 نصوص أدبية

الرماد

قصي الشيخ عسكرلم يكن طلب السيدة ليزا غريبا عليّ قط، فهي تعرف علاقتي بزوجها الذي توفي قبل أشهر. كنا صديقين منذ أكثر من ثلاثين عاما نعمل على حاملة الطائرات البريطانية. باترك مهندسا للكهرباء وأنا المهندس الميكانيكي. لقد جبنا بلادا ورأينا ما لم يره أحد مثلنا. وبدا أن هذا التنقل الطويل جعلنا نقترب أكثر وأكثر وتتوطد الصداقة بيننا. باترك أحيل على التقاعد قبلي بسنة، والحق إني شعرت بفراغ هائل بعده حتى أحلت على التقاعد. ومن خلال تلك العلاقة عرفت كم من الودّ تكنّه ليزا لزوجها ويوم نعته كتبت لي رسالة على إيميلي تقول فيها إنها فقدت أعز صديق لها هو باترك وقد عرفت منذ زواجهما الذي حضرته مراسمه في مبنى البلدية قبل ربع قرن أنها كانت مخطوبة قبله لشاب اتفقا على الزواج ويوم الزفاف غاب من غير ما سبب الأمر الذي دفعها إلى أن تنقِع بدلة الزفاف بالبانيو الملئ بسائل أحمر. بدت تلك صدمة لا تقدر أن تتفاداها. هكذا ظنّت لكن ظهور باترك غيّر حياتها رأسا على عقب. اتفقا على الزواج واشترطت عليه أن تُزَفّ إليه من دون بدلة بيضاء أو إن كان ولا بدّ فستختار بدلة زرقاء بلون سماويّ شفاف. لذلك حين اتصلت بي عن طريق الهاتف النقّال ظننت أن هناك أمرا ما يخص ابنتها المتزوّجة أو ابنها الذي يسكن في مدينة أخرى. استقبلتها في منزلي ..

ووقعت تحت تأثيرا المفاجأة.. .

قالت إنها ستذهب مع ابنتها وابنها وصهرها إلى بلاي موث المدينة الساحلية التي اعتادوا أن يسافروا إليها كل صيف.. هناك ستستقلّ زورقا لترمي في البحر ما بقي لها من رماد باترك الذي تضعه في إناء داخل صندوق مخصص لكلب مدلل من كلابها الأربعة، وتود لو أكون معها فأنا أقرب ألأصدقاء إلى زوجها الراحلّ! الواقع إني حضرت مراسم الجنازة في الكنيسة وتحدّثت على خشبة الاستعراض عن صفات صديقي ومغامراتنا في مدن كثيرة رست عند سواحلها الحاملة. ليس هذا فحسب بل حضرت حفلا تأبينيا مهيبا أقامته له البحريّة الملكيّة بعد أسبوع من وفاته. كلّ شئ بدا طبيعيا لي ليزا تزف بالبدلة الزرقاء وتحب الكلاب حدّ الوله إلى درجة أنها وضعت عبوة الرماد في صندوق كلب أما الشئ الذي فاجأني فهو إنها تعرف أني مسلم وكثيرا ما احترمت خصوصيتي وأكدت لي في أثناء حضوري الدعوات أنها ابتاعت لي لحما حلالا وشعرت بالرضا أكثر يوم وجدتهما يتحولان إلى نباتيين، أما الشئ الذي أثار دهشتي فهو الحرق.. آحر مشهد لاح لعيني يوم حضرت مراسم التوديع فوقع بصري على التابوت ينحدر من المسرح حتى تلاشى فأغْلِقت البوابة. مع ذلك وافقت فبدت السعادة على وجه السيدة ليزا التي بدت لحظتها مثل طفلة وجدت لعبتها المفقودة.

وقد فضلت أن أذهب إلى بلاي موث بسيارتي، فلو رافقت ليزا بسيارة الكرفان الكبيرة لكنت أجتمع بكلابها الأربعة المدللة التي وضعت في صندوق أصغرها رماد زوجها. فأنا أساسا لا أحب الكلاب. أقرف منها. تلك عقدة تعود إلى زمن الطفولة يوم ابتاع والدي كلبا شرسا يحمي بستاننا الكبير في قرية الدعيجي. صباح أحد الأيام وجدت الكلب نائما فأحببت أن أرحب به على طرقتي الخاصىة.. صرخت هاي وقفزت فوقة في الوقت نفسه أطلق عواء شرسا ووقعت أسنانه الحادة على وجهي ومازلت على الرغم من كل تلك السنين أحمل أثر نابين قوق حاجبيّ. وأظنّ أنّه لا شئ أزعجني حين وصلت بريطانيا منتصف ستّينيّات القرن الماضي سوى الكلاب. وعدت ليزا أني سألتحق بهم وقت الضحى فنؤدي نشر الرماد على الماء. وأعود في اليوم نفسه مع ذلك فإني لم أحك قصة الأثر على وجهي لأي أحد. ولم تنتبه ليزا أو زوجها لامتعاض يبدو على وجهي حين أزورهم فيقترب مني أحد كلابها بخاصة الكلب الألماني الضخم.

وصلت في الوعد المحدد فوجدت الجميع بانتظاري. صعدنا الزورق الذي انطلق بنا في عرض البحر. أخرجت ليزا حفنة لابنتها وأخرى لصهرها ثم سلمتني حفنة واحتفظت لنفسها ببقية القارورة..

ارتجفت يدي.. .

شعرت بانقباض.

في الهند رميت في الهواء قطعة حلوى إلى قرد فطار إليها في الهواء اختطفها بيد واحتضن بيده الأخرى شجرة عملاقة. دائما أخرج وحدي أو مع باترك أرمي الشص في البحر. أصيد سمكة ثم أعيدها إلى الماء. قال لي ذات يوم لم لا تتزوّج ؟ياسيدي أنا الآن جاوزت الخمسين ولن أجد امرأة تحبني مثلما تحب كلبها ضحكت ليزا. كنت أكرر عبارتها التي تقولها أمامي لزوجها باترك أحبك مثل كلابي أما أنا وإن كنت لم أتزوج فقد حسبت أني ربحت حين لم أعد إلى العراق وإن حزن والدي الذي بعثني لأدرس وأعود أو بكت أمي وهي تعدني من الاحياء الأموات. لا أنكر أنهم أغروني هنا. راتب ومواطنة وبعد حصولي على الدكتوراه عملت مهندسا على متن حاملة الطائرات.

منصب كبير حقا..

لكن خيل إلي ماذا بعد..

أظن أن كل شئ تحول إلى رماد .. مجرّد رماد أقبض عليه بيدي لأنثره على البحر.

هل أتحول إلى رماد؟

تساءلت وأقنعت نفسي أن السنين ستتكفل بفعل تحولي الزمن وحده وليس النار كما فعل صديقي باترك لعلّ جثتي تقاوم سنين وعقودا.. صديقي اختصر الطريق فشطر جسمه شطرين بعض من رماده دُفِنَ في مقبرة المدينة هناك أستطيع أنا وعائلته أن نزوره وقتما نشاء. ننثر فوقه الورد.. نتأمل ثم نغادر فماذا عن البحر؟من حسن الحظ أننا في يوم مشمس ساكن وصوت ليزا يحثنا.. لحظة مهيبة مهابة البحر. ابتسامة على وجه ابنته جينا وغبطة تلوح على شفتي الصهر أما ليزا فرأيت ابتسامتها تشع من خلال حزن شفاف واسع سعة البحر. لم أتردد رحت أنفض مافي يدي وكأنني أنفض نفسي بعد سنوات في قبر ما في مقبرة ما وأنتظره يتحلل بفارغ الصبر، وقد تلاشت آخر ذرّة من يدي في الهواء وغابت عن عينيّ قبل أن تهبط مثل شمس الغروب في البحر.

***

قصة قصيرة

قصي الشيخ عسكر

منتصف ليلة الأربعاء 3-3-2021

 ................................

ملاحظة: كل شخصيّات هذه الرواية حقيقيّة ماعدا شخصيّة الراوي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (23)

This comment was minimized by the moderator on the site

تقصد شخصيات القصة حقيقية و ليس الرواية.
الا اذا كنت تعد لتحويلها لعمل روائي.
ليزا. او إلزا. او اليزابيث. اسم له عدة صيغ لكن بمعنى واحد و هو مشتق من العبرية و يدل على .. الهي رب الوفرة.
القصة ايضا متعددة الوجوه و يمكن قراءتها من عدة زوايا.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي وصديقي الدكتور صالح الزوق
تحية خالصة
السيدة اسمها لوسي والمقروض أن تتوفى هي لا زوجها الذي بعد تقاعده فتح ناديا لتعليم الجودو وهي صديقة تتحدث بصراحة ولا أدري لم غيرت الاسم إلى ليزا أعرف صديقا عربيا يعمل على متن حاملة الطائرات جعلته الراوي وقد وجدت فيما جرى لحضة خصبة لتكون قصة قصيرة
ليست رواية بل قصة وكلمة رواية وردت لان فكري مشغول بالروابة أكثر من لبقصة القصيرة
تحياتي
قصي

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

حياتنا بأكملها " رماد" خلّفه جمر الحلم بغد ربما يكون أفضل،، لكن لا غد مع عتمة
قصة جميلة
طاب نهارك بالخيرات مبدعنا دكتور قصي
اعتزازي واحترامي

ذكرى لعيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

الكبيرة أدبا ونفسا وشعرا ذكرى لعيبي
تحية الشعر والقصص
لكلماتك بوح رائع ياسيدة النقاء والحرف الجميل
تحياتي
قصي عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر والروائي د. قصي عسكر
صباحك ورود ورياحين

قصة جميلة اعتمدت في سردها اسلوبا سأسميه اسلوب "الدوائر المتقاطعة". وهو أسلوب ذكي لسرد الأحداث يعطي الراوي الفرصة للاعتماد على التلقائية والعفوية أو تداعي الأفكار مما يضفي على النص مسحة التدفق الهادئ كنهر في أرض شبه مستوية. في تلك الدوائر يمكن بدء السرد من النهاية ومن ثم الوصول الى البداية ويمكن عكس ذلك.
اما المضمون فعميق جدا وله ابعاد فلسفية تعبر عن القلق والتساؤل حول نهاية ومصير الانسان .
دمت قويا ومبدعا.

حسين فاعور الساعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب القدير حسين فاعور الساعدي
ممتن جدا لكلماتك وتقييمك حول هذه القصة ومجمل أعمالي فشهادة أديب كبير مثلم لي تدفعني لمواصلة العمل أكثر وأكثر
تحياتي
قصي عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز ابو استبرق لك الصحة والعافية الدائمة لنسبح في نسيجكم القصصي والروي الممتع.
لله شؤون في عادات وتقاليد الشعوب.رماد رفيق دربها في صندوق اعز كلابها لنفسها.تحب زوجها مثل كلابها.
افضل من شعارات بالروح بالدم نفديك يا......... وكلهم الكلاب اوفى منهم.
استمتع بسيل قلمكم .المحب زاهر

زاهر الشاهين
This comment was minimized by the moderator on the site

الفنان الأديب الأخ والصديق زاهر الشاهين
أنت أعرف بما يجول في نفسي أيها الحبيب
ممتن لك
أمس خابرتك ولسوء حظي لم أجدك
تحياتي
قصي عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق العزيز الروائي والشاعر والقاص
تحية ومحبة
قصة قصيرة بفنية بارعة الصياغة بتعدد الرؤى فيها وبما تضمنته من تفرعات عزفت على وتر الذات وتداعياتها المنسابة مثل مياه النهر التي تتدفق برفق عبر جداول تذهب هنا وهناك مستحضرا لنا باقات من الذكرى .
أحييك صديقي .

أحمد الحلي
This comment was minimized by the moderator on the site

أحمد الحلي الشاعر البارع والقاص الأنيق
تحية لك بشوق العالم وحبه للسلام والحياة
قصي عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
مدهش في صياغة الواقع الفعلي ومجرياته في قطار العمر وذكرياته , تسوقه بالخيال الفني وتتلاعب في احداثه وشخوصه , التي مرت في شريط ذكريات العمر . وتدخلها في مجهر الفن السرد الحديث بتقنيات معاصرة ومدهشة . كأنها تخرج من هذا المجهر الفني الراقي , كالعروس الزاهية والجميلة , بهذا التشويق العذب والجميل . اقول لك صراحة كأن القصة القصيرة سكرية تذوب في مذاقها الحلو واللذيذ .
ودمت بخير وصحة أخي العزيز والكبير

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ القدير جمعة عبد الله
ماذا أقول بحقك وأنت الناقد الكبير الذي يغوص في عمق الكلمات فيكشف عن مكنونات النص ومعانيه ويبين ضعفه وقوته هذا فضلا عن كونك علما من أعلام الترجمة
ألف سلام ومحبة لك أيها الرائع القدير
قصي عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر والروائي الكبير
الدكتور قصي الشيخ جعفر
قصة جميلة بسرد جميل ممتع ومحكم
وبخيال نفاذ يقتنص الفكرة كصياد ماهر
دام ابداعك اخي قصي .

سالم الياس مدالو
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الكبير سالم الياي مدالو
لك محبتي أيها العزيز
قصي عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

في الهند رميت في الهواء قطعة حلوى إلى قرد فطار إليها في الهواء اختطفها بيد واحتضن بيده الأخرى شجرة عملاقة.

قصي الشيخ عسكر المبدع سرداً وشعرا
ودّاً ودّا

قصص قصي الشيخ عسكر تجعل المتعة الفنية هدفاً لها لا يقل عن المقاصد الأخرى
ولهذا تنجح في اجتذاب القارىء , انها قصص ساحرة تعيد للسرد طبيعته الأولى
تشويقاً وعبرةً بعيدة عن الوعظ والهدفية القسرية .
دمت في صحة وإبداع يا قصي , دمت في أحسن حال

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

المبدع القدير جمال ميطفى
مرحبا وبمرورك أيها الشاعر الذي يسحرنا بإبداعه
قصس عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

المبدع جمال مصطفى
مرحبا بمرورك أيها العزيز
طبت وطاب يومك وشكري لاهتمامك دائما بشوق لك
قصي

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

أتخيل وأنا أقرأ القصة انها حدث واقعي مر بالكاتب بسبب الاسلوب الواقعي والسرد المسترسل القريب من الواقع الحياتي.
في القصة بعض الصور الجميلة التي تصور الحادثة بأسلوب اقرب الى الشعر.
مبدع انت أخي قصي، وشكرا لامتاعنا بهذا الادب الجميل.

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الشاعر الخصيبي الكبير الدكتور عادل الحنظل
تحية المودة والإخلاص
طاب يومك وشكرا لمرورك الكريم أيها العزيز
قصي عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

يا سيدي المبدع الكبير، حين اقرأ لك قصة أجد نفسي مشدوداً حتى النهاية، وهذا يعود الى عنصر الاثارة وهو الاهم في نظري كشرط من شروط القصة الفنية. كما يعود هذا الى اعتمادك اللغة الفنية المستندة الى البساطة والوضوح الممتنعين الا على المقتدرين المتخصصين والعالمين بأصولها وقواعدها ومدياتها الفنية التي تتيح للمبدع والخبير أن يختار منها ما يشد القارئ بحذاقة وحرفية دون الغوص في تعقيداتها المغلقة على ذهن القارئ العام، وبغير الغرق في الوصف المترهل الذي يفقد القصة اثارتها وشدها للمتلقي. وكل هذا لا يتأتى الا لمبدع كبير من مثلائك.
شكراً لهذه الوجبة الرائعة شكلاً ومضموناً

عبد الستار نورعلي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الكبير والأديب القدير عبد الستار نور علي
دائما أفتخر أنكم قدوتنا أنتم الذين سبقتمونا في الإبداع
ألف تحية لك أيها العزيز
قصي عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر والسارد المبدع قصي الشيخ عسكر احلى تحية واطيب سلام.... ان تصفّح (( المثقف )) وورود قصة قصيرة مع اعمال شعرية يجعل بداية النّص تحدياً للمتلقي... البداية هنا زهرة فوّاحة لاتتفادى اريجها الفراشات . الامساك بالقاريء من السطر الاول هو الدليل على شفافية وصدق السرد والاسلوب الجذّاب والسيناريو الممتع... لك الحب والاعجاب الدائم.

احمد فاضل فرهود
This comment was minimized by the moderator on the site

المبدع القدير أحمد فاضل فرهود
مرورك جعلني في غاية السعادة وألف شكر لك أيها الحبيب
قصي عسكر

قصي عسكر
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5294 المصادف: 2021-03-04 00:49:48


Share on Myspace