صالح الرزوقإتغار كيريت

ترجمة: صالح الرزوق

وصل حيليك حوالي 12 صباحا. سأل:”هل أقاطعك؟”. أومأت له أن يدخل، ولكنه تردد وتمهل عند العتبة. وقال:”إن كنت مشغولا  سأعود لاحقا. لا أريد أن أزعجك أو ما شابه، أشعر بالفضول فقط”.

أعددت القهوة وجلسنا في غرفة المعيشة. لكنه لم يشرب القهوة، ولم يتذوقها، وغاص في الكنبة وحاول أن يبتسم. وقال:”عرجت عليك لأرى كيف تسير الأمور. المحررون في دار النشر على أحر من الجمر، متشوقون لحد الموت بانتظار قراءتها”.

قلت:”كل شيء جيد. الأمور تسير بشكل ممتاز”.

ابتسم حيليك وقال: ”رائع. أنا مسرور. كما تعلم مرت تسع سنوات. أقصد في آذار يكون مر عليك دون كتابة تسع سنوات...”.

قلت:”ولكن. أنا أكتب طوال الوقت. إنما لا يعجبني ما أكتب. هذا كل شيء”.

قال حيليك ويداه فوق فنجان القهوة وسط البخار الحار: ”أريدك أن تعلم أنه رغم سمعتك الطيبة المبيعات ليست كما يرام. أقسم، في أسبوع الكتاب، كان يأتي كل عشرة دقائق إنسان ما ويسأل متى ستنشر كتابا جديدا. اسأل دوبي. بعد حوالي عشرة سنوات، حتى الكتاب السيء يبيع. ولكن إن كنت لا تكتب شيئا جديدا، هذا يعني...”.

قلت:” أنا أكتب. طوال الوقت أكتب. ولكن لا أجد الرغبة في نشر كتاب غير ناضج. حتى لو كنت أنت أو دوبي..”.

قاطعني حيليك قائلا: ”طبعا. لا أحد يريدك أن تنشر شيئا ليس مكتملا. الأفضل أن يكون جيدا ليبيع أكثر. فقط انته من كتابك هذا.. بالله عليك انته منه”.

كنت أعرفه. وهذه ليست أول زيارة له. وسريعا سيكلمني عن ابنته المشلولة، ثم سيبكيها. دائما يختم زياراته بالبكاء. قلت بمحاولة لاستباق الأمور: ”انتهيت منه تقريبا. لكن أحتاج لخمسين صفحة إضافية”.

Foto: Stephan Röhlكرر حيليك بتشاؤم:”خمسون؟”. قلت له لأبدو جادا: ” نعم. خمسون إضافية. أحتاج لأصل مع البطل لجريمة قتل. وأنا بصدد ذلك. أن يقتل شخصا للدفاع عن النفس. ثم سينام مع أخت القتيل دون أن تعلم أنه القاتل. ثم أضيف عدة صفحات قليلة لأسبر بها تفكيره وهو يسير على شاطئ البحر في قيسارية. ثم فاصل قصير في السيارة العامة وهو في الطريق إلى شقته وحينها يسمع من الإذاعة عن انتشار فيروس كورونا، وكما تعلم، يمكن للقارئ أن يضع الحبكة بسياقها التاريخي”.

قال حيليك وهو يقبض على يد فنجان القهوة: ”قلت خمسين صفحة. خمسون صفحة إضافية وفيروس كورونا؟”. وفكر لحظة ثم ارتعشت يده قرابة الجدار، فلطخه ببقعة سوداء بدأت تسيل نحو الأرض. وقال:

” تذكر ماذا قلت لي في آخر لقاء. عشرون صفحة قلت. قلت عشرين!. عشرون صفحة تعالج بها آخر حرب على غزة. إن لم تكن تكتب هذا يعني أنك لا تكتب. ولكن بحق الرب نحن صديقان لما ينوف على 25 عاما، حتى قبل ولادة عفت، فلا تكذب علي”.

لم أتكلم. وصمت حيليك. وأدركت أنه انتبه لفعلته. كانت البقعة لا تزال تسيل، وستصل السجادة حالا. لكنه قال بعد فترة صمت قصيرة: ”هل لديك رقعة؟. لا تنهض من مكانك. فقط أخبرني أين وسأنظف المكان”. نفيت بحركة من رأسي. وفعلا لا أعتقد أنه عندي رقعة من النوع المطلوب.

قال: ”آسف. فقدت التحكم بحركاتي. أمر بوقت عصيب الآن. أعتذر. هل يمكنك أن تسامحني؟”. أومأت. قال حيليك: ”حسنا. سأنصرف الآن. ولا أريد أن أزعجك.. خمسون صفحة.. قلت خمسين؟. عظيم. تقريبا يعني أنك انتهيت. وحاول أن لا تختار نهاية كئيبة جدا. اتفقنا؟. اترك خصلة من الأمل. الناس تحب أن تشعر بوجود فرصة للخلاص”. وتمهل عند الباب ثم قال: ”أنا آسف حقا بسبب القهوة. أنت لست حانقا، أليس كذلك؟. فقط المسألة أن ابنتي تمر بوضع سيء..”. وبدأ بالبكاء المعهود. وضعت يدي على كتفه. نفس الكتف الذي وضعت يدي عليه في المرة السابقة.

قال حيليك: ”الحياة قاسية. عاهرة فعلا. بلا قلب. تطحنك حتى لا يتبقى منك غير الغبار. اكتب عن ذلك. اكتب شيئا عن ذلك. ليس الآن، ولكن في كتابك القادم”.

قلت له قبل إغلاق الباب: ”سأرسله لك حالما أنتهي منه وفورا. لن أستغرق وقتا طويلا. أوشكت على كتابة النهاية”.

بعد انصراف حيليك، جلست أمام حاسوبي وتصفحت عدة مواقع إباحية. أحدها يعرض صورة فتاة بتسريحة مميزة وكان اسمها نكي. وكانت تتكلم لغة لا أفهمها وتشرب كوكتيلا يقدمه لها شخص غير واضح. أغلقت الموقع وفتحت معالج الكتابة. كانت لدي أفكار كثيرة في رأسي. في الواقع الكثير منها. وفي هذه المرة أخبرت نفسي أنه يجب أن أكتب بطريقة مبتكرة. وأن أبدأ من الخاتمة.

وهكذا بدأت:

(همست نكي:”لا ضرورة للكلام عن ذلك الآن”. وغطت فمه بيدها الناعمة. وأضافت: ”ولا ضرورة للتفكير بالموضوع الآن. دعنا نتبادل قبلة ونشاهد غروب الشمس”. كانت الشمس قد غابت تماما في البحر الأسود، ولمعت حزمة منفردة فقط وعنيدة في السماء، بمحاولة أخيرة ويائسة لتمنح العالم الداكن والفاسد ضفيرة إضافية من النور).

ترجمها عن العبرية سوندرا سيلفيرستون Sondra Silverston

إتجار كيريت Etgar Keret روائي إسرائيلي من أصول بولونية. يدعم حقوق الفلسطينيين. من أهم أعماله: سائق الحافلة (قصص)، بلوز في غزة (بالاشتراك مع الفلسطيني سمير اليوسف)، اختفاء كيسنجر (قصص قصيرة جدا)، الأعوام السبع الطيبة (مذكرات) وغيرها....

***

 

 

عادل صالح الزبيديمحاكاة للشاعر الرقيق كوباياشي إيسا

روبرت هاس

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 صبيحة العام الجديد -

كل شيء يزهر!

اشعر انني عادي تقريبا.

 

ضفدع ضخم وأنا

نحدق ببعضنا،

لا احد منا يتحرك.

 

هذه الفراشة رأت الضوء

في غرفة امرأة -

احترقت حتى استحالت رقاقة.

 

حين سألوه عن عمره

فتح الفتى المرتدي الكيمونو الجديد

أصابعه الخمسة جميعها.

 

الأزهار في الليل

مثل الناس

تحركها الموسيقى

 

 نمت نصف النهار؛

لم يعاقبني

احد!

 

الميلاد الخمسون:

 

من الآن فصاعدا،

كله ربح صاف،

كل سماء.

 

لا تقلقي أيتها العناكب،

انني اعتني بالمنزل

على نحو متقطع.

 

يرقانات البحر هذه،

انها لا تبدو

يابانية.

 

الجحيم:

قمر خريفي ساطع؛

حلزونات من البركة

تبكي في المقلاة.

***

 

.................

روبرت هاس: شاعر أميركي من مواليد سان فرانسيسكو لعام 1941 تلقى تعليمه في كلية سانت ماري بكاليفورنيا ثم في جامعة سانفورد لينال شهادة الدكتوراه وليقوم بعدها بتدريس الأدب والكتابة في جامعات عديدة. تأثر هاس بشعراء جيل الإيقاع  وشعر الهايكو فضلا عن شعراء كان يعدهم أفضل شعراء الخمسين سنة الأخيرة وهم بابلو نيرودا وسيزار باييخو وسبيغنيو هربرت وفيسلافا زيمبورسكا وتيسلاف ميلوش وقد قضى ما يربو على العشرين عاما في ترجمة اعمال ميلوش بمشروع مشترك يضم الشاعر روبرت بينسكي وميلوش نفسه. يتميز شعر هاس بالوضوح وبساطة الأساليب واللغة المحكية ودقة التصوير. نال شعره العديد من الجوائز أبرزها جائزة الشعراء الشباب عام 1972 عن مجموعته البكر (دليل ميداني)؛ جائزة وليم كارلوس وليمز عام 1979 عن مجموعته (مديح)؛ جائزة الكتاب الوطني عام 2007 عن مجموعته (الزمن والمواد)؛ وجائزة البوليتزر عام 2008 مشاطرة مع شاعر آخر. كما شغل منصب شاعر الولايات المتحدة للفترة من 1995 الى 1997 .

 

صالح الرزوقفلاديمير سوروكين

ترجمة: صالح الرزوق

 وجدت آنا، في يوم الخميس، أنها حامل. ولدى العودة إلى البيت من العمل، لم تجهز الغداء، وإنما جلست وراء طاولة المطبخ القزمة، ووضعت يديها المنهكتين على غطاء الطاولة الجديد، ونظرت إليهما بعناد.

وجاء نيقولاي إلى البيت كالعادة في التاسعة ليلا.

سمعته آنا وهو يتخلى عن معطفه في الردهة الضيقة والمزدحمة بالأثاث. ثم اقتربت منه، وطوقت عنقه بذراعيها، اللزجتين بوقود التدفئة، وأحكمت العناق. وقالت:” لا يمكنني يا كوليا الاستمرار. يجب أن نفعلها”.

تنهد نيقولاي وحرك شفتيه بنعومة على شعرها الأشقر والرقيق. وقال: “كل شيء سيكون على ما يرام. لا تخشي شيئا”.

زحف ذراعاها الرفيعان كحيتين، وأحاطتا بكتفي زوجها الهزيلين. وقالت: “لماذا تحاول تهدئتي؟ هل قرأت أمس صحيفة الحقيقة؟.

“طبعا فعلت”.

“وماذا تنتظر؟ أن يأتونا؟ أم ليعلنوا “أننا رذاذ ضد التيار”؟”.

“طبعا لا. أنا أفكر فقط”.

ابتعدت آنا عنه. وقالت: “أنت تفكر.. بينما “هو” لا يزال عند عتبة النافذة. وكلنا نراه”.

“لا تقلقي. سنفعلها اليوم. بالتأكيد”.

خيم الظلام على المدينة وحولها إلى مستطيل من النيران الملونة غير المتساوية على امتداد شريط من السماء المسائية. وسرعان ما أظلمت السماء المضغوطة بين المدينة وإطار النافذة الرقيق المطلي، وامتلأت بضباب كثيف. وكلما زاد الظلام، كلما زاد وضوح وكثافة مظهره الذي انتصب أمام السهول الغامضة للمدينة. ولاحظ نيقولاي سابقا أن جسد “هو” الشاحب والمزهر يبدو مضيئا أمام العتمات المتزايدة.

***

2159 vladimir sorokin قبيل اثني عشر عاما شق أنبوب زهري اللون وناعم طريقه من تحت الأرض الداكنة وانتهى بزهرة فضية، وحوله كومة تراب تماثل زجاجة نبيذ عملاقة، وأدهش نيقولاي كيف أشرقت الزهرة بسرعة بعد سقوط الظلام.

في تلك الأمسية كانت العائلة تحتفل بيوم الزهرة الأول. وتوجب عليهم نقل خزانة بجوارير ليجلس الجميع حول الطاولة. وتذكر نيقولاي كيف أطفأ الأنوار، وأصغى للنشيد الوطني ووالده الذي وافاه الأجل يشرب نخب ما يحصل. وتذكر كيف شربوا النبيذ وتبادلوا الأدوار في سقاية الأرض الخصبة الداكنة اللزجة بقطرات من النبيذ.

ولما حان دور الوالد بعد اثنين بدينين قبله هما من م ب إ (مديرية البروباغاندا الانتقائية) قال:”اكبر من أجل سعادتنا على مر القرون!. اكبر من أجل موت كل الأعداء!”. ثم انحنى وطبع قبلة سريعة على الأنبوب.

في غضون ثلاث سنوات كبر الأنبوب 13 سنتمترا، وأمكن نيقولاي أن يلاحظ الخطوط العريضة لأول خطاف خرج من جسمه، وكان مثل ثمرة بطاطا مستطيلة. وأخبر في أحد الأيام أمه. فضحكت وجرته نحو السرير. وقالت:”يا لك من ولد بليد!. هل تعتقد أننا لم نلاحظ؟”.

ثم أضافت بصوت غامض:”قريبا لن تصدق ما تراه عيناك!”.

وفعليا، لم تمر السنة إلا والقمة النامية، التي كانت تبدو من أول نظرة أنبوبة بلا شكل محدد، قد أصبحت مستديرة، وبقاعدة أعرض، ولها برعمان يتجهان نحو الأسفل. ثم جمع الأب الضيوف معا مجددا، وجرح يده اليمنى، وأضاف لقمة الأنبوب نقطة أو نقطتين، وأعلن أن هذا اليوم هو يوم التكوين.

وعلى مدى السنتين القادمتين تطورت الأنبوبة 10 سنتمترات إضافية، وأصبح الرأس الزهري مستديرا، وتشكل عنق قوي، وكتفان عريضان كمناكب وبرزت لها بطن فوق خصر مستدق.

قال والده بتعجب:”هذه معجزة الانتخاب يا بني!”. وعبث بلحيته الرمادية التي لحق بها المشيب قبل الأوان. وأضاف:”فقط شعبنا الذي يصنع المعجزات يمكنه التوصل لهذا الاختراع!. ولك أن تتخيل - أب لا يموت يقود هذا البلد العظيم!. وهو على عتبة كل نافذة ومع كل عائلة، وفي كل بيت، وفي كل زاوية من وطننا الحر!”.

وبعد قليل شق الطريق أنف لحمي خرج من الرأس المستدير، تبعه انتفاخان بشكل حاجبين، ثم تشكلت ذقن، وبرزت أذنان. أما جسمه، الذي كان في كومة من التراب حتى وسط خصره، فقد تمدد وشد من عزمه. وغابت بعض الوحمات والثنيات تدريجيا، وضعف التدرن.

وبعد سنة إضافية، ظهرت شفتان على الوجه الوردي، وتعمقت غضون الجبهة وأصبح جسر الأنف منظورا، وتحول جبينه لما يشبه القبة. وغطت خصلة من الشعر القصير أعلى الجبهة. وانضغطت الرقبة وملأت قبة القميص الطبيعي، وتكورت بطنه الصلبة التي التحمت بالأرض.

كان نيقولاي قد تخرج من الجامعة حينما ظهرت غمازتان على وجنتي الرأس، وتطور صيوانا الأذنين وتزايدت الغضون في السترة الضيقة.

وبعد سنتين توفي والد نيقولاي.

وفي السنة التالية احتفلوا بيوم التنوير - بزغت حبتان ناعمتان عند الجفنين المنتفخين. وتوجب على نيقولاي أن يقود الحفل. أضاف لوجهه المساحيق وأنشد النشيد الوطني أمام الضيوف الحاضرين. وسكبت أمه في تراب الرأس كأسا من بصاق العائلة الذي وفروه لهذه المناسبة. ومنذ ذلك اليوم لم يطعموه غير البصاق. وكل إثني عشر يوما كان نيقولاي يقدم له جرعة من منيه (نطافه).

ويوم ظهرت أشرطة عسكرية صغيرة على سترته، وبرزت نهاية قلم من جيبه، تم تتويجه بسام يوم اكتمال النمو. لكن احتفلوا دون أم نيقولاي المتوفاة.

ثم سريعا ما تزوج نيقولاي من آنا وذهبا للعمل في المصنع.

ومنذ اليوم الأول لهما في بيت واحد، اعتنت آنا بـ “هو” باهتمام. كانت تمسح كل صباح الغبار، عنه، وتسقي النموات بالبصاق، وتنشط التراب الأسود وتلمع الزهرة الفضية.

واستمرت الأحوال هكذا لمدة عامين.

ولكن في صبيحة الثاني عشر من حزيران انتشرت أخبار مزعجة في البلاد مفادها أن: الزعيم العظيم مات.

وتوقف الجميع عن العمل لأسبوعين - انتظر الجميع في البيوت بحالة صدمة. وفي نهاية الأسبوعين، وبعد دفن المرحوم، قبل الزعيم الجديد المسؤولية باحتفال كبير. وبعكس سابقه، كان الجديد طويلا ونحيلا. ويلقي الخطابات ويكتب الرسائل ويتبادل الكلام مع الشعب. غير أن خطاباته لم تمر على ذكر سابقه الذي استمر في المسؤولية لـ 47 عاما. وشعر الناس بالخوف من ذلك. بعضهم فقد رشده، وآخرون قفزوا من النوافذ متمسكين بتراب أنبوباتهم.

وبعد شهر، ألقى الزعيم الجديد كلمة للأمة وقال فيها إن “السابق الذي كان في المسؤولية، كان يعالج الأزمات الضرورية التي وراءها أسباب”.

ومهما أجهد نيقولاي وآنا نفسيهما للوصول إلى المعنى المخفي لتلك الكلمات، كان المعنى المقصود يهرب منهما. أما البقية.. الآخرون فقد توزعوا على فئتين. فئة تخلت عن الأنابيب وأبعدتها عن النوافذ و تعرض أفرادها للاعتقال. وفئة تركت الأنابيب على عتبات النوافذ واستلم أفرادها تنبيها شديد اللهجة. ولكن لسبب ما لم يضايق أحد نيقولاي وآنا - لم يتلقيا البطاقة البريدية الحمراء مع التحذير وصورة شخص يبصق بعكس هبوب الريح. ولكن هذا لم يسعد الزوجين. إنما عكر مزاجهما.

مر شهر ونصف الشهر وهما في هذا الحال من التوتر والترقب. بينما تواصل اعتقال الجيران أو استلام التنبيهات. وعاجلا صدرت توجيهات تمنع الانتحار. وهكذا توقفت عمليات الانتحار..

**

لم يلاحظ نيقولاي أن آنا تتبعه. ولكن لمست يداها منكبيه. وقالت:”هل أنت خائف يا كوليا؟”.

استدار نيقولاي وقال:”ومم نخاف؟. الحق معنا. ونحن اثنان طيبان”.

“نعم نحن طيبان يا كوليا. فهل يتوجب علينا أن نبدأ؟”.

أومأ نيقولاي. فأطفأت آنا النور.حمل نيقولاي مدية وقربها من الأنبوب بحثا عن الخصر، ثم بعد أن ثبت ارتعاشات يديه، صنع شقا على طول الخصر.

وتبين له أن الملمس أقسى من البطاطا. وتصدع الأنبوب بهدوء تحت المدية. وبعد أن قطع نيقولاي الـ “هو”، قبضت آنا عليه وحملته بحذر في الظلام، إلى الطاولة.

 وأخرجت آنا إناء زجاجيا بسعة ثماني لترات وبفتحة واسعة. وأوقدت آنا الموقد، وملأت دلوا بالماء، ووضعته على النار ليسخن. وجلسا في الظلام، ولم يكن يضيء لهما المكان غير شعلة الموقد الضعيفة، وتأملا “هو” مستسلما هناك. واعتقد كل من نيقولاي وآنا أن “هو” تحرك.

وعندما وصل الماء إلى الغليان، وضعته آنا على الشرفة ليبرد، وسكبتاه في الإناء، وأضافا الملح والخل وورق الغار والبرسيم. ثم بعناية أودعاه في الإناء. وحينما سقط في الماء الساخن انتفخ كأنه يريد أن يهرب من الإناء. ولكن ضغط نيقولاي على رأسه للأسفل بغطاء معدني، وقبض على الغطاء وشرع بإغلاقه بإحكام وسرعة.

وبعد نهاية كل شيء، حمل الزوجان الإناء، ورفعاه بحذر نحو عتبة النافذة وأصبح بمكانه المعتاد. ومسحت آنا بعناية الإناء الحار بمنشفة. وبعد دقيقة من التردد، أضاء نيقولاي النور. كان الإناء بمكانه على طرف النافذة، وجوانبه الزجاجية تلمع. وسبح “هو” في الماء، محاطا بعدد من الأوراق الصغيرة، وهكذا لم تعد رؤيته سهلة.

قالت آنا بعد تفكير طويل:”شيء جميل”.

تنهد نيقولاي وقال:”نعم”.

عانق زوجته ووضع يده برشاقة على بطنها. فابتسمت آنا وغطت يده بيديها الدافئتين.

في الصباح التالي استيقظت آنا بموعدها العادي، قبل زوجها بنصف ساعة، وذهبت إلى المطبخ، وأوقدت الموقد ووضعت الإبريق عليه. وبعد ذلك توجب عليها سقاية “هو” بالبصاق الذي وفراه على طول يوم كامل. دغدغت نفسها بلا وعي، ومدت يدها آليا نحو كوب البصاق المودع على الرف ولكنها تجمدت: كان الكوب فارغا. نظرت آنا إلى طرف النافذة ولاحظت الإناء بالأنبوبة. تنفست براحة عميقة وهي تتذكر العملية التي قاما بها أمس ليلا. اقتربت منه ووضعت يدها على الإناء. ونظرت من النافذة. كانت المدينة تستيقظ والأنوار تشتعل في النوافذ. ولكن شيئا ما طرأ على المدينة. لقد تبدلت على نحو ملحوظ. فركت آنا عينيها وهي تتابع النظر: على عتبات النوافذ كانت أصص الزهور الفضية والذهبية التي اعتادت أن تراها منذ نعومة أظفارها قد اختفت وحلت بمحلها علب زجاجية تحمل الأنابيب المزهرة.

1979

***

 

.....................

* الترجمة من الروسية: مايكل أ. بيردي Michele A. Berdy

 فلاديمير سوروكين Vladimir Sorokin  روائي روسي معاصر. من أهم أعماله: يوم في حياة موظف مخابرات (رشحت للمان بوكر الدولية في لندن)، العاصفة الثلجية، الجليد وسواها....

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: إشتفان شينكا

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرائي

حَانَ الوَقْتُ لِأُصَفي حِسابي مَعَ الجَميعِ،

وَسَأُجْزي بِروحِ راهِبٍ كُلًّ حَسَبَ إيمانِهِ.

الأَعوَجُ، وَاَلْمُسْتَقيمُ

كُلُّ الأَصْدِقَاءِ الكَاذِبِينَ

اَلَّذِينَ يُصَافِحُونَنِي مِنْ بَعيدٍ

وَيَقِفُونَ فِي طَرِيقِي مِنْ قَريبٍ.

سَأَجْزي الأَكْلَفَ - والأَمْلَطَ!

وكَبيرُهُمْ أَيْضاً - خُذْ، إِلَيْكَ ظَهْري!

مُؤَكَّدٌ، إِنَّهُ صَغيرٌ،

لَكِنَّ هَذَا كُلُّ مَا أَسْتَطِعُ تَقْديمَهُ إِلَيْكَ

فَلَطَالَمَا انحَنَيَت كَيْ أَكونَ لكَ سُلَّما.

لِكُلٍّ مِنْكُمْ عِنْدِي مَا يَنوءُ بِهِ

فتَمَهَّلوا .. سَأُعْطِي لِلْكَثِيرِينَ مِنْكُمْ اليَوْمَ

فَأَنَا شَجَرَةٌ، وَأَغْصانِي تُورقُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.

أَمَامِي صَحيفَةٌ. فِيهَا أَسْماءُ،

أُعدها. ثُمَّ أَشْعلَ اَلْسيجارَ الآنَ.

.. فَقطْ اهْدَأوا أَيُّهَا المُتَسَكِّعونَ الصِّغار.

وسَأَسْحَقُ مَنْ يَمَسُني بِسوء.

***

 

...........................

نبذة عن الشاعر:

ولد الشاعر إشتفان شينكا في 24 سبتمبر من عام 1897 في عائلة تعمل في رعي الأغنام، وقد زاول هو أيضاً المهنة ذاتها لوقت ما.. نشرت له أول قصائده في مجلة ذات طابع "عرقي". تعهدت المدرسة النحوية في مدينة سيكهالوم بنشر ديوانه الشعري الأول (ترانيم عند البوابة الشرقية) عام 1934.

عبَّرَ في قصائده عن مطالب فقراء الفلاحين، وعن معاناته وخيبات أمله السياسية، وغياب الإصلاحات الاجتماعية، مما دفعته إلى اليأس والمرض..

نجد في دواوينه زخارف من الطقوس السحرية القديمة والمعتقدات والعادات الشعبية التي تظهر بؤس الفلاحين الفقراء بجلاء.

لقد أثقلت أسطورة الفلاحين والأيديولوجية العرقية أيضاً سيرته الذاتية. توفي الشاعر عام 1969. بعد وفاته ب 21 عام وبالتحديد في عام 1990 منح جائزة كوشوت لايوش، والتي تعتبر إحدى أكبر الجوائز الأدبية في المجر.

 

صالح الرزوقبقلم: سارا هيوتلينغ

ترجمة وإعداد : صالح الرزوق

لم أكن في البيت، في بداية هذا الربيع، عندما وقعت حوادث الانتحار. ولم أكن أتابع الأخبار في الصحف المحلية ولم أسمع بتفسير السلطات المحلية المتلاحقة لهذه الأزمة الوجودية في البلدة -  تصويت المجلس لتمويل مراقبة على مدار الساعة يوميا عند مدرج سكة الحديد. والآن فقط، بعد عودتي، بنتيجة المعاناة من  سلسلة مصاعب في الدراسة، شاهدت في موقع حدوث الوفيات لوحة كتب عليها:

“مطلوب للعمل

نحن بحاجة لحراس ليليين للإشراف على معابر مدرجة”.

كانت لدينا أربع تقاطعات معروفة، بيش وماين، ثم ويلو وماين، وهكذا، وكل منها هي على مبعدة شارع أو ما يعادل ذلك من المدرسة، ومزودة بثلاثة معابر للمشاة حيث خط القطار يشترك مع المجال المدني بطريق من ثلاثة أزقة تمتد من الشمال للجنوب مرورا بالعمود الفقري لبلدتنا وتفصل استاد كرة القدم، وما تبقى من الجامعة، عن الأحياء السكنية. مزقت من اللافتة أحد الأرقام المدونة، وعدت للبيت، واتصلت بالهاتف.

ولاحظت من الإعلان أن ساعات العمل تناسبني ومفصلة على مقاسي. فباعتبار أنني لا أستطيع توفير الرعاية لوالدي بعد الآن، سيسمح لي العمل مساء في المعبر بإنفاق وقت النهار معه على أن أكون جاهزة وقريبة في الليل. نعم الأجر زهيد. وكلا، لن ينفعني لمتابعة حياتي، والتي هي مجرد تسكع على بوابة العالم الأكاديمي. ولكن أقنعت نفسي أن العودة للبيت والعمل إجراء مؤقت، استراحة حتى أجد القدرة الذهنية للبحث عن بديل. وطبعا لم أذكر شيئا من ذلك في المقابلة، وخلال بضعة أيام التحقت بالعمل.

مرت عطلة نهاية أسبوع ممطرة، ثم عدت إلى السكة، وحسب التعليمات كانت الغاية “التمرين” في “المكتب”. وتبين أنه كرسيان خفيفان مع شبكة للكؤوس كانت ترتكز على لوح من الإسمنت قرابة معبر القطار. وكانت هناك ذراع ضوئية وامضة، تعلو وتنخفض، وترسل قوسا من الضوء، ومنذ الانتحار، أضافوا بوقا منبها للإنذار بقوة خمسة وتسعين  حتى 115 ديسيبل. ولم يكن واجبي يقتضي إيقاف القطار، كما قال المدير، إبراهيم. ولكن ضمانة عدم زيادة سرعة العربات الخمسة السريعة المتجهة إلى شيكاغو عن 79 ميلا في الساعة وهي تستغرق ربع ميل قبل أن تتوقف تماما. أما العبّارات، التي تتوقف ليلا، فهي بحاجة لميل. وواجبي يتلخص باستدعاء الشرطة في حال وجود مراهقين منفردين يتسترون بظلام الليل. ثم قال:”عملك سهل. لا مهدئات، ولا كحول، ولا هاتف”.

التقط أنفاسه وسأل:”هل ستكونين على ما يرام؟”.

بلعت أنفاسي وقلت:”طبعا”.

“أقصد رغم أنك امرأة وحدها وفي الظلام؟”.

ولم يكن في كلامه شيء مقلق. وقلت:”أنا إنسانة ليلية”. ولمس قلبي باهتمامه - أفترض أنه لمسني لأنني أعتقد بالسر أنه لدي نبع غزير من المقلقات، وعلى ما يبدو أنه باستثناء إبراهيم لا يشعر بي أحد. 

هبت الريح في الغابة، واحتكت الأغصان بسور العاصفة وباللوحة التي تحمل عبارة: المساعدة على بعد مكالمة هاتفية فقط. وكانت تحت صورة يدين متماسكتين. وخلفها شاحنة كسولة وتلفظ الديزل. وقف إبراهيم وفعلت مثله. سألني:” هل تعيشين بعيدا؟. العودة للبيت بالسيارة تكون صعبة أول الأمر”.

وقبل أن أرد، نظرت للأعلى، من فوق كتف إبراهيم الأيمن، ونحو بيتنا، بطلائه المقشور، وسقفه المتوج، ومؤشر الرياح الأخضر، والشرفة التي تحاصره، وكرسيي القصب، حيث آمل أن يجلس والدي بانتظار أوبتي.

ألقيت تحية الوداع على إبراهيم، وعبرت الشارع، وأصبحت في البيت. بعد مطر الأمس، غطت بتلات أزهار الكرز الممشى الحجري، ولاحظت جمالها، وغمرني إحساس جديد بالمسؤولية. كنت مكبلة بعملي الجديد لكني ممتنة له، لأنه سيسمح لي بفرصة الاهتمام بوالدي ليلا بين حين وآخر. ما الغريب أن يحصل شيء لحظة أن أبتعد عن المسار؟. كان الوالد قد اتبع تعليماتي وغط بالنوم بهدوء في الكرسي الهزاز. وكان معه كتاب قديم من صديق ميت عن رودين، وكان مفتوحا على صدره، وكأنه يعانقه بحثا عن الراحة. قبلت جبينه الأصلع فاستيقظ، وابتسمت عيناه، وصنع إشارة راقصة بمعصمه لأن أصابعه كانت مرتبكة، وفهمت أنه يطلب مني أن أنضم له.

نمضي المساء، والدراجات الهوائية تتدحرج وراءنا بموجات يتحكم بها تدفق القطارات والمرور. بدأت ممارسة الرياضة الآن في المدرسة. ومر الأولاد من قربنا بثيابهم الموحدة، التي تلمع بالبرتقالي والأزرق، وخوذاتهم تتدلى من مقابض الدراجات. أنظر للجرح فوق صدغ والدي، لا يزال يشفى من سقطته يوم زيارة مؤسسة رعاية البالغين - آخر قشة. كان يبدو رقيقا. من المؤسف أن تتخيل أن معظم العالم لا يحسب حساب السقوط.

وضع والدي ساقا على ساق تحت معطفه، وبدأ يقول أمام السماء المفتوحة أمامنا، والعصافير تترنح فيها وتعلو: “كيف...”. وانتظرته أن يتابع.

كرر مجددا:”كيف...”. وارتفعت يده ثم سقطت.

حاولت أن لا أقاطعه. واستمعت لأنفاسه الضعيفة لربما وجدت لها معنى، ومنها يمكن أن أدخل لأفكاره وأحملها معي. وحاولت أن أذكّر نفسي أن وجود أحدنا برفقة الآخر أهم من أي كلام يمكن أن نتواصل به. وضعت يدي على يده. كانت باردة ومرتعشة. مر قطار. وهزّ الصوت المزيد من البتلات فسقطت بموجة غزيرة على الممشى.

قال:” أنت -”.

ساعدته بقولي:”كيف هو عملي؟”. وأخبرته أنني سأعمل بالحراسة على خط القطار ليلا، ولكنني

غير متأكدة إن فهم ما أقول. كان وجهه مقنّعا، والإرهاق يظلم عينيه، ويضع فيهما بريقا باردا. أطلق نفسا. “احتقنت الكلمات”. ومنطقيا أن أشعر بالأسف لهذا الاعتراف. لو ضمن لنفسه بضعة كلمات متماسكة يوميا، فقد استعمل أربع كلمات منها الآن. ثم سألته إن هو جائع. أومأ وقبض قصب ذراع الكرسي لينهض. قبل باركنسون كان طوله ستة أقدام، ووزنه يبلغ 220 رطلا. الآن هو يتراجع يوميا، وإذا وقف، كما يفعل حاليا، لا يعلو رأسه فوق رأسي. ترنح، ألقيت وركي بلصق فخذه ومررت ذراعي من تحت إبطيه، وتابعنا طريقنا إلى البيت وكانت أخشاب الشرفة تشخر تحت خطواتنا.

ما أن بلغنا المطبخ، مررت مريولا من فوق رأسه، وناورت به حتى الطاولة، وضبطت الراديو على ما بعد المحطة الوطنية واخترت “أغنيات العصافير في الأراضي الوسطى”، وهي بث مسائي عن عجائب المنطقة. تناولنا بالأمس بقايا أطعمة سابقة، وكانت الوجبة شهية - بوبوباس من نوعين، بالفاصولياء الحمراء، وبلحم العجل المفروم.

2147 HoughtelingSaraوالدي من علمني هذا الطهي، لأنه تعلمه قبلي، حينما كان متطوعا في كتائب حفظ السلام في السلفادور في 68 و69، وأي شيء يذكّره بذلك الوقت يسره. كان سهلا للمضغ وسهلا بالابتلاع. سكبت آخر لقمة في فمه، وجاءت من بين شفتيه المطبقتين همهمة تدل على استحسان المذاق. تبعها همهمة خافتة، وكانت هذه طريقة دماغه بالتعبير عن الرضا. ثم أحضرت طبقا من الآيس كريم بالشوكولا لكل واحد فينا، من مكانه المفضل في المجمع، قرابة متحف الفنون، وكان يعمل هناك في قسم الترميم.

كان متعبا جدا بعد تلقي الجرعة الليلية من الدواء، ومتعبا من الطعام، ومن المشي من الشرفة إلى المطبخ، ثم من المطبخ إلى الحمام، وهذا كل ما بوسعي لأحتفظ بوعيه وأنا أنظف له أسنانه.  لم أكن أستعمل المطهرات، مع أن واحدا من أضراسه يبدو بحالة خطيرة. ألبسته منامته الرقيقة التي أحضرتها أمي في عيد الميلاد السابق، ولنكون كلنا بمنامات متشابهة، وذهبت به إلى سريره، وقيدته على السرير، كي لا يتدحرج أو لا يفكر بالتململ والحركة. 

وضعت الشاشة الصغيرة على طاولته. ويمكنني أن أقول منذ الآن أنها ستستهلك البطارية. ومع ذلك هي أقل تكلفة من بيوت الرعاية أو زيارة الطوارئ. ليس لأن وضعنا المالي الحرج هو السبب الأساسي لتجنبها. والدي هو من دفعني لأقسم أن لا أقترب من كليهما. وهو واضح بإعلان رغبته: أن يموت في البيت. في سريره. دون أنابيب ولا أجهزة مغذية ولا إجراءات فائقة الخصوصية. “ليس مثل أمك المسكينة”. هذه التوجيهات ناقشناها قبل خمس سنوات حينما كانت حالته صعبة. كنا في عيادة طبيب الأعصاب وهو من قال:”لنتكلم عن هذه الأمور ما دام قادرا على ذلك”.

ضغطت على زر الشاشة واشتعل الضوء الأحمر. كان أبي نائما. وهيأت السماعة، وبدأ الجهاز يرن إيذانا بالتسجيل حتى غادرت الغرفة إلى الردهة. وتابعت الهبوط على السلالم، ثم غادرت البيت، واتجهت إلى الخط الحديدي، وكنت حريصة أن لا أضع عيني بعين حارس الليلة، والذي كان يلهو بكلمات متقاطعة، وهو يرتدي القفازات. وضعت السماعة على أذني. حتى بعد التقاطع كان بمقدوري التقاط صوت أنفاس والدي، وسعاله وغرغراته. وكان هناك صوت خشخشة، وأدركت أن الإشارة تتقاطع مع أجهزة أخرى لها نفس الموجة. وسمعت صوت بكاء طفل، ومحطة إذاعة تعزف الموسيقا، ومكالمة هاتفية يتخللها توبيخ “بربارا” بسبب الإنفاق على السمك، والهدايا، والأحذية. ثم صوت والدي مجددا.

عدت أدراجي إلى الشرفة، والكرسي الهزاز، لتفحص الغيوم والخفافيش التي تطارد حشرات بين أسلاك الهاتف. ونعبت بومة من أغصان قيقب قرب الباب. سحبت الوشاح على كتفي، وأعدت التفكير بمشكلة الأمراض - كيف أن الوالد يحتاج لمساعدة موثوقة ودائمة لمتابعة أعماله، والتي هي كل شيء في حياته. وكيف أن ديغاس أصابه العمى، وبيتهوفن الصمم. وشومان: شلل الدين، واضطراب السمع، والجنون. وأمي ذات القامة الفارعة الورم في صدرها. عدت أدراجي للطابق العلوي، ولم أجد وسيلة للنوم. تناولت قرصا منوما، وبعد تسعين دقيقة قرصا مهدئا، وأخيرا سقطت بالنوم، وأنا أسمع موسيقا القطار، وإيقاع صفيره، ولحنا من موجتين، كل منهما يتبعه صمت، ثم نصف لحن عزيف بوق. ورنت الأجراس مع هبوط البوابة عند التقاطع. لو أنني فصلت العجلات الثلاثية التي تقعقع عن الخط الحديدي، فإن سرعة القطار وهو يمر منها سيشبه هدير موج البحر.

و فشل الهاتف في إيقاظي في الساعة الرابعة، وأعتقد أنني كنت أحلم حينما سمعت كلام والدي بالإسبانية التي يتقنها. قال بصوت مرح:

”Buenas noches, Isidro. ¿Cómo está usted?¿Cómo está su papá? ¿Cómo está Don Chepe?”.

“ليلتك سعيدة يا إيزيديرو. كيف حالك؟ ووالدك؟ كيف دون شيبي؟”.

استيقظت، وجلست، وعركت عيني، وبحثت عن الضوء، والاسم يرن. إزيدرو؟ إزيدرو؟. منذ أيام عمل والدي في كتيبة السلام في السلفادور، كان أحد الأبناء السبعة من العائلة التي استضافت الوالد. ابن دون شيبي، رجل الدين الذي احترمه والدي ووصفه في عدة مناسبات بأنه مخلص، ومستقيم، وجاهل، وكريم، وشجاع. دون شيبي الذي أيده والدي ووقف بجانبه حينما ضجر منه المالك بسبب إيوائه لوالدي وبسبب نادي الكتاب الذي أنشأه لشباب البلدة الذكور. والآن أنا أقل تحيرا من نداء إيزيدرو لو قارنت ذلك بكلام والدي بإسبانية سلسة. زحفت من السرير. ورغبت بالاستماع.

بدأ والدي ينوح من خلال الأزيز قائلا:” آه، كلا”.ثم تنهد. وتخيلت دون شيبي ميتا. خطوات والدي تترنح نحو الطاولة. وجرار ينفتح. ويبحث في صينية الأقلام القديمة، وأغطيتها المعدنية ترتطم ببعضها بعضا، ثم بقرقعة رنانة يضرب الهاتف الأرض ويرتجف البيت بينما والدي يسقط. أسرعت على السلالم  نحو الأسفل ومن خلال باب غرفة النوم رأيته على البساط، شكرا لله، كان رأسه بعيدا عدة بوصات فقط عن الطاولة وإطار زجاجها وعلبة الملاقط والشكالات والفرشاة والملفات. ثم ترن السماعة من بعيد.

ومن الأرض يأمرني والدي:”Llama a Isidro. Ahora mismo”. “اتصلي بإيزيديرو حالا”. يبدو أنه شيء مهم. كان وجهه أبيض ناصعا وراء لحيته السوداء الرمادية وكان فمه مفتوحا. تفحصت ساقيه وذراعيه بحثا عن عظام مكسورة. كانت ركبته مثل مخطوطة قديمة، مبقعة بعدة دوائر داكنة. دفع يدي بعيدا وقال:”اتصلي”.

توسلت له قائلة:”كيف؟”.

أشار للورقة القانونية الصفراء التي ضحى بنفسه للحصول عليها. وسجل شيئا عليها بعجالة، ولكن الأرقام كانت تبدو كأنها مكتوبة أثناء زلزال. جربت *69 فرد المقسم. حاولت عشرة أرقام مختلفة، ولكن أيقظت أغرابا لا أعرفهم في أرجاء البلاد. ولم تمتنع يدي عن الرعشة. لم يرد أحد يدعى إزيدرو.

علا صوت تنفس الوالد، وتساءلت هل أصاب ضلعا من أضلاعه، أم أسوأ. كان لا يزال على الأرض، ولم يك لم يكن ممكنا أن أرفعه دون أن يبذل بنفسه جهدا، ولذلك انتظرنا، كلانا مستلقيين هناك، حتى استعاد وعيه. وأخيرا، قبضت على يده، وسحبته للأعلى نحو سريره، وهناك ربت على وجهي وقال بمحبة “فتاة قوية”. وضع خده على الوسادة، وبدأت أنتبه للمشكلة، كان يتألم، وتوقعت أولا أنه محموم - ربما التقط عدوى من مكان ما، ربما بسبب ذلك السن. ولكن في النهاية أوضح لي: أنه علم أن إزيدرو سقط بيد الشرطة عند الحدود. والآن هو في مركز الاحتجاز، وبانتظار الطرد. وأراد من والدي أن يدفع الكفالة - 15000 دولار - نقود تسمح له بإطلاق سراحه ثم مواجهة قضيته من الخارج. ووعد إزيدرو أن يحضر جلسة التحقيق. ووعد والدي بإعادة المبلغ.

كانت لدينا مشكلتان، كبيرة وصغيرة، ويتوقف ذلك على طريقة نظرتك للأمور. لم يتذكر الوالد أو لم يسمع أين هو مركز الاحتجاز أو ما اسمه. ولم يكن بحوزتنا المبلغ المطلوب. وأنا أعلم أن البيت مرهون وأعيد رهنه وكل شهر أدفع لحد الأدنى من المبلغ ببطاقة الإئتمان. وعلى ما أفترض هناك مشكلة ثالثة. كان إزيديرو دائما إما “مضطربا” أو “مصدرا للاضطراب”.  ولم يكن بمقدوري فهم ما يقول الوالد لأنه أغفى بمنتصف الجملة. راقبته لفترة طويلة. النور مشتعل، وبه تفحصت الصور الموجودة على الطاولة، وكان عددها ثلاثا. الأولى والدتي في بدايات زواجها، وهي تسرع وغمامة من الثلج على الزلاجة التي هيأها الوالد من أجلها.  الثانية في بستان. وكنت بعمر أربع أو خمس سنوات بأفرول من الشاموا، وعلى كتفي والدي، وعلى  رأسي تفاحة. والأخيرة في السلفادور. ومن الغريب أنني لم أنتبه لها من قبل، وهي صورة من بين ثلاث فقط في غرفة عمل والدي - ملجأه - صورة من أيامه في الخارج وبجانب صورتي وصورة أمي.

 التقطت الصورة الفوتوغرافية، ونفخت الغبار عن الزجاج، وتأملت المشهد. دون شيبي، وزوجته، وأبناؤه الخمس يقفون أمام باب مائل وباهت. والجميع بثياب بيض، والشعر ناعم ومصفف بأناقة. على ما أعتقد أن إزيدرو هو الطفل في الصورة، وبين ذراعي أمه. ويد دون شيبي المرفوعة تستقر على كتف والدي. وكان والدي الوحيد بقميص غير مكوي ولكنه طويل وأسمر وبشيالات ومع ابتسامة بطريقة مريحة وبسيطة.  ولكن لم أتعرف على تعابيره، حتى قبل الباركنسون. كانت غير واضحة، هذه النسخة السعيدة منه التي لم تشاهدها  عيني، أو التي تنتمي لفترة من الماضي. هذه المشاعر ليست جديدة - وحتى كطفلة أتذكره وهو يعرض الصورة علي ويقول بصوت عاطفي:” فكري كم من الصعب علينا نحن الآباء أن نحتفظ بوجوه وثياب أولادنا نظيفة”.

والآن انظروا لهذا. هؤلاء الأولاد أكثر وسامة منك ومني في أي وقت ما، وها هم يعيشون في بيت بأرض ترابية. لكنه أنظف بيت وقفت عليه بقدمي. وأتذكر تعاستي لأنني فشلت من الحياة بمقاييس أبناء دون شيبي، الذين حدثني والدي عنهم على فترات. كنت شابة ولا يمكنني التساؤل إن كان يبالغ، أو يختصر. ولا أريد أن أعتقد هذا.  

حاولت أن أنظر في وجه إزيدرو الطفولي، ولكن الصورة لم تكشف شيئا أكثر من حزمة من الظل - أنف وجبين وهذه البقع الغامضة أيضا، الأم. لا بد أنها كانت تهدهده وتدلله، وتعتني به، ليكون هادئا في الصورة. وهذا حول أفكاري مجددا لأمي ولحقيقة أن أحدا منا لا يستطيع أن يتذكر أحاسيسه، أن يكون حزمة بين يدي الأم الحاضنة. عدت للسرير ولم أتمكن من النوم. وحينما نمت أخيرا، حلمت أنني كلمتها بالهاتف العمومي. وتبادلنا الكلام حتى نفدت النقود من الحصالة، ولكن عن ماذا تكلمنا، لا يمكنني أن أتذكر.

في الصباح التالي، أيقظتني يد والدي وهي تربت على كتفي وترتعش. وهو ما أرعبني. أولا لأنه صعد على سلالم البيت الضيقة وحيدا، وثانيا لأنني لم أسمع صوت اقترابه. جلست في السرير، والقلب يقرع كالمطرقة. وكان المطر في الخارج يسيل بغزارة.

قال:”لإيزيدرو خال في فلوريدا. دون أرتورو. وهو من أرسل لك الثوب الأصفر”. استغرقت دقيقة، لأعود للخلف ما يزيد على عشرين عاما، وبشيء من المرح الشقي تذكرت الهدية، الثوب، تلك التفصيلة من الحرير والتول التي كانت صغيرة على حجمي لدى وصولها، كانت تشبه بذة كسارة بندق أو زي تعميد، وليس شيئا عمليا، من النوع الاقتصادي الذي تعلقه الوالدة في الخزانة. أين ذهب؟. وتذكرت لماذا أخبرني الوالد بذلك. تذكرت مسألة الكفالة، والولد الضائع. نهضت وأنا منومة،  وبحثت عن حامل ملفات الوالد. بعض البطاقات كانت مطبوعة، دليل آخر على سيرة حياة الوالد وشغفه بأقلام الحبر القديمة. فتشنا في بطاقات قديمة لجامعين من غروس بوينت ومتاحف في هيوستن حتى وصلنا أخيرا إلى أرتورو فلوريس، خال إيزيدرو، شقيق أمه.

أن يكون الوالد قادرا على تذكر كنيته عبارة عن لغز آخر من ألغاز باركنسون. طلبت الرقم، وتكلمت مع زوجته، وهي أعطتنا رقم موقف السيارات الذي يعمل فيه زوجها.

طلبنا الرقم الآخر. بعد رنات كثيرة، رد دون آرتورو، وأصر الوالد أن يكلمه، وبالإسبانية. ومجددا، كان بليغا لحد يثير الإعجاب منذ البداية - وأتذكر الآن، أن طبيب الأعصاب أخبرنا أنه من الأسهل أحيانا على مريض الباركنسون أن يتكلم بلغة أجنبية من الكلام بلغة لسانه الأم. وحينما بدأ الوالد ينفعل، تابعت. إزيدرو لم يكلم دون أرتورو. ويبدو أنه تلقى مخابرة واحدة، وكانت من الوالد. وأبدى الاستعداد لمخابرتنا إن وردته أنباء أخرى.

وقال:” اسمعي يا آنسة”. كنت على وشك أن أغلق الخط. تابع:”سوف يطرد. أنا أعلم أن والدك رجل طيب. ولكنه يهدر أمواله. إن اتصل بي ابن أختي سأقول له: آسف. لا يمكنني مساعدتك. سيكلفني عشرة - أو خمس عشرة - ألف، ومقابل لا شيء”. أصاب الغم كلينا. ويمكن أن أؤكد أن الوالد أصابه الاضطراب لأنه غرق بالنوم لفترة أطول، وعندما استفاق كانت معدته غير مرتاحة وأنفق وقتا طويلا في الحمام. ونظرت من ثقب الباب لأتأكد أنه لم يسقط مغشيا عليه. وطوال اليوم هاتفت مراكز الاحتجاز ومحامي الهجرة وأرقام طوارئ حقوق المهاجرين والشرطة في دوغلاس وناسو ونوغاليس وأريزونا. ثم بدأت بتكساس، وسط تكساس. وبعدها كاليفورنيا. وأخبروني أن هذه المراكز لا تستقبل المكالمات. وعلمت أن الموقوفين يدفعون لقاء مكالماتهم، وأن مكالمة واحدة يمكن أن تكلف أتعاب أسابيع من العمل (فالموقوف يحصل على دولار واحد في اليوم). وعلمت أن هناك لوائح تحدد أماكن الموقوفين. واستعمالها يتوقف على أن تعلم مسبقا تاريخ ولادته بدقة وتعرف اسمه الكامل وبتهجئة صحيحية. وكان لأحد المحامين الذين كلمتهم تكاليف محددة. وأخبرني آخر أن الرقم الذي سجله الوالد قد يكون رقم بطاقة هوية الموقوف إزيدرو. ونصحني ثالث بلوس أنجليس لأن أتعاب المحامي وكفالة الموقوف أقل على وجه العموم. وحسب ما ورد في موقع visahelp.com أن كفالة إيزيدرو البالغة 15000 دولارا يعني أنه مصنف بين الهاربين الخطرين.

و لحق بي التعب والعصبية. وكذلك الوالد.

سألني وهو على كرسيه في الشرفة:”ماذا علينا أن ...؟”. وكرر العبارة مجددا، بدأ وتوقف. ونعبت البومة من شجرة قيقب الجيران.

“علينا أن نتصرف حالا”.

“لا يمكننا”.

تحرك الوالد وأنّ قصب الكرسي. قال:”النقود”. ولكن كنت أفكر كيف وأنا طفلة، في يوم عيد ميلادي، حملنا الساطور الذي اشتراه من السلفادور وقطع به قالب الحلوى. وكيف أن بوط التسلق الذي ارتداه في كتيبة حفظ السلام ترك علامة على الأرض في الردهة، وكيف أن الكتب المصفرة والمجعدة بسبب جماعة القراءة ذات القدر السيء بقيت مكومة على الرف خلف البيانو. مختارات أشعار خوسيه مارتي، وترجمة الغريب، والشيخ والبحر. كان الوالد يوشك على البكاء.

قال:”يا لها من خسارة”.

لم أكن واثقة مما يقول، ولم يكن لدي وقت للسؤال. كان علي أن أساعده بروتين وقت رقاده ثم أذهب لأول ليلة عمل لي. كانت لفمه رائحة كريهة. إما بسبب الضرس أو لجفاف الحلق - أثر جانبي آخر لعلاجه، والذي يبدو تقريبا وأحيانا منذرا بالمخاطر كالداء نفسه.

أخبرته إلى أين سأنصرف. ولا يمكنني أن أعلم ماذا فهم، ولكنه قبض على ذراعي بإحكام ووجد صعوبة بإفلاتي. أعلم أنه داء الباركنسون، ولكنه جعل وداعنا أقوى وأرق. وكنت مضطربة بسبب المغادرة. وبدأت أتعرق. وبذة الليل لم تنفعني - وضعت قبعة من القماش وسروالا مخططا رقيقا وسترة العمل الخضراء، والتي لم تكن تبدو جديدة. وقرقع شيء في جيبها - ووجدت قطعة فارغة من ورق الألومنيوم لحبوب الكافايين، وفي الجيب الآخر عدة قطع من بدائل النيكوتين، ومسبحة، واحتفظت بها دون تشاؤم. وحملت معي السماعة الصغيرة، وتركت النور مشتعلا في الممر، وأغلقت الباب الأمامي، وبغضون خمسة وأربعين ثانية كنت على السكة، قبل نوبتي بخمس دقائق. حصلت على إشارة من كريسينسيو،  وصافح يدي وقدم لي كعكة لا تزال بعلبتها البلاستيكية، وبقايا من وجبته، وكتاب صلوات مهترئ قال إن حارسا آخر قدمه له في أول ليلة عمل.

قال:”مسرور لأنهم وجدوا شخصا أفضل من ريتشي”. ومن الواضح أن ريتشي هرب من نوبته وبعد ثلاثين دقيقة اعتقل بتهمة محاولة السرقة بالإكراه في مخزن كبير في نهاية الشارع. وأضاف:”التمسك بالموظفين مشكلة”.

سألته:” لماذا”.

قال وهو يضع حقيبته على كتفه:” سترين”. ثم انطلق بدراجته وذاب في الليل.

أول شيء رأيته شخص ينزه كلبه، وبيطري متشرد أعرفه من موقف سيارات كروغير، وبعض العدائين وسماعاتهم في آذانهم. ثم المحامي الذي حاول ريتشي سرقته، وكان يتزلج. نقلت نظراتي بينهم، وفحصت كل واحد منهم بنظرة سريعة، ولكنهم كانوا أشخاصا محترمين.

وصاح أحدهم:”شكرا لكونك معنا”. وشاهدت عددا من الجيران، ولم يعرفني أي منهم، إما بسبب السترة أو التقدم بالعمر. وجاء أول قطار يعول. جهزت صفارتي، وحملت جهاز الإرسال بيمناي، ولوحت للسائق بيسراي. وسمح لذراعه أن تتدلى من العربة وأشار لي “بتلويحة” هاواي. وشعرت بومضة من الحب لهذا الرجل. ومر قطار آخر، ولوحت مجددا. وربما لم يشاهدني السائق. أو لعله غير معتاد على التلويحات. وفي الحادية عشرة، بلغ البرد أوجه ورغبت أن لا أخرج يدي من جيبي ما لم أضطر. وخبا شكل آخر منزهي الكلاب في الشارع المنحني والمغطى بالأوراق. ووجدت نفسي وحيدة. ومعي إيقاع القطارات الراعد وصوت وشيش الشاشة الصغيرة.

حل منتصف الليل. مرت عشر قطارات. وتقدم كلب شارد على السكة. حاولت أن أخدعه ليبتعد مستعملا قطعة كعك محلاة. قاطع شخير الوالد بالسماعة أصوات القطار. كانوا يسمون أنفسهم “صانعو الفقاعات”. في القطار تتجمع الفقاعات في فمك. وتوقعت عدم وجود عبارة تستحق المشاهدة في هذه الساعة. ولكنهم استمروا بالكلام فيما بينهم. وفكرت بإيزيدرو، ذلك الصبي الباهت في الصورة، وكيف كان عبوره من الحدود، والآن الساعات التي يمضيها في الزنزانة أو مركز الحجز المزدحم متساءلة كيف سيتصرف والدي.

الساعة الواحدة صباحا. الساقان خدرتان. خمس قطارات إضافية. في الساعة الثانية، كنت أترنح، لاعنة نوم ليلة أمس غير المتواصلة. مرت قطار شحن عملاق يقرقع مع غمامة من بخار الديزل العاصف. كان المنبه يشبه صوت بوق الجاز وهو يعزف واه - واه - لكن انفجار وزعيق صوته كان موسيقيا، نوع من الصوت الذي يجلب الصمم والذي لا يمكنني تفسيره. ثم عادت أفكاري مجددا إلى إيزيدرو والقليل المخجل الذي أعرفه عن السلفادور. كنت أتابع روميرو مع الوالد وهو يبكي. الهزات الأرضية. العوائل الأربعة عشرة. رافق دون شيبي الوالد إلى أكاجوتلا، وأخبرني الوالد بعداء الهنود للإسبانيين هناك. ولكن لم أتمكن من مشاهدة أو سماع الأخبار بعد عودتي من المدرسة إلى البيت ولم يكن بمقدوري تسمية رئيس السلفادور لو حاولت. هذا سيخجل الوالد. يا له من خراب.

في الثالثة، بدأ الليل ينبض بسترات وراء محيط بصري. وفي الرابعة، اقترب مراهق يرتدي سترة رسمية بلون برتقالي وأزرق مثل بذة المدرسة. وكانت موسيقاه عالية ويمكنني سماعها وهي تنفجر بإيقاعات طبول وغيتارات داخل سماعاته. أخرج سيجارة من علبة، وقدم لي واحدة.

رفضتها، وبعد لحظة، بحثت في جيبي عن بديل النيكوتين وقدمتها بالمقابل. ضحك، بصوت مرتفع، وربما بسبب الموسيقا. وصاح يقول:”شيء جيد. يجب تجريبها”.

وبدأ قوس الضوء يلمع، واندفعت نحونا 4:44. منحني الصبي نظرة جانبية وارتكز على أطراف أصابعه. وبخطوة واحدة، أصبحت بجانبه، ويدي ممدودة بزاوية منخفضة، كما اعتادت الوالدة أن تفعل في السيارة لو كنت أجلس بالمقدمة وعليها أن تقف. قلت له:”ابتعد عن البوابة”. ولكنه لمس الحاجز الحديدي، من الإبهام حتى البنصر، كما لو أنك تحاول أن تلعب لعبة غوينيا.

قال:”لا أسمعك”. وتخلص من السماعة الضخمة الموصولة بأذنه ثم أعادها وقال:”عليك أن تبرد”.

ما أن مر القطار، أخذت نفسا بطيئا هادئا. ورغبت أن أسأل إن كان أبواه يعرفان أين هو وماذا يفعل في الرابعة صباحا. وأردت أن أسأله ماذا يستمع. أردت أن أسأله عن أي شيء، لا على التحديد. هذا ليس لأن وجوده يسبب لي القلق ولكن بسبب غرابة وشذوذ الموقف. تنشأ علاقة عجيبة من التقارب بين غريبين يقفان متقاربين على الرصيف. لهوت بالمسبحة، وتراجعت على كعبي قدمي، ونظرت لأعلى كأنني أتأمل السماء، وكانت تضيء بنور رمادي فوق أسلاك الهاتف. وقفت البومة على أحد الأعمدة وانتصبت أذناها. كنا على الأعشاب. ضغط الصبي على زر المتابعة، وانتظر الإشارة، ولكن لم نشاهد أي مركبة في مجال الرؤية. قال من فوق كتفه “الأمان أولا”. ثم عبر بخطوات غير منتظمة وطويلة. في الخامسة، على بعد ساعة من نهاية النوبة، بدأ ضوء الشاشة يومض. وارتفعت الخشخشة، ثم رنت السماعة وبعد ذلك سقطت بالصمت والعتمة. واندلعت موجة من الأدرنالين في ذراعي حتى الرسغين. من بطني حتى الركبتين. وأمكنني تخيل الجرار، على يمين المغسلة، ثلاثي - مثل المجال الذي يكون فوق الشوكة. لو مر أحد الجيران، يمكنني أن أخبرهم أين البطاريات. أي منهم، حتى الفوضوي ابن المدرسة الثانوية. سأمرر لهم مفاتيحي. الآن الساعة 5 صباحا.   وهو توقيت سيء - الوالد ينام نوما خفيفا في الصباح، ويستيقظ باكرا. وهو الآن جائع، وبحاجة لدوائه، فضغط دمه منخفض. وكسر كوعه في العام الماضي وهو يبحث عن طريقه إلى المطبخ لتناول الإفطار. انتظرت موعد مرور القطار التالي ولكن لم أشاهد أحدا في مجال البصر. فحصت السكة، والمدرج، والشجيرات البارزة من خلف أسلاك سور بيت الدجاج. وفي ضوء مصباحي، بعيدا، اعتقدت أنني أشاهد لونا برتقاليا، ولكن في النظرة التالية، كانت فقط الومضة التي مرت في بصري وتشبه ما أراه مع مرور القطارات بأضوائها الساطعة والتي تسبب الغشيان للشبكية.

 تأملت السكة مجددا، مرة، اثنتان، ثلاث، لا أحد هناك. وليس من المفترض أن يأتي القطار التالي قبل سبع عشرة دقيقة. وهكذا فارقت مكاني.

في البيت، كان الوالد بالكاد قد تحرك. وكانت تجهيزاتي الطبية موضبة، أسرعت للمطبخ ومن خلف البيت إلى موضعي مع عبوة بطاريات جديدة. والسترتان تهتزان بصوت حفيف حول أذني، وكنت أتعرق كالمجنونة، وراحتاي الرطبتان والمرتعشتان جعلتا مهمة إخراج البطاريات، من العلبة البلاستيكية الصلبة، صعبة. ثم تدبرت أمري. وأودعت الخرطوشتين في التجويف. واشتعل الضوء الأحمر. وسمعت الأزيز، وصوت غيتار، ورضيعا يعول. ووجهت الهوائي الغليظ باتجاه نافذة الوالد وسمعت أنفاسه.

وصل إبراهيم في السادسة مع مبرد أحمر وكأسين من الفلين يعلوهما بخار القهوة. أخذت أحدهما وجرعت منه ولم يكن حارا جدا وكان حلو المذاق. وحينما عرضت أن أدفع بدا عليه الشعور بالإهانة.

سألني:”كيف مرت ليلتك؟”.

قلت:”هادئة”. وقدمت له التقرير اليومي. وترقرقت القهوة في معدتي. ولم يتوقف جفناي عن الحركة. وتخيلت البيت، وغرفتين وأمكنني الإحساس بنسيج الغطاء الأخضر على أصابعي وأنا أجرها إلى الخلف لأغطي نفسي. ولكن لسبب ما أضفت:”فقط مراهق في الرابعة بسترة  من نوع غريزلي”.

“هل لفت انتباهك؟”.

“كلا. فقط - اهتمام. ولد، وحده”.

ضغط إبراهيم فمه. وقال:”هذا ليس ضد القانون. أنت تعرفين ما يجب أن تقلقي بشأنه”.

لا زلت أفكر بهذه الكلمة، القيمة، وأنا أعود إلى البيت، وأمر فوق بتلات الكرز والتي تبدل لونها بالنور. وفي المطبخ، جهزت وجبة شوفان وملأت علبة أقراص والدي واستمعنا لعزف الأمس من نداء الطيور من محطة الميد ويست “المنطقة الوسطى”.

وذكر مضيف البرنامج بصوت لطيف جدا وبطيء:” برنامج اليوم سيقدم آكل الزواحف وكسار الجوز والبقويقة والقرقف”. وكأنه يتوقع وجود طير مجاور. وتابع:”هل تعرفون أن صديقنا القرقف يضيف نغمة دي حينما يكون خائفا ومتنبها؟”.

في التاسعة اتصلت بعيادة كلية الحقوق في الجامعة. ولم يقبلوا الحالة، وركزوا على ملجأ النساء والأطفال. ولكن طالب الحقوق أخبرني أن أزيدرو ربما أرسل إلى لشمال مثل كولورادو أو الغرب مثل أوكلاهوما، وهكذا بدأت أفتش في الخريطة والإنترنت آملة أن أجد أحدا يتكلم معي. جربت قنصلية السلفادور. كانت تبدو حالة إيزيدرو يائسة ولكنها  بشكل ما أسهل من أي شيء آخر ويمكن حلها. وسقطت بالنوم متأهبة. 

عندما استيقظت، استمعنا إلى إسطوانة أوبرا ترنادوت التي تعشقها الوالدة. ولمس والدي يدي حينما وصلنا إلى نيسون دورما. ثم بدأ المغني السويدي بنبرته العالية المشهورة قرابة النهاية. كان يغفو ويستيقظ وأنا أقرأ بصوت مرتفع من مجلة طلاب كليته.

حان وقت العمل، ويمكن القول إنك بحاجة لقلب مجرم لتتكون متيقظا. عدت إلى السكة، وذرعت المكان بخطواتي حتى اختفى آخر شخص مع كلبه. حاولت مضغ بديل النيكوتين، ووجدت أن طعمه مثل القرفة ولكنه أحرق خدي من الداخل وجعلني أصاب بالدوار. ولأربعين ثانية كنت متنبها لدرجة رغبت أن أغادر بها جلدي زحفا، وشعرت بالراحة بعد توقف الطنين. وبعد ذلك لم أستيقظ إلا على صوت القطار. حملت السماعة ووضعتها في ياقة السترة لأسمع صوت تقلب والدي. وتابعت المشي. ثم تبولت. وأخبرت نفسي إن الطقس بارد ولا يمكن لأحد ارتكاب جريمة انتحار، ولكنها حماقة برأيي. وقرصت معصمي، وعضضت شفتي، وصفعت وجهي، وقفت، مشيت، جلست، ثم غفوت. في الرابعة سمعت موسيقا قبل أن أرى الولد بسترة السكة. اقترب، والسيجارة تبرز من بين شفتيه. سألني:”أين كنت أمس؟”. وتخلص من سماعته وحرر كتلة من المعدن الميت وأضاف:” عدت ولم تكوني هنا؟”.

تأتأت بالإجابة قائلة: “في استراحة دورة المياه”. حرك أصبعه وقال:”لا تكذبي”. كان أظفره مثلي مقروضا حتى اللحم. وكان خداه موشومين برشة من النمش، وكذلك خداي. ضغط على زر المتابعة، وانتظر الإشارة،ثم وعبر الطريق المهجور.

كانت الليلة التالية أسهل. لم يظهر الولد. وكفتني البطاريات لثماني ساعات. ولكن زرت الوالد في كل حال بعد 4:44 ومرور العبارة. وتأقلمت مع حياة بديل النيكوتين، ولروتين نوم والدي. ومر أسبوع، ثم اثنان. وحققت خلالهما تطورا محدودا بالبحث عن مكان إيزيدرو. وتعرفت آنذاك على ثماني شخصيات باسم إيزيدرو بيريز في مراكز الحجز المنتشرة على الحدود الجنوبية، ومع ذلك لم نعرف إن كان إيزيدرو قد اعترف باسمه الثاني الحقيقي. وجاء عامل طوارئ من الرعاية الطبية لفحص البيت، وراقبته يتسلق السلالم التي تفضي بنا للدوش الوحيد وحوض الاستحمام في الطابق الثاني لمعاينتها. ثم تنحى بي جانبا وقال “هذا فخ للموت”. وعندما غادر قلت للوالد:”كرامتنا محفوظة، ولكن السرية مشكوك بها”. فقبض على يدي بقوة.

كانت ليلة أربعاء. وبعدها سأغادر لستين ساعة. قلت وأنا أقبل صدغه الخشن والندبة الملتئمة:”شكرا لله إنه الأربعاء”. وانزلقت بسترتي الثقيلة وغادرت إلى العمل. كان أسبوعا طيبا. لا سقطات، والنقود في جيبي، وعدت للمدرج حينما مر قطار شيكاغو السريع. وتحدثت مع أحد منزهي الكلاب الاعتياديين، وهي محللة نفسية تعمل في المنطقة ومتطوعة للعمل في المتحف الفني وأرادت أن تقابل الوالد. ولديها مأوى مع مدبرة منزل تدعى آبي.

وأخبرتها أنني مشغولة بشيء أكاديمي وثلاث علب من البحوث عن كاميل كلوديل، وهي مكومة في المرآب مع رفش الثلج، وسيارة شيفروليت تحتاج لمعايرة، وحينها جاء من الشاشة الصغيرة فحيح مرعب وهمهمة غريبة تعني أن الوالد ينهض من سريره. ولخمس ثوان لم أتصرف. ثم من بين أغصان السنديان الأبيض لاحظت ضوء الحمام يشتعل. وكان هناك صوت دحرجة سابيربان في نهاية الشارع. وكان أربعة أشخاص بجانبي على مدرج القطار. فأسرعت بقفزة واحدة.

صعدت على سلالم الشرفة، وناديت اسمه. لابد أنه مغشي عليه في الحمام - من المشاهد علمت أنه لم يصل لدورة المياه، الوالد المسكين. كان المكان مضطربا، وهو مثله. وضعت منشفة على الأرض، وعلى المنشفة كرسي هواء طلق بلاستيكي، ومسحت دموعي. كان الوالد يعاني ولكنه ليس متضررا على ما يبدو، أو على ما آمل. صامت ويعاني من الدوار قليلا. وسرني أنه من النافذة، وفوق حبل الستارة، يمكنني رؤية السكة. وكان الصبي ذو السترة البرتقالية يتجه غربا، ويداه الشاحباتان تضربان الهواء. والمحامي على الزلاجة. والمحللة، كما هو واضح، بانتظاري. وبصمت وثقت بها وبآبي. فهما ستحرسان السكة. من فضلكما. قلت لنفسي.

نشفت الوالد، واستبدلت له المنامة، وسكبت لكل منا طبقا من اللبن. وفي طبقه أضفت القليل من مسحوق أقراص المهدئات النفسية لأنه ينكمش من أشياء لا أعرفها ويتكلم عن راهبات قتلن في سانتياغو نونوالكو. وكنت أحاول أن أساعده ولكن لا يمكن أن تضمن تماسك أي شخص يتوهم أشياء فظيعة ويمر بسن الكهولة قبل الأوان.

قلت: لا يمكنهم إلحاق الضرر بك. أنت آمنة معي”. ولكن كيف يتكلم عن إيزيدرو والزنزانة متخيلا وجوده فيها، وعبوره الصحراء. قال:” لا يمكننا مساعدته يا ميغ”. وقلت بدوري:”أعلم”. قدمت له الماء مع شلمونة، وملاءة نظيفة، ثم عريت السرير، وأحضرت والدي إلى هناك، ومددته عليه بقوة فبدأ يئن. تركت يدي على جبينه البارد حتى فتح فمه وعلمت أنه غرق بالنوم. استبدلت بطاريات الشاشة وضغطت الزر. وحملت طرفا من الهاتف وقلت: نعم، نعم- أوه، هوه، نعم. ثم ابتعدت خطوات قليلة، كان هناك إعلان عن قروض يومية باللغة الإسبانية. وطفل يبكي، ويحاول أن يجلس. ثم خشخشة. ثم تنفس هادئ.

عدت إلى السكة، وفكرت بوجه الوالد النائم، كيف يبدو مثل قناع ميت، والمقالة التي بدأت بها عن أقنعة الموت وفشلت في استكمالها - مارات كرومويل، وامرأة السين المجهولة L’Inconnue de la Seine. وفكرت كيف أن إحدى جرائم الباركنسون هو تصلب العضلات. وغالبا ما يكون أحد تعابير وجه والدي الغضب. وأتذكر أنه أخبرني منذ سنوات قائلا:”توجد ثلاثة وأربعون عضلة مشابهة، ورودين يعرفها كلها”. كنا في الأستوديو، وحاليا تحول لغرفة نوم، وكان يحزم حقيبة صلبة أودع فيها أدوات عمله، استعدادا للسفر برحلة إلى نيويورك، إلى فريش كيلز لاندفيل في جزيرة ستاتين، حيث تخزن أكوام فظيعة من نفايات مركز التجارة العالمي. وبينها، وهي سبب رحلته، نسخة من جين د ير  Jean d’Aire،   أحد تماثيل  مواطني كالي بنحت رودين.  وكان محفوظا في مكاتب كانتور فيتزجرالد في الطابق المائة وخمسة من البرج الشمالي - “متحف في السماء”. وتم العثور عليه على بعد ربع ميل، مخدوشا لكن سليما.

بدأ النور بالوميض عند المدرج ففركت راحتي بوجنتي. ومرت قاطرة، وكانت نوافذها مغلفة بلون أزرق، كما لو أن كل القطار مليء بالماء وخيال المائة راكب كلهم مخلوقات مائية. وتلاها، قاطرة شحن تتدحرج، وهي بطول ميل من العربات القافزة. وحاولت أن أعدها ووصلت لرقم ثلاثة وتسعين، وذلك حينما لفت انتباهي شيء أو شخص ما. وكان يتحرك بين عنب الثعلب في أعلى الطريق.

تأملت الأرض الطويلة على امتداد السكة  والحصى الثقيل. وهناك بعد كتلة أعشاب، لمع شيء بلون فضي. وكان يبدو مثل شعار عاكس للضوء على حذاء خفيف صبياني. وأمكنني رؤية أضواء القطار البعيدة، وزوج من العيون في الأسفل، أغلقت زر الشاشة وناديت الشرطة بالجهاز قائلة “نشاط - مشبوه” ولكن بعد ذلك لم أعد أذكر ما هو الروتين أو الرمز المناسب، لذلك صحت “يوجد شخص على السكة” مع أنني كنت أعلم أنه لا يمكنك إيقاف القطار متى أردت.

كان يسرع بطريقه، وكنا على مبعدة أقل من ربع ميل. ولم أتمكن من رؤية ذلك الشخص بعد ذلك، لكن كنت أعدو باتجاهه غريزيا. نحو الشيء غير الواضح الذي ضاع في النور الساطع المقترب. وكنت أصيح هيي، أنت هيي، توقف - وكنت  لا أعني “قف” ولكن : تبخر، أسرع كالبرق، افرد جناحيك، اذهب لأي مكان عدا هذا. وبدأت أغرد بصفارتي الصغيرة، وكانت عديمة الجدوى فقذفتها من فمي.

سمعت صوت حفيف سترة، وخبطات قدم على أطراف الحصى، وكانت أنفاسي تصفر وتندلع، وعلى مسافة تقترب بالتدريج، سمعت زعيق 115 ديسيبل. ثم فقدت معالم الشيء الذي كنت أطارده. تخليت عن جهازي وأنا أقفز، وكذلك شاشة المراقبة الصغيرة. وكنت بين المحطات. كان عنب الثعلب كثيفا وبأشواك. ولا توجد طريقة لأشرح ما رأيت، باختصار هو إنذار كاذب، ولا يوجد أحد أقول له ذلك. وتوسلت بصمت: رجاء لا تطردوني من عملي. ثم وقفت وظهري بعكس حاجز الرياح، وأذناي مسدودتان أمام زعيق مرعب يأتي من قطار شحن طويل يحاول أن يقف ويجمد رغم سرعته الهائلة.

وعندما عدت أدراجي إلى البيت، كان الوالد في غرفة المعيشة، يجلس على وسادة مسند القدمين، والتي انزلق عنها. وكان الهاتف بعيدا عن مكانه وبجانبه، وكتاب رودين مفتوح، وعلى غلافه الداخلي وصفحة العنوان  ثلاثة أرقام مكتوبة بخط مرتعش وكبير. قال “اتصل إزيدرو” وطلب كوب ماء. عدلت وضع الوالد، وأتيت له بالماء، ونظرت لغلاف كتاب رودين.

في الخارج طرق المطر الخفيف النوافذ. وشاهدت طائر قيقف برأس أسود يحط على صحن طعام الطيور الفارغ لدينا ويؤرجحه. وكان يغني سويتي، سويتي، سويتي. رغبت أن أخبر الوالد عما جرى اليوم، ولكن لم أكن متأكدة أنه سيتفهم وربما سأرعبه فقط. وكنت مسرورة لعدم اضطراري إبلاغه كيف أن ابنته أخفقت مجددا - التحذير الرسمي والخطأ في العمل، وعقوبة ضياع الجهاز، وعبوس إبراهيم وسؤاله اللطيف:”هل أنت متأكدة أنك جاهزة لهذا العمل يا ميج؟”.

حصلت على حمام سريع، وحاولت أن أتناول الطعام، واستلقيت، ولكن يداي كانتا ترتعشان، ونبضي يدق بم - بم. وفي التاسعة غادرت السرير أخيرا. وفي الظهيرة خابرت محامي الهجرة في لوس أنجليس. رد الخط: اضغط على رقم 1 للغة الإنكليزية، para español, oprima numero dos.

بحثت عن دفتر ملاحظات الوالد في جارور الأقلام غير العميق. وفتحته وتذكرت كل المرات التي كنت أطالبه فيها بالنقود. كانت الشيكات مبعثرة بين بقايا أوراق مالية تخص والدتي - دفعات التأمين، رحلات إلى عيادات مايو، مؤسسة الرعاية الخاصة. بعد وفاتها بدأ دفع التبرعات كل سنتين إلى أميغوس دي لاس أميريكاس، عدة مئات من الدولارات كل مرة، وهذا ما صعب علينا توفيره لاحقا. ولكنه ملأ بيتنا بكريفون لا ينقطع. ودائما يصل بشكل طبقات على فراش من القش، في علب خشب رقيقة.

كنت أستعد. واعتقد الوالد أنني أتكلم مع السلفادور.

قال مضطربا وهو يذكر اسم والد إزيدرو: ”هل تكلمين دون شيبي. أخبري دون شيبي أنه ليس بوسعنا أن نفعلها؟”. بعد قليل من التفكير، قررت ربما  قصد الوالد كلامه ولم يخلط بالأسماء. وربما هذا ما أراد أن يقوله.

قلت برقة:”لا تقلق يا والدي”. ضحك ضحكة خشنة واحدة ردا على كلامي. شيء عبثي أن لا تقلق. وشعرت بالفخر على نحو غريب. وأصبحت خفيفة. وضحك والدي بحضوري. خطوت وأنا أتابع نابض حبل الهاتف الحلزوني الممدود ورائي على عرض السجادة.

وأخيرا حينما وصلت للشخص الصحيح، استغرقت فترة أطول مما يحتاج إقناع شخص بالمشكلة. وكنت مشوشة بسبب الضجة التي حولي، الأغنية وقرقعة دستة من الألسن، وضربات مفاتيح الكومبيوتر. لذلك ترنحت  نحو الخلف نحو استوديو الوالد القديم وأغلقت الباب وبدأت بشرح حكايتنا.

تناولت الكتاب الذي سجل عليه من الداخل رقم بطاقة اعتقال إيزيدرو. قرأته لعاملة المقسم مرتين. وأدركت أن أي شيك سوف أكتبه سيؤثر، ولذلك بحثت عن أحدث بطاقة ائتمان. في الخارج، مر قطار، وآخر. وقفت قرب النافذة، بانتظار الـ 12:19 وعيناي على السكة، لربما إبراهيم باستراحة. أو أنه ينظر للجهة المقابلة. أو لعله سقط بالنوم رغم أنفه. ومررت أصابعي على أدوات الوالد، كما لو أنني أختار منها، أو كأنني أرتب خطة له ليكرر رحلته إلى فريش كيلز بغرض استعادة نموذج مواطني كالي لرودان. كما لو أن مساعدة إزيدرو مسألة تشبه انتقاء مشبك، ملقط، فرشاة، ملف، شيء يمكن أن تحمله باليد وتستأنف العمل.

  ***

 

...................

سارة هيوتنغ  Sara Houghteling: روائية أمريكية. أول رواياتها هي “صور المعرض”. تعمل بتدريس القصة والرواية في برنامج ستانفورد للكتابة الإبداعية.

 

 

صالح الرزوققصة: ليني زوماس

ت: صالح الرزوق


 

 الشيطان مشغول.

شاهدت بالأمس شابا يدعو مظهره “للشبهات”. يقول الجيران إنني نظرت بعينه مباشرة وألقيت عليه التحية. عموما لم أسجل أي نشاط مشبوه. وفي حالات سابقة مشابهة اتصلت بالشرطة ولم أحصل منهم إلا على هذا الرد “إن لم تشاهد أي أفعال مشبوهة، لا يوجد لديك شيء لتبلغي عنه”.

وفي الحقيقة إنني لا أملك دليلا واحدا ضدهم باستثناء أنهم مشبوهون، وحري بي أن أعلم إن كانوا قد ظهروا بحالات مشبوهة في منطقتنا.

رجل ضعيف حاول أن يقتلع شجرة من الشارع في منتصف الليل.

طبعا هذا مزعج، والأسوأ أنه كان لدي دليلان على شيء يحدث على مقربة مني.

واليوم دق على بابنا رجل أسود فارع الطول.

ودمدمة صاخبة مجانية انطلقت في 1:30 صباحا وسمعتها كل المنطقة المجاورة.

هل يثير حنقك إن قلت :”رجل آسيوي ضخم” أو “رجل أبيض عملاق”؟.

ليس تصرفا عنصريا إن قلت إن رجلا أسود ضخما قرع باب بيتك. فهذا ما جرى حقا.

ولأنني مصورة فوتوغرافية رأيت عدة أشياء “غير مرئية”.

عاهرات حقيقيات مخمورات فقدن رشدهن قبل 8:55 مساء.

يرجى إخباري إن حصل بالصدفة وقابل أي منكم شيئا مهملا، لتكن ساقا عظمية بحجم كامل. فساقه المتبقية تشعر بالوحدة.

كانت هناك مركبة مشبوهة في الـ 15 بين فيلينغ وشيفير صباحا. والسيد الذي كان في السيارة حدجني بنظرة ثاقبة وأنا أغادر البيت لأرافق الكلب بنزهة. لكن هذا لم ينذرني بأي شيء مهم.

وإنما لاحظت أنه لا ينتمي لهذا الحي وكان يحمل على كتفه حقيبة سوداء ماركة نايك.

ربما علينا أن نترك على شرفاتنا لهؤلاء اللصوص مفاجآت أخرى - ولعله يتوجب علي أن أحتفظ بكل براز كلبي العجوز في علبة ، وأضعها على الشرفة مغلقة بالكامل.

وإن كان عندهم أولاد، سيرسلونهم لمدارس أخرى، ولذلك لن يدوس أبناؤهم وهم يجرون على البقايا المتعفنة.

وعندما نظر لهم زوجي معتقدا أنهم متطفلون محتملون، ردوا “كم عدد الأشخاص الذين يسرقون مكانا وهم عراة؟”. و“نحن لسنا أشخاصا شريرين”.

أنا لست مسيحية، وبوجود أشياء من هذا النوع، ربما لن أكون مسيحية على الإطلاق.

كنت مزكوما والكلب دون ثيابه ولذلك لم نخرج إلى الشرفة كالعادة.

كلب يلتهم المخدرات ونحن نمشي في شارع ألبيرتا - وهو عمليا نقطة نهاية بالنسبة لأشخاص يتقنون الأعمال غير القانونية والقادمين من “باطن الأرض”.

ولكنني لا أحترم أحدا يطلب مني “التركيز”. هذه خشونة.

دعنا نمسك بقاتل الهررة في بورتلاند.

اعتدت أن أعيش في قاع الجحيم - جاء كثيرون، لكن قليل منهم ذهبوا إلى البيت.

هل فعلا تريد مسدسا موجها على وجهك في غرفة المعيشة؟. أنا لا أريد.

لم أحلب معزاة على الإطلاق، مع أن هذا في دمي.

وكما قال شرشل: في النهاية نقوم بما يجب - لكن أول محاولة خاطئة دائما.

هذه النباتات الجميلية تنحني تحت المطر، وتصبح صفعة بالوجه، عيبا بالثياب، وعموما مصدرا للمخاطر.

أصدقائي الطبيعة دائما تمتص دمك في النهاية.

***

 

......................

 ليني زوماس Leni Zumas: روائية أمريكية من واشنطن. وتعيش حاليا في أوريغون. من أهم أعمالها رواية: الساعات الحمر، المستمعون، وداعا أيها الملاح (قصص)....

 

 

صحيفة المثقفللشاعرة لوري شوارتزفاغر

ترجمة: مريم لطفي

مثلما اجلس هنا بمفردي معجبا بمشهد الشروق المبكر للشمس

اميل راسي للخلف واغمض عيني

نسيم رقيق ناعم يعبر وجهي

انظر حولي واستمتع بهدوء لسلام الله

والحركة الرقيقة الناعمة

الاشجار مكتملة الازهار، الاوراق جاهزة للسقوط

جمال الله على الارض ، انا معجب بها كلها

مثلما تشرق الشمس وتبدا يوما جديدا

اجلس هنا بهدوء وابدا الصلاة

الهي العزيز، ابدا القول ، ارجوك احطني بعنايتك

واحفظني

اعطني الامل وارني الايمان

وجهني للسراط واخبرني انك قريب

اسمح لي ان اكون قويا ومليئا بالحب،  لان الحب يقهركل الخوف

نسيم لطيف يعبر طريقي ويمنحني قشعريرة طفيفة

 الله يجيب.. انا باق معك

لن اتركك بمفردك او ادعك جانبا، انا في قلبك، ساكون دليلك

سابصرك الطريق لتسيطر على صعوبات الحياة وتثق بقلبك

لانني معك الان والى الابد، لن اتخلى عنك ابدا

نسيم لطيف اشعر مرة اخرى، وانا اعلم ان

صلواتي قد اجيبت، لقد سمع الله مناشدتي

لقد اشار الى هذا لارى

الحياة بها العديد من المفاجات كل يوم، لايمكننا العيش على الندم والاسى

مرة اخرى اشعر بنسيم لطيف، مما يعني ان الله يقول

يابني هنالك الغد

 الشمس ستشرق مرة اخرى، وستستمر الطيور بالغناء

ستدوم الذكريات الى الابد وتستمتع بالحياة ليوم جديد

 بكل ما قد يحمله..

....................

 

A Gentle Breeze

Laurie Swartzfager

Published: September 2011

As I sit here all alone admiring the view of an early sunrise,

I tilt my head back and close my eyes.

A soft gentle breeze crosses my face.

I look around and enjoy the quietness of God's peace and the soft gentle pace.

The trees are in full bloom, the leaves ready to fall.

God's beauty of earth, I admire it all.

As the sun comes up and begins a new day,

I sit here quietly and begin to pray.

Dear God, I begin to say, please watch over my life and keep me safe.

Give me hope and show me faith.

Guide my path and let me know you are near.

Allow me to be strong and filled with love, for love conquers all fear.

A gentle breeze crosses my path and gives me a slight chill.

God answers and says: I am with you still.

I've never left you alone or threw you aside, I am in your heart, I will be your guide.

I will show you the way to master life's difficulties and trust your heart,

For I am with you now and forever, I shall never part.

A gentle breeze I feel again, I know my prayers are answered, God has heard my plea.

He has pointed this out for me to see.

Life has many surprises each and every day. We cannot live on regrets and sorrow.

Once again I feel a gentle breeze, which means God is saying:

My child, there is a tomorrow: will

The sun shine once again, the birds will continue to sing.

          Memories will last forever, and

Enjoy life anew today, and all that it may bring.

.........................

قصيدة تحفيزية لحب الله والحياة

تقول  الشاعرة  كتبت القصيدة في وقت من حياتي عندما كنت اشعر بعدم الامان، كنت بحاجة الى تاكيد ان الله لايزال في حياتي، كنت انظر الى حياتي بفزع، وشعرت بالوحدة والقلق، شعرت بالالهام من الصلاة للتحدث مع الله وكتابة افكاري اثناء الجلوس على شرفة منزلي، جاءت الكلمات الى ذهني عندما كلمني الله، ووضعت هذه الكلمات على الورق، امل ان تلهمك هذه القصيدة ايضا..

مريم لطفي

 

 

صالح الرزوقبقلم: نعومي ألديرمان

ترجمة: صالح الرزوق


“وهل شيدت أورشليم هنا؟”.

وليام بليك

1-

أوسكفورد، إنكلترا، نيسان 1221 م

راقبها (إدريك) في السوق. هناك في المكان الذي رآها فيه لأول مرة. كانت تنتقي الأسماك وتتجادل مع التاجر حول طزاجة بضاعته. إنها على حق هنا في أكسفورد، فالنهر الذي يجري على مشارف المدينة فقط، لا يترك للأسماك أي عذر لتكون غير طازجة تماما. ولكن هذه يغطيها جلد قاتم يدل أنها من موسم أمس. ألقت هذا التعليق المباشر الذي لا يخلو من المرح. وقالت:”وهل أنا عمياء؟. أم بلا يدين لألمس بها السمكة وأرى أنها جافة؟. سأدفع بها ربع بنس لا أكثر".

رد بائع السمك يقول:” سيدتي، لقاء هذا الثمن سألقي بها إلى النهر مجددا آملا أن تعود للحياة”.

ولم ترتدع. قالت:” بل إذا اشتريتها منك ببنس واحد سأكون مثل من يرمي نقوده في النهر!”.

راقبها إندريك من الخلف. كانت ترتدي ثوباً بنياً بياقة بيضاء وسوارين بيضاوين. ومغسول للتو.ومؤخرتها مستديرة و أنيقة. ووركاها عريضان. كان قد وصل حديثا إلى (أكسفورد) قادما من (كوفنتري). ولم يمر عليه هنا أكثر من ثلاثة شهور. ولم يلمس من قبل عش فتاة واحدة. كان شعرها أسود وبشرتها ذهبية مثل القمح. وتساءل كيف يبدو ثدياها، وما لون الشعر الذي بين ساقيها يا ترى.

والتفتت بوجهها ونظرت نظرة جانبية، وهي تمسك بجبينها لتدل على مبلغ سخطها من تاجر السمك. ولم يخيب (إدريك) شكل وجهها. فم واسع، جبين عال، أنف صغير، عين بنية سريعة ونفاذة. وبدأ يفكر ببداية للكلام معها – ربما عليه أن يسألها فقط ماذا ستفعل بالسمكة – وحينما اعتقد أنها فكرت بالانصراف مشمئزة استدارت. ولاحظ البقعة البيضاء المخاطة بمقدمة ثوبها.

2-

"مع الأسف، لم يكن هناك تمييز واضح بما فيه الكفاية بين اليهود والمسيحيين، فقد كان هناك زواج مختلط أو علاقات أقل ديمومة، ومن أجل منع ذلك صدرت تعليمات أن يعلق كل يهودي على واجهة ثوبه مربعا أو رقعة من القماش بطول أربعة أصابع وعرض أصبعين، وبلون مختلف عن بقية ألوان ملبسه”.

(كتابة على تماثيل من حقبة عام 1215 تقريبا)

عندما قرأت ذلك، فصلت الرقعة. وثبتنها على ثيابي وحول جسمي، بحيث تمتد من النحر تقريبا وحتى المعصم. ولا يمكن أن يكون هناك مجال للتستر عليها. وهذه هي الغاية طبعا.

كانت هذه البقع والرموز وحتى القبعات الخاصة باليهود شائعة في أوروبا. وعندما اعتمد راينهارد هيدريتش، أحد كبار مهندسي الهولوكوست، النجم الأصفر مع كلمة يهوذا في الوسط ليحملها يهود الرايخ، لم يكن يخترع شيئاً جديداً. كان يعيد تقليداً قديماً. شيئا معروفا يعود لأيام أوروبا في العصور الوسطى؛ مثل اللافتات والحفلات والنقابات.

3-

لم يتكلم معها إيدريك. وتابعها بعينيه و هي تتابع الشراء - قال لنفسه: تنازل قليلا عن ثمن السمكة ولو بما يعادل نصف قيمتها. لا ضرر في احترام شكل المرأة حتى لو أنها يهودية. كان فتى في العشرين من عمره في النهاية، وربما أكبر قليلا - 22 أو 23. وكان صدرها مرسوما تحت ثيابها المشدودة، ويبدو مستديرا وناعما وشامخا.

ثم قال لنفسه: لكن لا شك هناك ضرر. بالتأكيد هذه الوساوس ضارة.

بدورها لاحظت أنه ينظر إليها، وانتبهت لعينيه، وابتسمت له، إنه ليس فتى سيء المظهر عموما. وربما أصابه الجدري حينما كان عمره 16 عاما وخلف كوكبة من الثقوب والعلامات على أحد خديه. لكن الآخر لم يمسسه سوء. كان أيضا قوي الكتفين والذراعين. ولعله يفكر كيف يمكنه رفعها بذراع واحدة، وكيف ستصرخ وكيف سيعجبه تصرفها ويغريه. رد بابتسامة مماثلة وتابع التفكير: لا تبدو له كشيطانة. ولو لديها قرنان تحت شعرها فهما مخبآن بمهارة فائقة.

أخيرا قال:”موافق على صفقة تلك السمكة”. وانتابه بالغ السرور لكرمه المسيحي ولتجاوبه معها وكأنها امرأة طيبة من أكسفورد مثل الأخريات. لا ضرورة لمعاملتهن مثل وحوش. ثم ها هي تنظر له، بحياد، وتطرف بعينيها.

قالت:”آسفة. أنا لا أكلم المسيحيين. ربما أصبت روحي بالضرر”.

وابتسمت وفي عينيها بريق مشاغب. وكان لخديها غمازتان. غمازتان أسعدتاه. ولم يمكنه إلا أن يتبعها ويسير وراءها في السوق. مع أنه سمع تلميحات من امرأة أو اثنتين مسنتين. في النهاية، ما الضرر من الكلام؟.

سألها أخيرا:"ما اسمك؟" .

قالت:"يهودية. لست بحاجة لي؟".

كانت صريحة ومباشرة ورغب بها بشدة.

قال:"لا ولكن أخبريني. ما اسمك". لم يكن لديه أطماع فوق ذلك.

قالت:"هانا. ابنة أليعازر العلقة”.

وكان مدير إدريك قد نصحه عدة مرات بزيارة الطبيب اليهودي للعلاج. قال:"الطبيب! أنا أعرفه. مساحيقه لتحسين الأمعاء ... فعالة جدا”.

ابتسمت، ابتسامة سريعة وطبيعية، دون افتعال أو إغاظة.

فأردف:"إذا لا بد أن نلتقي مرة أخرى”.

4-

تذكر الأنباء أن اليهود قدموا إلى إنجلترا في العصور الوسطى عنوة على يد وليام الفاتح، على الرغم من أن هناك بعض الأدلة على أن بعض اليهود كانوا موجودين قبل ذلك. غير أنه بالتأكيد زاد من أعدادهم. ومنحهم حماية الملك، وأعلن في عام 1070 أنه "سيتعامل مع أنفسهم وممتلكاتهم كما لو أنها ملك يمينه”. وأصبح اليهود من بين خصوصيات الملك، ولا يمكن لأي أحد أن يؤذيهم دون الإضرار بممتلكاته، ولم يسمح لأي يهودي أن يسافر أو يستوطن إلا بمشيئته.

5-

ركع إدريك أمام تمثال العذراء المباركة في كنيسة بيت أوغسطين المرتبة. وضغط جبهته على أحجار المصلى وتلا صلاته: “"ابقيني بعيدا عن الإغواء واحميني من الشر. أعرف أنه خطأ يا مباركة يا مريم، أعرف أنها سم، وأنها ملعونة، من فضلك امنعيني من الوقوع في حبائلها”.

حتى وهو يتلو هذه الكلمات، فكر بالمتعة التي توفرها، كما لو أن السم ذاته ينقط من بين ساقيها، وطلب أن يساعده المسيح على تجاوز المحنة، لأن الرغبة لا تزال تخنقه.

ولم يكن من الصعب أن يجد سببا ليعود الطبيب. فبناء أوغسطين رطب. ودائما يوجد شخص مصاب بالحمى أو العلل أو بسعال لا يزول، وليس من أخلاقه المسيحية ولا نبالته ولا مزاجه أن يخترق الشوارع الموحلة ليبحث عن علقة للشفاء؟. ومثلما قبل آدم التفاحة، كان يعلم أنه يرتكب خطيئة.

في الغرفة الخلفية القريبة من مخزن والدها، وحينما كان العجوز يمزج المقادير ويطحن جذور الأعشاب، تبادل إدريك وهانا الكلام. اكتشف أنها فطنة وأن الكلام معها ممتع. وكانت قادرة على القراءة- وأدهشه ذلك. وأخبرته أن المرأة اليهودية متعلمة وتقرأ مثل الرجل - وأن المرأة اليهودية في يوم زفافها ربما تتلقى الكتاب المقدس هدية، بنسخة مصغرة وبخط اليد ومخيطة. وتبين له أنه معجب بها. وأنها قابلت نصف الرجال في البيت الأوغسطيني حينما جاؤوا للبحث عن علاج على يد والدها، وتركوا عندها انطباعات تدعو للسخرية والهزء. وأنبأته عن مخاوفها المستمرة على مصير والدها، إن توجب عليها الزواج وتركه وحيدا. وأخبرها عن أبويه في كافنتري - كانا فخورين بابنهما، ابنهما الوحيد، وتنصيبه شماسا، وهما متحمسان للعثور على زوجة مناسبة له.

وهناك، حينما تحول الكلام لصمت وتبادلا النظرات، ودق قلبه داخل صدره واقتربت منه، هناك وهي برفقة والدها تطحن البهارات في الغرفة المجاورة، طبع علها فمها قبلة وطبعت قبلة. ثم ترافقا بنزهة في الغابة الهادئة صباحا وذهبت لجمع النباتات. وبعد أن أنهى صلواته الصباحية التقيا مجددا. وتبادلا الكلام، وأمسكت يده. ورفعتها وأسندتها على سنديانة، فرفع تنورتها ولمسه بأصابعه. وانغمسا باللذة. وكان بمقدوره أن يتابع ولكنها هزت رأسها وضحكت وقالت:

“يجب أن أحتفظ ببعض الفضيلة لليلة زفافي”.

وأصابته الدهشة. وفتنته. وسحرته. وأثارته. هذه الأشياء يجب أن تطفو على الوجه.

قالت:”والآن هل تعتقد أن اليهودية امرأة شيطانية؟”.

وقبلت رأسه. وتابعت:”نحن متشابهون. أخلاقنا وأخلاقكم متشابهة. باستثناء أن أخلاقكم أكثر.. إنكارا منا. نحن نتمسك بطرقنا القديمة، وأنتم تتخلون عنها. وهذا ليس خلافا كبيرا”.

ليساعده الله، حينما ألصق وجهه بأرض المصلى البارد وطلب من العذراء أن تحميه وتغيره، وأن تخلصه من رغبته غير الطبيعية، ليساعده الله، ولكنها ربما كانت محقة.

attends the Baileys Women's Prize for Fiction 2017 at the Royal Festival Hall on June 7, 2017 in London, England.

6-

ابنة خال جدتي وأبناؤها هربوا من الحرب العالمية الثانية إلى مزرعة في شمال إنكلترا. وفي أحد الأيام، شاهدت ابنة خال جدتي زوجة المزارع تفحص رؤوس الأولاد، وتتخلل شعورهم بأصابعها، متلمسة الجمجمة بعظام أصابعها.

قالت زوجة المزارع:”هل حان وقتها؟”.

قالت ابنة خال جدتي:”ماذا؟”.

قالت زوجة المزارع:”القرون”.

لا يزال أولئك الأولاد أحياء - وهم بعمر والديّ.

7-

لكن العذراء لم تفعل شيئا لحمايته. حاول، لبضعة أيام، أن يبقى بعيداً. كانت النار تشتعل في عروقه. كان هناك خطأ ما يأكله، وهو يشعر بذلك. وأخيرا بعد عدة أيام اعترف للقس أنه يرغب بامرأة يهودية. ومن خلف الستارة العازلة تمتم الكاهن أن الشيطان يحاول أن يورط المسيحي الطيب بالغواية، وعليه أن يكرس نفسه للعذراء المباركة. ثم يطلب المغفرة. وفي ممرات الكنيسة عرف أي قس كان يستمع لاعترافه من النظرة الثابتة التي نظر بها له - هو توماس، الرجل القاسي والمؤمن. وخفض إدريك عينيه كي لا يلتقي بنظرة توماس.

في ذلك المساء، فشلت العذراء مرة أخرى في مساعدته أو حمايته. وتعرض أحد الإخوة المتواجدين لنوبة سعال قوية، رافقها صفير عميق لدرجة أن الرجل لم يكن يستطيع التنفس. قال أحدهم – وكأن الشيطان يتكلم بلسانه – "هذا السعال مصدر خطر. يجب على أحدنا ان يذهب للكافر ليحضر العلاج”.

كان الوقت متأخرا، والمطر يهطل بغزارة في الخارج. ولم يرغب أحد بالذهاب.

قال إدريك: “سأذهب أنا، أنا سأذهب إلى الطبيب لجلب الدواء".

شكره لآخرون ومنحه توماس نظرة مظلمة وهزة صغيرة من الرأس. لكن (توماس) لم يتطوع للذهاب بدلاً منه لأن المطر شديد جداً، في نهاية الأمر.

وكانت هانا غاضبة منه في البداية، لأنه غاب عنها لفترة طويلة. وعبرت عن ذلك بالتحدث معه مثل أي عميل آخر. وقالت حينما أخبر والدها بأعراض الرجل المريض:”نعم يا سيدي. الطبيب أليعازر سيحضر العلاج الآن، شراب من العسل والأعشاب. يمكنك الانتظار هنا حتى يصبح جاهزا يا سيدي”.

“هل يمكن أن تنتظري بجواري؟”.

وناح قلبه من فكرة أنه ربما فقدها.

قالت: "لماذا لا، يا سيدي. أنا لا أنتظر مع الزبائن، ولكن فقط مع أصدقائي".

نظر أليعازر لهما بعين شاردة. وقال:"ابنتي. نسيت أين وضعت الأعشاب التي أحتاج إليها لتحضير هذه الوصفة. تعالي وساعديني واتركي هذا الرجل الطيب في سلام".

ردت:"هذا ما أفكر به يا والدي".

وتركاه هناك وحده. ولكن مجرد رؤيتها أثارته مجددا لدرجة أنه لم يتحمل احتمال أنه لن يلمسها الليلة.

بعد فترة قصيرة، فتحت باب الغرفة حيث كان ينتظر على أحر من الجمر، وقالت:”طلب والدي مني أن أقدم لك بعض الطعام أو كوبا من الجعة لنساعدك على مصاعب الانتظار يا سيدي”.

ولم يكن أبوها معها. وقف على قدميه، قبل أن تعترض، أو تتحرك، وقبلها وهو يعتصر بيده صدرها. وبادلته القبلة لبضع لحظات، ثم دفعته بغضب بعيداً. وقالت:”هل هذا كل ما أعنيه لك. عاهرة يهودية تستطيع أن تتحرش بها وأنت بانتظار العلاج؟”.

قال:"لا.لا لا لا”. وانفطر قلبه وهو يخبرها بالحقيقة قائلا: "أنا أفكر بك طوال الوقت. صليت إلى مريم العذراء لكي أنساك ولكن لا لم أتمكن من نسيانك، أنت كل ما أريد". وكرر ذلك مرة أخرى، لأنه لاحظ أول مرة أن هذا ما يعنيه حقاً فقال:"أنت كل ما أريد".

نظرت إليه، وبحث عن علامات الحقيقة في وجهه. وكانت هناك دموع غاضبة في عينيها. وقالت:"لا أستطيع الزواج منك. لا أستطيع الزواج إلا من رجل يهودي. وعلى ما أعتقد أن والدي اختار لي زوجا مناسبا” .

ابتسم وقال:”وهل طلبت منك الزواج؟".

كانت عيناها سوداوين، ولمح لمعة مرحة صغيرة فيهما.

وقالت:"أتوقع أن تفعل".

وتبادلا الكلام. وبحلول الوقت الذي انتهى به تحضير الخلطة، كان خلافهما قد سوي. فهي تريده أيضاً، وهو شيء واضح. ببنيته القصيرة المضغوطة ونعومته ورأسه المتمرد. نعم هذا هو ما تريد بمعنى من المعاني.

نظر أليعازر لهما ثانية وهو يجلب الخلطة. من المستحيل أن لا تلاحظ شيئا من هذا القبيل. وهز أليعازر رأسه بأسف. وقال لإدريك:"هذا ممنوع بموجب قانونك كما تعلم".

وأسعد قلب إدريك أن يسمع أي تعليق حول الموضوع.فهي تريده. وهذا هو كل القانون. وودع هانا بقبلة طويلة في الشارع المظلم والبراق في أكسفورد، كان المطر حكاية منتهية. وكانا يلهثان وهما يفترقان، وقالت له همسا: "كما تعلم مريم العذراء كانت امرأة يهودية أيضا".

ولم يسمع من قبل تجديفا من هذا النوع.

8-

كان اليهود معروفين في الغالب باسم قتلة المسيح. وورد ذلك في العهد الجديد، بالطبع، وهو الكتاب الذي نشر كراهية اليهود من مدينة إلى أخرى، ومن أمة إلى أمة، حتى عم في أرجاء نصف العالم. وأصبح معلوما على نطاق واسع أن اليهود قتلوا الأطفال المسيحيين بالصليب. وأنهم شربوا أو أكلوا دماءهم. ولم يرحم اليهود ملك مثل وليام الفاتح. وأدين اليهود بإصابة ريتشارد الأول بـ"العين الشريرة" أثناء تتويجه، مما أدى إلى مذبحة كبيرة ضد اليهود في جميع أنحاء إنجلترا. وفي عام 1190، قُتل اليهود في كينغ لين، وفي نوريتش، في ستامفورد، وفي كولشستر، وهويتوفورد، وبوري سانت إدموندز، ويورك. وقد أصبحت هذه المجازر،بأقل تقدير، منتظمة إن لم تكن روتينية.

9-

تبقى شيء واحد للقيام به. ولكنها لم تطلب منه ذلك، إنما كانت تعلم أنه يجب أن يحصل. وعلى الرغم من أن أليعازر عرض مساعدته، قرر أنه من الأفضل أن ينفذه بيده. وفي وقت مبكر من صباح أحد الأيام هبط في نهر إيزيس عاريا حتى خضره، ووقف هناك حتى فقد الإحساس بقدميه أو ساقيه أو أي شيء أعلى منهما. ثم خرج بسرعة، ومعه شفرة حادة جدا، وجر قلفته وقطعها بحركة واحدة. وانتشر ألم حارق رغم الخدر أول الأمر. ونزف أكثر مما توقع وشعر بالامتنان لأليعازر الذي منحه مرطبا يرشه عليه. ولمدة أسبوعين اعتصم في غرفته في بيت أوغسطين، وادعى أنه جرح فخذه بعد أن سقط في الغابة. وقد أحضروا له الطعام والماء وشعر من جراء ذلك بالقليل من الذنب لأنه كان يدرك خطته.

ثم هرب من بيت أوغسطين، والحزن يكلله، وهو يقول: إن الرب ظهر له في الرؤية وأخبره أن قدره ليس في أن يكون شماسا وطالباً بل أن يبحث عن مهنة أخرى. وراقب وجهه توماس، وبعض الإخوة الآخرين، بارتياب. ولكن ماذا يمكنهم أن يفعلوا؟. إنه رجل حر، وله عقل يفكر، ويمكنه الذهاب إلى حيث يحب وأن يفعل ما يشاء.

وكان قد قررر أن يذهب إلى منزل (هانا) في الحي اليهودي. وكانت تنتظره. وأخبرها أنه قام بالختان. وهو لا يزال متألماً، لكن الجرح سيشفى. ولا سبيل للتراجع الآن. وحينما كان يكلمها، استولى عليه خوف مهيب، لربما لن تقبل به الآن، وستدعوه للانصراف.

لكنها كانت ترديه فعلاً. وكانت بنفسها تخشى أنه لن يعود إليها، وأنها ستلاقيه في الشارع بعد عدة شهور وسيسخر منها ويناديها يا عاهرة الشيطان وسيكون قد نسي التحاب الذي بينهما. كان كلاهما خائفين. لكن كان الشوق أكبر من الخوف. وقبلته بفمها وكان حبه ألذ من النبيذ. وفي غضون شهر، عندما شفي تماما، تزوجا.

ومرت عدة شهور من السعادة، هذا مؤكد. وكانا في بعض الأيام يستيقظان معا ويمارسان الحب في الصباح برقة بالغة. وكانت تدلك وجهه الذي غطته لحية كاملة. وشرعت تعلمه سبلها ومعتقداتها وأسرار الأعشاب، وكانت تجلس على ركبته ليلقنها علوم القواعد اللاتينية ويخبرها عن كافنتري. ولا يمكننا أن ننكر أنهما أنفقا معا بضعة شهور.

وعلى الرغم منأهمية الكتمان، قام توماس بإفشاء السر لماثيوو، وماثيو تكلم مع سيمون، وسيمون مع روجير، ووصل الكلام لسلطات الكنيسة وبلغ مسامعهم أن مسيحيا اعتنق الدين اليهودي واقترن بامرأة يهودية. وهكذا في صباح أحد الأيام، بينما هانا في النهر تستحم، جاء عشرون من رجال المأمور يحملون الهراوات بحثا عن إدريك. ووجدوه يعمل على وعاء من المساحيق للكدمات. ونادى على الجيران لتحذير هانا، وحثها على الهرب، وفي نفس الوقت قبض عليه الرجال وغطوا رأسه بكيس.

10-

هذه القصة حقيقية، على الأقل في خطوطها العامة. وهي مدونة في عدة سجلات، جنبا إلى جنب مع العديد من المجازر والجرائم الأخرى التي لحقت باليهود في إنجلترا في العصور الوسطى. وخلال الفترة التي كنت أقرأ عنها في المكتبة، دردشت مع امرأة كانت تعمل في المكتبة أيضا. وأخبرتها عن اليهود الذين لقوا الموت بطرق مختلفة في عدة فترات حكم لملوك إنجلترا.

قالت المرأة :” حسنا، عليك أن تفهم هذه الأشياء في سياقها التاريخي".

ورأيت أنني كنت غاضبا جدا لدى سماع ما تقوله. وأجبتها:"لا أعتقد أن الناس نظروا للموضوع في سياقه التاريخي حينما كانوا يتعرضون للقتل. لا أعتقد أنهم قالوا لأنفسهم: حسناً، يجب أن أفهم المجتمع والدوائر الثقافية التي جعلت ذلك يحدث. على ما أفترض أنهم عانوا وماتوا".

وأعتقد أن هذه المرأة شعرت أنني لست شهما بما فيه الكفاية. ولا أمتلك ما يكفي من روح المحبة والكرم المسيحي.

11-

تمت محاكمة إدريك أمام رئيس الأساقفة. وعرضوا عليه الصليب والرب المصلوب عليه. تذكر إدريك طفولته، وهو يركع أمام صليب كهذا، يقبله بشفتيه اللتين قبل بهما هانا مرارا وتكرارا. وهو يريدها الآن وجسده يحن ويتألم ليعانقها. وتخيلها كما يجب أن تكون، في العربة المتنقلة الصغيرة التي يمتلكها عمها، وهي بالطريق إلى لندن، مختبئة تحت الملاءات والبطانيات والتفاح. ربما آمنة. وربما سيراها لاحقا.

قال له رئيس الأساقفة:"عبر عن توبتك، وتخلص من خطيئتك وإلا لن يغفر لك؟".

كان بمقدوره أن يتوب الآن. سيكون الأمر بسيطا. وباستطاعته أن يقول: أنا نادم، وأومن أن الرب يسوع في قلبي. كان بإمكانه أن يفعل ذلك وربما يرحمونه وربما يسمحون له بالانصراف، وربما تحت جنح الظلام يمكنه أن يهرب بعيداً ويبحث عن هانا في لندن ويلف ذراعه حول خصرها ويسمع ضحكتها الناعمة. وربما يسافران بطريقة ما إلى باريس أو أمستردام أو حتى إسبانيا حيث يمكن أن يكونا مجرد رجل يهودي آخر وزوجته اليهودية، وبطنها مزدحمة بأطفال يهود. هذا ما يريده، وهذا شيء بسيط. ولكن يأتي وقت يكون القلب فيه متيقنا أن اللسان يعجز عن أن ينطق بما يفرضونه عليه.

وبدأ يصيح:"لا أريد القانون الجديد الموضوع، فهو بدعة. وأنا مع ما سبقه. ولا أتبع تعاليم يسوع. كان كاذباً مثل والدته ماري – بالتأكيد كانت مستلقية مع رجل، وعندما حملت منه ادعت أن الرب منحها طفلا. أنا يهودي الآن. يهودي مثل الآخرين".

وهذه هي الحقيقة. ألم يذكر إنجيل يوحنا إن"الحقيقة ستحررك"؟.

12-

كان ستيفن لانغتون هو رئيس الأساقفة. وكان هو نفسه موضع خلاف كبير بين روما وإنكلترا -- ورفض الملك جون الاعتراف به رئيسا لأساقفة كانتربري، وأصر البابا إنوسينت عليه. وكانت نتيجة الشجار تجميدا دام خمس سنوات: فقد رفض البابا السماح بالاحتفال بأي ولادة أو زواج أو قداس في إنكلترا. والتجميد واقع سيء عرض أرواح الشعب الإنكليزي للمخاطر، ولا يمكن العودة لتلك الظروف. وأن يهين مسيحي صالح مريم العذراء بهذه الطريقة سلوك يجلب غضب الله - والبابا - على الأرض. ولذلك هناك نهاية واحدة ممكنة فقط.

13-

والسجلات غير واضحة ومتناقضة قليلاً حول كيفية حدوث النهاية. البعض يقول إنه حريق وهذا هو رأي الأغلبية. ولكن رواية ماثيو باريس تروي ذلك بشكل مختلف.

ورد أنه تم طرد ستيفن لانغتون الشماس الإنجليي من الكنيسة لأنه أحب يهودية حبا غير قانوني.

ويخبرنا باريس: إن السير فالكس دي بريوتي، وهو فارس محلي، و"سريع في إراقة الدماء"، غضب من تحول الرجل المسيحي إلى الدين اليهودي، ومن الكلمات التي تحدث بها ضد العذراء لدرجة أنه: انتزعه عن الأرض، وأقسم 'بأنفاس الله!. سوف أقطع الحلق الذي تفوه بمثل هذه الكلمات’، وجرّه بعيداً إلى بقعة سرية وقطع رأسه. كان هذا البائس المسكين مولودا في كوفنتري. لكن اليهودية تمكنت من الفرار، مما أحزن فالكس الذي قال: "أنا آسف لأن هذا المسكين ذهب إلى الجحيم وحده”.

ربما كان الحريق وربما كان السيف. ولكننا نعلم أن الرجل الذي أدعوه هنا إدريك، فاسمه منسي منذ فترة طويلة، مات على يد الكنيسة، وأولئك الذين سعوا إلى حماية شرفها.

واليهودية التي دعوتها باسم هانا، لأن اسمها بالمثل لم يتم تسجيله، هربت. ربما يمكننا أن نتخيلها، هناك، بين التفاح، تبكي على زوجها وهي تسافر بالعربة متنقلة طوال أميال وعرة وغير سالكة حتى بلغت الساحل. وربما مات وهو يعلم أنها آمنة. وربما كانت تحمل مستقبلها في رحمها. حيث حياة جديدة تتحرك فيه. وربما كان يعرف هذا عندما مات. ربما. ربما.

***

 

.......................

*عدد من التفاصيل التاريخية في هذه القصة مأخوذة من كتاب روبن مانديل “ملك اليهود”.

نعومي ألديرمان Naomi Alderman روائية بريطانية من إسكوتلاندا. تعيش في مدينة باث الإنكليزية. من أهم أعمالها: القوة (رواية خيال علمي)، إنجيل المنافقين، الدرس، وسوى ذلك....

هذه االقصة نشرت لأول مرة في نيو ستايتمان (أيار / 2012).

 

 

 يوسف حنايحرس قطيع متناقضاتنا من الذئاب

فتحي مهذب - تونس

ترجمة الشاعر د. يوسف حنا - فلسطين


He guards our herd of opposites against wolves

By Fathi Muhadub / Tunisia

Translation from Arabic Dr. Yousef Hanna /Palestine

Your grizzly pistol

With husky throat

Killers tweet at the treetops

The imagination howls

In your head park.

Don't despair

Don't break the forgetfulness jar

The dragon will be polite in refining your wing

He will feed your blind sun,

Fire and blessings.

The musician will take good care of your ghosts,

By your fresh blessing in the Castle of Words.

The abyss will suckle you

Instead of the messenger

That was snatched by her madness in the opera house

For whom the train emptied his tears

Up in the air.

Then open fire

And scatter the savage birds of obsessions.

***

Your windows are fresh milk.

O house that resembles an eagle

Which shepherds fill in with narration

And with smell of wild fern.

O house that kicks the ass of the void

And from its lamps,

The nostalgia rose rises

To keep your door wide open

For the new Moriscos.

***

On my back is a filled basket with emptiness.

The fresh Ideas have been captured

By a woodpecker.

Only blinds can see

God’s ravenous teeth.

***

the three of us remained at the bottom of the cave

While our dog extended his arms

At the courtyard,

Guards our herd of opposites

Against wolves.

Our shadows of poetry angina

Our charred prayers by the Mongols horses’ hooves

The Lord did not protect us from roaring of ourselves

Neither from the bat whip

That flows from our hoops of words

Our empty words’ bags are of rice and blessings

We spent our lives devouring ghosts

We are moving toward decline

While the world is (burning wheel

Passing over our heads)

Waiting for Noah's ark.

***

I was upright like a tree

Full of sparrows

Butterflies cross me

And flying saucers.

And from time to time,

A crow throws at me an enchanted feather

I was the favorite mother of the jungle trees

Suddenly woodmen attacked us

We fell one by one

Into the abyss.

***

I love the train

Which at ten o’clock night, turns completely

To a ninth symphony.

Love the little cloud

That sits in front of me

And take care of her nails

Her eyes are speaking gull’s eloquence.

I love the old woman chewing her tough luck

She haunts her coffin in cold blood,

Love the train that plows my spine

With his sad tone.

.........................

يحرس قطيع متناقضاتنا من الذئاب

فتحي مهذب - تونس

*** مسدسك الأشيب

مبحوح الحنجرة.

القتلة يغردون في رؤوس الأشجار.

المخيلة تعوي

في حديقة رأسك.

لا تيأس .

لا تكسر جرة النسيان.

التنين سيكون مهذبا في صقل جناحك.

سيطعم شمسك الضريرة

النار والبركات.

الموسيقار سيعتني بأشباحك جيدا.

بأنهارك العذبة في قلعة الكلمات.

سترضعك الهاوية

بدلا من الرسولة.

التي خطفها الجنون في دار الأوبرا.

التي من أجلها أفرغ القطار دموعه

في الهواء.

إذن إفتح النار.

شتت طيور الهواجس الكاسرة.

***

نوافذك حليب طازج.

أيها البيت الذي يشبه النسر.

الذي يملؤه الرعاة بالسرد.

ورائحة السرخس البري.

أيها البيت الذي يركل مؤخرة الفراغ.

ومن مصابيحه تصعد وردة النوستالجيا.

ليظل بابك مشرعا

للموريسكيين الجدد.

***

على ظهري سلة مملوءة بالفراغ.

السمكات ذابت في الطريق.

الأفكار الطازجة إلتقطها

نقار الخشب.

العميان وحدهم يبصرون

أسنان الرب المفترسة.

***

قبعنا ثلاثتنا في قاع الكهف

بينما كلبنا باسط ذراعيه

بالوصيد.

يحرس قطيع متناقضانتا

من الذئاب.

ظلالنا من الذبحة الشعرية.

صلواتنا المتفحمة من حوافر أحصنة المغول.

لم يحمنا الرب من زئير أنفسنا.

من وطوطة الخفافيش

التي تزرب من أطواق كلماتنا.

كلماتنا الفارغة أكياسها من الرز والبركات.

أفنينا أعمارنا في التهام الأشباح.

نتحرك في النقصان

بينما العالم (عجلة مشتعلة

تمر فوق رؤوسنا).

في انتظار سفينة نوح .

***

كنت منتصبا مثل شجرة.

مليء بعصافير الدوري.

تعبرني الفراشات

والصحون الطائرة.

ومن حين إلى آخر .

يرشقني غراب بريشة مسحورة.

كنت الأم الأثيرة لأشجار الغابة.

وعلى غرة هاجمنا الحطابون

سقطنا الواحد تلو الآخر

في الهاوية.

***

أحب القطار

الذي يتحول تمام العاشرة ليلا.

إلى سينفونية تاسعة.

أحب الغيمة الصغيرة

التي تجلس أمامي

وتعتني بأظافرها.

عيناها تتكلمان بفصاحة نورس.

أحب العجوز التي تمضغ حظها العاثر.

تطارد تابوتها بدم بارد.

أحب القطار الذي يحرث عمودي الفقري

بنبرته الحزينة.

 

 

جمال ابو زيدأوسكار وايلد

ترجمة: جمال أبو زيد

دأب الأطفال على الذهاب إلى حديقة العملاق، لدى عودتهم من المدرسة،  في أصيل كل يوم، لِلَّعِبِ فيها. كانت تلك الحديقة جميلة مترامية الأطراف، وكان عشبها أخضر ناعماً، تنتشر فوقه هنا وهناك الزهور الجميلة التي تبدو كالنجوم. كانت ثمّة اثنتا عشرة شجرة خوخ تتفتق في فصل الربيع عن أزهار رقيقة بلون ٍ قرمزيٍّ أو لؤلؤيّ. وما إن يقبل فصل الخريف حتى تجود بثمارها الوافرة. كانت الطيور تجثم على الأشجار وتشدو بصوت في غاية العذوبة إلى حدِّ أن الأطفال كانوا يتوقفون عن اللعب بغية الإنصات إليها.

وكانوا يتصايحون قائلين: "ما أسعدنا هنا!"

وفي أحد الأيام عاد العملاق. كان في زيارة صديقه الغول المقيم في كورنوول، حيث قضى معه مدة سبع سنوات. وبعد انقضائها كان قد قال كلَّ ما كان لزاماً عليه أن يقوله، إذ كانت محادثته معه محدودة، وعقد العزم على  العودة إلى قلعته. وحين وصل رأى الأطفال يلعبون في الحديقة. 

فصاح بصوت أجش إلى حدٍّ كبير: "ماذا تفعلون هنا؟!" . وفرّ الأطفال مذعورين. قال العملاق: " حديقتي هي حديقتي! وفي مقدور أي شخص أن يفهم ذلك. ولن أسمح لأيِّ شخص كان، سواي، بأن يلعب فيها".

وهكذا بنى سوراً عالياً حولها، ووضع عليه لوحة إعلانات تقول:

المتعدُّون

سيُحاكَمون.

كان عملاقاً شديدَ الأنانيّة.

لم يكن لدى الأطفال المساكين الآن أي مكان آخر يلعبون فيه. حاولوا أن يلعبوا على الطريق، بَيْدَ أنه كان مكسوّاً بالغبار ويعجُّ بالحجارة الصلبة، ولم يَحُزْ إعجابَهم . واعتادوا أن يدوروا حولَ السور العالي لدى انتهاء دروسِهِم  ويتحدثوا عن الحديقة الجميلة الموجودة في داخله. وكان كلٌّ منهم يقول للآخر: " لشدَّ ما كنّا سعداءَ هناك".

ثم أقبل الربيع، وانتشرت الأزهار والطيور في جميع أرجاء البلاد. وفقط في حديقة العملاق الأناني، كان الشتاءُ لا يزال هناك. ولم تكترث الطيور بالشدوِ فيها، إذ لم يكن ثمة أطفال، ونسيت الأشجار أن تزهر فيها. وذات مرّةٍ، أطلت زهرة جميلة برأسها من خلال العشب، بَيْدَ أنها حين أبصَرَتْ لوحة الإعلانات شعرَت بالأسف الشديد على الأطفال وانسلّتْ عائدةً إلى الأرض مرة أخرى وأخلدتْ إلى النوم. ولم يكن أحد سعيداً فيها إلا الثلج والصقيع، فصاحا قائلَيْنِ: " لقد نسي الربيع هذه الحديقة! لذا سنعيش هنا على مدار السنة!"

غطّى الثلجُ العشبَ بعباءته البيضاء العظيمة، وطلا الصقيعُ جميع الأشجار باللون الفضي، ثم وجّها دعوةً إلى ريح الشمالِ للإقامة معهما فجاءت. كانت متلفِّعَةً بالفراء، وظلّتْ تهدرُ حول الحديقة طوال اليوم، وحطمت قدورَ المدخنة (1) وأسقطتها إلى الأسفل. وقالت: "هذه بقعة رائعة، وعلينا أن نطلب من البَرَدِ أن يزورنا". وهكذا جاءَ البَرَدُ. وكلّ يوم، ولمدة ثلاث ساعات، كان يقعقع على سطح القلعة إلى أن حطم معظم الألواح الخشبية، ثم يدور ويدور في الحديقة بأسرع ما لديه من طاقة. كان مُتَّشِحاً باللون الرمادي، وكان نَفَسُهُ كالثلج.

قال العملاق الأناني وهو يجلس عند النافذة ويرنو ببصره إلى حديقته المكسوّة بالبياض في الخارج: "لا أستطيع أن أفهم لماذا تأخر الربيع كثيراً في المجيء. آمل أن يتغير الطقس!"

بيد أنّ الربيع لم يأتِ قَطّ، وكذلك الصيف. الخريف جادَ بثماره الذهبية على كل حديقة سوى حديقة العملاق، قائلاً: "إنه شديد الأنانية".

وهكذا كان فصل الشتاء دائماً هناك، وكانت ريحُ الشمال، والبَرَد، والصقيع، والثلوج  تتراقص متجوّلةً عَبْرَ الأشجار.

ذات صباح، كان العملاق يستلقي مستيقظاً في فراشه حين سمع أنغام موسيقى عذبة. كان وَقْعُها في غاية العذوبة في أذنيه إلى حدِّ أنه اعتقد أن موسيقيي الملك كانوا يمرّون في الجوار. كان في الواقع مجرّد تُفّاحيٍّ (2) صغير يشدو خارج نافذته. بيد أنه كان قد مضى وقتٌ طويلٌ مُذْ سمع طائراً يشدو في حديقته، إلى حدِّ أن ذلك الشدو بدا بالنسبة إليه أعذب موسيقى في العالَم. 

ثم توقف البَرَدُ عن الرقص فوق رأسه، وكفَّتْ ريحُ الشمال عن الهدير، وتناهى إليه عبيرٌ عذبٌ من خلال النافذة المفتوحة. قال العملاق: " أعتقد أن الربيع قد أقبل أخيراً". وقفز من السرير ورنا ببصره إلى الخارج.

وماذا رأى؟

رأى واحداً من أجمل المَشاهد. من خلال فتحة صغيرة في السور كان الأطفال قد دخلوا إلى الحديقة وجلسوا على غصون الأشجار. وفي كل شجرة وقع بصره عليها، كان ثمة طفل صغير. وكانت الأشجار في غاية السرور لعودة الأطفال إليها إلى حدِّ أنها غطتْ أنفسها بالأزهار وطفقت تلوّح أذرعها بلطفٍ فوق رؤوس الأطفال.

كانت الطيور تحلق في المكان وتغرّد في ابتهاج، وكانت الأزهار تطلّ برؤوسها من العشب الأخضر ضاحكة. كان مشهداً جميلاً. وفي ركن واحد فحسب، كان الشتاء لا يزال قابعاً هناك. كان أبعدَ ركنٍ في الحديقة، وفيه كان يقف طفل صغير. كان ضئيل الجسم للغاية ولذلك عجز عن الوصول إلى أغصان الشجرة، فراح يحوم حولها ويبكي بمرارة. كانت الشجرةُ البائسة لا تزال مغطاةً بالصقيع والثلج، وكانت ريح الشمال تهبّ وتهدر فوقها. قالت الشجرةُ للطفل: " تسلّقْ أيها الصبيّ الصغير"، وخفضتْ أغصانها إلى أدنى ما في مقدورها من استطاعة، بيد أن الصبيّ الصغير كان ضئيل الجسم للغاية.

ذابَ قلبُ العملاق حين أبصر ذلك، وقال: " ما أشدّ أنانيّتي. الآن أدركُ لماذا لا يأتي الربيعُ إلى هنا. سوف أضعُ ذلك الصبيَّ الصغيرَ على قمة الشجرة، ثم سأهدم السور، وسوف تصبح حديقتي ملعبَ الأطفال إلى أبدِ الآبدين". لقد تملّكه، في الواقع، الأسفُ الشديد على ما كان قد فعل.

وهكذا، انسلَّ إلى الطابق السفلي وفتح الباب الأمامي بهدوء شديد ، وخرج إلى الحديقة. وما إن رآه الأطفال حتى انتابهم الرعبُ وفرّوا جميعاً لا يلوون على شيء. وعادت الحديقة إلى فصل الشتاء مرة أخرى. وحده الصبي الصغير لم يركض، لأن عينيه كانتا مليئتين بالدموع إلى درجة أنه لم ينتبه إلى قدوم العملاق نحوه. انسلّ العملاق خلفه برفق ووضعه فوق الشجرة، فاستحالت إلى زهور في الحال، وأسرعت إليها الطيور وهي تشدو فوقها. بسط الولد الصغير ذراعيه ولفَّهُما حول عنق العملاق، وقبَّله. وعندما رأى الأطفالُ الآخرون أن العملاق لم يعد شرّيراً، عادوا راكضين وعاد معهم الربيع. قال العملاق: " إنها حديقتكم الآن أيها الأطفال الصغار"، ثم تناول فأسًا كبيرةً وهدَمَ السور. وحين كان الناس في طريقهم إلى السوق، عند الساعة الثانية عشرة، وجدوا العملاق يلعب مع الأطفال في أجمل حديقة وقعت عليها أبصارهم على الإطلاق.

ولعبوا طوال اليوم، وفي المساء جاؤوا إلى العملاق ليودّعوه، فقال: " ولكن أين رفيقكم الصغير؟ الصبي الذي وضعتُهُ على الشجرة".

كان العملاق قد كنَّ له أشدَّ الحبِّ لأنه كان قد قبَّلَه.

أجاب الأطفال: "لا ندري. لقد ولّى."

فقال العملاق: "يجب أن تخبروه أن يأتي إلى هنا غداً بكلّ تأكيد". غير أن الأطفال قالوا إنهم لم يكونوا يعرفون أين يعيش، ولم يروه من قبل قَطّ. وأحسّ العملاق بالحزن الشديد.

وفي كلِّ أصيل، ومع انتهاء الدوام المدرسي، كان الأطفال يأتون بغية اللعب مع العملاق. بَيْدَ أنّ الصبي الصغير الذي أحبّه العملاق لم يُشاهَدْ مرة أخرى قَطّ. كان العملاق في غاية اللطف مع جميع الأطفال، ومع ذلك كان يتوق إلى رؤية صديقه الصغير، وكان يتحدّث عنه أغلب الوقت.

واعتاد أن يقول: " كم أتوق إلى رؤيته!"

ومرّت السنون، وتقدّم العملاق في السِّنِّ وأصابه الوَهَن. ولم يعد في إمكانه مواصلة اللعب،  لذا كان يجلس على كرسي ضخم بذراعَيْنِ ، ويراقب الأطفال وهم يلعبون، ويُعْجَبُ بحديقته. كان يقول:" لدّي الكثير من الأزهار الجميلة، بيدَ أن الأطفال هم أجمل الأزهار قاطبة."

وذات صباحٍ في الشتاء نظر إلى الخارج من نافذته بينما كان يرتدي ملابسه. لم يعد يكره الشتاء الآن، لأنه كان يعلم أنه ليس إلا الربيع نائماً فحسب، وأن الأزهار في حالة استراحة.

فجأة فرك عينيه متعجباً، ثم أخذ ينعم النظر. كان بالتأكيد مشهداً رائعاً. في أقصى ركن من الحديقة كانت ثمة شجرة مغطاة بأكملها بأزهارٍ بيض جميلة. وكانت غصونها كلّها ذهبية، وقد تدلّتْ منها فاكهة فضية، وتحتها كان يقف الطفل الصغير الذي أحبّه.

وركض العملاق إلى الطابق السفلي والفرح يغمره، وخرج إلى الحديقة. جرى عَبْرَ العشب ودنا من الطفل. وحين اقترب أكثر احمرّ وجهه غضباً وقال: " مَنْ جَرُؤ على أَنْ يجرحك؟" إذ كان قد أبصر على راحتي يدي الطفل أثرَي مسمارَيْنِ، وأثري مسمارين على قدميه الصغيرتين.

وصاح العملاق قائلاً: "من الذي جرؤ على أن يجرحك؟ أخبرني! لآخذ سيفي الكبير وأقتله".

أجاب الطفل: "كلا! هذه جروح الحب فحسب".

قال العملاق: " مَنْ أنت؟"، واعترته رهبة غريبة، وركع أمام الطفل الصغير.

ابتسم الطفلُ للعملاق وقال له: "لقد سمحتَ لي أن ألعب ذات مرّة في حديقتكَ، واليوم ستأتي معي إلى حديقتي والتي هي الجّنَّة".

وحين ركض الأطفالُ ذلك الأصيل، وجدوا العملاق مستلقياً تحت الشجرة وقد فارق الحياة، وكان مغطّىً بأكمله بالأزهار البيض.

***

 

...........................

أوسكار وايلد (1854 – 1900): ولد أوسكار وايلد (واسمه الكامل أوسكار فينغال أوفلاهيرتي ويلز وايلد) في دبلن/إيرلندا عام 1854، وكان ترتيبه الثاني بين ثلاثة أطفال لطبيب العيون الإيرلندي ويليام روبرت ويلز وايلد وزوجته جين فرانسيسكا إيلغي وايلد، والتي كانت صحفية وشاعرة إيرلندية ناجحة تذيِّل قصائدها باسم مستعار. تألق أوسكار في دراسته المدرسية كما تألق في كلية "ترينيتي" في دبلن وكلية "ماغدالين" في جامعة أوكسفورد ذائعة الصيت. وبعد تخرّجه انتقل إلى لندن وسرعان ما اكتسب شهرة عارمة في المجتمع اللندني، وكان أحد أركان المدرسة الجمالية في الفنّ والأدب في تلك الفترة، والتي تُلخّصها عبارة " الفنّ للفنّ".

في عام 1881 نشر مجموعة شعرية بعنوان " قصائد"، وفي العام التالي سافر من لندن إلى مدينة نيويورك ليشارك في إلقاء محاضرات في مدن أمريكية مختلفة، وقد ألقى خلال جولته التي استمرت 9 أشهر نحو 140 محاضرة.

وفي عام 1884 تزوج كونستانس لويد، وكانت كاتبة قصص أطفال، وأنجبت له صبيَّيْنِ. كتب الكثير من المقالات وألقى العديد من المحاضرات لدعم أفكاره عن الفن والجمال.

من أعماله: " الأمير السعيد وحكايات أخرى" (مجموعة قصصية، 1888، ويُعتَقَدُ أنه كتبها من أجل ابنَيْه)، ومنها ترجمنا هذه القصة، " صورة دوريان غراي" ( رواية 1890)، "جريمة اللورد آرثر سافيل وقصص أخرى" (1891)، " مروحة الليدي ويندرمير" (مسرحية 1892)، " امرأة لا أهمية لها (مسرحية 1893)، "زوج مثالي" (مسرحية 1895). 

....................

هوامش

(1) قِدْرُ المدخنة: أنبوب فخاريٌّ، أو معدنيٌّ، في أعلى المدخنة لجعلها أقدرَ على تصريف الدخان. (المورد)

(2) التُّفّاحيّ: طائر مغرّد. (المورد).

 

احمد الزاهر الكحلالفَراشَةُ المَغرورَةُ

ميَّادة مهنَّا سليمان/سورية

ترجمة إلى الإسبانية: أحمد الزاهر لكحل/المغرب

القصة الأولى من المجموعة القصصية: "قَريَةُ الفَراشَاتِ"

“La mariposa vanidosa*”

Mayada Muhanna Solaiman/Siria

Traducción del árabe al español: Ahmed Zahir Lakhal/Marruecos

 

*El primer cuento de la colección “La aldea de las mariposas” compuesto por diez cuentos infantiles

******

En una pequeña colina estaba la hermosa aldea de las lindas mariposas. Cada mariposa tenía una casa en forma de flor de su color.

Las mariposas vivían en paz y tranquilidad en esa aldea.  Su reina era la sabia mariposa blanca, a la que acudían las mariposas cuando era necesario.

En algún día, la reina de las mariposas tuvo que viajar a otra aldea para visitar a su prima que estaba muy enferma.

Las mariposas se despertaron con mucha energía, aleteando sus alas con mucha alegría y gozo, y echaron a libar el néctar de las coloridas flores de la aldea.

Notaron  que la mariposa negra no estaba con ellos en su recorrido matutino, y la mariposa roja dijo:

Quizá se quedó dormida, tenemos que despertarla para tomar un delicioso desayuno de estas delicadas flores.

La mariposa púrpura respondió:

¿O quizá le pasó algo malo?

Y la mariposa azul dijo inmediatamente:

Vamos a su casa, creo que está enferma y no ha podido levantarse.

Y las nobles mariposas volaban hacia su casa a excepción de la mariposa amarilla que se negó arrogantemente, diciendo:

¡No iré con vosotras!

Soy  yo la mariposa amarilla y dorada 

Y ella es una mariposa negra, oscura como la noche

¡Parece un murciélago feo!

Todas las mariposas se pusieron molestas por sus hirientes palabras, y la dejaron sola en ese prado, porque estaban hartas  de su vanidad y arrogancia.

Cuando las mariposas llegaron a la casa de la mariposa negra, la pobre tenía  fiebre muy elevada, e inmediatamente la mariposa naranja le puso compresas en la frente y permanecieron cerca de ella agasajándola para que no se sintiera sola y enferma.

Mientras tanto, la mariposa amarilla volaba orgullosa y cantaba de alegría:

Soy  la hermosa mariposa

Vuelo de placer

en los campos

Libo el néctar de las flores

Vuelo en el valle

y en todas las llanuras

Todo el mundo me ama

Soy bella y encantadora

Todos los prados me anhelan

Y  me llama ansiosamente

cada maleza

Soy yo la princesa

Soy yo la dorada

Soy yo, soy yo la más guapa

Mientras ella cantaba muy feliz, la escucharon los dos traviesos hermanos “Adham” y “Ayham”, se acercaron tranquilamente, la agarraron, y la metieron en una bolsa transparente, luego la colgaron en una rama de un arbusto y se echaron a burlarse de ella mientras trataba de salir. 

La  familia estaba haciendo picnic cerca del hermoso pueblo de las mariposas. Unos momentos después, escucharon la voz de su madre llamando a almorzar.

Ambos traviesos chicos se apresuraron, y dejaron a esa pobre mariposa colgada en esa rama, agotada de cansancio, por sus muchas tentativas de salir de la bolsa.

 

Las mariposas terminaron su visita, y cuando vieron que  la mariposa negra se mejoró, le sugirieron que saliera con ellas a dar paseo por los campos, esperando que se recuperara un poco y libara algo del néctar de las flores.

Mientras volaban, de repente notaron que una pequeña cosa estaba moviéndose  en una bolsa, entonces se acercaron y gritaron de pánico:

¡Dense prisa amigas!

Las mariposas se reunieron asombradas.

¿Cómo la van a salvar, y con quién lo consultan, ya que la sabia mariposa blanca aún no ha regresado de su visita?

Mientras  estaban confundidas, la mariposa negra dijo:

¡Iré un rato y me volveré!

Unos   momentos después, volvió la mariposa acompañada con una pequeña ardilla, y las mariposas sonrieron, admirando su inteligencia.

La ardilla mordió la bolsa y, de inmediato, salió sin aliento la engreída mariposa. Las mariposas la felicitaron por su seguridad y sus ojos se llenaron de lágrimas agradeciéndoles, luego se acercó a la mariposa negra, la abrazó con amor y lamentó:

Me salvaste la vida, aunque merecía la muerte, me negué a visitarte, mientras estabas enferma, entonces Dios me castigó y tú me has salvado.

¡Por favor perdóname hermana!

Todas las mariposas se pusieron alegres, y pasaron unos ratos muy divertidos, luego decidieron regresar a sus casas, ya que se acercó la puesta del sol, y la sabia mariposa blanca sin duda ha regresado, y se preocupará por ellas.

Aletearon con amor y tranquilidad, y se dirigieron a su hermoso y apacible pueblo, y contaron a su sabia reina los extraños acontecimientos que les sucedieron en ese día.

.................................

الفَراشَةُ المَغرورَةُ

ميَّادة مهنَّا سليمان/سورية

ترجمة إلى الإسبانية: أحمد الزاهر لكحل/المغرب

القصة الأولى من المجموعة القصصية: "قَريَةُ الفَراشَاتِ"

على تلّةٍ صغيرةٍ كانتْ تقعُ قريةُ الفرَاشاتِ الجميلةِ، وكانَ لِكُلِّ فراشةٍ مَنزلٌ على شكلِ زهرةٍ من لونِها.

كانتِ الفراشاتُ تعيشُ بِسَلامٍ، وطُمأنينةٍ في تلك القريةِ، وكانتْ ملكتُهم الفراشةُ البيضاءُ الحكِيمةُ، الّتي تلجأ إليها الفراشاتُ عند الضّرورةِ.

وفي يومٍ من الأيّامِ اضطرَّتِ الفراشةُ الملِكةُ إلى السَّفر لقريةٍ أخرى لرؤية فراشةٍ قريبةٍ لها

تُعاني من مرضٍ شديدٍ.

استيقظتِ الفراشاتُ نشيطاتٍ، رفرَفْنَ بأجنحتِهنَّ بِسعادةٍ، وَزهوٍ، وقُمنَ بجمعِ الرَّحيقِ من زُهورِ القريةِ الملوّنةِ.

ثُمَّ لاحظنَ أنَّ الفَراشةَ السَّوداءَ لم تكنْ معهنَّ في جولتهنَّ الصَّباحيّةِ، فقالتِ الفراشةُ الحمراءُ:

لعلّها بقيت نائمةً، علينا إيقاظُها لتناولِ وجبةِ الفطورِ الشّهيِّ من هَذي الأزهارِ الشّذيّةِ.

فردّتِ الفراشةُ البنفسجيّةُ:

أو لعلَّ مكروهًا أصابَها؟

فقالتْ على الفورِ الفراشةُ الزّرقاءُ:

لنتّجه إلى منزلها، أظنّها مريضةً، لم تقوَ على النُّهوضِ.

وهمَّتِ الفراشاتُ النّبيلاتُ بالطَّيرانِ نحوَ منزلها

إلّا الفراشةَ الصَّفراءَ، فقد رفضتْ قائلةً بغرورٍ:

لن أذهبَ معكنّ!

أنا الفراشةُ الصَّفراءُ الذَّهبيَةُ

وهيَ تلك الفراشةُ السَّوداءُ المُعتِمةُ كالليلِ

إنَّها تشبهُ الوطواطَ القبيحَ!

انزعجتِ الفَراشاتُ كلهنَّ من كلامِها الجارحِ، وتركنَها وحدَها في تلك المُروجِ، فقد كُنَّ يُعانِينَ دومًا من غُرورِها وتكبُّرِها عليهنَّ.

لمَّا وصلتِ الفراشاتُ منزلَ الفراشةِ السَّوداءِ، كانتِ المسكينةُ تُعاني من ارتفاعِ حرارتِها، فقامتِ الفراشةُ البُرتقاليَّةُ على الفَورِ بِوضعِ  كمَّاداتٍ على جَبينِها، ومَكثنَ قُربَها يُسلِّينَها كي لا تشعُرَ بالوَحدةِ، ووطأةِ المرضِ.

في تلكَ الأثناءِ، كانتِ الفراشةُ الصَّفراءُ تطيرُ بزَهوٍ وهي تغنِّي بفرحٍ:

أنا الفراشةُ الجميلة

أطيرُ مسرورةً

عبر الحقولْ

أرشفُ رحيقَ الزُّهورِ

أطيرُ في الوَادي

وفي كلِّ السُّهولْ

الكلُّ يُحبُّني

أنا الجميلةُ السَّاحرةُ

يهواني كلُّ مرجٍ

تناديني بلهفةٍ

كلُّ خميلةْ

أنا الأميرةُ

أنا الذَّهبيَّةُ

أنا.. أنا الجمييييييلةْ

وبينما هيَ مسرورةٌ تغنِّي، سمِعَها الأخوانِ الشَّقيَّانِ أدهمُ وأيهمُ فاقتربا بهدوءٍ، وأمسَكاها، ووضعاها في كيسٍ شفَّافٍ، ثمَّ علَّقاها على غصنِ شُجيرةٍ صغيرةٍ، وأخذا يضحكانِ عليها، وهي تحاولُ بصعوبةٍ الخروجَ منَ الكيسِ.

بعدَ قليلٍ سمِعا صوتَ أُمِّهما تناديهما لتناولِ وجبةِ الغداءِ فقد كانا في نزهةٍ جميلةٍ مع أسرتِهم بالقربِ من قرية الفراشاتِ الجميلةِ.

أسرعَ المُشاكِسانِ، وتركا تلك المِسكينةَ معلَّقةً على ذلكَ الغُصنِ، وقد أنهكها التَّعبُ، لكثرةِ محاولاتِها اختراقَ الكيسِ والخروجَ منهُ.

أنهتِ الفراشاتُ زيارتهنَّ للفراشةِ السَّوداءِ، ولمَّا رأينَها تحسَّنتْ، اقترحنَ عليها القيامَ معهنَّ بجولةٍ عبرَ الحقولِ، علَّها تتنشَّطُ قليلًا، وترشفُ شيئًا يُقيتُها من رحيقِ الزُّهورِ.

وأثناءَ طَيرانهنَّ انتبهتْ فجأةً أنَّ هناكَ شيئًا صغيرًا يتخبَّطُ في كِيسٍ، فاقتربتْ، وصرختْ مذعورةً:

أسرعنَ يا صديقاتي!

اجتمعتِ الفراشاتُ مذهولاتٍ، وأصابتهنَّ الحيرةُ

كيف يُنقذنها، ومن يَستشِرنَ، فالفراشةُ البيضاءُ الحَكيمةُ لم تعدْ بعدُ من زيارتِها؟

وهُنَّ في حَيرتهنَّ قالتِ الفراشةُ السَّوداءُ:

سأذهبُ قليلًا وأعودُ إليكم!

وماهيَ إلَّا لحظاتٌ، وإذْ بها قدْ عادتْ،

ومعَها سنجابٌ صغيرٌ، فابتسمتِ الفراشاتُ منشرحاتٍ لذكائِها.

قامَ السِّنجابُ بقرضِ الكِيسِ، وخرجتْ على الفَورِ الفراشةُ المغرورةُ، وهيَ بالكادِ تتنفَّسُ، هنَّأتْها الفراشاتُ بالسَّلامةِ، فأدمعتْ عيناها، وهي تشكُرُهنَّ، ثمَّ تقدَّمتْ منَ الفراشةِ السَّوداءِ، عانقَتْها بِحُبٍّ، وأسفٍ قائلةً:

لقدْ أنقذتِ حياتي، رغمًا أنِّي كنتُ أستحقُّ

الموتَ، فقد رفضتُ زيارَتكِ، وأنتِ مريضةٌ، ثمَّ عاقبَني اللهُ، وكانَ خَلاصي على يديكِ

أرجوكِ.. سامِحيني أُختاهُ!

فرحتِ الفَراشاتُ جميعهُنَّ، وأمضينَ وقتًا مسلِّيًا وهنَّ يمرَحْنَ، ثمَّ قرَّرْنَ العودةَ إلى بيوتهنَّ، فالشَّمسُ قاربتْ على المغيبِ، والفرَاشةُ البيضاءُ الحكِيمةُ لاشكَّ عادتْ، وسَتقلقُ عليهنَّ.

رفرَفنَ بمحبَّةٍ، وسَكينةٍ، ومضينَ إلى قريتهنَّ الوادعةِ الجميلةِ، وحكَينَ ما جرى معهنَّ من أحداثٍ غريبةٍ في هذا اليومِ لملكتِهنَّ الحَكيمةِ.

 

 

عادل صالح الزبيديقصيدة الشاعر: بيلي كولينز

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


حياتي كتاب مفتوح. يشغل مكانه هنا

على سطح منضدة زجاجية، صفحاته مكشوفة بلا استحياء،

مستلقيا كأنه طائر له مئات من الأجنحة الورقية الرقيقة.

 

انه سيرة ذاتية، ولا حاجة للقول،

انني أقوم بقراءته وكتابته على نحو متزامن

بلغة مزعجة وشخصية.

وعلى كل قارئ ان يكون مترجما بيده قاموس ضخم.

 

لم يقرأه كله احد سواي.

يتصفحه اغلبهم حتى المنتصف من اجل بضع فقرات،

ثم ينتقلون الى رفوف أخرى ومكتبات أخرى.

والبعض لا يسمح وقتهم سوى للرسوم التوضيحية.

 

أحب الشعور بتقليب الصفحات يوميا،

الجمل تتراخى كالوتر،

وحين يحدث شيء مهم حقا،

اخرج من حافة الصفحة

انا التلميذ دائما،

واخط علامة نجمية، نجمة صغيرة، في الهامش.

***

 

......................

بيلي كولينز: شاعر أميركي من مواليد مدينة نيويورك لعام 1941 . شغل منصب شاعر الولايات المتحدة خلال الفترة من 2001 الى 2003، وشاعر نيويورك للفترة من 2004 الى 2006. عمل أستاذا في جامعة نيويورك حتى تقاعده في عام  2016، ويقوم حاليا بالتدريس في برنامج الماجستير للفنون الجميلة في جامعة ستوني بروك.

يتميز شعره بكسر جميع الأشكال والأوزان التقليدية فهو يكتب شعرا متحررا من جميع القيود ويذهب أحيانا إلى اختراع أشكال شعرية تحاكي الأشكال التقليدية محاكاة ساخرة كما فعل مع شكل شعري شهير هو الفيلانيلة وشكل شعري آخر أكثر شهرة وشيوعا وهو السونيتة.

نال كولينز جوائز عديدة على مجموعاته الشعرية وفيما يأتي بعض عناوينها: (قصائد فيديو) 1980 (التفاحة التي أدهشت باريس) 1988 (فن براوننغ) 1995 (الإبحار وحيدا حول الغرفة) 2001 (تسعة خيول) 2002 و(المتاعب التي يثيرها الشعر وقصائد أخرى)2005 .

 

 

عامر كامل السامرائيالأُغنيةُ الأُولى مِنْ حَيْثُ نَتَأُ الجَبَلُ

للشاعر المجري: إشتفان شينكا

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرّائي

مِنْ أثَرِ الخَلقِ

هَوَتْ أَكوامٌ مِنْ النُّجومِ،

وَنَزَلتْ أَرواحُ الوَردِ هُنا أيضاً،

ثُمَّ سَكَنَتْ رَغْبَةُ الهِجْرةِ في الأَعراشِ:

فَنَما الجَبَلُ.

وَفَاضَ عَنْ جَانِبيهِ نَهْر،

وَهَدَأَتْ فَوْقَهُ الرّيحُ الأَربَعَةُ:

سَلامٌ.

خَلْقٌ.

. . . كانَ الصَّمْتُ بَليغاً

وَمِثْلما مَضَتْ الأزمانُ سَريعَة،

تَوافَدَ إِلى هُنا عُشّاقٌ مُكَرَّمون،

مَدْفُوعِينَ بِالغِوايَةِ،

لَمْ يُؤْثِرُوا التَّأَخُّرَ عَنْ الرَّكْبِ

فَحَفروا القَبرَ هُنا.

. . . وَأَنا، أَعرِفُ هَذا الآنَ فَقَطْ،

حِينَما طَافَتْ حَوْلَهُ رُوحي في المَنامِ

مِثْلَ قارَبٍ خَشَبيٍّ.

الآنَ، عِندما تَصْدَحُ الكَلِمَةُ مِنْ فَمي،

وَمِثلما أَخبَرتُكَ عَنْ هَذَا الجَبَل

الذي أُغشِيَتْ فَوْقَهُ مائَة وَصيَّة،

وَطَمَرتهُ اَلْأوارُ

وَسَقَطَتْ عليهِ بُروق جامِحَة،

قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ إِلى أَشْجارِهِ القَمَرُ . . .

هكذا نَما الجَبَلُ.

وَهكذا أَغْلَقَتْ الأَعاصيرُ أَرْكَانَهُ،

وَخرِبَتْهُ المَلائِكَةُ بِاَلْوَغَى،

واليوم قد عَادَ مُقَدَّسًا،

فَدُموعُ الأَشْقياءِ

تَفيضُ نَحْوَ العالَمِ مِنْ هُنَا.

. . . لَوْ لَمْ تَكْ حَيَاتي طَريدَة في كُلِّ يَوْمٍ،

لَوْ لَمْ أَكُنْ مُغْتَرِباً،

وكانَ لي نَزْرُ أَمَلٍ،

لَقُلْت: إِنَّهُ وطني.

***

 

.......................

نبذة عن الشاعر:

ولد الشاعر إشتفان شينكا في 24 سبتمبر من عام 1897 في عائلة تعمل في رعي الأغنام، وقد أشتغل هو أيضاً في نفس المهنة.. نشرت له أول قصائده في مجلة ذات طابع "عرقي". تعهدت المدرسة النحوية في مدينة سيكهالوم بنشر ديوانه الشعري الأول (ترانيم عند البوابة الشرقية) عام 1934.

عبّر في قصائده عن مطالب فقراء الفلاحين، وعن معاناته وخيبات أمله السياسية، وغياب الإصلاحات الاجتماعية، مما دفعته إلى اليأس والمرض..

نجد في دواوينه زخارف من الطقوس السحرية القديمة والمعتقدات والعادات الشعبية التي تظهر بؤس الفلاحين الفقراء بجلاء.

لقد أثقلت أسطورة الفلاحين والأيديولوجية العرقية أيضاً سيرته الذاتية. توفي الشاعر عام 1969. بعد وفاته ب 21 عام وبالتحديد في عام 1990 منح جائزة كوشوت لايوش، والتي تعتبر إحدى أكبر الجوائز الأدبية في المجر.

 

 

بهجت عباسالنَّـمِـرُ بين الشاعر الإنكليزي بْلَيْك والشاعر الألماني ريلكه

ترجمة بهجت عباس


النَّـمِـرُ – وليام بليك (1757-1827)

يا نَـمِـرُ، يا نَـمِـرُ، متّـقـداً تألّـقـاً

في غابات الليل

أيُّ يدٍ سرمديّة أو عـيـن لا تفنى

استطاعت أن تشكّل تناسقَـكَ الرهيب؟

TYGER, tyger, burning bright

In the forests of the night,

What immortal hand or eye

Could frame thy fearful symmetry?

 

في أيّ أغوارٍ سحيقة أو سماوات

اشتعلتْ نار عينيك؟

بأيّ أجنحةٍ يجرؤ أنْ يحلّق؟

وأيّ يدٍ تجرؤ أن تقبض على النار؟

In what distant deeps or skies

Burnt the fire of thine eyes?

On what wings dare he aspire?

What the hand dare seize the fire?

 

وأيّ كتف  وأيّ مهارة

تستطيعان لْيَّ أوتار قلبك؟

وحينما بدأ قلبك ينبض،

فأيُّ يد مُرعبة؟ وأيّ قدميْن رهيبتيْن؟

And what shoulder and what art

Could twist the sinews of thy heart?

And, when thy heart began to beat,

What dread hand and what dread feet?

 

بأيّ مطرقة؟ وبأيّ سلسلة؟ 

في أيّ أتّـون كان دماغك؟*

والسندان؟ أيّ مَسْكـةٍ رهـيـبة

تجرؤ أنْ تقبض على رُعـبِـه المُميت؟

What the hammer? What the chain?

In what furnace was thy brain?

What the anvil? What dread grasp

Dare its deadly terrors clasp?

 

عندما رمَتِ االنجوم رماحَها إلى أسفـلَ،

وسَقَتْ السماءَ بدموعها

هل ابتسم لمـرأى ما عمل؟

هل الذي صنع الحَمَلَ صنعكَ؟

 

When the stars threw down their spears,

And water'd heaven with their tears,

Did He smile His work to see?

Did He who made the lamb make thee?

 

يا نَمِـرُ، يا نَـمِـرُ، متّـقـداً تألّـقـاً

في غابات الليل،

أيُّ يدٍ سرمديّة أو عين لا تَفـنى

تجرؤ أن تشكّل تناسقـك الرهيب؟

 

Tiger, tiger, burning bright

In the forests of the night,

What immortal hand or eye

Dare frame thy fearful symmetry

 

*أتّون :تـنّـور

........................

للاطّلاع على الترجمات الأخرى افتح الرابط

https://www.almothaqaf.com/b/c3/952145

............................

النمر – راينر ماريا ريلكه (1875-1926)

من مجموعة (ستون قصيدة ألمانية -عمّان – 2006)

الـنّـمِـرُ  Der Panther

زار الشاعر راينر ماريا ريلكه احديقة النباتية في باريس التي تقع على الضفة اليسرى لنهر السين بناء على توصية من صديقه النحات رودن (رودان)، والتي تقع في وسطها حديقة حيوان صغيرة، فنظم قصائد كثيرة في حيواناتها. وهذه واحدة منهن.

 

نظـرتُـه مـِنْ تخَـطّي القُـضْـبـان ِ

أصبحتْ كَلِـيـلةً، حيثُ لا يستطيع أنْ يتحمّـلَ شيئـاً أكثـرَ.                      

يتراءى له، كما لـو أنَّ ألفَ حاجزٍ موجود                                                 

وخلفَ ألفِ حاجـزٍ ليس ثَـمّةَ عـالَـمٌ.                                                   

 

مَـشْـيَـتُـه الرَّقـيـقةُ بخُـطواتِه الجـبّـارةِ الخفيـفةِ                           

التي تدور في حَـلقـاتٍ صغـيـرةٍ جـدّاً،                                                    

مثل رقـصٍ بقـوّةٍ حـولَ مـركـزٍ،                                                ،

تقـفُ فيه الإرادة القـويَّـةُ خَـدِرَةً.

 

وأحيـاناً فقط تُرفـع السِّـتارةُ للنّـاس بخفـوتٍ-.

فتدخـلُ صـورةٌ،

تسري خلالَ الهدوءِ المُـتَـوتِّـرِ للأطـراف-                             

إلى القلب وتمـوتُ.

..........................

Der Panther - Reiner Maria Rilke

Der Panther

Im Jardin des Plantes, Paris

 

Sein Blick ist vom Vorübergehn der Stäbe

so müd geworden, daß er nichts mehr hält.

Ihm ist, als ob es tausend Stäbe gäbe

und hinter tausend Stäben keine Welt.

 

Der weiche Gang geschmeidig starker Schritte,

der sich im allerkleinsten Kreise dreht,

ist wie ein Tanz von Kraft um eine Mitte,

in der betäubt ein großer Wille steht.

 

Nur manchmal schiebt der Vorhang der Pupille

sich lautlos auf –. Dann geht ein Bild hinein,

geht durch der Glieder angespannte Stille –

und hört im Herzen auf zu sein.

 

                                    

صالح الرزوقبقلم: فيليب تيرمان

ترجمة: صالح الرزوق


ولكن كيف يمكننا أن نعيش،

إن لم نكن في الطابق العلوي من هذا الموقع المهجور،

حيث يمكننا أن نكون جاهزين لتنبيه المدينة في اللحظات المناسبة أن

المطر أصبح ثلوجا؟

ومتى كانت آخر مرة جلست فيها أمام نافذة

دون أن تفعل شيئا سوى مراقبة تراكم ساعات النهار كلها؟

هل هذا حينما كنت طفلا،

وأنت لا تزال بالبيجاما، دوام المدرسة متوقف،

كانت كل حياتك تتفتح مثل رقائق الثلج تلك وهي تتمايل بعيدا عن متناول يدك؟

والآن الثلج يستنزفنا،

ومع ذلك هو جميل.

أحيانا لا أريد أن أتابع الحكاية،

أريد أن أتجول على عرض الصفحة عشوائيا دون أن يكون لدينا مكان نتواجد فيه،

ولا شيء نقوم به،

ولا حادثة موت أحد نفجع بها،

ولا حتى موتنا.

ولا تزال تثلج وأنا أكتب بإيقاع حدده لي

أسلافي

في المناطق المظلمة من ذلك العالم الآخر.

ننظر خارجا للثلوج بحثا عن أجوبة

ونكتشف سعادتنا، وهو ما نقبل به -

نحن نثق بالصمت الهندسي لكل رقاقة

وهي ترسم رؤاها التجريدية في الفضاء.

ونعود إلى النصوص المكتوبة،

ونستمع لموسيقا البيت -

منذ هذا الصباح وهو ينقلب لظهيرة ثم مساء.

لو بمقدورنا اعتقال اللحظات وهي تتوالى:

سكب الحبوب في الطبق،

الوقوف أمام الموقد

والتحديق بالبرد الذي يخيم على أشجار التفاح -

يمكنك أن تسميها لعنة

أو يمكنك أن تقول هي شيء رائع -

ويمكنها أن تذكرك بطفولتك

أو يمكنها أن تذكرك كيف كانت تهبط دون رحمة على قبر أبيك.

وتتحداك لتلاحظ كيف تتكوم،

وهي تريد أن تري قلبك مليون ملاك يهبط.

*

تقول انعطف للداخل،

اليوم يومك، وامكث في الداخل

واستفد من كل تلك الساعات الإضافية -

لدينا القليل منها جدا - للحب،

تلك الساعات التي، بعد موتك،

ستموت فيها لتكسب.

الثلج هو توقيع الصمت.

إنه يكتب قصيدة

وهو يواصل المحي والمراجعة

ليكتب غيرها، ثم غيرها.

ابنتي تحدق من النافذة،

وهي تدندن لنفسها.

اللون الأبيض صاعد، كل شيء ملغى،

وربحت هذا اليوم وعليها

أن تصوره لاحقا،

*

ضوء الصباح الرمادي وخبطات الشاحنات

على طول الشارع الـ 12، والثلج يخط بعرض السماء

مثل اعتذارات بيضاء مكتوبة، تقول: آسفون

يجب أن تتخلفي عن المدرسة، وتغني.

*

أعلم أنه ليس بوسعنا فهمها تماما،

وأعلم أن أبعد ما تصله النجوم لا ينير أرواحنا.

وأعلم أننا لن نعرف الأرض على وجه اليقين مثل كلب يزن خمسة أرطال

ويشم ما حول شجرة الكمثرى.

وحتى في غمرة هذه السعادة، أعلم أننا نحتضر.

ولكن بعد أن نستيقظ، مارسنا  الحب-

والصباح يتنفس والملاءات المكومة والنوم في

عيوننا -

وحتى حينما كان الثلج يتدحرج،

وحتى حينما إلهنا،

وربما هو ليس إلهنا،

كان يضحك.

***

 

..............................

فيليب تيرمان Philip Terman : شاعر أمريكي. أستاذ في جامعة كلاريون باختصاص الأدب الحديث. المصدر مراسلات شخصية

 

محمد عبد الكريم يوسفللشاعرة: مادونة عسكر

ترجمة: محمد يوسف

This life

By Madonna Asker

Translated by Mohammad Yousef

Life is

But a drop

In a river before your eyes

Mounts up

Towards

Ambiguous highness.

Take off

Your pale eyes

Set up the destination of

Your own highness.

Go on

To the aimless distant horizon

Before wind melts ,

Before sight vanishes.

 

صالح الرزوققصيدتان للشاعرة الأمريكية:

ريبيكا غولد

ترجمة: صالح الرزوق

***

1- حنين والت ويتمان

أنا اليوم

ممزقة مثل  والت ويتمان

ليكن بعلمك

أنا لست المشمش

اللذيذ المدفون في أسفل

كومة النفايات،

ولا إيمرسون

بروحه الضعيفة التي

يسهل قيادها،

أو نيتشة الذي لا يبكي.

أنا الأنوثة اليائسة.

أحسن انتقاء رغباتي، وأحسن

المشي نحو نهاية غير واضحة، وبطاعة

أسهم ضائعة وتشير إلى

مقهى الطريق المسدود

حيث أنفق الليل مع الطعام

بانتظار حبيبي والت،

رجلي الذي لا يوجد سواه،

ذاتي التي لا أطيقها

واعتقادي أنه هو أنت

اعتقادي أنك ويتمان

وصوتي الذي سن قانون البكاء،

والمتهيئ للتعرف عليك قبل

أن تجد فرصة سانحة للموت،

وقبل أن تنتهز هذا الوجود.

أنا لست والت الذي علّم نفسه

أن الواحد بشكل نهائي هو واحد،

وأن الاثنين أمر مستحيل،

ها هو والت سعيد بقدرته على الحياة.

وأنا والت، القوة المميتة،

الفقاعة الوحيدة التي تطرد

كل من يلقي كوكب الأرض على

أجراسه البليدة والثقيلة،

من يجبر الجميع على الركوع،

مع أن حفنة قليلة ترغب بذلك.

**

2 - تسوق الخضار

2101 ريبكاالثلوج ذابت قبل

أن تعود، تغطيك قشرة

من بطاقات التعريف،

ومخبوزا بإسفلت المدينة.

ها أنت تعود وأنا أفر

ليس لأنني غير مغرمة بك

ولكن لأنني بحاجة ماسة لكسر

الروتين. فأنا أعلم مسبقا

ماذا ستفعل

وماذا سأقول لك.

أنا بحاجة ماسة لأوقف الإشارات،

فهي متوقعة مثل مواعيد جمع النفايات.

وكنت بحاجة لتسوق الخضار.

وها هي عربتي تنزلق وتتدحرج مثل مسننات تدور.

وحينما كنت أرقص على طول الممرات

أنشدت لي المرأة الفرنسية ألحان البلوز.

وبعد أن اشتريت الخبز

كان علينا أن نتجزأ وننكسر معا.

توقفت في استراحة

وراقبت العالم وهو يدور

ورأيت نفسي كيف أتابعك بنظراتي.

تقارب عاشقان، كما لو أنها أول مرة.

وتذكرت أنك كنت غريبا عني.

وتذكرت أنني كنت غريبة عنك.

***

ترجمة صالح الرزوق / بالاتفاق معها

.......................

* شاعرة وقاصة أمريكية. وأستاذة الحضارة الإسلامية في جامعة برمنغهام.

 

سالم الياس مدالو  قصيدة للشاعر الانكليزي وليم بليك

 1757 - 1827

ترجمة: سالم الياس مدالو


 

ايها النمر

ايها النمر

في غابة الليل

احتراقك المشرق

فباية يدين وعينين

سرمديتين تؤطر

بهما خوفهم

المتناسق ؟

وفي اية مسافات

او سماوات عميقة

اضرمت نار عينيك

وباي كتف وباي فن

وباية يدين تستطيع

لي اعصاب قلبك

حينما تبدا بالنبض

وحينما رمت

برماحها النجوم

وترطبت بدموعها

السماء فهل ابتسم

لعمله كي نرى

وهل هو الذي منح

لحم الخروف لك

فيا ايها النمر

ايها النمر

في هذا الحريق

المشرق في

غابة الليل

فباية يدين وعينين

طوقت خوفهم

المتناسق ؟

***

 

جمعة عبد اللهللشاعر اليوناني اوديسيوس أيليتس

(Οδυσσεας Ελυτης)

ترجمة: جمعة عبدالله


سأحزن عليكِ دائماً

وحدكِ في الجنة

سأبحث عن الخدوش التي تركتيها

في راحة اليد . القدر . مثل حامل الاقفال

عن اللحظات التي تسامرت معنا

وإلا كيف الناس تحب

ستظهر السماء التي تحمينا

عندما يضرب العالم البراءة

في مأساة الموت الاسود

*

سأحزن على الشمس، وانعي للسنوات الآتية

التي تمر دوننا، أغني لتلك السنوات التي مرت بنا

إن كانت هذه الحقيقة

تنطق الاجساد والقوارب تتفجر بعذوبة

في القيثارات التي تومض تحت الماء

تصدقين أو لا تصدقين

واحدة في الهواء . واحدة في الموسيقى

الحيوانتان الصغيرتان في ايدينا

تبحثان في الخفاء وتتسلق فوق بعضهما البعض

وعاء الزهور يقطر بالندى على البوابات المفتوحة

القطع البحرية جاءت معنا

الاحجار الجافة خلف الاسوار

شقائق النعمان تجلس في يديكِ

يرتعش اللون الأرجواني ثلاث مرات

على مدى ثلاثة أيام فوق الشلالات

إن كانت هذه الحقيقة، أنا اغني

في اعمدة الغرفة الخشبية، في الجدران الاربعة

على الحائط حورية البحر بشعرها المسدول

قطتنا تتطلع في الظلمة

الطفل بالبخور والصليب الاحمر

يمشي الى حافات الصخور

أنعي الملابس التي لمستها، التي جاءت الى العالم .

***

النص اليوناني:

Θα πενθώ πάντα -μ` ακούς;- για σένα،

μόνος، στον Παράδεισο

 

ΙΘα γυρίσει αλλού τις χαρακιές

Της παλάμης، η Μοίρα، σαν κλειδούχος

Μια στιγμή θα συγκατατεθεί ο Καιρός

Πως αλλιώς، αφού αγαπιούνται οι άνθρωποι

Θα παραστήσει ο ουρανός τα σωθικά μας

Και θα χτυπήσει τον κόσμο η αθωότητα

Με το δριμύ του μαύρου του θανάτου.

II

Πενθώ τον ήλιο και πενθώ τα χρόνια που έρχονται

Χωρίς εμάς και τραγουδώ τ` άλλα που πέρασαν

Εάν είναι αλήθεια

Μιλημένα τα σώματα και οι βάρκες που έκρουσαν γλυκά

Οι κιθάρες που αναβόσβησαν κάτω από τα νερά

Τα πίστεψέ με και τα μη

Μια στον αέρα، μια στη μουσική

Τα δυο μικρά ζώα، τα χέρια μας

Που γύρευαν ν` ανέβουνε κρυφά το ένα στο άλλο

Η γλάστρα με το δροσαχί στις ανοιχτές αυλόπορτες

Και τα κομμάτια οι θάλασσες που ερχόντουσαν μαζί

Πάνω απ` τις ξερολιθιές، πίσω απ` τους φράχτες

Την ανεμώνα που κάθισε στο χέρι σου

Κι έτρεμε τρεις φορές το μωβ τρεις μέρες πάνω από

τους καταρράχτες

Εάν αυτά είναι αλήθεια τραγουδώ

Το ξύλινο δοκάρι και το τετράγωνο φαντό

Στον τοίχο، τη Γοργόνα με τα ξέπλεκα μαλλιά

Τη γάτα που μας κοίταξε μέσα στα σκοτεινά

Παιδί με το λιβάνι και με τον κόκκινο σταυρό

Την ώρα που βραδιάζει στων βράχων το απλησίαστο

Πενθώ το ρούχο που άγγιξα και μου ήρθε ο κόσμος.

***

..........................

ملاحظة: هذه القصيدة كتبت اثناء اقامته في باريس عام 1969. والشاعر اوديسيوس أيليتس (حائز على جائزة نوبل للاداب عام 1979). احب حبيبة وهام بها عشقاً، ولكن القدر خطفها الى الجنة، وتركته في مضاجع الحزن والفراق

جمعة عبدالله

 

 

صالح الرزوقبقلم الشاعر: سكوت ماينار

ترجمة: صالح الرزوق


نظر الملك ثيسيسوس من نافذته الصغيرة.

كان كاحله يؤلمه

وصورة زوجته واصلت السقوط

من سرواله.

في ظلام الليالي الطويلة، ذرف دموعه

في طبق مصنوع من جمجمة إنسان بسيط.

كما لو أن خياله

أحيانا تابع طقوسه بمعزل عنه -

أو أن لوحة ظهرت

على جدار انفصلت يده عنه للتو.

غالبا كانت تعميه الأشياء

كلما وجده معلم طفولته

يبكي وهو مستند على شجرة أركس

اعتقد أنه سيختفي تقريبا

في أغوار التاريخ.

ثم خرج صوت من فمه،

مثل قطيع صغير من غزلان تقفز في غابة

الأبدية. وتنهد، مثل نبي،

فأنا لم أعد أعلم إن كنت داخل المتاهة

أو المتاهة داخلي.

...........................

ترجمة النص للعبرية

المترجم الشاعرة هاغيت غروسمان / تل أبيب

עוד מבוך מאת סקוט מינאר

תרגום מאנגלית חגית גרוסמן

 

תזאוס המלך התבונן מבעד לחלונו הקטן.

שוב כאב לו העקב

ותמונת אשתו המשיכה ליפול

מכיס מכנסיו.

 

לילות שלמים בחשכה, בוכה

לתוך קערתו העשויה מגולגולת

של איזה יצור מסכן.

 

כפי שלעיתים המשיך צלו

בלעדיו –

 

או שציור יופיע על קיר

אשר ידיו עזבו.

 

הוא הסתנוור בעיקר מדברים.

כאשר בילדותו מצאה אותו המורה

בוכה על גזע עץ ארז

הוא חשב שהוא עומד להעלם

לתוך ההיסטוריה.

 

ואז הגיע קול מפיו,

עדר קטן של צביים דוהר ביער

הנצח והוא נשף, כמו נביא,

אני לא יודע יותר אם אני בתוך המבוך

או שהמבוך בתוכי.

2080 سوكت ماينار

النص الإنكليزي / سكوت ماينار

Another Labyrinth

Scott Minar

 

Theseus the King looked out his little window.

His ankle was hurting again

and that picture of his wife kept falling

out of his trousers.

 

Long nights in the dark, weeping

into his bowl made of some poor creature's skull.

 

Like the way his shadow

sometimes went on without him—

 

or a painting would appear

on a wall his hand just left.

 

He was mostly blinded by things.

When his childhood teacher found him

weeping against a larch tree

he thought he would almost vanish

into history.

 

Then a sound came from his mouth,

a little herd of deer tramping through the forest

of eternity. And he breathed, like a prophet,

I no longer know if I'm inside the labyrinth

or the labyrinth is in me.

 

.........................

* سكوت ماينار: شاعر أمريكي. واستاذ الأدب الإنكليزي المستشار في جامعة أوهاية، لانكستر.

* هاغيت غروسمان Hagit Grossman : شاعرة من تل أبيب. تكتب باللغتين العبرية والإنكليزية.

* الترجمة العربية بالتنسيق مع الشاعر الأمريكي. الترجمة العبرية من الشاعرة غروسمان.