ريكان ابراهيميا رفاقي ...آلمعْذِرةْ

انَّ ما قد قآلهُ يوماً شكسبيرُ

كفانا مفخرةْ

ثُمَّ لمّا لم نُطبِّقْ شَعْرةً

منه صرنا وَحْدنا في المَجزرةْ

إنه العَدْلُ... فَمنْ يعملْ ولو مِثْقّالَ

إخلاصٍ يَرَهْ

قالَ : إمّا أنْ تكونْ

يا صديقي ناجحاً أو لا تكونْ

لم نكنْ يوماً فماذا يُرتجى

من ضعيفٍ لم يُفكِّرْ أنْ

يكونْ

**

لا تَقُلْ لي: ماهو المطلوبُ مِنّي أنْ أكونْ

إنَّ (كُنْ) فعلٌ رماديُّ الخفايا،قارسُ الملمسِ ،يُخفي سِرَّهُ في حرف

(نونْ)

بين ان تبقى على الرَفِّ وأنْ تخترقَ

الآفاقَ مَسٌ من جنونْ

وبهِ لا بآتّزان العقل تسمو فوق ما يفعلُهُ سوء الظنونْ

**

لا تكنْ الاّ الذي قد كان (كُنْ)

وإذا احتاجوكَ مبراةً فكُنْ

أنتَ المِسنّْ

أو سفيناً  فكنِ الرُبّان، أو

دهراً عقيماً فأدِرْ ظهرَ  المِجنّْ

أنتَ بين آثنينِ، إمّا ان تكونْ

ناجحاً أو لا تكونْ

**

قبل ان ترقى الى الأعلى تَوغّلْ

في العميقْ

قبل ان يُرشِدَك الوهمُ آكتشِفْ

أنتَ الطريقْ

فلقد عشتَ طويلاً تَتغنّى بالشَرفْ

ولقد أزمنَ نوماً

دُرُّكَ الكامنُ في جوف الصدَفْ

فأجبْني كم شكسبيراً لكي تفهمَ

معنى أنْ تكونْ؟

ثم معنى أنْ تهونْ؟

ثم معنى أنْ ترى نفسَكَ من

دونِ هدف

**

ياصغيري لاتكنْ مثلَ أبيكْ

عندما كنتُ صغيراً لم أضَعْني

بين قوسينِ من المطلوب في

عُمْقِ السؤالْ

ياصغيري لا تكنْ مثلي غَبياً باحثاً عن

ذنبهِ ....

فأنا لم أرتكبْ ذنباً  وعشتُ العُمْرَ

مغعولاً بهِ

ياصغيري لاتكونوا مِثلَنا

نحنُ لم نفطَنْ الى اللعبةِ

إلاّ بعدما.....

**

يا شكسبيرُ أعنّي،

فأنا النارُ وأنتَ المبخَرةْ

وأنا الذنبُ وأنتَ المغفرةْ

هل تَعلّمتَ لسانَ العَربِ؟

لِمَ لم تعرفْ لسانَ العَربِ؟

إنَّ أجدادي الأُلى مرّوا عليكْ

علّموا أهلَك مُذْ كانوا

نُطَفْ

***

د. ريكان إبراهيم

 

إباء اسماعيلحُبْلى بالنَّجْمِ

ومولودٌ جاءَ إلى الدُّنيا

مِنْ سِفْرِ إلَهٍ وَغِيابْ

2

وعَلى مائدةِ العِشْقِ،

لِمَرْيَمَ قلبٌ

قَطَّعَهُ الأغْرابْ

3

صامَتْ عَن ضَوءٍ

فَطَرَتْ ناراً وَتُرابْ ..

4

أسْرٌ... أغْلالٌ

في أيِديها،

والجَّسَدُ المَحزونُ ظِلالٌ

وَحَديقةُ مَريَمَ روحٌ حاضِرَةٌ

في قلْبِ الأحْبابْ ..

 

5

صَمَتَتْ وَجَعاً

في المِحْرابْ ..

وَسياطُ كَلامٍ يَلْسَعُها،

كَهجومِ وحوشٍ وَذِئابْ ..

6

تصحو مريمْ

بين يديها طفلٌ يَدْمى

والغيمةُ ترفعهُ

للأعلى !..

7

في ظُلْمَةِ لَيْلٍ،

سَكِروا من عسَلٍ

في قلبِكِ يَشْهَدْ ..

ذَبَحَتْكِ جَهالَتُهُم

في صُبْحٍ أسْوَدْ !

8

مَدَّتْ أيديها كَسَماءٍ أُخْرى

تَتَعلَّقُ بالغَيمِ

وَسورةُ مَريَمَ تقرأُها

تعويذَةَ نَخْلٍ تَسَّاقَطُ

في قُدْسِ المِحْرابْ!

9

لَغْوٌ وَنِفاقْ

وَصَبيَّةُ هذا الزَّمَنِ البائِسِ

تَحْمِلُ قلباً

يسْري كَبُراقْ ! ..

10

كَذَبوا مَرّاتٍ مَرّاتْ ..

وَغَدا يوسُفَ إمرَأةً

تُرْمى في جُبِّ القهرِ

وَتنسُجُ أحلامَ المَلِكاتْ ! ..

11

هِيَ أُحجيةُ الزَّمَنِ الفاني

وَغَشاوَةُ أعيُنهم

تثقبها أصدافُ حقيقةْ ..

سَرَقوا القُبْلَةَ مِنْ شَفَتَيها

وَرَمَوها بِدَمٍ كَذِبٍ

قالوا:

صارتْ صحراءً

وَهْيَ حَديقةْ ! ..

12

لِبَراءَتِها نورٌ،

صَفَحاتٌ بيضاءٌ

تسكُبُ نورَ قصيدَتِها

في الأمْداءْ ..

وَنُباحُ كِلابٍ تسمَعُهُ

يَجري في نَفَقٍ

تُغْلِقُهُ،

فَتُضيءُ الأرْجاءْ ..

13

طَبَعوا آلافَ القُبُلاتِ

مَساميراً

في جَسَدِ الورْدَةِ

رَفْرَفَتِ البَتْلاتُ

عَصافيراً

ليَظَلَّ الغُصْنُ الشّائكُ

في أيديهم،

سَوطَ عَذابْ !!

14

كانتْ أسطورةَ عِشْقٍ،

نَجْمَةَ ضَوءٍ

مَنسوجٍ من ريشِ صَباحْ ..

خَطَفوا فَجْرَ طفولَتِها،

سَكِروا مِن دَمِها

سَحَرَتْهُم غُرْباناً

تَهْوي في وادي الخَيبَةِ

لامَوتٌ ..لاصَحْوٌ

لامأوى

لامَحْضَ جَناحْ !!

***

شِعر: إباء اسماعيل

 

 

عدنان الظاهر[أقولُ وقد ناحتْ بقربي حمامةٌ / أيا جارتا لو تشعرينَ بحالي / لأبي فراس الحمداني]


1 ـ دخَلَتْ تتوجّسُ خوفا

أنْ تظمأَ أو تعرى جوعا

أنْ تسمعَ ما لا يُحمَدُ عُقباهُ

خِلخالُ سلاسلِ أَرجِلُها إنذارُ الطلْقِ الناري

القفَصُ الصدريُّ صناعةُ عُنفِ السجّانِ

تتحصّنُ تنشرُ أثوابا

تتزيّا بالأحلى طوقا

أقدارَ ثمينِ الأحجارِ ...

 أتأبطُّ أحملُ في الصدرِ القبطيِّ سؤالا

يُقلقُني مُذْ قال القارونُ " بَلى "

يتتابعُ للرِدّةِ في رأسي تَكرارا

أُوليهِ فُسحةَ مِشوارِ الترويجِ الجبري

وأُقيمُ طُقوسَ مُناجاةِ خليلِ الوحدةِ في الليلِ

أبوابُ الرصْدِ منافذُ إعصارٍ بحريِّ الأنواءِ

والدفعةُ موجةُ مُنقّضِ الغربانِ

كلّفتُ الأقربَ أنْ يُنشئَ للصاحي في فُلْكٍ بارا

الحاجةُ فيهِ مِصراعٌ في بابِ

مارسْ لا تدفعْ للنادلِ في الجدولِ شيئا

 أُدخلْ مِنظارَ الوقتِ حِساباً طقسيَّ التنظيرِ

وتحرَ الجوَّ المتلاطمَ ريشا

لا تُطلقْ إطلاقةَ صُفّارةِ إنذارِ

داعبْ مِنقارَ الشوقِ بريشِ الأعناقِ

لوِّنْ ما شاءَ البرقُ بعينيها زيتاً زيتونيّا

وأقمْ حفلَ زفافِ العُرسِ الدامي شهريّأ ...

مدّدث ذراعي ما شاءَ وجدتُ الأفعى يقظى لا تُغمِضُ عينا

  تترصّدُ أفراخَ حَمامِ الأقفاصِ

فرعونُ أتى قُدّامي قالتْ

والرومُ وجحفلُ أجنادِ الجُرمانِ

جوعى قالت ...أنتَ أتيتَ لماذا ؟

شأني يا أفعى شأنٌ ثانِ

لي بشرٌ يكتبُ تحتَ الأسِّ حروفا

يبحثُ عمّنْ عبروا عجلى

قرأوا كلَّ التأريخِ وجازوا شَطَطا

وقفتْ فيهِ الساقُ اليُمنى عَرجى

وتوابيتُ مواكبِ جرِّ رميمِ عِظامِ الأظفارِ

الحجرُ الشاهدُ لا مِنْ صوتٍ أو رسمٍ فيهِ

هذا شأني في ذا السجنِ.

 

2 ـ صدرُ يمامةِ هزِّ الرأسِ شَمالا

ينقضُ دقَّ التوقِ الضاربِ من حولي طوقا

يُنكرُ أني أتحرّقُ للآتي شوقا

باباً أترصدُّ موصودا

فكّي يا هذي مفتَرَقِ البابِ العاصي مختوماً شمعا

هُزّي مهدَ يمامِ الصدرِ الصاعدِ للنجوى رَهْوا

زيديهِ شَحْما

زُقّيهِ ماءَ الوردِ خُزامى

رُشّيه شَهْدا

أفما كانَ يُغني ويغيبُ هديلاً سُكْرا

زُقّيهِ المخزونَ وراءَ نتوءِ مساميرِ الضوءِ نفورا

الأفعى تترّصدُ تبقى أفعى

وحمامُ القفصِ القسريِّ يظلُّ حَماماً مقتولاً صَبْرا

قيدَ الفحصِ وقيدَ الدرسِ شهيداً مشهودا ...

جَهَشتْ تبكي حَظا

أخطأَ لمّا أوفى وتدلّى كيلا

(القِسمةُ ضيزى)

عودي لمتاريسِ سرورِ حَمامِ البابِ العالي تشبيها

ظمآنُكِ مشلولٌ يشكو الحُمّى يشكوها مُرَّ الشكوى

والليلُ يمرُّ عليكِ ثقيلَ سقوفِ الظلِّ الليلي

الوِحدةُ أشواكُ مساميرِالجسدِ المُبتّلِ العاري جُهدا

ميزانُ الشوقِ ثقيلٌ مهموزٌ يهتزُّ

يتمادى أعيا حلَّ العقدَ وأغفى

قالَ سلاما

**

نامي هامَ ونامَ حَمامُ

أعطى قَفَصاً صَدْرا

زَجلاً يتنفسُّ سُمّا .

***

عدنان الظاهر

حزيران 2020

 

 

ياسين الخراسانياليوم الأول

ضَوْءُ المدينةِ خافتٌ

يَجْرونَ قربَ النّهرِ

هل يَتَسلَّل النومُ البعيدُ إلى الجُفونِ

إذا أضاعوهُ بِرَكْضِهِم وحَثِّ الخَطْوِ،

كيفَ الخوفُ من ليلِ السُّهادِ يَلوذُ بي

لا يَقْرَبُ العَدَّاءَ قرب بُحيرةِ الضوءِ الضئيل …

أَرْمي لِكلِّ البطِّ قَمْحا أو فُتاتَ الخُبزِ

يَتْبعُني

ويَتبعُني السُّهادُ إلى مَنامٍ

في مدينةِ من يَهابُ البُطْءَ

أو مَشْيَ البَجَع

**

اليوم الثاني

أفقٌ بِلونِ الحُزنِ

لا يَتَفَرَّقُ الغيْمُ الرمادِيُّ الصِّفاتِ

أنا هنا في قَرْيةٍ

لا أعرفُ الوَشْمَ المُشيرَ على ذِراعِ الجارِ،

قدْ جابَ البِحارَ تُحيطُ بالأرضِ العَجيبةِ،

في أَقاصِي الأرْض …

يُبادِلني السلامَ

أرى كَدَمْعَتِهِ على العيْنِ الحَزينةِ

هل هُو السُّمُّ الذي يَطْفو كَمِلْحٍ راشِحٍ بالقلْبِ ؟

هل هو دَاؤُهُ يَجْرِي عميقا في العُروقِ

يَحِنُّ للبَرِّ الغريب ؟

**

اليوم الثالث

أيُّ الكِتابةِ يَرْتضِي الحُزنُ القديمُ

لَيَحْمِل الرِّزْحَ الثقيلَ ويَخْتَفِي وقْتًا لِشَحْنِ النّفْسِ ؟

أيُّ الحرْفِ أَرْميهِ كَقُربانٍ لهذا الوغْدِ

يَنْهَشٌ في حنايا القلْبِ

أيُّ الذكرياتِ تَبَرَّجَتْ كَعَروسِهِ

كيفَ السبيلُ إلى زمانٍ ليس لي فيه دَمٌ

حَرْفي نَقِيُّ سالمٌ

في نَفْسِهِ سَعَةٌ

وفي غَدِهِ اشْتِهاء

**

اليوم الرابع

صوتُ الحياةِ يَدِبُّ في ورقٍ

وتجْري في الفضاء

وُعولُ خَوفي من تَسَلُّقِ هَضْبةٍ

تُلْقِي على جُرْفِ التَذَكُّرِ عَثْرةً لا تَهْتَدِي

في هذهِ اللّحضاتِ أَعْرفُ أنُّ دِرْعي هَيِّنٌ

لا يَدْفعُ الريحَ الخَفيفَةَ

كيفَ يحْمِي من طُعونِ الوغْدِ

تَعْرِفُه كثيرا

سُمُّهُ من مِلْحِ ذاك البحْرِ

قُرْب البلْدَةِ الصَّحراءِ

قُرب مُحيط أَطْلَسِكَ الحَقودِ:

أَضَعْتَني كالثّورِ باللَّونِ البياضِ

أضعتَني إذ حَطَّ رَحْلُك فوق فُلْكِ الأوليسِ،

هل مرَّت سِنينُك عَدُّها عَشْرٌ

تَعودُ إِلَيَّ بالخيْباتِ قُرباني ؟

وهل جَفَّتْ دواةٌ مِن رَذَاذِي ؟

**

اليوم الخامس

لِلَحْظَةٍ

أَوشكتُ على الفَرَح

وفَتَّشَت عَنِّي ألفُ أُغْنِية

وتَعَطَّلَتْ أدواتُ الحَفْرِ في كُل مكان

تَوقَّفَ المطرُ الثقيلُ الذي يُؤْذي حُبَيْباتِ الرمل

وحَلَمَت الصَّبايا بِقمرٍ كامِل

تَهَدَّلتِ المشانقُ من ضَرَباتِ النّسِيم

وتَوَرَّدَتْ لِتُشْبِه الشّراشِفَ على أَسِرَّةِ الحُب

واستْ صناديقُ البريدِ رَسَائِل العُنوانِ القَدِيم

وكَنَّسَتْ عنْها الغُبارَ وغُصَّةَ الكَلام

لِلَحْظَةٍ …

أَوْشَكْتُ أن أَكْتُبَ

عن لَحْظَةِ الفَرَح

***

ياسين الخراساني

 

 

ياسين الرزوقوهجها لا ينتظرْ!

نارها كم تستعرْ!

يا هوانا هل بذاك الحبّ نبقى ننتصرْ ؟!

يا مدانا كم بكسر الغصنِ عشنا ننكسرْ!

ها أنا مايا أنادي القلب في التاريخ كي لا يندثرْ

ها أنا مايا أربّي العقل في الأعماق كي لا ينحسرْ

ها أنا مايا على الأمواج ماضٍ والدموع اليوم فينا قد بَكَتْ مَنْ يأتَمِرْ!

هل إمارات الهوى باتت جراحاً تَحْتَضِرْ؟!

و الوفا مغلوبُ عيشٍ ينطمِرْ

و الفدا تحت المزاج المنفجِرْ

ها أنا مايا أذوق الفكر مقتاَ منشطِرْ

ها أنا مايا أبوح الموت يَمّاً مُقْتَدِرْ

ها أنا مايا عليلُ الظنّ لا لنْ يَنْدَحِرْ! 

يا خليل الهجْرِ لا تستعجل الأكباش في النحرِ اسْتَتِرْ! 

كأسُ نبض الأمسِ يحيي في دَمِ العشّاقِ عرشاً منتشِرْ

حبّنا ليس الردى المأجور في أهوالِ سخطٍ ينحدِرْ

يا عيون الكون مايا إنّ عشقاً قد بدا قدساً على الصلبان محفوراً بنا لن  ينتَحِرْ!

***

بقلم الشاعر ياسين الرزوق زيوس

سورية حماة

 

 

عبد اللطيف الصافيفي أعماقي

طفل  صغير يشبهني كثيرا

قد يكون أبي الذي مات

بعد ان سقطت من يديه آخر قطعة خبز طري

محشوة بكلام الله

الاطفال الذين كانوا ينتظرونه ذات أربعاء

في مسجد الحي

لا أحد أخبرهم بموته

وحدها رائحة الخبز الطري

التي كانت دائما تسبقه إلى صحن المسجد

فتخبرهم بقدومه

لم تعد تداعب انوفهم الصغيرة

ولاحقا تاكدوا من موته

حينما رأوا عصفورة المسجد

منكمشة على نفسها تحت كومة من الصلصال

وانا الذي كنت في ذلك الصباح الحزين

أدندن بكرة القدم بين رجلي

فيطرب الحي

وتعلو الهتافات باسمي

لم اذرف دمعة واحدة

ربما

لأنني لم أكن أعترف للموت، ذلك الكائن الخفي، بأن له الحق في حصد البسمات

التي أينعت في طريق الملكوت

او ربما لأنني لم اكن أعرف الموت أصلا

هل حقا أبي مات؟

وهل يكون ذاك الطفل الذي يمرح في اعماقي

والذي يشبهني كثيرا ؟

**

عبد اللطيف الصافي /المغرب

 

عبد الفتاح المطلبيغَنّى فأضحَى والشِــباكُ ثوابُــهُ

فهَوى وطارَمن الهوانِ صوابُهُ

 

جَنَحتْ بهِ الأيام رغم جَناحهِ

فأنابَ عن ألقِ النهار ضبابُهُ

 

لمْ يدرِ أنّ هَوَى الأحبةِ كاذبٌ

حتى تبددَ فـي الفـــؤادِ سَرابُهُ

 

عيناهُ غيّمتا ولمّــــــــــا سحّتا

دمعاً رأى بهما الذي قد رابَهُ

 

الليل لم يهدأولاسكنَ الجوى

بل كيفَ يهدأ والقتيلُ شهابُهُ

 

قد كانَ في فلكِ الحبيب مدارُهُ

قمراً وفي عيــن العَدوِّ ترابُهُ

 

آذاهُ أنّ هـــــــــواهمُ أكذوبةٌ

إذْ فارقتهُ ولـــــمْ تعُدْ أسرابُهُ

 

تَرَكَتْهُ مَكْسورَالجناحِ مَهيضَهُ

فرداً يُنــــازِعُهُ البقاءَ عذابُهُ

 

من أين يهربُ والمنــــافذُ كلُّها

حرسٌ تدورُعلى الفؤادِ حِرابُهُ

 

النفسُ تأمرُهُ فيهـــفو والأسى

جُدُراً يُقيمُ فهلْ يفيــــدُ عتابُهُ

 

ولطالما سألَ الندى عن حالِهم

فإذا الندَى دمعاً يكـون جوابُهُ

 

حتى إذا الصيادُ حـاقَ بصيدِهُ

وتسورتْ كُـــلَّ الجهاتِ كِلابُهُ

 

صيدٌ يجدّ إليـهِ مخلبُ نابحٍ

فإذا نجا منهُ توغّــــــلَ نابُهُ

 

فأحيلَ ما بينَ الفــؤادِ ونبضهِ

ليطولَ عند الذكرياتِ حسابُهُ

 

بتنا سواءً فــي المثابةِ ذاتِها

نشقَى بها كـُــــلّاً لهُ أسبابُهُ

 

أنا مِثلهُ في العشقِ تَيَّمَني الذي

قد راحَ يعــــــــذلُني بهِ أترابُهُ

 

هيمان يقتلُني الصدى فأغاثني

من موتيَ المحتومِ فيهِ رضابُهُ

 

فمتى سيعرفُ ما يخلّفُهُ الجَوَى

ومتى تجــــــودُ سُلافةً أعنابُهُ

 

أرسلتُ للمحبوبِ زاجَـلَ لهفةٍ

فأتى إليَّ مـن الجـوابِ غرابُهُ

 

ما ذُقتُ إلاّ مرةً شــــهدَ اللّمَى

فنأى وأترعَ كأسَ يومي صابُهُ

 

ودّعْتُ قلبي عنـــد أولِ رِحلةٍ

للعشقِ فاسـتعصى عليَّ إيابُهُ

 

يَمٌّ من الأشــــواقِ طامٍ موجُهُ

تعلو على أفُــقِ الحنينِ قبابُهُ

 

ولقد مضى من دونِ أي درايةٍ

في العومِ فاسـتولى عليهِ عُبابُهُ

 

مرّتْ عليَّ من الزمانِ قوافلٌ

يحدو بها من رَيـــــبِهِ كَذّابُهُ

 

ما زلتُ منتــظراً على شطآنهِ

أعمىً فهل تُلــــقى عليَّ ثيابُهُ

 

وتجمّعَتْ سُحبُ الفراقِ وأمطرتْ

حزناً تدورُعليَّ فيـــــــهِ ذئابُـــــهُ

 

لا الليلُ يمنحُ مســهداً إغفاءَةً

لا في النهار تعــافُهُ أوصابُهُ

 

والوجدُ صالَ عليهِ صولةَ كاسرِ

وحشٍ وقـــد نشَبَتْ بهِ أنيابُـــــهُ

 

فمتى تجيءُ إليَّ منهُ إشارةٌ

ومتى سَيُختَمُ باللقـاءِ غيابُهُ

***

عبد الفتاح المطلبي

 

عبد الله الفيفيمَنْ شَبَّهَكْ؟

مَنْ شَبَّهَ الأُنْثَى الَّتي تَخْتالُ في عَيْنَيْهِ

بِالأُنْثَى الَّتي في النَّصِّ،

قُوْلِـي:

يا فَتَى، ما أَحْوَلَكْ!

 

أَنْتِ كأَنْتِ،

وَحْدَها،

ما مِنْ شَبِيْـهٍ في دَواوِيْنِ الفَلَكْ!

 

ولقد عَشِقْتُكِ فِكْرَةً،

مِنْ قَبْلِ آياتٍ تُرَى أو مُعْجِزَاتٍ تُؤْتَفَكْ!

 

كَمَجَرَّةٍ أُخْرَى، وأَنْتِ لا شَبِيْهَ لمِثْلِها،

فلتَرْحَـمِيْ «الجِنْزَ» العَمِيْلَ،

وذا الجَمالَ الجاهِليَّ،

مِنَ المَلاكِ بِلازَوَرْدِ سَمائهِ،

إِنَّ المَلائِكَ في السَّماءِ،

وليس تَلْبَسُ بِالعُلَى هذا الدَّرَكْ!

 

فَلْتَرْحَمِيْـهِ مِنْكِ،

يا عَذْبَ العَذَابِ المُشْتَهَى،

ولْتَرْحَمِيْنِـيْ،

يا أَنا،

مِنْ نَهْرِ رَيَّاكِ الشَّرَكْ!

 

مِنْ أَيِّ كَفٍّ مِنْ حَلِيْبٍ

مَدَّتِ الدُّنْيَا إِلَـيَّ، 

ونَادَتِ الشَّمْسَ اشْرَبِـيْ شَفَتَـيْهِ،

يا طِفْلًا بِهِ كَمْ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَها شِيَمُ الحَلَكْ؟

 

أَمْ أَيُّ كَفٍّ تَرْسُمُ الحَلْماتِ حُلْمًا،

لَوْحَةً تَجْرِيْدُها:

لا «لَيْتَ» في الدُّنْيَا اشْتَهَتْ إلَّا مَعَكْ؟

                   **

يا أَيُّها ذِيْ الظَّبْيَةُ المُسْتَشْرِقَةْ..

لَوْ قُلْتُ: أَنْتِ كـ(صُوْفِيَا لُوْرِيْنَ) في إِغْرَائِها،

ما قُلْتُ إلَّا نُكْتَةً شِعْرِيَّةً؛

مَهْما أَشَعَّ شِراعُها يَجْتَاحُنِـيْ

مِنْ (كَفْرِ قَرْعٍ) في (فِلِسْطِيْنَ) الهَوَى

حتَّى النَّوَى: (رُوْمَا) الغِوَايَاتِ..

امتلَكْتِ المُسْتَهَامَ وما مَلَكْ!

 

النُّسْخَةُ الأَرْقَى جَمالُكِ،

أَنْتِ أَحْدَثُ ما سَرَى يَنَثَالُ مِنْ أَحْلامِنا،

وأَنَا السُّرَى:

أَبْنِـيْ بِعَيْنَيْ ما مَضَى ما لَيْسَ يَمْضِيْ بَرْقُهُ، 

وأَجُوْدُ مِنْ مَطَرِ الرُّؤَى أَبَدًا رَأَى في أَمْسِهِ مُسْتَقْبَلَكْ!

 

ماذا أَقُوْلُ؟

«أُحِبُّكِ»؟

لكِنْ «أُحِبُّكِ» كِلْمَةٌ كَمْ تَسْتَحِيْ مِنْ عِيِّها لمـَّا تُقَالُ؛

عَجُوْزَةً لا تَحْمِلُ المَعْنَى الفَتِيَّ بِعَالَـمِيْ،

أو تَرْتَقِيْ المَبْنَى الشَّمُوْخَ لِكَيْ تُشَافِهَ عَالَـمَكْ! 

                   **

مَنْ شَبَّهَكْ؟

مَنْ شَبَّهَ الأُنْثَى الَّتي تَخْتَالُ في عَيْنَيْهِ

بِالأُنْثَى الَّتي لم يَحْتَلِمْ نَصٌّ بِها،

قُوْلِـي لَـهُ:

يا شاعِرِيْ، ما أَغْزَلَكْ!

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

 

 

سردار محمد سعيداصحيح سادتي ان العراق بلد وفير

خيراته لاحصر لها

ماء ونفط وكبريت

ونخل ورمان

وفاتنات حسان

لم يطمثهن انس ولا جان

وهناك ساحة تسمى ساحة التحرير

فيها للهديرجناحان

أيتام وارامل

وجياع طامحون لعيشة حلال

ملّوا بقايا المزابل

والساسة الجهلة ينعمون وينهبون

يضحكون من سكان المقابر

يدّعون أن الله أكرمهم

فسوّاهم من العارفين والسادة الأكابر

ياسادتي

أصحيح أن في سماء العراق

كان قمر

ولا تدرون أين رحل

وفيها غيوم ثقال

تسح المطر

نسيم عليل ينعش النفوس

فتعبق الزهور وترقص الفراشات

 تفيض الوان الثمر

يشمخ النخيل أشرف الشجر

تزدحم العراجين كالأساور

في زند غانية

وجهها آيات جمال كالدرر

مقلتاها يخشاهما النظر

فمها إذ يراه الصائم فَطر

وجنتاها عليهما انعكاس لهيب سقر

وقامة مرتجة كظبي في خطر

وخصر كسفح فما أسلس المنحدر 

وعجز ككثيب إذا الرمل انفجر

والشعر فوق الشعر كنهارانتحر

يابلاد الحصون والأبواب

والعجلات المطهمة بالماس والمرجان

والنواعيرالمتشحة بالماء والأطيان

أنتم من علّم المكان

افهم الزمان

أنكما تخضعان

لشيء اسمه الإنسان

فيا ويلكم أيها السادة الخصيان

إذا انتفض الزمكان.

***

سردار محمد سعيد

اربيل

 

 

 

 

صحيفة المثقفكنت أراها  تمشي كالطفل

فوق شغاف القلب تتوجس ..

حذراً،

وأنا اكظم شوقي خوفاً

من وهمٍ ما زالَ

يعضُ على أصابعه،

كي لا يبقى إيقاعي أخرس ..

لا ينبس

في شيء،

يرقب مشيتها

تهمس للحب بأن يصغي

لمواويل الريح القادمة

من بين وريقات النرجس ..

كي يبقى الوجد معافى يتنفس ..!!

**

في كل ليالي الشوق

أعد الساعات دهوراً

أعد شموعي ..

هل نشرب نخب الحب

بقافيةٍ حبلى بدموعي ..؟

ثم أجدها، تتحاشى

أحلامي  ودعاباتي ..

تترك مزنتها الغضبى

تجتاح نهاراتي ..

ثم أجدها  تبكي

حتى ما عدت

أحاذر خطوي ومساراتي ..

**

فدموع الأنثى

تكسر مشكاتي،

وتعبث في قلبي وصباباتي ..

ومن بين رموش الحزن

تتلألأ ماسات،

حينَ أحدق في عينيها،

تضحك،

اهمس في اذنيها،

من بعدك، لا تبقى أشعاري تتنفس ..!!

***

د. جودت العاني

6/ تشرين ثاني- نوفمبر 2012

قصيدة مستلة من ديوان غدق البحر

 

 

صالح الرزوقوفي المخطوطة أيضا تفاصيل عن شخص آخر يبحث عن أبي يزيد. وهو أتابك، أحد أغنياء المدينة، وله بيت يبدو كأنه مشروع لقصر منيف أو قلعة حصينة. ووراءه حديقة تنمو فيها نباتات الشيطان، نوع من الأشجار القصيرة السود. أما التربة فهي بيضاء كامدة بلون الملح، ولعلها جير من غبار الفردوس التي أغلقت أبوابها.

أول الأمر لم يذهب أتابك خلف أبي يزيد شخصيا، ولكنه أوفد حاجبه أو من يدعى الشماس لأنه يسير وراءه في الأيام المشمسة وبيده سيف بتار ليحميه به من كيد أهل النور. كان أتابك من أتباع الأوقات الحالكة. مجرد كائن ليلي يحترم الديجور فقط.

لا يعلم أحد لماذا اهتم أتابك بذلك الشيخ الجليل. ولكن ربما لهذا علاقة بظروف زوجته التي شد وثاقها فوق سرير في مخدعها. أو بسبب هذه الأوضاع الغامضة التي نشبت بعد قيام ابن أبيه (يسميه الخاصة المعتمد) بالتمرد على المنصور. في تلك الفترة كان أتابك وأهل بيته موطنا للأسرار، صندوقا محكم الإغلاق، لن تخمن بسهولة ماذا يجري في دهاليز بيته أو ماذا يتحرك في ذهنه من أفكار، خبيثة أم طيبة..

ثم اتضحت الصورة حينما استدعى أتابك الوصيفة (طويلة) إلى غرفة زوجته. كان لديه صف من الوصيفات إحداهن شمس، وهي مخصصة لأعمال السخرة لأنه يمقت اسمها. وأخرى تدعى قمر، وهي من تخدمه مع زواره في الليوان (قاعة مضلعة مشيدة بشكل مستطيل من أحجار بيض وأخرى سود بالتناوب، وفي وسطها فسقية تترقرق فيها المياه العذبة). وقد وضع فيها قفصا من المرجان وبداخله جوقة من حساسين جهنم. هل سمعتم بها. الحساسين ؟.. إنها طيور صغيرة بأجنحة تبرق في الليل مثل السعير. هذا غير (طويلة) التي ورد ذكرها، وتؤدي المهام الشاقة مثل حمل رسالة لمسافات أو كتابة التعاويذ أو الإشراف على عبيد المثرود. كان لدى أتابك عبيد مهمتهم تهيئة المثرود المسائي، وهي وجبته الأخيرة قبل أن يأوي إلى الفراش.

شاهدت الوصيفة سيدتها تحتضر، وهي في صحوة الموت، بدليل أن أتابك وضع المرآة الفضية أمام صفحة وجهها، فقط لتتأمل انعكاس أنفاسها حين ترحل ببطء، وتنسحب من معترك الحياة بتؤدة لا تحسد عليها. الموت المفاجئ أقل إيلاما، ويحصل فجأة دون الدخول في معترك من الاحتضار كأنك على الصليب..

طلب أتابك من طويلة أن تأتي بماء الزهر ليساعد الراحلة على الانتعاش والسكينة قليلا، ولكن آنذاك، في تللك اللحظات، ألقى عليها سيدنا عزرائيل منديله المعطر بالمسك والزعفران. فأدرك الحاضرون جميعا أن الوقت أزف. ولا سبيل لتأخير هذه الرقدة الأبدية. وكانت بيد سيدنا عزرائيل ورقة من شجرة السدر التي تخيم على العرش. وسمعوا كلهم أصوات أوراق القرآن وهي تنقلب بين أيدي الملائكة. وهنا اضطر أتابك للانسحاب.

وفي رواق المغادرين سأل: هل عاد رسوله إلى أبي يزيد..

وتطوع صبي خادم برأس حليق، وكان يجمع بعض آخر خيوط النور التي تركها الحاجب النهاري وراءه قبل رحيله، للإجابة: فقال كلا يا سيدي.

وحمل جعبته على ظهره ومضى. فحمله خفيف على ما يبدو. لقد حزم خيوط النور القليلة كي لا تفسد مزاج سيده.

وهكذا عزم أتابك أن يخرج بنفسه ليأتي بالبسطامي. أبي يزيد. فقد سمع أنه يتعبد الله في أحد المزارات المباركة. وكان يحدوه الأمل بالعثور عليه قبل انبلاج الفجر، وبهذه الطريقة قد يشتري الغفران لزوجته. وكانت هذه الطريقة مجربة، وقد باع مولانا الجنيد (كما قال له صديقه قائد الجند في معسكر المعتمد) المغفرة مع قدر من السلوان لشقيق المعتمد نفسه.

ومع أن الخروج إلى الطرقات، بعد أن يغلق النهار أبوابه، مخاطرة، فإن هذا لا يثني القانتين أمثال أتابك. أسرع إلى بيت الخيول. ووجد حصانا مسنا طمر رأسه في القش وأغلق عينيه، وفرسا محمومة لها مقلتان حمراوان بأثر الوباء الأخير الذي أصاب السحت، وبعيرا من نوع النوق العصافير. فأسرجه بهودج غير ملون ليعلم من يراه أن فارسه مذكر، وهو يستعد لقضاء حاجة.  ثم حمل سيفه وعدة حربه، وأمر بفتح البوابة. وكم أحزنه أن يلاحظ كيف تصبح الأشجار في أول الطريق إلى الليل كالحة، عزلاء تماما من خضرتها ومن زهورها. إن لها هيئة أرامل، وفي أحسن الأحوال سيدات بانتظار أوبة أزواجهن من رحلة المخاطر.

وتوقع أتابك أن يواجه في سبيله مركز تفتيش يعود لأحد الطرفين المتنازعين. لذلك ضرب على وجهه اللثام، فهو لا يأمن رجال المنصور. كان أتابك منحازا في هذه الفتنة للمعتمد. وينتظر لو انتصر أن يوكل إليه أمر الجباية أو وزارة الحمائم وديوان التراسل. كانت علاقته مع المعتمد مباشرة، وتقف وراءها علاقات نسائية، فزوجته " هدى الإسلام " و" خاتون" زوجة مستشار المعتمد، شقيقتان. ولعله لهذا السبب أحاط احتضار زوجته بكل تلك الأهمية. وفي أية حال كان رجال المعتمد الآن يضربون الحصار على قصر وبساتين المنصور. ويتشاحنون بالكعاب والسيوف القصيرة مع قوة من العسكر لم تحزم أمورها بعد، وتنصب مخيماتها في شعاب وراء القصر. كانت الأوضاع الآن بعيدة تماما عن الحسم أو الاستقرار.

وبالفعل قرب ميدان "عطايا مولانا"، الذي يقود لبيت المال، اعترض طريقه عسكري علم من أول نظرة أنه في صف الأعداء. فقد رفع على خوذته ريشة نسر أبيض. وكانت وراءه حلقة أخرى من المقاتلين. وقال له العسكري: إلى أين؟..

فأشار بإيماءة من رأسه إلى نهاية الطريق. فقال له وهو يقبض على لجام فرسه: ارجع. المنطقة  قيد الترميم والإصلاح.

تراجع أتابك بالناقة. وتعمد أن يدخل في متاهة من الدروب الخلفية حيث توجد بيوت الفقراء. إنها دور كئيبة ولا يتطاير منها دخان الطعام. وبينها في الفراغات أشجار نخيل لا تثمر لأنها مذكرة. واستطاع أن يلاحظ أن إبليس مر من هنا قبله. وتذكر فورا حديثا مشهورا للبسطامي يقول فيه: إن الله خلق إبليس كلبا من كلابه، وخلق الدنيا جيفة. ثم أقعد إبليس على آخر طريق الدنيا وأول طريق الآخرة. وتبادر لذهنه أن هذا ينطبق على حالته تماما. أليس إنه يبحث عن أول الخيط لآخرة مغسولة من الذنوب.  ثم لاحظ وجود زمرة من المخلوقات الغريبة التي تعرف باسم (البدون) لأنهم صعاليك متشردون ليس لهم أرض ولا هوية. وكانت شعورهم منثورة مع النسمات الخفيفة. وتوقع أنهم مثله يبحثون عن المزار ليستريحوا فيه قليلا. ورأى أنه من غير اللائق أن يلقي عليهم السلام كما يقتضي الواجب.

وتابع حتى استطاعت عيناه أن تشاهدا الدرج المحفور في سفح الجبل أو ما تبقى منه. فعلم أنه وصل الى أرض (وادي الطاعة). كان هذا الجبل في سابق عهده مرتفعات شماء، والآن هو أقرب لكومة من الحجارة. فقد اعتدى عليه السلطان وأخذ منه الصخور اللازمة لبناء برج حراسة في قصره.

مهما كان الأمر هنا سيجد من يدله على البسطامي أو غيره ممن يتداولون صكوك الرحمة ويبيعون دقائق تساعد الروح على السكينة.

أناخ الجمل عند أسفل الدرج وابتعد عنه. كان هناك رهط كبير، وعدد من الحمير والجياد الأصيلة وكثير من طيور الأضاحي.. فالقرابين التي تطير تصل بركتها للسماء بلمح البرق، ليس مثل ذوات الحوافر، فهي بحاجة لمهلة إضافية قبل المثول بين أيدي الخالق عز وجل. واضطر أن يقفز من فوق بعض الأشخاص الراقدين على الأرض ممن يبحث عن الاستشفاء من العلل.

وكانت حرارته ترتفع حينما بدأ بالصعود على الدرج. وإحساسه بالألم وصعوبة الفراق الوشيك تتفتح في ذهنه مثل براعم ورود المقابر أو زهر الرمان. وفي مرحلة ما سمع ابتهالات غير بشرية، ربما تصدر من جوقة ملائكة أو جماعة من الأبالسة التائبين. واستطاع أن يميز في هذه الكتلة من الأصوات نبرة ساجدة، هدى الإسلام. كانت ولا شك تغذ خطواتها نحو الضفة الأخرى من نهر الحياة. وواصل الصعود حتى أشرق عليه فيض من النور الذي يعمي البصر، فأسدل جفنيه. وعندما أصبحت قدماه على العتبة الأخيرة، تمكن من رؤية البوابة. فمر منها. ثم دخل إلى قاعة واسعة فصلى فيها وترا. ثم جلس وأطرق للدعاء زهاء فترة هي عند أهل العلم تساوي دورة الشمس من مشرقها لمغربها. بعدئذ غادر من باب جانبي نحو الخلاء. وفيه لم يكن قادرا على رؤية شيء سوى فضاء من زجاج تنعكس عليه ظلال خضر داكنة. ثم انتقل إلى قاعة صغيرة لا تزيد على عرض كتفيه. لكنها مزدحمة بمئات الآلاف من الأناس الذين يرتدون الثياب الفضفاضة ويحملون على أكفهم أرواحهم أو شموعا مصنوعة من شحوم غزلان إفريقية وغيلان دمشقية. ثم سار إلى الضريح الرئيسي. وأدى تحية الإسلام. كان من المفروض أن يلتقي هنا بمن يبحث عنه. ولكن لم يجد أحدا. فتجاوزه إلى قبر أصغر تغطيه المنسوجات الخضر وكأنها بساط من العشب.  فركع على ركبتيه، وطفق يبكي لأن الدموع غلبته. لقد كان للفراق معنى. كان للرحيل هيبته بشكل عام وليس بالتخصيص حزنا على زوجته. وفي تلك الأثناء أحس بلمسة على أحد كتفيه. التفت للخلف قليلا. ورأى شابا في منتصف العقد الثاني من العمر. وقد سأله: ما بك يا أخي؟..

لم يرد. فأضاف الشاب: من جهتي أنا أحاول أن أصل للشيخ أبي يزيد البسطامي. هل تعرف أين أجده؟..

وفاجأ ذلك أتابك وقال بملء صوته: هل قلت أبا يزيد؟..

وهنا سأله الشاب: هل رأيته؟ سمعت إنه يلوذ بالضريح ولا يبتعد عنه..

وانتبه أتابك أن صوته مرتفع، ويؤذي أسماع الأرواح التي تعتني بالأماكن العجيبة المقدسة، فهز رأسه بالنفي، ثم قال بصوت وقور: كنت أبحث عنه مثلك. من تكون؟.

فأجاب بصوت مثقل بالهم: ابن أخته. أبحث عنه منذ يوم و ليلة..

وفكر قليلا كأنه يريد أن يضيف شيئا، ولكنه قرر فجأة أن ينسحب. وارتسمت علامات الدهشة على وجه أتابك. لقد انتبه أن البسطامي مثل سائر الناس. إنه غصن من شجرة الحياة التي ينتمي إليها، ولديه أصول وفروع، ويعاني من هموم الماضي وغموض المستقبل مثل العوام. وليصرف عن نفسه هذه الأفكار أخرج من تحت عباءته مصحفا صغيرا. وضعه تحت غطاء القبر وتلا الفاتحة. ثم عاد من حيث أتى، ولم يقابل أحدا في هبوطه الدرجات ولا حتى الشاب المجهول (ابن يعيش كما نفهم من السياق).

وفي درب العودة ألقى التحية على الجماعة المسلحة ذاتها التي منعته من العبور بطريق مختصر. وسمع ردودا لا تليق به. لقد جرح المسلحون كبرياءه حتى قبل أن يعرفوا من هو، فما بالك لو علموا بشخصيته..

وبالقرب من بوابة داره، وهو مغلوب بمشاعر العودة بخفي حنين، من غير صكوك الغفران المنشودة، ولا الوثائق التي يوزعها نائب عن ملائكة الحساب في القبر، فهو الآخر لسوء حظه كان غائبا، لم يشاهد الحرس ولا الحاجب. وانتبه أن الإضاءة تأتي من البرج الذي أودع فيه زوجته. ربما لتهدي روحها الضالة إلى أفضل الطرق. فهدى الإسلام مغمورة بالنقائص.. النميمة، الكذب، انتهاز الفرص، حدث عن ذلك ولا حرج.

أناخ الجمل وهبط ليفتح البوابة بنفسه. وفي هذه اللحظة سمع صوتا ينادي باسمه. صوتا جهوريا. التفت حوله ولم يبصر بين طيات الظلام أحدا، فقال وهو يغالب أحزانه: من المنادي. عرّف بنفسك من فضلك...

ولكن لم يمهله الصوت. فقد شق شبح طويل ستار الليل، وانقض عليه. وفي التو واللحظة ارتفعت حرارته مجددا. ثم شعر بألم فظيع. وأعقبه البرد القارس. ولم يخامره الشك أنه كان هدفا سهلا ولقمة سائغة.. لقد استفاد اعداؤه من ظروفه، وأعدوا له هذا الكمين البسيط. أغلق عينيه. وهو يقول لنفسه: هل بهذه السخافة تكون النهاية؟. ثم استند على البوابة وحاول أن يفتحها. وكانت ثقيلة.. أثقل من ذنوبه المتراكمة. وأثقل من أطماعه التي نضجت ثمارها على الأغصان وحان وقت القطاف. وهكذا تهاوى بالقرب من السور. وانكفأ على وجهه، حتى أنه شعر بطعم التراب في فمه.

ولم يكن يخطر في بال أتابك أنه سيغادر الحياة في نفس اللحظة التي تفارق فيها روح هدى الإسلام جسدها.

كم في الحياة الفانية من غرائب ومصادفات.....

 ***

صالح الرزوق

.......................

 (الفصل الثاني من القصة الطويلة: على خط النهاية)

 

 

 

نبيل عرابيلَوِّحْ يا قَلْبُ بمِنديلكَ الأسود،

فلم يَعُدْ في العينِ دَمْعٌ للبُكاءِ..

لَوِّحْ.. فالصّمْتُ قد اسْتَحالَ دُخاناً،

والأملُ يَنْحَتُ صخراً،

في امتِدادِ صحرائي..

**

لَوِّحْ.. أعْرِفُ أنَّكَ مُتْعَبٌ،

حتّى شفيرِ الإنتهاءِ،

وأنني مهما قاسَمْتُكَ،

فلَنْ تتماثَلَ للشِّفاءِ،

فلا يَخْدَعَنَّكَ تَبَدُّلَ الّذينَ خانوا..

وطعنوا..

وهجروا..

ولا تَبَدُّلَ الأسماءِ،

ولايَغرّنَّكَ ربيعٌ ذابلٌ،

فالخريفُ يتربّعُ في كلِّ الأنحاءِ..

**

لَوِّحْ يا قَلْبُ .. بمنْدِيلكَ الممزّقْ،

وترنَّحْ في صدى لوعةٍ ختّى الإغماءِ،

لَوِّحْ.. واعتَصِرْ حُزناً وألماً،

فلا الواقِعُ بقيَ واقعاً،

ولا القمرُ بقيَ مُعلّقاً في السّماءِ،

 ولمْ يَعُدْ لشعاعِ الشّمسِ لونٌ،

ولا لطَيْفٍ يَمُرُّ عندَ المساءِ،

وكأنّ الوقتَ أصبحَ بلا حراكٍ،

بلا إيماءِ..

**

لوِّحْ يا قَلْبُ.. بمِنْديلِكَ المهترىء،

فالرَّمَقُ الأخيرُ يُوَدِّعُ أشلائي،

عِشْ قسراً..

وارْتَعِدْ هلَعاً..

فهذا ليسَ زمن الأنبياءِ،

هذا مصيرُكَ.. فما عليكَ،

إلّا أن تَقْنَعَ بالإنكفاءِ.!

***

نبيل عرابي

 

 

فتحي مهذب** نادتني صخرة..

طردها ألبير كامي

من حديقته العبثية..

ابتسم حصاني ..

تطاير شرر من حوافره

ذرف أغنية حلوة..

سألتني بمرارة..

تبدو قلقة ومستاءة ..

- أرأيت سيزيف?

- في قلعة يحكمها نسران عجوزان..

- يقاتل وحوشا ضارية

تطلع من تلة كتفيه..

-أله بيت ومريدون ?

له حصن في هاوية..

- أصدقاء كثر ضلوا في جبل ماورائي..

له كلب عالق في شرك النوم ..

باسطا ذراعيه بالوصيد..

***

فتحي مهذب -تونس.

........................

الترجمة الانكليزية

Sisyphus in prison.

By Fathi Muhadub – Tunisia

Translation from Arabic Dr. Yousef Hanna

 

A rock called me ..

Albert Cammy expelled her

From his absurd garden ..

My horse smiled.

Sparks blew from his hooves

Shed a sweet song ..

She asked me bitterly

She looks worried and upset.

- Have you seen Sisyphus?

- In a castle ruled by two elderly eagles ..

- Fights fierce monsters

- Kicks off from the hill of his shoulders.

- Has he a household and disciples?

He has a fortress in an abyss ..

- Many friends have strayed on extramundane mountain ...

He has a dog trapped in sleep,

Stretching out his arms at the entrance sill.

 

 

حمزة الشافعيعلى أسوار بيت عنكبوت،

مشيد في ركن سقف من قصب،

تطل هياكل متحركة

لضحايا كثيرة؛

تلك ذبابة صغيرة،

وبالقرب منها كم هائل

من جلود ذباب غليظ...

الذبابة الصغيرة،

لا تزال تنط هنا وهناك

في محاولة أخيرة للنجاة...

داخل إحدى شقوق القصب،

تنتظر نملة اعتادت التجول

قرب بيت العنكبوت،

كل موسم تساقط هياكل الذباب،

وهي تراقب حركات الذبابة الصغيرة،

وموعد خروج العنكبوت،

لإدخال الصيد الطري

والتهامه بنهم وتعليق هيكله،

لتشتد رهبة المكان،

ويزداد عدد الموتى،

وتمتلء سجلاته بمزيد من الضحايا...

أخيرا، حلقت الذبابة الصغيرة

هاربة من موت قريب،

لتستنشق ما تبقى من الحياة،

في مكان شبه مغلق.

انتابت النملة شكوك عديدة،

 وتهاطلت عليها أسئلة كثيرة؛

كيف لهدية جميلة ودسمة

أن تفلت بهذه السهولة...

قالت وهي في حيرة:

ربما، فالعنكبوت لا يعشق

إلا لحم الذباب الكبير،

أو لأنه وصل متأخرا أو منهكا،

حتى حررت الذبابة الكبيرة،

صغيرتها راضية هي بالإنقضاء،

أو أن نحافة جسم الذبابة الصغيرة،

خلصها بسهولة

من حبال  العنكبوت السمينة،

إلا أن الفرضية المستحيلة،

هي وصول العنكبوت في الموعد

و الذبابة الصغيرة

لا تزال بين الشراك،

ليرق قلبه لحال الفريسة الجميلة

فيطلق سراحها مؤقتا،

لعلها تستمتع بطفولتها قليلا،

وتجول في آفاق البيت المغلق لأيام،

قبل الوقوع مجددا في مصيدته

وهي كبيرة الحجم،

حلوة اللحم،

سهلة الصيد،

ومقبلة على  للموت،

بين مخالب العنكبوت...

***

حمزة الشافعي

تودغة/المغرب

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها:

الخريفُ يزحفُ نحوي كسيلٍ طينيٍّ، الأشجارُ المزروعةُ في قلبي ترتجفُ، أوراقُها تحاولُ أن تسقطَ على جسدي، لعلَّها تكونُ ذلك الثَّوبَ، الذي يقينِي بردَ كانون، كانونُ قاسٍ هذا العامِ، يلِجُ تفاصيلَ جسدي بلا ماءٍ.

الجسدُ ظامئٌ، جائعٌ، وأخذَ الهُزالُ يرسمُ عليه لوحاتِ التَّعبِ، وأخذت أصابعي تنسُجُ من خيوطِ التَّجاعيدِ، منديلاً غريبَ الشَّكلِ، لعلَّه ينجحُ حين يشربُ الدُّموعَ من عينيكِ .

كم أنتِ بحاجةٍ إلى ظمئِي، إلى جوعي، إلى ضعفي، لتشعري بأنَّكِ الآن أقوى منِّي، يبدو أنَّكِ منذ اليومِ ستواصلين المشيَ في الدُّروبِ الضَّيقةِ وحيدةً، تحملينَ آخرَ أحلامِنا، وأوجاعِنا، هل تذكرينَ كم سهرنا مع الوجعِ، كم مرَّةٍ شربنا القهوةَ مع الألمِ، كم مرَّةٍ حاولنا أن نُفسِّرَ ما تقولُه الأحلامُ لنا، كم مرَّةٍ تحدَّثنا عن هزائِمنا القديمةِ، وكم قلتُ لكِ إنَّهم يحاولونَ إبادةَ خلايا النَّحلِ في عقلي، كم مرَّةٍ حاولوا وأدَ أفكاري في مهدِها، وجاؤوا بالدُّموعِ إلى قلبي لتحلَّ فيه ضيفاً أبديَّاً، وكم تجرَّعتُ مرارةَ غبائِهم .

أتذكرينَ حين حدَّثتُكِ آخرَ مرَّةٍ، عمَّا رأيتُه في المنامِ، أذكرُ أنِّي حدثتُكِ عن السَّواقي، التي هجرَها الماءُ، وعن الأشجارِ التي يبست في منتصفِ الرَّبيعِ، وعن الأمواجِ التي تعطَّلت عن الهديرِ، وعن الأفكارِ العقيمةِ، التي لا تلدُ إلا أطفالاً مشوَّهينَ .

أتذكرينَ حين حدَّثتُكِ عن عالمٍ ما انفكَّ يُمارسُ عمليَّاتِ التَّجميلِ، ليحجُبَ عن عقولِنا حقيقةَ ذلك القبحِ، الذي أصابَ الوجهَ والجسدَ، حينها قلتُ لكِ: نحنُ نعيشُ زمناً مُزيَّفاً، زمناً تحت التَّجميلِ .

أتذكرينَ حين حدَّثتُك عن تلكَ الرَّوائحِ الفاسدةِ، وقلتُ لكِ إنِّي بتُّ أكرهُ العطورَ، لأنَّها تحجبُ عنِّي تلك الرَّوائحَ الفاسدةَ .

يا سيِّدةَ قلبي:

لستُ نبيَّاً لأصنعَ سفينةً جديدةً لحياةٍ جديدةٍ، ترسو بنا بعيداً عن أرضِ الزَّيفِ والنِّفاقِ، لستُ نبيَّاً أُكلِّمُ اللَّهَ، أو أُفسِّرُ كلَّ أحلامِ المُتعَبِينَ، ولستُ مُفكِّراً لأثورَ على استبدادِ السُّلطاتِ، وأُعلِن عن مولدِ عصرٍ للتنويرِ .

لم تعُد العصا بيدي، لأشقَّ البحرَ نصفينِ، فكلُّ بحرٍ وراؤهُ بحرٍ، وكلُّ صخرةٍ صمَّاءَ تلدُ ألفَ صخرةٍ صمَّاءَ .

يا سيِّدةَ قلبي:

لستُ ساحراً لأُحرِّرَ العقولَ، فقضبانُ هذا السِّجنِ تحتاجُ إلى مفاعلٍ نوويٍّ، ذي طاقةٍ هائلةٍ، ليُفكِّكَ روابطَها الكيميائيَّةِ، أو القبليَّةِ، أو العقائديَّةِ .

يا سيِّدةَ قلبي:

أعتذرُ من عينيكِ، وأعتذرُ لعينيكِ حين جعلتُها ترى ما لا يجبُ أن ترى، كنتُ أحبُّ لعينيكِ أن تحملَ بين جفنَيها كلَّ طيفٍ جميلٍ، لكن كلَّ شيءٍ يجري ضدَّ مشيئتِي، ضدَّ إرادتِي، فكم هي المسافةُ واسعةٌ بينَ ما أشاءُ، وبينَ ما يشاؤونَ،  وكم هو الصِّراعُ قاسٍ بين المشِيئَتينِ .

هامش : حاولتُ أن أمشي مع التَّيارِ، غيرَ أنَّ مشيئتي كانت ضدِّي، فجرفنِي التَّيارُ، وبقيت لكم مشيئَتي .

 

د.عاطف الدرابسة

 

راضي المترفيفي لحظات الراحة من العمل كما في اللحظات التي تسبق النوم كان يحاصره سؤال زامنه منذ تفتق الوعي (لمن ينتمي؟) لتلك الأرض التي يعيش عليها ويسكن فيها ويشق سمائها كل صباح صوت التوحيد أو للأخرى التي يعمل فيها ويكسب قوته منها ويشيع في أرجائها الإلحاد وإنكار وجود الخالق ولن تنتهي تلك الحيرة حتى يتسلل الرقاد إلى جفنيه او عند انتهاء لحظات الراحة .

. كانت أجساد من يعيش بينهم وياوي اليهم بعد انتهاء العمل كما وصفها صاحب (الدون الهاديء) ضخمة وذو شوارب كثة تغطي الجزء الأكبر من الافواه ولغتهم حادة لا تعرف المهادنة على عكس من يعمل معهم حيث كانوا يميلون للوداعة والهدوء ويكرهون الصخب ويبتعدون عن الضجيج وكانت سلواه الوحيدة بينهم هي صديقته التي تعاني مثله من العمل مع قوم يختلفون عن من يعيش بينهم وكانا حتى في التواجد على الأرض التي تؤمن بوجود الرب يتفاهمان ويتحارون بلغة اهل الأرض الملحدة حيث يجدانها اقرب الى نفسيهما من لغة اهل الايمان .

. ذات ليلة نزل بها البرد بكثافة سألها وهما يجلسان قرب الموقد وحيدان: لمن ننتمي ونحن لا نؤمن بايمان هؤلاء ولا بكفر أولئك ولا نتفق مع طرف في النوايا ولاتجذبنا الميول نحو بعضمها إلا تشعرين مثلي بالغربة والضياع بين طرفين يجمعهم الجوار وتفرقهم المعتقدات ؟ قالت : قدرنا ان نعيش الاغتراب مرتين تتمثل الأولى في العيش بين قوم لم نعتاد على طباعهم ولم نالفها والثانية العمل مع قوم لا نحب الحادهم ولا نقره سلوكا في حياتنا .. لكن أخبرني هل تذكر كيف جئت إلى هنا ؟ .

. كل ما أذكره اني وجدت نفسي هنا من غير ام ترعاني أو تهتم بي أو تأخذني في حضنها لاشعر بالدفء في الليالي شديدة البرودة وحتى أيام المدرسة كنت اتدبر شأني وحيدا إلا من رجل ذو شوارب معقوفة وجسم معروق كان يهتم بي قليلا أثناء تواجده في المكان وعندما يغادر كان يوصي جارته برعايتنا في غيابه لكن مشاغل تلك الجارة في البيت والحقل ورعاية أولادها تدفعها لاهمالنا طويلا فتعلمنا الاعتماد على نفسينا  وما يحيرني كيف تعلمنا انا وانت لغة أرض الإلحاد ونحن لم نعش في طفولتنا بينهم أو ندخل مدارسهم أو حتى نختلط بهم قبل بلوغنا سن العمل والاشتغال هناك .. إلا ترين في ذلك سرا ؟ .

. ما يحيرني هو الغموض الذي يلف حياة الرجل ذو الشارب المعقوف الذي نعيش في بيته حيث ما ان يعيش بيننا عدة أيام حتى يختفي بعدها  شهور ولم نشعر معه يعطف الاب أو حنانه أو حتى خوفه علينا من الوحدة ووجهه المتجهم دوما لم يترك لنا مجالا بسؤاله هل نحن أولاده؟ واذا كنا هكذا فأين امنا ؟ وكيف تعلمنا لغة اهل الأرض الأخرى؟ كما أن الجارة التي كانت ترعانا احيانا لم تحدثنا يوما عن من نكون نحن وماعلاقتنا بالرجل الغامض المتغيب عنا دوما ؟ إلا ترى اننا نختلف عنهم ؟ كما أنهم لايتحدثون باي امر يخص اهل هذه الأرض أمامنا حتى بعد أن كبرنا وأصبحنا ليس بحاجة لرعاية احد منهم ؟.

. علينا معرفة من نكون وكيف وصلنا إلى هنا واذا كان الرجل ذو الشارب المعقوف والدنا أو لا ومن هي امنا وهل هي ضمن الموتى أو تعيش في مكان اخر شرط ان لاتثير هذه المعرفة ريبة احد ولنبدأ من تلك الجارة التي تقدمت في السن وكبر أبناؤها وقلت مشاغلها وعلينا أن نغريها بتقديم هدايا لها بمناسبة أو بغيرها وبعد أن ننال ثقتها ندعوها إلى زيارة أرض الإلحاد وقضاء يوما هناك للمتعة والترويح عنها وربما عرضها على طبيب مفاصل هناك ومن ثم نتسلل إلى السر الذي اخفته عنا سنوات طويلة خوفا من ذي الشارب المعقوف .

. تقربا للجارة واغدقا عليها الهدايا ووصفا لها جمال مدن أرض الإلحاد وبراعة الأطباء فيها وقدرتهم على شفاء مرضاهم واطنبا في وصف المطاعم وفخامتها وما تقدمه من وجبات لذيذة للزبائن حتى تمنت الجارة ان تزور أحدهم للكشف على مفاصلها التي اتعبتها السنين والعمل المتواصل وتربية الأطفال فوعداها خيرا وزادا في اكرامها فأخذوا بمناداتها بكلمة ( ماما ) حتى اطمأنت لهم تماما .

. حدد ثلاثتهم يوم الذهاب إلى أرض الكفر سرا وقررا عدم الذهاب إلى العمل في ذلك اليوم ليحصلا على السر الذي أصبح مصيرهما مرتبطا به ثم رتبا كل شيء من تحديد عيادة الطبيب إلى المطعم الذي يتناولون فيه وجبة طعامهم مع الجارة واحتياطا لما قد يتطلب الأمر اختارا فندقا هناك لو اضطرا للمبيت .

. سارت الأمور كما خططا لها وقاما بجولة في الأسواق واشتريا لضيفتهم بعض الهدايا من ملابس وعطور ثم اتجها بها إلى المطعم واختارا مكان قريب من الموقد وسط المطعم واجلساها كضيفة شرف وتسابقا في اكرامها وعلى الطعام رفعت الجارة رأسها وتفرست فيهما ثم ضحكت بحنان وقالت لهما : انا سعيدة بكما وبما فعلتموه من أجلي وهذه الزيارة والاحتفاء وتدليلكما لي بكلمة (ماما) مع اني اعرف تماما الغرض منها ولماذا اتيتما بي إلى هنا ومع ذلك سأتكلم واخبركما عن كل شيء لادخل السرور على قلبيكما لأنكم سررتم قلبي هذا اليوم وافرحتموني .

. أكملت الجارة وجبتها بمزاج عالي واعتدلت في مجلسها وقالت : لقد عشق جارنا ذو الشارب المعقوف في شبابه اجمل صبية في المكان لكنها لم تبادله هذا العشق رغم انه بذل كل مافي وسعه من أجل الفوز بقلبها ولم يفلح فاشتراها من أهلها بنصف أرضه الزراعية التي ورثها عن أبيه وزفت عليه في يوم مشهود لكنها لم تبقى معه طويلا وهربت إلى أرض الكفر بعد أقل من سنة من الزواج وبعد هروبها لم يقر له قرار وبدأ بالبحث عنها هناك وكان ما ان يعود من رحلة بحث خائبة حتى يمكث عدة أيام فيعاوده الحنين إليها ويبدأ رحلة بحث أخرى وهكذا دارت أيامه وبعد سنوات قليلة عاد من رحلة بحث خائبة ومعه طفلان مدعيا أنه وجدها من اول رحلة بحث عنها واشترى لها بيتا هناك ومن جاء بهما هما طفلاه منها وعندما عاوده الحنين لها مرة أخرى قرر الذهاب وترككم في رعايتي لكنه نسى أن ينزع من رقبتيكما قرصا التعريف الخاصة بكما والتي تحمل اسم كلا منكما واسرته وتاريخ تولده وعنوان العائلة ثم مدت يدها في جيبها واخرجت من حافظة قديمة القرصان وسلمتها لهمها فعانقاها ثم تعانقا وشكراها واكملوا معها جولتهما ثم اوصلاها إلى بيتها .

***

راضي المترفي

قصة قصيرة

 

قصي الشيخ عسكرقصص قصيرة جدّا

(مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.)

بهارات

اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي شارام  خلال

العطلة الصيفية القسم الداخلي فكسرنا القفل واقتحمنا غرفته .

لم يكن هدفنا السرقة قط بل السطو على علب البهارات الكثيرة التي يفقد أيّ طعام لذّته من دونها، وفي بال أيِّ منّا أنّ زميلنا شارام الهندي سيجلب من رحلته إلى بلده بهارات جديدة تغنيه عن القديمة التي تركها على

الرّفوف.

فجأةً خرج يزعق ويردِّد أبي أين أنت يا أبي!

ثورته صدمتنا فليست هي المرّة الأولى التي يجد طالب عائد من سفر طويل أن لصوصا سرقوا غرفته وكان صديقنا الهندي شارام يقابل حوادث السرقات ببرود لا نضير له، زادنا حيرة أنّ أنّ أباه توفي  قبل أن يأتيّ للدراسة بسنوات،.. تجرّأ أحدنا وصاح فيه: ألم تقل إن والدك توفى منذ سنوات طويلة؟

كان يجلس على الأرض وقد اجتاحته موجة نشيج أكثر مما هو غضب وأشار إلى الرّفّ: هناك وضعت رماده في إحدى العلب جنب البهارات التي سُرِقَتْ من على الرف !

**

مرآة

عثرت في مخلّفات جدّي على مرآة لو نظرتُ إليها لوقع بصري على وجهي قبل خمسين عاما، وعلى ظهر المرآة عبارةٌ بخطٍّ قديمٍ باهتٍ تقول: لك وحدك سيبْطُلُ عملها لو وقع عليها بصرٌ آخرُ.

مطاردة

طاردته ذئاب وكلاب، وحين انتصبت فجأة أمامه شجرة، أسند ظهره إليها وأخذ يلتقط أنفاسه من التعب.

***

قصي الشيخ عسكر

 

عدنان البلداويلماذا العينُ فـارَقها المنـــــامُ

أتشكو ضَيْـمَ ما فَعَلَ الهيـــامُ

 

كأنّ القلبَ يـَعلمُ مــــا أسَرّتْ

فهَسْهَسَةُ الشِغافِ لها اهتمـامُ

 

تُراقِبُ هَمْسَ سانِحَةٍ تجَلـــتْ

لــتَـأويــها فــتأتـَلـِقُ الـمـَهــامُ

 

فنَهْجُ الصدقِ ليس يَمِسُّ زَيفاً

ولايــدْنـو لِــعِفَّــتِـــه اخْتــِرامُ

 

يطـوفُ مُحَدِّثا عَبــَقَ النوايــا

لِيَـــعْلـوَها التألــــقُ والـوِئــامُ

 

ثِمارُ الحُبّ إنْ دانـَتْ قُطُــوفَا

يَلِيــــقُ بها التَعفُفُ والصيــامُ

 

إذا أغْرى الفُؤادَ صفاتُ حُسْنٍ

سيذكر خيرَ ما كتب الكرامُ :

 

بــأنَّ الـــوِدَّ إنْ رامَ ارتِقـــاءا

بنَظـــرَةِ عِفّةٍ يَسْمـــو المَـرامُ

 

دُموعُ العينِ إنْ صَدَقَتْ رُؤاها

مَراسِيــــمُ الوِصالِ لها تُقــــامُ

 

يَدومُ الوَصْلُ فـــــي ألَقٍ وعِزٍّ

إذا ســــادَ التَـعَـقُـلُ والنظـــــامُ

 

فَكـــم مِــــنْ نَزْوَةٍ أوْدَتْ بـحُبٍ

فَضاعَ الحُبُ واشتــدَ المَــــلامُ

 

ومَن خانَ التَوافُقَ فــــي مَســارٍ

فجُرْحُ الـودِّ ليـــــس لــه التِئـامُ

 

وإنْ لاذَ الحــوارُ بثَــوْبِ شَـــكِّ

ولـــم يُفْصِحْ ، سيَتْبَعــه انفِصامُ

 

ومَن أخفى الحقيقةَ عــن حبيـبٍ

فمهمــا طـــالَ يَفْضَحُــه اللثـــامُ

 

غصونُ الشوقِ تبقــى يانِعـــاتٍ

إذا شمــــسُ الصــراحةِ لاتُضامُ

 

ومَن زرَعَ الوفاءَ برَوْضِ صِدْقٍ

وصانَ ثِمارَه ، ارتفع المَقـــــامُ

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

 

 

صحيفة المثقفهناك أشجار سأظل أتذكرها

كوجوه العديد من أحبتي


شهر مضى

وأنا أبات طول الليل أرقا

أنا إمرؤ مصاب بداء الأرق

في سكون الليل

أصغي  إلى شجرة التفاح

كيف تساقط في الحديقة آخر تفاحاتها

أصغي إلى أغصان شجرة الزيزفون العارية

أنهض من فراشي

أخطو على سجادة الليل

تندفع خطاي مترددة

كأنني أخطو إلى حتفي في الظلام

أنتظر بزوغ الفجر

لأقطف العنب الأحمر من صحنه

أرتدي ملابس الخريف

وفي بحر ضباب الفجر

أرخي أشرعة جفوني المتعبة

أجلس الآن تحت شجرة الزيزفون

أصغي برهافة لصمتها الصاخب

"الزيزفونة

التي كان أريج أزهارها في الصيف

يدير رأسي كلما مررت تحتها في المساء "

لا عصافير الربيع أرى

ولا شحرور الصيف

أرنو إلى ورقة وحيدة صفراء

جالسة على غصن عال

جالسة على غصن عار

ورقة صفراء

 على شكل قلب مائل نحوي

الضباب يهمس بأذني

 نافورة الحديقة تثرثر بصوت مبحوح

لا أفهم ما يقول لي الضباب

أجلس وحيدا منتظرا

بعد قليل

ستهوي آخر ورقة خريف

ستذرف شجرة الزيزفون آخر دمعة

ويهوي الخريف بمطرقته

على سندان قلبي

بعدها يأتي الشتاء

وينهمر الثلج على روحي الثكلى

ينهمر الثلج

على سيقان العشب العرجاء

فيبدأ الألم يتألم

ويشرع الأسى بالبكاء

أيتها الزيزفونة  الخرساء

إن جراح الرقة تنزف

وإن  فؤاد الحنان يحتضر

 ! أيها الخريف

لا تضع حجارة قلبك الأصفر

 على وسادة رأسي

لا تضع أصابعك الشاحبة على جبيني

تبت يدك وأظافرك الملطخة بدمي

 أيها الخريف

لماذا تكتب قصيدتك الصفراء

على جلدي وتمضي ؟

***

حسين السوداني

براغ في 26.11.2020

 

 

شوقي مسلمانيضغطُ الجهات

ولا شفقة ولا استثناء. 

 

ما ينجم في خيال

هو يوماً شجرة الظلال.  

 

حيّتان

تتعاركان

تلتفّان، تتعاصران

تتناهشان

ودواليك.  

 

لا تكفّ النار

أضرمها سعيُ مغامر  

عند حافّة. 

 

تخرج

سترى الوجه

خطأ أن تكون

مخالب وأنياب 

لم يكن من يستدرك

ميت من لا يستدرك

لا قطرة ندى

على خدّ وردة؟

لا أمّ.. 

ولا يد من ريش النعام؟

خطأ يتأكّد يوميّاً. 

 

كلّ جهة

جهة خرائب. 

 

ما أريد؟

الا يكون الوقوع

بعد أكثر. 

 

قصّة

أكثرها ضائع. 

 

هل لديك بعدُ عبثٌ أكثر؟. 

 

رأسُه

رأس آخر  

يداه 

يدا آخر.  

 

ولا طريق يصل. 

***

شوقي مسلماني