 نصوص أدبية

حيدر عاشور: مُتْعَةُ الوهمِ

حيدر عاشورطوالَ الليل لم يتركوني أنام. هو يفرغ فيّ كل تعب النهار، والأطفال من حولي نصف يقظين أو يدعون النوم.. أرفع رأسي خِفيةً، أحدق بعينين حذرتين، وقلبي متألم غير دارٍ لتعاسته، منتظرة ساعة انتهاء نشوته المثابرة غير -الشبعية-.. متلهفة، مستلبة الإرادة. أصغي إلى لهاثهِ، لكل قلقه، أشمّ رائحة الخمر.. أعرف أية متعة له، وأنا لا حاجة بي إليها ولكنني لا أرفض طلباً له.

كانت ليلة طويلة، والغرفة ضيقة والجو صقيع، شعر بي لأول مرة.. نظر في وجهي مقطباً غاضباً. وأنا أقول له: سأعلي من شأنك في الحياة، سأخرجك من هذه الغرفة النتنة ، سألبسك وألبس أطفالنا من الماركات ما يحلم بها كبار السياسيين وقادة البلاد. سأحقّق لك ما لم تستطع تحقيقه، سأجلب لك السمك واللحم والمشروب بدل -فلافلك- اليومية. فقط لا تخرج من البيت..!؟، ولا تسألني في أي سوق أتاجر..؟ أو تسألني ماذا صنعت لك..؟. كان باستطاعتي أن أفعل هذا الأمر أو ذاك دون علمك، لكن أنا حبيبتك، أنا لك.. دعني أتاجر بالخبرة بدلا من حكمة الفقر.

كان يسمعني دون أن تتحرك عضلة واحدة في وجهه، وهدوؤه يُرعب روحي، انتظرت عاصفة رجولته طويلاً لكنه غرد: كيف يمكنني التنفس هنا، فالغرفة أشبه بقبر...؟.

هذه الكلمات كانت طير السعد لي، فطرت مع الفجر إلى سماءٍ حمراء أغني بلا أرادة مني، أتوارى في النهار تارة، وفي الظلام تارة أخرى فخبرت علاماته الخفية، منطوية على سرّي كدم الأضاحي حين لا يستطيع ارتفاعاً يظلُ مطروحا عند الأرجل.. اشتهرتُ بفعلي عند ناس، واشتهرت بحزني عند آخرين وانتقلت من حالٍ إلى حال.. ولم ينته طريقي البطولي ولا شيء يوقفني عن جني ثروة تنغنغ بها زوجي وأنا أشعل كل يوم مصابيح العار في بيت هو سيدته وأنا مُسترجلته، يأتي اليّ حالما أناديه. هذا القوي المتين الذي يحمل على ظهره أطنانا من المواد كالحمار ويرجع إلى البيت يأخذ حقه الشرعي مني أكثر من مرة، وأنا جثة جامدة. اليوم أنا سيده، أنهره واشتمه وهو يقول لي: أنا حبيبك الوفي.. ويقبّل تنورتي قبل شفتي. ويهمس لي: زوجتي أنت فنانة عظيمة، لا تطرديني من جسدك.

 ورفع يده التي تحمل تعيينه اليومي من مشروبه الروحي، ومسًّ رأسي مسّاً خفيفاً وهو يحدق بي بعينين ذابلتين على طول جسمي: لا أعبأ بعملك، لا أعبأ بأسرارك. عملي هو تربية الأطفال ومتابعة تنظيف ملابسك وترتيبها وتجهيزها لمشروعك التعبوي من أجل بيتك.. أنك تجهُدين أجهزتك من أجلنا فمن غرفة بائسة إلى شقة فارهة وسط شقق كبار المسؤولين والميسورين، وسمعتنا يحلف بها القاصي وداني..

راقني جداً حديثه، وفرحت وشعرت بسعادة الانتصار؛ فما دام قانعا بأنوثته بهذا المقدار فليبقَ منحنياً على قدمي بهذا الشكل الحلو.. وأنا في كل يوم يمرّ ازداد ثراء، ولكثرة ما جمعت لم أعد أخشى أيا كان.. أصبحت حكومة منفردة في ثراء نفسها، أسكن الأبراج العالية ومنها أرى الفجر الذي طرد منه ولم أعد إليه كما كنت، ولم يندم قلبي لشيء، فقد زرعت لا غير، وزوجي حصد راحته بفقدان ذكورته وسلطانه على جسمي. وبين نفسي أشكره على شجاعته وملازمته لي.. كم من طرقٍ ملتوية عبّر معي، والسنين تمرُّ في هدوء. والريح الهائجة تلفح قلبي فأقع فأصبحت شخصاً آخر يتألم، أطفئ عطشي الجديد بلذة الحب لا بلذة الجسد.. فأنا جسد بلا لذة، أرض تعطي بلا أحساس.. لكن الآن قد مسّ اللهب السماوي قلبي النائم، بعد أن كنت سريراً مشاعاً لكل من يدفع لي. فالصائد مدّ شبكته فصاد طيرة الفجر.

كان لقاؤنا الأولى مخيفاً لي، فهو ضخم وجميل، وما كنت أصدّق إن قلبي سيُفتن بشخص ما، يظل عالقاً بروحي كظلي، يفقدني راحة البال. كل دقيقة كانت معه تنقلني إلى عواصف غبراء تعمي بصري.. سريعاً ما انسى أمسي فقررت الهروب إلى مجهول معه. فقد صاغ الحياة لي بالكلام، وحرث بي متعة ما شعرت بها وأنا انتقل مثل الريشة في غابة الليل. لم أعد أرى شيئاً سوى أن أتخلّص من حياتي الماضية، قلبي بالرغم مني يحثني على  أن أحرق الماضي، أن أقتل المخنّث حين يتلفّظ بالقرب مني.. يطيب لي بعد طيران طويل ومال وفير أن أتنفس الحب، أصغي لقسوة أعنف لجسدي.

وعلى سرير الحب أقترح حبي خطة التخلّص من الماضي بأثر رجعي، أن أعيد زوجي إلى ماضيه، أن أحرمه من جميع اللذات، أعيده إلى أكل – الفلافل-. حتى خرج صوتي وصوته عالياً من نوافذ وأبواب الشقة.. كصرير حفارة العمارات العالية، كالانفجارات المجانية، تهب وتقتل وتهدئ.. ونساء ورجال البيوت المجاورة هبّوا كالريح من الجهات الأربع دخلوا بيننا ليخفّفوا المعارك اليومية، ملّوحين وملّوحات وينقلن عليّ نظرات الاستعطاف وعليه نظرات الاستنكار..

وبهذا الجو المشحون بالجيران، وقف زوجي ليعلن محكمة قاضيها سكان العمارة وهو بقضائهم راضٍ قانع سينفّذ كل ما يطلبونه.. سألوا ماذا مشكلتك مع زوجتك..؟

قال وبكل صراحة وبصوت عالٍ ولم يرفع عينيه وهو يشير بيده إلى مائدة الطعام : هل هذا عشاء من تكون زوجته مومساً من الدرجة الأولى..؟!.

  صحوت على صوت الممرضة وهي تقول أيتها المسترجلة: عشاؤك هذا المساء في المصّحة -فلافل- لم يزركِ هذا الأسبوع أحد...

***

قصة قصيرة

حيدر عاشور

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5445 المصادف: 2021-08-02 05:24:59


Share on Myspace