 نصوص أدبية

قفصُ الحَمامِ

عدنان الظاهر[أقولُ وقد ناحتْ بقربي حمامةٌ / أيا جارتا لو تشعرينَ بحالي / لأبي فراس الحمداني]


1 ـ دخَلَتْ تتوجّسُ خوفا

أنْ تظمأَ أو تعرى جوعا

أنْ تسمعَ ما لا يُحمَدُ عُقباهُ

خِلخالُ سلاسلِ أَرجِلُها إنذارُ الطلْقِ الناري

القفَصُ الصدريُّ صناعةُ عُنفِ السجّانِ

تتحصّنُ تنشرُ أثوابا

تتزيّا بالأحلى طوقا

أقدارَ ثمينِ الأحجارِ ...

 أتأبطُّ أحملُ في الصدرِ القبطيِّ سؤالا

يُقلقُني مُذْ قال القارونُ " بَلى "

يتتابعُ للرِدّةِ في رأسي تَكرارا

أُوليهِ فُسحةَ مِشوارِ الترويجِ الجبري

وأُقيمُ طُقوسَ مُناجاةِ خليلِ الوحدةِ في الليلِ

أبوابُ الرصْدِ منافذُ إعصارٍ بحريِّ الأنواءِ

والدفعةُ موجةُ مُنقّضِ الغربانِ

كلّفتُ الأقربَ أنْ يُنشئَ للصاحي في فُلْكٍ بارا

الحاجةُ فيهِ مِصراعٌ في بابِ

مارسْ لا تدفعْ للنادلِ في الجدولِ شيئا

 أُدخلْ مِنظارَ الوقتِ حِساباً طقسيَّ التنظيرِ

وتحرَ الجوَّ المتلاطمَ ريشا

لا تُطلقْ إطلاقةَ صُفّارةِ إنذارِ

داعبْ مِنقارَ الشوقِ بريشِ الأعناقِ

لوِّنْ ما شاءَ البرقُ بعينيها زيتاً زيتونيّا

وأقمْ حفلَ زفافِ العُرسِ الدامي شهريّأ ...

مدّدث ذراعي ما شاءَ وجدتُ الأفعى يقظى لا تُغمِضُ عينا

  تترصّدُ أفراخَ حَمامِ الأقفاصِ

فرعونُ أتى قُدّامي قالتْ

والرومُ وجحفلُ أجنادِ الجُرمانِ

جوعى قالت ...أنتَ أتيتَ لماذا ؟

شأني يا أفعى شأنٌ ثانِ

لي بشرٌ يكتبُ تحتَ الأسِّ حروفا

يبحثُ عمّنْ عبروا عجلى

قرأوا كلَّ التأريخِ وجازوا شَطَطا

وقفتْ فيهِ الساقُ اليُمنى عَرجى

وتوابيتُ مواكبِ جرِّ رميمِ عِظامِ الأظفارِ

الحجرُ الشاهدُ لا مِنْ صوتٍ أو رسمٍ فيهِ

هذا شأني في ذا السجنِ.

 

2 ـ صدرُ يمامةِ هزِّ الرأسِ شَمالا

ينقضُ دقَّ التوقِ الضاربِ من حولي طوقا

يُنكرُ أني أتحرّقُ للآتي شوقا

باباً أترصدُّ موصودا

فكّي يا هذي مفتَرَقِ البابِ العاصي مختوماً شمعا

هُزّي مهدَ يمامِ الصدرِ الصاعدِ للنجوى رَهْوا

زيديهِ شَحْما

زُقّيهِ ماءَ الوردِ خُزامى

رُشّيه شَهْدا

أفما كانَ يُغني ويغيبُ هديلاً سُكْرا

زُقّيهِ المخزونَ وراءَ نتوءِ مساميرِ الضوءِ نفورا

الأفعى تترّصدُ تبقى أفعى

وحمامُ القفصِ القسريِّ يظلُّ حَماماً مقتولاً صَبْرا

قيدَ الفحصِ وقيدَ الدرسِ شهيداً مشهودا ...

جَهَشتْ تبكي حَظا

أخطأَ لمّا أوفى وتدلّى كيلا

(القِسمةُ ضيزى)

عودي لمتاريسِ سرورِ حَمامِ البابِ العالي تشبيها

ظمآنُكِ مشلولٌ يشكو الحُمّى يشكوها مُرَّ الشكوى

والليلُ يمرُّ عليكِ ثقيلَ سقوفِ الظلِّ الليلي

الوِحدةُ أشواكُ مساميرِالجسدِ المُبتّلِ العاري جُهدا

ميزانُ الشوقِ ثقيلٌ مهموزٌ يهتزُّ

يتمادى أعيا حلَّ العقدَ وأغفى

قالَ سلاما

**

نامي هامَ ونامَ حَمامُ

أعطى قَفَصاً صَدْرا

زَجلاً يتنفسُّ سُمّا .

***

عدنان الظاهر

حزيران 2020

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الكبير
العزيز أبا قرطبة
هذه القصيدة او المقاطع الشعرية الثلاث .وعلى سبيل المزاح لانك تتمسك دائما بثلاث مقاطع , ربما انت من الطائفة المسيحية ارثوذكس ( مع احترامي القدسي لكل الاديان السماوية . ولكن هذه الطائفة الارثوذكسية تتمسك بالثالوث ( الرب والابن وروح القدس / ويمسكون اطراف اصابعهم الثلاثة لصلاة ) المهم القصيدة تحمل عمق ومعنى عميقاً على موجودات الواقع ونزاعاته ومناوشاته . فمثل الحمام المحبوس داخل الاقفاص , مثل همومنا واشجاننا المحبوسة في القفص الصدري . يعني بمعادلة بسيطة يعني ( الكل في الهم سواء ) . في تبدل معايير الزمان والدهر . كنا نتصور في الماضي البسيط على طيبتنا القديمة , بأن من السهولة ان تقول نعم أو لا . الآن في متغيرات مناخات الزمن , اصبح من الصعوبة ان تقول نعم . أو لا , لان لكل منهما ضريبة باهظة الثمن , وليس زمن عفا الله عما سلف . ربما هناك لحظات حميمة مع نعم , أو لا . لكن الآن تغمرنا الاحزان بكل الطرفين , وتحضرني مقولة جبران خليل جبران ( حين يغمرك الحزن , تأمل قلبك من جديد, فسترى أنك في الحقيقة تبكي مما كان يوماً مصدر بهجتك ) لذلك نعيش في زمن ( قسمة ضيزى ) في موجودات الزمن الصعب . الحمام محبوسة في الاقفاص . والافاعي حرة وطليقة تفعل ما ترغب وما تشاء , شئنا أم ابينا , وهذا ما يهيج ثورة الغضب في القفص الصدري , بهيجان الروح بالغضب . واتذكر قول الفيلسوف ارسطو في ثورة الروح ( أولئك الذين هم في ثورة الغضب , يفقدون كل سلطان على انفسهم ) ولكن ماذا نفعل في هياج الهموم والاشجان ؟ سوى ان نردد القول الشعري للشاعر ( ابو فراس الحمداني ) في بداية القصيدة وقد عناها المطرب ناظم الغزالي . لذلك اهدي اليك اغنيته الرائعة ( عيرتني بالشيب وهو وقاري )
مع تحياتي الاخوية من قفص سجن كورونا . لا يمكن ان تخرج إلا بالاجازة من الهاتف النقال , تحدد مكان الخروج والمنطقة التي تروم الخروج لها بدواعي وجيهة .
ودمت بخير وعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية ومساؤكم خير وبركات عزيزي الأستاذ جمعة ....
نعم .... إنها قصة حقيقية في مركزها إمرأة مظلومة من قبل زوجها { الثعبان } وأهل زوجها وأهلها أيضاً .... كلهم فراعنة معها وضدها ظالمة أو مظلومة .... وأنا مراقب مغلوب على أمره لا حولَ لي ولا قوّة . ذكّرتني بأرسطو وكيف ظلم بعض نقاد المتنبي هذا الشاعر حين أساءوا فهم بيته الشعري : وإذا كانت النفوسُ كباراً / تعبتْ في مُرادها الأجسامُ .... قالوا إنه ترجمة لقول أرسطو : إذا زادت الشهوة عن القوة أصابَ الجسدَ الفناء ! عرب وين طنبورة وين ؟ أما الغزالي والشيب فإني أتحمل عاره ولا أصبغه بالحناء والوسماء السوداء .... أبيض بلاتيني من أُمّه وحسب فلسفة المتنبي في قوله [ حُسنُ الحضارةِ مجلوبٌ بتطريةٍ / وفي البداوةِ حُسنٌ غيرِ مجلوبِ ] .... إيه يا عزيزي : أقولُ وقد ناحت ..... حمامة أبي فراس طليقة لكنَّ حمامتنا سجينة ومقيّدة الأرجل والمنقار ومقصوصة القوادم .... لا حركة ولا صوت ولا طيران [ كُرصة خبز لا تكسرين باكة فجل لا تحلين أُكلي لمّا تشبعين ] ... أكيد تعرف هذا المثل العراقي. شكراً عزيزي لا تصبغ شعر رأسك ففيه جمال وجلال وهيبة ......
عدنان

دكتور عدنان الظاهر
This comment was minimized by the moderator on the site

سلام مربع للحاج شيخي العزيز عدنان الظاهر
أَجَارَتَنَا إِنَّ الخُطُوبَ تَنُوبُ
ُوَإِنِّي مُقِيمٌ مَاأَقَامَ عَسِيب
أَجَارَتَنَا إِنَّا غَرِيبَانِ هَاهُنَا
ُوَكُلُّ غَرِيبٍ لِلغَريبِ نَسِيب
فَإِنْ تَصِلِينَا فَالقَرَابَةُ بَيْنَنَا
وَإِنْ تَصْرَمِينَا فَالغَريبُ غَريب
أجَارَتَنَا مَافَاتَ لَيْسَ يَؤؤبُ
ُومَاهُو آتٍ فِي الزَّمَانِ قَريب
ولَيْسَ غَريبًا مَنْ تَنَاءَتْ دِيَارُهُ
ُولَكِنَّ مَنْ وَارَى التُّرَابَ غَريب”
― امرؤ القيس, ديوان امرئ القيس
------------------------------------------------ آه من القفص واسره سواء قفص الحمام او قفص الصدر لكن هنا تذكرت موقف امرؤ القيس ومقارنته بموقف ابي فراس الحمداني ، ولو أن المسافة الزمنية بعيدة بين الشاعرين لكن المكان واحد ، وانا اسأل هنا أي ألم حل بهذين الرجلين حتى عبرا عن غربتهما بهذا الحزن العميق ؟
تحياتي واشواقي اتمنى انك بصحة وسلامة طمني عنك

حمودي الكناني
This comment was minimized by the moderator on the site

مساء الخير عزيزي حاج حمّوي الكِناني أبا علاء .....
آني مرّات زويّن زبيد بخير بس عوزها خام وطعام ..... لديَّ تحفّط كبير جداً على الشعر المنسوب لأمرئِ القيس الذي تفضّلتَ به هنا .... قارن كلمات هذه القصيدة بكلمات قصيدة إمرئ القيس الشهيرة { قفا نبكي ... } ..... شتّان شتّان يا عزيزي ! قصيدة اليوم حديثة بألفاظها وصورها ومجازاتها ليس فيها ما يمتُّ لعصر إمرئ القيس بأي صلة .... أرجو أنْ تقرأ ما قلت في قصيدتي في ردّي على تعليق أخينا استاذ جمعة عبد الله . أرجو أنْ تكونوا على أفضل ما يُرام سلامةً وصحةً وطقوساً وقليلاً من المطر وكثيراً من الكهرباء. سلامي وشوقي .
عدنان

دكتور عدنان الظاهر
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5199 المصادف: 2020-11-29 03:27:43