثل هذه الكلمات

والنظرات القذرة

أن تخفف من أعبائك

ربما لأن الضربة أكثر ليونة

من طرف ممزق

 

أو أن تلك الكلمات أكثر رقة

من أربعة عشر رجلاً

بين ساقيك

أو التقام الإهانات أهون

من لهم الركام

ومن لهم العظام

ومن أن ترى جسد طفلك

أشلاء

أريد العودة إلى وطني،

لكن وطني فم قرش

وطني فوهة بندقية

ما من أحد يَفرّ من وطنه

ما لم يطارده وطنه نحو الشاطئ

ما لم يدعوه

ليحث خطاه

وأن يترك ثيابه خلفه

ويزحف عبر الصحراء

ويخوض في المحيطات

لكي يغرق

ويُنتقذ

لكي يجوع

ويتوسل

وينسى الكبرياء

لأن البقاء على قيد الحياة هو الأهم

 

ما من أحد يرحل عن وطنه

حتى يصدر صوت تفوح منه رائحة العرق في أذنك

يقول-

غادر،

اهرب مني الآن

لا أدري ما الذي صرت إليه

لكني أعرف

أن أي مكان آخر

هو أكثر أماناً من وطني.

***

......................

نبذة عن الشاعرة

ولدت ورسان عام 1988 في كينيا لأبوين صوماليين. هاجرت مع والديها إلى المملكة المتحدة عندما كان عمرها سنة واحدة فقط. حصلت على بكالوريوس الآداب في الكتابة الإبداعية. تقيم في لندن بشكل متواصل منذ عام 2015.

أصدرت في عام 2011 "أُعلم أمي كيف تلد"، وهو كتيب شعري نشرته دار عين مقلوبة. تبعه إصدار لمجموعتها الكاملة في عام 2016 من قبل نفس الدار.

ألقت ورسان قصائدها في محافل فنية مختلفة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك المملكة المتحدة وإيطاليا وألمانيا وأمريكا الشمالية وجنوب إفريقيا وكينيا. أعيد نشر قصائدها في العديد من المنشورات الأدبية، كما تمت ترجمتها إلى العديد من اللغات، بما فيها الإيطالية والإسبانية والبرتغالية والسويدية والدنماركية والإستونية، والآن العربية.

حصلت ورسان على جوائز مختلفة عن فنها. في أبريل 2013، حصلت على جائزة الشعر الأفريقي الافتتاحية من جامعة برونيل، وهي جائزة مخصصة للشعراء الذين لم ينشروا بعد مجموعة شعرية كاملة. تم اختيارها من قائمة مختصرة من ستة مرشحين من إجمالي 655 مشاركة.

في عام 2014، تم أخيارها أيضاً في كوينزلاند، كشاعرة أستراليا المقيمة. وقد أقامت هناك وبالتنسيق مع مركز السكان الأصليين للفنون المسرحية على مدى ستة أسابيع.

 

 

2436 sally rooneyترجمة: صالح الرزوق

أول مرة وقعت عينه عليها كانت تدخل في سيارة أخيه. هو احتل المقعد الخلفي وهي الأمامي، ثم أغلقت الباب الذي بجانبها. ثم انتبهت لوجوده. استدارت نحوه، ورفعت حاجبيها، ثم توجهت نحو ديكلان وقالت: من هذا؟.

قال ديكلان: إيدان. أخي.

قالت بهدوء: لم أعلم أن لك أخا.

التفتت للخلف مجددا، كما لو أنها تقبل الكلام معه مضطرة، وسألته:من منكما الأصغر ومن هو الأكبر؟.

قال إيدان: أنا الأصغر.

كان جو السيارة من الداخل مظلما، وضيقت ما بين حاجبيها وأكدت: هذا واضح من مظهرك.

قال ديكلان: لكنه أصغر بعام واحد فقط.

التفتت المرأة لتهتم بفتح نافذة السيارة. كان عليها أن تفتحها باستعمال القبضة المثبتة على الباب.

قالت بشكل عفوي: أبواك لم يضيعا وقتهما. كم يبلغ عدد أفراد العائلة؟.

قال ديكلان: نحن فقط.

قالت: لم يتابعا لفترة طويلة على نفس المسار إذا. هذا التصرف معقول.

خرج ديلان من الباحة، وانحدر إلى الطريق الرئيسي مجددا. كان الليل البارد يتدفق من النافذة المفتوحة. ثم أشعلت المرأة سيجارة. وتمكن إيدان من ملاحظة قفا رأسها وذراعها الأيسر، المطوي بشكل زاوية عند الكوع.

قال ديكلان: سأقل هذا الشاب إلى البيت ثم نذهب بدورة في الأرجاء.

قالت المرأة: هذا التصرف وحي من الرب.

على الجهة اليمنى صف من البيوت والدكاكين، وكانت تغيب عن البصر كلما اقتربوا من نهاية المدينة. ثم ظهرت حديقة الكارافان، وبعدها منعطف الغولف. هل تعلم المرأة أين يقطن إيدان؟. لم يكن يبدو عليها الفضول لتعرف كم تحتاج من وقت للوصول إلى بيته. نفخت الدخان من النافذة. كان سطح ملعب الغولف يلمع بلون داكن. بعد دقيقة أو اثنتين سألت: ماذا تعمل لتكسب قوتك يا إيدان؟.

أعمل في فندق.

آه؟. كم مضى عليك فيه؟.

قال: عدة سنوات.

هل أنت مرتاح فيه؟.

لا بأس.

ألقت عقب سيجارتها من النافذة وأغلقتها. وخيم الهدوء على السيارة، وجمدت الكلمات وبقيت معلقة بحبال الصمت. لم يقل ديكلان شيئا. وقضم إيدان بتأن طرف إبهامه الأيسر. هل عليه أن يسألها كيف تكسب قوتها؟. ولكنه لا يعرف اسمها. وكأن ديكلان قرأ أفكاره فقال: بولين كاتبة.

قال إيدان: آه. أي نوع من الكتابة؟.

قالت: سيناريو الأفلام.

ولحكمة ما لم يسبب ذلك أية دهشة لإيدان، مع أنه حسب علمه لم يسبق له التواجد بسيارة مع كاتبة أفلام. قال آه، كأنه أراد أن يقول: حسنا فهمت. وعلى نحو غير متوقع تنحنحت المرأة التي اسمها بولين واستدارت لتنظر إليه. ولاحظ أن شعرها مربوط من جبينها للخلف بواسطة ربطة مخملية. وكان على وجهها ابتسامة غريبة.

قالت: ماذا؟  ألا تصدقني؟.

واستيقظت مشاعره. واعتقد أنه استفزها، وسيغضب ذلك دكلان ويتشاحن معه لاحقا. قال: طبعا أصدقك. لم لا؟.

ولعدة لحظات لم تنطق بكلمة، ولكنها تابعت النظر إليه في  صمت وعتمة السيارة. في الواقع حدقت به، ووضعت عينها بعينه، واستمرت كذلك عدة ثوان دون أي كلام، وربما لمدة تزيد على أربع ثوان، لفترة ملموسة. لماذا تنظر له بهذه الطريقة؟. وبوجه محروم من التعابير. كان جبينها شاحبا وشفتاها شاحبتين، حتى أن فمها يشبه خطا رفيعا. هل تنظر إليه لتعرض عليه وجهها، وجه كاتبة الأفلام؟. وحينما تكلمت كانت نبرتها مختلفة تماما. قالت ببساطة: حسنا. وتوقفت عن إمعان النظر به واستدارت مجددا. ولم تتبادل معه الكلام في بقية الرحلة. وعوضا عن ذلك انخرطت بالحديث مع ديكلان، عن أشخاص ومناسبات لا يعرفها إيدان. وأصغى لهما كأنهما في مسرحية، وهو المشاهد الوحيد لها. سألها ديكلان متى ستتوجه إلى باريس فردت عليه. ثم أخبرها أن المدعو ميشيل لم يتصل به لينقشه بالمسألة، فقالت بولين: آه. سيكون ميشيل هناك. لا تقلق. وخلف النافذة كان الظلام ينقطع عند الأضواء التي يمرون بها، وبعيدا بين التلال، كانت أضواء البيوت المرتعشة تختفي وتظهر من بين أوراق الأشجار. وتمكن من إيدان شعور غير محدد، فهو لم يكن متأكدا من طبيعة هذا الشعور. هل هو القلق؟. ولكن لماذا عليه أن يقلق؟. وأصدر ديكلان إشارة الانعطاف يسارا نحو الحي. واشتد نور الأضواء مع دنوهم منه، ثم أصبح العالم مسكونا ثانية، تشغله بيوت نصفية وحاويات متحركة ومواقف سيارات. وتوقف ديكلان أمام بيت إيدان.

قال إيدان: شكرا للتوصيلة. مساء طيبا. لكن بولين لم ترفع عينيها عن هاتفها.

*  

التقى بها مرة إضافية، بعد عدة أسابيع، في الفندق. فقد حضرت في إحدى الأمسيات لتناول العشاء مع مجموعة من الأشخاص الذين لم يسبق لإيدان أن التقى بهم. ولم تكن تضع ربطة الشعر في هذه المرة - كان شعرها مثبتا فوق رأسها بحباسة - ولكن لم يتغير فيها أي شيء حتما. أحضر إيدان زجاجة من الماء للطاولة. كانت بولين مشغولة بالكلام والبقية يصيخون السمع، وضمنا الرجال، وبعضهم كانوا متقدمين بالعمر ويرتدون البذات. وكان يبدو على الجميع الافتتان بها - وفكر إيدان: شيء مستغرب أن تشاهد الرجال الناضجين متعلقين بكلمات بنت شابة بهذه الطريقة. وتساءل هل هي مشهورة، أم أنها مهمة بشكل من الأشكال. وعندما ملأ كوبها نظرت إليه وشكرته. ثم قطبت ملامحها وقال له: هل سبق أن التقينا؟.

والتفت الجميع ليتأملوا إيدان. وشعر بالارتباك. قال: أعتقد أنك تعرفين شقيقي ديكلان.

ضحكت، كأنه قال لها شيئا سارا، وقالت: آه، أنت شقيق ديكلان كيرني. ثم استدارت لجماعة الأصدقاء وأضافت: أخبرتكم أنني أعرف كل السكان المحليين.

فضحكوا بامتنان. ولم تعاود النظر إلى إيدان. وانتهى من سكب الماء في الأكواب وعاد إلى البار. وفي نهاية الليلة ساعد جماعة بولين باستعادة معاطفهم من غرفة الثياب. كان الوقت بعد منتصف الليل. والخمر قد تمكنت منهم قليلا. ولم يكن إيدان يعلم العلاقة التي تجمعهم - أصدقاء أم زملاء أو أفراد عائلة؟. كان الرجال يخالسون بولين النظر، وبقية النساء يتضاحكن ويتكلمن مع بعضهن البعض. وطلبت منه بولين أن يستدعي سيارات أجرة لهم. فذهب إلى الطاولة والتقط الهاتف. ووضعت هي يدها الرقيقة على الطاولة، بجوار الجرس.

قالت:سنتابع الشراب في بيتي. هل تود أن تنضم إلينا؟.

قال إيدان: آه، كلا. لا أستطيع.

ابتسمت بهدوء وعادت لأصدقائها. وطلب إيدان رقم سيارة الأجرة، وهو يضغط بقضبته على سماعة الهاتف لتلتصق بجمجمته وسمع صوت زئير الهاتف يتغلغل في أذنه. كان عليه أن يشكرها على الأقل. لماذا لم يفعل؟. كان مهموما، ويتساءل أين عساه يقع بيتها. فهي لا تعيش في المدينة، وإلا لعرف بذلك. ربما جاءت للمدينة من توها، أو لعلها تعمل بفيلم جديد. لو أنها حقا تكتب الأفلام. وفكر لحظة باقتراحها، ثم قرر أن يشكرها. طلب بالهاتف سيارتي أجرة ثم أغلق الخط.

قال: ستكون السيارات هنا عما قريب.

وأومأت له بولين دون أن تلفت له.  ها قد بدأنا. هل ضجرت منه. سأل نفسه ثم قال لها: لم أكن أعلم أنك تعيشين بجوارنا.

أومأت مجددا فقط. وكانت بمرمى بصره بالوضع الذي رآها به في السيارة، في ذلك الأسبوع: خلفية رأسها، ورقبتها وكتفيها. وعندما وصلت سيارات الأجرة، قالت دون أن تنظر إليه: انقل تحياتي لديكلان. ثم غادروا جميعا. بعد ذلك أخبره النادل الذي نظف طاولتهم أنهم دفعوا بقشيشا ضخما.

*

بعد أيام قليلة كان يعمل في الاستقبال في فترة ما بعد الظهيرة، وتكون طابور خلال رده على الهاتف. وبعد أن أغلق الخط، اعتذر عن فترة الانتظار الإجبارية، وقدم خدماته لنزلاء أزمعوا على مغادرة حجراتهم، وجرد بطاقاتهم، ثم جلس على الكرسي. ليس على النزلاء أن يتعرضوا لذلك - أن ينتظروا لدفع الأجور. بإمكانهم ترك بطاقات الدخول فوق الطاولة قبل المغادرة، ودون أي وداع رسمي. ولكن افترض إيدان أنهم أرادوا الحصول على الإذن، أن تكون مغادرتهم مصحوبة بطقوس من نوع ما. أو ربما هم لا يدركون أن الانصراف مسموح، وافترض أن أحدا لم ينبئهم بذلك، ففي النهاية الإنسان مخلوق استسلامي بطبيعته.

نقر بأصابعه على الطاولة بإيقاع رقيق ومشوش. كان ديكلان وإيدان بمنتصف عملية بيع بيت أمهما. ديكلان لديه بيته الخاص، ولكنه أصغر، وأقرب للمدينة، ومرهون للبنك لمدة عشرين عاما. وكان الناس يعتقدون أن إيدان سيعود للبيت القديم، باعتبار أنه يسكن ببيت إيجار خارج المدينة، ويشترك بالسكنى مع آخرين، ولكنه لم يرغب بالعودة. وكان يريد التخلص من ذلك المكان. كانت أمهما مريضة لفترة طويلة، مع أنها ليست مسنة، وكان متعلقا بها، ومن المؤلم أن يضطر للتفكير بها طوال الوقت. والحقيقة أنه حاول طرد ذكرياته عنها. وخلقت هذه الفكرة عنده بعض الأحاسيس - التفكير يبدأ بشكل صورة أو ذكرى مجردة، ويتبعها إحساس ناجم عنها ولا يمكن مقاومته. ربما هو يرغب أن يتعايش مع ذكرياتها، فهي الشخص الوحيد على وجه الأرض الذي تولهت به، ولكن هذا غير ممكن دون آلام وحزن - وعلى الأرجح لن يخلو الأمر من ذلك. في كل الأحوال الألم لا يتلاشى إن لم يفكر بالموضوع. فقد يتضاعف الوجع في صدرك كلما بلعت، وقد يتحول لألم لا يحتمل حين تبلع، ولكن هذا لا يعني أنه يزول إن لم تبلع. نعم، الحياة حافلة بالمعاناة، ولا توجد طريقة لتحرر نفسك منه. عموما هما على وشك بيع البيت، وسيحصل إيدان على مبلغ من المال، مبلغ زهيد وليس ضخما.  

في تلك الليلة حضر ديكلان ليقوده بالسيارة من عمله، ولكن بوقت متأخر، بعد الثانية ليلا، وكانت بولين تستلقي في المقعد الخلفي للسيارة، ومن الواضح أنها مخمورة. قال ديكلان: يمكنك أن تتجاهلها.

قالت بولين: إياك، هل تجرؤ على ذلك؟.

سأله ديكلان: كيف كان عملك اليوم؟.

أغلق إيدان الباب، ووضع حقيبته عند قدميه، وقال: لا بأس. كانت رائحة الكحول تخنق السيارة. وكان إيدان يشعر أنه لا يعرف من هي هذه المرأة، مع أنها تستلقي وراءه. كانت تفرض نفسها بقوة على حياته في لحظات محرجة، ولكن من هي؟. في البداية اعتقد أنها صديقة ديكلان، أو على الأقل مرشحة لتكون حبيبته، ولكن في تلك الأمسية ظهرت على نحو مختلف في الفندق - كانت متوهجة بطريقة ما، وعدد كبير من الرجال يتحلقون حولها بإعجاب - وطبعا لم يكن ديكلان بينهم، حتى أنها دعت إيدان لشراب بعد ذلك. وأوشك أن يسأل أخاه، كيف تعرفت على تلك البنت؟. أعني، هل تقلها بالسيارة فقط أم ماذا؟. ولكن قد يستفز ذلك مشاعر ديكلان.

سألته بولين: كيف تعود للبيت إن لم تحصل على توصيلة؟.

قال إيدان: على الأقدام.

و كم يستغرق المشوار؟.

حوالي ساعة.

هل الطريق خطير؟.

قال إيدان: ماذا؟. لا. ليس محفوفا بالخطر. ماذا تعني كلمة خطير عندك؟.

ردد ديكلان: بربك تجاهلها.

قالت بولين: إيدان من أفضل أصدقائي. ولن يتجاهلني. تركت له بقشيشا كبيرا في المطعم، أليس كذلك؟.

قال: سمعت بذلك، وهذا كرم منك.

تابعت تقول: ودعوته لبيتي. غير أنه رفض الدعوة.

سألها ديكلان: ماذا تقصدين، دعوته لبيتك؟. متى؟.

قالت: بعد العشاء، غير أنه رفضني بلا تردد.

ارتفعت حرارة إيدان وقال: حسنا، آسف لأنك فكرت بالأمر هكذا. لم يكن بمقدوري ترك العمل لتلبية دعوة لأحد المنازل.

قال ديكلان: ولكن لم توجهي لي دعوة مماثلة.

قالت بولين: كنت مشغولا مثل أخيك. هل يمكنني يا إيدان أن أسألك سؤالا عن عملك؟.

قال: ماذا؟.

هل شاركت السرير إحدى نزيلات الفندق؟.

قال ديكلان: لعنة الله عليك يا بولين.

كانوا يمرون من حديقة الكارافان، حيث تلتمع أسقف الكارافانات المستوية، وتعكس إشعاع القمر، بلون أبيض مثل أظافر يد الإنسان. وبعد ذلك انتبه إيدان إلى المحيط، لكن لم يكن بوسعه رؤية أو شم أو سماع هديره، باعتبار أنه مضغوط داخل السيارة مع بولين وهي تضحك، وروائح الكحول والعطر تتبخر منها. ألا تعلم أن ديكلان لا يستمتع بهذا النوع من الثرثرة؟. أو لعلها تعرف وتريد أن تستفزه مدفوعة بهدف لا يخطر لذهن إيدان.

قال ديكلان: لا تستمع لثرثرتها.

ولمعت سيارة بشكل خاطف ثم اختفت. والتفت إيدان لينظر إليها. من هذه الزاوية ظهر جانب وجهها. كان طويلا جدا وبيضاويا، مثل شكل حبة وجع الرأس.

قالت: يمكنك أن تتكلم معي. ولو همسا.

قال ديكلان: هل تغازلينه. تغازلين أخي أمام عيني. في سيارتي!. ومد يده وقرص ذراع إيدان. وقال له: توقف عن النظر لها. استقم بظهرك وانظر أمامك. أنت تلعب لعبة أنا لا أحبها.

قال إيدان: من هم أولئك الناس الذين كانوا برفقتك في الفندق تلك الليلة؟. هل هم أصدقاء؟.

فقط معارف.

كانوا أشبه بمعجبين بك.

قالت: الناس يتصرفون بهذه الطريقة إن كانوا يريدون منك شيئا ما.

وسمحت له بمتابعة النظر نحوها. واستلقت بمكانها وهي تمتص نظراته، وتبتسم بسذاجة، على سبيل التشجيع. قرصه ديكلان مجددا. فعاد إيدان لمجلسه الطبيعي. كان الزجاج الأمامي دون أي مشاهد مثل شاشة كومبيوتر مغلق.

قال: لا يسمح لنا النوم مع النزيلات.

كلا. طبعا غير مسموح. ولكن أراهن أنك تلقيت دعوة ما.

نعم، حسنا. غالبا من ذكور.

وبدت الدهشة على ديكلان. وقال: حقا؟. وضحك إيدان ضحكة خشنة.

لم يعمل ديكلان في الفنادق، ولا في بار أو مطعم. كان مديرا لشركة، ويحمل إجازة بالتجارة وإدارة الأعمال.

قالت بولين: وهل تغريك هذه الدعوات؟.

بالعادة لا.

 لمس إيدان قبضة النافذة المثبتة على باب السيارة، ولكنه لم يحركها لا للأسفل ولا الأعلى. عبث بها فقط قليلا، وقال: في تلك الليلة وجهت كاتبة دعوة لي لزيارة منزلها.

هل كانت جميلة؟.

قال ديلان: بولين!. أنت تثيرين أعصابي. توقفي من فضلك. يا للمسيح. هذه آخر مرة أقدم لك فيها خدمة.

ولم يمكن إيدان أن يعلم إن كان ديكلان يكلم بولين أو يكلمه. كان صوته يدل أنه يكلم بولين. ولكن إيدان من يتلقى خدمة التوصيلة للبيت، ليس هي، إن لم يكن هناك خدمة ترافق هذه بنفس الوقت. وخيم الصمت عليهم. فكر إيدان بغرفة الملاءات في العمل، حيث تودع الأغطية النظيفة، تطوى بإحكام في الرفوف الخشبية، بلونها الأبيض المزرق، ورائحتها الناجمة عن المساحيق والصابون.

و عندما توقفوا أمام منزله، شكر أخاه على التوصيلة. ورد عليه ديكلان بإيماءه من يده في الفراغ لينصرف. قال: هذه مسألة بسيطة. كان شكل وجه بولين واضحا من النافذة الخلفية، ولكن لم يتأكد إن كانت تسترق النظر منه أم لا.

*

بعد أسبوعين حان موعد انعقاد المهرجان الفني في المدينة، وازدحم الفندق، وتوجب على مدير إيدان أن يطلب منه القيام بمناوبة إضافية يوم الجمعة لأن إحدى البنات أصيبت بالتهاب بالبلعوم. أنهى أعماله ليلة السبت في التاسعة، وتوجه من فوره للجبهة البحرية ليحضر العرض النهائي للمهرجان. كان مكررا مثل السنوات السابقة، استعراض ألعاب نارية عند نهاية المرفأ. لقد شاهد الاستعراض ربما عشرة أو اثنتي عشرة مرة، بعدد سنوات عمر المهرجان. أول مرة كان مراهقا، وطالبا بالمدرسة. كانت حياته في بداية مشوارها. وورد في ذهنه خاطر: أنه وقف يوم ذاك بمواجهة منعطف حاسم، وأنه في أي يوم - أو في أية دقيقة - يمكن للانتظار أن ينتهي وتبدأ الأمور الحقيقية المعقدة.

في نهاية الشاطئ أغلق سترته حتى ذقنه. كان المكان مزدحما ومصابيح الشارع مضاءة وتلقي نورا رماديا على الرمال والبحر. تابعت العائلات طريقها على الشاطئ مع عربات الأطفال وهم يتجادلون ويضحكون. والأبواط تطرق الرصيف، بأصوات مثل جرس يدق، ولكنها عشوائية وغير مترابطة. وجلس المراهقون على السلالم، يشربون ويضحكون من عروض الفيديو. وهناك من وضع اللاسلكي على أذنيه وهو يتجول.  نظر إيدان بهاتفه، وتساءل إن كان ديكلان موجودا، أو ريشي أو أي فرد آخر من الزملاء، ولكن لم يشاهد أثرا لأحد من جماعة التواصل. أصبح الطقس باردا مجددا. فأخفى هاتفه وفرك يديه. وحينما انتبه إلى بولين كانت تتقدم باتجاهه، بمعنى أنها من شاهدته أولا. وكانت ترتدي سترة صوفية فضفاضة وصلت لركبيتها. وشدت شعرها من جبينها للخلف بواسطة شريط كالسابق.

قالت له: لديك إذا أيام للاستراحة.

قال: بالواقع انتهت النوبة بالتو. والعطلة غدا.

هل بمقدوري مراقبة الألعاب النارية برفقتك أم أنك مشغول مع إنسان آخر؟.

وتأثر بسؤالها فورا. وفكر به، ورأى فيه زوايا إيجابية إضافية.

قال: لا. أنا بمفردي. يمكننا أن نكون معا. بكل امتنان. فوقفت بجواره وفركت ذراعها بحركات توحي بالبرد. نظر إليها وتساءل هل هذا الأداء يستدعي منه استجابة خاصة.

قالت: آسفة لأنني كنت مضطربة تلك الليلة. متى حصل ذلك؟. الأسبوع الماضي أم ماذا. وأعتقد أن ديكلان شعر بالامتعاض مني.

هل امتعض منك؟.

هل أخبرك بشيء عن ذلك؟.

قال إيدان: أنا. لا. نحن لا نتبادل الكلام حول أمور شخصية. وانطفأت الأنوار المرتفعة وحل الظلام على الشاطئ. ولم يتوقف الناس عن التجول من حولهم. كانوا يتبادلون الكلام ويتعانقون أو يحملون هواتفهم والمشاعل الملتهبة، وفي نهاية المرفأ بدأت الألعاب النارية. انطلقت للأعلى خطوط من شرارات ذهبية وبلغت عنان السماء وانتهت بنقاط ملونة: في البداية وردية، ثم زرقاء، ثم وردية مجددا، وألقت ضوءها المخدر للحظة عابرة على الرمال والمياه. وتبع ذلك صوت صفير خافت مثل التنفس، وفوقهم في السماء، كانت تنفجر بلون زهور حمر، وصفر، ثم خضر، مخلفة وراءها مسننات ذهبية ناعمة. بع ذلك انفجرت الألعاب النارية، أولا بلونها الصامت والمضيء، أعقبها صوت فرقعات: فرقعة عالية مثل شيء ينكسر، أو زئير منخفض وعميق يتغلغل في الصدور، وحينها أمكن إيدان أن يرى المقذوفات الصغيرة تطير عاليا للسماء من المرفأ، ويصاحبها الفحيح، وكانت في البداية غير مرئية تقريبا، ثم تنفجر للخارج وتتحول لشظايا مضيئة. وكانت تلمع مثل البكسيل، بلون أبيض براق يخفت بالتدريج للون أصفر ثم ذهبي وأخيرا ذهبي داكن قبل أن يصبح أسود. وكان أجمل لون هو الذهبي الداكن الذي سبق الأسود: بلون الجمر، لكنه أعمق من الفحم المشتعل. وفي النهاية حينما أصبحت في القبة السماوية تعين عليهم أن يمدوا رقابهم لرؤية المشهد كله، ثلاثة شهب صفر مخدرة، غطت السماء، والتهمت الظلمة المخيمة عليها. ثم انتهى كل شيء. واشتعلت أنوار الشارع ثانية.

وكانت بصحبته بولين تفرك وجهها وأنفها بيديها. البرد مجددا. وأدرك إيدان بشكل مبهم أن أشياء كثيرة تعتمد الآن على انطباعات بولين حول هذه الألعاب: هل استمتعت بها - إن لم تعجبها، ولو اعتقدت أنها مضجرة، فهو لن يكتفي بالامتناع عن حضور المهرجان، وإنما أيضا بالمثل لن يشعر بالرضا لمرآها، وسيموت في قلبه إحساس طيب وجميل لازمه في الفترة المنصرمة.

لم ينطق بكلمة. واستدارا للخلف مثل البقية وابتعدا عن الشاطئ. كان من الممكن أن يسيرا بسرعة واحدة، سرعة الحشود، وكانت تبدو بطيئة ومتعبة بالنسبة لحركة أي إنسان. بهذه الخطوات تابع إيدان الاصطدام بالآخرين، وكان الأطفال ينطلقون بسرعة غير متوقعة أمامه، وخلفهم العربات والمقاعد المتحركة. ويتركونه وراءهم إلا بولين استمرت بجانبه، وفي نهاية الرصيف سألته هل سيرافقها للبيت. قال: بالتأكيد.

كانت تقيم في أحد البيوت عند جبهة النهر. وكان يعرف المكان، وهو مكان كل بيوت الاستجمام، له جدران زجاجية تقابل المحيط. وخلال المشوار، أصبح الزحام وراءهم. وعندما وصل إلى مكان إقامتها، كانا وحدهما فقط والصمت يطبق عليهما. كانت هناك أشياء كثيرة لا يعرفها عن بولين - الكثير، وألح عليه على نحو مدهش ومختلف وغريب أنه يجب أن يفهمها - ولكن من المستحيل أن يبدأ بطرح الأسئلة دون سبب. فهو لا يعرف كنيتها، ولا مسقط رأسها، وماذا تفعل في أيامها ولياليها، ومن هي عائلتها. وهو لا يعرف عمرها. ولا كيف تعرفت على ديكلان، ولا درجة عمق هذا التعارف.

ثم قال إيدان: لمعلوماتك، إضافة لكلامنا السابق في تلك الليلة، في الواقع شاركت السرير مع إحدى النزيلات لليلة واحدة. ولن أعترف بذلك لديكلان، لأنه لا يؤيد مثل هذه العلاقات.

خطفت عينا بولين منه نظرة وسألته: ومن هي تلك النزيلة؟.

لا أعرف. امرأة وحيدة. كانت أكبر منك قليلا، ربما في الثلاثينات من عمرها.

وهل كانت ليلة طيبة؟ أم سيئة؟.

قال إيدان: لم تكن عظيمة. هذا لا يعني أن الولوج كان غير مريح، ولكن إحساسي به لم يكن مطمئنا. كان تصرفا طائشا.

لكن استمتعت بالجنس.

لا بأس. أعني بالتأكيد كان ممتعا. إنما لا أتذكره الآن. في حينها اعتقدت ربما هي متزوجة. ولكن لا أعلم على وجه اليقين - فكرت بذلك في حينه فقط.

قالت بولين: ولماذا شاركتها السرير؟.

صمت لدقيقة. ثم قال: لا أعلم. كنت آمل أن لا تستفسري عن التفاصيل.

ماذا تعني؟.

يبدو عليك التفهم لهذه العلاقات. ولكن سؤالك الأخير جعلني أشعر كأنني قمت بعمل غريب وغير مستحسن.

توقفت بمكانها ووضعت يدها على عمود إحدى البوابات، ولا بد أنها بوابة بيتها. وتوقف مثلها. كان وراءها بيت واسع بنوافذ كبيرة، مفصولة عن الشارع بحديقة، وكانت الأنوار مطفأة.

قالت: لا أعتقد أنه عمل غير مستحسن. كانت لدي علاقة مع صديق متزوج. وكنت أعرف زوجته - معرفة خفيفة، ولكن أعرفها. وأنا لا أسأل لماذا فعلتها لأنني أعتقد أنه من المحزن أن تنام مع إنسانة متزوجة. أفترض أنني سألت نفسي لماذا نقوم بتصرفات لا نقر بها؟. وأعتقد أن لديك الجواب، ولا بأس إن لم يكن عندك تبرير. أنا مشاعري غامضة بهذا الخصوص.

جيد. حسنا، هذا يحسن من حالتي النفسية. ليس لأنني مسرور لأنك غير واضحة، ولكن أشعر بالإطمئنان لأنني لست وحدي بهذا الموقف.

هل أنت بحالة نفسية مضطربة الآن؟.

قال: لا. الآن يسعدني أن أقول إنني بلا أي موقف محدد. أشعر كأن حياتي لا تتطور بشكل طبيعي. وأعتقد لو سقطت جثة هامدة لن يهتم أحد بي سوى الشخص الذي سيكلفونه بتغطية نوبتي في العمل. ولن ينتابه الحزن لموتي، بل الانزعاج من عناء العمل الإضافي.

قطبت بولين ملامحها. وفركت حديد البوابة بيدها كأنها تفكر. وقالت: حسنا، لست أعاني من هذه المشكلة. في حالتي أعتقد ستقع تطورات كثيرة. الآن أرى أن كل من قابلتهم يريدون شيئا مني. وأشعر لو أنني سقطت ميتة سيقطعون جسمي إربا إربا ويبيعونه في المزاد.

تقصدين أولئك الذين كنت معهم، في الفندق.

ضحكت. وحكت ذراعها مجددا. وسألته: هل يريد أن يرافقها إلى داخل بيتها، فقال نعم.

كان البيت واسعا، ومع أنه مفروش يبدو فارغا بشكل غريب. فالسقف مرتفع وبعيد عن متناول الأيدي. تركت بولين المفاتيح على طاولة في الممر وتقدمت في أرجاء البيت لتشعل الأنوار بنمط عشوائي. وبلغا غرفة المعيشة فجلست على كنبة خضراء عملاقة تحتل زاوية، وكانت مسطحة مثل السرير، ولكن الوسائد موزعة في الخلف. ولم يجد جهاز تلفزيون وهناك رفوف خاوية تماما. جلس على الكنبة ولكن بعيدا عنها.

قال: هل تعيشين هنا بمفردك؟.

نظرت حولها بطفولية، كما لو أنها لم تفهم ماذا يقصد بـ “هنا”. وقالت: آه. حسنا. فقط حاليا.

كم سنة تعني كلمة حاليا؟.

دائما الناس تسأل أسئلة من هذا النوع. وهي غير ضرورية. الجميع يريد أن يعرف ماذا أفعل وكم مضى علي وأنا هكذا. وأحب أن أكون وحدي فعلا لبعض الوقت وأن لا يعرف أحد أين أنا أو متى سأعود. ربما لن أعود أبدا.

نهضت من الكنبة وسألت: إن كان يرغب بشراب. وكانت قد تحررت من تأثير كلامها السابق، عن حب الانزواء، وعدم الرغبة بالعودة. وبدا له ذلك مثل مجاز. لكنه نفض كتفيه بغير اهتمام.

قالت: عندي زجاجة ويسكي. ولا أريد أن تفهم أنني مدمنة. أحدهم قدمها هدية لي - لم أشتريها بنفسي. هل ترغب بنصف كأس، وسأشاركك بنصف مثله؟. إن كنت لا تريد لن أشرب بدوري.

قال: ولم لا. سأشرب كأسا.

غادرت الغرفة، ليس من الباب، ولكن من قوس مفتوح. كان البيت مفتوحا وممدودا على نحو يدفع الإنسان للقلق. ولذلك لم يكن بوسعه أن يدرك أين ذهبت وكم يبعد مكانها. فقال بصوت مسموع: إن كنت تريدين أن تنفردي بنفسك أنا مستعد للانصراف.

ظهرت تحت القوس فورا وقالت: ماذا؟.

كرر قوله: إن أردت الانفراد بنفسك كما أخبرتيني منذ قليل لا يسعني التطفل على حياتك.

قالت: آه، كان كلامي ... فلسفيا. هل كنت تهتم له؟. هذه أول أخطائك. كل ما أقوله لا معنى له. أخوك يعرف كيف يتصرف معي. هو لا يسمع ولا يهتم. سأعود بعد ثانية.

واختفت مجددا. ماذا يعني أن “ديكلان يعرف كيف يتعامل مع ” بولين؟. هل على إيدان أن يسأل؟. ربما هذه فرصته ليستفسر. ثم عادت وبيديها كأسا ويسكي امتلآ لمنتصف المسافة. قدمت له واحدا. ثم جلست على الكنبة قربه، أقرب من السابق بقليل. ولكن دون تلامس. رشفا من الويسكي.   لم يكن إيدان يشربه طوعا، لكن كان مذاقه مقبولا.

قالت بولين: أنا آسفة من أجل أمك. أخبرني ديكلان أنها توفيت.

نعم. شكرا لعاطفتك.

صمتا. رشف إيدان مجددا. رشفة أكبر. ثم قال: أنت تقابلين ديكلان كثيرا، أليس كذلك؟.

هو صديق بالسيارة فقط. أقصد هو الصديق الوحيد الذي يمتلك سيارة. وهو لطيف، ودائما يقودني بجولات عامة. وعادة يتجاهل سخافاتي. وأعتقد أنه يعتبرني امرأة مزعجة. ولم يعجبه في تلك الليلة الأسئلة الفظة التي وجهتها لك. ولكنك أخوه الأصغر - ويعتقد أنك بريء جدا.

وانتبه إيدان بشكل خاص لحقيقة أنها استعملت كلمة “صديق” أكثر من مرة لتشير إلى ديكلان. وشعر أن للكلمة معنى واحدا فقط - وارتاح لهذه النتيجة.

رد بقوله: هل يعتقد هذا؟. أنا لا أعرف طبيعة أفكاره عني.

قالت بولين: أخبرني أنه لا يعرف إن كنت شاذا أم عاديا.

آه، حسنا، كما أخبرتك، أنا لا أتبادل الكلام معه حول الخصوصيات.

لم ترافق امرأة لبيتك على الإطلاق؟.

قال إيدان: ها أنا أمامك هنا. وهو أخبرك كل شيء عني لكن أنا لا أعرف شيئا واحدا عنك.

ابتسمت. كانت أسنانها بيضاء تماما ومتناسقة، لها مظهر رومنسي، مع ظل أزرق تقريبا. قالت: ماذا تريد أن تعرف؟.

حسنا، ينتابني الفضول لأعرف ماذا أتى بك لتعيشي هنا. لا أعتقد أنك من هذه المنطقة.

هل هذا كل ما يقلقك؟. يا للمأساة. بدأت أعتقد أنك فعلا بمنتهى البراءة.

قال إيدان: هذا ليس مقبولا منك.

جرحها رده، وحدقت بكأسها لدقيقة، وقالت بحزن: لست مضطرا لتعتبر أنني إنسانة مقبولة.

ولم يجد ردا مناسبا على قولها. والحقيقة أنه لم يكن يتصورها شخصية لطيفة ومقبولة. اللطافة برأيه مجرد مقياس عام يتطلب من الناس التحلي به.

وضعت كأسها الفارغة من يدها على طاولة المكتب وعادت للكنبة وجلست عليها. وقالت: حياتك ليست مضطربة كما قد تعتقد.

رد قائلا: حسنا. ولا حياتك.

كيف لك أن تعلم على وجه اليقين؟.

قال إيدان: الجميع يريدون أن تهتمي بهم، وماذا بعد؟. لو شعرت بالبغضاء بمقدورك التحرر من القيود في أي مكان - ماذا يمنعك من الشيطنة؟.

أمالت رأسها لأحد الطرفين، ووضعت يدها بنعومة تحت ذقنها، وقالت: هل تقصد أن أبتعد لبلدة نائية على البحر؟. وأعيش حياة هادئة - ربما أستقر مع ابن بلد يعمل بجد ونشاط ليكسب قوت يومه. هل هذا كل ما يدور في رأسك؟.

آه. اللعنة.

أطلقت ضحكة عصبية خفيفة ومنغمة.

فأضاف: أنا لا أطلب منك أي شيء.

ماذا تفعل هنا معي إذا؟.

وضع كأسه من يده. وقال: أنت من وجهت لي الدعوة. وتذكري أنك اقترحت أن نشاهد الألعاب النارية معا. ثم طلبت مني مرافقتك للمنزل سيرا على الأقدام، وفي النهاية دعوتني للدخول. فهل أنا الرجل الذي يقحم نفسه على حياتك الخاصة؟. لم أطلب منك أي شيء.

وفكرت بأقواله بتجلد وصبر. وفي النهاية قالت: حسبت أنك معجب بي.

ما معنى ذلك؟. هل إعجابي بك أمر يسيء لسمعتي؟.

ردت كأنها لم تسمع قوله: وأنا معجبة بك.

وشعر بالاضطراب يعصف به بعد هذا الجدل. اضطراب وصل لدرجة اليأس الشامل. وقال: جيد. اسمعي. يجب الآن أن أنصرف.

كما تشاء.

وفجعه الشعور بهذا الفراق - فراق طلبه شخصيا ثم وضع نفسه تحت رحمته - مثل محنة عظيمة، تقريبا ألم محسوس. ولم يمكنه أن يقتنع تماما أنه سيحتمل ذلك، ووقف بقامته أمام الكنبة والتفت ليتوجه نحو الباب الذي جاء منه. لماذا كل شيء يأخذ منعطفا غريبا الآن؟. في أية نقطة بدأت علاقته ببولين تعتدي على القواعد الطبيعية للتواصل الاجتماعي؟. كانت عادية. أم هل كانت عادية فعلا؟. حتى الآن لا يعلم هل هي فتاة أخيه التي تشاركه السرير.

لم تنهض عن الكنبة لتودعه. وتوجب عليه أن يشق طريقه نصف المضاء، عبر البيت الموحش وحده، وهو يتعثر في الممر المعتم ثم فجأة من خلال غرفة الطعام المشعة بأضواء تعمي البصر، حتى بلغ الباب الأمامي. لماذا تكلمت معه بتلك الطريقة، عن الاستقرار برفقة “شاب محلي لطيف”؟. لا بد أنها حاولت استفزازه. لكن لماذا؟. فهي لا تعرف شيئا عن حياته الشخصية. ولكن لماذا يفكر بها إذا؟. في هذه اللحظة وهو يمد يده لباب بيت بولين الأمامي، بزجاجه اللماع العاكس للإضاءة، لاحظ خيال وجهه غير الواضح، شعر إيدان بهذه الأسئلة وهي تبحث عن جواب غير جاهز في ذهنه.

*

بعد عدة أسابيع وهو في الغرفة الخلفية يبحث عن محول أوروبي للطاقة من أجل أحد نزلاء الطابق العلوي جاءت ليديا وأخبرته أن شخصا بانتظاره في غرفة الاستقبال.

قال: وماذا يريد؟.

قالت ليديا: يريدك أنت. إنهم يطلبونك.

أغلق إيدان الدرج السحاب الذي يحتفظ فيه بمختلف أنواع المحولات الخاصة بالفندق، وكما لو أنه يمر بحلم أو يخرج من لعبة فيديو، وأصبحت تصرفاته تحت تأثير نوع من أنواع الذكاء الفائق. فوقف على قدميه وتبع ليديا وغادر الغرفة الخلفية برفقتها، واتجه للمكتب الأمامي. وحتى قبل أن يرى بولين أو يسمعها كان يعلم أنها من تنتظره هناك. وتأكد من ذلك. كانت ترتدي ثوبا يبدو أنه من قماش ناعم ومرتفع الثمن. وبرفقتها رجل أكبر بالعمر وذراعه حول خصرها. وانتبه إيدان لكل ذلك دون مشاعر خاصة. كانت صورة بولين في ذهنه مضطربة أساسا وغامضة. وحينما رآها أمامه لم يكن وضعها يدل على أي شيء إضافي أو جديد حقا.

قال إيدان: حسنا. كيف يمكنني مساعدتك؟.

قال الرجل: نريد حجرة.

ولمست بولين أنفها بطرف أصابعها. وربت الرجل على ذراعها، وقال: أنت تزيدين الوضع سوءا. انظري. سينزف مجددا.

قالت: ولكنه ينزف.

كان يبدو من صوتها أنها مخمورة. واستطاع إيدان أن يلاحظ أن أصابعها ملوثة بالدم حينما أبعدتها عن وجهها. انحنى على الكومبيوتر المركون على الطاولة ولكنه لم يفتح صفحة حجز الغرف مباشرة. بلع وتظاهر أنه ينقر شيئا ما، في الواقع نقر لا على التعيين. هل كانت ليديا تراقبه؟. فهي قرب الطاولة، على يمينه قليلا، و لم يتمكن من التأكيد أنها تنظر.

قال إيدان: كم ليلة؟.

قال الرجل: واحدة. هذه الليلة.

قالت بولين: لن يكون لديهم أي شيء محترم لهذه الفترة القصيرة.

قال الرجل: حسنا. لنر إذا.

قالت له: لو أخبرتني بقدومك لرتبت نفسي.

قال الرجل: تمالكي نفسك رجاء.

بلع إيدان ثانية. وبدأت موجة من المشاعر تنتفض في داخل رأسه، مثل صوت ضغط زر الإضاءة، إشعال وإطفاء. حرك الماوس حول الشاشة بتكبر ثم، على نحو مفاجئ، تظاهر أنه يطبع شيئا مع أنه لم يفتح لوحة المفاتيح على الشاشة. وتأكد له أن ليديا تراقبه. وأخيرا ابتعد عن الكومبيوتر ونظر للرجل.

قال: كلا. آسف. ليس لدينا غرف شاغرة الليلة.

نظر له الرجل. وكذلك فعلت ليديا. سأله الرجل: ليس لديكم غرف؟. هل كل الغرف محجوزة في الفندق؟. في وسط نيسان؟.

قالت بولين: أخبرتك سلفا.

قال إيدان: آسف. يمكننا تقديم غرفة في الأسبوع القادم إن أحببت.

وفتح الرجل فمه كأنه يضحك، ولكن لم تصدر ضحكة عنه. وأبعد ذراعه عن خصر بولين، ورفعها بالفراغ، وسمح لها بالهبوط إلى جانبه. كان إيدان حريصا أن لا ينظر لبولين أو ليديا أبدا.

كرر الرجل: لا توجد غرف. كلها محجوزة. وهذا فندق.

قال إيدان: آسف لا يمكنني مساعدتك.

نظر الرجل لبولين. فقالت: حسنا، ماذا تريد مني أن أفعل؟.

وبردة فعل منه رفع الرجل ذراعه مجددا وأشار إلى إيدان. وقال: هل هذا من تنامين معه في السرير؟.

قالت بولين: آه، لا تكن أحمق. هل ستصاب بالبارانويا الآن بعد كل ما حصل؟.

قال الرجل: ولكنك تعرفينه. فقد سألت عنه.

هزت بولين رأسها، ولمست أنفها بنعومة، وابتسمت ابتسامة اعتذار خاطفة وجهتها لإيدان وليديا من وراء الطاولة. وقالت: آسفة. سنغادر حالا. هل يمكن أن تطلب لنا سيارتي أجرة؟. سأكون ممتنة لذلك حقا.

قال الرجل: آه. ألا يمكننا تشارك سيارة أجرة؟.

ردت بولين ببرود: لا. سنذهب باتجاهين متعاكسين.

قال الرجل بصوت خافت مع ابتسامة جمدت على وجهه: لا أصدقك. لا أصدقك.

ثم استدار وتوجه نحو الباب المزدوج لمدخل الفندق. تناولت ليديا الهاتف لتستدعي سيارة أجرة من الشركة. وحملت بولين قلم الفندق من الطاولة دون أي تبدل بهيئتها، وسجلت شيئا، ثم مزقت الورقة من الدفتر. وأخرجت بعض النقود، وطوتها داخل الورقة، ودفعتها بكل هدوء نحو إيدان على الطاولة. ثم ابتسمت وقالت وهي تنظر إلى ليديا فقط: شكرا جزيلا. وانصرفت، وخرجت بعد الرجل من الباب المزدوج.

وبعد أن تأرجح الباب وأغلق نفسه، كانت ليديا لا تزال قرب الهاتف. جلس إيدان وتأمل الفراغ الممدود أمامه. وسمع ليديا تقول مع السلامة، ثم سمع الصوت الخفيف للسماعة وهي تهبط على الحامل. واستمر بجلوسه دون حراك. ومدت ليديا يدها إلى الورقة المرمية على الطاولة ودفعتها باتجاه إيدان بطرف القلم، كما لو أنها لا تريد أن تلمسها. ثم قالت: تركت هذه الورقة لك.

لا أريدها.

واستعملت ليديا القلم لتفتح الرسالة.

قالت: فيها مائة يورو.

قال: حسنا. احتفظي بها لنفسك.

ولم تنطق ليديا بكلمة لعدة لحظات. واستمر إيدان بجلوسه وهو ينظر بلا هدف أمامه. 

قالت ليديا كأنها عزمت رأيها: سأضيفها إلى البقاشيش. وتوجد رسالة لك أيضا. ألا تريدها كذلك؟. أعتقد أنها تشكرك بها فحسب.

قال: أهمليها. أو بالحقيقة هاتيها.

قدمتها ليديا له. ودون أن ينظر إليها، أودعها في جيبه. ثم نهض من الكرسي وعاد للغرفة الخلفية ليواصل البحث عن محول طاقة للنزيل الموجود في الأعلى. و بعد ذلك لم يقابل بولين مجددا، فقد غادرت المدينة بغضون أيام قليلة.

2019

***

........................

سالي روني   Sally Rooney كاتبة إيرلندية معاصرة. من أهم أعمالها: أناس عاديون، الثرثرة مع الأصدقاء. والترجمة عن “أفضل القصص القصيرة لعام 2021: الفائزون بجائزة أو هنري”. تحرير شيماماندا نغوزي أديشي. محرر السلسلة: جيني مينتون كويغلي. أنكور بوكس. 2021

 

 

2431 لويز غليكترجمة: عادل صالح الزبيدي


 الهجرات الليلية

هذه هي اللحظة التي ترون فيها مجددا

الثمر الأحمر لشجرة الدردار الجبلية

وفي السماء المظلمة

هجرات الطيور الليلية.

 

يحزنني التفكير

في أن الأموات لن يروها—

هذه الأشياء التي نعتمد عليها،

انها تختفي.

 

ما الذي ستفعله الروح لعزائها حينها؟

أقول لنفسي إنها ربما لن تحتاج

الى هذه الملذات بعد الآن؛

ربما مجرد عدم الوجود هو ببساطة كاف،

ولو ان من الصعب تخيل ذلك.

***

................

شاعرة أميركية من مواليد مدينة نيويورك لعام 1943. تلقت تعليمها في كلية سارة لورنس وجامعة كولومبيا. شغلت غليك منصب شاعر الولايات المتحدة  للفترة 2003-2004 ونالت أعمالها جوائز عديدة توجت أخيرا بفوزها بجائزة نوبل لعام 2020. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (منزل الهور) 1975؛ (انتصار اخيل) 1990؛ (السوسنة البرية) 992؛ (الحياة الجديدة) 1999؛ (بوابة الجحيم) 2006؛ و(حياة قروية) 2009.

 

 

2432 murrayترجمة صالح الرزوق

خفت حدة حرارة الصيف، واجتمعت نساء القرية بحلقات صغيرة في الساحة بين الأكواخ الخشبية، وأصبح الجميع محاصرا بغابة خضراء معشوشبة ويكثر فيها الكتان.  انشغلت بعض النساء بحياكة أقمشة خشنة من الكتان وألياف مختلفة، والبقية انشغلن بتحويل جلود الحيوانات إلى أثواب وسجاجيد. بعض الرجال أعادوا إغلاق الأكواخ، ومن تبقى كانوا يبحثون عن أغصان متساقطة بعيدا من أجل الوقود. وجلست جماعة من أربع نساء، بسيقان متقاطعة، لغزل خيوط الكتان. نظرت راشيل، امرأة قصيرة بالعشرينات، بشعر أسود وعينين كتيمتين بنيتين، إلى الأعلى وسألت بهدوء صديقاتها، هل لاحظن أي تبدل واضح بحياتهن في الشهور الماضية. هل تبدل شيء مع دورة القمر؟.هز البقية رؤوسهن. 

فقالت:“لست متيقنة إن كنت أتخيل ذلك. لكن يبدو أن ناتان تبدل قليلا. هو إنسان طيب ومحب مخلص، ولكن يبدو مختلفا قليلا. كان دائما حريصا، والآن يفرط بالحرص”. نظر البقية إلى الأعلى، ولكنها أشارت لهن لمتابعة العمل والاستماع دون أن يكلفوا أنفسهن عناء النظر. وتابعت تقول:”كان دائما جيدا في ممارسة الحب حتى أبلغ الذروة. ولا يزال كذلك. ولا يوجد من هو أفضل منه بهذا الخصوص”. وصمتت وسمحت لعينيها بالتقاط نظرة مما حولها دون أن تحرك رأسها. وبدا أن بقية النساء الثلاثة على وشك الكلام. لكنها رفعت يدها قليلا نحو ديبورا الجالسة على يمينها. فترنحت للأمام والخلف وقالت:” ما دام الموضوع أصبح مفتوحا.  وجد زاك أيضا عدة أساليب ناجعة للتعامل مع مناطقي الحساسة. يا إلهي!. لم أتصور أنني قادرة على الكلام عن أشياء حميمة جدا. أنتن من فتح هذا الباب فأطلقت لنفسي العنان”.

وأشارت ليه التي لها هيئة تمثال وقالت:”نعم، الأشياء الصغيرة، الأشياء الجميلة التي تدفعني لأتفتح مثل وردة ملونة، كما لو أنني إنسانة خاصة حقا. ولكن الآن أعتقد أن جيديون ليس كالسابق. لم يكن جيديون فنانا بهذا الشكل”.

والتفتت كل العيون نحو هانا المليئة. اشتعلت عيناها وانتشر لون أحمر على كل وجهها. ونكست نظرتها. وقالت:”هذا شيء طبيعي. وليس عليكن أن تتسترن عليه”.  ثم تنهدت ونظرت للأعلى مع ابتسامة ناعسة وأومأت بقوة وقالت:”نعم هذا صحيح. ولكنه مدعاة للتعجب قليلا”.

قالت راشيل بدماثة:”بدأنا نتعلم من أنفسنا، ولكن لا يمكنني الادعاء أننا نعرف الحقيقة بعد. ولدي إحساس أن هناك خطأ ما. وهذا بالنسبة لنا. لكن ماذا عن بقية نساء القرية؟ هل لاحظن شيئا طارئا”.

قالت ديبورا:”أفهمك. أنت تعتقدين أنه علينا أن نسأل الأخريات بشكل غير مباشر عن أي تغيير على العلاقات الحميمة”.

أكدت راشيل قائلة:”بالضبط. يبدو من المستغرب قليلا أن رجالنا لم يكونوا في السابق ماكرين معنا لهذه الدرجة. لم نشعر بالرضا من قبل مثل الآن”. ردت ديبورا:”وما معنى هذا برأيك؟”. 

“لا أعرف بعد. دعينا نتبادل الرأي لنتأكد أن الحالة ظاهرة عامة”.

“نعم”.

“في كل الأحوال احرصي أن لا يتسرب شيء من كلامنا للرجال. هذا أفضل. لا نريد أي فم ثرثار أو إشاعات. اخفضي صوتك قدر المستطاع”.

***

في بواكير ما بعد الظهيرة تبدل الطقس في البلدة. وهبت من الجنوب ريح حارة وجافة ليس هذا وقتها. حملت الغبار من الأرض. والتصقت الأوساخ بالجلد المتعرق. وتورمت زوايا العيون. وغطى الغبار مقلة العينين، وجفت الخياشيم ويبست، وزادت كثافة اللعاب في البلعوم. وتجمع العرق تحت الآباط، وتحت الثديين وفي بقية الغضون والتجاعيد. كانت خطوات راشيل غير متساوية. فلحقت بها ديبورا حينما كانت بالطريق لكوخها، ولمست ذراعها. التفتت راشيل. وتمتمت ديبورا تقول:”هل بمقدورنا أن نتكلم؟”.

“طبعا. من الأفضل أن لا نتكلم في أماكن عامة. يمكننا أن نتابع إلى بيتينا ومن هناك نواصل على طول الممر لمكان الاستحمام”. صمتت قليلا وأضافت:”الطقس مناسب للمسير، والطريق مظلل تقريبا، والهواء أبرد بين الأشجار وفي الغابات”.

ردت ديبورا:”من الأفضل أن نكون بين الأشجار دائما. وربما نغتسل من الغبار والعرق حينما نصل إلى هناك، أو نسبح في البركة العميقة عند الجدار الحجري في الطرف الثاني من الجدول”.

“نعم. هذه فكرة جيدة”.

وتقدمتا بصمت بين الأكواخ المتقابلة واختارتا الممر الرملي لتصلا إلى مكان الاستحمام.

سألتها ديبورا:”هل لديك أخبار مؤكدة عن أولويات الرجال. أود أن أكون متيقنة وأن لا أتسرع بأي شيء”.

“ولكن هل هناك شيء آخر؟”.

“إذا جد جديد يجب أن نعلم به”.

“لعله شيء خطير؟ أقصد خطير جدا. هل بمقدورك أن تخبريني؟. لقد حركت أشجاني”.

وضعت راشيل ذراعها على كتفي ديبورا وقالت:”نعم، بمقدوري ذلك. أنا واثقة من تكتمك”.

“إذا ماذا يجري برأيك؟”.

“لدي عدة أفكار مزعجة. واستشارتك بها قد يساعد في حلها”.

“أنطقيها إذا”.

“سأفعل. ولكن تذكري أنني لست مرتاحة لها. وربما هي غير صحيحة. واحذري قد تبدو لمسامعك سخيفة حين أخبرك بها”.

أومأت ديبورا ووضعت يدها على كتف راشيل القريب منها وقالت:”أفكاري تذهب باتجاه جنوني الآن. وناثان يبدو بنظري مختلفا عما قبل. وصلت لذلك بعد عدة مناسبات غرامية. يبدو لي أن عوده أصلب. وهو شيء لا أعترض عليه.  لقد أصبح ممتعا حقا. المشكلة أن هذا ليس أسلوب ناثان، أو على الأقل لم يكن كذلك. فهو الآن يباشرني بطريقة ألطف قليلا، وأبطأ، وأحيانا أتمنى لو أستعيد ناثان السابق”.

“وهل من دليل على أقوالك؟”.

“كلا. لا يوجد. تقريبا أصبح مختلفا تماما. وهذا شيء مرعب. كما لو أنه غريب عني. كأنه يبالغ ودائما أشعر بالإنهاك. هل تفهمينني؟”.

“هذا شيء متوقع وممكن. ولكن لم أفكر به بطريقتك. مع ذلك كأنه يؤثر بأحاسيسنا المختلفة. أعتقد أنه يشبه الاغتصاب”.

“بالضبط. أنا أتفق معك. لقد مرت على ذلك عدة دورات قمرية”.

وبلغت المرأتان الماء ووصلتهما رائحة الماء الخفيفة المختلطة بعبير الزهور البرية. وكان الهواء راكدا وباردا. وارتفعت روحاهما لمرأى الانعكاسات. وتخلصتا من ثيابهما، وتركتاها عند الحافة ووضعتا عليها حجرة حتى لا تنجرف، ودخلتا في المياه، وتابعتا حتى المياه العميقة عند الجدار الحجري. وبعد ذلك غاصتا في الماء. وسبحتا حتى طهرتا نفسيهما، ثم تبادلتا الكلام وهما ظهرا لظهر، وخرجتا عن صمتهما الذي يقطعه خرير الماء.

قالت ديبورا متعجبة:”نعم، أنا أفهمك. مع أنها فكرة مخيفة. ولكن لم تخطر لي. أنا أشعر بذلك الآن. من المخيف أن نكون على علاقة قوية بأغراب، أغراب شريرين ويتركون نطافهم في أرحامنا. ماذا جرى لرجالنا؟. لو صح ذلك أين ذهبوا؟. هذا شيء جنوني فعلا”.

وتبدل المزاج لهذه الفكرة. واقتربتا من الحافة بعدة ضربات من الذراعين، وغسلتا ثيابهما ثم نفضت كل منهما ملابسها بالحجرة، وبعد أن عصرتاها قامتا بنشرها على الأشجار لتجف بالهواء الحار.

سألت ديبورا:”وماذا الآن؟”. قالت راشيل:”لا يمكننا أن نتصرف حتى نتأكد. نحتاج لعدة أيام إضافية. وهذا سيوضح حقيقة الموضوع. وحتى ذلك الحين علينا أن نصبر ونتظاهر أن كل شيء على ما يرام”.

“كم مضى عليك مع هذه الأفكار؟. ولا سيما أثناء ممارسة الحب؟”.

“هذا أحد الأسباب التي تدعوني لعدم إقلاق الأخريات. لو أن هؤلاء الرجال متنكرون، وهم من قتل أزواجنا الحقيقيين، فهم بمنتهى الخطورة. أنا خائفة يا ديب. ليس علينا فقط ولكن على أولادنا”. 

ارتديتا الملابس التي لم تجف تماما، وعادتا من نفس الممر المغبر.  كانت الشمس منخفضة، ولكن استمرت الحرارة تخنقهما ببربرية.

***

بعد سبعة أيام ترافقت أربع صديقات نحو بقعة الاستحمام. اثنتان معا، واثنتان على انفراد. وجلسن على الشاطئ المغطى بالحصى ووجوههن للداخل.

سألت راشيل:”عن ماذا أسفرت تحرياتنا؟. هل لديك شيء يا ديب؟”.

“نعم. تكلمت مع خمس عشرة امرأة، على انفراد أو بأزواج أو بمجموعات من ثلاث. كانت الاستجابة أفضل مع الجماعات. اثنتا عشرة منهن أكدن ملاحظة التغير”. التقطت أنفاسها وتابعت:”من الأفضل أن أبدأـ مما وصلت له”.

سألت راشيل:”هل تتذكرين من هن؟- اللواتي لاحظن التبدل”.

“بالتأكيد”.

“وأنت يا ليه؟”.

“نفس الشيء. اثنتا عشرة من ثمانية عشرة. وأعرف من لاحظت شيئا”.

“هانا؟”.

“ليس كثيرات. تسعة من اثنتي عشرة”. 

“وهل تتذكرين من؟”.

أومأت هانا عدة مرات. وقالت راشيل:” سبعة عشرة من واحدة وعشرين في حالتي”.

وبعد عدة دقائق تابعت تقول:”أعتقد يكفي أن أقول إننا متأكدات من حدوث شيء ما. والنتائج تختلف بين المجموعات التي تحريناها. ولكن يبدو أن أكثر من نصف عدد النساء شهدن الحالة”.

ووافقت الأخريات بإيماءة. 

تابعت راشيل تقول:”ما معنى ذلك؟. لقد تبادلت الرأي مع راشيل. ولكن من الأفضل لو استمعنا لرأيكن أولا”.

دخلت هانا بالحوار وقالت:”جميعكن تعلمن جيدا أنني استمتعت بالتغير. ولكن بعد التفكير بالأمر، وتبادل الرأي مع الأخريات، تكونت عندي فكرة خبيثة مفادها أن التبدل فاق كل التصورات.  لقد حصل مع عدد كبير من النساء اللواتي تكلمت معهن وسألتهن هل يقوم رجالنا بخدع جديدة، أم أنهم استبدلوا بنسخ مزيفة، وهو شيء يصعب قبوله. هل رجالنا نظائر بالشكل والرائحة واللهجة والإحساس. في كل حال لا يمكنني تصديق أي من هذه المزاعم”. صمتت وتابعت:”ولا يمكن أن أفكر بحل وسط”.

“وأنت يا ليه؟”.

“نعم. هذا مرعب. أن أفكر أنني أقمت علاقة مع غريب متنكر واستمتعت بها. ربما هي علاقة طيبة لكن هل هي حقيقية. ومن يمكنه أن يستمر بهذا الجو لفترة طويلة دون أن يخطئ؟. أن يتنكر بالمظهر والصوت والرائحة وحتى اللهجة دون تردد. هذا يفوق قدرات أي رجل”.

سألت ديبورا:”هل تعتقدن أن هذا يعني أن شركاءنا بالحياة ليسوا رجالنا؟. هل يعني أنهم ليسوا رجالا حقيقيين؟. بل ملائكة سود أشرار مثل الحكايات التي رواها لنا آباؤنا؟”.

قالت ليه:”لست متيقنة. لو أنهم جواسيس علينا من الصعب أن يتقنوا التنكر لهذه الدرجة. وإذا نجحوا بالتنكر في البداية فنحن نشك بهم الآن بسبب ملاحظة الاختلافات البسيطة التي نلمسها. ولكن أن تستمر اللعبة هكذا فهو شيء فوق طاقة أي رجل. نعم، ربما هم ملائكة الله السود”.

“أنا وراشيل لدينا سؤال فظيع آخر. لو تم استبدال أزواجنا ماذا  جرى للأزواج الحقيقيين؟”.

وقالت ديبورا:”هناك نقطة إضافية يمكن أن أثيرها. أراهن أن رجالنا المحبوبين والمخلصين، كعشاق وأشخاص من عامة الناس، هم مثاليون وكاملون. أحيانا يسرعون بممارسة الحب، ونحن لن نتذمر لو أنهم بلغوا النشوة بعدنا بقليل، ولكن هذا يحصل أيضا. أما زاك - سأدعوه بهذا اللقب -  حاليا يقذف بوقت ممتاز”.

اتسعت عينا هانا وليه معا وتنفستا بصوت ثقيل. ووضعت هانا يدها على فمها.

قالت راشيل:”فعلا. هذه نقطة ممتازة. وصحيحة جدا. وأعتقد أننا لاحظنا هذا كلنا. أقول هو تطابق”. ودخلت بفترة صمت مهيب ثم قالت:”ولا زلت أفكر بالموضوع. هل هذا ما أتمناه؟. أم أن عيني ناثان أصبحتا بنيتين؟ هل لاحظتن شيئا من هذا القبيل على رجالكن؟”.

أيدتها الأخريات. ثم سألت راشيل:”ما العمل إذا؟”.

تركت السؤال معلقا قليلا ثم قالت:”أعتقد علينا أن ننظر لهذا الموضوع بحذر شديد. أنا وديبورا نشترك بفكرة واحدة: أن رجالنا قتلوا. وإلا كيف يمكن أن يختفوا بهذه الطريقة؟”.

هقت هانا ثم عوت، وتردد صدى صوتها عند الجدار الحجري في الطرف البعيد من النهر. وعوت مجددا وقالت:”كلا. لا. لا”. وكررت ذلك حتى ابتلع الظلام صوتها وحوله إلى نواح. وفي النهاية تدبرت أمرها وقالت:”هل يمكن أن يكون هذا الغريب سفاحا بربريا. وأنني وقعت بغرامه. وأحببته. وتناكحت معه. واستمتعت برفقته دورات قمرية. وكأننا نكتشف بعضنا بعضا من جديد”.

ورفعت بصرها نحو راشيل، وكانت وجنتاها مبللتين بالدموع. وأضافت:”وأعتقد أنه بعد كل تلك السنوات أحمل في بطني جنينا. فأنا لم أنزف في الشهر الماضي”.

حضنتها الأخريات وربتن على رأسها، وتقاطرن عليها دفعة واحدة، ودمدمت راشيل:”أعلم أنني أحمل طفلا معي. أخفيت هذه الفكرة طوال أسابيع. ولكن هذا مخيف. وعلينا أن نواجه ذلك بجرأة، مع ذلك لم يحن وقت الولادة. لا يزال أمامنا عدة دورات قمرية. وفي نفس الوقت علينا أن نقرر ماذا يتوجب علينا أن نفعل. كي لا يصبح أبناؤنا أيتاما”.

قالت لي:”هل علينا أن نقرر يا راشيل؟. فنحن لم نسأل بقية النساء عن ما مر بهن مؤخرا”.

“معك حق. هذه نقطة ممتازة. ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكننا التفكير بالموضوع على انفراد. هذا يساعد الجميع على اتخاذ قرار”. 

وصمتت راشيل. وبدت الموافقة على الجميع. فقد أومأن ورفعن أيديهن.

قالت هانا:”أمامنا سؤالان. ما هو أفضل تصرف، وهل يمكننا نحن معشر النساء أن نتصرف”. ثم أضافت:”أود لو أقتل هذا اللعين”.

سألت ليه:”وكيف يمكننا قتله؟. فهم أقوى منا”.

قالت هانا:”نباغتهم أثناء نومهم”.

وتدخلت راشيل بقولها:”وكيف تفعلينها دون أن يتنبهوا ويستيقظوا؟”.

واعترضت هانا بقولها:”هل أنت معي قلبا وقالبا أم ضدي؟. دائما لديك اعتراضات”.

ردت راشيل:”أنا لا أرفض فكرتك. ولكن علينا التفكير بطرق بلا أغلاط. أول ضربة ستوقظهم. وستدب الفوضى ويفتضح أمرنا”.

وصاحت ليه:”لنقطع خصياتهم”.

وانفجرت البنات بالضحك، وصاحت الثلاثة بصوت واحد ومرتفع:”نعم”.

سألت راشيل:”وهل يمكن أن نفعل ذلك دون أن يستيقظوا؟. ولو صحا أحدهم سيوقظ بصراخه كل القرية. ثم سنقع بالمتاعب”.

”لا أستطيع أن أفكر بطريقة الآن ولكن سأصل لحل مناسب”.

وقالت ديبورا إنها ليست متأكدة أنه بمقدورها أن تقوم بعمل عنيف من هذا النوع. كانت تود أن تحمل أولادها وتهرب. وردت راشيل:”شكرا يا ديبورا. علينا أن نفكر بالموضوع. لدينا ثلاث احتمالات ونحن أربع نساء. أن نقتلهم،  أو نخصيهم، أو ببساطة أن نهرب. وعموما نحن جميعا نود أن نهرب. وبقي علينا البحث بالتفاصيل”.

ثم سألت:”هل يجب أن نفاتح بقية النساء بخطتنا”.

وافقت ليه بقولها:”هذا معقول حاليا. وأقترح أن ندعوا النساء المستعدات لتنفيذ خطتنا برجالهن. والأفضل أن نتكلم معهن فرادى أو اثنتين اثنتين. وبعيدا عن القرية. لنقل حين نكون بعيدات نجمع الطعام”.

ردت راشيل:”هذا معقول أيضا”

تدخلت هانا بقولها:”وأنا أشد من أزرك. علينا أن نتجنب اجتماعا واسعا. وهذا يجعل الأمر واضحا ويضعه على نار ساخنة”.

قالت راشيل:”فكرة طيبة يا هانا”.

قالت راشيل:”بقي أمر واحد قبل أن ننتهي. وهو ليس بالهين. علينا أن نخفي كل شيء وعلينا أن نتصرف مع رجالنا كالسابق قبل أن نشتبه بهم. وعلينا أن نكون عاطفيات دائما وبكل الأساليب الممكنة، وأن نمارس الحب بالحماسة المعتادة”.

وغرست نظراتها بعيون بقية النساء، وبالأخص هانا. فاعترضت هانا بقولها:”هذا صعب جدا. هذا يجعلني أشعر أنني مغدور بها ومهانة”.

وعانقتها كل من ليه وديبورا عناقا شديدا للتخفيف عنها. وقالت لها راشيل:”أعلم أنه صعب يا هانا. ولذلك تكلمت بصراحة. أنا أفعل ذلك لما يزيد على دورة قمرية كاملة. ولو انتبه رجالنا لأي شيء ستفشل الخطة، وسنكون كلنا نحن معشر النساء بخطر داهم”.

“ولكن كيف تمكنت من التمثيل كل هذا الوقت؟”.

“لا يمكنني أن أتكلم بالنيابة عن الجميع. ولكن من جهتي كنت أضع في ذهني حبيبي نايثان كلما نمنا معا. وسأكون هنا جاهزة للكلام والاستماع حتى نحل المشكلة”.

عانقتها ديبورا وليه بقوة أكبر وقالت:”شكرا”.

وقالت ليه:”هذه هي الغاية من الصداقة”. وما أن شرعن بالاستعداد للاستحمام حتى قالت راشيل:”علينا أن نؤكد لكل امرأة نتكلم معها أن تستمر بعاطفتها الفياضة بشكل طبيعي، حتى لا ينتبه الرجال لأي تبدل. وأن نتعاون كلما اشتدت الحالة”. صمت لحظة وتابعت:”يا إلهي أمامنا خطط يجب الاهتمام بها. أين يمكن أن نختبئ لاحقا، وأين نجتمع، وما هي المؤن التي يجب حملها، وهكذا. وكيف نوزع أطراف الخطة بين النساء”.

وأضافت ليه:”وعلى كل امرأة أن تتمرن حتى تتقن دورها وتصبح قوية، وذلك بعد أن نحدد لكل امرأة واجبها. ومن تقرر أن تخصي رجلها يجب أن تستعد أيضا لتقتل. لو أن الفرصة لم تسنح للحل الأول”.

***

 وحلت ليلة التنفيذ أخيرا. ليلة معتدلة في نهايات الربيع، بعد عدة أيام من اكتمال القمر. ولدت راشيل وهانا طفليهما، وجهزتا حمالات قوية لحملهما على الصدر، وحرصتا على ترك ظهريهما حرين لحمل الأمتعة. وكانت ليه وديبورا في مرحلة مختلفة من الحمل. ومن اعترضن على العنف جهزن أنفسهن للهرب فقط.

ربما تقدم أخريات على قتل أزواجهن. مع ذلك أن يبقى القليل من الرجال دون حصاد وقطع عنق ليس شيئا سيئا. هذا يساعد على نشر الخبر وردع الغرباء. وقدمت ليه لـ “جيديون” حساء كثير التوابل، وأضافت له خلاصة الخشخاش والعسل. وحينما غلبه النوم قربها، وبعد أن تركت الوقت الكافي للأخريات لضرب أزواجهن بالفؤوس أو بالعصا الرفيعة، سمعت صوتا محسوسا خارج كوخها. مدت يدها، وبدأت، بخفة ورشاقة لبتر عضو جيديون. غير أنه تقلب قليلا وندت عنه أنة قصيرة ولكنه لم يستيقظ.  ثم التفت نحوها. وقدم نفسه بلباقة، ومد ساقه اليمنى نحو وركها. تمكنت أن تمرر أنشوطة من الكتان حول خصيتيه وشدتها بقوة حتى لا تنزلق ولو تمزق الجلد. ثم بحرص مدت يدها اليسرى للأسفل وربتت على عضوه، وبيمناها لمست كيس الصفن، وبهدوء شدت الأنشوطة من الطرف الثاني فوق قدمه اليمنى حتى تمكنت من الضغط على كاحله. ودمدمت بأذنه أنها ستخرج قليلا لتريح نفسها. وارتدت ثيابها على عجل وهدوء. وغادرت الكوخ، ولملمت أشياءها من المكان الذي أودعتها فيه مسبقا تحت شجرة قريبة جدا من صف الأشجار، وتابعت للانضمام للأخريات في الموضع المتفق عليه. وتحرك فورا جمع من خمسين امرأة. اثنتان بلا أولاد وكانتا في نهاية الطابور، وحرصتا على محي آثار أقدامهن بأغصان مورقة.  وما أن ابتعدن قليلا، حتى شقت سواد الليل صرخة من أول مخصي.  بعد دقائق، تبعها سلسلة من النباح والعويل الذي رن في الأرجاء. من بقي في القرية تسبب بالكثير من الضجيج. قالت ليه مخاطبة هانا:”لا أعتقد أنهم سيطاردوننا. ستكون الصدمة ثقيلة عليهم. ثم إن اكتشاف القتلى سيضاعف من اضطرابهم”.

 ***

..........................

*شاعر أسترالي يقيم في أديلايد.

ترجمة / صالح الرزوق بالاشتراك مع الكاتب. وهذه الترجمة معدلة وملخصة عن نسخة أوسع يعدها الكاتب للنشر.

 

2425 ريتشارد بروتيغانتنبوء بروتيغان بهيمنة الحاسوب قبل خمسة عقود

بقلم: ريتشارد بروتيغان

ترجمة: سوران محمد

كل ما راقبتها آلات محبة أناقة

أود أن أفكر (و

كلما كان عاجلا كان أفضل!)

في مرج  سبراني

حيث الثدييات وأجهزة الحاسوب

تعيشان معا بشكل متبادل

تبرمج  الوئام

كماء  نقي

يلمس  سماء  صافية

.

أود أن أفكر

(الآن، رجاء)

في غابة  سبرانية

مليئة بالصنوبر والألكترونيات

حيث تمشي الغزلان بسلام

متجاوزا الكمبيوتر

كما لو كانت  زهورا

تغزل أزهارا .

.

أود أن أفكر

(يجب أن يكون !)

في علم البيئة السبراني

حيث نتحرر من أعمالنا

وننضم إلي الطبيعة،

نعود إلي  ثديتنا

الأخوة والأخوات،

و كل مراقب

بآلات محبة أناقة

.............................

* دلالات النص:

كتب بروتيغان هذه القصيدة والمجموعة التي تحمل نفس الاسم بين 17 و 26 يناير 1967، عندما كان شاعرًا مقيمًا في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا. تصف القصيدة المدينة الفاضلة التكنولوجية التي يعمل فيها البشر والتكنولوجيا معًا من أجل الصالح العام. يكتب عن  "الثدييات وأجهزة الكمبيوتر تعيش معًا في انسجام برمجي متبادل"، حيث تعمل التكنولوجيا كقائم على الرعاية العامة، بينما "نتحرر من عملنا ونعود إلى الطبيعة." يختلف النقاد حول ما إذا كان هكذا في الواقع يعتبر الامر شيئا جديا أم انها  سخرية و لا تمت بصلة الی الجد.

يعتبر معظم النقاد القصيدة كثقافة مضادة، وتبنيًا مجتمعيًا للرؤى التكنولوجية لحقبة الحرب الباردة. قال ناشر بروتيغان (كلود هايوارد) إنه "لفت انتباهي بإشاراته السحرية للآلات الحميدة التي تحافظ على النظام ... [والتي] تتناسب تمامًا مع تفاؤلنا بشأن وعد الكمبيوتر". إنها طفولية جدًا وبريئة جدًا، غير ان هذه التنبٶات لاحقا و في عصرنا الرقمي صارت جزءا من حياتنا اليومية، أي-تدخل الحاسوب في ادارة الامور-

وقد فسره آخرون على أنه نقد ساخر لليوتوبيا الممكّنة تقنيًا التي تدعي أنها تتوق إليها. وفقًا لكارلوس سيليجو من جامعة ستانفورد هناك مفارقة في القصيدة "دقيقة ومعقدة مثل استعاراته المختلطة"، والتي يقول سيليجو إنها "تقوم دائمًا علی ثلاثة أشياء على الأقل - وغالبًا ما تكون أربعة أو خمسة أو ستة أشياء في وقت واحد." لاحظ روبرت ج. جرانجوير كيف أنه من غير المعتاد أن يأخذ الشعراء الأمريكيون نظرة إيجابية لعلاقتنا بالتكنولوجيا، ولكن إذا نظرنا إليها على أنها من المفارقات، فإنها "تنضم إلى التيار الرئيسي للشعر الأمريكي المضاد للتكنولوجيا.

* من هو الشاعر والروائي ريتشارد غاري بروتيغان؟

* ولد الشاعر في 30 يناير 1935 في مدينة تاكوما، واشنطن، الولايات المتحدة.. بدأ مشواره‌ الادبي في أواسط الخمسينيات للقرن الماضي، كان متأثرا بكتاب كالـ: جاك كيروك، تشارلز بوكوفسكي، إرنست همينغوي، كارلوس وليم كارلوس، له‌ العديد من المؤلفات مابين الشعر والقصة والرواية، من أهم رواياته (صيد سمك سلمون المرقط في أمريكا) 1967.

وقد تميز بأسلوبه الخاص والنادر في الكتابة، حيث كان يمتزج بين الفكاهة والجد لرسم واقع خيالي أو بالاحري كي ينسى بهذه الطريقة مآسي حياته الشخصية و ينتقد من خلالها الواقع الاليم في نفس الوقت.

كان للبؤس والحرمان و التهميش حضورا دائما في حياته و داخل نتاجاته الادبية، ففي عام 1956 على سبيل المثال قام بكسر زجاجة شباك لمركز للشرطة كي يسجنونه‌ حيث سيكون بوسعه الحصول علي الاكل اللكافي في السجن، لكنه سرعان ما خاب ظنه عندما تم تحويله الي المستشفي النفسي لتلقي علاج الشيزوفرينيا والبارانوي – العلاج بالصدمات الكهربائية آنذاك-

انتهي مشواره الادبي عندما انتحر في بولنيسا، كاليفورنيا في 16 سبتمبر 1984 عن عمر ناهز ٤٩ عاما..

* أما بالنسبة لأسلوب کتابة قصائده فهي وليدة اللحظة، حيث تمتاز أكثر القصائد بالقصر والاختصار، لكن يستعمل مضامينها الساخرة كوسيلة للتعامل مع مجريات الامور و ما يدور في محيط الشاعر، خاصة أثناء تداوله مواضيع حساسة و مهمة، فهو لم يكن يأخذ في الحسبان أي قيود يمنعه من كتابة ما يشاء، لذا نراه احيانا يقفز علي المعني و يعبر عن ما في داخله بشكل اعتباطي ..

صحيح اننا كقراء لم نتعود علي هذا الاسلوب، لكنه عالميا يحظي بشعبية واسعة من بين القراء -خاصة من الجيل الصاعد، و له سمعة لا نظير لها مقارنة بكتاب جيله بسبب أسلوبه المتميز في الكتابة، في حين يعتبر بعض النقاد اعماله بالشطحات و يرونه انه لا يلتزم في نصوصه بأي قيود أدبية و لغوية و يستعمل مصطلحات غريبة وصور عجيبة نوعا ما..

ولم أجد وصفا أدق لأسلوبه في الكتابة غير الذي كتب  عنه في  جريدة الحياة ذات مرة: (أن قصائد بروتيغان هي من بين النصوص الأكثر ابتكاراً في الأدب الأميركي الحديث، سواء بالدعابة المسيَّرة داخلها أو باستعاراتها الغريبة أو بالتلاعب الفريد في صياغتها. ولا عجب في ذلك، فبروتيغان كان يعتبر الشعر أرضية مثالية لإعادة ابتكار الذات. وهذا ما يفسّر الأشكال المتنوّعة التي تحضر فيها هذه النصوص: قصائد هايكو عرجاء، سونيتات مخرَّبة عمداً، عناوين صحف، إعلانات ذات فائدة عامة، أفكار تتداعى بطريقة آلية، نشرات جوية سورّيالية، شذرات سير ذاتية، مزامير، أوراق نعي، شتائم، قصائد تقتصر على عنوانها أو يتجاوز هذا الأخير بحجمه نصّها، من دون أن ننسى التجليات على طريقة جايمس جويس أو النكات الماركسية أو اليوميات المقطّعة).

* المصادر/

١-allpoetry.com

٢- en.wikipedia

........................

النص بالانجليزية:

All Watched Over By Machines Of Loving Grace

I like to think (and

the sooner the better!)

of a cybernetic meadow

where mammals and computers

live together in mutually

programming harmony

like pure water

touching clear sky.

 

I like to think

(right now, please!)

of a cybernetic forest

filled with pines and electronics

where deer stroll peacefully

past computers

as if they were flowers

with spinning blossoms.

 

I like to think

(it has to be!)

of a cybernetic ecology

where we are free of our labours

and joined back to nature,

returned to our mammal

brothers and sisters,

and all watched over

by machines of loving grace.

.

 

.

2416 shirleyكانت العربة تقريبا فارغة حتى أن الصبي الصغير احتل مقعدا لنفسه، وجلست أمه على الجهة المقابلة من الممر في المقعد التالي بجوار أخته، وهي رضيعة بيدها قطعة خبز محمص وخشخيشة باليد الثانية. وكانت محزومة بسيور جلدية ربطتها بمقعدها لتتمكن من الجلوس والالتفات. وحينما تنزلق ببطء نحو الجوانب يحميها الحزام يثبتها بمنتصف المسافة حتى يمكن لأمها أن تستدير وتعدل من وضعيتها مجددا. وكان الولد الصغير ينظر من النافذة ويأكل كعكة محلاة، وكانت الأم تقرأ بهدوء، وترد على أسئلة الصبي دون أن تعنى بالنظر له.

قال الولد الصغير:”نحن فوق النهر. هذا نهر ونحن فوقه”. قالت والدته:” حسنا”. قال الطفل لنفسه:”نحن نمر على جسر فوق نهر”. وتكوم بقية الركاب القليلين في الطرف الآخر من المركبة، وكلما تقدم أحدهم في الممر كان الطفل يتلفت ويقول له:”مرحبا” فيرد الغريب بقوله:”مرحبا”. وأحيانا هناك من يسأل الصغير هل يستمتع بركوب القطار، أو أحيانا يمتدحه بقوله إنه إنسان بالغ وخلوق. وكانت هذه التعليقات تزعج الصغير فيستدير بعصبية واضحة، ويتابع المشاهد من خلف النافذة. ثم يقول:”هناك بقرة” أو يتنهد ويقول:”كم بقي علينا لنصل؟”. فتقول أمه في كل مرة:”ليس الكثير”.  وذات مرة سقطت الطفلة الصامتة والمشغولة بخشخيشتها وخبزها المحمص والذي كانت تجدده لها أمها باستمرار، وتدحرجت بعد سقوطها لمسافة بعيدة وارتطم رأسها بالجوانب، وبدأت تبكي. وتبع ذلك حركة وصخب حول مقعد أمها لبعض الوقت. وانزلق الصبي من مقعده الخاص وأسرع عبر الممر وربت على قدم أخته وطلب منها أن لا تبكي. ثم في النهاية ضحكت الطفلة وعادت إلى خبزها، وتلقى الولد مصاصة من أمه فعاد إلى نافذته. وقال لأمه بعد لحظة:”شاهدت ساحرة. هناك في الخارج ساحرة عجوز صلعاء شريرة”.

قالت أمه:”حسنا”.

تابع الصبي الصغير يتمتم لنفسه بلهجة هادئة:”ساحرة عجوز دميمة وطلبت منها أن تنصرف فانصرفت. ثم جاءت وقالت: سآكلك عما قريب. فقلت لها: لا، لن أسمح لك. وطاردتها حتى اختفت، يا لها من ساحرة شريرة عجوز وسيئة”. وتوقف عن الكلام ورفع بصره للأعلى حينما فتح رجل باب العربة ودخل. كان عجوزا بوجه هادئ وشعر أبيض، وله بذة زرقاء تأثرت قليلا بالعناء الناجم عن رحلة القطار الطويلة. وكان يحمل سيجارا، وعندما قال له الصبي الصغير:”مرحبا”، رد عليه بإيماءة من السيجار، وقال:”مرحبا بك يا بني”. ووقف قرب مقعد الصغير تماما، ومال للخلف، ونظر للولد، الذي مد رقبته للأعلى ليراه. سأله الرجل:”عما تبحث وراء تلك النافذة؟”. قال الصغير بلا تفكير:”عن ساحرات عجائز شريرات وضارات”. قال الرجل:”فهمت. وهل رأيت العديد منهن؟”.

قال الصبي الصغير:”والدي يدخن السيجار مثلك”.

قال الرجل:”كل الرجال يدخنون السيجار. في المستقبل ستدخن السيجار أنت أيضا”.

قال الصبي:”ولكن أنا رجل كبير منذ الآن”. 

سأله الرجل:”كم يبلغ عمرك؟”.

نظر الصبي الصغير بشك بعد هذا السؤال المتكرر، وثبت عليه عينيه للحظة وقال:”ستة وعشرون. وثمانمائة وثمانية وأربعون”.

رفعت الأم رأسها عن الكتاب وقالت:”أربع سنوات”. وابتسمت بحنان للطفل.

قال الرجل للطفل بتهذيب:”هل هذا صحيح؟. ستة وعشرون”. ثم أومأ برأسه نحو المرأة الجالسة على الطرف المقابل من الممر وقال:”هل تلك أمك؟”.

مال الصبي الصغير للأمام لينظر ثم قال:”نعم. هي كذلك”.

سأله الرجل:”ما اسمك؟”.

بدا الشك على الصغير مجددا وقال:”السيد يسوع”.

قالت أم الولد:”جوني”. ووضعت عينها بعين ابنها الصغير وقطبت وجهها بعتاب.

قال الصغير للرجل:”تلك هي أختي الثانية. عمرها اثنتا عشرة سنة ونصف”.

سأله الرجل:”هل تحب أختك؟”.

نظر به الولد مليا، واقترب الرجل من جانب المقعد وجلس قرب الصبي. وقال له:”اسمع. هل تريد أن أخبرك شيئا عن أختي؟”.

بدا القلق على الأم حينما جلس الرجل بجانب ابنها الصغير، ثم عادت بهدوء لكتابها.

قال الصغير:”حسنا. كلي آذان صاغية. هل كانت ساحرة؟”.

قال الرجل:”ربما”.

وضحك الصغير باهتمام، وتراجع الرجل بمقعده، ونفخ دخان سيجاره، ثم قال:”في قديم الزمان كانت لي أخت صغيرة، مثلك تماما”. نظر الصبي للرجل، وهو يهز رأسه لكل كلمة. وتابع الرجل قائلا:”كانت أختي الصغيرة جميلة جدا ولطيفة جدا وكنت أحبها أكثر من أي شيء آخر في العالم. هل أخبرك الآن بم فعلت لها؟”.

أومأ الصبي باهتمام أكبر، ورفعت الأم عينيها عن كتابها، وابتسمت، وهي تصغي.

قال الرجل:”اشتريت لها حصانا خشبيا هزازا ودمية ومليون مصاصة. ثم حملتها ووضعت يدي حول عنقها وبدأت أضغط وأضغط حتى ماتت”.

شهق الصغير والتفتت الأم وقد اختفت ابتسامتها عن وجهها. وفتحت فمها، ثم أطبقته مجددا حينما تابع الرجل قائلا:”ثم باشرت بقطع رأسها وحملته معي -”.

 سأله الصغير بأنفاس لاهثة:”وهل قطعتها كلها لقطع صغيرة؟”.

قال الرجل:”قطعت رأسها ويديها وقدميها وشعرها وأنفها. ثم ضربتها بعصا وقتلتها”.

قالت الأم:”من فضلك لحظة”.

ولكن الرضيعة انزلقت جانبا في تلك الدقيقة، وفي الوقت الذي استغرقته الأم لتأمينها وحمايتها تابع الرجل يقول:”ثم حملت رأسها واقتلعت منه شعرها و..”.

وصاح الصغير بانفعال:”شعر أختك؟”.

قال الرجل بثقة:”أختي الصغيرة. ثم وضعت رأسها في قفص دب فالتهمه الدب”.

سأل الصغير:”هل أكل كل رأسها؟”.

وضعت الأم كتابها جانبا، وتخطت الممر. ووقفت بجوار الرجل وقالت:”بربك ألا ترى ماذا تفعل؟”.

نظر الرجل لأعلى بتأدب فقالت له:”أرجوك انصرف من هنا فورا”.

قال الرجل:”هل أفزعتك؟”. ووجه نظراته للأسفل نحو الصبي الصغير، ونهره بكوعه ثم انفجر كلاهما بالضحك.

قال الصغير لأمه:”هذا الرجل قطع أخته”.

قالت الأم للرجل:” احذر. سأستدعي ملاحظ القطار”. 

قال الصغير:”الملاحظ سيأكل أمي. وسنبتر لها رأسها”.

قال الرجل:”ورأس أختك الصغيرة أيضا”.

ثم وقف على قدميه، فتراجعت الأم لتفسح له الطريق ويغادر مقعده. وقالت:”إياك أن تعود لهذه العربة”.

قال الصغير للرجل:”أعتقد أن أمي ستأكلك”.

ضحك الرجل، وضحك الصغير، ثم قال الرجل للأم:”والآن اسمحي لي” وتخطاها وانصرف من العربة.

بعد أن أغلق الباب وراءه قال الصغير:”كم سيطول بنا السفر على متن هذا القطار القديم؟”.

قالت الأم:”ليس كثيرا”.

ووقفت ونظرت لابنها الصغير، كأنها تريد أن تقول شيئا. وأخيرا قالت:”اجلس بمكانك وتصرف كولد مهذب. ويمكنك أن تحصل على مصاصة ثانية”.

هبط الصغير من مقعده بحماس وتبع أمه إلى مقعدها. وأخرجت له مصاصة من كيس كان في جيب غلاف كتابها وقدمتها له. وسألته:”ماذا يجب أن تقول؟”.

رد الصغير:”شكرا. هل حقا قطع ذلك الرجل أخته لقطع صغيرة؟”.

قالت الأم:”كان يثير أعصابك فقط”. ثم أضافت بإلحاح:”إثارة أعصاب فحسب”.

قال الصغير:”ربما”. وعاد برفقة مصاصته لمقعده الخاص، واستقر عليه وثبت نظراته على النافذة. ثم قال:” ربما كان هو أيضا ساحرة شمطاء”.

***

.......................

شيرلي جاكسون Shirley Jackson : كاتبة أمريكية مولودة 1916. توفيت 1965. مشهورة بروايات وقصص الرعب والغموض. من أهم أعمالها: ورقة اليانصيب. العالم المفقود. بيت التلال المسكون.....

ت: صالح الرزوق

 

بن يونس ماجننص باللغة الفرنسية

للشاعر بن يونس ماجن


Ecrivain de classe et de bonté

je te salue

plein d’audace et d’humanité

écrivain bohême

de la torture et la sagesse

cendrillon et épée

horizon enflammé

haine et amertume

gloire imperissable

tu es parfois l’inconnu au visage déhalé

 

Ecrivain de folie passionnée

tu es un héro crucifié sur l’extase indicible

tu mènes une lutte pantelante

tu existes dans l’ivresse humaine

quand tu meurs au fil de l’évasion

l’idolatrie se rivalise

tu es un astre intouchable

mais tu cèderas à la faiblesse des pages timorées

et à l’orgueil des Dieux enchainés

rien n’adhère à ta gloire insaisissable

je salue ton ubiquité

 

Ecrivain des temps lustres

tu ouvres toutes les portes voilées

tu enivres tous les miroirs

où jonchent tes idées scintillées

tu es comme un sultant obsédé de mille et une nuits

tu es l’ultime cavalier

je te salue respectueusement

 

Ben Younes

Majen

 

 

2408 شكري بلعيدترجمة: الشاعرة التونسية زهرة الحواشي


قليلا من الوقت

قليلا من الوقت

حتى أرتب مملكتي

فأنا متعب

و بي شغف لجنون المساء

قليلا من الوقت

ها أنذا

‏أستعد لأن تفتحي الباب

أو تدخلي كغزال الصحاري

على وحدتي

المهلكة

قليلا من الوقت

حتى يمد دمي راحتيه

ويجمع عمر النساء

قليلا من الوقت

يا وردة سرقت فرحي

اختفت في تفاصيلها الخائفة

سوف أنشدك في العذاب

وأنشدك في حضور الغياب

وأنشدك في مسيرة عمر الخراب

وأهجو جنوني على حافة الوقت

يا وردة ذابلة

قليلا من الوقت

كي أغسل الروح من لحظة خائنة

قليلا من الوقت

كي أزرع الموت في دهشتي

وأسمي دمي ملكا

من جديد

وأذرو إلى الريح

امرأة هالكة

قليلا من الوقت

حتى أرتب مملكتي

ها هنا جسد الخريف

هناك قرنفلة مائلة

وهنا نهدها ينحني

ثم يغادر دمع النزيف

على شفة حالكة

قليلا من الوقت

وحدي أرتب

أسطورتي المقبلة

***

........................

من ديوانه: أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة

................................

Un peu de temps

pour que je mette de l'ordre dans mon royaume

Je suis fatigué

et j'adore la folie du soir

Un peu de temps

voilà que je me prépare à ce que tu ouvres la porte

ou bien que tu entres comme une gazelle du désert

franchir ma solitude dans laquelle je péris

Un peu de temps

pour que mon sang s'étende

et rassemble l'âge des femmes

Un peu de temps

Ô rose qui a volé ma joie

En se cachant dans ses détails avec peur

Je te chanterai dans ma galère

dans mon absence

dans mon parcours en ruine

Et je marquerai ma satire et ma folie au bord du temps

Ô fleur fanée

Un peu de temps

Pour que je me lave de ma trahison

un peu de temps

Pour que j'assassine ma surprise

et que j'élise mon sang

de nouveau roi

et je parsème au vent

Une femme crevée

Un peu de temps

Pour que je mette de l'ordre dans mon royaume

voici le corps de l'automne

voilà un oeuillet décliné

et voici son sein qui s'incline

et quitte l'hémorragie

sur un bord assombri

Un peu de temps

je tracerai seul

ma prochaine légende

Texte du martyr tunisien Chokri Belaid.

Traduction de Zohra Hawachi .