جمعة عبد اللهصدرت مؤخراً المجموعة الشعرية الاولى لشاعر (امجد حميد لفتة الحريزي) تضمنت العديد من القصائد النثرية، تمثل عنفوان الشباب بخياله اللامحدود وثقافته الواسعة والمدرك آياته لمديات الواقع وعتباته المرئية واللامرئية. يقف في المواجهة الحادة والصريحة، أمام عورات الواقع وعثراته ومطبات، بالمصارحة الحقيقية بعلقم المر، تضع قافيتها على الداء والجرح بما يعانيه منه الوطن. هذه المكاشفة والمحاججة تمثل عينة من الشباب الواعي والناضج والمنتفض على خزعبلات مفردات الواقع المفروض فرضاً، في مجابهة التحديات التي تخنق الوطن، واصبح (حائط انصيص) لكل من هب ودب من الزعانف ذات المخالب الجارحة، وتتباهى بذيولها الطويلة بالخيانة المستعارة، وبذلك تأتي في مضامين القصائد النثرية بالمعنى والرمز البليغ والعميق، بقدر ماهي في حروفها الحادة كالسكاكين الباشطة، لكن في داخلها نتلمس الجرح العميق، انها تنتفض على احساسها المجروح وتتمرد على معاناة العراقي، التي أصبحت معاناة والصراع على الرغيف الخبز، مما خلقت حالة الغربة والاغتراب داخل الوطن، فلابد من المواجهة لوقف هذه تداعيات قبل الانفجار الكبير بالمأساة الكارثية. ومن المؤلم للوطن أن يعيش في خضم نزاعات وخصام عبثي نزق ومتغطرس ومتعالي، ونزوات طائشة تؤدي به الى التيه والمجهول، تكالبت عليه العورات واصبح عارياً تماًما في كل أبجديته وحروفه، قصائد المجموعة الشعرية تحاول ان تجد قافية وحروف بديلة يسميها قافية الرغيف على انقاض القافية البالية التي يتشبث بها أولياء الأمر والسلطة، ومن أجل الخروج من حالة التقوقع والانكسار والهزيمة، الى حالة الحرية والانعتاق في الفضاء الحر، فالشاعر (امجد الحريزي) عاشق الحرية والانعتاق وبما يمتلك من الخلفية الفكرية العميقة في دلالتها وترميزها الدال البليغ، تملك مقومات الإقناع، في محاولة انتشال الوطن من القاع بئر يوسف، وتأتي قصائد المجموعة بصوتها العالي والمدوي بقوة الشباب المتحدي والرافض الاستسلام والهزيمة، ان يصرخ بحروف ابجديته، كأنه ينقش او يحفر في الحجر من اجل استقامة العراق، في خياله الشعري الواسع وارضية أفكاره الناصعة والبليغة التي تقف بجانب الوطن. يحاول أن ينتشل الانسان المظلوم من قاع البئر، ويمنحه رغيف الخبز ويعلمه قافية الوطن، يحاول ان يقشع السحب الغيوم والدخان الكثيف عن سماء الوطن، ليؤكد حضوره في للوطن، لكي يبدد الاحزان، ولكنه يشير بأصابع الاتهام، الى الجناة والقتلة وذيول الخيانة والعمالة المستعارة، والذين يكنزون الذهب والدولار ويحرمون المواطن من حق رغيف الخبز. يحاول أن يبعد البارود والدخان الذي يحجب ضوء الشمس، هذه هي مضامين قصائد المجموعة الشعرية (قافية رغيف):

- تحول المواطن الى مجرد خوذة صالحة لكل المعارك والحروب، حتى التبول فيها بكل غطرسة وانتهاك. يتزاحم عليه البارود بشهية كشهية العاهرة. وسط الصخب والضجيج يضيع صوته في انعدام الفراغ، لكي يبقى طريح المخاوف والقلق، فحين يحاول الهروب داخل نفسه، يصرخون به بكل عنجهية ويقولون له: أنت مجرد خوذة، ويبصقون على أحلامه، بأنه خردة.

تحاول.... الهرب الى داخلك

يصرخون هم...

أخرج.....

تعاود الكرة..

يصرخون..... هم

أخرج

هم ينعمون بكل تلك القصائد

والترافة التي

بنيت

وأنتَ.... كملعون..

ترضى بدور

خوذة....

مجرد خوذة ليس

إلا....

كيف سمح لهم إنليل بالدخول..

خلسة.....

خلسة أليك دخلوا.....

عابرين...

تيهك وكل حروفك

المتحركة

دون أن تبتلعهم لعنات بوحكَ الجائعة

 لشظية عابرة !

تجاوزوا جدرانك الخمس والعشرين...... (من قصيدة / جعجعة)

- في هذا العالم الصاخب في الانتهاك الى حد اللوعة الموجعة. في قيظه الساخن والدائم. والإنسان اعزل لايملك لا يملك شيئاً أو مجرد هو لاشيء اطلاقاً، يجري بين المحطات ويقفز هنا وهناك، وعلامة الرفض تضرب وجهه، في صراعه الحياتي أصبح سلعة حرب ليس إلا، جندياً مرمياً في جبهة الحرب الطويلة. كأنه خلق للحرب والبنادق، ولا يمكن أن يعيش بدون حرب طويلة كأنها اغنية الحياة (احنة مشينة للحرب)، والبندقية والخوذة جاهزة لخوض حرب طويل العناق، هب لنا حرباً، لاننا سلعة لا نصلح إلا للحرب وهو عزاءنا الأخير في أغنيتنا المفضلة . هذا شكل نفاق وتفاهة العصر في تجهيل واللعب بالإنسان،

أن نعري المحطات ليقفز كل هذا الجري

أعتدنا..

الحائط كثيراً

حتى آمنا أن لا خطوة في الظل

ما بالك

والخطوة تنزف السوق الآن

وعلى وقع الصحو

تشتبك

التجاعيد بأعقاب البنادق الاخيرة....

جنودك...

نحن...

هب لنا حرباً

واترك العيون ورشقات الماء على عاتق أمهات الرحيل

هب لنا....

حرباً طويلة البال...

نتوق لها..

حرباً...

طرية العناق

ذخيرتها من العصر وأحاديث الليل

وبندقية.... الجندي

أغنية شعبية مالحة

هاهي خوذتنا

جاهزة

استعارة مفتوحة الجبيب من العزاء الأخير. (من قصيدة / غرين كوفي)

- الام ايقونة العائلة المقدسة بالكدح والجهد والتعب، لا تستريح إلا توفير رغيف الخبز من التنور توفرها للأفواه العشرة، وتلقن دروس الخير والنعمة بضوئها الرباني بالعطاء، لا ترتاح إلا عندما تطل البسمة من الشفاه، هي ايقونة الحب والحنان الدفئ، بقلبها الكبير الزاخر بالعطاء والتواضع، والابتهال الى الله، ان يكونوا فلذات كبدها سنابل الطريق بالخير والعطاء. من قصب انكيدو الأخير، يرد كولدٍ صالح، يتعلم من نضج تنور الام.

أمي....

تصفع الرغيفَ برجال عشرة....

 تُلقنَهُ درسَ التشبثِ ونحنُ

لا أسماء قدسية إلا أيقونتها الدافئة:

كفاها...

فوهة تنورها....

تنضجنا

قمحاً..... قطنا...

أو قوسَ قزحٍ على شقة جامعٍ مكتظ با لله....

تقول أمي.......

لا ينضج الرغيف

حتى

يتعلمَ نظمَ الفقاعة الأولى....!

 

واذكرُ الطين حين يردُّ

كأحدنا.....

نحن سنابلُ الطريق الطويلة من عيونِ الانتظارْ

نحنُ قصب أنكيدو الأخير..

يردُ كولدٍ صالح:

بعض النار يا أماه....

ويَسدُلُ النضج على ليلِ رغيف.... !

أمي.... (من قصيدة / أمي.....)

- مسكينة هذه الجدران نكتب عليها بحروف من حجر. ننقش عليها أسم العراق لكنه يتصبب عرقاً ومعاناة هذه واقع الحال المتخشب في رمال المعاناة الوقحة، كيف تشطب اسمه من قائمة ذيول في خيانتهم المستعارة. يا وقاحة هؤلاء الرجال ويا عار ذيولهم، لا يخشوا من عاقبة السماء والدين. ويحاولون نزع أن قافية العراق وهو يقاوم ويستقيم، يريدون العراق قافية جائعة هاربة من حروفها، هذه أصل وقاحة الاوغاد الذين باعوا ارواحهم للشيطان، ليكون العراق تنور دخان بدون خبز، ينطقون بالعجمية الكتب السماوية بالخبز والفيء يعلمونا في درس التعليم ويكتبون درس الجوع، لكي تتمرن على الجوع والبطون الفارغة أو الافواه الفاغرة.

يا لهذهِ الجدرانُ المسكينة...

العراق يتصبب منها..

حجراً... حجراً...

استقامة.... استقامة..

تذوي المدينة..... !

يا لهذهِ الرجال الوقحة...

ألا تداس بعُري الريح...... ؟!

 ألا تخشى السماء باضطجاعها في حضن كُلّ بللْ

 

يالهذهِ المدينة.....

كطينة فائضةٍ في تجويف قرية

مرشوقة ً.... كقاطنيها

دون وجه......

دون قفى....

الاروقة في قعر السيد اليتيم...

فتحها نمل جاء بالصدفة ايضاً....

عامةُ الناس:

تنطقُ بعجمةِ كتابٍ سماوي فصيح بالخبز والفيء

الرغيف لغتهم....

يتقنون من سبورة درس الجوع

نطق بعض الفتاتِ

أسماؤهم..... أفواه فاغرةُ القافيةِ. (من قصيدة / قافية الرغيف)

 

- عنوان الكتاب: قافية رغيف

- المؤلف: أمجد حميد لفتة الحريزي

- الطبعة: الاولى عام 2021

- الناشر: مطبعة النبراس / النجف الاشرف

- تصميم الغلاف: مهند الحريزي

- عدد الصفحات: 125 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

 

حيدر عبدالرضادراسة في الأعمال الشعرية الكاملة لحسين عبد اللطيف

الفصل الأول ـ المبحث (2)

توطئة:

لعل ملكة الذوق الفني لدى الناقد هي من مشروطيات العلاقة المماثلة التي يتم من خلالها استشعارية خاصة عند الناقد لذلك النص بأدوات مؤولة من شأنها فهم و افهام أوضاع ووضعيات خلفية النص، كوحدة متصورة ومحتملة في إمكانية القراءة التأويلية المتاحة ضمن ميول القراءة الخاصة للناقد، وعلى هذا النحو سوف نتعامل مع عوالم دلالات الشاعر الكبير حسين عبد اللطيف، ضمن منظورية تطبيقية لأهم ما جاءت به موجهات نصوصه الشعرية من أشارات وإحالات وإيحاءات خفية وظاهرة، وبهذا الصدد سوف نتعامل مع بعض قصائد مجموعة (على الطرقات أرقب المارة) من ناحية أداة (شعرية التشكيل) وكيفية صياغة الشاعر من جهة ما للمتن الدوالي في بنيات متعدية زمكانيا وحلميا في حيز مخصوص من المواضعة والمشاكلة وعلاقات التنصيص المتفاعل وحدود ذائقة التلقي والقراءة .

ـ العلامة الشعرية وإمكانية تحقق المعادلة الزمنية

غالبا ما نواجه في نصوص الشاعر حسين عبد اللطيف ثمة نماذج متعددة من مغزى العلامة الشعرية المنفتحة نحو أوجه التبادل بين كفة البقاء داخل الانغلاق النصي والخروج بالدلالة الشعرية بطريقة ذات ارتباط بآفاق علائقية ـ توليدية، وعلى مساحة بين المجسد الملفوظي والفضاء الدوالي، وهذا الأمر ما جعل القصيدة تبدو وكأنها واقعة إمكانية متصلة بين(مؤول الدليل) وتمظهرات الفاعل الدوالي المقرون بدينامية سياق التشكيل من واصلة رؤية النص:

أعلنتِ العاشرة

والنصفَ، ليلاً، دقّة الساعة

نافذة الشارع

مطبقة الأهداب ./ص17 قصيدة: نافذة

على وفق هذه الرؤية المبثوثة في محاور الدوال الزمكانية تواجهنا تضاريس مرحلة تشكيلية خاصة تستوعب مجمل مؤشرات زمنية محددة، بمعنى ما أن الممارسة التوثيقية للزمن هنا (أعلنت العاشرة) ثم تليها جملة (والنصف ـ ليلا دقة الساعة) أن عملية تأجيل إيراد دال (الساعة) في النصف الأخير من الجملة، علامة على أن حالة الاعلان الزمني حلت في حدود صفة إخراجية متشكلة ضمن محصلات لغة الزمن وهوية الأشياء الموصوفة، ولأجل أن تستعيد علامة الزمن شكلها الخبروي، أعلن الشاعر عن اشارته للساعة كجزءا في دليل الصياغة الانشائية في الجملة القصدية، وهذا ما جعل العلاقة مع حيز المكان مؤشرا في سياق سكوني من التوزيع والمحاورة (نافذة الشارع ـ مطبقة الأهداب) من هنا يترتب على الحيز التشكيلي فسحة ما من التأطير والاستيعاب السياقي، فمحددات الزمن قياسيا بواحدات المكان حلت في مجليات مشكلة تحكمها دال (نافذة) ودال (الساعة) كحالة مزامنة في علاقة خاصة من مرونة التشكيل المرتبط ارتباطا وثيقا بحالات الذات الساردة في ممكنات النص:

... تبكي نجمةً ساهرة

والريح في الساحة

هائمة،جائرة

ترتجف الأغصان

وفي سكون الليل تعوي الكلاب

فتوقظ الساحة

شيئاً..

فشيئاً.. / ص7   قصيدة: نافذة

1ـ سلطة سردنة الشعر في الوظيفة الإحالية للدال:

أن محمول المعنى القصدي في مساحة المقاطع من القصيدة، يقودنا نحو دلالة وصفية ـ سردية، من شأنها فرض صياغة حكواتية في جمل الدوال، ولهذا الأمر وجدنا دال (النافذة) بمثابة المعنى الضمني الذي يقودنا نحو قيمة فضائية من دلالة الموصوف (تبكي نجمة ساهرة ـ الريح في الساحة ـ هائمة، حائرة ) إن التشكيل الصوري في محمول الدوال، لغة وإيقاع وبناء، يذكرنا بوظائف قصة (النافذة و الساحة) لمحمد خضي، لولا حجم الاختلاف في المستوى النوعي ما بين حساسية الشكل الدلالي المنصوص في المبنى والمتن  والعلاقة الاجناسية ـ النوعية، ولكننا في مؤثثات القصيدة، لاحظنا حساسية الشكل والموضوعة الشعرية، التي تصاحب ملفوظاتها مثيرات استعارية وليس كنائية، في تدبر المتاح من النوع النصي، على أية حال، تبقى سيميائية النوع الاسلوبي في قصيدة عبد اللطيف، كقيمة استبدالية تتجاوز اللعب مع وحدات المكان، وحساسيته، اقترانا لها بجملة الحاصل التنقيطي في أول الجملة ثم ابتداء بالصورة الشعرية (تبكي نجمة ساهرة) ففي هذه الجملة ثمة علاقة تشكيلية مفتوحة ومزامنة مع حساسية الزمن والمكان والذات، ما جعل من بنية فاعل الحضور الوصفي للحال يتلبس لبوسا طاغ من مؤسسات رؤية المكان (الريح في الساحة..هائمة،حائرة) الفاعل الشهودي هنا هو الدليل على ذاكرة المكان بالزمن، أي إنه وبلا شك الجدل الفراغي المجيب في رحم الغياب المقصدي، لذا فإن عتبة مركز العنونة (النافذة) هي موصل وواصل الرؤية نحو شاهدية الزمن والمكان، فضلا عن تجليات الذات الساردة التي ظلت في حدود الصيغة المراقبة والحكاية في مؤولات التشكيل استهلالا واشتغالا في مضاعفات فضاء التفاصيل المروية (ترتجف الأغصان.. وفي سكون الليل تعوي الكلاب.. فتوقض الساحة.. شيئا.. فشيئا) تشتغل موجودات المساحة المكانية مجددا في اطلالتها التشكيلية من عمق ملفوظات الراوي الشعري، تمظهرا سكونيا مباشرا (ترتجف..سكون.. الليل.. الساحة.. شيئا.. فشيئا) وبكل ما تنطوي عليه من حركية مشحونة في مسار الغموض والاغتراب والسكينة اللافحة، فيما تبرز دلالة(الأغصان ـ الكلاب) كمؤشرات مكانية متعاضدة في فعالية المنتج التشكيلي المنصوص في إطار المد المكاني والأحوالي في خطاب النص.

 

2ـ الذات الديناميكية في محذوف التشخيص التنقيطي:

إن آلية التشخيص في محاور الجمل الأخيرة من القصيدة، تتضح من خلالها آلية الفاعل المجسد بأستنطاق الوحدات المادية والمعنوية من مسافة صوته الأنوي تحولا نحو مستوى الداخلي إلى مستوى الخارجي، وعلى وفق منظومة غيابية تحكمها أداة التنقيط و مؤثرات المحذوف من المكون التشكيلي بالحركة العدمية الناتجة من علاقة مؤولات النص:

أفتح الأجفان

لم ألمح البستان

لم ألمح الحارس والسكران

لم ألمح الفضة في الألوان

...

...

...

لمحتُ نفسي آخر الساحة ./ ص18    قصيدة: نافذة

العلامة الختامية في مسافة النص، تمنحنا محسوسا ما في حادثة علاقة محفوفة بمحورية الزمن والمكان وجمالية مؤثرات ضمنية حاصلة من آلية (النص المضمر) أو هو ذلك الصوت المفترض تماثلا مع واحدية مرثية الأنا عبر خلاصات زمنها الاستجابي الكامن في محموله العزلوي الخاص وطقوسه المجردة في أشد اللقطات عدمية ومحذوفية من أحياز وفضاء حضورها المختزل في دلالات متعدية، أخذت تتجسد منها في ذاتها حلما حسيا بالغياب وظلال الأمكنة المصاغة في الاستجابة المتخيلة تجاوزا وتعديا نحو آفاق مضخمة في اللاشعور الأحوالي .

ـ في التشكيل والتصوير وحجب التدليل

ليس هناك قصيدة شعرية مثيرة ومعمقة لا تنطوي على مساحة كثيفة من الحزن والأحزان، خاصة أن موضوعة الشجن في جغرافيا الشعرية العراقية ممتدة في جذورها منذ بدر شاكر السياب وحتى محمود البريكان وحسين عبد اللطيف، أجل نقول أن مكانة الحزن والغياب والاغتراب في مشروع قصيدة حسين عبد اللطيف، ذات آليات ومؤثرات هي من العمق والسعة ما لا يمكن لنا الإحاطة بدلالاتها التقانية الشيفرية حصرا، لذا وجدنا قصيدة (في العذابات يهرم الشجر) خير ميثاق على تجليات أقصى منازل الشجن لدى هذا الشاعر الفذ، وقد غالت لديه عواطف الشجن الشعري مكانا يصعب النزول منه، فهي تعليقات استثنائية في أفق المتاح والممكن من رؤى جمالية مأخوذة بفاعلية شعرنة الحزن بحساسية فنية، تجعل من عملية الدال المحور ظهورا ذو قيمة وحيوية في سياق مخصوص من حالات التبنين والتمظهر في محاور دوالية مثيرة في التحقق العلاماتي:

هل يجيء المطر،

دورةً

دورةً

وهو في غرف العاشقات

يرقب الدورة الضائعة

ياعذابي الذي يستطيل

يا عذابي الذي يستحيل ./ ص15 قصيدة: في العذابات يهرم الشجر

1ـ آفاق القراءة وسياق مقصدية التأويل:

في ضوء معطيات قصيدة (في العذابات يهرم الشجر) ثمة معادلة مؤولة من قبل رؤية تشكيلية ما، يكون مبعثها متعلقا بإمكانية السياق الشعري المرجعي المحدد في رمزية دال (المطر) والحالة الدوالية سابقا لدى السياب في رائعته أنشودة المطر، والآن تواجهنا لدى حسين عبد اللطيف، في حدود اختلافية ما في جملة ممكنات المسمى ووظيفة الرمز والمرموز. فالشاعر استخدم دلالة المطر في آفاق نصه، بطريقة يريد من خلالها المعاينة القصدية المنفردة بما يحمله واقع المطر من دلالات عزلوية وغيابية في حال خروج الأشياء عن وظائفها المحددة، على العكس تماما مما يحمله المطر من الخصب والنعيم في هطوله على الأرض، وبما أن عتبة العنوان الشعري للنص حمالا لأوجه مؤولة في مزايا عكسية ومغايرة، تحتل لذاتها ابعادا ظرفية خاصة بالشاعر، فإننا سوف نتعامل مع النص هنا من ناحية كونه جملة احتمالات وتصورات وتخمينات من جهتنا لا من جهة الشاعر وقصيدته. قلنا أن جملة العنوان هي (في العذابات يهرم الشجر) تشكل بذاتها مقصودا مستعارا راح يتفاعل وهوية الاهمال والهرم والزوال والتهميش، ومن خلال هذه المراتب تتبين لنا توصلات قراءة المتن الأول للقصيدة، بأن جملة التوقع (هل يجيء المطر) اللاستفهامية، تؤشر لنا الحالة المشتركة ما بين (الترقب = البحث) امتدادا نحو اللازمة التكرارية (دورة..دورة) وإذا انتقلنا من جهتنا إلى التحليل النوعي لجملة (هو في غرف العاشقات) لربما قد لا تتضح لنا سوى أداة مونتاجية مقطعة نستشف من خلالها ما يحل ما بينها وبين المعنى الشعري، سوى أحساسنا بأن جملة اللاحق (يرقب الدورة الضائعة)قد تكرس ذاتها في دلالة ضياع العمر أو هدر الزمن في غرف العاشقات، بما يقارب معنى الحالمات بلا جدوى ما، وعلى هذا النحو تأتي جملة (يا عذابي الذي يستطيل) لنجد مدى مؤثرات لغة الواصف في الموصوف، الذي أتاح الضياع العمري له كصورة شبيهة بسقوط دورات المطر الذاتي وليس الاعتباري، فهو بمثابة تبديد للأعوام العمرية في محطات من (ياعذابي الذي يستحيل) وهنا نجد بأن صور الشاعر العمرية ذات دلالات معادلة اقترانا برمزية المساءلة الذاتية (هل يجيء المطر) وتصبح هذه الجملة في محصلتها كحالة انفعالية أخذت تتضمنها رؤية الشاعر الاسرافية في صياغة الحزن و الألم:

قد يجيء الندم

لزيارتنا، عادةً،في الأخير

من هنا أو هناك

نفتح الباب والنافذات

فيحل الغياب الطويل. / ص15 قصيدة: في العذابات يهرم الشجر

بعد أن تبلغ الجمل الشعرية مبلغها في إثارة ما يقارب ثنائية (الحياة ـ الموت) نتبين بأن حالات النص كانت محملة ببرقيات مخالفة لما قلناه حول الجمل في القسم الأول من النص، كي تتوضح لنا صورة المطر بمعنى مرمز (الموت) الذي يصادر بعدد دوراته (غرف العاشقات) وقد يكون المقصود هنا غرف الأثم والمحرمات إذ يختطفهن الموت وهن في المحارم ملوثات، إما حين (يجيء الندم) ضمن حدود معالجة تطهيرية ما فسيغدوا (ينفتح الباب والنافذات .. فيحل الغياب الطويل) وعلى هنا النحو يتداخل المعطي الداخلي للموت بأعلى هيئاته الاستفهامية ـ مكونا في مظاهر المساءلة أشد محتملات العزلة والفقدان للأشياء:

وحدك، الآن، أين المطر؟

وحدك، الآن، مثل الشجر

يابساً والنساء اللواتي معاً، ذاهبات

وحدكَ الآن، لادورة في مطاف الطيور

أو مطاف الغرف

دورة

دورة

هل يجيء المطر؟

الأسئلة الشعرية هنا لا تستهدف حصولا على إجابة معرفية أو صوفية ما، بقدر كشفها للمتبقي من زمن دواخل أداة الاستفهام الذاتية، بل إنها أشد عمقا من غموضها إلتباسا، هنا الشاعر يعاين سفر مراحل الموت بدال (المطر) ويستظهر من خلال دلالة (مطاف الغرف) تحقيقا بالأشارة حول المنازل في دار الدنيا، كذلك يقصد بدلالة (لا دورة في مطاف الطيور) أي إلى الاندراج في نهاية الأشياء، فلا مفرا من الموت في مشاهد القيامة الكبرى، حيث الأشياء هنا وهناك، سوى (دورة..دورة) وبهذا التركيز في مستوى اللازمة المقطعية، تنكشف لنا ختاما صرخة الشاعر الاستفهامية،وكأنها تواصل بحثها في ملاذاتها الأخيرة من مواطن الموت المؤجل عنه (هل يجيء المطر؟).

ـ تعليق القراءة:

في ختام حلقة مباحثنا في هذا الموضوع من دراستنا، أتذكر مقولة جميلة قالها المفكر البولندي رومان انجاردن يقول فيها: (إن النص الأدبي يقوم على أفعال قصدية من قبل مؤلفه، تجعل من الممكن للقارىء أن يعايشه بوعيه كقارىء، وتعني المعايشة نوعا من التداخل، عبر التجربة القرائية، بين المؤلف و القارىء، ذلك أن النص لا يجيء كاملا من مؤلفه، لأنه مشروع دلالي وجمالي، لا يكتمل إلا بالقراءة الواعية التي تملأ ما في النص من فراغات. / هربرت شبغلر ـ الحركة الظاهراتية ـ لاهاي 1965) وعلى هذا النحو يحق لنا القول بأن الكتابة الشعرية لدى الشاعر الكبير الأستاذ حسين عبد اللطيف، تستدعي في مخزونها الدلالي قراءة نقدية واثقة، من شأنها تأويل أحوال الأبعاد النواتية في وظائف الدوال، طلبا بمعطيات جادة وجديدة من مقاصد إمكانية الوصول النقدية نحو دلائل عديدة من احتمالات القراءة، وأن لم يوفق الناقد في الوصول إلى مقاربة المعنى في قصيدة الشاعر، فحتما سوف يوفق في تقديم بدائله النقدية المؤولة والموصولة بأسمى أوجه تعدد القراءة والقراءات المتاحة في سياق تجربة هذا الشاعر العراقي الثمين.

 

حيدر عبد الرضا

 

جبار ماجد البهادليدِراسةٌ نقديَّةٌ في مَجموعةِ (بِئْرُ بَرَهُوْت) لجَابِر مُحمَّد جَابِر

مَدخلٌ إلى النَّصِّ القَصصِي

إنَّ من يُريد أنْ يُلقي بنفسه في غَياهبِ النَّصِّ القَصصي، مُحاولاً بجديَّةٍ رغبةَ النظرِ الدقيقِ، والمُعاينةَ النقديةَ الكاشفةَ لفكِّ شفراتِ غَيابةِ الجُبِّ العميقةِ السَّوداءِ في (بِئرِ بَرَهُوت)، لمَا غابَ عن نظرة (العَينِ الثَّالثةِ) وَعياً وفَكراً، وخَفِيَ بَصَرَاً ورؤيةً عن أَعيُنِ المُتلقِّي الواعي الحصيفِ فَهماً وإدراكاً من أنساقٍ ومَصادرَ خَفيَّةٍ مُضمِرةٍ، وتَمظهرَاتٍ ثَقافيَّةٍ مُتجلِّيةٍ بَارزةٍ تُهيمنُ على آفاقٍ ومِسَاحاتٍ واسعةٍ من أقانيم الفضاء القَصصي، سيلفتْ نظره ذلكَ العرضُ التركيبيُ الصغيرُ ببنيته اللُّغوية، والمُحتشد نوعاً بسعته الدلالية، والمُتجَلِّي بِأَيقونة عتبتهِ الجزئية (بِئْرِ بَرَهُوت) في قوَّة انتمائه الفرعي، وشدَّةِ تماسكه اللُّغوي المُوضوعي التوحُّدي، ومطابقته (الثِيمِيةِ) لوحدة الكُلِّ الموضوعية. أيْ من بابِ تقديم الجزء الرمزي اللَّافت إضاءةً بِوقَعِهِ الحَدَثِي على ظلال الكلِّ العضوي الشُّمولي. وسَيكتشفُ أيضاً عبر أثير مجسَّاتهِ النصيَّة، ومن خلال نسيجه السَّردي الرُّوحي أنَّ خيوط هذا الكُلِّ الجَمعي، ما هيَ إلَّا موحياتٌ خطابيةٌ نثريةٌ مترابطةُ البُنى لتمظهراتٍ ثقافيةٍ قِصصيةٍ عديدةِ الرؤى، تُمسكُها بِتَحَكُّمٍ واتقانٍ مَكِينٍ تعبيريةٌ فنيَّةٌ لِساردٍ عَلِيمٍ بَأدواته الفنيَّة أحكمَ تَقنيةَ السَّطيرةِ الفكريَّةِ والإبداعية على تلابيب أَذيالِ خُيُوطِ ثَوبِها الواحد،؛ لتكونَ رَافداً فنيَّاً مُغذِّياً لوجهٍ متعدِّدٍ واحدٍ في الشَّكل والمَضمون، وأُسلوبيَّةِ إِيقاعِ الأداء الحَركي (الصوتي والمرئي) .

مَا يُضِيءُ مِن عَتبَاتِ النَّصِّ:

النَّصُّ أيَّاً كان جنسهُ الأدبي شعِريَّاً أم نثريَّاً يُعدُّ خطاباً إبداعياً موجَّهاً، ورسالةً موضوعيةً لوعي القارئ، فهذا النَّصُّ له عتباتهُ الفنيَّةُ واشتراطاتهُ الجماليةُ القارَّةُ التي من خلالها نقرأ عتبات النَّصَّ، ونفهم القصدية الجمالية من وراء تلك العتبات.

جَمالِيَةُ لَوحَةِ الغِلَافِ الأوَّلِ

تِلكَ هيَ إضاءاتُ صُوتِ الحقيقةِ المغيَّبة ِالمنشودة في أُسلوبيَّة الكاتب والقاصِّ جَابِر مُحمَّد جَابِر، وتِلكَ هيَ تباشيرُ صور رؤيته الفكرية والفلسفية المُتوهِّجة فنياً، لرحلته السردية في مجموعته القصيرة جِدَّاً (بِئْرُ بَرَهُوت)، الصادرة بطبعتها الأولى عن دار بعل بدمشق_سوريا عام 2021م، بـ (95) صفحةً من القطع المُتوسِّط. والمُصمَّمة إخراجياً وفنيَّاً بلوحةِ غلافٍ أولي رئيس انتصف إلى نصفين متساويين، فضمَّ النصف السفلي منه عتبةَ النَّصِّ العُنوانيةَ الرئيسةَ مُوسومةً بخطٍّ واضحٍ باسم مؤلِّفها الكاتب، وملونةً بلونٍ أزرق غامق للدلالة على ديمومة الحياة. أمَّا النصف الثَّاني، فقد جاء على شكل لوحةٍ رمزية باللَّون التُّرابي والحِبري الممزوج بالسَّواد لِيدٍ مَمدودةٍ مَفتوحةِ الأصابعِ من باطنِ الكَفِّ، وفي داخلها رَسْمٌ مُصغَّرٌ لِسفينةٍ مُبحرة بشراعٍ تَجري صَوبَ فَنَارٍ ضوئيٍ وُضِعَ على أطراف باطن الكفِّ، وفوق هذا الفَنار تُحلِّقُ في السماء مجموعةٌ من النَّوارسِ الصغيرة. وكأنَّ النَّسقَ الرَّمزي (البَرَهُوتي) المُضمر لِلِسان حال جَابر مُحمَّد جَابر يَنطق بالإغاثة الحاليةِ، فِيستدعِي النَّجدةَ، ويطلب يدَّ الانقاذ الفوري لسفينته التي كادت أنْ تغرقَ جراءَ ذلكَ الواقع البِئري المُظلمِ المُعاش، ودون تحقيقٍ لِحُلمهِ في الوصول إلى ضفاف مرافئ الأمل والسلام. أمَّا لوحةُ الغلافِ الثانيةِ التي جاءت بلونين فقد ضمَّنها الكاتب توصيفاً نقدياً لأراء أربعةٍ من النُقَّاد العراقيين المَحليينَ بهذه المجوعة، فضلاً عن تثبيت عنوان عتبة المجموعة القصصية، واسم مؤلِّفها القاص جَابر مُحمَّد جَابر مَشفوعةً بصورته الشخصية التأمليَّة، فضلاً عن شعار دار بعل للنشر.

جَمالياتُ عَتَباتِ النَّصِّ الفَرعيَّةِ

ومنْ يُجيلُ التأمُّلَ والاستقصاءَ الفكري في جمالية (بِئْرِ بَرَهُوت)، ويجوسُ خلاله ديار تلك العتبة الرئيسة الموازية لمَتنِ النَّصِّ، والكاشفة لأضوائه الداخلية، وأسراره الخفيَّة بشكلٍ مُباشرٍ أو غيرِ مُباشرٍ، سَيقرأُ حَتمَاً ذلكَ الكمُ العَددٍي الهائل من العنواناتِ القِصصية الفرعية المتعدِّدة بموضوعاتها الثَّريَّةِ التي احتوتها المجموعة، والبالغة كمَّاً (سِتَّاً وسِتينَ) قِصةً قَصيرةً جِدَّاً، كلُّ قصةٍ لها وقعُ تَفَرُدِّها الموضوعي الحكائي، وجوِّ سياقها النَّسقي الجمالي والنفسي الدالة على واقعةِ الحَدَث المكانية والزمانبة. فَمِنْ بينَ هذه العنوانات الفرعية المُكتَنَزَة بصياغاتها التعبيرية يبرزُ إلى سطح الأفق القصصي السَّردي واحد وعشرون عنواناً فنيَّاً مائزاً بانزياحاته المخيالية الصورية والجمالية التي تكسرُ توقُّعَ المألوف من المعتاد الاعتباري للواقع السردي، وتُدهشُ واعيةَ المُتلقِّي برمزيتها الانحرافية النسقية الماتعة. في حين في الجانب الآخر الأكثر تُعطيكَ صورُ الخمسِ والأربعينَ من العنوانات الفرعية الأخرى المتبقية انطباعاً قصدياً واضحاً عن دلالاتها التقريرية المباشرةِ المُعبِّرةِ عن الواقع السائد الراهن الذي لا يَحتمل فيه العُنوان وفقَاً لِرؤيةَ القاصِّ ترميزاً فنيَّاً مخياليَّاً بعيداً عن واقعة الحدث الموضوعية. وقد يكون ذلك فِعْلَاً قَصدِيَّاً مُمنهجاً من قبل الكاتب، أو العكس من ذلك الفعل كأنْ تكون فرضته واقعة الأمر، فلم يتمكَّن القاصُّ من أنْ يتجاوزه، فيَبقى العُنوان على هيأة شكله االمباشر كقصَّةِ، (نَجمةٌ، السَّهمُ الطَّائشُ، قِصصٌ فَاضحةٌ..) وغيرها.

وَحِينَ نَستَغورُ بِعُمقٍ بطونَ هذه العنواناتِ، ونستكشفُ تَمثُّلاتِ مُتونِها الرساليةِ، يظهر من خلال هذه النصوص القصيرة أنَّ وعيَ القَاصِ جَابِر مُحمَّد جَابِر ورؤيته الفكريَّة لم تَقِفَا عند حَدٍّ موضوعيٍ مُعيَّنٍ من حدود التعامل مع شخصيات هذه النُّصوصِ وأبطالها الحقيقيين في نقل معاناتهم النفسية وصور همومهم الذاتية التي هيَ معاناته الحقيقية، بل تتنوَّع صور تلك المعاناة والأحداث صُعوداً وهُبوطاً مع مؤشِّرات واقعةِ الحَدثِ، حتَّى تَصلَ ذِروتُها القُصوى في الجانب (الإنساني) الكبير، فتبلغ (25) قِصةً، وبنسبةٍ مئويّةٍ تصل إلى (37%)، ويتداخل الجانب الجمعي مع الجانب الموضوعي (الذاتي)،فيصل فيه القصُّ إلى (17) قِصةً، وبنسبةٍ مئويَّةً بلغت (25%) .ثُمَّ يتبعها الجانب (الاجتماعي) للواقع الحياتي المؤثِّر حتَّى يصل فيه التوظيف القصصي إلى (11) قِصةً، وبنسبةٍ مِئويةٍ تَصل إلى (16%)، ثُمَّ يَظهر بعدَ ذلكَ الجانب (الوطني الآيديولوجي) للواقع السِّياسي، فَيجِسُّه القاصُّ بـ (8) قِصصٍ قَصيرةٍ مُتنوعَةٍ، وبنِسبةٍ مِئويَّةٍ بلغت (12%)، ويختتمُ هذه الجوانب الخمسة بالجانب النسقي (الفكري الجَمالي والرُّوحي) الذي يُضفِي على عناصر هذه المجموعة روحاً فلسفيةً خاصةً به بـ (5) قِصصٍ قَصيرةٍ، وبِنسبةٍ مِئويَّةٍ بَسيطةٍ بلغت (7%) من أصل نسب قصص هذه المجموعة التي تصل (100%) . 

ولَعلَّ هذا الكشف الإحصائي لبنيته السَّردية القصصية يَشي بُوضوحٍ تامٍ بأنَّ الكاتب والقاصَّ الرائي جَابر مُحمَّد جَابر يسعى بمثابرةٍ إبداعيةٍ جَادَّةٍ، وَمَهارةٍ قِصصيةٍ واعيةٍ إلى أنْ يكون خطابه القصصي السَّردي في فنيته التعبيريَّة خِطاباً متوهجَاً جامعاً في وحداته الموضوعية خَمساً من الرؤى العضوية، والأنساق الثقافية المتجدِّدة، فترى المهيمناتِ: (الإنسانيةُ، والذاتيةُ، والاجتماعيةُ، والوطنيةُ، والفكريَّةُ) مُوحَّدةً في مَصفوفةٍ سَرديَّةٍ مَاتعةٍ فيها كما في آليات العمل الرُّوائي السَّردي من المفارقات الحدثية المُدهشة، والتّقاطُعات النفسيَّة المُذهلة الَّتي تُلقي بسحر ظِلالِها الوارف، وتأثيرها النفسي والفكري على عقلية القارئ،فتجذبُهُ إليها من خلال إثراء النَّصِّ القصصي وتدفقه بجماليات تنوِّع الأسلوب اللُّغوي،وتحريكِ صُورهِ السَّاكنةِ، وأَنسنةِ موضوعاتهَ الحياتيةَ الثابتةِ، "كانَ سَهماً طائِشاً، مَعَ هذا أصابَ ظَنِّي، وَجَرَحَ خَاطري، وَأَوجَعَ نَسيانِي، لمْ يَعٌدْ مَرفأُ الصَّبرِ مَلاذِي، أو حَتَّى قَريباً مِنِّي، وَمِياهُ دجلة لا تستطيعُ أنْ تُطفئَ حَرائقَ وِجدَانَي" (السهمُ الطائشُ، ص 9)، فتحريكُ الثابت، وتغيير المتحوِّل سردياً إلى ثابتٍ مُتجدِّدٍ يُعدُّ عناصرَ أسُلوبيَّةً فَنيَّةً حدَاثويةً مهمَّةً في كسر الأنساق الرتيبة التالفة؛ كونها بدائل ثقافيةً تُجدِّدُ في فلسفة الفكر السَّردي القِصصي للكاتب، وتمنحُها رُوحاً جَديدةً تُناسبُ سَيرَ المتغيِّراتِ التحوِّليَّةِ.

إِضَاءاتُ العَتَبَةِ العُنوَانِيَّةِ

مِن عَلاماتَ النَّصَّ الضوئية المهمَّة أيقونته العنوانية الرئيسة التي تُعدُّ (ثُريَّا النَّصِّ) المُوزاي المشعَّةَ بِفنَارها الضوئي اللَّامعَ على النصِّ الإبداعي الرسالي، والتي تكشفُ للمتلقِّي القارئ مغاليقَ مَا اِستحكمَ مِنِ المُبهَمِ النَّصيِّ، وتفتحُ جوانب خفيَّةً من أسرار ذلك العالم النَّصيِّ الفسيحِ، وتَفضَحُ المُغيَّبَ النَّسقي مِنِ المَسكوت عنه قصدياً، سواء أكان شعرياً أم نثرياً؟ وليس شَرطاً أنْ تكون عتبة العنوان الرئيسة لها عَلاقةٌ مباشرةٌ بالنَّصِّ الإبداعي المُرسل؛ وَلكنَّ المُهمَّ في إنتاج هذه العتبة هوَ احتوائها على خُيُوطٍ سِيميولوجيةٍ فنيَّة، وَإشاراتٍ رَمزيةٍ وإيحائيةٍ بَعيدةٍ تَربطُها كُليَّاً بتمظهرات النَّصِّ ومُوحياتهِ السَّرديَّة.

إنَّ الذي يدعونا إلى حقيقة التساؤل في حضرة هذا التشكيل القصصي للعنونة، لِمَ جَابر مُحمَّد جَابر سمَّى مجموعته القصصية بالعنوان المفخَّخ الغريب بسواد جهنميته التاريخية (بِئْرُ بَرَهُوْت)، (البئرُ المعطَّلة) التي ورد ذكرها في (سورة الحجِ)، الآية (45) في القرآن الكريم: ((بئرٌ مُعطلَةٌ وقصرٌ مشيدٌ))، ولمْ يُسمِّها مثلاً على سبيل الجانب الروحي الديني تبركاً باسم (بِئرُ زَمزمَ) الشهير؟ وذلك تماشياً وتفاعلاً وتفاؤلاً مع المأثور القولي التراثي الشهير لعلي بن أبي طالب الذي صدح به مُخْبِراً عنه القول،"خَيرُ بئرٍ في الأرضِ زَمزمُ، وَشَرُّ بِئرٍ في الأرض بَرَهُوت". إذن المقاربة التوصيفية الوظيفية الإخبارية للبِئرينِ تؤكِّد بجلاءٍ لا يَقبلُ الشَّكَّ أنَّ بئر بَرَهُوت مصدر الشرِّ، وبؤرة الخَراب والفساد الدائم بدلاً من دالته الرمزية الخيرية التي هي الماء نعمة الرواء وسرُّ الحياة للإنسان. ويبدو لي كما يَرى روَّاة التاريخ العربي الإسلامي أنَّ (بَرَهُوتَ) اسم لوادٍ بِحَضرموتَ في شرق اليمن له علاقة رمزية بأرواح الكفَّار كما يقال عنه، أي (البِئرُ العَميقةٌ)، أنَّه علامة سوء فارقةٍ.

فمن حيثُ هذا المنتهى السلبي لرمزية البئر البَرَهُوتي أنَّ القاصَّ جَابر مُحمَّد جَابر كان مُصيباً في اختياره لهذه العتبة المُتشظية بدلالاتها المعنوية البعيدة، والتي تشي بأنَّ رمزيةَ (بِئْرِ بَرَهُوت) هي صورة إيحائية مُصغَّرة عن رمزية (العراق) الكبير. فالمعنى الدلالي القريب في هذه الإشكالية التقريبية يؤكِّد بصدقٍ أنَّ العراقَ بلدُ الخيرات، ورمز الحضارات الإنسانية الأصيلة، وموئل أبجدية الحرف العلمية، في حين أنَّ المعنى الخفي البعيدَ له يُشيرُ إلى أنَّه أضحى خطَّاً أحمرَ لمنطقةٍ سوداء، وصار وكراً تسكنها الأفاعي البشرية المعادية من اللُّصوص والمرتزقة الخائنينَ الذي لا يَمُتُّونَ إليه بِصلةِ القرابةِ والنَّسبِ والوطنيةِ والانتماءِ. فحالُ (عِراق اليومِ) حالٌ مظلمٌ أسود كَحالَ (بِئْرِ بَرَهُوت)، ذلك المعادل الموضوعي الذي لا يَسرُّ القريب الداني، ولا البعيد القاصي بدلالة توصيف الرائي جابر لهذه البئر، والذي ينفي علميته به بالقول: "لم أكنْ أعلم أنِّه [أنَّها] بئرُ جَهنمَ، ويُسمِّى [وَتُسمَّى] أحياناً البئرَ السوداءَ، تَسكنُهُ[تَسكنُها] الأفاعي والطيور الغريبة، وعمقهُ[وعُمقَها] (375) قَدَمَاً،معَ هذا ذهبتُ إلى محافظة الحِيرَةِ في اليمن ولا (ما) زلتُ هُناكَ..." (بِئرُ بَرَهُوت، ص76) . فالفراغ النُقَطي الذي تركه القاصُّ بقصته، وبقاؤه بأرض اليمن روحاً يَدُلانِ على أنَّه لم يقف على وجه حقية تلك البئر التي صارت رَمزاً لفوبيا الشرِّ.

وعلى وفق هذا التشكيل الرمزي للعتبة النصية جاء توظيفُ الموضوعاتِ القصصيةِ الأخرى لهذه المجموعة متوازناً في تلك الدفقات السَّردية المتواثبة التي تَتخفَّى وَراءَها شخصية الكاتب (الراوي العليم) الذاتية بتنوِّع ثِيمِ موضوعاتها الإنسانية والاجتماعية، وتجدُّد مواقفها وتقاطعاتها الثقافية وأنساقها الفكرية التي هيَ بالنتيجةِ تُشيرُ إلى أنَّها جَابر مُحمَّد جَابر، وفي حركته الأُسلوبيةِ التَّعبيريَّةِ في الحياة كاتباً أديباً وشاعراً وقاصاً واعداً. وكنت أتمنى على القاصِّ جابر لو اختار قصة (اليدُ الثالثةُ) عنواناً لهذه المجموعة القصصية بدلاً من ظلامية غواية (بِئْرِ بَرَهوت)، لكانَ المعنى اللُّغوي والدلالي والرمزي لجماليات هذه المجموعة أكثر أفقاً واتساعاً وشموليةً في معناها الإبداعي التسريدي القريب والبعيد وفي تجلياته الزمانية والمكانية؛ وذلك لكون (اليَدُ الثالثةُ)، هي الرمز الحقيقي لرؤية الكاتب القاصِّ أو السِّارد، وهي المُعبِّرُ عن الذات الإبداعية في التجربة السردية كـ (العَينِ الثالثةِ) المتأمِّلة المفكِّرةِ البَاصرةِ لبنيةِ النَّصِّ الشِّعريَّة أو السَّرديَّة المُرسَلة إلى أنظار القارئ .

جَماليةُ مقدِّمةِ التصديرِ

من بين الجماليات التي تتزيَّنُ بها عَتَبَاتُ النَّصِّ (الجِينِيتِيَة) المُتعدَّدة جمالياتُ دلالاتِ مُقدِّمِة النصِّ التصديرية التي حجزت لها مكاناً بارزاً في صدارة هذا الكتاب قبل الشروع بقراءة نصوصه السردية المتوالية؛ وذلك لكونها الموجز الحِكَمِي المُصغَّرُ، والمستخلصُ التكثيفيُ التَّركيبيُ النَّحويُّ المُحتشد بطاقاتٍ إيحائيةٍ كبيرةٍ معبِّرةٍ عن رؤية الكاتب وفلسفته الإنسانية والجمالية عن صورة العمل الذي يُقدِّمه إلى نافذة المتلقِّي. حتَّى وإنْ كان حجم التصدير الذي يُقدِّمه كلمةً واحدةً؛ لكنَّها تُعدُّ منجماً سِحريَّاً مُؤثِّراً؛ لِما تحملهُ في طياتها الداخلية من الثراء اللُّغوي والفكري والدلالي شكلاً ومضموناً وعلامةً فَارقةً. فالتصديرُ حِلْيَةٌ جَماليةٌ فكريةٌ عميقةٌ جاذبةٌ لفكر القارئ، والتمكُن من السيطرة على وعيه في فهم وإدراك المغزى الحقيقي للعمل الأدبي والتمثُّل به تعضيداً وإسناداً؛ لترسيخ الحقيقة وإقرارها وفق منظور فنِّي وإنساني يَحظَى بِرضا وتَوافقِ الجَميعِ.

وجَابر مُحمَّد جَابر من أولئك الكُتَّابِ الَّذين يؤمنونَ بفلسفة العمل الفنَّي الأدبي وحكمتهِ التَّصديريَّةِ التي أصبحت أيقونةً فكريَّةً ونافذةً روحيةً مهمَّةً يطلُّ منها الكاتب الواعي على فضاء عالمه النَّصيِّ الرحيبِ، مُستفيداً من أثر جماليات الواقع الحدثي السابق، وتداعيات حكمته الموضوعية، وإسقاطه على إسهامات نصوصه القصصية كمتفاعلٍ نَصيِّ حَقيقيٍ لهُ أثرهُ الإيجابي على المُتلقِّي في التواصل مع بقية أدوات النَّصِّ الأخرى. وهذا ما جَسَّده جَابر في تصدير كتابهِ بمقدِّمةٍ نصيِّةٍ لمجموعته القصصية، جاءَ فيها "حين سأل موظَّف الجمارك (أوسكار وايلد) في واحدةٍ من رحلاته، إنْ كانَ يحمل أمتعةً ثمينةً، لم يتردَّد الكاتب أنْ يُجيبَ... ((عبقريتي)) "، (مُقدِّمة المجموعة، ص5) . فَرَدُّ الكَاتبِ في التعبير عن عبقريته الفكرية جواباً، كان أخطر مما يمتلكه من أمتعةٍ مادية زائلة. فجابر يُؤمنُ أنَّ الفكر الذي يحمله المثَّقف أكثر تأثيراً من أي أمتعةٍ.

ولا ينحصر عمل التصدير على بداية الكتاب أو مقدِّمتهِ للمجموعة القِصصية، فقد يكون مقدِّمةً لعنوانِ قصةٍ فرعيةٍ ضمن محتويات المجموعة القصصية نفسها؛ وذلكَ بقصدية التأكيد والتعضيد لموضوعية النصِّ الفكرية، والإيمان بلزوميته الدلالية الاشتراطية الفاعلة، وكما فعل القاص جَابر مُحمَّد جَابر في قصته (الرايةُ الخضراءُ) عند ما نقل لنا قولاً فلسفياً لبلزاك جاء فيه "كلَّما ازدداد حُبُنا، تضاعف خَوفُنا من الإساءة لمنْ نحبُّ..."، (الرايةُ الخضراءُ، ص 23) .

جَماليَةُ الوَمضَةِ (تَشحِينُ القِصصِ)

2811 بئر برهوتالفنُّ القصصي أسلوب كتابيٌّ فنيٌّ رفيعٌ يخضعُ فيه التعبير القِصصي إلى أحكامٍ وقواعد وآلياتٍ فنيَّةٍ وجماليةٍ معيَّنةٍ قارّةٍ تعتمد فيه لُغة الكاتب التعبيرية السَّردية للقصِّ الحكائي على قوِّةٍ مِهمازيَّةِ الإِدهاشِ والذُّهولِ، والسرعةِ في كسر توقُّع جدار المألوف السياقي الاعتباري الصوري، وتحطيم عُرى صورته الكليَّة من خلال عنصر الانزياح الجمالي المكثَّف بصور المباغتة الفجائية في فاعلية توقُع الضربات الضوئية التي تظهرها براعة القاصُّ التَّوهجية، ومهارته الإبداعية في خواتيم قصصه على شكلِ مُفارقاتٍ فنيَّةٍ جميلةٍ المقصد، وتَقاطعَاتٍ إمتاعيةٍ مُغايرةٍ للواقع الموضوعي الزمكاني؛ كونها تتَّخذ من تَقنيَّة (الومضة) شِحناتٍ فكريةً إيحائيةً مُكتنزةً بِطاقاتٍ إيجابيةٍ كبيرةٍ، فيها من سعةِ التمكن ِوالدلالة القريبة والبعيدة ما يُغني النَّصَّ القِصصي قوَّةً وثراءً، ويمنحهُ نَسغاً رُوحياً جديداً من فيوضاتِ الوعي الفكري والجمالي التحديثي الجديد.

فالقاصُّ جَابر مُحمَّد جَابر لم ينسَ _تقنيَّاً_ قواعدَ الفنِّ القِصصي وشرائطَ ضوابطهِ وَآلياتهِ الفنيًّةَ والجماليَّةِ القارَّة التي تُميِّزهُ عن نظائرهِ من الفُنُونِ الأدبيَّة الأُخرى. فهوَ على الرغم من ذلك الفهم المعرفي الواعي، يُراوحُ أسلوبياً في تعبيره الفنِّي القِصصي بين تَشخيصِ صُورةِ الواقع الحالي المعاش، والواقع التخييلي الافتراضي البعيد الذي يَحدُثُ ولا يَحدُثُ، وتحويلُ محمولاتهِ الفكريَّةِ إِلى واقعٍ جماليٍ. الواقع الذي ينتجَ عن تلك المُراوحةِ الفنيَّة فيما سيكونُ في علاقاتهِ الحاليَّةِ مُعادلاً موضوعياً لأُسلوبيته القِصصية التي تمزج بين الذات الأنويَّةِ المُرمَّزةِ، والذات الرمزيَّةِ الجمعيةِ التي يَفرضُها الوازعُ الوَطني والآيديولوجي في مواجهة الواقع. وقد انعكست تأثيراتُ ذلكَ المُهيمنُ الأُسلوبيُّ على وقعِ شَخصيات أبطال قِصصه التي تترآى صورها الحقيقية، سواءٌ أكانت هذه الشخصيات رجالاً أمْ نساءً في حالة صراعٍ مُستمرٍ مع من يُنشدُ القوَّة اِنتصاراً، ويَمقتُ الاِنكسارَ هَزيمةً وَضُعفَاً، ومعَ من يبحث عن الحقيقة الواقعة حياةً، أو يَجِدُ فِي الوَهمِ البصَرِي مَلاذَاً حَياتِيَّاً آمنَاً.

لقد تَتبَعتُ أُسلوبياً بخُطواتٍ وَئِيدةٍ قراءةَ قِصصِ جَابر مُحمَّد جَابر قِصَةً قِصَةً في مدونتهِ السَّرديةِ هذهِ (بِئْرِ بَرَهُوت) للكشف عن القصص التي تَضمنتْ بنيتُها التعبيريَّةُ الفنيَّةُ جَمالياتٍ قِصَصِيةَ (الوَمْضَةِ)، فَتبيَّنَ أنَّ الكاتب كان جادَّاً مثابراً في السعي إلى توظيف الكثير من قِصصهِ بِهذه التقنيَّة الجمالية الإبداعية، والَّتي لا يُلقَّاها أيُّ أديبٍ كان إلَّا من أتقنَ سِرَّ جمالها، وَسِحرِ قوةِ تَأثيرها النَّفسي على المتلقِّي، "كُنتُ أَعتقدُ أَنَّ كُلَّ زُملائِي المُوتى يَتَبادلونَ الأملَ، حَتَّى جاءَ يَومُ الحِسابِ،لِأَجدَ أنَّ الزُّملاءَ سَبقونِي إِلى الجَحِيمِ"، (مَعاً إِلى الجحيمِ، ص 73) . فَجمعتْ وَمْضتُهُ بَينَ تَضاديةِ الأَملِ والأَلَمِ.

وتبيَّنَ أيضاً أنَّ جَابراً لم في مدونتهِ البّرهوتيةِ لمْ يَنزاحْ في اِنحرافهِ القِصصي إلى تَوظيفِ جَمالياتِ هذهِ التَّقنيَّةِ الفنيَّةِ، خَاصيَّة (الومضة) إلَّا في (30) قِصةً، وبنسبةٍ مِئويةٍ بَلغتْ أعلاها (45%)، أي أقلَّ مِن نصفِ العَدَدِ الكُلِّي للمدونةِ البالغِ (66) قِصةً. أمَّا المُتَبَقِي الآخرُ من نصوص هذه المجموعة، أي الـ (36) قِصةً، فيكادُ يكونُ جميعُهُ قَصَّاً حِكائياً مُوضوعياً متراتباً خالياً من خاصيةِ مُفارقةِ المُؤثَّراتِ الوَمضيةِ،إِلَّا أنَّ تأثيراتِ لُغةِ الكَاتبِ الشِّعريةِ تُغَطِّي على سِحرِ أُسلوبيتِهِ الوَمضيةِ في فِنيَّةِ التَّقصيصِ، "اِنعطفتُ يَمِينَاً فَإذَا بِهِ أَمامَ ضَريحِ سَيِّدنَا عبدِ القَادرِ الكَيلانِي صَرَخَ مِن أَعماقِهِ: أَنتَ مُنْقِذي .. خَلِّصنِي مِن شُربِ المُخدِّرَاتِ سَيَّدي أبَا الفَضْلِ.. يَا مُولَاي العَبَّاس بِن أَبِي طَالِب..."، (شارعُ الحقيقةِ، ص55) . فلولا المقاربة الجمالية الفنيَّة بين الرمزينِ الدِّينييْنِ المُخلِّصَيْنِ،لِمِا كانِ لهذهِ التقنيَّة التَّوهجيةِ مِن تَأثيرٍ وَإمتاعٍ على نَفسيةِ المُتَلقِّي.

وَفي البَنيةِ السَّرديَّة للـ (أَنَاوَاتِ) الأَربعةِ: قِصةُ (أَنا) التي يتماهَى فيها الكاتب مع ذاتهِ الأَنَويَةِ، وَ (أَنَا وَعَلاءُ عَاشُور) الَّتي يَتحاورُ فِيها مع صديقة الأنا الآخر للبحثِ عن الحقيقةِ،و (أَنَا وَشَبَحِي) الَّتي يَتقاربُ فيها مَعَ ظلِّ طُفولتهِ، و (أَنَا وَهِيَ) الَّتي كانتِ مُقاربةً جَماليةً معَ الذاتِ الأُنثويةِ الأَنتيةِ، لم نرَ تَمظهراتِ خَاصيَّةِ (الوَمضةِ) في هذه الأناواتِ شَاخِصةً في التَّوظيفِ القِصصي إِلَّا في قِصةِ (أَنَا وَهِيَ) التي يَثبتُ فيها نزاهتهُ الذاتيةَ أمامَ شُبهاتِها الأُنثويةِ الأُخرى، "أنا رجلٌ بعيدٌ عن الشُبهات، تَتهمُنِي هيَ بالتفريط بجمالها، أو عنوستها أو مفاتنها...أنا لم أحافظ على نزاهتي في رسم خطواتها، هَيَ تَقولُ ذلكَ..."، (أَنَا وَهِيَ، ص 68) . فَسِحْرُ الوَمضةِ وخَاصيةُ تَأثيرِ المفارقةِ السَّرديَّةِ في هذه القِصَّةِ القَصيرةِ جِدَّاً جاء بإيقاعٍ عَفوي بَسيطِ من غيرِ تكلُّفٍ أو عُسرٍ أو صعوبةٍ، بل بانسيابية سلسةٍ حملت نَفسهَا بِنفسِهَا.

تَشْعِيرُ لُغةِ القَصِّ

اللُّغةُ بِمفهومها الدِّلالي الخاصِّ سَواءٌ أكانتْ شِعريةً أمْ نثرية؟ تُعدُّ من (أَخطَرِ النِّعمِ) اللِّسانية الأُسلوبيَّة التي يتلبَّسُ فيها الكاتب، وبتأثيرِ أدواتِ مَحمولاتِها الفَكريَّة دونَ أنْ يشعرَ بنتائجَ مُخرجاتِها النهائيةِ إِلَّا بَعدَ اِكتمالِ الصُورةِ الكُليَّة الخارجيةِ لِواقعةِ الحَدثِ. وأنَّ من أسبابِ نَجَاحِ الكَاتبِ وتميِّزهِ الفَنِّي والجَمالي امتلاكهُ لأدواتِ لُغتِهِ الشعِّريَّةِ أَو السَّرديَّةِ وَالتَّحَكُّم بسياقاتِ أَنساقِها الفَكريَّةِ والثقافيةِ والبلاغيةِ والجَماليةِ الَّتي يُوظّفُهَا في الأشكالِ الشَّعريةِ وَالأجناسِ وَالفنونِ الأَدبيةِ المُتعدِّدةِ التي يخرج من عَباءَتِها الفَنُّ القِصصي فَنَّاً سَردياَّ قَائِمَاً بِذاتهِ المَفصليَّة الجَمَالية.

ومثل هذه المقدِّمةِ في مَاهيةِ التَّمايزِ اللُّغوي تُحيلُنَا إِلى نُقطةٍ ضَوئيَّةٍ فَارِقةِ الإضاءةِ مِنْ أنَّ الكاتب جَابر مُحمَّد جَابر لم يكنْ قاصَّاً سَردياً فَحسب، بل كان في الأساسِ شَاعِراً، وأَنَّ جُذورَ بداياتهِ الإِبداعيَّةِ تَخبرُنَا أنَّها كَانَت شِعريَّةً مَحْضَةً، إِلَّا أنَّه في مَراحلِ كتاباتهَ المُتأخرةِ مَالَ مُنزَاحَاً إِلى لُغةِ التَّسريدِ النثري، فَاِنْكَبَّ عَلَى كَتابةِ جِنسينِ منهُ (القِصةِ والرِّوايَةِ) بَاحثاً عن ضِلال رُؤى ذِاتهِ السَّرديَة المَكبوتَةِ بِلغةٍ شِعْرِيةٍ مُكتنَزةٍ وَهَاجةٍ مُوَقَّعَةٍ مَحبوكةٍ. وبِهذا التَّمازجِ التَّجنيسِي اللَّوني تَمَكَّن مِن الَّتوفيقِ في تَوحيدِ لُغةِ السَّرد وَتَشعيرِها بِلُغةٍ الشِّعْرِ، فكانَ النَّصُّ القِصصي لِجَابر مُحمَّد جَابر مَزِيجَاً خَاصَّاً مِنْ لُغةٍ النَّثرٍ والشعر. وكانتء الصُورة البَصريةُ المَرئيةُ مُعَبَّأةً بِشحناتٍ إَيقاعَيةٍ أُسلوبيَّةٍ توهجية شائقةٍ تبعثُ روحَ التواصل مع وحدات قصصةِ، "حِينَ كُنتُ صَغيراً أتَجوَّلُ فِي بَساتين ِقلقِي، أَحتَمِي بِوَحَلِ الأشجار، وأسبحُ في نهر الحقيقة... أَتسلَقُ النَّخيلَ كأيِّ (طَوَّاشٍ) مَاهرٍ، وفي اللّيلِ أَجلسُ قُربَ التُّرَعِ أسمع (المِحِمِّدّاوي) ...فَمِي اِمتلأ بِصوت طفولتي،أخشىَ أنْ يَخنقُنِي وَيَترِكنِي ضَائعاً في فِردوَسٍ لم يخلفْ أَحدٌ أثره قطٌّ، هل ضِعتُ أَنَا، حَاوَلتْ أَنْ أَطبقَ فَمِي بِشَدَّةٍ...فشلتٍ، (أَنَا وَشَبَحَي، ص29) .

فلنتأمَّلَ في قِراءَتِنَا لهذَا النَّصِّ جَمَال أفعال المُشاركةِ الزَمَانيةِ الخَمسةِ، نَحوَ (أتّجوَّلُ، وأحتَمِي، وَأَسبَحُ، وَأجْلِسُ، وأَسمَعٌ)، كيفَ تَمَكْنَتْ بِحركتِها الدَلِاليَّة لبَعِدة المؤَثِّرة، وَبِسِحرِ تَأثيرِهَا التَّوَهٌجي الاِنزَيَاحي الصُوري والجَمَالي من تَشعيرِ لُغًةَ السَّرد الحكائي وأعطائها دفقاً شعريَّاً مُعبَّاً بصور الخيال المستمدُّ من الواقع المرئي البصري للحدث الزمكاني.

لقد أخذتْ لُغةِ تَشعيرِ القَصِّ عِنَد جَابِر مُحمَّد جَابر مِساحةً فنيَّةً مُهمَّةً مَن تَعبيرِهُ السَّردي، مِساحةً انزياحيةً عَريضَةَ شديدةَ الأَثَر والتَّأثر لَا بَأس بِها إذا ما قُورنَتْ مع كُتَّابِ الِقصة وِأُدبائِها فِي الوَطنِ الكَبيرِ بِسببِ تَأثيرِ نَزعَةً مَلَكَةَ الشَّاعريةِ والموهبة الفطرية التي تَتَملَّك ذَاتَهُ النفسية الشعوريةِ وتُسيطرُ عَلَيَها وَاقعَاً حُضوريَّاً. حَتِّى بَلَغتْ ذَروتِها العُلْيَّا فِي طَيَّاتٍ’ هذه المصفوفةِ (25) قِصةً، وِبنسبةِ مِئويةٍ بَلَغت أكثر من (37%) من أصل (66) قصةً المجموع الكُلِّي لهذه المجموعة.

وهَذَا دَليلٌ عَلَى شِعْريتهِ النّثرية التي ألقتْ بِركابٍ خَيلِهَا الأُسلوبي الجامحِ فِي مَيدَان إنتاجهِ القِصصي السَّردي، وربَّما الرُّوائي على شكلٍ أوسع من ذلك الفنِّ الجمالي، حتِّى صارت لغتةُ تَعبئةِ االسَّردَ بِمخيالِ الشَّعر عِنَد جَابر مَيزةً من ميزاتِ لغته الأُسلوبية الشَّائقةِ، وتَمَظَهُراً من تَمظهراتٍ مُعجمِه القِصصي السَّردي، وهذَا يَشي بأنَّ جَابراً سَاردٌ بروحِ شَاعرٍ، وشَاعرٌ شَفيفٌ بِقَلْبِ سَارِدٍ مَكينٍ من أدوات لغتهِ الَّتي تَقُول: "فِي لَيْلَةٍ مَاطِرَةٍ، كَانَ قَلبِي قد فرَّ خارجَ الخدمةِ، ورُوحِي تَنتقلُ في غيمةٍ عَاطفيةٍ إِلى أُخرى، وَقَفَتَ خَلفَ شبَّاكِ جَسَدي، وَأَنا علَى حَافَةٍ البّكاءِ، أَتَرَقَبُ عَصَافِير الزَّمِن التَي خَرجَتْ من عُنُقُ... الظَلامِ، ومَضتْ الدّقًائِق بِطيئَةً كُسلحفَاةٍ، ثُمَّ فَجأةً لاَذتْ بِأشِجِارِ الحُزنِ،لِتحوِّلَ جسدي إلى كتلةٍ من الجمر المتَّقدِ، وَتشَقَّ هَالةَ الضِيَاءِ مِن حَوْلَها..."، (عصافيرُ الزمن، ص11) .نصٌّ مَملوءٌ بِصورِ مَخياليةِ ومَجازيةٍ عَابِرَةٍ لِحدودِ السرد.

هَكذا يَبدو لَنا صَوتُ جَابر مُحمَّد جَابر فِي لغةِ (عَصافيرِ الزَّمنِ)، فَهو في تَأثيثهَ القِصصي يُؤَنْسِنُ صُورَ أَعضائهِ الجسديةِ النِابضةِ، يَهِبُهَا جَمالياً رُوحَاً حركيةً دراميةً جديدةً في ثقافة الصوتِ والصورةِ البَصريةِ والأَداءِ القَصَصِي. فَكلُّ نَصٍّ من نصوص هذه المجموعةِ يَحكي بِلغتهَ الدِّلاليةِ المُحَبَّبَة قِصةً مِنْ أَدِيْم الحياة، وكلُّ قِصةٍ بِكِاملِ رُمُوزها وَأَبْطالِها وشُخوصُها هِي فِي ضرُورةِ المُعِاينةَ والكَشفِ والتَّشفيرِ اللُّغويِّ الرَمْزِي للنَّصِّ تَمَثِّل جَابِراً بِكلِّ تجربتهِ القِصصيةِ المُتَوَهِجَة.

تَدوينُ النَّصِّ وأَرخَنَتهُ قَصَصِيَّاً

إنَّ الكتابةَ القِصصيةِ بِحدِّ ذَاتها تُعدُّ حَقلاً اشتغالياً مَعرفِيَّاً فَنيَّاً قَائِماً بِنَفسهِ، وهيَ قَبلَ كُلِّ شِيءٍ وعيٌّ ثقافيٌّ قصديٌّ قَبلَ أنْ تكونَ فِطْرةً إنسانيةً سَليمةً. وَمَنْ يقرأُ مُدونةَ جَابر مُحمَّد جَابر القِصصية هذهِ قِراءةً نِسقيَّةً كاشِفَةً لِمستوياتِ بِنيَةِ النَّصِّ السَّرديَّةِ، سَيقفُ عِندَ ثَلاثةَ نُصوصٍ من نصوصها المَحلية المَكانيةِ التَّوثيقيَةِ الحَديثةِ، فَتبدو مُتجليَةً فِي قِصةِ (خُضيرُ أَبو الثلجِ)، و (السِّيفونَةُ)، وَ (القِطُّ عَنْتَرُ وَقِصةُ الزَّرايرِ) . وَسَيقرأ بِنفسهَ لُغة الحَيَاةِ اليَوميةِ، لُغةَ التَّفاصيلِ الَّتي تُؤرخِنُ لِحياةٍ أُناسٍ مَدينَةٍ جَنوبيَةٍ سَومريَّةٍ عاشَ فِيهَا الكَاتِب رَدْحَاً طَوِيْلاً مِن حَياتهِ، وَانبثقتْ مِنها جُلُّ ذِكرياتِهَ الثَّقافيّةِ بِمُختلفِ صُورِها الإنسانيةِ العِديدةِ. حِتَّى غَدَتْ رَمْزاً مِن رُمُوزِ مُثاقفاتهِ الفِكريَّةِ الَّتي لَا مَنَاصّ مِنْ تَوظيفِ حِكاياتِها القِصصيَّةِ ذَاتَ التّأثيرِ الإنسانيِ وَالمَغزى الفَلسفِي لِجمالياتِ مَدينةٍ نَابضَةٍ بِالحياةِ تَجمعَ بين العمل الإنساني مَنهجًاً وطَريقاً حَضاريَّاً قَائماً، وبين العلمِ سُلُوكاً مًعرفيَّاً تَستقيمُ به جوانبُ الحَياةِ وَتزدهرُ تَقَدُّماً وَمَكانَةً.

فَطَالَمَا القَاصُّ جَابر ابنُ مَدينةِ العِمَارةِ، وَابنُ بِيْئَتَها الجَنوبيةِ المُتأصِّلةِ، فَلا بُدَّ أنْ تَنْعَكسَ مِرآةُ ظِلالِهَا الحقيقيةِ علَى خطٍّ تَجربتهِ الإبداعيةَ السَّرديَّة، فَتَأتي ثِمارُها عَفويةً مُنسابَةً تَجرُّ أَذيَالَهَا بَكلِّ فَخْرٍ وَتَواضعٍ وَانصياعٍ دُونَ أنْ يَحمِلَهَا قسراً عَلَى سَير ِتجَربتهِ، بَل هيَ الَّتي تَحملُهُ علَى تَدوينَهَا، وَتوثيقِ مَعالِمِها الإنسانيةِ بِهذا الحَسِّ التَّوثيقي البَسيط. "كانَ الفتى خضيرُ طَالبُ الفَلسفةِ يَبيعُ الثَّلجَ عَلَى رَصِيفِ شَارِعَنَا في مَحلةَ الصَّابونجيةِ، بَمدينةِ العُمَارَةِ، مُعظمٌ أهلِ المَدينةِ يَعرفونهُ وَيُلقبونَهُ خُضيرَ وُجوديةَ، لَيسَ لِأنَّهُ كانَ يُحاولُ أنْ يتفَلسَفَ في حديثهِ، بلْ لِأَنَّهُ كَانَ يُجاهِرُ بُوجوديتِهِ، وَيُرِّوجُ لِكُتُبٍ اشهرتْ وَقتَهَا..."، (خضير أبو الثلج، ص15) . وثيمة هذه القصة تكشف أنَّ بطلهَا فَتىً يَبيعُ الثَّلجَ، وهوَ بِنفسِ الوَقتِ طالبُ علمٍ فلسفي، ولكنَّ الأبعدَ رُؤيةً وَجَمالاً في الجَمع ِالعِلمي العَمَلي،أنَّ هذا البطلَ يَدَّعي الوُجوديةَ الإِلحاديةَ السَّارتريِّة، أو يُروِّجُ لكُتبٍ دُعاتها من الفَلاسفةِ الآخرينَ مِما يُعطيكَ إيحَاءً أنَّ أبطالَ قِصصهِ مِن فِئاتٍ ثَقافيَّةٍ مُتنوِّعةٍ، وَليسَ مِن نَمَطٍ واحدٍ.

فَجَابر مُحمَّد جَابر على الرغم من اختزانَ ذاكرتهَ المعرفيةَ بِيوميات مَدينتهِ العُمَارة؛ كونها المنبتَ الأرضيَ الَّذي يَنتَمِي إليهِ كَوناً وَوَجوداً، إلَّا أنَّهُ لِم يَنسْ أو يَتجاهل الجانبَ المُشرِقَ من حياتهَ البَغداديةِ الدَائمةِ والضَّاجَّةِ بِفضاءاتِ السَّردِ وقصصها التداولية اليومية التي تَفرضُ نفسَها عَلى وَاقعةِ الحَدثِ، وتُلقي بظلالها على تدوينِ المَشْهدِ الحَرَكِي لِيومياتِ النَّاس وأرخنته فنيَّاً وموضوعياً وجمالياً؛ ليكونَ صورةً أيقونيةً نِاضجةً من صُورِ الواقعِ الوصفيِ السَّائد الَّذي تُتَرجمُهُ رُؤيةُ الكاتبِ من خِلالِ تجربتهِ الذَّاتيةِ،وعبر مجسَّاتِ خُيُوطٍ نَسيجَ قِصصهِ الحِكائية الرَمزيةِ المُتواشجةِ فِي إِنتاج تَركيبِها الدَّلَالي.

وَهذَا التمايزُ التَّدوينِي تَلوحُ أُفقهُ بقوله: "في البابِ الشَّرقِي، كَانَ الفَتى القُرويُّ يُمسِكُ حُزمةً من الزرازيرِ، يَنتظُر زُبُونَاً؛ لِيشتريهَا، ثُّمَّ يُطلقُ سَراحهَا، وَيَشعرُ بِالسعادةَ، بَعدَ أنْ يُشاهدُهَا تُحَلٍّقُ بِحَريَّةً فِي الفَضاءِ، كُنتُ أُراقبُهُ كُلَّ يَومٍ.."، (القطُّ عَنترُ وَقصةُ الزَرازيزِ، ص 78) . فهذه القصةُ على الرغم مما فيها من شحناتٍ إنسانيةٍ واجتماعيةِ وَاقعيةِ بَحتةٍ، غير أنَّها في سياقِها الرَّمزي النَّسقِي الخَفِي تسَخرُ من الواقعِ الرَّاهنِ، وتُدينُ سلبياتِهِ المُجتمعيةِ المُترهِلَةِ الَّتي بَدأت تَظهرُ وَاضحةً على فئةٍ من أصحابِ رُؤُوسِ الأَموال والمُتنفذينَ الذينَ ظَهروا بَعدَ التَّغييرِ السِّياسيِ لِلبلدِ. حَتَّى لِتستهجنَ فِعلَهُم الغَريبَ الشَّائنَ من البَذخِ والثَراءِ والبَطرِ، والَذي تمثَّل في أخذ حُزمةٍ مِنِ الزَّرازيرِ وَشِرائهِ بِالعملةِ الصَعبةِ، وجعلهَا وَجبةَ طَعامٍ شَهِيةٍ لِلقطِّ المُسمَّى (عَنترُ)، في الوقتِ نِفسهِ لمْ تِجِدْ أطياَفاً كَثِيرةً مِن فُقَراء الشَّعبِ وَعامَّتهِ طَعامَاً تَسدُّ بِها رَمقَ مَخمصةِ جُوعِها اليومي، الأمرُ الَّذي لَم يَألفهُ الشّعبُ العِراقيُ مِن ذِي قَبلِ. فَأيُّ مُفارقَةٍ قِصصيةٍ وَاقِعيةٍ مُذهلةٍ تَلكَ الَّتي تُجَسِّدُهَاعَدسةُ (العَينِ الثَّالثةِ) لِجَابِر مُحمَّد جَابر، وهوَ يَرصدُ لَنَا بِوعِيٍ المُفَكِّرِ المُتأمِّل نَماذجَ حَيَّةً مِنْ تِلكَ الحَيَاةِ الجَديدةِ لِلعِرَاق بَعدَ التَّغييرِ.

 

د. جبَّار مَاجد البَهادليُّ

 

 

2755 ديلوزبقلم: جيل دولوز وفليكس غوتاري

ترجمة: صالح الرزوق


 توجد تفسيرات عديدة سيئة الحظ تناولت نص كافكا “رسالة إلى والدي”. فهي لوحة أو صورة فوتوغرافية أقحمت على آلة من نوع مختلف تماما. الأب برأسه المحني - ليس لأنه، بذاته، مذنب فقط، ولكن أيضا لأنه يدفع ابنه للشعور بالذنب، ولا يتوقف لحظة عن مقاضاته وإطلاق الأحكام عليه. كل شيء نتيجة خطيئة الأب: إن كنت أعاني من مشاكل جنسية، إن لم أتزوج، إن لم أتمكن من النجاح بما أكتب، إن خفضت رأسي في العلن، إن توجب علي بناء عالم بديل مجدب بلا حدود.

كان يجب الانتباه أن هذه الرسالة أتت بوقت متأخر للغاية. كان كافكا يعلم جيدا أن لا شيء في عالمه حقيقي. وعدم جاهزيته للزواج، وكتاباته، وانجذابه لعالم عقيم، هي دوافع وأسباب. لقد أعلن كافكا بنفسه أكثر من ألف مرة، وتكلم لاحقا، ماكس برود، عن ضعف أي تأويل أوديبي لمشكلات كافكا، وضمنا مشاكل الطفولة (1). مع ذلك الموضوع الهام في الرسالة تجده في أثر متحرك. فقد انتقل كافكا من أوديب كلاسيكي له طابع عصابي - وفيه يكون الأب المحبوب كريها ومتهما ومدانا بخطيئة دامغة - إلى أوديب منحرف وشاذ يستسلم لفرضية براءة الأب، ولـ “قلق” يشترك به كل من الأب والابن على حد سواء. ولكن قام كافكا بهذه الخطوة من أجل أن يدخل في تهمة أخطر، وفي مقاربة لامحدودة وأقوى ولا يمكن أن تعزوها لأي شخص معين (مثل “التأجيل” في رواية “القضية”).  إنها تمر من سلسلة تأويلات تعالج عقدة الاضطهاد والتضخيم. كان كافكا يشعر من أعماقه أنه يتخيل الأب يتكلم، ويسمعه يقول: أنت تريد أن تثبت “أولا أنك غير مذنب. وثانيا أنني أنا الملام والمذنب. وثالثا لديك استعداد قوي وفطري لتغفر لي (وهذا تقريبا) يبرهن ويدفعك للإيمان - بعكس الحقيقة - أنني أنا أيضا غير مذنب”.

مثل هذه النقلة السلبية، والتي ترى في براءة الأب المفترضة تهمة أقسى، تحمل هدفا واضحا، له مفعول وتأثير، وآلية تعمل خلفه. والهدف تفجير “الصورة”، والمبالغة بها لدرجة عبثية لامجدية. سيتم إسقاط صورة الأب، المتطورة والموسعة خارج وخلف كل الحدود، على خريطة العالم السياسية والتاريخية والجغرافية، من أجل أن يبلغ مناطق واسعة منها: “أشعر كأنه بمقدوري أن أعتبر أن الحياة هي في تلك المناطق التي لا تغطيها أنت أو التي ليست بمتناولك”. بمعنى أنه يضفي صفة أوديبية على الكون بأجمعه.

ويتضمن اسم الأب كل أسماء تاريخ يهود وتشيك وألمان المدينة - المقاطعة - براغ. ولكن بعد ذلك، يعمد لتوسيع أوديب، وهي توسعة ميكروسكوبية، لدرجة تصور لنا بها الأب كما هو عليه. إنها تمنحه ثورة جزيئية، وفيها تأخذ المعركة شكلا مختلفا تماما، ولكنه منضبط. ويمكن أن تقول إنه بإسقاط صورة الأب على خريطة العالم، يفتح كافكا الممر الخاص بالصورة، ويخترع طريقة للخروج من هذا المأزق، ويربطه بشبكة متكاملة تحت الأرض، وبكل المنافذ التي تخلصه من هذه الشبكة. وكما قال كافكا ذاته، المشكلة ليست في التحرر ولكن في الهروب. ومشكلة الأب ليست حول: كيف يمكنك أن تتحرر منه (مشكلة أوديبية)، ولكن كيف تجد طريقك هناك، في نفس الموضع الذي ورط نفسه به.

إن فرضية البراءة المشتركة، والقلق الذي يتشارك به الأب والابن، هما أسوأ الافتراضات. وهنا يبدو الأب كأنه الرجل الذي عليه أن يدين رغبته الخاصة وإيمانه الشخصي، لو كان عليه أن يغادر “الغيتو الريفي” الذي ولد فيه. إنه يبدو الرجل الذي يطلب من الابن الاستسلام لأنه هو بذاته مستسلم لنظام مسيطر، ولأنه في وضع لا خلاص منه (“المسألة كلها، طبعا، ليست ظاهرة معزولة. وهذا مثل ما جرى مع شريحة كبيرة من يهود الجيل الانتقالي، الذين هاجروا من الأرياف الهادئة نسبيا إلى المدن”).

بإيجاز ليس أوديب من يقوم بالتسبب بالعصاب - ذلك أن الرغبة هي وحدها المتطلبة وهي التي تبحث عن طريقة للتعبير عن طلباتها الخاصة - وكذلك هي من يعمل على إنتاج أوديب. إن أوديب هو سعر العصاب في السوق. بالمقابل، لتمكين وتوسيع أوديب عبر الإضافة له وإلحاق البارانويا به واستعماله استعمالات شاذة وغريبة،  يعني أن تهرب من الطلب والاستسلام، وأن ترفع رأسك، وأن ترى ممرا فوق كتفي الأب. وهذه هي المشكلة طوال الوقت: إنها سياسة مجهرية (ميكرو- سياسة) شاملة للرغبة: للانسداد والهروب، وللطلب والإجابة. وفتح الانسداد،هو  نسف العائق. اختزال حدود الأرض الأوديبية في العالم عوضا عن إعادة تمكين كل شيء ضمن أوديب والعائلة. ولكن لتحقق ذلك على أوديب أن يوسع نقطة العبث والكوميديا. ومن أجل ذلك يجب إعادة كتابة “رسالة إلى الأب”. إن خطأ التحليل النفسي هو أنه يوقع نفسه في الفخ، ويوقعنا معه، بما أنه يعيش بعيدا عن سعر وقيم سوق العصاب، والذي منه يكتسب كل قيمته الفائضة. “الدراما والتراجيديات المكتوبة عن <ثورة الابن ضد الأب>، هي في الواقع مادة كوميدية” (2).

بعد سنتين من “رسالة إلى الأب” اعترف كافكا أنه “دخل في مرحلة قلق وهيجان” وحصل ذلك “بعد كل السبل التي رافقت زمنـ“ـه” وتقاليد”ه””(3). وبدا له أن أوديب هو واحد من السبل - الحديثة التي انتشرت على نحو واسع منذ عصر فرويد، مفسحة المجال لمؤثرات ساخرة عديدة. وكل ما فعلته هو الإفراط والمبالغة :”من المستغرب أن تمرر فكرة، وتربطها بالنظام، حتى تتحول إلى واقع”. لم يرفض كافكا التأثير الخارجي للأب فقط لتمرير تكوينات داخلية أو بنية جوانية تبقى أوديبية. “لا يمكنني أن أضمن أن البدايات الأولى لشقائي كان لها ضرورة من الداخل. وربما هي فعليا ضرورية ولكن ليس نحو الداخل - فهي تبتلع الذبابة مع أنه يمكن بسهولة طردها”. وهنا توجد نقطة أساسية: وراء الخارجي أو الداخلي ثورة، رقصة جزيئية، حد ارتباط شامل مع الخارج، وهو الذي سيكون مسؤولا عن التكرار بشكل أوديب مبالغ به وموجود وراء كل الحدود والخطوط. ويمكن له أن يظهر هكذا لأن للتضخيم الكوميدي جانبين اثنين.

من جهة يكتشف المرء وراء المثلث العائلي (أب - أم - طفل) مثلثات أخرى لا محدودة و أكثر نشاطا من التي تقترض منها العائلة قوتها الخاصة، دافعها الخاص لتطوير الاستسلام، وخفض الرأس وتنكيس مستواه. ولأن ليبيدو الطفل ذاك يستثمر حقا نفسه منذ البداية: بواسطة صورة العائلة، الخريطة الشاملة لعالمه. أحيانا يجد أحد شروط المثلث العائلي نفسه مستبدلا بشرط آخر يكفي لتغريب (ونزع الألفة) عن الشيء كله (وبالتالي يقدم مخزن العائلة مشهد: أب - موظف - طفل مع الحرص أن يحتل الطفل مكانه قرب أخفض الموظفين مكانة، لدرجة أنه يتمنى أن يلعق له بوطه، أو أن يأخذ الصديق الروسي مكان أحد شروط المثلث ثم يحوله إلى آلة قضائية أو إدانة). أحيانا يبدل كل المثلث شكله وشخصياته ويقدم نفسه على أنه قضائي أو اقتصادي أو بيروقراطي أو سياسي وهكذا. خذ على سبيل المثال القاضي - أحد المحامين يتهم في “القضية” حيث لا يبقى للأب وجود (أو الثلاثي عم - محامي- رجل وكل منهم يريد من “ك” أن ينظر للمحاكمة بجدية). أو الثلاثيات المتتالية - موظفو البنك، رجال الشرطة، القضاة. أو المثلث الجيوسياسي: ألمان - تشيكيون - يهود وهو إحالة واضحة تنم عن أب كافكا:”في براغ، ينظر الناس <إلى اليهود> على أنهم ليسوا تشيكيين، وفي ساتز وإيغار على أنهم ليسوا من الألمان” (4).

لهذا السبب إن فرضية براءة واضطراب الأب تشكل أسوأ إدانة، فالأب لم يفعل شيئا ولكنه أحنى رأسه، واستسلم لسلطة ليست سلطته، ودخل في مأزق، وذلك بعد خيانة أصله - يهودي تشيكي من الأرياف. وعليه إن مثلث العائلة الذي اكتمل تكوينه هو حقا طريقة لاستثمار نوع مختلف كليا، ويكتشفه الطفل باستمرار تحت أبيه، وداخل أمه، وداخل نفسه. كذلك إن القضاة، والوسطاء، والبيروقراطيين، إلى آخر هذه السلسلة، ليسوا بديلا عن الأب. ولكن الأب هو تكثيف لكل هذه السلطات التي يستسلم لها، ويحاول أن يجبر ابنه على الخضوع لها بدوره أيضا. العائلة تفتح الأبواب، والتي تقرع عليها من البداية “قوى شيطانية تستمتع بها لأنها حقيقة ستصل قريبا”(5).

إن ما أغضب أو حرض كافكا مباشرة ليس الأب أو الأنا الأعلى أو نوع من أنواع الدوال، ولكن جهاز التكنوقراط الأمريكي، أو البيروقراطية الروسية، أو ماكينة الفاشية. ولحد ما ينكسر المثلث العائلي إما في مرحلة من مراحله أو كله، ويتفكك لمصلحة تلك القوى والتي هي قوته الدافعة. ويمكننا القول إن بقية المثلثات التي تتراكم وتتطور خلفه تتضمن شيئا مرنا، تفريغيا، يتحول في نفس الوقت من مثلث لآخر، إما لأن أحد المراحل أو النقاط تبدأ بالتقدم، أو لأن أضلاع المثلث لا تتوقف عن فقدان شكلها.

وعليه في مقدمة “القضية” تتحول ثلاث شخصيات غير معروفة إلى ثلاث موظفين في المصرف، وتتحول المشكلة إلى ثلاثة مفتشين وثلاثة فضوليين يتجمعون أمام النافذة. في أول تمثيل للحكم، نكون في عالم المثلث المحدد بشكل جيد، وقوامه القاضي، وضلعان آخران، على يمينه ويساره.

ولكن لاحقا نلاحظ تقدما داخليا ينتشر مثل غزو سرطاني، عقدة لا يمكن التخلص منها وتتشكل من المكاتب والبيروقراطيين، هرمية غير محدودة ولا مفهومة، وفضاءات مشبوهة ملوثة (مع أنه يستعمل أساليب مختلفة كليا، ويمكن للمرء أن يجد الموازي لذلك عند بروست حيث أن اتحاد الشخصيات والأشكال المكونة تفتح الطريق لكوكبة سائلة، متعمقة، ومتوسعة).

وبالمثل وراء الأب، تجد كل غموض اليهود وإبهامهم، ولا سيما من غادر بيئته الشيكية في الريف لينتقل إلى البلدات الألمانية، حتى لو أن هذا يعني أنهم تعرضوا للهجوم من جهتين - من جهات مثلث التحول. وكل الأطفال يمكنهم استيعاب هذا. الجميع لديهم خريطة سياسية وجغرافية مع خط حدود متحركة ومفرغة. وهذا فقط بسبب الممرضات المرافقات، والخدم، وموظفي الأب، وهكذا. ولو احتفظ الأب بحب ابنه والإعجاب به، هذا لأنه طفل، كان الأب يواجه بعض القوى الشيطانية، بغض النظر عن أن هذا قد يعني خسارته أمامها.

ومع أن التوسيع الساخر لأوديب يسمح للمرء برؤية المثلثات القمعية الأخرى بعدسة المجهر، يبدو هناك بنفس الوقت وجود احتمال بالهروب، خط للهروب. بالنسبة للقوى اللاإنسانية “الشيطانية”، يوجد رد واحد عليها. أن تصير حيوانا: أن تصبح خنفساء، أن تكون كلبا، أن تكون قردا، “بسرعة وعزلة”، عوضا عن أن تحني رأسك وتكون بيروقراطيا للأبد أو مفتشا، قاضيا، أو محكوما. وكل الأطفال يجهزون أو يشعرون بأنواع الهرب هذه، أو الأفعال هذه التي تحولك لحيوان. والحيوان، باعتبار أنه صيرورة، لا علاقة له بالبديل عن الأب أو بالنمط البدئي (الأركيتايب). لأن الأب، يهودي يغادر البلد ليستقر في المدينة، ويسقط، بلا شك، في آلية إلغاء أرضه - الوطنية - الحقيقية. ولكنه لا يتوقف أبدا عن إعادة تحديد أرضه: بعائلته، وبعمله، وبنظام خضوعه ومسؤولياته.                    

بالنسبة للنمط البدئي هذه هي آليات إعادة تحديد أرضه الروحية (6). والصيرورة الحيوانية هي ضد ذلك بالضبط. هذه الصيرورة هي نزع حدود الأرض الوطنية بمعنى مطلق، على الأقل من ناحية المبدأ، وهي تنفذ عميقا في عالم صحراوي استثمره كافكا. “لا تزال جاذبية عالمي قوية أيضا. من أحبني أحبني، بالتأكيد كما أشعر، لأنني “مغفور له ” ليس بسبب مبدأ فراغ ويس *Weissian vacuum، ولكن لإحساسهم أنه في اللحظات السعيدة أستمتع بحرية الحركة بمستوى آخر لا أجده هنا في أي مكان” (7).

لتكون حيوانا يعني أن تشارك في الحركة، أن تجد مخرجا للهرب الإيجابي، أن تعبر العتبة، أن تصل لتدرجات في الشدة والتي لها قيمة بحد ذاتها فقط، أن تجد عالما من شدات نقية حيث كل الأشكال تذوب وتضمحل، كما يحصل في الدلالة والدوال والمدلولات، ولمصلحة مادة ليس لها شكل وقوامها تيار إلغاء الأرض، في الإشارات الضعيفة وغير الهامة.

حيوان كافكا لا يحيل أبدا إلى ميثولوجيا أو نمط بدئي، ولكنه يتوازى جوهريا مع مستويات جديدة، ومناطق شدات محررة، حيث أن المضامين تحرر نفسها من أشكالها، وكذلك من تعابيرها، من الدال الذي منحها الشكل - الصورة. لم يعد لأي شيء وجود سوى الحركة، والاهتزازات عتبات في مادة مهجورة: حيوانات، فئران، كلاب، قردة، صراصير يمكن التعرف عليها بهذه العتبة أو تلك، هذا الاهتزاز أو ذاك، في نفق أرضي معين للرايزوم -الجذمور - أو الحفرة. هذه الأنفاق هي شدات تحت الأرض. والفأر الذي سيظهر لنا، هو صفير يجر الموسيقا والمعنى من الكلمات. وفي القرد الذي سيتطور، هناك سعال “له نبرة خطيرة ولكنه لا يعني شيئا” (أن تكون قردا مصابا بالتدرن الرئوي). وفي الحشرة التي ستتحول، يوجد أنين كالتعزية يحمل معه صوت وصخب جرس الكلمات. إن غريغور سيتحول لصرصار ولكن لا ليهرب من والده وإنما ليجد مهربا، في حين أن والده لا يجد مهربا مثله. وليهرب من المدير، والعمل، والبيروقراطيين، وليصل لتلك المنطقة حيث الصوت لا يفعل شيئا سوى الهمهمة: ”هل تسمعه؟. إنه صوت حيوان، قال رئيس الموظفين”.

حقا إن نصوص حيوانات كافكا أكثر تعقيدا، كما يمكن أن تفهم من كلامنا. أو على العكس تماما هي أكثر بساطة. على سبيل المثال في “تقرير إلى الأكاديمية” المشكلة ليس في التحول إلى حيوان إنساني، ولكن أن تكون إنسانا قرديا. هذه الصيرورة تمثل بشكل محاكاة بسيطة، وهي مسألة تتعلق بالبحث عن مهرب (المهرب ليس “التحرر”). هذا المهرب لا يتضمنه فعل الهروب - العكس بالضبط. الهروب يفقد جدواه حينما يكون حركة غير مفيدة ضمن الفضاء، حركة حرية مزيفة.

بالمقابل الهروب يثبت حين يكون محطة هروبية، هروب له شدة (“لا، ليس الحرية هي ما أردته. فقط المخرج. لليمين أو اليسار. أو بأي اتجاه. أنا لا أطلب شيئا آخر”).

من ناحية أخرى المحاكاة سطحية فقط، ما دامت لا تهم إنتاج الأشكال وإنما انتاج الشدات المتدرجة للتطور المتوازي وغير المتجانس، حيث أن الإنسان يتحول إلى قرد، مثلما تحول القرد إلى إنسان. إن فعل الصيرورة هو قيمة - مضافة، واستحواذية وقابضة. ولكنه ليس تكاثرا انتاجيا ولا محاكاة. “لا أجد شيئا يجذبني في محاكاة الكائنات البشرية، وأنا أقلدها لأنني بحاجة لمخرج، وليس لأي سبب آخر”.

في الحقيقة الحيوان الذي يقبض عليه الإنسان يجد نفسه خارج حدود موطنه، وفقدان الأرض الخاصة يتسبب بها القوة البشرية. وهذه الفكرة هي ما تخبرنا به بداية قصة “تقرير”. ولكن بالمقابل إن سلطة الحيوان فيما يتعلق بإلغاء الأرض تكثف وتضاعف من أثر إلغاء الأرض التي تفرضها السلطة البشرية العاملة على نزع الأرض الخاصة (لو صحت العبارة). “إن طبيعتي القردية قد هربت مني، بسرعة فائقة وبعيدا قدر الإمكان، ولذلك إن معلمي الأول ذاته تحول إلى قرد بسببها، وسرعان ما تخلى عن دوره التعليمي وتم إبعاده إلى مصحة عقلية” (8).

وعليه هناك، قانونيا، جسر يربط تدفق الأرض الملغاة، وهو ما يغرق المحاكاة، مع أنها دائما ظاهرة مساحية (أرض خاصة). وبهذه الطريقة مع أن البستان يبدو أنه ينتج صورة للنحلة، هو بطريقة خفية وعميقة يلغي الأرض. وفي نفس الوقت النحلة بدورها تلغي الأرض الخاصة بالالتئام مع البستان: القبض على  جزء من الرمز، وليس إكثار الصورة بإعادة إنتاجها عددا من المرات. (في “تحريات كلب” نستبعد كل فكرة تشابه بكل قوانا. وكافكا يهاجم “الإغراءات المشبوهة للتشابه التي افترضها الخيال”. ومن خلال عزلة الكلب، الفارق الأهم، الفارق الفصامي، هو الذي يحاول أن يستوعبه ويفهمه). لذلك نحن لدينا أثران من آثار التطور أو التوسيع الساخر لأوديب: اكتشاف تناقضات المثلثات الأخرى العاملة تحت المثلث العائلي، والعاملة فيه. وحدود ممرات هروب اليتيم الذي يتعرض للتحول إلى حيوان.

ولا يوجد نص يبرز بشكل أفضل الارتباط بين الجانبين أكثر من “المسخ”. فالمثلث الأوديبي يشكل نفسه باستمرار. أولا، المدير الذي أصبح خطرا متطلبا. ثم الأب الذي تابع عمله في البنك والذي ينام ببذته، ليرمز للسلطة الخارجية التي لا يزال مستسلما لها. حتى وهو في بيته يكون “فقط تحت تصرف رؤسائه”. وأخيرا وبلحظة واحدة تطفل النزلاء البيروقراطيين الثلاثة الذين يقتحمون العائلة نفسها، ويحتلون أدوارها، ويجلسون “حيث كان يجلس غريغور وأبوه وأمه لتناول وجبات طعامهم”.

وكعلاقة تجمع كل هذه النقاط كان غريغور المتحول لحيوان، إلى خنفساء، خنفساء صيفية، خنفساء الروث، صرصار، يتبع خطا مشدودا يعبر عن الهرب وعلاقته مع المثلث العائلي، وبالأخص مع المثلث البيروقراطي والتجاري. ولكن في نفس اللحظة لماذا حينما يبدو أننا نفهم العلاقة بين “ما بعد” و“ما قبل” أوديب نصبح آباء وليس مخرج نجاة. لماذا نبقى في طريق مسدود؟. ذلك لأنه هناك دائما خطر العودة لسلطة أوديبية. والاستعمال المضخم والعكسي لا يكفي للحراسة من أي إغلاق، وكل تشريع مكرر للمثلث العائلي الذي يتسلط على بقية المثلثات مثل الخطوط الحيوانية.

بهذا المعنى “المسخ” قصة - نموذج لإعادة تمكين أوديب. ويمكن أن نقول إن آلية نزع حدود مساحة غريغور بتحوله لحيوان تجد نفسها متوقفة للحظة من الوقت. هل هو خطأ غريغور الذي لم يجرؤ على المتابعة للنهاية؟. لقد عمدت أخته، من أجل إسعاده، لتفريغ كل الغرفة. ولكن غريغور رفض التخلي عن لوحة السيدة ذات الفراء. ووقف مع اللوحة وكأنها صورة أرض وطنية أخيرة. وفي الحقيقة هذا ما لم تتمكن الأخت من تحمله. قبلت غريغور. ومثله قبلت زنا المحارم الفصامي، وهو زنا بعلاقات متينة، زنا محارم مع الأخت وهذا يتعارض مع زنا أوديب، فهو زنا يقدم دليلا لجنسانية غير إنسانية ، كما هو الحال في التحول لحيوان. ولكن بسبب غيرتها من اللوحة بدأت تمقت غريغور وتدينه.

من تلك النقطة وما بعد يتخلى غريغور عن أرضه ويفشل في التحول إلى حيوان. ويعيد تمكين أرضه في عقدة أوديب بواسطة تفاحة ألقيت نحوه ولم يبق أمامها سوى الموت. فالتفاحة تدفن في ظهره. وهكذا إن نزع أرض العائلة بمثلثات أكثر تعقيدا وشيطانية ليس أمامها مجال لتتطور. فالأب يطارد النزلاء البيروقراطيين الثلاثة، وهذه عودة لمبدأ الأبوة في مثلث أوديب، ثم تتوحد العائلة بسعادة وفرح غامرين مع نفسها.

أضف لذلك ليس من المؤكد أن غريغور كان مخطئا. أليس تلك الأفعال التي تحوله لحيوان لا تتبع مبادئها وفق الطريق المحدد لها - وأنها تحتفظ بقدر معين من الإبهام الذي يقود لعجزها و يكتب عليها الفشل؟.

أليست تلك الحيوانات لا تزال متشكلة جدا، وذات مدلول فائض، وبأرض وطنية محددة جدا؟. أليس كل التحول لحيوان يتأرجح بين مهرب فصامي وعائق أوديبي؟.  وغالبا ما كان يشير كافكا للكلب، وهو حيوان أوديبي بامتياز، في مذكراته ورسائله، ويعتبره وحشا فصاميا، مثل الكلاب الموسيقية في “التحريات”. أو الكلب الشيطاني في “إغراء القرية”. في الحقيقة إن قصص الحيوانات الأساسية عند كافكا مكتوبة فقط قبل “القضية” أو بنفس الوقت، كأنها نقطة مضادة تعارض الرواية التي تحرر نفسها من الاهتمامات الحيوانية ولمصلحة اهتمامات أعلى وأرقى.

 

.................

هوامش المؤلف:

 1- ماكس برود. فرانز كافكا: بيوغرافيا (نيويورك: شوكين بوكس، 1960). 20: "كافكا على علم بهذه النظريات <الفرويدية> على نحو جيد ويعتبرها دائما تفسيرات فظة وجاهزة و لكنها تظلم التفاصيل، أو لدقات القلب الحقيقية الناجمة عن المشكلة". (مع ذلك يبدو أن برود يعتقد أن الخبرة الأوديبية يمكن تطبيقها على الطفل و لاحقا فقط تجد نفسها تعمل كوظيفة من وظائف التجربة والخبرة الإلهية. ص: 32-33). وفي رسالة إلى برود (كافكا، رسائل، تشرين الثاني 1917، 167) يقول كافكا عن كتاب في علم النفس  أنه "يشترك في صفات كتب أخرى بعلم النفس، ومنذ اللحظات الأولى تبدو أطروحته مرضية على نحو مدهش، ولكن سريعا ما يشعر الإنسان بنفس الجوع القديم".

2- غوستاف يانوش، حوارات مع كافكا (لندن: أندريه دويتشي، 1971). 68.

3- كافكا. اليوميات. 24 كانون الأول. 1922. 210.

4- تيودور هرتزل. اقتباس في ويجينباخ. فرانز كافكا. أيام الصبا. (باريس: ميركوري. 1967). 69.

5- رسائل إلى برود. في ويجنباخ. فرانز كافكا. 156: "القوى الشيطانية، مهما كانت رسالتها، تحتك بالأبواب وتبتهج بفكرة أنها ستصل سريعا".

6- ملاحظة. على سبيل المثال. تحمل كافكا لقدر الصهيونية (على أنها إعادة توطين فيزيائية وروحية): ويجنباخ. فرانز كافكا. 164- 67.

7- كافكا. المفكرات. 29 كانون الثاني. 1922. ترجمة مارتن غرينبيرغ (نيويورك: شوكين بوكس: 1949). 2:215.

8- توجد نسخة أخرى من نفس النص وفيه تبدو المسألة لها علاقة بالمصحة: قارن، سعال القرد.

.........................

هوامش المترجم:

 * نسبة للدكتور إرنست ويس صديق كافكا.

*هذه هي ترجمة الفصل الثاني من كتاب :نحو أدب هامشي لدولوز وغوتاري.

 

 

2810 حياة حيناناإن عملية بناء العمل الروائي المتقن، تتطلب من الروائي أن يكون على علم مسبق بعناصر وأدوات وتقنيات صناعة الرواية، وكذلك أن يتحلى بوعي كبير ويشحن أفكاره ويعتلي صهوة هذا الجنس الأدبي المهم، وفي رواية "حياة.. حينانا" للروائي حسين السكّاف (دار فضاءات، عمان 2021)، نجد نظرية "موت المؤلف" لرولان بارت، حاضرة في عملية تدوين هذا النص السردي، فموت المؤلف مصطلح نقدي يعني اختفاء شبح المؤلف وسماته وصفاته وبصمته داخل النص، ليكون العمل الروائي وجهاً لوجه مع القارئ دون دخيل، وتنطلق الأحداث صافية نقية من منبعها الاصلي، حيث سيمر علينا اسم الروائي مع عنوان الرواية على وجه الغلاف، بعدها سوف يختفي عن ساحة الأحداث، وسنعيش الأحداث وحدها، فسرعان ما نكتشف أن راوية الأحداث هي بطلة الرواية (حياة)، التي ستكشف لنا لاحقاً الكثير من خبايا المرأة وأسرارها وعلاقتها الحميمية مع نصفها الآخر من كل الجوانب، سواءً روحية أو جسدية، وكذلك سوف نكتشف كيف استطاعت (حياة) أن تستغل جمالها، من أجل الوصول الى الغاية التي تريدها، ويصور المشهد التالي عن إمكانية الانتقال الى حياة المرأة وتقمص شخصيتها وكشف الكثير من حياتها:

"تعريتُ تماماً ووقفتُ أمام المرآة أتحسس جسدي، وأشكره لأنه منحني تكوين المرأة المشتهاة رغم صغر سني." (ص 26)

وهكذا فإن دائرة تلك الرؤية الفنية تكبر وتتسع لنتابع تفاصيل بطلة الرواية (حياة) التي تبدو لنا في الوهلة الأولى تفاصيل عن حياتها وانوثتها وجمالها ونضوجها ونمو شخصيتها داخل مبنى السرد، لكننا نتفاجأ بأن هذا، ما هو إلا  تمهيد لأحداث كبيرة وواسعة تخص هذا الجانب (وأقصد به جمالها وانوثتها) والمغريات الأخرى التي تجذب الرجل إليها، وما حقق لها ذلك هو مساحة الحرية التي منحت لها من قبل أمها وأبيها، وأول الأبواب التي سوف تفتح لنا هو عند شعورها بألم شديد في أسنانها ومرافقة والدها الى كلية الطب لمراجعة دكتور ماجد، ومن خلال جلسات العلاج تسحبه للإحساس بإنوثتها وجمالها، بمحاولات إغرائية، تعرف سرها المرأة، ولكنها لا تمنحه الفرصة للوصول الى المناطق المحظورة، ثم ننتقل الى الباب الثاني الذي يكشف لنا علاقتها برجل الأمن في الأسواق المركزية وإغرائه من أجل الحصول على غايتها وهي الحصول على البضائع النادرة والتي تباع خارج الاسواق بأسعار مضاعفة، ويتحقق لها ذلك وبل الأكثر منه، عندما يطلب منها باسل أن تُخرِج له بضاعته كونه رجل أمن ومسؤول، وهكذا يكون لنا مدخل كبير وخطير وصعب في حياة (حياة) عندما تُكلَّف من قبل باسل بإيصال قناني الويسكي للفنانة ذكرى التي تطلب منها العمل معها، كجليسة أو أنيسة أو صديقة لها، وهو ما نراه ظاهراً لكنه أخطر من ذلك عند دخول شخصية اللواء سهيل الذي يعمل في (الشعبة الرابعة) وهي إشارة لجهاز مهم وحساس من أجهزة الدولة، وكما فعلت (حياة) مع ماجد وباسل في عملية الأغراء ودخول العالم الأحمر دون أن تتأثر فعلت ذلك مع اللواء سهيل، الذي يقربها من أجل تجنيدها لتكون واحدة من إفراد هذا الجهاز الذي يمتاز بمهام خطرة للحصول على المعلومات الأمنية، وتوافق (حياة) في الدخول مع افراد الجهاز:

"موافقة" كلمة واحدة قُلتها لسهيل، كانت كافية لأدخل عالماً آخر... عالماً لم أجد نفسي فيه، بل كانت فتاة أخرى لا تشبهني." (ص 184)

وهكذا ننتقل الى أحداث أكثر عمقاً وخطورة، بل إنها متاهة كبيرة، وهو القسم الثاني من الأحداث، والذي سوف نستهله بعتبة نصية موازية تقول:

"في المتاهة"كل صوت.. ضجيج..."

لنتابع ما حصل على وجه هذا البلد إبان حرب الثمان سنوات، وما هي مهمة (حياة) ودورها في هذه المتاهة التي دخلتها، فقد مُنِحتْ رتبة ملازم بعد اجتيازها التدريب، وكُلفت بمهام خطيرة، منها إنها عملت وسيط في الحصول على الأموال التي يجنيها اللواء سهيل من الأعمال المشبوهة، حيث تنتظر من يحمل المال أمام باب البنك ومن خلال شفرة متفق عليها بين الطرفين تتعرف عليه وتستلم المبلغ المالي، وتضعه في البنك بعد أن تأخذ عمولتها البالغة عشرة بالمئة منها، وهنا يدخل دائرة الأحداث رياض وهو مدير البنك التي تغويه من أجل دخول عالمها لتسهيل مهامها، ويكون له دور في مسار الأحداث، والمهمة الأخرى تعيينها في دائرة البحوث والدراسات للحصول على معلومات، وكذلك تكليفها بمهمة دخول السجن، للحصول على معلومات عن ثلاث نساء دخلن السجن، وكذلك السفر الى شمال البلد، للحصول على معلومات تخص ابناء الشمال والمعارضين للسلطة آنذاك، وتدخل دوامة المتاهة أكثر، وتدور بها  بعنف كأنها عاصفة هوجاء، عندما يتقدم لخطبتها أحد المغتربين في (ستوكهولم) عن طريق اخته، ويطلب الجهاز والمسؤولين الموافقة على هذه الزيجة لكشف العناصر المعارضة هناك، وتدور أحداث كبيرة هناك أهمها اكتشاف زوج المستقبل بأنه بخيل جداً، وتفاصيل كثيرة تحت سقف هذه المتاهة، وتتعرف على الروائي "كريم" الذي سبق وأن قرأت له، لنكتشف من خلاله بنية العنونة كون (حياة) شبيهة بـ (إنانا) فكان يطلق عليها (حياة...حينانا)، ثم نعيش تفاصيل تتعلق بحياة (حياة) داخل هذه المتاهة التي تكشف لنا كبر مساحة المعارضة للنظام الدكتاتوري الحاكم آنذاك، فتلتقط صور وتكبرها لكل من ساهم في إدخالها هذه المتاهة وتضع الصور ملصوقة على الكراسي وتعد لهم وليمة، لتختفي بعدها (حياة) دون أن يعلم أحد أين ذهبت.

 

يوسف عبود جويعد

..............

الرواية من اصدارات دار فضاءات للنشر والتويع- المركز الرئيسي لعام 2021

 

 

منذر الغزاليصفقة.. قصة قصيرة

زحف نحو النّافذة واستند بكلتا يديه على حافّتها وبعد جهدٍ رفع جذعه الأعلى ليستقرّ على كرسيّه أطلّ برأسه على السّاحة الّتي تتحلّق حولها البيوت كما تحيط إسوارةٌ بمعصم.

شعر بانقباضٍ في صدره فمدّ رأسه وفتح فمه بحثاً عن نسمة هواءٍ في هذه اللّيلة القائظة

لا يفصله عن السّاحة سوى هذا الشّريط الصّدئ وماسورتان من الحديد تنتصبان أمامه تستعملان كحمايةٍ للنّافذة من الخارج.

كانت السّاحة ملعب صباه، ولكنّها لم تعد كذلك الآن ذلك زمانٌ ولّى ولن يعود.

وحدها ذكرى الصّفقة الأولى تعود كلّما حاول نسيانها.

اجتمع الأولاد في السّاحة للّعب كما يفعلون كلّ يوم بينهم ذلك الولد الخبيث نزار نظر إليّ بعينين ماكرتين وقال: أتحملني من هنا إلى باب بيتنا وأعطيك قرشاً! وضرب رجله بالأرض وهو يقول ثانيةً: من هنا فانتبه الأولاد للجزمة الجديدة الّتي كان يحتذيها.

لا أعرف بالضّبط لماذا خصّني بهذه الصّفقة.

أ لأنّني كنت قويّ الجسم؟

أ لأنّني كنت فقيراً؟

لمعت صورة القرش الّذي كان نزار يقلّبه بين أصابع يده في عينيّ.....

قرش يعني أن تشتري الحلوى اللّذيذة الّتي تشتهيها دوماً... أن تملأ جيوبك بالفستق الحلبيّ المملّح من دكّان أبي خليل لقد فتحت صورته ثقوباً في مخيّلتي يصعب ردمها.

لم يطل الصّمت طويلاً فعيون الأولاد تترقّب الجواب انتابني شعورٌ بالكراهية لهذا الوغد فصعد الدّم إلى رأسي كنت أرغب أن أرفسه كما يرفس بغل صاحبه بعد طول امتهان ولكنّ صورة القرش غلبتني فانتزعته من يده وأدرت ظهري وحنيته قليلاً: مددت رأسي إلى الأمام قفز نزارٌ فوقه وغرز أظافره الطّويلة في رقبي وسرت به نحو بيتهم وسط تصفيق الأولاد.

شعر وكأنّ الأظافر ما زالت مغروسة هنا في رقبته إنّها كالوشم لن تفارقه أبدا.

تلك أيام مضت وهذه هي الساحة الآن ملعبٌ للجرذان التي تتقافز فوق مستوعبات القمامة المركونة أمام البيوت، وعمد النور الذي يلقي ضوءه الأحمر على الساحة ما زال منتصباً مَكانه إنه الشاهد الوحيد على ما حدث قبل ثلاثين عاما.

كبرت وكبر الأولاد وتفرقنا ولم أعد أرى نزاراً فقد رحل مع أسرته إلى بيتهم الجديد خارج الحارة كما عرفت فيما بعد. وقد كانت فرصتي لنسيان تفاصيل تلك الصفقة. حتى جاء يوم انفتح باب البيت كان الشرطي واقفا يحمل أوراقا وخلفه رجل يبدو عليه الوقار يلبس بدلة أنيقة وربطة عنق ملونة، استقبلهما أبي لم افهم تفاصيل الحديث، ولكنّ أبي اصطحبني في اليوم التالي خارج الحارة جلست أمام الكاميرا وكانت رقبتي الطويلة أبرز شيء فيها ابتسم المصور ابتسامة بلهاء وهو يقلب عينيه بيني وبين الصورة، كانت مجانية التعليم تفرض على أبي أن يدخلني المدرسة، سنة واحدة في المدرسة في اليوم الأخير.

المعلم: سهيل تعال اقترب، اخفض رأسك.

امتثلت لما قال فكرر قائلا مُدّ رقبتك أكثر.

وعندما صارت مستوية أمام عينيه ناولني صفعتة وقال وهو يناولني الشهادة: حمار، في طريق العودة كان صدى الصفعة يرنُّ في أذني.

في البيت قذف أبي بقطعة الكرتون التي يسمونها شهادة ناولني صفعة جديدة وقال بحزم: من الغد تذهب للعمل في الطاحونة إنهم بحاجة لمن يساعد في إدخال أشولة الحبوب من على ظهور الحمير والبغال إلى المطحنة، نظر إليّ وركز نظره في رقبتي فقال وقد زال عنه الغضب: هذا عمل يناسبك، كنت في المطحنة ملايين ملايين حبات القمح تنزل في الوعاء المعدني الذي يشبه محقانا كبيراً وتخرج طحيناً ليناً.

لم يكن باستطاعته رفع ظهره أكثر فشبك أصابعه وأراح ذقنه عليها وعيناه نصف مغمضتين بجانب النافذة ربط عربته التي يبيع عليها بسلسلة حديدية مع كرسي الخيزران لقد صنع جوانبها من بقايا اللافتات الخشبية وألبسها من قماش كانت تحمل شعارات وطنية في ذلك اليوم خرجنا لمحطة القطار كان الوقت باكراً.

كانت هناك مسيرة تضامنية لا أذكر مع من!

وعندما وصلنا المدينة تجمعنا وزع علينا المشرفون اللافتات وقف أحدهم ينظر إلينا

- ما اسمك يا رفيق؟

كانت كلمة رفيق جديدة ولها وقع في أذني.

 - سهيل

وضع يده برفق على كتفي.

 - استدر.

فاستدرت

قال حسنا وجاء بشاب رقيق وقال:

- أنت ستحمله علي رقبتك وهو سيحمل اللافتة وستهتفان معا أردت أن أرفض َلكنني خفت ولم أستطع تفسير خوفي.

تقوّس ظهري أكثر ولم أعد أستطيع رفع رأسي فصرت أسير كمن يبحث عن شيء أضاعه في الأرض ولا يجده.

تركت العمل بالمطحنة بعد أن أغلقت فقد دخلت المطحنة الحديثة وصار الناس يحصلون على الخبز من الأفران، طرقت أبواب الرفاق للحصول على وظيفة وقفت أمام الرفيق أبي عماد

اسمك؟

سهيل

الأب؟

عبد ربه

الأم؟

مستورة

سنة الميلاد؟

1963

كتب المعلومات على ورقة رفع سماعة الهاتف تحدث وضحك كثيراً أعاد قراءة البيانات ووضع السماعة وقال:

- غدا تقدم أوراقك لمديرية التربية لتباشر عملك كمستخدم في المدرسة القريبة من بيتك

بدأت بشائر الصباح تطلع على الساحة وها هو سعال أبي نضال يتعالى مع أول سيجارة يدخنها على الريق وهو ذاهب إلى سوق العتالين، عند السابعة سينسل الأولاد من البيوت حاملين حقائبهم للمدرسة.

شعر بأن رأسه خفيف عنده رغبة بالطيران سنوات وهذه الأرض تشده إليها كأنه مربوط إليها بسلاسل حديدية لا تختلف عن السلاسل التي تريط عربته المركونة بجانب النافذة، كانت نافذة البيت مفتوحة على الغرب ويحتاج لوقت طويل حتى تصله الشمس ليدفئ عظامه المتخشبة.

مقدمة

الواقعية الجديدة أو الواقعية الاشتراكية مذهبٌ في الادب والنقد الأدبي، يعتبر تطوراً للواقعية الطبيعية والواقعية الرومانسية التي سادت في القرن التاسع عشر؛ وقد استلهم نقّاد الواقعية الجديدة من النظرية الماركسية في الجدلية التاريخية باعتبارها النظرية التي تعبر عن تطور المنظمات الاجتماعية عبر التاريخ، خواصّ ومصطلحاتٍ نقديةً، من هذه الخصائص نجد خاصّة (جدل الشكل والمضمون).

وتجد هذه الخاصة مبرر وجودها في هذا النص لما تملك اللغة من ترابط قوي مع المضمون من حيث اختيار الكاتب لعناصر السرد في المكان والزمان والشخصية والعنوان.

وستكون السطور القادمة تحليلا لهذا الافتراض من خلال تحليل اللغة في العناصر المذكورة في النص نفسه.

أولا، المكان القصصي

ابتدأ الكاتب قصته بجملة وصفية، وصف من خلالها حال شخصية القصة والمكان والزمان في عبارة مدروسة جيداً:

"زحف نحو النافذة، واستند بكلتا يديه على حافتها، وبعد جهد رفع جذعه نحو الأعلى ليستقر على كرسيه، أطلّ برأسه على الساحة التي تتحلق حولها البيوت كما تحيط إسوارة بمعصم"

ظهر المكان في هذه الافتتاحية بعنصرين اثنين: النافذة (وبالتالي الغرفة)، والساحة، وكلاهما مكانان مغلقان يوحيان بالحصار والضيق، أشبه بالسجن؛ فالنافذة من أكثر الرموز المستخدمة في الأدب التي تشير إلى السجن والتوق إلى الحرية... أما صورة الساحة، رغم ما تشير إليه عادةً من الانفتاح والحرية، فكان وصفها في هذه الافتتاحية يوحي بالحصار والضيق أيضاً.

هذه الافتتاحية ستحدّد لغة النص، وسترسم هدف الكاتب والنص معاً، سيما إذا اتّبعنا تصوير الساحة في تركيب لغويٍّ تالٍ لا يبعد كثيراً عن سابقه، حين يصف الكاتب الساحة: "تلك أيام مضت وهذه هي الساحة الآن ملعبٌ للجرذان التي تتقافز فوق مستوعبات القمامة المركونة أمام البيوت"

هذا حال البطل في افتتاحية القصة، في زمنه الحاضر، زمن الشيخوخة والتعب والمرض، المكان في القصة محدود بثلاثة أو أربعة أمكنة، الساحة والغرفة هما المكانان الأكثر رمزية والأكثر أيحاء، واستخداماً وظيفياً من قبل الكاتب.

الساحة يتغيّر حالها، وصفها بتغير الزمن القصصي، مثلما تتغير طبيعة وأوصاف شخصيّة القصّة الرئيسيّة بين الفتوّة والشباب والكهولة.

الساحة في طفولة البطل كانت واسعةً، منفتحةً بلا حدود، ملعبَ الطفولة، وساحةَ صراعٍ خفيّ بين طفلين يمثّلان طبقتين: الطفل بطل القصة، والذي عرفنا بأن اسمه سهيل، والطفل الآخر الذي أخبرنا الراوي عنه بأنه "الولد الخبيث نزار"، بما يحمل كلٌّ منهما من إشارة طبقيّة مجتمعيّة... وهنا حيث ابتدأت الصفقة، بخضوع طفلٍ لطفل/ طبقة لطبقة، بقرارٍ (إراديٍ)، تحت ضغط الفقر، وإغراء القرش... "قرش يعني أن تشتري الحلوى اللّذيذة الّتي تشتهيها دوماً"

الساحة الأخرى التي تحضر بشكل مضمر هي ساحة المدينة، حيث "كانت هناك مسيرة تضامنية لا أذكر مع من!،" كما يروي بطل القصة، في توريةٍ ذكيّةٍ تشير إلى كثرة المسيرات في تلك المرحلة، لدرجة أنه نسي مع من كانت تلك المسيرة التي يحدّثنا عنها. هنا كانت الصفقة الكبرى، والأخطر.. صفقة يكون فيها في الدرك الأسفل وفوقه يركب شخص آخر، دون حتى إغراء المال، أو العوز؛ إنه خداع الشعار، وكلمة رفيق التي خضعت تحت بريقها، ردحاً من الزمن، شعوب عريقة في التاريخ، ايماناً في البداية، ثم خوفاً وخنوعاً.

"الساحة الآن ملعبٌ للجرذان التي تتقافز فوق مستوعبات القمامة المركونة أمام البيوت"، متّسقة مع حال الشخصية، والمآل الذي آلت إليه بعد زمن القوّة والفتوّة.

ثانياً: الزمان القصصيّ

للزمان، كما للمكان دلالته ودوره الوظيفي في هذا النص.

فرغم أن الراوي يصف الزمان القصصي، ليشير إلى زمن السرد, وموقع اللحظة السردية في مجمل الحدث القصصي، إلا أن الزمن يبدو كأنه تأريخاً لمجتمعٍ كامل، إلى جانب كونه تأريخاً لمراحل عمر شخصيّة القصة.

ووقد اختار الكاتب أن يبدأ سرده من اللحظة الأخيرة في أحداث قصته، أو قبيل الأخيرة بلحيظات، كاشفاً لنا مآلات القصة، قبل أن يعود بالسرد إلى المراحل التي صنعت هذا المآل.

زمن القصة نكوصيّ، تراجعي، يبدأ من اللحظة الراهنة ليعود بنا الراوي دفعةً واحدةً إلى بداية القصة، إلى زمن الطفولة وبداية الصفقة، ثمّ يصعد بالزمن بشكلٍ خطّيٍّ مقسِّماً السرد إلى أزمنةٍ جزئيّةٍ متدرّجةٍ من حيث تطورها المساوق لتطوّر الحدث، فيرصد مفاصلَ زمنيّةً مكوِّنةً للحدث؛ حين ترك المدرسة، فتشكّل وضعه  العلميّ والمهنيّ والاجتماعيّ، الذي أصبح، بدوره، أساساً لحدثٍ آخر مفصليٍّ، حين طأطأ رأسه للمرة الثالثة، لكنْ لا ليحمل طفلاً مقابل قرشٍ، أو ليحمل أشولة القمح في المطحنة ليكسب رزقه ورزق عائلته، لكن ليحمل إنساناً آخر على كتفيه، في تمايزٍ اجتماعيٍّ جديد خلقته حالةٌ سياسيةٌ أكثر امتهاناً للكرامة وأكثر كذباً، تسودها شعاراتٌ خادعة، وروحٌ رفاقية تستغلّها (القيادات) وسيلةً لاضطهاد البسطاء.

في كلّ شريحةٍ من تلك الشرائح الزمنية يتقدّم الزمن السرديّ, ومعه الحالة الاجتماعية نحو شكلٍ جديد، مختلفٍ في الشكل، متماثلٍ في المضمون.

الزمن، في القصّة، يؤرَّخ بمراحل عمر البطل، من طفولةٍ إلى فتوّةٍ فكهولةٍ ثم شيخوخة. هي عمر الأوطان في فكر ابن خلدون؛ هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى يتعمّد الكاتب إظهار تاريخٍ زمنيٍّ طبيعيّ هو السنة 1963م، سنة ولادة سهيل بطل النص، وهذا التاريخ له رمزيّةٌ هامّةٌ يعرفها أبناء سوريا والعراق على وجه الخصوص، هي تحولٌ سياسيٌّ، استلم فيه ضبّاط كلا البلدين مقاليدَ الحكم فيما سمي بثورة، وبداية مرحلة الشعارات الغزيرة والمسيرات الحاشدة المحَشَّدة، وبروز طبقةٍ مسيطرةٍ جديدة، أكثر شراسةً وطغياناً، تفتقد \إلى الأصول أو القيم التاريخيّة كالطبقة البرجوازية التي سبقتها، هي طبقة الضباط وأعضاء القيادات الحزبية، التي قادت البلاد إلى الخراب، ذلك الخراب الذي افتتح الكاتب قصّته في وصفه واختتمها به أيضاً: "كانت نافذة البيت مفتوحة على الغرب ويحتاج لوقت طويل حتى تصله الشمس ليدفئ عظامه المتخشبة." وللاتجاه (الغرب) قيمةٌ رمزيّةٌ لها دلالاتٌ سياسيّةٌ من جنس المرحلة الشعاراتيّة التي قسمت العالم إلى غربٍ وشرق.

ثالثاً: الشخصية:

شخصيات القصة معدودة، لا تتجاوز أربع شخصياتٍ، أو خمس؛ غير أن الشخصية الفاعلة هي شخصية سهيل، بطل القصة والراوي في معظم القصة.

ظهرت شخصية سهيل بأربعة مواضع في أربع حالات؛ الطفولة والصفقة الأولى، ثم المدرسة والصفعة.

ثم الشبات والعمل والنشاط الحزبي، وأخيراً الشيخوخة والعجز.

في كلّ هذه المراحل كانت شخصية سهيل تخضع لاضطهادٍ مختلف؛ الطبقية الاجتماعية في القسم الأول من العمر، والاضطهاد الذي يخلقه مجتمع محافظ يتبع تقاليد بالية، تبيح للمدرّس أن يصفع طالبا، دون أن ينظر إلى الأسباب التي منعت عنه النجاح، والتي قد يكون هو جزءاً منها.

واضطهاد العمل الشاقّ الذي أحنى ظهره، واضطهاد قادته في الحزب الذين خلقوا طبقةً اجتماعية جديدة منبتّة، ليس لها جذور تاريخية، أو أصول تراعيها، طبقة القادة وكبار الموظفين في دولة الحزب الواحد، وأخيراً قهر المرض والشيخوخة المبكّرة وما رافقها من عجزٍ جسديٍّ.

في كلّ هذه المراحل تبدو اللغة مخاتلةً والالفاظ حمّالة أوجه.

يقول الكاتب في وصفه لحادثة الصفقة الأولى: " لا أعرف بالضّبط لماذا خصّني بهذه الصّفقة. ألأنّني كنت قويّ الجسم؟ أ لأنّني كنت فقيراً؟". تساؤلات البطل هذه، أو لنقل الإجابة عن هذه التساؤلات هي ما يريد أن يقوله الكاتب؛ لكنه امتنع عن قوله، تاركاً ملء هذا الفراغ للقارئ، حسب نظرية التلقّي، ترك للقارئ أن يقول: إنّ قوّة الرجل تنقلب لعنةً في الطبقات الفقيرة، لأنّ المستبدّ يبدأ بإذلال القويّ ليضمنَ خضوعَ بقيّة أفراد المجتمع له، وأنّ الفقر هو السلاح الأمضى، الذي، به، يمكنه إخضاع حتى الأبطال؛

ثم لننظر إلى وصف الكاتب للبطل وهو يمهّد للانتقال إلى المرحلة التالية من حياته: "لم يكن باستطاعته رفع ظهره أكثر فشبك أصابعه وأراح ذقنه عليها وعيناه نصف مغمضتين بجانب النافذة"؛

ثم كيف يروي البطل لنا شعوره حين طلب منه (الرفيق) أن ينحني ليرفع شخصاً ما على كتفيه في تلك المسيرة التضامنية: " أنت ستحمله علي رقبتك وهو سيحمل اللافتة وستهتفان معا أردت أن أرفض َلكنني خفت ولم أستطع تفسير خوفي".

وكيف ختم تلك المرحلة بهذا الوصف الذي يرد على لسان البطل: "تقوّس ظهري أكثر ولم أعد أستطيع رفع رأسي فصرت أسير كمن يبحث عن شيء أضاعه في الأرض ولا يجده."

هذه هي مرحلة النضال بالشعارات، وهذه حي حال البطل فيها.

ولنعد أخيراً لنقرأ الحالة التي آل إليها البطل بعد كلّ تلك الصفقات والصفعات، كما وصفه الكاتب في افتتاحيّة القصّة لغرضٍ مدروسٍ: "زحف نحو النّافذة واستند بكلتا يديه على حافّتها وبعد جهدٍ رفع جذعه الأعلى ليستقرّ على كرسيّه أطلّ برأسه على السّاحة الّتي تتحلّق حولها البيوت كما تحيط إسوارةٌ بمعصم."

أليست حال سهيل بن عبد ربه، بطل القصة وشخصيتها الرئيسية هي صورة عن حال المجتمع السوري (والعراقي أيضا) في النصف الأخير من القرن العشرين؟

أليست حال الساحة والبيت هي حالة الوطن التي خلفتها لنا تلك الصفقات التي فرضت علينا، قهراً وجوعا، وخوفا؟ وكلّ ما تركته من إرث هو بقايا شعارات مهترئة، لا تساوي إلّا قيمةَ الموادّ التي كُتِبت عليها؟ "ربط عربته التي يبيع عليها بسلسلة حديدية مع كرسي الخيزران لقد صنع جوانبها من بقايا اللافتات الخشبية وألبسها من قماش كانت تحمل شعارات وطنية...."

رابعاً: العنوان

الصفقة في النصّ صفقات، وفي حقيقتها صفعات، قَبِل بها البطل حُرّاً أو مُكرهاً، لعلّ أهونها هي الصفقة الأولى، تلك، على الأقلّ، اختارها بإرادته، وكان يمكنه أن يرفضها لو تحدّى بريق القرش وطعم السكر والفستق. أمّا الصفقات التالية فلم يكن قادراً حتّى على الرفض، ولم يكن قادراً حتى على التفكير، فالخوف مطبقٌ على النفس، والشعارات تملأ الأعين والآذان، وكلمة رفيق أداةٌ سحريّة يستخدمها الكبار في تدجين البسطاء، ويتخفّى تحتها البسطاء للهروب من الإحساس بالذلّ... وفوق هذا سلطة لا بدّ من ممالأتها لتؤمّن للإنسان وظيفةً حقيرةً تسدّ، من أجرها، رمق الأُسَر الجائعة.

وفي جوهر الأمر؛ الصفقة الأولى كانت هي الأهمّ لأنّ سهيل بن عبد ربّه، بطل القصة، رضي بالخضوع لطفلٍ مثله، بعد أن خضع للذة طعم السكر والفستق الحلبي المملّح.

يمكن أن تُختصر هذا الدلالة للعنوان بعبارة للروائي والسياسي الأردني الأستاذ سالم النحاس: "من يسقط مرة يسقط إلى الأبد، ولا نهاية لبئر السقوط "

الصفقة الأولى كانت أول السقوط، كان بإمكانه أن يرفض، لولا أن نفسه أخضعته أمام اللذة المشتهاة... ولا حدود للشهوات، ولا انتهاء للصفقات.

 

منذر فالح الغزالي

بون في 5/9/2021

 

  

خيري حمدانعلى الرغم من السنوات الستّة والثلاثين التي أمضاها الأديب والمفكّر والسياسي غسان كنفاني على وجه هذه المعمورة، قبل أن تختطف حياته عبوة ناسفة هو وابنة أخته لميس في الثامن من شهر يوليو عام 1972 في بيروت، إلا أنّه تمكّن من إنتاج العديد من القصص والروايات والمسرحيات والدراسات التي شغلت الكثير من النقاد منذ رحيله وحتى يومنا هذا.

سنتناول في هذا المقال أبعاد القصّة القصيرة التي تحمل عنوان "نصف العالم"، وتتميز ببعض سمات المدرسة العبثية في مفهوم الأدب المعاصر1 . كنفاني اهتمّ بالمدارس الأدبية وأساليب السرد والتطبيق الحديثة، لارتباطها بهمّ الوجودية واستمرارية تطور الفكر والإرادة البشرية.

هل يحتاج الإنسان لعينين اثنتين؟ كأنّ الأديب بهذا يضع الحكمة الإلهية على المحكّ.

عبد الرحمن وهو البطل الرئيس لهذه القصة يتّخذ قرارًا جريئًا وغير تقليدي بل وأحمق حسب تقدير بعض الأصدقاء والمقرّبين منه. يقرّر فقأ إحدى عينيه ويفعل ذلك من دون تردّد. هذا القرار يهدف لإثبات نظريته المتعلقة بعبثية امتلاك الإنسان لعينين اثنتين، وغالبًا ما كان يلجأ لإقناع من حوله بقدرة المرء على ممارسة حياة طبيعية بالكامل بعين واحدة، ولن يؤثر الاستئثار بذلك على الوظائف الحيوية البشرية. متى أقدم على ذلك وكيف؟ هذه تفاصيل ليست ذات أهمية على أيّة حال، لكن من المؤكّد أن عبد الرحمن قد قرر الوقوف ضدّ المعايير والنظم المعتمدة في المجتمع منذ القدم.

"لقد أعطانا عينين لنرى بهما.. ولما كان العالم قد فلت من بين أصابع الله فإن عينا واحدة تكفي تماما" لقد واصل السيد عبد الرحمن شرح فكرته ولكن بكلام غير مفهوم وكان خطه يدل على مبلغ اضطرابه، ثم طوى الرسالة وتوجه إلى المغسلة حيث استطاع بجرأة نادرة أن يفقأ إحدى عينيه بذات القلم الذي كتب به الرسالة. هكذا تروى الحادثة على ألسنة أصدقائه...

أما أهل بيته فيروونها بشكل مغاير، تقول أمه أنه كان في الحديقة وكان يعنى بشجرة تفاح زرعها صغيرا.. ولقد شاهد ذلك الصباح فرعًا جافًا ميتًا فحاول انتزاعه إلا أنّ الغصن الصغير كان مشدودًا بقوة إلى الشجرة الفتية، ولما كان السيد عبد الرحمن عنيدًا فإنّه استمر يشد الفرع بضراوة، وفجأة انسلخ الفرع بعنف ودخلت مقدمته بعينه فاقتلعتها.. (كنفاني، 1965، ص. 99).

هذا البطل غير التقليدي لا يعتبر استثناءً بصورة عملية عن الشخصيات الأخرى في أعمال كنفاني الأدبية. عبد الرحمن هو شخصية فريدة ومائزة للغاية فهو يعتبر النوم والغذاء أهم الاحتياجات البيولوجية. وعندما تسأله والدته عن دور المرأة وأهميتها في حياته يجيب بعد أن يتفكّر قليلا: كلا.. التدخين يأتي ثالثًا.. ثمّ المرأة.. (كنفاني، 1965، ص.97).

أيبدو بطل هذه القصة مجنونًا؟ أم أنّه نصف عاقل؟ يتداول أصدقاؤه ومعارفه هذه الأسئلة. الحقيقة أنّ عبد الرحمن غير معني بآراء الآخرين، فالأمور الحياتية تسير حسب رؤيته الخاصّة ولا توجد لديه أيّة نوايا لتغيير نمط حياته والانقلاب على مبادئه وعاداته على الرغم من تعرّضه للسخرية والعبث. كما إنّ الكاتب يضع بالحسبان استمرار حياة هذه الشخصية بنفس الوتيرة من دون تغيير جذري يذكر.

الغرابة في التعامل الفلسفي لعبد الرحمن مع البيئة المحيطة تجذب القارئ، لكنّ حادثًا واحدًا منفصلا قلب المعادلة رأسًا على عقب. لم يحدّد الكاتب كيف ومتى وأين تمّ ذلك، الأمر الوحيد المؤكّد هو أنّ عائلة عبد الرحمن أفادت بأنّ الحدث محض صدفة مع أنّ أصدقاءه يؤكّدون على أنّ الحادث برمّته ليس بريئًا ورتّبت تفاصيله مع سبق الإصرار والتصميم.

لكن دعونا نعود لجوهر الحدث الذي لا يعتبر بحدّ ذاته هامًا. بعد أن فقأ الرجل عينه بأداة حادّة خضع لعملية جراحية وتمكّن الجرّاح المختصّ من وقف النزيف الدموي من دون أن يتمكّن من إنقاذ العين المصابة، في تلك اللحظة بالذات انتقل عبد الرحمن لمرحلة جديدة من حياته وبات يرى نصف الأمور أو نصف اللوحة الحياتية أمام ناظره.

صار يشاهد نصف الأشياء فقط. فهو حينما ينظر إلى رجل جالس على الكرسي فهو لا يستطيع أن يشاهد إلا الرجل وإذا تطلع إلى الكرسي فهو لا يستطيع أن يرى الرجل الجالس فوقها.. وكانت الظاهرة حتى بالنسبة لأهله طريفة جدا بادئ الأمر فحينما كانت تدخل أمه الغرفة مع أخته كان لا يستطيع أن يشاهد في الوقت الواحد إلا واحدة منهما وكان يسألها عن الأخرى. وقد شرحت أمه الحادثة لإحدى الجارات قائلة إنها تعتقد أن ولدها ما زال واقعا تحت تأثير المخدر الذي استعمله طبيب جاهل أثناء إجراء العملية الجراحية، والذي كان يوشك يومها أن يودي بحياته. وكما يحدث في كل زمان ومكان نقلت الجارة الكلام إلى جارة أخرى، حيث تولت الأخيرة نشره في أرجاء الحي كله صعودا ونزولا..

ومضت أيام كثيرة إلا أنّ السيد عبد الرحمن على عكس ما توقعت أمه لم يتحسن بل زاد تطرفا في الأمر، وبعد عام واحد تقريبا لم يعد أي إنسان قادرا على إقناع السيد عبد الرحمن بأن الكرسي ما زال مكانا لجلوس رجل كما كان قبل الحادث وأن الذي دخل الغرفة اثنان.. (كنفاني، 1965، ص. 100).

لم يعد عبد الرحمن كسابق عهده فقد تسبّبت الإعاقة التي تعرّض لها بتشويه رؤيته وتعامله مع الحياة. أخذ الرجل يؤكد بما لا يقبل الشكّ بأنّه وحده القادر على رؤية الحقيقة واللوحة الحياتية النابضة وأنّ الآخرين عاجزين عن تركيب مكوّنات جوهر الأمور، ما أوجد حالة من الذهول بين أصدقائه والمقرّبين منه. أمّا الأطباء فقد استسلموا للأمر الواقع وأعلنوا استحالة إيجاد حلّ للحالة التي يعاني منها عبد الرحمن، ولا يمكنهم سوى صرف الأدوية والعلاج والمسكّنات مع أنّه لا يعاني من آلام.

وإذا ما تابعنا الحوار التالي مع الطبيب المختص سنتمكن من فهم أصول فلسفة ورؤية عبد الرحمن للعالم المحيط:

- أنت تعطي الدواء للمريض أو للمعافى؟

- "للمريض طبعا"..

- "إذا لماذا تعطيه لي"؟

- لأنك مريض..

- "إذا كنت مريضا فكيف تثق أنني سأتبع نصائحك؟ أنت تخاطب معافى! ولذلك أنت تخاطبه بكل هذه الثقة" (كنفاني، 1965، ص. 101).

لا يمكن لبطل غسان كنفاني أن يتقبّل أمرين أو صورتين في وقت واحد. على سبيل المثال السكون والتوتر، وإذا ما تحدّث شخص في مقهى الحيّ تجده لا يرى الطاولة التي يجلس إليها رفيقه، وإذا نظر إلى الطاولة فهو لن يرى الرجل الجالس إليها أو المتواجد بقربها، هو لا يؤمن باجتماع أمرين متناقضين كالفرح والحزن والموت والحياة في آنٍ واحد.

يحاول أصدقاء عبد الرحمن في هذه القصة إقناعه بأن يتعقّل وأن يتقبّل هذا العالم على حقيقته، لكن كلّ محاولاتهم باءت بالفشل وباتوا على قناعة من عدم قدرة هذا الرجل على رؤية أمرين متناقضين ذات الوقت، فهذه مهمة مستحيلة وتفوق قدراته الذهنية. الفكرة لدى عبد الرحمن تلغي نقيضتها على الفور بل تلغي كلّ شيء في محيط تواجدها.

انتباهه منحصر في صورة واحدة، شأن واحد، فكرة محددة وإذا ما ظهرت يختفي كلّ شيء باستثنائها. مع مرور الوقت تمكّن بطل القصة من فرض نظريته الأحادية على الرغم من المناوئين له، ونجح بجمع الكثير من المريدين والمناصرين لفلسفته الفريدة بل وأخذ هؤلاء بالدفاع عن نظريته واعتبارها حقيقة لا تقبل الطعن.

بات اسمه موضع جدل ونقاش متضارب الأوجه وفي المقهى نفسه الذي شهد نضوج نظريته استلم عبد الرحمن رسالة موجّهة منه وإليه فقط. لم يتفاجأ رواد المقهى من أنّه يكتب لنفسه ولأنّه غاب طويلا عن المقهى قرروا أن يفتحوا الرسالة لقراءة محتواها، جاء فيها إنّ الحياة معقّدة للغاية إذا أتيحت للجميع.

ما يزال عبد الرحمن إلى يومنا هذا على قيد الحياة يتمتع بصحة جيدة، يقطع الشوارع ويجوب المدينة بهدوء من دون أن يعير العربات المسرعة أدنى انتباه فهي بالنسبة له غير متواجدة ما دام ينظر للطريق والقضية محصورة فإما هو أو العربات؟

قصّة "فايشا العمياء" للأديب البلغاري غيورغي غوسبودينوف2 والتي ذاع صيتها خلال السنوات الأخيرة وتحوّلت لفيلم بتقنية الصور المتحركة يحمل نفس العنوان، نجح بالوصول إلى التصفيات النهائية لجائزة الأوسكار لأفلام الكرتون خلال العام 2017، تمتلك هذه القصة العديد من العوامل المشتركة مع قصة غسان كنفاني. تحمل القصتان فلسفة مشتركة نسبيًا لتأويل العالم الخارجي. فايشا هي امرأة شابة ترى العالم في الزمن الماضي بعينها اليسرى وتراه في المستقبل البعيد بعينها اليمنى. هذه الظاهرة حرمتها من إمكانية رؤية العالم في الوقت الراهن والجميع يعتبرونها عمياء بتصرّف. ولنقرأ هذا المقطع من قصة فايشا العمياء (ترجمة خيري حمدان):

تنظر بعينها اليسرى إلى الخلف حصريًا إلى الماضي. وبعينها اليمنى ترى ما سيحدث في المستقبل وحسب. مع أنّ عينيها الاثنتين منفتحتان تمامًا كما كافّة المبصرين، لكنّها بمنزلة العمياء. جميعهم يعتبرونها كذلك وينادونها بفايشا العمياء. نادرًا ما كانت تغادر المنزل وحين تذهب إلى الحديقة ممدودة اليدين، ترتطم بشجرة الكرز، وتمزّقُ أشواكُ شجيرات التوت البرّي بشرتها وتركُلُ بقدمها الأواني الفخّارية المتواجدة تحت مظلة المنزل. هي لا تدرك وجود شجرة الكرز والتوت البرّي والأواني الفخّارية، كما لا تعرف معنى اليوم الحالي. عينُها اليسرى على قناعة من أنّ تلك الأشياء لم تنبت بعد من التربة، أمّا اليمنى فتراها قد ذبلت أو تحلّلت وأصبحت جزءًا من التربة. أمّها هي أوّل من لاحظ إصابتها بحالة الضرارة الغريبة، لكن كيف لها أن تعلم أنّ عين فايشا اليسرى ترى المرأة المنحنية فوقها طفلة تحبو وتراها بالعين اليمنى عجوزًا بشعة محنيّة الظهر؟ (غيورغي غوسبودينوف، 2021، ص.79)

تفشل فايشا بالتعايش بسلام مع المجتمع وتبقى غريبة لحالة العمى الخاصة التي تعاني منها وتلاحقها حتى في أحلامها. إحدى عينيها خضراء والأخرى بنية ما زادها جمالا وبهاء وكثر من حولها طالبو القرب والزواج، لكن كيف تقبل بزوج تراه بعينها اليسرى طفلا يملأ المخاط أنفه وباليمنى عجوزًا منحني الظهر وشعر رأسه أبيضا وعلى الرغم من محاولات الطب التقليدي والشعبي لمعالجتها إلا أنّها بقيت ضريرة ولم يتمكن أحد من جمع عينيها في الحاضر لتعيش حياتها بسلام وبهجة.

سئمت فايشا نمط حياتها هذا. تملّكتها رغبة مرّة فقأ إحدى عينيها، أن تنتزعها بإصبعها. نعم، ولكن أيّ عين تختار؟ إذا انتزعت اليُسرى فإنّها تحكمُ على نفسِها بأن تعيش مع الحدث البعيد في مستقبل الأيام وهو ليس ممتعًا وغير سار. وبرفقة من ستعيش في ذاك المستقبل؟ من ذا الذي ستتعرّف إليه؟ إذا، فلتفقأ العين اليمنى. الماضي أكثر أمانًا ومريحًا ودافئ. لكن كيف لها أن تنظر لوالدتها وأبيها اللذان سيبدوان طفلين يسيل اللعاب من فميهما؟ كيف ستتعامل معهما وكيف تناديهما؟ فايشا محكومة ولا نجاة لها في الماضي أو المستقبل (غوسبودينوف، 2021/ ص. 81).

لم يتعرّض الأديب غيورغي غوسبودينوف لعيني فايشا بالأذى، لم يخاطر بإبقائها في الماضي أو المستقبل فالخيار على أيّة حال صعب للغاية على العكس من عبد الرحمن بطل قصة كنفاني الذي فقأ إحدى عينيه واختار البقاء في نصف العالم مؤكّدًا على أنّ الحقيقة لا يمكن أن تتواجد في موضعين أو في صورتين في فضاء واحد وفي الوقت نفسه.

حكاية كنفاني تبقى مفتوحة وليس من المتوقع أن يتوقف عبد الرحمن في حله وترحاله، ولن يعير السيارات العابرة في الطريق أمامه أو من حوله أدنى انتباه فهي غير موجودة في فضائه الخاص. وحكاية غوسبودينوف بلا نهاية أيضًا فقد تنجح فايشا يومًا ما من العثور على الشخص الذي يخلصها ويجمع عينيها في الحاضر بدلا من تشتتها ما بين الماضي والمستقبل. لكن وعلى العكس من بطل كنفاني لم تتجرّأ فايشا على فقء إحدى عينيها وقبلت بالأمر الواقع، وفايشا تبدو أكثر تفاؤلا من عبد الرحمن وستبحث عن النجاة والحلّ الناجع لمشكلتها بدلا من فرض حالتها على الآخرين باعتبارها حقيقة مطلقة.

 

خيري حمدان

.................

1- نشرت قصة نصف العالم ضمن المجموعة القصصية "عالم ليس لنا" عن مؤسسة الأبحاث العربية. صدرت الطبعة الأولى عام 1965

2- غيورغي غوسبودينوف: شاعر وروائي بلغاري شهير، ولد عام 1968 في مدينة يامبول. نالت روايته "فيزياء الحزن" شهرة عالمية، ترجمت للعديد من اللغات بما فيها اللغة العربية، نال الكثير من الجوائز الوطنية والأوروبية. قصة "فايشا العمياء" مدرجة في المجموعة القصصية "وحكايات أخرى". نقلها للعربية الأديب والمترجم خيري حمدان.

 

 

بحث: فلوريان توسان

ترجمة: علي ماجد شبو


 إن العدد الإستثنائي والمتزايد للعروض المسرحية المستوحاة من روايات دوستويفسكي في أوربا، منذ بداية القرن العشرين وحتى يومنا هذا، يدعو للتساؤل عن طبيعة العلاقة التي يرعاها المسرح مع هذا المؤلف. فإن بدت أعمال دوستويفسكي مرغوبة من قبل مخرجي المسرح بسبب صفاتها الدرامية، فإن نهجه الشعري يبدو في تعارض مع إستمرارية إستدعاءه الى المسرح. من هنا يبرز مفهوم "المسْرحة" أو "القابلية على المسْرحة"، في إلتقاط الرغبات المسرحية المتنوعة التي تثيرها روايات دوستويفسكي المتنوعة.

***

"إن دوستويفسكي خُلق للمسرح، ليس هذا فقط، بل انه أراد، طوال حياته، أن يكتب للمسرح. غير أنه لم يفعل ذلك أبداً، لسبب بسيط للغاية، وهو انه لم يكن هناك توافق محتمل، بينه وبين حالة المسرح، وما يُكتب له في ذلك الوقت"

هكذا يصوغ أندريه ماركوفيتش، (وهو مترجم جميع أعمال دوستويفسكي الى الفرنسية منذ تسعينيات القرن الماضي)، قوله حول عدم التوافق بين تطلعات المؤلف الروسي والمسرح في عصره. إلاّ أنه يؤكد بشكل قاطع، على توافق روايات دوستويفسكي مع "المسرح". ويبدو ان مايدعم وجهة نظره هذه، هو هذا العدد الكبير من الاقتباسات والإعدادات لروايات عديدة مثل الجريمة والعقاب، والأخوة كارامازوف، والشياطين، والابله – على سبيل الاستشهاد فقط بأعماله الرئيسية – التي تخللت الحياة المسرحية من القرن العشرين حتى يومنا هذا.

لعلّ هذا التوافق مع المسرح، والذي تجسّد لأكثر من قرن في تاريخ المسرح، لايزال بحاجة الى تحديد. يؤكد ماركوفيتش بأن طبيعة هذا التوافق تتبلور في الصفات الدرامية لروايات دوستويفسكي والتي، حسب قوله، تجعل منها "قصائد في مسار درامي". ولكن قبل ماركوفيتش، أي في بداية القرن العشرين، وصف ديمتري ميريكوفسكي أعمال دوستويفسكي على انها "روايات تراجيدية" ، وهو تعبير أحياه بعد ذلك فياتشيسلاف إيفانوف . ومنذ ذلك الحين شجّع النقاد التفكير بهذا النموذج من الفن المسرحي.

ان نقطة البداية لهذا "الحدس" هي إكتشاف أهمية الحوارات في سياق السرد، والتي يبدوأن العمل الروائي بأكمله يتقارب فيها من المسرح الى درجة يظهر فيها (العمل الروائي) كسلسلة من "مشاهد الأزمة". وفي ذات السياق، نجد أن باختين  يهتم بشكل خاص بالتمييز بين مايسميه "الحواريّة" وبين "الحوار المسرحي"، فهو يستدعي المسرح للتعرف على جوانب معينة من شاعرية دوستويفسكي. ثم يكتب ببلاغة: " أن المقولة الأساسية في رؤية دوستويفسكي الفنية ليست "الصيرورة" بل التعايش والتفاعل. لقد رأى دوستويفسكي عالمه وفكّر به، بشكل أساسي، كفضاء للمكان، وليس للزمان. وهو مايُفسّر ميله الى الشكل الدرامي. فهو يحاول ان ينظّم كل المواد التفسيرية وكل عناصر الواقع التي يمكنه الوصول اليها في وحدة زمنية، وبشكل متقارب درامياً.

يذهب جاك كاتو ،الذي كرّس بحثه في أنماط الخلق والابداع عند دوستويفسكي، الى أبعد من ذلك: فهو يعتبر المكان في روايات دوستويفسكي بمثابة الديكور بسبب وصفه البسيط، كما يعتبر المقاطع الحادّة للحوارات على إنها إشارات تدلّ على الإضاءة، منبثقةً من التنغيم في الصوت، ومن الإيماءات، ومن طريقة ظهور الشخصيات في المشاهد الروائية. كل ذلك يشكل تركيزاً حقيقياً لعمل دوستويفسكي الروائي تجاه النوع الدرامي، وهو ما يمنح هذه الاعمال قيمة أخرى. قيمة يبدو أنها قادرة على إتخاذ شكل "النوع المسرحي" الذي يغوي على المسْرحة وتكييف هذه الروايات للمسرح. وهي كذلك، دعوة للتغلب على فكرة "مقاومة" رواياته للإعداد للمسرح – بسبب حقيقة حجم هذه الروايات، أو بسبب التشابك المعقد لحبكتها، او العدد الكبير من الشخصيات التي تتجمع، أو الأماكن المتعددة التي تجري فيها الرواية، أي كلّ مايؤيد فكرة مقاومة المسْرحة.

بينما لايزال المخرجون المسرحيون يستحضرون دوستويفسكي كثيراً لتبرير نهجهم. نجد ان الاسلوب الشعري غير كاف لتفسير التزايد الملحوظ لحالات إعداد روايات دوستويفسكي الى المسرح على مدى اكثر من قرن. لفهم ذلك، يبدو انه من المناسب تجاوز فكرة "الإمكانية التطويعية" لروايات دوستويفسكي الى المسرح (والتي نعني بها الملائمة البسيطة للمسرح، وفقاً لمعايير تتغير بمرور الزمن) الى إستنفار مفهوم "المسرحة" : ذلك لإن المسْرحة تسعى الى التفكير في الأشياء التي تهم المسرح حتى لو لم تكن متوافقة تماماً معه - أو ربما لهذا السبب بالذات – تبدو مناسبة، وذلك لإن هذه الملائمة مرتبطة "بمشهدية" المسرح الذي يتطور من جهته، سواء من حيث أعرافه أو من حيث تطلّعاته. إن ديناميكية المعايير، في خواص الموضوع الذي نتبناه، وفي خواص الشروط التي نعتمدها ، ثم تفاوت هذه الخواص المختلفة فيما بينها، والتوقعات المرتبطة بهذه الخواص بالنسبة الى المسرح، كل ذلك يجعل التفكير في الصلات المتعدّدة التي تربط دوستويفسكي بالمسرح شيئاً ممكناً.

لتوضيح الطبيعة التي تختلف، في كل مرة، لما يبدو قابل للمسْرحة عند دوستويفسكي، ومن فنان الى آخر، سنعتمد على أمثلة لثلاثة إقتباسات أو إعدادات من ثلاث روايات من قبل ثلاثة مخرجين فرنسيين من ثلاث فترات زمنية مختلفة، ووفقاً لثلاث مفاهيم متميزة في المسرح: مسْرحة جاك كوبو لرواية الأخوة كارامازرف عام 1911 ، ثم الإعداد المسرحي لرواية الشياطينLes Démons باسم الممسوسين Les Possédés من قبل البير كامو عام 1959 ، والعرض المسرحي الذي قدّمه فنسن ماكين عام 2009 والمستند الى رواية الأبله L’Idiot . فعلى الرغم من الخمسين عاماً، التي تفصل بين عرضيهما، إلاّ اننا نجد إستمرارية معينة تربط مقاربات كوبو بمقاربات كامو. بالمقابل فان ذات الفترة الزمنية تفصل بين فنسن مكين والبير كامو، غير أن الفارق النوعي بين الاثنين كبير جداً. حيث إن فنسن ماكين هو وريث رؤى ومشاريع حاسمة في بنية المسرح، إبتدأت من برتولت بريخت وهاينر مولر  من الإرث الألماني في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي جددت التفكير في المسرح وقادت – بمساعدة آخرين مثل هانزتيس ليهمان – لتأسيس مفهوم "مابعد الدراما" في محاولة لتحديد إتجاهات معينة في المسرح المعاصر .

مع الأخذ في الاعتبار هذه القفزة التاريخية، سيكون من المناسب توجيه التساؤل الى كلّ مخرج منهم عن الدوافع المسرحية التي أثارتها أعمال دوستويفسكي لدى كلّ منهم، والنظر من خلال عمليات "المسْرحة" التي تمت، الى العروض المسرحية التي طُبقت. إن تأمّل ذلك، حسب التسلسل الزمني، سيمكننا من نسج روابط بين العروض الثلاثة، بشكل تدريجي، كما ان ذلك سيساعد على وضع معايير للمقارنة، وكذلك لمتابعة التطورات الموازية لها في المسرح والممارسات السائدة في عمليات الإعداد المسرحي.

جاك كوبو والإخوة كارامازوف:

إعادة التفكير في اللعبة المسرحية من داخل شخصيات دوستويفسكي …

عندما فكّر كوبو، في عام 1907 ، بإعداد رواية الأخوة كارامازوف لدوستويفسكي، لم يكن، آنذاك، كاتباً مسرحياً مميزاً ولا مخرجاً مسرحياً مميزاً، إنما كانت علاقته في المسرح تقتصرعلى كونه مشاهداً وناقداً منشغلاً بجودة المسرح وما يؤول اليه. وبالنسبة اليه، كرجل أدب، كان قد عبّر في مقالاته عن الحاجة الى إصلاح المسرح في عصره، فقد جاء عرضه المسرحي، المعدّ عن رواية الأخوة كارامازوف عام 1911 ، بمثابة التجربة الأولى في مسيرة هذا "الإصلاح"، وقد كان لهذا العرض قيمة البيان.

إختطّ كوبو نهجاً لتحديث المسرح من خلال إعداد الروايات الادبية، في الوقت ألذي يستنكر فيه سيطرة الأدب الكبيرة جداً، على هذا الفن، مما يجعل نهجه يبدو غريباً مسبقاً. ولكن، ولتبرير مشروعه، يستدعي كوبو طبيعة روايات دوستويفسكي "القابلة للمسْرحة"، وخاصة رواية الأخوة كارامازوف. أي أنه يجانس رغبته في إصلاح المسرح مع تلك التي يراها في الاعمال الروائية لدوستويفسكي. لذلك فإن منهج كوبو في المسْرحة – والذي يُفهم هنا على أنه مايحث الرغبة في الإعداد المسرحي – يندمج مع ماهو قابل للإعداد والتكيّف، وينسجم، ببساطة، مع منهجه الإصلاحي. ومع ذلك، فإن كوبو في النهاية لايعتمد على الإمكانات الدراماتيكية في العمل الروائي الأّ قليلاً، بل إن ممارسته في إعادة صياغة الرواية بشكل تام، يُشير الى ان إهتمامه بالرواية يكمن في مكان آخر.

في برنامج العرض (الكتيب او البروشور) الذي تمٌ توزيعه عند إعادة العرض في مسرح فيو كولومبيه Théâtre du Vieux-Colombier في عام 1914 يؤكد كوبو"إن نقطة إنطلاقنا هي القيمة الدرامية، في حدّ ذاتها، في عمل دوستويفسكي الروائي، وخاصة رواية الأخوة كارامازوف" . من الواضح ان هناك عدة عناصر تدفعه الى جعل، روايات دوستويفسكي، القابلة للإعداد، سبباً معلناً لمشروعه في المسْرحة.

في البدء، كانت قرائته للأعمال الادبية المترجمة حديثاً آنذاك، لكتّاب مثل ديمتري ميريكوفسكي وتولستوي ودوستويفسكي، والتي أستشهد بها، بنفسه، في برنامج العرض المسرحي (الكتيب او البروشور). هذه القراءات ساعدت في ان يجد دعوة أولى للإعداد المسرحي، خاصة عندما قرأ أن "أعمال دوستويفسكي الرئيسية، في الواقع، ليست روايات ولا ملاحم، بل تراجيديات ومآسي" . ولدعم هذا التأكيد، يكشف ميريجكوفسكي طابع العذاب الذي تستشعره شخصيات دوستويفسكي وصراعها الدائم مع الذات، ويؤكد على أهمية الحوارات في الرواية و التي تجعل منها شبيهة بالسيناريو. يتبنّى كوبو هذا التحليل، ويستخدم عناصره في الكُتيب، بالعبارات التالية:

" ليست غزارة الحوادث والمغامرات، ما يمسّ الحواس بشكل مباشر فحسب، بل ويفجّران كل المظاهر النفسية. لأننا، عند قراءة هذه الروايات، نشارك فيها، فالشخصيات تقوم بتحلّيل نفسها، وتعبّر عن ذاتها فقط من خلال الحوار، الى الحدّ الذي حين يغيب الحوار من النص، يدفع المرء الى التفكير في الإرشادات المشهدية، في المسرح، والتي يجدها بين الحوارات" .

بمثل هذه المقارنة بين شاعرية دوستويفسكي ورموزه الدرامية، يضفي ميريكوفسكي الشرعية على جهود الإعداد المسرحي لرواية الأخوة كارامازوف.

قبل ذلك، أستطاع كوبو أن يلمح حجم الإمكانات الدرامية للعمل الروائي من خلال قراءة الترجمات التي كانت تحت تصرفه. وتجدر الإشارة هنا، الى أن هذه الترجمات كانت تعتمد تكرار الحذف والتلاعب بالنص، الى حد الإضافة، من أجل إراحة الجمهور الفرنسي من الوصف الروائي الطويل والاستطرادات المتعددة، وتنتهي الترجمة بصياغة النص على الذوق الفرنسي. وبهذا، فإن الترجمة إبتعدت عن مسارها الى الحد الذي صاغ فيه المترجمون، مايمكن ان يكون، الشكل الأول "للإعداد"، والذي جعل العمل أقرب الى النوع الدرامي.

وفقاً لمسرح معين آنذاك – والمقصود هوالمسرح الواقعي الموروث من القرن التاسع عشر، والذي أستحوذ، بيسر، على الروايات الأدبية - فإن ماتمتاز به رواية الأخوة كارامازوف هو إمكاناتها على "المسْرحة "، هذه الإمكانات شكّلت قيمة كبيرة لإستنهاض الرغبة في الإعداد المسرحي. يهدف النهج، في هذه الحالة، الى تحويل الرواية الى مسرحية، وعند عرضها على المسرح ستتمكن شخصيات دوستويفسكي من العودة الى الحياة. أما الكاتب والروائي الفرنسي أندرية جيد André Gide ، والذي كان المحاور المتميز لكوبو طوال فترة عمله، عرض وصفاً لمثل هذا النهج عندما كتب في صحيفة الفيجارو Le Figaro قبل أيام قليلة من العرض الأول لمسرحية الأخوة كارامازوف بأن التحدي الذي يتعين مواجهته هو قضية تقديم وعرض الشخصيات:

"إنها مسألة إدراك فيما إذا كانت هذه الشخصيات التي حُملت اليوم الى المسرح — فمن بين كل إبداعات الخيال ومن جميع ابطال التاريخ ليس هناك مايستحق اكثر في ان يقدم على المسرح — تجعلنا قادرين على تمييز القلق المنبعث عن أصواتها (أصوات شخصيات الرواية) من خلال أصوات الممثلين المنغمة والمنسقة" .

ومع ذلك، فإن كان أندريه جيد قد أشار الى ذلك، فإنه لايلتزم بمفهوم الإعداد المسرحي بإعتباره تجسيداً بسيطاً لشخصيات رومانسية من قبل الممثلين على خشبة المسرح. أنه يُشير في الواقع الى ان شخصيات دوستويفسكي ليسوا مجرد أيّ شخصيات، بل أن هذه الشخصيات "تستحق" أكثر من غيرها في أن تصعد على المسرح، مدعومة بأصواتها الباعثة على القلق. إن هذه الصياغات توحي بإدراك خاص لشخصيات دوستويفسكي، وقد عمّق أندريه جيد، هذا الإدراك، بعد سنوات قليلة، في سلسة من المقالات والمحاضرات . فقد حدّد بشكل خاص، من خلال تحليلاته، مفهوم "التعقيد" - الذي يُوصف من الان فصاعداً بالإيجابي . فوفقاً لأندريه جيد، فإن ذلك التعقيد ينبع من تشابك روايات دوستويفسكي مع فكر مطلق ولانهائي للشخصيات الواقعية التي لا تُختزل بأيٍّ رمز أو نوع أو طابع غير مستقر، ويتّضح ذلك في حالات إرتباكها. يُضاف الى ذلك، الرأي القائل أن دوستويفسكي أستوعب، من خلال شخصياته، "الحياة ذاتها" أفضل من أي شخص قبله. ن ولهذا السبب فإن هذه الكائنات، التي يعتبرها أندريه جيد حيّة منذ البدء بقراءتها، تستحق، برأيه، اكثر من غيرها في أن تكون على خشبة المسرح.

كابو كان متأثراً بأفكار أندريه جيد، والتي شاركه فيها منذ عدة سنوات، وبدوره حاول صياغة، ما يبدو بالنسبة له، فرادة الشخصيات وعلاقاتها عند دوستويفسكي وذلك لنشرها ضمن دراسة شاملة عن دوستويفسكي قام بها أندريه سواريس في مجلة النقد الفرنسي الجديد، فهو يقول: " إني أشعر بأن (الشخوص) تعيش على الحافة، وعلى حدود بعضها البعض، هم يحبون أو يكرهون بعضهم البعض، ينجذبون لبعضهم أو يهدّدون بعضهم البعض بشكل يتلامس بخطورة شديدة. هكذا تنتشر فيما بينهم العدوى المفاجئة والصاعقة. وقد يُقال بأن كل شخصية ممتلئة جداً بوجودها وبلهيبها الى حدّ السماح بالانفجار والفيضان" .

في توضيح هذا التقارب، الذي يتأرجح بين التواطؤ والتنافس، والإنتقال من موقف الى آخر، لٓمٓحٓ كوبو نوعاً من "علم النفس" مختلفاً عن ذلك النوع المنطقي والسببي الذي يهيمن على الأدب آنذاك، بل وأكثر من ذلك، النوع المهيمن على المشهد المسرحي في عصره. لعل هذا المفهوم الجديد "للشخصية"، هو مايبدو بالنسبة لكوبو قابل "للمسْرحة" لأنه ينفتح على إمكانات أخرى للأداء المسرحي. فعندما قام في عام 1913 بإفتتاح مسرح دو فييوكولومبية Théâtre du Vieux-Colombier بعد تجديده الكامل لمحاربة روح التصنّع والمناورات التي سيطرت، حسب رأيه، على هذا الفن، كان كوبو يضع في قلب مشروعه الإصلاحي مسألة أداء الممثل. وشكّلت الأخوة كارامازوف لدوستويفسكي نقطة الانطلاق لبحثه هذا.

ولهذا، فقد كان رهان كوبو على الإعداد المسرحي، يعتمد منذ الآن، على إسثمارعلم النفس الجديد. من هنا، يمكن تفسير رفضه الانسياق نحو"الاعداد" الذي يجمع "القصاصات البسيطة التي يتم إجتزازها من قلب النص الأصلي وتقدّم بدون ترابط، وبوتيرة واحدة". كان كوبو، على العكس من ذلك، يلتزم بتقديم الرواية، كما يقول "بشكل دقيق، مضغوط قليلاً، ومتوازي هندسياً تقريباً مع مانفرضه عادة على أعمالنا الدرامية"  . هذا الشكل الذي يميّز الدراما بالنسبة اليه، يتشابه مع المسرح الكلاسيكي: فمن بين الكتب الاثني عشر لروايات دوستويفسكي وعدة آلاف من الصفحات، يكتب كوبو مسرحية متكونة من خمسة فصول وأربعة وأربعين مشهدا. وبالمثل يخضع كوبو، الى حدّ ما، الى قاعدة تجزأة المشاهد المسرحية. أن مثل هذا الاحترام للقيود الدرامية لا يُفصح فقط عن الرغبة في تنظيم المادة الرومانسية، وإحياء سردها، وإعادة إنتاج آثارها، بل إنه يُبرز الإرادة في خلق المَشاهد المسرحية، وإعادة تركيب الحالات الدرامية المختلفة، مع إدراك مدى تعقيد الشخصيات وتشابك علاقاتها. هذه الحالة تظهر بشكل خاص في المواجهة بين إيفان وسميردياكوف في الفصل الخامس، والذي يُعتبر أفضل المشاهد التي تُصور تحليل كوبو،المشار اليه، من خلال إظهار البنية التحتية للغة والتي يقوم عليها حوار الشخصيتين اللتين تندمجان أحياناً وتنفصلان بعنف في أحيان أخرى. فضلاً عن الأهمية التي يُوليها كوبو لإختيار الممثلين والتنظيم الدقيق للحركات والإيماءات المسرحية التي تأخذ معنىً محدداً ضمن هذا المنظور.

إن تصريحات كوبو المختلفة حول رغبته في إعداد الأخوة كارامازوف تسلط الضوء بوضوح على التوتر الذي وقع فيه بين مسرح عصره وطموحاته الكامنة لتجديد هذا الفن. ويبدو أخيراً انه يعتقد بان هذا التجديد يبدأ من دوستويفسكي، الذي يبرز هنا كرافعة محتملة لهذا التحول والتجديد في المسرح. إن أهمية هذا العرض الأول، والتأثير الدائم لدوستويفسكي على تفكير كوبو، يمكن قياسه من خلال السطور القادمة والتي تحمل مفردات مهمة كتبها بعد بضع سنوات حول العلاقة التي يجب ان يمتلكها الممثل مع شخصيته:

" أنت تقول عن الممثل بأنه يدخل في الدور، وبأنه يتلبس الشخصية، ولكن، يبدو لي أن هذا ليس صحيحاً، لأن الشخصية هي التي تقترب من الممثل وتطلب منه كل ماتحتاجه من أجل أن تُملئ وجودها. وبالإعتماد عليه تبدأ هذه الشخصية في الدخول شيئاً فشيئاً تحت جِلد الممثل. وهنا يحرص الممثل على ان يترك المجال مفتحوحاً للشخصية. لا يكفي أن ترى الشخصية جيداً، ولا أن تفهمها جيداً، لكي تصبح جديراً بأن تكونها. لا يكفي حتى أن تمتلكها بشكل جيد لكي تمنحها الحياة، بل يجب أن تكون مسكوناً بها ".

الممثل أرسين دوريك (في دور سميردياكوف) والممثل شارل دولان (في دور إيفان) في الفصل الخامس من مسرحية الأخوة كارامازرف. مسْرحة وإخراج جاك كوبو، أيار/ مايو 1911 .

كامو والممسوسون:

إحياء التراجيديا من خلال التساؤل الفلسفي

قدّم البير كامو في مدينة الجزائر، العاصمة، عام 1938 وعلى مسرح الفرقة « Théâtre de L’Equipe » ، الذي قام بتأسيسه، النص المعدّ من قِبَل كوبو لرواية الأخوة كارامازوف، وقام هو بتمثيل دور إيفان. ويعترف كامو: " لقد أحببته فوق كل شيء، ربما مثّلت الدور بشكل سيء، ولكن بدا لي بأني أفهمه تماماً، لأَنِّي عبّرت عن نفسي بشكل مباشر من خلال تمثيل الدور" . ويبدو أنه يعني أن فهمه لشخصية إيفان، لم يكن يستند على "الشخصية" كما أُعدت من قِبل كوبو، حيث من المحتمل أن كامو كان يشير الى تمثيله وفهمه لشخصية "إيفان" كما ورد في النص الأصلي لدوستويفسكي.

إن أفكار وتأملات إيفان، في الواقع، غذّت الحوار الفكري الذي كان كامو يقيمه مع دوستويفسكي في كلّ أعماله، وهو حوار طويل الأمد ينتهي بالممسوسين Les Possédés . إن شخصيات مثل إيفان وستافروجين وكيريلوف وماتحمله من إفكار، غذّت بالفعل كل إبداعاته، لماذا إذن يعود كامو الى الإعداد المسرحي في عام 1959؟ مالذي بدا له قابل للمسْرحة في رواية الشياطين Les Démons ، وهي أكثر روايات دوستويفسكي إيديولوجيةً، والتي أشار اليها مؤلفها على أنها كتيب؟

خلال مقابلة مع مجلة "عروض" Spectacles ، يتذكّر كامو: "تعرّفت على أعمال دوستويفسكي في سنّ العشرين، ومازالت الصدمة التي تلقيتها منها مستمرة بعد إنقضاء عشرين عاماً على ذلك" .ثم يذكر، مباشرة بعد هذا الإعلان، مسرحية "الممسوسون" والتي يضعها كامو جنباً الى جنب مع الأوديسة والحرب والسلام ودون كيشوت ومسرح شكسبير. يصوغ كامو بهذا، بدايةً لتواطؤ عميق لفكره مع فكر دوستويفسكي، وهو تواطؤ ممتد في جميع أعماله تقريباً وتُوج بإعداده مسرحياً لرواية الشياطين الى مسرحية أسماها الممسوسون.

منذ مسرحية كاليجولا، في عام 1938 ، أتبّع كامو آثار أفكار دوستويفسكي ودفع الى أبعد مايمكن بمنطق "كلّ شيء مباح" الذي أطلقه إيفان في الأخوة كارامازوف. ثم بعد ذلك، تمّ مناقشة ذلك المنطق في رواية الطاعون وفي مسرحية العادلون. فبالإضافة الى أعماله الدرامية والروائية، كان كامو يُشير الى شخصيات دوستويفسكي في بحوثه وفي مقالاته. ففي كتابه "الإنسان الثائر"، على وجه الخصوص، يستدعي كامو شخصية إيفان ليُظهر جانب من الثورة الميتافيزيقية، كما يستدعي شخصيات رواية الشياطين في الجزء الذي خصصه للثورة التاريخية. ووفقاً لبيتر دنوودي ، الذي درس الأشكال المختلفة التي تتخذها هذه العلاقة بين كامو ودوستويفسكي، فإنه اذا كان الحوار بين الاثنين قد تعزّز الى هذا الحد، فذلك لان كامو وجد في روايات دوستويفسكي ما يُغذّي فكره في مواضيع مختلفة مثل غياب الله، والعبث، والانتحار، والتمرّد، والعدالة، والمعاناة وحتى الارتباك والقلق الأخلاقي. كلّ هذه الأسئلة مطروحة في الشياطين.

ولكن، طالما جاء كامو بإعداد هذه الرواية الى المسرح، وهو يدفع بذلك حواره مع دوستويفسكي الى أبعد مدى ممكن، فربما يكون الامر أكثر من ذلك لأن الأهمية الفلسفية والسياسية لفكر دوستويفسكي في رواياته هي ذاتها التي يدفع بها كامو وبعض معاصيرة لتغذية المسرح بها. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، أكدّ بعض المثقفين على الحاجة الى جعل المسرح فنّاً ملتزماً. وهذا يعني بالنسبة لهم إستحضار مأساة الانسان المعاصر الى المسرح مقرونةً بشكل وثيق بأسئلة عصره.

ظهر مثل هذا القلق عند كامو بمقابلة صحفية بمناسبة إعداده لمسرحية الممسوسون (عن رواية الشياطين) حيث يقول: " كان يُعتقد ولزمن طويل بأن ماركس هو نبي القرن العشرين، ولكننا نعلم الآن أن تلك النبوة قد تلاشت، ونكتشف بأن النبي الحقيقي كان دوستويفسكي فهو الذي تنبّأ بهيمنة الفضوليين وبإنتصار القوة على العدالة" .

نظر كامو الى رواية الشياطين لدوستويفسكي بإعتبارها قابلة للإعداد المسرحي، إضافة الى أن الأفكار التي صاغها دوستويفسكي، وبشكل اكثر تحديداً الأطروحة الرئيسية للرواية التي تتبلور بالمقولة التالية: " إن نفس المسارات التي تقود الفرد الى الجريمة، هي ذاتها التي تقود المجتمع الى الثورة". لأن الرواية توضح العدمية وتطرح سؤال الشّر بطريقتين، الشر الوجودي والشرالميتافيزيقي مع شخصية ستافروجين، والشر التجريبي والتاريخي مع شخصية فيرخوفنسكي، ولهذا، فإن متفرّج مسرحية الممسوسون يكون مدعواً لإسقاط خطاب المسرحية على الثورات والديكتاتوريات التي يُعاصرها.

إن الألفة مع فكر دوستويفسكي، والذي يعتبره كامو معاصراً، ولهذا فقد أراد أن ينقله الى المسرح بشكل أكثر وضوحاً من قبل، غير ان ذلك كان يبدو غير كاف لتفسير مقاربته. هناك تأكيدين لكامو يقودان الى طريق آخر، فمن جهة يكتب في برنامج عرض المسرحية (الكتيب أو البروشور) في مسرح أنطوان: "منذ عشرين عاماً وأنا أرى شخصيات الرواية على خشبة المسرح"، ومن جهة أخرى، يؤكد في حديث تلفزيوني: " هؤلاء الممسوسون يختصرون ما أعرفه وما أؤمن به في المسرح في الوقت الحاضر". تقودنا هاتين الملاحظتين الى إعتبار هذا الإعداد المسرحي أبعد من الحوار الفلسفي للكاتبين، من منظور مسرحي صارم.

يكتب كامو في أسطورة سيزيف: إن جميع أبطال دوستويفسكي يتشككون في معنى الحياة، وهم بذلك حداثيون ولايخشون من السخرية. إن مايميز الإحساس الحداثي عن الإحساس الكلاسيكي هو أن الأخير يتغذى على المشكلات الأخلاقية بينما يتغذى الأول على المشاكل الميتافيزيقية. يُطرح السؤال في روايات دوستويفسكي بإلحاح شديد، الى درجة أنه لايمكن ان يتضمن سوى حلول متطرفة. إن "الوجود" كاذب أو أنه أبديّ، فلو كان دوستويفسكي راضياً بهذا الإستنطاق لكان فيلسوفاً، ولكنه يُصور العواقب التي يمكن ان تحدثها هذه الألعاب الذهنية في حياة الانسان، وهو لهذا السبب بالذات، فإنه فنان.

إن مايقوله كامو هنا للإعجاب بدوستويفسكي، هي الطريقة التي ينقل بها "سؤال الشر" خارج مجال الأخلاق، بل وأكثر من ذلك، فإن الطريقة التي يُجسد بها الأفكار الميتافيزيقية في الشخصيات، هي التي تدفع بتلك الإستنتاجاات الفكرية للشخصيات الى أقصى مايمكن. يعتقد كامو، بإن هذا بالذات مايجعل فنه ذا قيمة كبيرة.

إن قدرة دوستويفسكي على إبطال التعارض بين الفلسفة والرواية تبدو بالنسبة لكامو نموذجية تماماً. فمن خلال نقل روايته الى المسرح، يُريد كامو، وبنفس الطريقة، المزج بين الفلسفة والمسرح، لإن ذلك يبدو له وسيلة لإحياء التراجيديا. وذلك من خلال إظهار الشخصية العاطفية التي يمكن ان تتملكها الأفكار، وإظهار التمزق الميتافيزيقي بشكل غير تجريدي، بل مُجسّد. هذا هو النموذج الذي يريد الوصول اليه. أما الرهان وراء إعداد كامو للمسرحية فهو لنقل المناقشات الوجودية للشخصيات على خشبة المسرح وجعلها الموضوع الأساسي للمسرحية، تماماً كما فعل بمسرحيتيّ كاليجولا والعادلون.

يحتفظ كامو من رواية دوستويفسكي على طبيعة الشخصيات وإشتباكاتها، بشكل خاص، مثل "عدمية" شخصية بيوتر فيرخوفينسكي، والشعور "بعبثية" كيريلوف، أو خطاب "العبودية" لشاتوف. ولكن الامر أكثر من ذلك، فإن البطل التراجيدي الحقيقي والحديث هو بالنسبة لكامو "ستافروجين" المسكون بالعبث وبالقناعة بأن "كل شيء مباح"، ولكنه غير قادر على أن يلتزم بهذا الموقف كونه متلهفاً الى المحبة والايمان. فهو، هنا، يقدم مثالاً على "الإنسان المتناقض والممزق، المدرك لغموض الانسان وتاريخه"، وهو مايصفه كامو ب "الانسان التراجيدي بإمتياز". ولذلك، فهو يجعل "غموض ستافروجين هو ذاته سرّ ستافروجين" والذي يُشكّل وفقاً له "الموضوع الوحيد للممسوسين" أي روح النص المُعد للمسرح ومركز ثقل مسرحيته. ويُعيد كامو مشهد "إعتراف الشخصية" والذي كان قد حُذف من قبل الرقابة عندما نُشرت الرواية.

إن ما يُثير الاهتمام في مشروع إعادة إحياء التراجيديا في المسرح الحديث، ملاحظة أن كامو يفصل بين ماهو مأساوي وبين المأساة. ففي حين أنه مدرك للصفات الدرامية للرواية، إلاّ أنه لا يلجأ الى النموذج الكلاسيكي لنقلها للمسرح كما فعل كوبو، بل إختار طريقة للإعداد المسرحي الهجين    Dramaturgie hybride القادر على التعامل مع البعد الملحمي للعمل الأصلي. فكان قبل كل شيئ معني بحوارات الشخصيات، لذلك فهو يجعل تتابع المشاهد تنتظم بفصل، وهو بذلك يُفضل ان يُقسّم المادة الرومانسية الى لوحات مشهدية بحيث يضمن سلاسة تسلسلها من خلال التدخلات المنتظمة للراوي الذي يملأ الفراغات الزمنية التي تفصل بينها، ويسمح بالمرور بسهولة، من مكان الى آخر. كان كامو يراهن على وحدة النبرة الصوتية، ويؤكد أنه حاول متابعة الحركة العميقة للرواية والانتقال مثلها من الكوميديا الساخرة الى الدراما ثم الى المأساة . وقد تضاعفت هذه الحركة، بشكل متنامٍ، من خلال سينوغرافيا تجريدية أقل تمسكاً شيئاً فشيئاً بجوهر المادة.

وفي النهاية حصلت مسرحية الممسوسون على قناعة ورضا الجمهور، أكثر من أي عرض مسرحي لكامو. على الرغم من ان بعض أعماله المسرحية تثير مسائل شائكة قريبة من ذلك. مما حدا ببعض النقاد الى حدّ تعميم هذه الظاهرة مؤكدين أن معاصريه يقدّرون بشكل كبير مسرحياته المعدّة على مسرحياته هو، كما لو أن القيام بالمسْرحة، وبشكل خاص، عن دوستويفسكي، يُتيح لكامو حرية واسعة في إعادة النص للمسرح وفي الإخراج .. حرية قادرة على خدمة مشروعه المسرحي.

ميشيل بوكيه (في دور بيوتر) وبيير فانيك (في دور ستافروجين) في مسرحية الممسوسون مسْرحة وإخراج ألبير كامو في مسرح أنطوان ، باريس ، يناير 1959.

فنسن ماكين ورواية الأبله:

تجربة المسرح بكل أبعاده مع دوستويفسكي.

حين حضر الجمهور ليشاهد أحدث إبداعات فنسن ماكين "مسرحية الأبله" ، صُدم منذ وصوله المسرح. فهو يُستقبل منذ قاعة الدخول في المسرح، بأعلى صوت منبعث عن أغنية شعبية إيطالية "سارة إني أحبك" Sara perche ti amo والتي تتداخل معها صرخات ممثل، عبر مكبر الصوت، داعياً الجمهور للاحتفال بعيد ميلاد إبنته العزيزة. لاينتهي الاضطراب الظاهر بمجرد دخول قاعة المسرح، بل يتم إنشاء أجواء ديسكو من خلال انبعاث موسيقى مركبة وقوية وأضواء خافته بالفعل مع سُحب من الدخان، وصرخات من نفس الممثل الذي يلعب دور "مُسخّن الصالة" ويشجع الجمهور للمجئ على خشبة المسرح وان يخدموا أنفسهم بكأس من البيرة، وللرقص والصراخ معه.

قد تبدو هذه المقدمة، للوهلة الأولى، بعيدة عن المشروع المعلن لعرض مسرحي عن الأبله لدوستويفسكي، غير أن هذا الانطباع لايدوم إلاّ للحظات، وقد أثبت هذا النهج في النهاية بانه قادر على الإنتقال الى قلب الأسئلة التي أثارتها الرواية. هذا النهج هو ثمرة حوار معمق بين فنسن ماكين ودوستويفسكي، ومن التقارب الذي يعلق عليه المخرج نفسه قائلاً بأنه متأثر بالخطاب المُتضمن في العمل الروائي، ولاسيما حول شخصية الأبله، ومن شكله الملحمي أو ما يسميه هو "غضبه". هناك العديد من السُبل التي من الممكن إتباعها لفهم مالذي كان في حسبان فنسن ماكين حين شرع في الإعداد المسرحي للرواية.

على العكس من كوبو و كامو، لم ينشغل ماكين في مسألة قابلية الإعداد المسرحي للرواية التي يختارها. فهو وريث لتقاليد مابعد الحداثة، ومسرحه لايزعج نفسه بالأوسمة التقليدية، وسواء تناول رواية ام مسرحية فإن فنسن ماكين يتابع عمله بنفس الطريقة. لان الامر يتعلق بالنسبة اليه بإعادة كتابة النص من أجل بناء خطاب، ينطلق من النص، يتمحور حول العالم المعاصر. ولذلك فإن مسألة الإعداد المسرحي، في هذه الحالة، تكون عبارة عن تناغم، بالمعنى الواسع، بين العرض المسرحي والاهتمامات المعاصرة.

يقول ماكين إن إهتمامه برواية الأبله جاء من تنبؤ دوستويفسكي بما يجري من إنحراف معاصر. وبرأيه، فإن المؤلف يصف في هذه الرواية "ظهور المجتمع الحديث، مع وصول قضايا الإئتمان المصرفي والرأسمالية والمحرك البخاري" ثم يضيف بأن "هذه الحداثة تثير نوعاً من الخوف عند دوستويفسكي". خوفٌ برّره التاريخ لفنسن ماكين بعد مضي مايقرب من قرن ونصف من الزمان. فالنماذج الاقتصادية التي تمت صياغتها في مستهل القرن العشرين بدت مستنفذة، وبأن أيديولوجية التقدم الاجتماعي أصبحت متهالكة، والأمل المنشود محكوم بالفشل الى الحدّ الذي إتسعت فيه مجالات السخرية المدمّرة. إن نظرة متوازية بين روسيا في أواخرالقرن التاسع عشر وفرنسا في القرن العشرين توضّح على أن في عالم الرواية كما في العالم المعاصر "تتأكد الفكرة القائلة بإن ما سبق وبنيناه هو الان في حالة غرق، وكذلك الشعور بأن ما حاربنا من أجله يتم تدميره"، ولدعم هذا التقارب لنأخذ، مثلاً ما وصلت اليه الحال (من تدهور) في بعض نماذج التقدم في المجتمع المعاصر مثل الضمان الاجتماعي أو المسرح الشعبي. ولإن خطاب دوستويفسكي كان من الممكن ان يعكس العالم المعاصر، ولأن ماكين يعتبر المسرح وسيلة لفهم العالم المعاصر، ولصياغة خطاب حوله. فإن عمل دوستويفسكي الروائي بدا لماكين قابل للمسْرحة.

إن هذا الحدس هو الذي يدعم مشروع إعادة كتابة الرواية، الجاري العمل بها، ويهدف المشروع الى إظهار "كيف يتردد صداه بالنسبة الى العالم الذي نعيش فيه". إن إهتمام فنسن ماكين بالعمل الروائي لم يكن يرتكز على تسلسل الأحداث في حبكة محكمة -والتي بدت قابلة للإعداد المسرحي مع أكثر من مخرج قبله – بلْ أن إهتمامه إنصبّ على الخطابات التي أدت الى نشوء المواقف. ولذلك فقد سلّط الضوء على أصوات معينة تناقش الطريقة التي يسير بها العالم، ولاسيما تطوراته السياسية والاقتصادية، فضلاً عن تداعياته الاجتماعية. وبالتالي فقد إعتمد فنسن ماكين، بشكل كبير، على محاورات يفغيني بافلوففيتش والأمير ميشكين ، في حضور مجتمعهم بأكمله في بداية الكتاب، وإنتقى اهم العناصر من خطابات الشخصيات العديدة.

علاوة على ذلك، قام فنسن ماكين، خلال إعادة كتابة الرواية، بتضمين إشارات مباشرة للعالم المعاصر. وهنا يستوجب التنبيه بأنه حتى عندما ينأى بنفسه عن الأبله، فإن ماكين لايهدف الى "تحديث" نص دوستويفسكي، ولا بأعادة إحياء شخصياته في القرن الحادي والعشرين. بل يهدف منهجه الى الاصغاء الى الرواية إنطلاقاً من واقعنا، وبالتالي اللعب على التراكيب بين العصور. هذه الممارسة تضعه ضمن تقاليد بريخت، الذي يشجع إستخداماً جديداً للكلاسيكيات، والتي هي حسب رأي بريخت " إبراز المحتوى الأيديولوجي الرسمي" من أجل وضعها في خدمة المجتمع.

بعد أن تتم عملية إعداد وتكييف المتفرج، كما ورد ذكرها في إفتتاح العرض المسرحي، يُلاحظ بأن هناك تأثيرات في خلط الأطر المرجعية غير المتجانسة على خشبة المسرح. فيتم تسليط الضوء على منظور ماكين للرواية من خلال تواجد عناصر معاصره على المسرح، مثل بالون ميكي (ماوس) منفوخ بهواء الهليوم، أو تواجد الموزع الأوتوماتيكي للمشروبات الغازية مزينة بإعلانات ضوئية. غير ان العنصر الأكثر وضوحاً، والمأخوذ من عصرنا، يتمثل في الاستشهاد بمقتطفات من خطاب نيكولاس ساركوزي – الذي أُستبدل في عام 2014 بمقتطفات من الحوار بين ساركوزي و فرانسوا هولاند خلال الحملة الانتخابية لرئاسة فرنسا.

ومع ذلك، فلم يختر فنسن ماكين رواية الأبله ببساطة من أجل ماتتضمنه من خطاب قادر على مساعدتنا في التفكير بعالمنا. إن العرض الذي قدّمه يُبرز جاذبية حقيقية نحو الرواية، فهو يسعى، من خلال ذلك العرض، الى ترجمته الى لغة فنيّة خاصة به. فضلاً عن ذلك، فإن أصالة مشروعه تكمن في حقيقة انه ينطلق من هذا العرض المسرحي بالذات ليُعيد التفكير بالمسرح ككل. فمن خلال الاستناد على العرض المسرحي يضع فنسن ماكين هذا الفن، بجميع أبعاده، في محل تساؤل – من الكتابة المسرحية الى إدراك المتفرج، ومن جماليات المَشاهد المسرحية الى التمثيل – ليعكس بذلك قراءته الخاصة للعمل الروائي بشكل أفضل.

إن إختيار المسرح بابسط أعرافه، ربما أنعكس في وصفنا لبداية مسرحية الأبله في مستهل هذا الجزء. فمنذ مستهل العرض أهتزت العلاقة بين الممثلين والجمهور بالفعل، بسبب تدفق العرض الى قاعة الانتظار في المسرح، وحتى الى الشارع، ويستمر هذا الاضطراب الى مابعد هذه المقدمة ليشتمل مجرى العرض.

التزم فنسن ماكين، وبمجرد الشروع بإعادة كتابة الرواية، بالتخلص من كل التقاليد بما في ذلك الرومانسية. لذلك فإن عمليات الحذف التي مارسها تضع جانباً اكثر حلقات الرواية قابلية على الإعداد المسرحي، على مايبدو، وبالتالي فإنه، مثلاً، لايستغني فقط عن مشهد لقاء الأمير ميشكين وروجوجين في القطار، والذي يؤدي وظيفة الموقف التمهيدي من خلال ربط مصير الشخصيتين، بل اكثر من ذلك، فإنه يحذف مشهد النهاية المفجعة التي تجمعهما حول جسد ناستاسيا المقتول - وهو مشهد يقول فيه دوستويفسكي إنه كتب الرواية بأكملها – مما أدّى الى تغيير مسار الشخصيات الثلاثة وأضاف تركيزاً قوياً على شخصية الأبله. وبالطريقة نفسها، يخفف فنسن ماكين من التركيز الزمني للرواية، كما لو انه أراد أيضاً الاستغناء عما يبدو متماسكاً للغاية، وسعى، على العكس من ذلك، الى إدخال الفوضى في عمل دوستويفسكي المكثّف. يكتب فنسن ماكين في ملاحظاته الأولية بأن "التحدي ليس في تلخيص "الأبله" ولكن في تقديم (على خشبة المسرح) قوة هذه الرواية الملحمية والأدبية وحركتها ووفرتها"، لإن ماعدا ذلك فإن ماتبقّى من الرواية في نهاية المطاف هو غزارة المادة الطويلة والمعقدة والإستطرادية والتي، فيما يبدو، كانت ستولّد الانطباع لدى المشاهدين بانهم أمام "قراءة دوستويفسكية".

إن إعتماد أبعاد خاصة في العرض المسرحي تستند الى النظر الى ماهو خلف الأفكار التي تحملها الشخصيات، والى دعم الجزء الملحمي من العمل على خشبة المسرح – وهي أبعاد من شأنها أن تقرّب رؤيته من رؤية البير كامو- أدّت بفنسن ماكين الى مسْرحة أكثر التفاصيل دقة في العمل الروائي: "نغمته، طاقته، نبضه الحيوي"، على حد تعبير ميشيل كورفان . يقول فنسن ماكين إنه يريد أن "يخلق عملاً مشهدياً ساحراً ينطلق من غضب دوستويفسكي" ثم يضيف " ولجعل المسرح مكاناً لقراءة الأبله، وابرازقوة وعنف حكايته". فمن خلال مشاعر وأحاسيس معينة، مثل الغضب والجنون والإفراط، وغيرها الكثير، يحاول فنسن ماكين تلمّس هذه الرواية، وإعادة إستثمارها في المسرح.

يُعلق فنسن ماكين أهمية بالغة على فكرة "العار" في سياق العرض المسرحي، والتي تمّ تضمينها، عند إعادة كتابة النص، كما في الإيماءات والإشارات المعينة للممثلين. هذه الفكرة تشكّل الأصل في مفردات قاموس مسرحي يتكون من مواد تمّ بها طلاء الأجساد طوال مدّة العرض، مواد مثل الزيت، والرغوة، والماء، والطلاء، واللمعان، والدم المزيف، والتراب، إن أهمية مفردات هذا القاموس هي في كشف عنف العلاقات بين الشخصيات، ولا سيما ضد الأمير ميشكين وناستاسيا فيليبوفا. ان الطابع الحَرْفي والبدائي لعرض فكرة "العار" كشف عن الهياج الأسطوري، الذي يقول عنه فنسن ماكين، بإنه وجده في أعمال دوستويفسكي.

في مشاهد العرض المسرحي، يزداد الإحساس بالمعاناة بإضافة الصفعات والسقوط والضرب، ويتفاقم كذلك أسلوب الكلام بإسراف، فيشحن الممثلون كل كلمة بقوة جسدية، وقوة صوتية، تُفسّر الغضب والعنف الذي يُدركه فنسن ماكين في العمل الروائي، مما يجعل معاناة الشخصيات محسوسة تماماً الى الحدّ الذي يتولّد فيه الانطباع بانهم يلعبون بحياتهم في كل لحظة. إضافة الى إن الصراخ لايمنع الفوارق الدقيقة لإنها تنتشر في سياق الحوارات الطويلة. هذا لأن فنسن ماكين حولّ حوارات الرواية – التي تسودها شاعرية دوستويفسكي والتي كانت الأصل في رغبة عدة كتاب ومعدّين الى تحويلها الى المسرح – الى حوارات طويلة تُضفي أهمية على الطابع الحواري وعلى مواقف كل شخصية، كما تُفاقم تناقضاتها العصيّة على الحلّ. حوارات تجعل من العرض المسرحي أكثر خصوبة من وجهة نظر درامية. لذلك فإن الممثلين يُكشفون، من خلال مشاعر تترواح بين العواء الجامح والصراخ المُتحكم به، عن علاقات مؤثرة بشخصياتهم، وبالتالي يكشفون عن الانفصال الذي يكوّنهم. هذا الاختيار الجمالي الجذري الذي ينفتح على حالة القلق التي تلفهم، يميل الى تحقيق الكثافة العاطفية الكبيرة التي يسعى اليها فنسن ماكين مع الأبله.

بولين لويار ودان أرتوس في مسرحية "الأبله، لأنه كان علينا أن نحب بعضنا البعض"، مسْرحة وإخراج فنسن ماكين. مسرح دو فيدي، لوزان، تشرين الأول/ أكتوبر 2014 .

توجيه المسرح نحو دوستويفسكي …

سلّطت الخطابات، التي تضمنتها العروض المسرحية، لكل من كوبو وكامو، الضوء على ان حقيقة شاعرية دوستويفسكي هي التي تقرب أعماله الى المسرح. ولذلك فهما يقترحان أن تُعدّ رواياته لانها قابلة للمسْرحة. مع ملاحظة أنهما، في النهاية، لم يستخدما إلاّ القليل من هذه الخصائص الدرامية في مشروعيهما بإعادة الكتابة والمسْرحة الذي يقترحانه. ويتضّح من ذلك أن مقترحاتهما، هذه، كانت لإضفاء الشرعية على مشروعيهما، وإن كان ذلك بأثر رجعي. إن دراسة هذه العروض المسرحية الثلاثة تكشف بأن العديد من جوانب روايات دوستويفسكي مثل الحبكة، والشخصيات، والمضمون الأيديولوجي والفلسفي، والشكل الملحمي، أو حتى "الغضب" وإن كان بشكل أقل وضوحاً ، كلّ هذه الجوانب، تكشف للمخرجين، عن إمكانياتها للمسْرحة وهي كذلك، تثير فيهم الرغبة بالتمسّك بها.

لكن كل خطوة من خطواتهم تؤكد، حسب رأيهم، ما يمكن ان يجذب دوستويفسكي الى المسرح، وهو ما يجعلهم يعتبرون رواياته قابلة للمسْرحة، ولاتنفصل عن بحثهم في تحويل أعمال دوستويفسكي من إجل إصلاح وتنشيط المسرح الذي ينشدونه. ففي الحالات الثلاثة المذكورة، يبدو في الواقع انهم يستدعون دوستويفسكي لمنح المسرح إنعطافة جديدة، ولتحديث شروطه، سواء كان بحثهم يتعلق بعمل الممثل أو الأشكال التراجيدية او الفن المسرحي ذاته.

إن هذه الرحلة التاريخية التي ابتدأت من كوبو الى كامو ثم من كامو الى فنسن ماكين تسلط الضوء على حقيقة ان مثل هذا التحوّل، الجاري البحث عنه، مع دوستويفسكي لا يرتبط بنوعية مسرح ما، أو بزمن مسرحي ما، أو بأحد الاتجاهات الجمالية. ففي الوقت الذي أستطاع فيه المسرح أن يفلت من جميع محاولات التعريف، بما في ذلك مانراه اليوم من توصيف "مابعد الدراما" الذي يبدو توصيفاً غير جدير بان يحيط بمعالم المسرح المتغيرة بإنتظام في جميع مكوناته. إنما ستستمر مسْرحة دوستويفسكي من قبل مخرجين معاصرين من أجل تغذية بحوثهم الفنية والجمالية.

وفي ختام هذا التأمل، يبدو، في النهاية، إن ما يمكن ان يدخل تحت مفهوم "المسْرحة" يتعلق بشكل خاص بالصلات التي تربط روايات دوستويفسكي بالمسرح. في حين ان "الإعداد المسرحي" يقتصر على التفكير في أشكال التوافق لبعض الموضوعات مع المسرح، أما "القابلية على المسْرحة" فتأخذ بالحسبان مايُسمى بالتباعد الخصب (بين الشكل الروائي والشكل المسرحي) وبالمقاومة الإبداعية لبعض الاعمال الروائية (في التحوّل الى المسرح). هذان العنصران أساسييان في جذب بعض النصوص الروائية الى المسرح.

***

 

 

حيدر عبدالرضابنية أغوار الذات الواصفة وثيمة المفارقة الفنية الدالة

توطئة: يشكل فن القصة القصيرة جدا من الأنواع السردية المحيطة بعناصر ومكونات فن السرديات المختزلة،إذ يحدد هذا الفن السردي من أساس بنية ذروية مكثفة ذات زمن بؤروي مضغوط ومكانا أتفاقيا مشخصا في الحضور أو اللاحضور، في المعنى المضموني الأخير، فيما تلعب الدوال السردية في مبنى ومتن هذا النوع السردي، ذلك المجال المؤسس من جملة أواصر علاماتية للحكي، وهي العلامات الموصولة استنادا للعلائق التوصيلية الخاصة من الشد النصي ـ الذروي ـ نحو قصدية الدال المضمونية في خلاصته المنصوصة في الضربة الختامية من دلالة النص. فمن خلال أقاصيص مجموعة (بئر برهوت) للقاص والشاعر جابر محمد جابر تواجهنا ذات العناصر الخلفية من رؤية القص، إذ تدعمها جملة أسانيد علائقية خاصة من فضاء الحكي المحبوك من أواصر العملية النصية الحاذية والمصاحبة لرؤى وأصوات الفروقات الأداتية في مستوى خصوصية النص القصير جدا. فمن خلال أقاصيص المجموعة الواردة (نجمة / معطف الحقيقة / السهم الطائش / قصص فاضحة / عصافير الزمن) توافينا جملة تراكيب تتسع لذاتها ما بين صوت (شعرية الحكي) ومسافة الثيمة المتعلقة بموضوعة أستجابة رؤية القاص في موضوعة نصه: (تركت معطفها، يتوسد أياما، خشيت من تمرد الذاكرة.. ومشاكسات المطر، إلا أنها، كانت تصر مثل كل مرة، على مقارعة الوجع اللامرئي، هي غالبا ما تترك معطف الحقيقة في غرفتي وتغادر بلا ذنوب. / نص: معطف الحقيقة) أن من غايات العلاقة الدلالية هاهنا في النص، جاءتنا مجالا لكشف المعادلة اللامرئية في مشخصات دال (المعطف) وعلاقته بتفاصيل حياة متلونة في الظرف المكاني والنفساني المنصوص، فالسارد العليم وتغليبا منه على مجال المرئي من عوالم السيدة وحقيقة أهواءها اللامرئية، وجدنا دال (الذاكرة) ودال (المطر) هما بمثابة العنصران التطهريان اللذان من شأنهما كشف المستور والأخذ بالمنسي، لذا جاءت هذه الوحدات النصفية من ذروة الثيمة: (يوم أمس تركتها تداعب أحلامي، تستدرجها إلا أنها أخفقت في كشف كل أوراق اللعبة. / النص: معطف الحقيقة) تتحول فرصة الاستجابة من طرف صاحبة المعطف إلى وضعية ممارسة الغواية بملكات ضمير الأنا الذاتي، وصولا إلى (أكتفت بتلميحات إيروسية أنتزعتها من أحلام سقطت قبل سقوط المطر.) تدور مواصفات هذا المجال من النص داخل لغة سردية ذا تفاصيل موحية وملمحة، تأخذنا في مداها الأقصى نحو محيط نصي يكف على أن يمنح علاماته بالتوازن المقروء، فيما راح يصادر ملامح الزمن النصي عبر مرسلة فواصل القول الشعري ومنتهاهها المتخيل في تمثلاته الدائرة في ثيمة الرؤية. ففي قصة(نجمة) ثمة علاقة تفارقية ما بين الأنا الساردة وحقيقة أخفاقات العامل النصي في تدرجات مرحلة العشق، لذا نجده يتعامل مع الثيمة القصصية بروح المفارقة والدهشة: (و دون إرادة من وجعي أمسكت النجمة متلبسة بالجمال، شكرت القدر، ليس لأنه أنصفني لأول مرة فحسب.. بل لأنه كان عونا لي في تخطي محنة العشق. / نص: نجمة) يتوسل هذا المستوى من النص، بأسلوبية نادرة ومشوقة في تأطير وحدات النص، بما يعلق عليه في واقع الحال من صدفوية واتفاقية وخيبة في الآن نفسه، كذا الحال وجدناه في قصة(السهم الطائش) وقصة (قصص فاضحة) وقصة (عصافير الزمن).

ـ السارد العليم وأقنعة شعرية الصوغ السردي

أستأثرت أقاصيص مجموعة (بئر برهوت) بحالات محتملة من (السرد / الشعر) وعلى هذا الأساس جاءتنا جملة عناصر النصوص مخصوصة في العلاقة المستعارة والدلالات الكنائية المزاحة عن مقاصدها الحضورية توظيفا، وبهذا الأمر وجدنا قصة (لص) وقصة (صبي أسمه نوري) وقصة (خضير أبو الثلج) وقصة (السيفونة) ففي هذه النصوص لاحظنا تلاقح علاقة المفارقة الفنية المشبعة بالإيحاء والقناع المستور خلف مواضع الكشف البسيط عن مواطن الثيمات المتسمة بروح التشكيل الدال والمدلول، ويمكننا أن نستدل على نصوص مجموعة (بئر برهوت) على أنها ملفوظات مخصوصة في اختراق العلاقات اليومية والذاكراتية والحلمية من احياز مستودع الذاكرة الواقعية الخصبة. يمكننا من جهة غاية في الأهمية أيضا رصد أدوار وعوامل الذات الحلمية الساردة في قصة (أنا) وقصة (أنا وشبحي) وقصة (محاولة لسرقة امرأة) وقصص أخرى قصيرة جدا من مختارات المجموعة، ويتعزز تشعير الخطاب السردي في أقاصيص جابر محمد جابر من خلال كثافة الرؤية ومضاعفة التشبيه والاستعارة: (مسكينة تلك الحمامة، من أصاب جناحها وعطلها عن الطيران، من كسر قلبها لتصبح هكذا.. رجاء.. ؟!. / قصة: حمامة) بهذا التشكيل المضارع رأينا أغلب أقاصيص المجموعة، وكأنها معادلات نفسانية معادلة في حدود وظيفة الدال المركز المتمثل بمصير دلالات الأنسان في ظرفه وواقعه وحجم بطش الحكومات فيه،كذلك الحال نعاينه في قصة (الحقيقة) وقصة (نورسة زنجية) وقصة (الشك.. !) إذ من خلال موجهات هذه النصوص نعاين بوحي الحكي في أبعاد ثيماتية، من شأنها تشخيص النسق المضمن بوظائف معادلة، وبوعي جديد راحت تحاور الذاكرة وخراب الأمكنة وفساد الضمير، فيما يلعب متخيل النصوص الجمعي ضمن محفزات ملامسة لوظائف دلالية ثرية وشاهدة على فقدان كينونة الأشياء في حضرة المشروط الواقعي اليومي: (في مطعم الجحيم جاء النادل بلائحة الموت، رماها على طاولتي، وبعد أن تجاوزني مبتسما.. أحتج على بعد خطوات مني، ثم عاد يهمس لي أن أتبعه إلى أين..؟.. لا أدري !. / قصة:مطعم الجحيم) أن بواعث العلاقة الدلالية في هذا النص ـ أنموذجا أعلاه ـ يشكل مساحة مراوغة ضمنية بين أفق انتظار القارىء وصدمة المدلول المسرود الذي أخذ يباغت فعل التلقي نحو أقصى درجات توليد الصورة المضمونية. المفارقة، وهذا الأمر وجدناه غالبا في جميع أقاصيص المجموعة وكأنها أبعاد إيحائية بلغت معها الذات الساردة أجلى تمظهرات الظواهر المضاعفة في بنية أغوار الذات المتلفظة والمخصوصة بعاملية الإثارة والمفاجأة والدهشة الموصولة نحو مسافة الدلالة المفارقة في حصيلة الأدوات الفنية الدالة والمركزة.

 تعليق القراءة:

لعل فاعلية المنجز القصصي القصير جدا في نموذج مجموعة (بئر برهوت) ما يشف عن امتزاج صوتي ما بين السارد العليم والذات الموظفة في هواجس النصوص، لذا فأننا وجدنا وعي المحور الذواتي في زمن النص يتلازم وحدود بؤرة إيحاءات السارد النفسية والحسية والكلامية والحدثية الطافحة ألما، وهذا الأمر بدوره ما جعل جميع نصوص المجموعة ذات ترجيعات متشظية من مسار الأفق الصوري للقاص والسارد معا: (أنتهت الحفلة، تفرق الجمع ذهب كل إلى دمعته، حتى أبي ولج غرفته بأنكسار شديد، ترافقه سيكارته، نصب شراكا عديدة، وفخخ الهواء، عله يقتنص سعادة.. جدران غرفته تضيق تكاد تلتصق ببعض، رأيته بركن قصي داخل سقف ذاكرته ويبتسم ابتسامته الأخيرة. / قصة: آخر حلم) ولعل مثل هذا النوع من التداعيات الواصفة بالمفارقة الفنية المركزة، ما أخذت تنسحب على جميع مؤشرات أقاصيص (جابر محمد جابر) وكأنها عوالم في اللاشعور المفتوح نحو تفاصيل وتراكيب الصور المتشظية من الأبعاد الممكنة والمتواترة من بلاغة استقطاب وقائع الاحوال المحتملة ضمن تنويعات من ملامح وحقيقة الحلم الوصفي المعادل في استحالات الواقع واللاواقع والظاهر والخفي من رؤية هوية الأشياء.

 

حيدر عبد الرضا

 

انعام كمونةوثيقة من بعض الوجع الإنساني

- يقول عيسى في الإهداء:

(" الى مجانين لا يشبهون المجانين، مجانين لا يشبهون إلا أنفسهم، مشعل ..تركي .. جابر ..عبد الله ومهدي ..إليهم وحدهم ")

- إشارة لأسماء تعد رموز لجمهورية عيسى التي اتخذها يوتوبيا ذات بمعيار دلائل غائرة لوجه آخر تثبت وجع تشتت الهوية في بلد عربي أو أجنبي، وما تأبطت ذكرياته من دلالات زمن يكمن في سيرورة الحياة بصيرورة معاناة مستمرة، فيبدو من تذييل الإهداء ب (إليهم وحدهم) تأكيد لرصيده الاجتماعي دلالة وطن هو اصدقائه فقط، سنتطرق بما تجلى منه لاحقا ...

مقدمة:

-عمد الكاتب الى تجزئة الرواية وبوبها بستة أجزاء، لكل جزء مدخل تيمنا بقول يرتكز عليه السرد بكثافة الفكرة ليستقبلها القارئ بالقصد والتأويل والحدس بفضول مطالع ومن وراء الأقوال حكمة يؤمن بها الكاتب ليسرد من جذوتها خلاصة تجربة حقيقية بقصد رؤى مخيلته يشد شغف القارئ لتكملة القراءة واستكشاف مضامينها الحقيقية بأسوب شيق...

- ساق البامبو رواية تناقش عدة قضايا إنسانية، تضئ الجدل عن ظواهر اجتماعية متعرقة الجذور في المجتمعات العربية عامة، تطرق لها الروائي سعود السنعوسي مخاطب الضمير الواعي، ووجدان ذهن القارئ المتحفظ على ما يسمع ويرى ويخنع، بأسلوب خطابي يثير الاهتمام لتعرية الممارسات الغير الإنسانية في مجتمع يختلق المعوقات ويغلق طرق التفاهم، يسد منافذ التسامح بوجه حرية القرار، فيرد كف المصافحة للتعايش بسلام، نظام مجتمع يخنق نفسه بعلل نفسية شتى و انفعالات مكبوتة لا يحق التصريح بها الا همسا، فتتهافت صرخات العيب سترا من محيط يشبههم وخوفا من وصمة عار تأكلهم ...

- هكذا يفصح السارد عن البعض مدعيا حجج متوارثة، بسلطة التعصب العشائري تلاحم مغلق تحت قسوة ضغوط سائدة بمسمياتها التقليدية عادات وتقاليد بدستور جماعي، وقيد أعراف متداول تزج الكثير من أفراد العوائل خصوصا الغنية لطريق مسدود، وكذلك أصحاب المراكز والسلطة، مبررة الحفاظ على اسمها وسمعتها ومستواها الاجتماعي، وخوفا من تفكك لُحمة العائلة أو نبذها من العشيرة، أو حرصا على مصالحهم الشخصية وترابطهم الاجتماعي ، وهذا لا يقتصر فقط على العامة بل هناك مناصرة القانون ودستور البلد بتأصيل دم الهوية فئتين كما في البلد العربي الكويت وما تتناوله الرواية عن ذلك الحيف...

- تتميز رواية ساق البامبو بمحاورها الحركية الزمانية والمكانية وما يرافقها من تكالب الظروف وتغير الأحداث بتوارد مختلف للزمن من ماضي وحاضر، بتمركز محوري لدلالات الزمكان بستة أجزاء، وسلسلة ترابط مستمر يتمظهر مدلوله من عنونة الأجزاء كما في الآتي: الجزء الأول عيسى قبل الميلاد، الجزء الثاني عيسى بعد الميلاد، الجزء الثالث التيه الأول، الجزء الرابع التيه الثاني، الجزء الخامس على هامش الوطن، والسادس وأخيرا عيسى ..الى الوراء يلتفت ...

- فكل سيميائية عنوان لجزء دلالة المحتوى بفحوى مكتنز، نستطلع منها فاعلية أقطاب المكان ذهابا وايابا لشخصية عيسى ما بين الفلبين والكويت أما الزمن حلزوني الحركة يبدأ وينتهي لمكان شخصية الأم جوزافين ، ونلاحظ رغم تراكم الأحداث الزمكانية، تظهر بعض الشخصيات خولة، ابراهيم، جابر، وتختفي أخرى بسبب الموت (راشد وصديقه)، ومن مواجهة عيسى لعدة صدمات اجاد الروائي برصد معاناته واصطياد جروحه النفسية بخذلان الأقربون ووطن ينكره ...

- تشكيل تقني لأدوات عرض المواقف والأحداث، مرة بكاميرا خلفية للمشهد ومرة مباشرة الموقف اللحظي وأخرى بمنولوج النفس، فبرع باستنطاق أسبابها ومواكبة تفصيلاتها برؤية انسانية توثيق قرائن ثبوتية لنتائج الحكاية، فاتخذ السيرة الذاتية لشخصية عيسى باستعارة كينونة ساق البامبو وصفاته الطبيعية بسرد حوادث الواقع ونسج الخيال عن شخصية عيسى، بدلالات شاهدة على سلوك الشخصيات ومآسي الأحداث، منها المترجم إبراهيم والمصحح اللغوي أخته خولة راشد وهذا ما يشد القارئ بما يتمثل أمامه وذاكرة تراود الزمن خلال طيف العلاقات...

- ساق البامبو من الروايات الجريئة التي توثق الوجع الإنساني بقصد مباشر، ودعوة واضحة لمعالجة ما تفشى من قطيعة إنسانية، ومن جوهر السرد على لسان الكاتب بصيغة ضمير المتكلم للشخصية نستقرأ أسلوب خطابي كشف المستور وفضح المسكوت عنه، وأزاح الستار عما تكتم عنه الكثير من الحقائق تحت ظل التقليد لموروث ضبابي بأبعاد تجربته الفعلية ومآل معاناته، بفرض تعامل لا انساني بالجبر والإكراه، ولا يمكن المسامحة عليه بمعارضة وتزمت كما في معارضة عائلة راشد بسلطة أمه غنيمة وأخته نورية وعواطف بحق الاعتراف بنسب عيسى ، فنستدل من رؤى السارد، ان رغم التطور الفكري واختلاط أبناء البلد بعديد من الجنسيات والثقافات المختلفة بما تقتضي الحاجة في بلدهم، أو السفر والتطبع بعادات الغرب الا ان بعض العادات تبقى مزمنة السريان، لدرجة أصبحت جزء من تراث الشعوب، وبتوارث من مصدر مجهول الهوية لتلك الطقوس، بدون أعادة النظر بعمق وتروي ومكاشفة النتائج، لإجلاء شوائبها بالتطبع مع الآخر أو قبوله بمواكبة فكر الاختلاط الحاصل بين العروق والتقارب الحضاري بتهجين الأنساب بما لا يعارض الشرع، والسعي لإيجاد حلول وسطية لأجيال جديدة لا ذنب لها بما حدث في الماضي كما في زواج راشد من الخادمة جوزفين، وكثمرة علاقة غير مرغوب فيها، كما حدث مع أبنهم عيسى، بما يُحَمَل الأبناء ذنب لا يغتفر، فتاهوا بين هويتين مختلفتين الأم والأب وضاعت تبعيتهم الوطنية والشخصية والثقافية والدينية والاجتماعية، والقومية والتاريخية وحتى العرقية والسياسية، وفقا لتقاليد تدعيها العائلة وتدعمها عصبية مجتمع بالسلوك والتصرف العقيم، لذا سعى خطاب الروائي بتكتيك السرد لدينامية سلسة بملامسة ذهنية القارئ بحس انساني لإثارة وعي نحو حرية وكرامة الأنسان أينما يكن في الزمان أو المكان وكيفما يعيش لتكون حياة كريمة ...

- العنوان:

- العنوان "ساق البامبو" مفتتح سيمائي مدهش وجذوة بنائية جميلة للغاية، بحيوية كيان شامل التكثيف لتفاصيل أحداث الرواية، منه يتحفز القارئ للمتابعة بقوة بما يشع من حزمة دلالات تُقَوم اكتشاف معالمه الرمزية وما يخفي من ظلال دال تتيح مساحة دلالاته مزايا تأويل كثيرة لمنتهى تخوم المتن الروائي، بما تمحور فيه من خصوبة إشارات ثرية التعبير وسرد موشى بالصدق، فيغري القارئ بالبحث عن رؤى الكاتب وما تخفي طبقات السرد فيركن شغفه للتفسير والتحليل ...

- كذلك مختزل العنوان تشكيل فني ببساطة رائقة تختزن إحالات رمزية مكتظة الدلالة بإسقاطات معالم وتفاصيل واحاديث ومقولات ملخص لكيان الرواية، تستنبط منها تشبيهات استعارية لمقاربة وصفية بين حياة كائن نبات ساق البامبو ومراحل حياة شخصية (عيسى بن راشد) سارد الرواية، والتي سيتعرف على تفاصيلها قارئ الرواية ...

- ونستخلص من العنوان جوهرية دلالية غائرة نستنبطها من فاعلية طاقة المكان لساق البامبو نتقصاها باستمرارية الزمن وتغيراته الطارئة خلال مراحله المستمرة والمتغيرة، فما عيسى إلا ساق بامبو زرع في مكان ونما في مكان وتاه في مكان واستقر في مكان مما يؤكد عدة دلائل نختصرها في:أولا تهجين النسب دلالة زراعة ساق البامبو في تربة غير تربته = الزواج من الأجانب، دلالة اليتم ساق بلا جذور = رفض العائلة والمجتمع، ثانيا دلالة الذبول بسبب الظروف الغير ملائمة = الضياع النفسي والثقافي والاجتماعي بين هوية بلدين، وبعد هذه الصراعات على القارئ ان يخمن هل يمكن لساق البامبو (عيسى) ان ينبت في ترب مختلفة كما في تربته الأصلية، وهل تلائمه الظروف في مكان آخر ليعيش أم يموت...؟؟؟ فلنقرأ ونستدرك ما آل إليه الشاهد .

- قطاف من بعض فحوى الرواية للاطلاع عليها

- من متابعة أجزاء السرد نستخلص ثيمات عديدة مختلفة مترابطة بقضايا المعاناة الإنسانية لعيسى وشخصيات أُخرى، منها يستجلي القارئ حميمية التعصب بسلطة الأنا الجمعي، والتغاضي اللاواعي بتصدع لبنة الانساب والانتماء، واغتصاب حقوقهم الشرعية بعدم الاعتراف بهم، نستشف من قصدية الخطاب فضح انتهاكات انسانية، مشرعة برهانات العرف الاجتماعي، تحت خيمة العادات والتقاليد، كذلك نرى ان الروائي يترك الحكم للقارئ بإثارته قضية مهمة تفتح شهية النقاش حول شرعية الاعتراف بالنسب مهما تنوعت الظروف..!؟ إحالة لرؤية حضارية بمكاشفة واعية ...

- لنقطف احدى الثيمات من الجزء الأول وهي ثيمة استرجاعية للأحداث بعد ما رجعت جوزافين لبلدها الأم الفلبين رحيل عن الكويت بإبعاد اضطراري بموافقة الزوج راشد لإرضاء عائلته ثم طلاقها فترعرع عيسى مع أهل أمه وبيئة والدته الفقيرة والمختلفة كليا عن عائلة أبيه اجتماعيا وعقائديا وحتى اسمه تغير كما يتحدث في بداية السرد باستعراض عدة أسماء له حيث يخبرنا لنتعرف عليه: "أسمي Jose في الفلبين وهوسيه بالإنكليزي وفي البرتغال خوسيه والكويت عيسى وهي العقدة الأولى التي يختلف عليها الكثير ولا ذنب له فيها، كما يخبرنا في الجزء الأول "عيسى قبل الميلاد" مشهد نستقرئ الكثير من الصفحات عبارات مختلفة بدلالة واحدة، دلالة ضياع هوية الاسم بأبسط مطلب شخصي لصور الحرية ...

فلنتابع ...

- ثيمة الهجرة ومعاناة الغربة بسبب مآسي الفقر نستقرئ حالة مهينة أن يضغط الوالد على أبنته آيدا الأخت الكبرى لجوزافين لبيع جسدها بلا مبالاة منه لما تتعرض له من اعتداءات جسدية وجنسية وتعنيف لفظي من أجل جلب المال للأسرة، وبعد ان حملت اختها ولزمت البيت يأتي دور جوزافين فتكون الضحية الثانية التي تترك تعليمها بسبب فقر عائلتها و جاءت عن طريق سماسرة اليد العاملة لتشغيلها في الكويت، نلاحظ دينامية سرد لتمهيد الأسباب كمعادل موضوعي لسوء الأخلاق ودلالة على مناخ عائلي مضطرب ...

- ثيمة فلسفة الجدة العصبية والمتعنتة الاعتقادات بالتَطير والأحلام مؤمنة بتطبيق طقوس قديمة متوارثة، رافضة مناقشة تجديد آراء الأجيال بمراحلها الفكرية والمعرفية، احالة دلالية للفكر النمطي التقليدي المتوارث، اجاد الشاعر باختيار الشخصية غنيمة لأرسال اشارة لمدى شرخ التصدع بين الآباء والأبناء...

- الجزء الثاني

- وبسرد الفلاش باك ايضا بلسان الراوي وضمير المتكلم لوعة عيسى نستخلص عدة ثيم للمقاربة بين البلدين الكويت والفلبين وشتان بينهما، أولا:المستوى المعاشي بين الثراء الفاحش والفقر المدقع، يصف مكان سكنهم المحاط بأشجار البامبو والتي شهدت طفولته وسنين مراهقته وشبابه وشاركها أحلامه البريئة وأمله أن يعود لوطن جذوره كما وعدته أمه بوعد والده راشد لها ليعيش بسكينة وترف مثل والده الثري العائلة والأصول في الكويت ...

- كما يبدو ثيمة سهولة قناعة المجتمع وقانون الدولة بإلحاق نسبه لجده فأصبح عيسى ميدوزا في الفلبين، علما سنتعرف بعد ذلك لعدم الاعتراف به حفيد الجدة غنيمة من قبل عائلة والده في الكويت رغم أوراقه الشرعية وانتسابه كمواطن كويتي، نظرا لالتزامهم في العادات والتقاليد، ونلاحظ ذلك مع بنت خالته آيدا التي ولدت مجهولة الأب ونسبت لعائلة إمها ضمن قانون الفلبين ...

- ولننحو لثيمة التباين الطبقي المرفوض حين تزوج الابن الوحيد راشد من الخادمة الفلبينية جوزافين سرا بشهادة صديقيه بوثيقة شرعية، وابنها عيسى ثمرة هذا الزواج الذي ترفضه الجدة بسلطة العادات والتقاليد فتطرد ابنها وزوجته من بيتها الى ان يتخلى عنها ...

- ومن الجزء الثالث

- ثيمة التشتت العقائدي بإهمال التربية الدينية فرغم تعميده بالكنيسة الكاثوليكية لم يؤمن بها وظل باحثا على استقرار روحي فتعرف على بعض التعاليم البوذية من خلال صديق السكن في الفلبين، تعرف على التعاليم الإسلامية من صديقه ابراهيم سالم في الكويت، ومع هذا لم يشعر باي ايمان روحي نستذكر مقولته إن الأيمان بالرب في القلب، دلالة اختلال الاعتناق الديني لديه ببعده عن بيئة أبيه المسلم ....

- ثيمة إشكال هوية أحد أبطال الرواية الأبن عيسى أبن راشد ثمرة الزواج المرفوض من أفراد العائلة بسبب صعوبة مواجهة المجتمع والإفصاح عنه كحفيد، ونكران نسبه أبسط الحلول، ولأنه سيجلب العار لهم واعتباره فأل سيء كما تعتقد الجدة غنيمة ، ورغم مرور جيل وتغير كثير من الأحداث إلا أن الوضع سيتكرر معه بعدم احتضانه كما حدث مع أمه جوزافين وجعله بمنزلة الخادم بسبب ملامح وجهه الفلبينية ما عدا صوته الذي ورثه من الأب يثبت صدق نسبه عند الجدة ...

- كذلك طرح الروائي قضية الـــ (بدون) في الكويت ثيمة فقدان الهوية، من خلال شخصية غسان احد اصدقاء راشد المقربين من العائلة، نقرأ من سيرته: ولد ونشأ وترعرع في الكويت، مؤلف الأغاني الوطنية وعازف على العود أثناء الاحتلال العراقي كان يعمل مع زمر الثوار وأحزاب الدفاع عن الكويت، ورغم ما قدم من تضحيات حينذاك لم تبرر وطنيته في دستور البلد، وغير معترف به كمواطن من الدرجة الأولى، دلالة سمة التمايز الغريب والعلني الذي يحط من كرامة الأنسان ويبغض وجوده كمواطن ينتمي لمسقط رأسه ، يعيش بلا حقوق وترفضه عائلة حبيبته (هند) حين يتقدم طالبا الزواج منها، والتي هي أخت صديق العمر راشد تبعا لقانون العادات والتقاليد، وأيضا كي لا يتلوث نسب العائلة ويمس كيان الأسرة ...

- ثيمة الاهداء فيه الكثير من المشاعر الحميمية لأصدقاء عيسى " الراوي" ايحاء لمرح الشباب دلالة محبته لهم نعتهم بالمجانين، عبارة عفوية دعابية التعبير قالها عيسى حينذاك، ساخرا من طيش الموقف بلقائه الأول مع مجموعة شباب من الكويت أثناء رحلة ليلية في سفرهم لبلد أمه الفلبين، وسوف يلتقي معهم في بلد أبيه لاحقا بتدبير الصدف، و رغم قصر مدة التعارف وطبيعته الطارئة بانسجامه العابر معهم بقى أثرها في نفسه، سيتعرف القارئ خلال السرد وما تضمنته ذكريات لن ينساها، وسنرى استمرارية العلاقة تحكمها الظروف في بلد صغير مثل الكويت أضافة ما سيتبقى من ذكرى هويته العالقة في جذور ولادته وتعاطفهم معه فما يختزن إلا ما تبقى من ودهم وتواصلهم بإسم هويته ...

- ومنه نستنتج ثيمة علاقات صداقة متقطعة باستمرار الزمن نستبصر منها روح الشباب المحب للتغيير بعيدا عن سلطة الوالدين وقيود المجتمع وضغوطه التقليدية، مما حرى به التنويه عنها بالإهداء لهم في مقدمة الرواية عرفانا لهم ...

ختام:

- ينتهي السرد بالتفات عيسى لوطن أمه بعد محاربته بعدة طرق وقطع رزقه بنفوذ اخواته وموافقة جدته فيعود للفلبين كملاذ استقرار ليكْون أسرة، يتزوج بنت خالته وينجب ولد يشبه سمار وملامح والده يسميه راشد، هكذا يسدل السنعوسي الستار على أحداث الرواية بقصد اعادة التاريخ بروتين المعاناة، للدلالة على تكرار ضياع الهوية مع راشد الأبن أيضا، فهل يثبت هويته المسروقة ...؟؟؟؟ نترك القراءة لإطلاع القارئ.

- رغم طول الرواية إلا أنها لا تمل بما تجلى بها من صدق المشاعر وتفاعل الكثير عما تحمله من رسالة خطية لعدة مواضيع مترابطة أبدعها الكاتب بسرد الأحداث بسلاسة بسيطة متينة المعنى جميلة التعبير، تترك للقارئ فترة توقف وتأمل واستبصار وتأويل، برؤى بصرية للصورة الخيالية لنستكفي من الحدث آفاق الرؤيا بحقيقة تأثر كفلم سينمائي نتابعه بعيوننا وقلوبنا، انسياب الأحداث ببنية ترابط لأهمية الموضوع، وطريقة طرح الفكرة بأسلوب مؤثر يمسك شغف القارئ بمتعة المتابعة ممسك بخيط الحدث بلا متاهة تقطع سلسلة أفكاره ليُقلِب رأيه ويحفز رؤياه وهناك مثل معروف يقوله العارفين تذكرته بمقصود الرواية: (هذا ما جناه علي أبي)...

 

قراءة: إنعام كمونة

 

رحاب عوضالدخول في عالم رواية تجربة إبحار هادئ محفوفة بالازدحام والصخب، تفاعل مع عالم متخم بالمتناقضات، يفترض من القارئ الدارس حيادية الوجهة وحشد حواسه وذائقته ومدركاته ومرتكزاته وأدواته وصلبها على صخرة لتتبع الحدث برؤيا مشبعة بالتركيز، والتجوال في فضاءاتها المترامية الرؤى والمناظير والأطرالفكرية والفنية والتصويرية، وتقمص حركية شخوصها في خضم صراع يحمل مجريات الأحداث والخروج برؤيا موضوعية، تمثل قناعاته الشخصية التي قد يتطابق بعضها أو معظمها أو كلُّها مع قصد الكاتب أو لا يحدث، ومحاولة اقتناص ما قَرُب وما بَعُد من الأهداف والمرامي التي يمكن تصيدها عبر إيحاء أو إيجاز أو حذف لإضمار أو تقديم فكرة وتأخير سواها في معرض احتمالات وحتى من وقع صوت حرف... والوقوف على آلياتها وتقنياتها وجمالياتها الأسلوبية الموظفة، وتذوق لغة التعبير وكل ما قام وانطوى عليه المبنى الروائي.

محاولة تستلزم الإلمام بالمرجعيات الأولى والعوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية ذات الصلة والكشف عن تداعياتها وتبعياتها. فالخوض في غمارها لا يكون باستعراض كمال مصطلحات نقدية تثير الضباب بقدر ما يستلزم الكشف والاستكناه لاستجلاء المستور وحسر الغموض وإنارة جماليات الأسلوب والإشارة الموضوعية إلى التوظيف الإيجابي والسلبي، بإيجاز إنها إعادة كتابة النص من جديد برؤيا نقدية تجتاز الدوال والمدلولات فتبلغ مبعث ذرف الطرْف لقطرة الحبر.

 غوصٌ في أعماق بحر نص متلاطم الصراع يتدرج فيه وضوح الحدث تدرج الخيال في عمق قصيدة، منه ما يرسو على سطح من مباشرة ومنه ما يتخفى خلف المجاز وسواه، وسوى ذلك مما يتوارى بحنكة الكاتب بتموضعه خلف ظل كلمة أو جملة تمر مروراً ومضياً بين زخم الوصف والسرد في زمن يختاره الكاتب بعناية، وأما ما يتخفى تماماً فإنه يخضع لمقدرة الكاتب والقارئ معاً في التورية والاستبيان.

 "وكر السَّـلمان" تراجيديا إنسانية وتجربة كتابة اجتماعية تمثل امتداداً لصراع ثنائية "الخير والشر" الأزلية على مر الأزمان واختلاف العصور، وزينة البنية الفكرية الروائية بما انطوت عليه من فكر ثَّرَّة، أستطيع وصفها بشمولية الأشياء، ما ينمُّ عن سعة الثقافة والإلمام بالتجربة بالإضافة إلى الرؤيا التحليلية المجارية لها، وتبقى الثقافة شجرة مكتثة الأوراق، عقيمة مالم تثمر بالجديد وتفرز مبتَكر الفِكَر. أدانت الرواية الحرب وجرَّمتها بصنع القتلة بمادة أولية وطنية تمثلت بمروجات مشهد دموي يجرع من مستنقعات الجهل والتخلف ولا يرتوي، والذي أيقظ خلفيات فطرية ووراثية ومكتسبة كامنة غافية للتضافر معاً والإصباح على ليل دامس الظلمة من الموت. اقتحمت عالم الجريمة من نوافذ شتى نفسية تحليلية بثوب مباشرة، جاءت ملمة بمجريات الواقع السياسي مضبَّبة التفصيلات، موصَدة الأبواب تحسباً، على المرجعية الدينية مُشرَّعة على تداعياتها،ارتأى الكاتب فيها التواري خلف سدول الشخوص والإيحاء أو المرور الومضي تاركاً لقارئه بعضاً من صموتاتٍ ومرتكزاتٍ لاستكناه المضمر من دلالاتها وما تحفظ على التصريح به في مواطنَ من السرد. ــ مُوجز الرّواية:

نعمان الشخصية المركزية شاب مثقف حاصل على شهادة جامعية في الحقوق والقانون، ينتمي إلى بيئة عُرفت بالاتزان والخصال الأخلاقية الفاضلة غرست فيه المثل والقيم والطيبة والاستقامة، تنحدر عن أصولٍ بدويةٍ صحراويةِ منبتِ الجدود. أنهكته مشاهد الحرب في بلده العراق وأنهار الدم والجثث المترامية والرؤوس المتدحرجة عن مقصلة الحرب إلى هوة الفناء والنسيان، ثم سحقت روحه وأحلامه بما تسببته له من إعاقة أفقدته ذكورته إثر سقوط قذيفة على ملجئه أثناء خدمته، وكان من المفترض أن يصل كتاب نقله إلى مكتب وحدته العسكرية باعتباره الابن الوحيد لوالديه إلا أن القدر الأسود أخَّره لينال منه وممن حوله، فكانت العقدة التي سلبته إنسانيته وضميره وحولته من إنسان متزن متوازن إلى مريض ووحش همجي مفترس ينصب شراك مصيدته الأولى في وكر في قضاء السلمان لأقرب إنسانة عشقها قلبه، حبيبته وخطيبته، فلا ينفك، وإنما يأخذه جلد ضميره ومرار عذاب فعلته إلى معاهدة نفسه على بدء سلسلة جرائم يكون فيها أصدقاؤه ضحاياه ... تنتهي بمحاصرة القضاء مما يدفعه إلى انتحارٍ وموتٍ لا يترجم النهاية وإنما ينبئ بتكاثر الجريمة وولادة شرور جديدة عبر قفلة مفتوحة على الزمن ..."

2067 وكر السلمان

البدء باستجماع حيثيات هذه الرواية محفوف بفوضى التزاحم بين ما ورد فيها من نقاط وما ولدته من فكر تحليلية جديدة، تترك انطباعاً وبصمة في تفكير ووجدان القارئ أثناء وبعد القراءة، وتحفزه على فك شيفرات وثغرات لبلوغ نتائج لم يضعها الكاتب بين يديه لمزيد من الجذب والحفز على الحركية الذهنية لتكن البداية بـ: العنوان: إذا كان العنوان يمثل عتبة القصة فإنه في الرواية فإنه يمثل شرفة مفتوحة التأمل على آفاقها الشاسعة البعيدة، والسيناريو الوليد في لحظة التأمل الأولى والمنظومة الفكرية المحملة بدلالات وإيحاءات تشكل صورة مبدئية تخييلية إدراكية تحمل بعض ملامح المضمون.

إذا اشتمل العنوان على مبتدأ ومضاف إليه فإن المحتوى المُتَضَمَّن في الرواية سيحمل الخبر، وإسناد الجملة الختامية إليه" وكر السلمان تلاشى بين الكثبان" سيحمل خبراً ويختزل العصارة المعنوية للرواية .. لفظة " الوكر" هي الدال والصورة السمعية للعلامة اللسانية والمدلول هو المفهوم والفكرة المنطبعة في الذهن لمدرك، هو "عش الطير" الذي يحمل معنى الأمن والهدوء والطمأنينة، لكن حين نسبت الكلمة إلى السلمان اسم رجل أحدثت انزياحاً فاختلفت الدلالة، من هنا كان إسناد اسم " السلمان" إلى وكر مَثارَ غرابةٍ وتساؤلٍ.

وإذا نظرنا سيميائياً وتأملنا البعد الصوتي لحروف كلمة "وكر" بغض النظر عن المعنى المعجمي المتعارف عليه، نجد حرف الواو يأتي أولاً وفي صوته مد وامتداد والكاف حرف انفجاري ويحمل معنى القطع والضغط ولزوم الحركة في المكان والاحتكاك انطلاقاً من مخرجه وصوته، ومجيء الراء أخيراً في الكلمة مكنه من إطلاق فعالية صوته الذي يحمل معنى الكرور والتكرار، وإذا ما طابقنا ذلك مع مضمون ذلك النفق نجد أن الكاتب موفق في اختيار لفظة "وكر" دون "عش" بما حمله ترتيب الحروف من دلالة صوتية، فالجريمة طرف حبل له امتداد إلى التاريخ، والضحية في ذلك المكان كانت محفوفة محاصرة بين جدرانه المظلمة مهما حاولت التخلص كانت محاولاتها عقيمة بلا جدوى، والجريمة لم تنفك تتكرر وتتسلسل ....فلو أن استخدم الكاتب كلمة "عش" بديلاً عن "وكر" لما حملت تلك الطاقة الباعثة للإيحاء والمثيرة لفضول القارئ، ولسلبت النص عنصراً هاماً ليس على صعيد العنوان كتقدمة مشوقة فحسب، وإنما على صعيد سير انفعال القارئ المجاري للسرد، فإيحاءات العنوان الدلالية والنفسية لن تنفك عن تلبس القارئ على مدار القراءة والمتابعة بالتساؤل عما سيصدر عن ذلك الوكر الغامض، الأمر الذي أسهم في دفع سير الحدث وتصعيد الانفعال وبث مشاعر الخوف والقلق والتوجس ولا سيما حين ضمَّن المتن فيما بعد بالنفق كتجلٍ مكاني للصورة الاستعارية ودلالة رمزية لامتداد جذور الجريمة إلى التاريخ البشري على اختلاف صورة القاتل على مر الأزمان، أيانَ كانت تُحاك خيوطها في الظلام، لعبت فيه شخصية نعمان الدور الهام لكون المكان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالشخصية يؤثر بها وتتأثر به يحمل أفكارها ويعبر عن نفسيتها، إذ يجسد بعداً نفسياً فيها بما يثيره فيها وما يجري بينهما من تفاعل دائم الاستمرار. فهو لم يقف عند حد كونه مكاناً وعنصراً هاماً في سير الأحداث فحسب، بل إنه يتجاوز ذلك إلى إمكانية اعتباره الهدف الأول القائم خلف كتابة هذه الرواية. حمل على ضيقه وظلامه بنى فكرية مشعة الإيحاءات والدلالات الغائرة في تلافيف اللفظ،، اتسع ليتحول إلى فضاء زمكاني واسع ممتد يشتمل على العلاقات بين الشخصيات والصراع القائم بين القيم والأفكار ليختزل في دهاليزه ثنائية الصراع بين"الخير والشر" فاتخذ بعداُ وجودياً تاريخياً. حتى أن طاقة العنوان " وكر السلمان" لم تقف عند حد الجذب فحسب، وإنما جعلت القارئ يحتمل ودون ملل بطء سير الحدث لرحلة في المتن، فدلالته تعِدُه بالممتع المشوق مما سيضعه فيه من هزات انفعالية وقبض على أنفاسه في تجربة كتابة تحمل له التشويق، وفرص انتظار المثير على شاكلة ما يحدث في أفلام الرعب أو الأفلام البوليسية التي فقط آخر ذيول هذه الرواية قد استرق شيئاً من ملامحها. وهذا ما استلزم من الكاتب براعة في انتقاء العنوان وحسن توظيف المكان فيه بلغة انزياحية كانت قادرة على تقديم لوحة مكثفة الإيحاء، مفادها أن الجريمة أزلية باقية ممتدة تجري وراء الكواليس يتخفى شخوصها خلف أقنعة شتى تغتال الخير والحياة ولا تترك خلفها سوى الروائح النتنة وحرقة المقهورين، فلو أراد حصر الجريمة في زمن محدد أو خصوصية ما لارتأى منزلاً أو شارعاً أو غرفة محاطة بأربعة جدران تجري فيها، فما حمله العنوان من طاقة أثار شغف القراءة وحفز القارئ على المتابعة لاستجلاء خفايا النص.

يُتبع ...

 

بقلم: رحاب عوض

 

حسني التهاميHaiku Structure (Toriawaise)

الملخص: يعد تجاور الصور الحسية ذا أهمية كبيرة في تشكيل بنية الهايكو، فمن خلاله تتولد المفارقة التي تؤدي إلى فجوة التوتر الشعري.  يستخدم الشاعر أحيانا كلمة القطع "الكيرجي" في الهايكو الكلاسيكي، وما يعادلها من علامات ترقيم في الآداب الأخرى لتسهم في تشكيل عملية التجاور، عن طريق المزج بين صورتين متناقضتين وإحداث تناغم بينهما. اختلف الشعراء في استخدام علامة القطع في أوروبا والعالم العربي، فمنهم من رأي أهمية وجودها في القصيدة، حيث أنها تكسب النص لمحات جمالية وتمنح القارئ مساحة للتأمل الذهني والعمل على تفكيك بنية النص وإعادة تشكيلها من جديد، وهناك فريق آخر يرى أن تلك العلامات تمثل عبئا يعيق انسيابية النص. تنقسم بنية الهايكو إلى ثلاثة أنواع: البنية التناغمية، والمتباينة وأحادية المشهد، يمكن لشاعر الهايكو التعبير عن مشاعره وأحاسيسه بشكل غير مباشر عبر تجاور الصور الحسية في النص الشعري.

يُقصد ببنية الهايكو، "التوريوازة" امتزاجُ صورتين أو مشهدين في النص الشعري، بهدف إنشاء جماليات معينة، حتى لو كانت هاتان الصورتان تحملان خصائص متناقضة. ينتج عن هذه العملية ولادةُ لحظةٍ جمالية تؤدي إلى مستوى جديد من الوعي، لكنها تحتاج إلى براعة في الصياغة كي لا يقع النص في إشكالية اللبس والغموض

يؤكد مايكل ديلان ويلش أن تجاور مشهدي النص يخلق نوعا من الشرارة الناتجة عن المقارنة الداخلية أو ما نسميه بالمفارقة حال إدراك أي من الهايكست أو القارئ لهذا التجاور، تلك الشرارة هي ما تجعل النص عالقا بالذهن عصيا على النسيان، وتكون مهمة الهايكست إحداث تلك الشرارة، فهي التي تحقق أعلى درجات التوتر، وبها يصبح النص غاية في الإمتاع والدهشة والجمال. (1) يتطلب هذا النوع من المفارقة حنكة عقلية وعمقاً في البحث والتحليل والاستنباط وقدرة على تفكيك  النص وإعادة تشكيل بنيته من جديد.

نادراً ما يصف شاعر الهايكو شعوره الخاص، لكن التجاور بين مشهدي نصه ينقل لنا أحاسيسه، فهو لا يقول كل شيء؛ لذا تحتاج سطوره الثلاثة الموجزة إلى قراءات متعددة وتعمق في الصور الحسية كي تنبثق الأفكار وتتفجر المعاني بشكل أكثر عمقا وثراء. أحيانًا يكون اكتشاف القارئ للمعاني العميقة وترابط مشهديات النص لحظة قراءته فوريًا وعميقًا، وأحيانا أخرى يستغرق ذلك بعضا من الوقت؛ وهذا يتوقف على مدى قدرة القارئ على استنباط ما بين السطور وبراعته في القبض على "لحظة الهايكو."

تنقسم بنية الهايكو إلى ثلاثة أقسام:

1-البنية المتناغمة:

في النصوص التي تتسم ببنية متناغمة يكون هناك نسيج متشابك بين مشاهد النص على أرض الواقع، وحتى على المستوى النفسي والوجداني؛ وعلى الرغم أحيانا من وجود تنافر ظاهري بين الصور الحسية، إلا أن للقارئ دورا مهما في إيجاد العلاقة القائمة بالفعل بين المتنافرات بالنص، لكن ربما بشكل ضمني.

يلحظ المتأمل في النص التالي لـ"يوركان" مقدار الفجوة بين الصورتين بفعل علامة القطع:

تركه اللص وراءه:

عند نافذتي

قمر(2)

تمثل النقطتان الرأسيتان وقفة تأملية في نهاية السطر الأول، قد يتساءل القارئ: يا ترى ماذا ترك اللص وراءه؟ وأين؟ من الطبيعي أن يكون الشيء الذي سقط من مسروقات اللص ليس إلا مقتنيات حسية، لكن تأتي المفارقة عندما نجد أن هذا الشيء هو "صورة القمر"! تقوم "النافذة" كمادة حسية بالربط بين مشهدي النص، ذلك لأنها المكان الأمثل الذي يتسلل منه كل من اللص والقمر، لكن شتان...شتان بين اللصين!

ولنتأمل أيضا قصيدة يوسا بوسون 1716 –1784 Yusa Buson التي تحتوي مشاهدها على تفاصيل من الطبيعة، دون تدخل من الذات الإنسانية في تركيبة النص:

أعشاب ضبابية،

مياه هادئة:

إنه المساء (3)

هناك تقارب بين صورتي "الأعشاب الضبابية" و"المياه الهادئة"؛ تقوم عملية التجاور بخلق مشهد الأمسية الهادئة والممتعة. كما أن هاتين الصورتين مأخوذتان من عنصر واحد وهو الطبيعة التي لا تعني للشاعر الياباني فقط الجمال الحسي بل تمثل له عالما مثاليا ومصدرا أساسيا للإلهام الروحي. وهذا الإحساس الروحي نابع من الجمال الطبيعي والوعي بالفراغ الذي "يبعث قلب الشفقة"؛ ففي حالة التأمل والسكون يتحقق الكمال عبر التفاصيل الكونية الدقيقة.

في ديوانها "نتقاسم المدى" لا تكترث الشاعرة المغربية مريم الحلو  كثيرا بعلامات القطع لتحقيق المجاورة بين مشهدي الصورة:

هبة ريح

إلى فراشات حمراء

تتحول شقائق النعمان(ص4) (4)

يتكون النص من مشهدين متناغمين، الأول: (هبة ريح)، والآخر تحول زهرة شقائق النعمان مع هفهفات الريح لتصبح على شكل فراشات حمراء، هنا ينقل النص حديث الطبيعة للطبيعة عبر لحظة جمالية غاية في البساطة والجمال. تترك الهايكست تفاصيل الكون والطبيعة تتحدث عن نفسها منتهجة بذلك مقولة باشو"إذا أردت أن تتعرف على الصنوبر، فاذهب إليه"، يبدو المشهدان طبيعيين، حتى عند التعبير عن المشاعر تجاه الزهرة والإحساس بجمالها الطبيعي، ذلك التوحد مع التفاصيل الكونية والتجاوب مع نداء الطبيعة يعكس حالة الكشف والصفاء الروحي.

2- التوريوازة ذات البنية  المتنافرة ("صدام بين شيئين"):

في هذه النوع من التجاور يضع الهايجن صورتين متنافرتين تماما جنبًا إلى جنب بقصد إحداث نوع من المفارقة التي تتولد من فجوة التوتر الشعري، كشرط أساسي للتجربة الفنية أو الرؤيا الشعرية. يأتي الهايكست بأشياء غير متجانسة أو بألفاظ بينها تضاد، ويطرحها في سياق متناغم ليقدم رؤىً جديدة للعالم تتشكل ليس فقط من البناء اللغوي، لكن أيضا من تصوراتنا للأشياء. يكون للقارئ دور مهم في ملء الفجوات بالنص الشعري، وبالتالي تحدث فجوة التوتر الشعري من المفارقة الناتجة عن الانزياحات اللفظية، أو من تجاور مشهدين متنافرين بغية تناغمهما، وإحداث نوع من الدهشة. وليس أدل على هذا النوع من التوريوازة من نص باشو الشهير "البركة":

بركة قديمة

ضفدعة تقفز ...

صوت الماء (5)

أحدثت تلك القصيدة ثورة في بنية الهايكو كفن رفيع لا يأبه بالتنمق اللغوي والأساليب البلاغية الصريحة. تخلق علامة الحذف (...) في السطر الثاني انسجاما بين صورتين متنافرتين. ربما يسأل القارئ: ما علاقة "البركة القديمة" بـ"قفزة الضفدع  ... صوت الماء"؟ من الواضح أنه ليس ثمة صلة بين الصورتين، على هذا الأساس تبدو بنية النص مفككة، لذا يتعين على القارئ تشكيلها من جديد وتحقيق نوع من التماسك بين الأجزاء غير المترابطة. لكن كيف يتم ذلك؟ هنا يأتي دور الصورة الذهنية التي تنشأ في مخيلة المتلقي عند تأمل النص وعند سماع صوت الضفدع وهو يقفز في الماء، حتما ستظهر بركة قديمة في الذهن. ومن هذا المنطلق يمكننا الإشارة إلى ما يسمى "فينومينولوجيا" القارئ؛ بمعنى أن الهايكو نص غير مكتمل يعتمد على مخيلة المتلقي وثقافته بشكل أساسي للمشاركة في تأسيس جماليات النص. هناك نوع من التلاقي بين مقصد المبدع من كتابة النص وخبرة القارئ ومعرفته لصنع عالم الهايكو.

في نص آخر للشاعر ياماغوتشي سيشيYamaguchi Seishi , (1901 –1994):

عشب الصيف:

عجلات القاطرة

تتوقف (6)

هنا نرى التباين القوي بين عنصرين أحدهما طبيعي (العشب) والآخر بشري (القاطرة). وعلى الرغم من أن القصيدة تتبع النمط الكلاسيكي الذي  يمجد الطبيعة، فإن الشاعر يسلط بؤرة الضوء على الآلة وهي منتج بشري، مما ينتقص من جمال العشب، ومن هنا تأتي المفارقة.

نص آخر للشاعر الأمريكي وليام كولين جونيور

اكتمال القمر

ضباب همساتي

على قرطها الفضي (7)

~ وليام كولين جونيور، Frogpond، XXIX: 1

تنجحُ القصيدةُ في استدعاء مشهدٍ رومانسي شفيفٍ؛ في ليلةٍ مُقمرة يلتقي العاشقان، فيبدو ضباب أنفاسِ المُحب على قرطٍ فضي لامع في أذن الحبيبة. تحدثُ المفارقة في التجاورِ بين غريمين، أحدهما عالٍ في السماء، والآخر على الأرض . ينعكس ضوء القمر على القرط الفضي للحبيبة، فيما تشكلُ أنفاس العاشق هالةً ضبابيةً على القرط اللامع. وقد وُفق الهايكيست في استخدام عنصر الفضة الناصعِ بطبيعته؛ وبذلك تزداد درجةُ البريق مع اكتمال القمر وبهاء الوجه النوراني للحبيبة. يحدثُ التجاورُ بين صورتين تعكس تفاصيلُهما إحساسا بالألُفة وتخلق توافقا دقيقا ومزيجا من الحواس، عندما تنبعثُ شفافيةُ الهمس من نسيج الضبابِ الرقيق.

يفتقد النص تماما لعنصر التنحي، حيث أن الهايجن لم يتركِ الأشياءَ تتحدثُ عن ذاتِها، ولم تكن الطبيعةُ هي العنصرَ الأساسي، على عكس ذلك، نجدُ الشاعر في قلب الحدث؛ فهمساته الرقيقة أحدثتْ هالةً ضبابية على قرط الحبيبة، وكان دور القمر - الذي يمثل العنصر الطبيعي – ثانوياً، متمثلاً في إضفاءِ الملمحِ العاطفي على الحدث الرئيس، وبهذا يمكننا أن ننسب هذا النص إلى نوع الهايكو الهجين الذي يمتزج فيه عنصرا الطبيعة بتفاصيلها اللامتناهية والعنصر البشري بما يختلج في نفسه من مشاعر وأحاسيس غير مباشرة.

خلال زيارته الأولى لمنزله بعد موت أُمه، تأثر باشو كثيرا عندما أظهر له شقيقه خصلة من شعرها الأبيض فكتب هذا النص:

إذا خبأتها في يدي،

هل ستخفيها الدموع الساخنة؟

صقيع الخريف (8)

ينتمي هذا النص إلى الهايكو الهجين، حيث يختلط العنصر الطبيعي مع البشري وتثير المادة الحسية دفقات متباينة من المشاعر والأحاسيس لدى المتلقي؛ واضح أن الموقف مثخن بالجراح، وقد أشعلت رؤية خصلة الشعر فورة الحزن في قلب الشاعر، لكن ما أحدث المفارقة هنا هو ذلك التجاور بين الدموع الساخنة والصقيع.

في الهايكو الحداثي يلفت انتباهنا نص للشاعرة  الأمريكية كارولين هول Carolen Hall:

"شيء ما"

في صورة "المامجرام"

ليلة بلا نجوم (14) (9)

~ كارولين هول، عش مالك الحزين، المجلد. 14،2012

يشكل النص بنية حداثية، حيث لا يعتمد على علامة القطع لإظهار تجاور المشهدين الذين يحملان نوعا من التناقض بين الطبيعة والكينونة البشرية وما يرتبط بها من تفاصيل؛ فيؤدي ذلك إلى تولّد المشاعر الإنسانية. ينتج عن بنية النصوص القائمة على التجاور الذي يعكس اغتراب الذات عن الطبيعة معاني جديدة ومبتكرة؛ فعلى الرغم من أن عبارة" ليلة بلا نجوم" مستقاة من الطبيعة، وتوحي بالموضوعية والتنحي في تناول المشهد، إلا أنها تعكس حالة القلق وعدم اليقين أو الإحساس باقتراب الموت إثر مرض الشاعرة بسرطان الثدي، وزاد من حالة عدم اليقين ذكر عبارة "شيء ما" التي تفتح مجال التأويل لأشياء مجهولة أمام الهايكست والقارئ معا، فثمة علاقة بين حالة الشاعرة الصحية والليلة الخالية من النجوم،  فمع  كل آلامها لم تعتمد الهايكست على الغنائية بتأجيج  المشاعر وإهمال عنصر الطبيعة.

فيما يعتمد الشاعر العراقي عبدالكريم كاصد في ديوان "شجرة عند الباب" تقنية التجاور في كثير من نصوصه، أحيانا باستخدام علامة القطع، وأحيانا أخرى بدونها مع الإبقاء على عملية القطع ذاتها:

ينقطع المطر

صرخةٌ-

يا للطائر السفيه!  (10)

يصف المشهد الأول توقف المطر وسكون حركته، ثم تتبع هذه الهدأة صرخة في المشهد التالي، وكان من المفترض أن ينتهي النص في السطر الثاني، لكن وضع علامة القطع (-) جعلت القارئ يتساءل في دهشة: يا ترى صرخة من؟! ويأتي الجواب في السطر الأخير لنتيقّن أنها للطائر السفيه. يُظهر الهايجن وجهين متقابلين للطبيعة تارة في هدوئها وفتنتها من خلال مشهد المطر الرومنسي الحالم، وتارة أخرى في عبوسها وتجهمها عبر صوت هذا الطائر الأحمق المفزع المريع.

3- إيچيبوتسوجيتاته، ichibutsu jitate : البنية أحادية المشهد

يُكتب الهايكو الياباني على شكل سطر واحد، بينما يكون في اللغات الأخرى-ومنها العربية- على ثلاثة أسطر، وتتكون معظم النصوص من صورتين أو صورة وحدث، والاستثناء في هذه الحالة هو "هايكو الصورة الواحدة" الذي يتضمن فكرة أو يصور حدثا أو لحظة من الحياة اليومية. في هذه الحالة ليس من الضرورة استخدام علامة قطع، كي تكون القصيدة جملة بسيطة تنساب جزئياتها وتتناغم لتكوين المشهد الأحادي. وطبيعي أن يستخدم الهايكست المبتدئ هذا النمط لسهولته وبُعده عن تركيب الصور حتى إذا ما ثقلت تجربته كان بإمكانه تجريب التوريوازة ثنائية البنية التي تحتاج إلى براعة في التركيب والصياغة، وهذا لا يعني أن الـ"إيجيبوتسوجيتاته"  أقل في القيمة الجمالية عن القصائد التي تحتوي على صورتين متجاورتين.

أول ما يسقط من الثلج

يكفي أن يحني

أوراق النرجس

ماتسو باشو

(مجلة الفيصل صوت الماء)

...

شجرة البرقوق الأبيض

كانت منذ زمن طويل

خارج السياج

كوبياشي إيسا (16) (11)

يتكون كلا النصين من مشهد أحادي؛ في قصيدة باشو نرى أثر أُولى ندفِ الثلج المتساقطة وهي تتسبب في انحناءة أوراق النرجس في مشهد يعكس جمال الطبيعة الفاتن، دون تدخل من الشاعر بانفعالات مباشرة تطغى على المشهد الحسي. كذلك يتناول نص إيسا فقط شجرة البرقوق الأبيض خارج الأسوار؛ يرمز الشاعر إلى جمال الطبيعة البِكر وهي في منأىً عن العالم البشري البائس، قبل أن يمتد إليها فيبدد روح هذا الجمال الساحر!

علامات القطع (الكيرجيKireji):

الكيرجي هي كلمة قطع نحوية مكتوبة ومنطوقة في آن واحد في الهايكو الياباني، وليس لها معادل لفظي في أي من اللغات الأخرى، حيث تستخدم -عوضا عن ذلك- علامات الترقيم. تقسّم  الكيرجي النص إلى جزأين إيقاعيين، أحدهما يتكون من اثني عشر والآخر من خمسة مقاطع، وتشير إلى اكتمال الجملة وأيضا إلى وقفة إيقاعية، وتضفي مسحة عاطفية خاصة على الخمسة مقاطع الأولى أو الاثنتي عشر الأخيرة، وغالبا ما تقوم بالربط بين مشهدي النص وإيجاد علاقة بينهما. ومع ذلك يرى باشو أن عملية القطع ذاتها أهم من كلمات القطع، حيث تلعب دورا أساسيا في تركيبة النص، وترتقي بالجملة النثرية العادية إلى مرتبة الشعر؛ ويزداد المعنى جمالا وعمقا وتناغما.

الهايكو الأوروبي:

يُعدّ استخدام علامات القطع في الهايكو أمرا مختلفا عليه في أوروبا وفي العالم العربي؛ فبعض المترجمين المختصين الذين نقلوا تجربة الهايكو الياباني عن لغته الأم إلى الإنجليزية مثل هارولد جي هندرسون Harold Gould Henderson (1889–1974) وآر إتش بليث Reginald Horace Blyth (1898 –1964)، قد وضعوا تلك العلامات في ترجماتهم، بينما لم يكترث بها شعراء الحركة التصويرية في أميركا؛ فقد احتوت معظم نصوصهم على عدد قليل من علامات القطع أو كادت تخلو منها، لننظر مثلا إلى قصيدة "في محطة المترو" لإزرا باوندIzra Bound 1885-1972  التي تعد محاولة أولى أقرب إلى الهايكو:

"طيفُ هذه الوجوهِ في الزحام:

بَتَلاتُ زهرِ على غُصنٍ أسود مبتل."(21)

استخدم باوند نقطتين رأسيتين في نهاية السطر الأول لتحقيق تقنية التجاور بين صورتين متباينتين في هذا النص المختزل. يُشبِّه الشاعر وجوه الناس وهي تمشي على رصيف محطة المترو في ليلة مطيرة ببتلات الزهرة المبتلة الأغصان. من خلال الجمع بين الصورتين، تنشأ العلاقة بين حياة المدينة المليئة بالزحام والضجيج والعالم الطبيعي الهادئ والساحر.

بعد باوند تزعمت الحركة التصويرية الشاعرة آمي لويل Amy Lowell 1874 –1925، وقدمت  نصوصا لم تلتزم فيها كثيرا بالشكل الكلاسيكي للهايكو:

طاووس ذهبي

تحت أشجار الكرز المزهرة

لكن ليس ثمة قارب

في البحر الممتد (2) (13)

كذلك  مضت الشاعرة ه.دويليتل Hilda "H.D." Doolittle 1886-1961 على نهج إزرا باوند وآمي لويل وغيرهما من شعراء الحركة التصويرية:

لامعة

أيتها الوردة، وحيدة في الصخر،

صلدة مثل حبات البرد(3) (14)

يذهب بعض النقاد وعلى رأسهم كور فان دن هوفالCor van den Heuval  إلى أن شعراء الحركة التصويرية- على مدى مراحلها الثلاث- لم يكن لديهم وعي حقيقي بالهايكو، ذلك لأنه لم تُتح لهم ترجمات كافية أو تحليلات نقدية عميقة تمكنهم من الوصول إلى جوهر الهايكو، ولم يكن لديهم القدرة على النفاذ إلى روح هذا الفن.(4). وعلى الأرجح أن عدم التزام هؤلاء الشعراء بخصائص الهايكو أو بالبيان الذي أصدره إزرا باوند في بداية مشوار الحركة والذي يدعو إلى التركيز على الصورة الشعرية والموسيقى الداخلية المتولدة من عمق المعنى والبعد عن التنمق اللغوي، يعكس رغبة الشعراء التصويريين في التحرر وكتابة شكل إبداعي خاص ومتميز يتسم بالاختزال والتكثيف، ويسمح لهم بالتعبير عن تجاربهم الخاصة ومشاعرهم الذاتية التي يرفض الهايكو التعبير عنها عبر الكلمات المباشرة، ومن هنا كان تميزهم وتأثيرهم على معظم شعراء القرن العشرين في أوربا.

بدأ ر.ه.بليث RH Blyth بنشر مجموعته المكونة من أربعة مجلدات، حيث استخدم في ترجمته علامات القطع، نورد من تلك النصوص نصا للشاعر الياباني سورا Sora:

النجوم في البركة:

مرة أخرى زخات الشتاء

تعكر صفو الماء.

(ترجمة بليث، هايكو 1187) (15)

إلى جانب الكتابة بالأحرف الكبيرة، كان بليث يميل إلى استخدام النقطتين الرأسيتين وإلى الفاصلة أو الفاصلة المنقوطة للفصل بين مشهدي الهايكو.

وفي هذا الشأن لم يختلف الشاعر الأمريكي ربيتشارد رايت Richard Wright - الذي كتب الكثير من النصوص أثناء إقامته في فرنسا في الفترة ما بين 1958- -1960 في استخدامه لعلامات القطع عن بليث:

تاركاً عشه،

يغطسُ العصفور لثانية،

ثم يفرد جناحيه.

ينجح هذا النص البسيط الموجز في اقتناص لحظة جمالية من الطبيعة في مشهد أحادي يقوم فيه الطائر بثلاث حركات: الإقلاع عن العش ثم النزول إلى الماء، وأخيرا فتح جناحيه للتحليق. استخدم الهايكست علامة قطع في السطر الأول والثاني ليترك لنا المجال لتتبع حركات الطائر وتأمل بهاء عالمه الطليق. (16)

تتناول المحررة ريجينا وينريتش Regina Weinreich في مقدمتها لكتاب "الهايكوات" تجربة جاك كيرواك مؤكدة اختلاف هذا الشاعر عن سابقيه من الشعراء الأمريكيين في فهمه لروح الهايكو: "كان كيرواك على دراية جيدة بالهايكو... لكنه تحرر ومارس نوعًا من الرخصة الشعرية من أجل التجريب"؛ تجمع تجربة جاك كيرواك بين الأصالة من حيث الالتزام بالبساطة والابتعاد عن الخدع الشعرية، والميل إلى التحرر في تناول موضوعات الهايكو وأيضا في تشكيل بنية النص:

(17)

تحت الشمس

أجنحة الفراشة

مثل نافذة الكنيسة (نص آخر)

جاك كيرواك (كتاب هايكوس 62) (18)

Jack Kerouac (Book of Haikus 62)

الهايكو العربي:

لا يختلف الهايكو العربي عن مثيله في أوروبا وأمريكا، حيث لا يمكن تطبيق علامة القطع المتعلقة بالنموذج الياباني الكلاسيكي على نصوص الهايكو العربية؛ فالـ ""ya و والـ kana"" علامتا قطع لفظيتان في المقام الأول، وليس في العربية ما يعادلهما، "غالبًا ما تشبه الـYa النقطتين الرأسييتين (:) إلى حد كبير، ولكن ليس دائمًا؛ بينما تعادل الـ kana، التي تُستخدم عادةً في نهاية النص، علامة الحذف (...) أو استفهام أو تعجب. في تجربة الهايكو العربي.

يكاد يخلو ديوان "جنازات الدُمى" للشاعر اللبناني ربيع الأتات من علامات القطع، على الرغم من أن الهايكست اتّبع التوريوازة ثنائية المشهد في معظم النصوص:

تحطم الاكواريوم

الأسماك تقتات

زجاجا مهشما

(جنازة الدمي 24)  (19)

يحتوى السطر الأول على المشهد الأمامي وهو المكان: الأكواروم المحطم، ثم ينتقل النص تلقائيا إلى السطرين التاليين دون قطع مطلقا. هنا يؤمن الشاعر بمقولة باشو أن الأهمية تكمن في عملية القطع وليس في العلامة ذاتها، فالقارئ يمكنه تركيب بنية النص وفك شفراته. وبما أن الهايكو يتسم بخاصية الاختزال التي تزيد من تكثيف المعنى، نرى أنه لا ضرورة لذكر كلمة "مهشم" في السطر الأخير، حيث تشير إلي دلالة هذا المعنى كلمة "تحطم" في بداية السطر الأول. في ذات الديوان تمضي بنية معظم النصوص على وتيرة واحدة ولا تختلف كثيرا عن النص أعلاه:

يوم الصيد

بحذر يحط الدوري

على ظله (20)

بدأ الشاعر نصه بـ"كيغو ضمني"، تلك الإشارة الموسمية تعني مدى أهمية الطبيعة ومدى ارتباط الإنسان بها، في الواقع تمثل الطبيعة لشاعر الهايكو مصدرا للطمأنينة والهدوء والسمو الروحي. يسلط ربيع الأتات بؤرة عدسته على الحدث حين يحط الدوري على ظله بشيء من الحذر، ولا نكاد نسمع صوت الذات في مشهدي النص المأخوذين من تفاصيل الطبيعة وحركة كائناتها، (جنازات الدمى ص.25)

أنواع الكيرجي Kirji

يوجد حوالي ثمانية عشر نوعا للكيرجي، لكن الأكثر شيوعا نوعان، هما الـ  "Ya" والـKana  :

أولا Ya ():

توضع  كلمة القطع "Ya" غالبا في نهاية السطر الأول، كوقفة نحوية وإيقاعية تعطي مساحة لالتقاط الأنفاس والتأمل، وتهيئ القارئ للانتقال من المشهد الأمامي إلى "الحدث" الأساسي بشكل سلس، ولهذه الكلمة أشكالٌ كالفاصلة (,) والفاصلة المنقوطة (؛) والنقطتان الرأسيتان(:) والشرطة (-) وعلامات الحذف (...)، والمتأمل في نصوص الشعراء اليابانيين الأوائل يلحظ وفرة علامات القطع، فكل واحدة منها تسهم في وضع جمالية فنية معينة داخل القصيدة:

عظام مكسوة بريش،

أفكر في الريح التي

ستخترق جسدي

باشو

مجلة الفيصل (32) (21)

...

تمثل تجربة الشاعر المغربي سامح درويش في ديوانه "خنافس مضيئة" منطلقا نحو الكتابة الحداثية شكلا ومضمونا. فمع الوعي بخصائص الهايكو الكلاسيكي يتخذ الهايكست مسارا مغايرا، وينعكس ذلك على أسلوبه في تشكيل بنية قصائده المختزلة والتي غالبا ما تجمع بين الخاص والكوني، في أحيان كثيرة يمزج الهايجن هذين العنصرين عن طريق اشتراكهما في فعل الحدث، ولا يلتزم بالطريقة الكلاسيكية التي تقضي بأن الهايكو شعور إنساني تجاه الطبيعة، على عكس ذلك تتأثر الطبيعة أحيانا بالإنسان وتتجاوب مع مشاعره وعالمه الداخلي، فينتج عن هذه التقنية أحداث مفاجئة تحدث المفارقة، وهي عنصر أساسي للدهشة:

بدغْدغَاتِ ظِلّ يدِي،

تطِيرُ بهْجةً

سمَكاتُ الوَادي. (22)

نلاحظ مدى التماهي بين عنصري الطبيعة والإنسان حد تأثر الطبيعة ذاتها بالتفاصيل البشرية، فسمكة الوادي بشكل مجازي تبتهج عندما تستشعر دغدغات ظل اليد، وتلك الصورة غير مألوفة في الأنماط التقليدية. وكعادة الشاعر في معظم نصوص الديوان ينهي السطر الأول بعلامة قطع، وهي غالبا ما تكون فاصلة تمنح القارئ مساحة للتأمل والتأويل قبل أن يعرج على الحدث في السطرين التاليين.

حجَرة الوادِي الملْساءْ،

ما صقَلَها

غيْرُ حنَان الماءْ. (23)

-2-الكانا  Kana

عادة ما تكون الكانا في نهاية السطر الأخير، وهي بمثابة تنهيدة أو إحساس مفاجئ بالدهشة نتيجة حدوث اللا متوقع. وغالبا ما تأتي في صورة علامة تعجب أو استفهام نهاية السطر الثالث، وتشير إلى مشاعر الفرح، الحزن، الذهول، التعجب، الفزع ... أو إلى أي نوع من المشاعر الإنسانية.

في ديوان "تهمس البوكنفيليا مثقلة بأزهارها الحمراء" الذي صدر ضمن الأعمال الشعرية الجزء الأول للشاعر محمد الأسعد تحتوي بعض من النصوص على علامة القطع "الكانا"، علامة تعجب أو استفهام في عدد قليل من النصوص، وهذا يعني أن بنية معظم النصوص تأملية أحادية المشهد، تتسم بالنفس الهادئ وتنتهي بقفلة انسيابية توقظ القارئ كالنور المفاجئ وتجعله قادرا على اكتشاف المعاني الخبيئة بالنص وتؤدي في النهاية إلى الإمتاع والدهشة:

أتساءل

في أي حدائق مهجورة

تتساقط أزهار الجاردينيا؟(152) (24)

في هذا النص الموجز  يمضي الهايكست مهموما بأشجار الجاردينيا التي ترمز ربما للنفوس المعذبة في غربتها، ومتسائلا في ذات الآن عن الحدائق المهجورة التي تشير إلى عالم الغربة، حيث تكمن العذابات والآلام. يختتم الهايكست نصه بعلامة استفهام تدعو إلى التأمل والتساؤل والحيرة.

تستخدم الشاعرة التونسية عفراء قمير طالبي "الكانا" في نص بديوانها " لا أثر للرمل" الذي يكاد يخلو من علامات القطع:

في لمعة السكين،

دودة التفاح

تتأهب للخروج! (25)

تصور الشاعرة مشهدا متكاملا غير مبني على تقنية التجاور، وتنجح في جعل خيوط نصوصها تنسرب في انسيابية دون توقف كالماء السيال من النهر في قصائد أحادية المشهد، مثال ذلك:

رعشة أخيرة

السمكة في قعر الدلو

مغطاة بالطحالب

(لا أثر للرمل ص123) (26)

مختتم:

يعد تجاور الصور شيئا أساسيا في تركيبة الهايكو الكلاسيكي، وعلى الرغم من وجود تنافر بينها، ينشا نوع من التناغم بين هذه الصور نتيجة التأمل الذي ينتج عنه حالة من الوعي داخل ذهن المتلقي، كما يؤدي هذا التجاور إلى المفارقة التي هي بمثابة الشرارة الإبداعية المؤدية إلى الدهشة. تُسهم كلمة القطع  في الهايكو الياباني – وما يعادلها في الآداب واللغات الأخرى من علامات ترقيم- في تحقيق عملية التجاور، لكنها ليست أساسية كعملية القطع ذاتها التي ترتقي بالجملة النثرية إلى جماليات الشعر. ولكي يتمكن القارئ من القيام بربط أجزاء النص وسبر أغواره، عليه أن يقرأ ما بين السطور وينفذ إلى أعماق المعنى.  كما تسهم عملية التجاور في إبراز أحاسيس الشاعر؛ فمن خلال  الصور الحسية التي تلتقطها عدسة الشاعر يمكنه وصف شعوره الخاص وما يعتلج بداخله من مشاعر عميقة ومتدفقة.

 

حسني التهامي

 شاعر ومترجم وباحث في مجال الهايكو - جامعة المنوفية - مصر

.........................

المراجع:

1- https://poetrysociety.org.nz/affiliates/haiku-nz/haiku-poems-articles/archived-    articles/becoming-a-haiku-poet

2-Ira B. Nadel, The Cambridge Introduction to Ezra Pound Cambridge University Press,2007

2- Clive Bloom,1900 – 1929 Literature and Culture in Modern Britain: Volume 1, Routledge,2014:P.46

3- Clive Bloom,1900 – 1929 Literature and Culture in Modern Britain: Volume 1, Routledge,2014:P.47

(4) (Cor van den Heuval,Haiku Anthology, W. W. Norton Company ,third edition, 2000,P.24)

4-Alan Watts,the way of Zen, Knopf Doubleday Publishing Group,2016

(5)Judy Halebsky, Haiku in West Coast Poetics: What Kigo? Faculty Authored Books and Book Contributions. 132,2014

(6)Cor van den Heuvel, Nanae Tamura ,Baseball Haiku: American and Japanese Haiku and Senyru on Baseball,W.W.Norton& company New York. London, 2007,P.156

 

(6)Bill Ryan, The Influence of Buddha's Teachings on the Haiku of Jack Kerouac,Global Haiku(6)Millikin University, Spring 2009

(7) Carmen Sterba, Thoughts on Juxtaposition, Simply Haiku: A Quarterly Journal of Japanese Short Form Poetry, Autumn 2007, vol 5 no 3

(8) Jane Hirshfield, Ten Windows: How Great Poems Transform the World, Knopf Doubleday Publishing Group,2015.

(9)Heron’s Nest, Volume XIV, Number 3: September, 2012.

10-عبدالكريم كاصد، دار أروقة، شجرة عند الباب، مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر- القاهرة 2021 ص 23.

(11)ترجمة حسن الصهلبي، صوت الماء- مختارات لأبرز شعراء الهايكو الياباني، الرياض، 1437ه،

12-Ira B. Nadel, The Cambridge Introduction to Ezra Pound Cambridge University Press,2007

13- Clive Bloom,1900 – 1929 Literature and Culture in Modern Britain: Volume 1, Routledge,2014:P.46

14- Clive Bloom,1900 – 1929 Literature and Culture in Modern Britain: Volume 1, Routledge,2014:P.47

(15)-Alan Watts,the way of Zen, Knopf Doubleday Publishing Group,2016

16- Richard Right, (Haiku: The Last Poems of an American Icon) Simon and Schuster,, 2001

Jack Kerouac (Book of Haikus 62)

(17)Bill Ryan, The Influence of Buddha's Teachings on the Haiku of Jack Kerouac,Global Haiku,Millikin University, Spring 2009

18- Kerouac, Jack. Book of Haikus, Weinreich, Regina (ed.), N.Y.: Penguin, 2003.

+2019-ربيع الأتات، جنازات الدمى، دار النهضة العربية، بيروت،2016، ص 12/24

(19-20)Bill Ryan, The Influence of Buddha's Teachings on the Haiku of Jack Kerouac,Global Haiku(18)Millikin University, Spring 2009

(19-20)- ربيع الأتات، جنازات الدمى،منشورات دار النهضة العربية، 2016، ص 24 (21)حسن الصلهبي، كتاب الفيصل- صوت الماء –مختارات لأبرز شعراء الهايكو الياباني، دار الفيصل الثقافية-الرياض، رقم 11 هدية مع   العددين 477/ 478 ص36

(24) محمد الأسعد، الأعمال الشعرية-الجزء الأول، كتاب مرايا الشعري، دار الإسلام للطباعة والنشر، 2009، ص 152.

(25)عفراء قمير،لا أثر على الرمل لأعود، دار فضاءات، عمان،2016،ص19

(26)عفراء قمير، لا أثر على الرمل لأعود، دار فضاءات، عمان،2016،ص123

 

 

فيصل سليم التلاويليس الشاعر نحويا ولا ينبغي له أن يكون كذلك، وإلا فارقه إلهام الشعر الذي لا يرتضي (ضرة)، ولا يقبل منافسة مع سائر الفنون الأدبية. وإلا فإنه يستبدل بدفقاته الغزيرة الصافية الصادقة نتاج صانع محترف، كأنما ينحت كلماته بإزميل نحات ماهر، فتأتي بديعة الشكل والقوام، لكنها جسد خالٍ من الروح، ومن النفس المتوهجة الوثابة.

وقد اختلف الشعراء منذ القدم في طريقة معاودتهم النظر في قصائدهم بعد فراغهم منها، وذلك منذ البدايات الأولى للشعر، فقد وجدت فئة قليلة من شعراء العصر الجاهلي تعاود النظر مدققة فاحصة لقصائدها، مطيلة التأمل والمراجعة حتى سُمّوا (عبيد الشعر)، ومنهم من كان يمضي حولا كاملا في مراجعة قصيدته، حتى سميت قصائدهم بالحوليات، ومن أبرز هؤلاء زهير بن أبي سلمى.

ومن الشعراء من كان يعاود النظر بعد الفراغ من البيت الواحد أو من القصيدة كلها، مدققا في سلامة كلماتها، وفي مطابقتها للقواعد النحوية خاصة رويّها، ويكتفي بهذه المراجعة السريعة. ومنهم من لا يلقي بالا لذلك، ويترك الأمر على عواهنه، وعلى الصورة التي تفتقت عنها قريحته، وتدفقت على لسانه للوهلة الأولى.

وتبعا لذلك ولأن الغيث لا يخلو من العيث، فإن المتتبع المدقق لا بد وأنه ملتقط لدى كبار الشعراء قبل صغارهم هفوات نحوية ولغوية أحيانا، مَرَدُّ بعضها للغفلة والتسرع وعدم الانتباه، وذلك وارد حتى عند شعراء المعلقات في العصر الجاهلي. فقد روي في كتب تاريخ الأدب أن النابغة الذبياني لما أنشد قصيدته (المتجردة)، التي وصف فيها زوجة الملك النعمان بن المنذر، والتي مطلعها:

من آل ميةَ رائحٌ أو مغتدي         عجلان ذا زادٍ وغير مُزوَّدِ

مضى فيها إلى قوله:

زعم البوارحُ أن موعدنا غدا      وبذاك خبرنا الغرابُ الأسودُ

ولم ينتبه إلى ما في ذلك من إقواءٍ برفع الدال في كلمة الأسودُ على عكس سائر القصيدة، التي رويها دال مكسورة (مُزودِ)، ولاحظ سامعوه ذلك وتهيبوا أن يُخَطِئوه مباشرة، فأوعزوا إلى جارية أن تتغنى بالقصيدة على مسامعه، وتطيل المد في كلمة (الأسودُ) حتى انتبه لخطئه، واستدرك هفوته فقال:

زعم البوارح أن موعدنا غدا    وبذاك تنعابُ الغرابِ الأسودِ

و مثله في ذلك مثل بشر بن أبي خازم الذي نبهه أخوه سوادة: إنك تقوي. قال: وما الإقواء؟ قال: قولك:

ألم ترَ أن طول الدهر يُسلي       ويُنسي مثلما نسيت جذامُ

ثم قلت:

و كانوا قومنا فبغوا علينا         فسقناهم إلى البلد الشـــآمِ

فلم يعد بعدها للإقواء.

وذكر أن بعض شعراء العصر الأموي كان يلحن، ومنهم الفرزدق الذي هجا عبد الله بن يزيد الحضرمي البصري، الذي كان ينتقده ويتعقب لحنه، فقال:

فلو كان عبد الله مولى هجوته     ولكن عبد الله مولى مواليا

فقال له الحضرمي: لحنت أيضا. ينبغي أن تقول مولى موالٍ. (وذلك بحذف ياء الاسم المنقوص عند تنوينه رفعا أو جرا).

وبعض قمم الشعراء يخطئون في استخدام بعض المفردات، لا تدري أكان الباعث على ذلك سهوا وزلة، أم أن قيد القافية يرغمهم على اختيار الكلمة ولو كانت غير مناسبة، فتأمل قول المتنبي في مطلع إحدى مدائحه لسيف الدولة وهو مطلع ذائع الصيت، حيث يقول:

لكل امرئٍ من دهره ما تعودا

و في ذلك حكمة جرت مجرى الأمثال، لأنها مطابقة لطبائع البشر، حيث أن كل إنسان يسير على ما اعتاد عليه، ومن الصعب تغيير عادات المرء التي ألفها وتعايش معها، لكنه في شطره الثاني الذي أراد فيه أن يخص سيف الدولة بعادة مُشرِّفة، تتسم بدوام الشجاعة والبطولة، ومواصلة مقارعة الأعداء، اختار أن يكمل قائلا:

وعادة سيف الدولة الطعن في العدا

فإذا عدنا إلى معنى طعن في (معجم المعاني الجامع) فإننا نجد:

طعن بالرمح ونحوه: وخز به بغرض القتل

طعنه بلسانه: عابه، شتمه، أساء إليه بالكلام

و في التنزيل الحكيم (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) - الآية 12 من سورة التوبة -. وطعنوا في دينكم: أي عابوه وانتقصوه.

طعن فيه أو في حكمه أو نسبه: عابه وذمه، ويقال : طعن في الانتخابات بالتزوير. طعن في الشاهد: اعترض على شهادته

طعن في الأمر: اعترض عليه، وأثار حوله الشبهات. طعن في السن: هرم وشاخ.

فهل كان سيف الدولة يطعن في الروم بمثل هذه المعاني التي تقدمت لكلمة طعن في؟

الصواب أن يقال طعن سيف الدولة العدا دون حرف الجر في، أما قولنا طعن في، فلا تستخدم إلا للسان، بمعنى ذمه وذكره بسوء، ونحو ذلك طعن في عرضه، وطعن في شرفه، وطعن في صدق حديثه.

فهل هذا ما أراده المتنبي؟ وهل كان سيف الدولة يطعن في أعراض الروم وأحاديثهم بلسانه، أم كان يطعنهم برمحه وسيفه؟

كيف كان صدر البيت يمثل افتتاحية مدوية، وكيف انتهى عجزه ركيكا هزيلا حتى عند شاعر كل العصور، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس؟ إنها الزلات التي لا يفلت منها حتى الكبار.

فإذا انتقلنا إلى أمير شعراء العصر الحديث، وهو المبدع الفرد في تدفق قوافيه، وجمال صوره وسلاسة أسلوبه، وكلماته المنتقاة جزالة أو رقة تبعا للمقام، وانسياب موسيقاه، مع كل ذلك لا نستبعد أن نجد هفوة، كالتي وردت في بيته الذي يحث فيه الشباب على صحبة الكتاب، وتفضيله على غيره من الصحاب في قوله:

أنا من بدَّل بالكتب الصحابا         لم أجد لي وافيًا إلا الكتابا

و قد أراد أن يقول: إنني اخترت الكتب أصدقاء، وتخليت عن صحابي وأنني لم أجد صاحبا وفيا إلا الكتاب.

لكن المعروف أن حرف الجر الباء يدخل على الشيء المتروك، وليس على المأخوذ، وإن أجاز بعض أهل اللغة دخول الباء على المأخوذ، لكن الأبلغ دخول الباء على المتروك لأنه أسلوب القرآن الكريم. ومثال ذلك قوله تعالى: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) - الآية 61 سورة البقرة- وقوله تعالى (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار) - الآية 175 سورة البقرة -. فهو يوبخهم في الأية الأولى لتركهم الذي هو خير، واستبداله بما هو أدنى منه، وفي الآية الثانية يتوعد الذين تركوا الهدى وأخذوا الضلالة، وتركوا المغفرة وأخذوا العذاب، يتوعدهم بالنار.

وبالعودة إلى صدر بيت شوقي فإن معناه يصبح تبعا لذلك،(أنا من تخلى عن الكتب، واتخذ الصحاب بدلا عنها) وهو عكس المراد. وكان الأنسب أن يقول لو أنه تروى وأعاد النظر في قصيدته:

أنا من بدَّل بالصَحب الكتابا      لم أجد لي وافيا إلا الكتابا

ما سقناه من أمثلة ليس سوى غيض من فيض، وإذا كانت هذه الهنات قد صدرت عن عمالقة الشعراء في مختلف العصور، فما بالك بغيرهم من سائر الشعراء؟

ومن يتتبع شعراء المهجر مثلا، يجد عندهم ما لا يحصى عده من الأخطاء النحوية والعروضية. وشفيعهم أنهم شعراء فقط وليسوا نحويين، وأنهم قدموا لنا شعرا يتدفق عاطفة بفعل التشوق والحنين إلى الوطن، الذي أكسبتهم إياه غربتهم الطويلة في الأمريكتين، وتلك الروح الإنسانية والنظرات المتفائلة التي تحملها قصائدهم، بفضل اطلاعهم على الآداب الأجنبية وتأثرهم بها، وشفيعهم أنهم لم يحرزوا قسطا وافرا من الدرس والتحصيل، بل اغتربوا مكافحين وراء لقمة العيش، فرققت الغربة والمهاجر أحاسيسهم، فأنطقتهم بالشعر العذب، وقد عبر عن ذلك أحدهم، وهو الشاعر إلياس فرحات، في قصيدته التي سنثبت معظم أبياتها لجمالها وصدقها:

يقولون عمن أخذت القريضَ       وممن تعلمت نظـــم الدُررْ

وأين درست العروض وكيـــــــــــف  تلقفت هذا البيان الأغرْ

وما كنت يـومًـا بطالب علمٍ        فإنا عــرفناك منذ الصغـــر

فقلت أخذت القريض صبيا       عن الطير وهي تغني السحر

وعن خطرات عليل النسيم       يَمُرُّ فيشفي عليل البشـــــــــر

وعـــــــــن ضحكات مياه الجداولِ فوق الجلامد تحت الشجر

وعن زفرات المحب الأديب    يزاحمه الموســـــــــر المقتدر

وعن نظرات الحسان التي      يكدن يغلغلنها فـــــــي الحجر

وعن عبرات الحزانـى الضعافِ ففي عبرات الحزانى عِبَـــر

كذاك تعلمت نظم اللآلي       لفرط الغرام وطول الســــــهر

لئن كنت لـــــم أدخل المدرساتِ صغيرا ولا بعدها في الكبر

فذا الكون جامعة الجامعات   وذا الدهــــــر أستاذها المعتبر

فمن يحيَ يوما ولا يسـتفيدُ   فأعمى البصيرة أعمى البصـر

فما انتقص شيئا من جمال قصيدته أنه لم يتقن النحو، فلم يجزم الفعل المعطوف على فعل الشرط في صدر البيت الأخير (ولا يستفيدُ) فيجعله (ولا يستفدْ) مع أن الوزن يبقى سليما على البحر المتقارب (فعولن فعولن فعولن فعو) بدلا من (فعولُ) في التفعيلة الأخيرة.

لكننا نختم حديثنا بمثل ما ابتدأنا به، فليس من لوازم الشاعر أن يكون نحويا، وإلا قدم لنا تماثيل صماء بكماء باردة لا حياة فيها، وإن كانت بديعة الصنعة.

 

فيصل سليم التلاوي

 

قاسم ماضيبإنشغالات موضوعية في المجموعة القصصية حاسة الرقص للقاص العراقي عزيز الشعباني

يدخُلك في مشروعه السردي الجميل والغير مترهل، قاصدا في قصصه الدلالية التكثيف من خلال شخوص مروا بحياته،فأراد ان تكون شاهدة على عصره، بحيث يشعرك بأنك لا تريد ترك مجموعته القصصية التي وقعت بين يدي في هذه الغربة القاسية وأشعلت هذه الحكايات في قلبي الحنين والتوق إلى الوطن .

هكذا انتابني شعور صارخ بكل ما في الشعور من معنى ص18

 لطاما كنت حريصا أن أعيش مع لحظات هذ ه القصص الرائعة والجميلة والتي كتبها السارد بروحه وعقله، وهو يخلق الوجع الحقيقي مع المتخيل الذي تراكم ومن خلال التدفق القرائي الذي تبناه السارد، وهذا المخيال جاء مدروسا ً من أوسع الأبواب،ومعظم قصصه تحتوي على أفكار ملتهبة وناضجة وفيها من الحِكم الكثير،واحساس بمرارة الحياة، لكنه ظل متمسكا بالحب والحياة، ويا لهذا القلب الذي يحمله كاتب هذه المجموعة .

 هل تظن يا أبي أن الفرح سيزيل البغضاء عن القلوب ص56

 وكأنه يكتب عني وبلسان حال الجميع، وهو يرسم بلغته المعبرة كل هذه الفوضى والصراخ لما مر به بلده، فالصدق هو عربته الوحيدة التي إرتكز عليها عبر خارطة عمل واضحة ومقصودة أراد ايصالها بلغته الشيقة والغنية بالوصف والتعبير عن مكنوناته الداخلية،حتى هذه الأزمات والانكسارات التي يعاني منها ظلت ترافقه وكأنها شريط سينمائي مسجل في ذاكرته .

حتى اللحظة أحاول أن أتشبث لإلتقاط صورة واحدة على الأقل للتعرف على معالم المكان، لأخرج من هذا العدم الذي انزلقت فيه روحي ص24

2784 عزيز الشعباني هذا العالم الثري الذي تختزنه ذاكرة المبدع هي التي تشتغل على عدة آليات كي تنتج شيئا مثمرا لهذ ا القارئ،وذلك لأنه الأداة التعبيرية التي تسهم في البناء الفني لعناصر القصة ضمن المتصور المحكي حتى يوصلنا الى أهدافه، فأخذ مقياس القص التي إنطلق منها وهو يشبه الباحث والمتخصص في مجاله مما أسس لنا الرؤى والثوابت، وظل السارد الشعباني مهرولا بعوالمه الداخلية المتمثلة بالبعد النفسي والاجتماعي،التي أنتجتها هذه العقلية التي تحتكم إلى الحكمة والمعرفة . .

 لكن ما الذي حدث؟ لماذا أحسست فجاءة بالغربة؟ ليس عما حولي أو أحد معين، بل عن نفسي !ص19

حتى قيل عنه في نهاية المجموعة من قبل الناقد المخضرم بشير حاجم مما تقدم عن حاسة الرقص هنا، يكمن الخلوص بثقة، إلى أن المشروع السردي ل عزيزي الشعباني، حصرا ً الآن، قد بدأ بمجوعة قصصية ناجحة .

وهنا أجد في هذه السرديات وعوالمها البعيدة والقريبة المتخيلة، وغير المتخيلة تأخذك إلى طرق عديدة ومنها الموت، الحزن، الفرح، المآسي، الحسرة، الألم، الوطن، الغربة، الطائفية، الإحتلال كل هذه الآلام والفواجع، تجدها في هذه المجموعة المعنونة حاسة الرقص للكاتب والروائي عزيز الشعباني وهي من القطع الصغير وتقع في 89 صفحة وعن دار نشر دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع .

ويبدو السارد الشعباني يجيد تقنيات السرد بعد هذا المخاض الطويل في الكتابة السردية معتمدا على أهمية تغذية العقل، وقد إستعان السارد الشعباني بوسائله المعروفة والهامة في تشكيل البناء السردي و كيفية إيجاد تنظيم وتجانس بين مكونات القص . .

 تكاثفَ ضجيج الخوف في رأسه، تشوش الألوان، قرقعة السلاح ص68

 وكما يقال من قبل البعض بالصور الإيجابية والسلبية، لاشك بأن على الإنسان تغذية عقله بالأفكار والصور الإيجابية، والتي تحمل في مجملها رسائل الحب أو الخير والنجاح والفلاح، فتغذي عقل الإنسان بمثل هذه الصور تساعده على عيش حياة مليئة بالسعادة والنجاح وتجعله أيضا يحقق من النجاحات والانجازات والمراتب العليا ما لا يستطيعه الإنسان الذي يملأ رأسه بالأفكار السلبية والصور المدمرة ومعاني الشر والإحباط والقلق ويركز عليها 1

 كنا نبحث عن السعادة بعيدأ عن الإكتواء بألمنا اليومي، لهذا إستدعينا الفرح فجعلناه مهرجاناً من أضواء وموسيقى والغناء الحنون . ص 19

وبهذا يحاول أن يعرف السارد الشعباني ومن خلال مجريات هذه القصص ومنها الحرب والفرح، تنهدات ساعة سحر، ارحلوا والا، المدفع 106، الألفين وستة، عنة النواعير وغيرها من قصص المجموعة .هذا الواقع الذي عاشه ورسم مداخله بكل تفاصيله التي أنطلق منه .

 بعد الحرب وجدت أمي تنظف النوافذ بلا زجاج، وأبي يخبز جوعنا بلا طحين ص44

 وبالتالي عبّر عن هذا الصدق المدفون في أحاسيسه، حتى تجد عنوان هذه المجموعة التي كتبها المؤلف الشعباني ومن خلال نسيج محبوك لا يتيح للقارئ ان ُيضيّع كلمة واحدة في هذه القصص التي اعتبرها تفاعلية وجدلية، حيث تجد منذ لحظة القراءة الأولى هي لحظة بروز مستويات هذه النصوص التركيبية والدلالية .

 تركني أروّضُ المحنةَ بالصبر، وأحكي للصغار قصة وطن مضفور من قصب، وأجرح دموعي في هدهدات أغنية علقتّهَا على ثيابي نافذة جدتي ص72

وحتى لا يفوتني كما نوه في مقدمة المجموعة القصصية الناقد بشير الماجد تناص العنوان اجترار، تحويلا، امتصاص، أيضا تقنية المفارقة، ثالثا، وذلك بكسر الانتهاء لتوقع الابتداء، فجاءت مقدمة الكتاب جميلة جدا وهي ترسم معالم الحداثة النقدية عبر الإشتغالات التي أراد لها الحاجم وهي واضحة لمفاهيم النقد الحديث وكان الحاجم يشخص الأشياء بمسمياتها في هذه المجموعة .

 في أفقنا الذاتي وما علينا سوى إضفاء النور عليها لتشع ص40

وهنا نقول التناص هو كتابة نص على نص، جملة على أخرى، بيت شعر على بيت آخر، أو بأنه لوحة فيسفسائية أو قطعة موزائيك من زخارف وبالتالي هي ايصال المعلومة للقارئ بمعنى جديد، والتناص هو التفاعل في نص بعينه فكان القاص موفقاً في إيصال هذه المعاناة إلى الآخر، عبر اليات عديدة كما وصفها إبن منظور في معجمه لسان العرب الكشف والإظهار والإبانة .

وبهذا سجل القاص الشعباني ومن خلال عشرين قصة في هذه المجموعة أهمية بالغة في نقل وتسجيل الأحداث والمواقف حتى بلورت الصورة عن هيكلية لمنظومة حكاياته التي لا يمل منها أحد، فبناءه السردي قائم على بنية خطاب سردي منتج ومقصود ومن خلاله تحركت جميع شخصياته، عبر لغة مكثفة وفيها من الوصف الكثير .

 

قاسم ماضي – ديترويت

 

ايمن عيسىمنذ ظهور فيروس كورونا وتفشيه فى أنحاء العالم، كان لهذا التفشى الأثر البالغ فى ميادين عديدة، وأسرع الباحثون والدارسون يتتبعون آثاره فى عدة مجالات، كان أبرزها الجانب الاقتصادى . بينما لم يتطرق إلا قلة معدودة إلى الجانب اللغوى محاولين البحث فى اصطلاحات تعلقت بانتشار المرض وراجت فى وسائل الإعلام المختلفة . من هنا فإنا نمتد فى هذه الدراسة إلى الكشف عن تداعيات كورونا فى الحقل اللغوى والتداولية الألسنية. وفى إطار ذلك نسهم فى مناقشة بعض الآراء التى كادت أن تفتعل أزمة اصطلاحية دون روية، كما نسهم فى تعرف بعض الفروق اللغوية الدقيقة بين مصطلحات مستخدمة متعلقة بهذه الجائحة .

وتتمثل تداعيات كورونا فى الحقل اللغوى فى هذه المحاور:

1- إلماع كلمات موجودةك

القاموس اللسانى لأى أمة يحوى الكثير من الألفاظ والمفردات، ومن هذه الألفاظ ما ينشط تداوله بحدوث شىء معين يوهج استخدامها على الألسن، ومن ذلك تلك الألفاظ التى نشطت بعد كورونا أو تقيدت بالإضافة إليها، ونشاطها لا يعنى أنها كانت خاملة ثم نشطت، بل يعنى أنها أصبحت متداولة على الألسن أكثر مما كانت عليه، لذلك آثرنا استخدام عبارة " إلماع كلمات موجودة " . وهذه الكلمات هى:

- وباء: الوباء مرض سريع الانتشار ولكن داخل منطقة جغرافية واحدة أو حدود دولة لا يتخطاها، ومهما كان عدد ضحاياه فلا يوصف إلا بأنه وباء، ذلك لأن له حدا جغرافيا وقف عنده ولم يتجاوزه . لذلك نلاحظ حين كان الفيروس لا يزال قيد مدينة واهان بؤرة المرض وحتى فى مرحلة انتشاره فى الصين فقط، كان الوصف المستخدم لهذا المرض فى وسائل الإعلام يقال "وباء كورونا" .

- جائحة: الجائحة مرض سريع الانتشار يتخطى الحدود الجغرافية ويمتد لأكثر من دولة، من هنا حين خرج المرض من حدود الصين وبدأ يعرف ضحاياه فى دول عديدة، اكتسب اصطلاحا جديدا وهو " جائحة "، عندئذ كان استخدام هذا الاصطلاح الذى يعبر عن مدى الفاجعة التى أصابت العالم .

والجائحة فى أصل اللغة هى البلوى تحل بالرجل فى ماله فتجتاحه كله، ويقال سنة جائحة أى جدبة لا ثمر فيها، من هنا كانت جائحة لأنها تجوح بالشىء الكثير فتهلكه . وبناء على هذا الأصل اللغوى ذهب أحد المتحدثين عن اصطلاح جائحة كورونا إلى تخطئة هذا المصطلح، وتقييد كلمة جائحة بما ورد فى الأصل اللغوى فقط وهو هلاك المال أو الثمر، مطالبا باستخدام لفظة " مرض " لأن جائحة إنما هو خطأ لغوى على حد قوله .

ووافر الاحترام والتقدير لكل مجتهد فى الرأى، ولكن تقييد اللفظة بما جاء فى الأصل اللغوى بل وتخطئة استعمالها الجديد، فإنه بذلك يلغى تماما علم الدلالة وينكره، وينكر الاتساع اللغوى ونقل اللفظة من أصل الاستعمال اللغوى إلى معنى جديد . وهذا مبحث أصيل دأب على تناوله القدماء والمحدثون بداية من " مجاز القرآن " لأبى عبيدة، كما أن معاجم عديدة تعرض للكلمة فى الأصل اللغوى وما أصبحت عليه من دلالة جديدة، وأبرزها " أساس البلاغة " للزمخشرى .

والذى يقطع القول فى ذلك وينهى أى خلاف ناشىء، هو القرآن الكريم، فالقرآن الكريم نقل العديد من الألفاظ من المعنى الأصلى إلى معنى آخر جديد . ومن ذلك مادة " وسوس " فالوسوسة فى أصل اللغة هى صوت الحُلى أى صوت تضارب الذهب مع بعضه، فأكسب القرآن الكريم دلالة جديدة للفظة وأصبحت ما يلقيه الشيطان فى النفس، لأن ما يلقيه الشيطان فى النفس له طرب وهوى فى النفس الضعيفة تنجذب له مثلما ينجذب السامع لصوت تضارب الذهب فيلقى أريحية فى نفسه . وغير ذلك كثير من الألفاظ التى انتقلت من أصل المواضعة اللغوية إلى معان أخرى عديدة .

وفضلا عن ذلك وإزاء كل هذا الفتك، أيهما أكثر طاقة دلالية وتعبيرا حقيقيا عن الموقف، " مرض كورونا " أم " جائحة كورونا " . كلمة مرض هى كلمة عامة، الفرد الواحد إن أصابته جرثومة فى المعدة فهذا مرض، والجمع إن أصيبوا فهذا مرض لكن أثره يسمى جائحة، لأنها جاحت بالكثيرين من البشر مرضا وموتا . فلفظة مرض مع أنها عامة إلا أنها متعلقة بالمرض فقط، أما جائحة فهى تشمل المرض وآثاره .

- نازلة: يتضح من المعاجم اللغوية أن النازلة أعلى من الجائحة، فالجائحة إن كانت بلوى، فالنازلة فى المعاجم هى البلوى الشديدة . وقد ذهب واحد من المتحدثين إلى أن الجائحة للفرد والنازلة للجمع، وهذا قول مردود لا نجد له أصلا علميا، فمر بنا القول " سنة جائحة " أى عام مجدب، إذن الجائحة تقع على الجميع مثلما تقع على فرد . الأمر كما توصلنا النازلة أعلى من الجائحة . وهذا هو اللفظ المستخدم فى الشريعة، فيقال " فقه النوازل " ولا يقال " فقه الجائحات " .

ولكن برغم كل هذا الفتك الذى أحدثته كورونا، لماذا يقال جائحة كورونا ولا يقال نازلة كورونا؟

المسألة لا تعدو إطار أثر الإعلام فى توجيه التداولية الألسنية، الإعلام استخدم لفظة جائحة وسارت خلفه الألسن . وعموما فإن لفظة جائحة و لفظة نازلة، يتبادلان الاستخدام من باب المجاز اللغوى، حيث علاقة البدلية والمبدلية .

- أزمة: لمعت كلمة أزمة مضافة إلى كورونا حين بدأت الأخطار الاقتصادية والخسائر الفادحة، فانتشر القول "أزمة كورونا"، ونلاحظ أنه بسماع عبارة أزمة كورونا فإننا نعرف أن المتحدث سيتكلم عن جانب الخسائر الاقتصادية بسبب كورونا .

2- اشتقاق صيغ صرفية جديدة:

وهى صيغ صرفية جديدة اشتقتها التداولية الألسنية من لفظة " كورونا "، وهى:

- نكـُورَن: وهى صيغة كثر تداولها على ألسنة الذين لا يعبأون بهذا الفيروس، فيتصافحون ويتعانقون، فإذا لام عليهم واحد، يقول أحدهم ضاحكا: نكورن مع بعض، أى عادى أن ينقل أحدنا الفيروس إلى الآخر أو نتبادله سويا .

- متكورن: أى مصاب بالكورونا .

- وهناك صيغة صرفية قائمة الاستخدام، وهى صيغة " متفيرس "، إلا أن الجديد فيها هو النقلة الدالية، حيث انتقلت من استعمالها مع الأجهزة الحوسبية إلى البشر أنفسهم، فيوصف بها الشخص المصاب بفيروس كورونا .

ونلاحظ أن هذه الصيغ الصرفية جرت على ألسنة العامة، ومن ذلك فإن تداعيات كورونا فى الحقل اللغوى قد امتدت إليه فى جانبيه الفصيح والعامى .

 

د. أيمن عيسى - مصر

 

 

الكبير الداديسيمن خلال رواية عزوزة للزهرة رميج

تعد الزهرة رميج رقم هام في الأدب المغربي المعاصر بحكم ما راكمته من مؤلفات أغنت بها الخزانة المغربية والغربية ب من الأعمال السردية والمسرحية الإبداعية والمترجمة، فالإضافة إلى ست مجموعات قصصية، للكاتبة عدد من الروايات منها

أخاديد الأسوار: ط1 المركز الثقافي العربي/ الدار العربية للعلوم، بيروت، 2007.

عزوزة: ط1 مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء2010.

الناجون: دار فضاءات للنشر والتوزيع، الأردن، 2012

الغول الذي يلتهم نفسه. دار النايا ودار محاكاة، سوريا، 2013

الذاكرة المنسية (سيرة ذاتية) دار فضاءات للنشر والتوزيع، الأردن، 2017

وتبقى رواية (عزوزة) - الصادرة في طبعتها الأولى عن مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء سنة2010 في 373 صفحة موزعة على 46 فصلا مرقمين ترقيما تراتبيا - من أهم ما أبدعت أنامل رميج بحسب كل النقاد الذين قرأوا مؤلفاتها:

تحكي رواية عزوزة حياة البطلة - التي اختير اسمها عنوانا للرواية - منذ ولادتها إلى ما بعد وفاتها لكن الكاتبة اختارت لروايتها بناء حكائيا غير تسلسلى فتبدأ الرواية وعزوزة في غرفة العمليات بعد وفاة زوجها تحدث ابنتها الكبرى حليمة تخبرها أن زوجها المتوفى يزورها في المنام ويستعجل قدومها وأنها تشتاق إليه، ليرتد السرد إلى طفولة عزوزة وهي ترتع في البادية المغربية بين أفياء الشجر و التردد بين البئر وشجرة التين المقدسة، تعيش مدللة الأسرة تربطها بأبيها علاقة لم يظفر بها أحد من أبنائه الذكور والإناث، محبوبة أمها وزوجة أبيها (الفقيهة ) التي لم تحظ بالإنجاب. في مراهقتها يتولد لديتها تعلق بأحمد صديق أخيها عبد الرحيم، وغدا حلمها لن تقبل بغيره بعلا لها، لذلك لما تقدم لخطبتها أبن أحد الأعيان (الحلوف/ الخنزير) - الذي وصل به تباهيه بأموال أسرته حد تحضير الشاي على نار الأوراق النقدية بدل الجمر (أغلى كؤوس الشاي في التاريخ) - ثارت ثائرة عزوزة وفكرت في إذلال الخطيب بتمريغ نفسها في الرماد واعتراض موكب الخطوبة مما اعتبرته أسرة الخطيب رفضا وإذلالا فرجعت على أعقابها، وبما أن إرجاع متاع العروس والخطوبة إلى بيت العريس يعد نذير شؤم فقد عرجت أسرة الحلوف على بيت فيه بنات في سن الزواج فتخلصت عزوزة من عريس كان سيفرض عليها، ولم تكن هذه الحادثة لتمر بهدوء على والدها الذي شعر بالإهانة أمام أعيان القبيلة فأقسم على الانتقام لشرفه بجلدها، لكن أخاها عبد الرحيم و أبناء عموته خالوا دون تطبيق الأب لوعده مقدمين له ذبيحة، ومذكرينه بأن سماها على اسم أبيه (عزوز) مؤنثا الاسم الذي لم يسبق تأنيثه، وخوفا من فضائح أخرى لم يتردد الأب في قبول طلب أحمد صديق ابنه يد عزوزة، ويتحقق حلمها بالزواج من أحمد رغم رفض أمه، التي لم تتوان لحظة في الانتقام من عزوزة بكيدها وتوغيل قلب ابنها ضد عروسه، وتتوالى النائبات على عزوزة وتقلب لها الحياة ظهر المجن، بوفاة أبيها برصاصة غادرة من المستوطنين الفرنسيين، ويتبعه أخوها وسندها، وتجد نفسها وحيده بين قسوة الزمان وتربية ابتين (حليمة ونورة) وحماة لا ترحم تدعو ابنها كل حين للزواج بامرأة أخرى تنجب له الذكور، وهروبا من المشاكل اليومية بين الأم والزوجة ارتمى أحمد إلى في أحضان العاهرات والتردد على المواخير، وفي مجتمع يسمح للرجل - دون المرأة- بالخيانة يتعرف القارئ على معشوقات أحمد من العاهرات بدءا بفاطمة التي "يدلعها" بفاتي بعد زواج عشيقته الأولى مريم بأحد النصارى وغدا اسمها ماري، وفي الماخور تتوطد علاقة أحمد مع بنحمادي الذي أضحى يخطط له مسارات حياته. فعرفه على النصراني مسيو فرانسوا مما اضطر معه أحمد للانتقال من القبيلة التي عاش فيها مع أمه ليستقر في قبيلة العين الزرقاء حيث سيشتغل بدكان النصراني وتزداد نيران العداوة اشتعالا بين عزوزة والحماة يكثر الاعتداء على عزوزة، فمرة وجدت الحماة ابنتها هنية تساعد عزوزة في أشغال البيت وعزوزة على وشك وضع حملها، هاجمتها الحماة أخذت معها ابنتها لتجد عزوزة نفسها وحيدة وقد فاجأها الطمث تجهد نفسها في وضع مولودها... تغيب عن الوعي ولما عادت إلى وعيها علمت أنها ولدت ابنا ذكرا وأنه مات وتم دفنه.... أمام تضييق الخناق على عزوزة لم تجد من متنفس سوى بيت مرجانة زوجة بلخير حارس بيت النصراني فرانسوا التي ساعدتها على استرجاع عافيتها وطالبتها بالاهتمام بجمالها وجسدها... وتستمر حياتها مع أحمد على كف عفريت يعطف عليها حينا ويعنفها ويخونها أحيانا كثيرة، وتتخلص نسبيا من حقد حماتها بعدما أضحت تنوب عن ابنها في الدكان عند غيابه، و اعتقادها بأن مسيو فرانسوا يحبها بعد أن أسمعها كلمات جميلة أحيت أنوثتها، لكن سرعان ما ثارت ثائرتها وهي تراه يلاطف ابنة ابنها، لتختلق على ابنها وجود علاقة بين زوجته عزوزة والنصراني فلم يكن إلا الانتقام من عزوزة بالضرب والإهانة وتتأزم وضعية عزوزة أكثر بعد وصول نعي ما تبقى من أفراد عائلتها في فيضان النهر المحادي للقبيلة بعد أمطار طوفانية.... ويأتي ازدياد الابن الذكر (حسن) مختونا والانتقال إلى بيت جديد وتحقيق أحمد لرواج تجاري ليخفف على عزوزة بعض أزماتها مع زوجها دون أن يلين ذلك علاقة حماتها بها، ودون أن يمنع أحمد من التردد على المواخير، ليأتي خبر زواج أحمد من عاهرة (الحمرية) بعدما هجر فاتيلأنها خانت العهد بممارسة الجنس مع زبون آخر... تزوج الحمرية تأكد من عقمها ليحقق حلم أمه التي ما انفكت تطالبه بالزواج على عزوزة بعد أن أنجبت فتاتين توأما، وليلة الدخلة يختلق فكرة الرغبة في ذبح عزوزة والتخلص منها مما حتم عليها الهروب مع ابنها، وفي طريقها إلى المدينة يعترض سبيلها بنحمادي صديق زوجها الذي طالما تحرش بها، ليتقرب منها أكثر أخبرها بزواج زوجها، ووهدف أن يوغل قلبها عليه ويطالبها بطلب الطلاق واستعداده للزواج بها بعد أن يطلق إحدى زوجاته الأربع، لكنها أوقفته عند حده مقدمة له درسا في أخلاص المرأة، وحفاظا على كرامة أبنائها تقبل بالعودة إلى بيت زوجها لتنضاف لمآسيها مأساة الصراع مع ضرة عاهرة، و حرب انحازت فيها الحماة للزوجة الثانية، ولم تجد عزوزة في حربها سوى الاعتماد جمالها وحسن طبخها (الحل الوحيد الذي تملكه في صراعها مع ضرتها هو جسدهــا، ستتخذ منه سلاحـا فعـالا في معركتها معها، ومع أحمـد نفســه. ستحرمه من هذا الجسد الذي تعرف مـدى عشقه لـــه... ستترك لعابه يسيل دون أن تطفئ نار رغبته المتأججة...)[1]

تتوطد العلاقة بين أحمد وبنحمادي الذي سيعمل على تجديد علاقة أحمد بعشيقة ماري التي تزوجت نصرانيا عجوزا أصيب بشلل نصفي... لم تقتصر العلاقة على تردد أحمد على بيتها بل وصلت جرأة بنحمادي درجة ترتيب زيارة لها لبيت أحمد الذي يحتم على زوجتيه تحضير عشاء فاخر وجلسة شاي كانت سببا في اكتشافهما لهوية ماري ومصارحته بالحقيقة لتنتهي الحفلة باعتداء أحمد على زوجتيه ومواصلة علاقته بماري في السر. وبعد استحالة تطبيق طلب ماري بتبني إحدى بنات أحمد، لم يجد بدا من قبوله طلبها بشراء محصول ضيعات زوحها للسنة المقبلة، ومساعدتها على تجاوز أزمتها المالية، لكن اشتداد هجمات المقاومين على ضيعات المعمرين وإتلاف محاصيلهم واضطرار ماري للسفر مع زوجها إلى بلاده، سيصيب أحمد بإفلاس تتعقد وضعيته بعد اكتشاف أن بن حمادي كان من المتعاونين مع الاستعمار، هكذا يضيع ثروته ليجد نفسه مجبرا على الانتقال بأسرته للمدينة والتخلي عن جذوره البدوية، وفراق الأدهم فرسه ورفيق دربه الذي أعياه البحث عن مشتر يستحقه، ويصاب بحالة هستيرية لما علم أن من اشتراه سيذبحه ليأكل النصارى لحمه ... يخيم الحداد على البيت أياما، وتوثر علاقة أحمد بزوجته الثانية التي اضطرت لطلب الطلاق، كما عادت أمه لإدارة ممتلكاتها بالقرية، دون أن يعيد ذلك علاقة أحمد بعزوزة إلى طبيعتها العادية رغم محاولة كل منهما التقرب من الآخر ...

في نهاية الرواية يعود السرد لغرفة العمليات وعزوزة تتمنى الالتحاق بزوجها، وابنتها حليمة تستغرب من تعلق أمها بأحمد رغم كل ما سبب لها من مآسي في حياتها بالضرب والخيانة لتفاجأها عمتها هنية بوصية أبيها أحمد الأخيرة والسر الذي ظل يكتمه وطلب من أخته هنية عدم البوح به لابنته حليمة إلا في حالة شعورها بقرب أجلها أو أجل عزوزة، ويتعلق هذا السر بأن زواج أحمد بالزوجة الثانية العقيم كان تعبيرا عن حبه لعزوزة وإرضاء لأمه وأن طلاقه للحمرية ونفوره من عزوزة كان بسبب العجز الجنسي الذي أصابه غداة بيع الأدهم وبعد إفلاسه التجاري.

لتنتهي الرواية و حليمة تعاني حالة اكتئاب حاد نزيلة مصحة نفسية في عزلة ممنوعة من الزيارة تطالب بأوراق وقلم وما أن تحقق طلبها (حتى أمسكت حليمة بالقلم أزالت غطاءه بأصابع مرتعشة كتبت بحروف بارزة وسط الورقة العذراء: عزوزة)[2] ليتكون الرواية من تأليف الابنة حليمة.

هذه بتركيز شديد أهم أحداث رواية عززوة وهي رواية كبيرة الحجم مليئة بالأحداث لكن أهم ما يطبعها هو توثر علاقة عزوزة بزوجها رغم الحب الشديد الذي يجمعهما، وتقديم عزوزة لنموذج المرأة القروية الصبورة والمكافحة من أجل الحفاظ على تماسك الأسرة وتربية الأبناء مهما كان نوع العذاب الذي يعترض سبيلها، ونموذج المرأة المهتمة بجمالها وجسدها حتى في أحلك ظروف حياتها بل وهي على فراش الموت ولقد أخذ منها المرض والتعب ما أخذ، لازال جسدها يشع جمال محافظا على رشاقته فالرواية تفتتح باندهاش الابنة حليمة من جمال جسد أمها (اندهشت كعادتها كلما رأتها عارية من صمود هذا الجسد، كأن النيران التي اكتوى بها ... كأن البطن لم يحمل نصف دزينة من الأطفال ولا ذينك الثديين أرضعا حتى التخمة، تلك الأفواه النهمة)[3] وعلى الرغم من اهتمام الرواية بالجسد لم تكن رواية خليعة كما وجدنا لكثير من الروائيا ت لكن ذلك لا يجعلها رواية عفيفة مطلقا ... ذلك أن الرواية تحتفل بالجسد : أنوثة المرأة/ فحولة الرجل، وجعل جسد المرأة رمزا للجمال والخصوبة . فمنذ ظهور بوادر البلوغ على جسد عزوزة كانت (أنوثة متفجرة قبل الأوان... استدارة نهديها وتصلبهما... امتلاء جسدها استدارة مؤخرتها. نظرات الرجال الملتهبة التي تكاد تلتهما..)[4] كما أنها تفننت في إبراز مفاتنها ولم تعمل مثل الكثيرات على إخفاء زينتها: (أطلقت العنان لنهديها ينموان ويرتفعان في حرية مطلقة، مخالفة بذلك أعراف القبيلة، نهدان يستفزان النساء والرجــال على حد سواء...)[5] وحتى عندما كبرت ظلت مقتنعة بأن الجسد هو ما يشد الرجل للمرأة تتساءل مستنكرة (ما الذي يدفع الرجل إلى التعلق بالمرأة، إن لم يكن جمالها؟ ما الذي ينقص المرأة وإن كانت جميلة وأنيقة وحاذقة وولودا...؟..)[6]  وقد كانت عزوزة حريصة كل الحرص علىى توظيف هذا الجسد في الأوقات المناسبة لذلك كانت تخرج ناجحة في كل معركة فرضت عليها، وتكون الخسائر أقل مما كان الكائدون يتوقعون (لقد خلصت إلى أنها حبها لجسدها هو سبيلها للتغلب على أعدائها لذلك لن تفرط في العناية به أبدا حتى لو أدى بها إلى الضرب )[7]، لقد كان جسد عزوزة فاتنا، وهذا من أسباب تعلق أحمد بها ارتباطه بها، لكن رغم جمال زوجته وحبه الشديد لها كان الجنس بينهما مأزوما، تخلله العنف منذ ارتباطه بها حتى وفاته، ففي ليلة الدخلة و جد صعوبة كبيرة في فض بكارتها وجاهد بكل ما أوتي من قوة (يحاول اختراق الجدار الإسمنتي، لكن صيحات الألم المكتومة تجعله يرفق بحبيبته)[8] وانضاف إلى عنف الزوج عنف أقوى من خلال تدخل الحماة التي لم تكن تقبل عزوزة عروسا لابنها، فغدت تطعن في شرفها وتروج أنها ليست بكرا تقول محاولة استفزاز ابنها (كيف تقبل بها بعدما عبث الرعاة ببكرتها )[9]، ولما بدأت تظهر عليها أعراض الحمل لم تجد الحماة (غنو) سوى اتهام عروستها بالتمارض، ( إنها تتمارض تريدني أن أعمل خادمة لديها لكن ذلك لن يحدث أبدا )[10] ومزيدا في تعذيب عزويزة كانت (حماتها تنغص عليها حياتها ... تغرقها بأبشع الشتائم )[11]، ولما حاولت الرد عليها يوما شكتها لولدها واتهمتها بالتهجم عليها فلم يكن من أحمد إلا أن يفرغ كل عضبه في زوجته (لم ينبس أحمد بكلمة واحدة وإنما رفع يده إلى الأعلى وصفع عزوزة صفعة رأت إثرها النجوم تتطاير أمامها)[12] لتكون تلك الصفعة فاتحة مسلسل من الرعب والعنف، توالت حلقاته تباعا، بدأ من منع عزوزة من الفرح بمولدتها فعندما حاولت الفقيهة إطلاق زغرودة تعبيرا عن الفرح منعتها غنو (علام تزغردين ؟ هل تريدين فضحنا أمام الناس؟ )[13] وكانت تخطط باستمرار لتوقع بين ابنها وعروسه تتساءل وهي في خظم التفكير لبث الكراهية بينهما ( كيف أقتع ولدي العاق بعدم صلاحية هذه الزوجة؟ لا بد لي من إثارة شكه وغيرته فهي نقطة ضعفه ..)[14] هكذا غدت تختلق الأكاديب وتبتدع أحداثا لم تقع، بهدف أثارة شكوك ولدها قالت له يوما (زوجتك شابة وتثير أنظار المارة ... لم يرق لها جمع القمح الطري إلا في الوقت الذي كان فيه المتسوقون يمون عبر الطريق لقد كدت أجن وأنا أرى شعرها عاريا . أنا متأكدة أنها تعمدت إسقاط المنديل)[15] فكان رد فعله سريعا، قويا وعنيفا (فما أن اقتربت منه حتى انقض عليها بعنف انتزع المنذيل من فوق رأسها فتساقطت ضفيرتاها أمسك بإحداهما من الجذر ورفع المنجل... حصد الظفيرة في رمشة عين... سقطت الضفيرة أمام قدميها كثعبان قطع رأسه)، لكن رغم فضاعة الحدث فإنه لم يشف غليل الحماة فكانت سببا في حلقة تعذيب جديدة (غيظها ازداد عندما لم تر آثار العنف على جسد عزوزة . لا جرحا غائرا ولا عينا منتفخة زرقاء ولا كمدات تغطي الوجه ولا عظما مكسورا انهالت الحماة عليها بالشتائم... ردت عليها عزوزة بالمثل .. أخذ سوطا .. شدها من ظفيرتها المتبقية التي لفها حول يده اليسرى وبدأ يضربها بجنون )[16]، ولم تكتف الحماة بدفع ابنها لتعذيب عزوزة، فكثيرا ما اعتدت عليها بنفسها، وأحيانا كان التعذيب في لحظات حرجة جدا، كما حدث يوم انتزعت القرطين من أذني عزوزة بعنف وتركتها وحيدها تواجه معاناة المخاض والدم يسيل من أذنيها (أحست عزوزة بألم شديد في أذنيها . تحسسته فأدركت من لزوجة الدم وغياب القرطين حقيقة ما حدث ازداد ألم المخاض )[17]، وتسبب لهذا ذلك في فقد أول مولود ذكر طال انتظاره لتعيش معاناة الثكلى النفسية والجسدية، وتصل السادية بالحماة إلى اختلاق وجود علاقة بين عزوزة والفرنسي مسيو فرانسوا وما أن أوغلت صدر ابنها على زوجته حتى ( راح يكيل لها الركلات وقد انتابته حالة هيستيريا شديدة طار المقص من يدها، فالتقطه في الحين ورمى به في وجهها محدثا جرحا غائرا في جبهتها)[18]، هكذا تكون عزوزة قد ذاقت كا أنواع العذاب الجسدي والنفسي، وتجازت الأهانة العذاب الجسدي إلى التعذيب النفسي من خلال خيانات زوجها لها مع العاهرات، والزواج عليها بعاهرة ( الحمرية) واستقدام العاهرة / المتزوجة بنصراني إلى البيت، والجمع في الضرب والعنف بين الضرتين بطريقة جنونية دون سبب واضح فقط لأنهما كشفا أمر خيانته: (ثارت ثائرته ... وجد نفسه يمسك بخناقها و يضغط بشدة على عنقها وكأنه يريد أن يزهق روحها . أسقطها أرضا وهو يكيل لها الركلات في كل مكان من جسدها أمسكت به الحمرية محاولة إبعاده عنها فإذا به يوجه لها أيضا لكمة أطلقت على أثرها صيحة. أحست كأن أنفها تهشم وتطايرت شظاياه في الفضاء، واصل ضربه غير مبال بصياحها قبل أن يرمي بها فوق ضرتها... ما أن لمح بعض أغصان الأشجار اليابسة ... حتى أخذ أكبرها وأكثرها صلابة ورا يجلدهما بكل شراسة. وعندما تكسر الغصن أخذ الحبل الذي كان يربط به الكبش وطواه مرتين، قبل أن يواصل جلدهما إلى أن كلت ذراعه غير أبه بصياح الأطفال وعويلهم...)[19]

في هذه الأجواء المشحونة كان من الطبيعي أن تستنجد عزوزة بكل الوسائل التي قد تخفف من معاناتها، حتى لو اضطرت للشعوذة، فقد حضرت التفوسيخة ليلة الدخلة لما عجز أحمد عن فظ بكرتها[20]... وعندما اشتد بها ألم ثديها بعد فقد ابنها، قدمت لها مرجانة وصفة غريبة (عليك بالذهاب إلى قبر ابنك ومعك حلزون ميت وجرة ماء بارد وهناك تحلبين ثديك فوق القبر وتضعين الحلزون المملوء بحليبك حيث رأس ابنك ثم ترشين القبر بالماء البارد ...)[21] ولما وقفت على معاناة عزوزة حاولت مرجانة ربط تلك المعاناة بالعين والسحر والحسد ونصحتها بوضع حرز يحميها من العين ووضع وشم على جسدها (الوشم الممتلئ ذو اللون الأزرق الصارخ يصد العين ولكل واحد منه دور محدد...)[22]

وبما أن العلاقة كانت متوترة بين الزوجة والحماة فقد كانت كل واحدة ترى في الأخرى مصدر تعاستها، وأن وراء ذلك عملا أو سحرا ما. فكانت الحماة تعتقد أن عزوزة سحرت ابنها وتتهم مرجانة بمساعدتها (لا شك أنها تأخذ منها الشرويطة وتحرقها لتحرق قلب ابني .. وتعمي بصره عن تصرفاتها)[23] كما كانت عزوزة تتعلق بأية قشة قد تبعد عنها أذى حماتها، و تلين قلب زوجها وتعيده أحمد الذي تزوجته عن حب، وتجعله لا يسمع كلام أمه وتحريضها له، هكذا ما أن اقترحت عليها مرجانة طالبة (أن تجعلي زوجك يأكل خراء أمه )[24] ليكرهها حتى وجدت نفسها تطبق الوصفة، وتتحين فرصة خروج الحماة غنو لقضاء حاجتها، وتأخذ من برازها القليل بعود يابس، لكن انكشف أمرها لما حاولت دسه في الشاي لتحل اللعنة وينقلب حفل الشاي رأسا على عقب (غلا الدم في عروق أحمد، أحس بالطنين في أذنيه ... لم يشعر إلا وهو بقذف مدقة المهراس النحاسي ... في اتجاه عزوزة ... ارتطم بالجدار محدثا ثقبا غائر ... قلب الصينية بحركة عنيفة من يده حتى تكسرت جميع الكؤوس...)[25]

وكان طبيعيا ان تنتصر الرواية في النهاية للحب ضد العنف والتسلط، فأنهت حال أحمد مصابا بالعجز الجنسي، وطعنه في فحولته التي طالما افتخر بها في جولاته بين المواخير، لكن أنفته وعزة نفسه منعته من أن يصرح لزوجته بعجزه فتركها على ذمته متظاهرا بأنه لا يرغب في معاشرتها، محاولا أقناع نفسه بأن ما أصابه كان عقابا له عما اقترفت يداه يقول أحمد بعد اكتشافه لعجزه الجنسي: ( لقد فقدت رجولتي، وفقدت معها عزوزة إلى الأبد ... الله انتقم مني .. لست أدري هل بسبب الذنوب التي ارتكبتها باتخادي الحمرية – المرأة الطيبة – مجرد أداة لحل مشاكلي أم لكوني لم أحافظ على عزوزة ولم أصن كرامتها حسب العهد التي قطعته على نفسي أمام أخيها وصديقي عبد الرحيم)[26]

وبقي يعيش ما تبقى من معمرة معاناة داخلية مفتصرا في كشف سره على أخته هنية وحدها التي قدمت له كل ما تعرف وما سمعت من وصفات لاستعادة فحولته دون جدوى، وأوصاها قبل وفاته ألا تكشف سره لأحد سوى زوجته عزوزة وابنته حليمة متى شعرت بقرب أجل إحداهن تقول العمة هنية لحليمة: لقد أصيب أبوك بعد إفلاسه بالعحز الجنسي [27] وحكت لها تفاصيل معاناته وحبه لزوجته عزوزة وندمه على كل ما سببه لها من ألم ...

يستنتج من خلال رواية عزوزة أنها جعلت من أزمة الجنس في البادية موضوعا لها، وأنها ظلت مثل عدد من الروايات التقليدية التي تقدم الرجل رمزا للتسلط، والمرأة روز للطاعة والصبر... والعلاقة بينهما معادلة طرفاها غير متكافئين، فهي ترى في الرجال (ناقصو عقل تتحكم فيهم غرائزهم فقط حتى الحيوانات أحسن حالا منهم)[28] وأن الرجل لا يمكن الوثوق به أبدا فكل (من يملك ذكرا لا ثقة فيه حتى ولو كان فأرا)[29]  فهو يعنف المرأة يحتقرها يعتبرها كائنا بدون غرائز جنسية؛ فعندما صرحت عزوزة يوما برغباتها الجنسية لزوجها قائلة: (أنا أيضا أحس بالرغبة) أجابها مستنكرا (وهل لديك قضيب ينتصب ويتشنج كلما أحسست بها فيجعلك تتلوين من شدة الألم)[30]، وكذلك يبيح الفكر الذكوري للرجل فعل ما يريد دون حسيب أو رقيب، يخون زوجته،، يعنفها، يتزوج عليها، يستقدم عشيقاته لبيتها ويجبرها على إعداد الطعام لهن ... يحجمها ويجعلها مجبرة على الاقتناع بأن (الرجل يكون ملكا للمرأة داخل بيتها فقط لكنه بمجرد ما يتجاوز عتبة البيت يصبح ملكا لغيرها ضعي هذا الكلام نصب عينيك لتعيشي بسلام)[31] على حد قول مرجانة لعزوزة...

وقد كانت الرواية مناسبة ليعرج السرد على الكثير من القضايا الجنسية الحساسة مثل ما الذي يعجب الرجل في المرأة؟ وما ذا يعجب المرأة في الرجل؟ وأين يكمن سحر المرأة الذي يأسر الرجل في مظهرها الخارجي، أم في معاشرتها؛ فإذا كان البعض يرى أن المظهر الخارجي هو الأهم (العري سيد مطلق.. الشعر حـر، لا تقيده الضفائر، وإنما ينسدل فوق الأكتاف العارية، أو الخصور النحيفة، الملابس شفافة، تكشف مفاتن النساء بوضوح تام)[32]، فإن للخبيرات رأي مخالف تقول طامو لأحمد : ( الكثير من النساء يفتن جمالهن الخارجي الرجل، لكن ما أن يتوغل داخلهن حتى يغرق في الوحل لا يسمع إلا باق! باق ! باق... عندما يصل الأمر حد الاختيار بين الحلاوة الداخلية والحلاوة الخارجية . فالغلبة للأولى بالتأكيد)[33]

في الختام لا بد من الإشارة إلى أنه على الرغم كل ما فعله أحمد بعزوزة فقد ظلت تكن له الحب والتقدير لم تخنه يوما ... وحتى بعد موته (ظلت تحتفظ بعطره وبعض ملابسه كانت ... تغلق عليها غرفتها وتخرج جلابيبه ورزته الملفوفة بعناية وترشها بعطره تختلي بها وكأنها تختلي به تتحدث إليه تعاتبه برقة ...)[34] بل لقد اكتشفت أن كل ما كان يفعل بها إنما يفعله بدافع الحب، فلم يفكر يوما في الانفصال عنها، وحتى عندما فكر في الزواج تلبية لضغط أمه اختار امرأة عاقرا، حتى تظل عزوزة في عينيه أم أولاده الوحيدة

 

الكبير الداديسي

...............................

* فيديو حول رواية عزوزة (هدية لمن يفضل الصورة على الكتابة)

https://www.youtube.com/watch?v=tXF02VJD8oo

[1] - رواية عزوزة. الزهرة رميج . مطبعة النجاح الجديد .البيضاء ط1 2010 ص 266

[2] المرجع نفسه . ص 373

[3]  المرجع نفسه. ص 5

[4] المرجع نفسه . ص 9

[5] المرجع نفسه . ص 9

[6] المرجع نفسه . ص 241

[7] المرجع نفسه . ص 280

[8] المرجع نفسه . ص 51

[9] نفس المرجع والصفحة

[10] المرجع نفسه . ص 65

[11] المرجع نفسه ص 56

[12] المرجع نفسه . ص 57

[13] المرجع نفسه . ص 73

[14] المرجع نفسه . ص 86

[15] المرجع نفسه . ص 87

[16] المرجع نفسه . ص 89

[17] المرجع نفسه . ص 116

[18] المرجع نفسه . ص 117

[19] المرجع نفسه . ص 320

[20] المرجع نفسع ص 52

[21] المرجع نفسه . ص 117

[22] الصفحة نفسها

[23] المرجع نفسه ص 220

[24] المرجع نفسه . ص 225

[25] المرجع نفسه ص 227

[26] المرجع نفسه . ص 365

[27] المرجع نفسه . ص 363

[28] المرجع نفسه . ص 242

[29] المرجع نفسه . ص 235

[30] المرجع نفسه . ص 141

[31] المرجع نفسه . ص 164

[32] المرجع نفسه ص 80

[33] المرجع نفسه . ص 136

[34] المرجع نفسه . ص 366

 

 

احمد الكنانيالقصة الشعرية عريقة بعراقة الشعر ذاته، وما الملاحم الا نوع من أنواع الشعر القصصي، يوظف الشاعر فيها خياله الشعري لنسج قصصاً واساطير تمجيداً ببطولات قومه متناسياً شخصه كشاعر له حالاته الإنسانية والعاطفية الذاتية .

الشاعر العربي كغيره من شعراء الأمم الأخرى تغنّى ببطولات قومه، وكما اسمع هوميروس التاريخ بملحمته الالياذة والفردوسي بشاهنامته كذلك عمرو بن كلثوم والحارث وعنترة بمعلقاتهم

نعم هي قليلة  لخصوصيات الامة العربية وثقافتها القائمة على الرواية الشفاهية وعدم اعتمادهم التدوين كما حضيت به الأمم الأخرى . هذا في فترة ما قبل ظهور الإسلام.

واستمر الحال في الفترات المتعاقبة الأموية والعباسية، اذ كان يحكي الشعر حالاتهم الخاصة  وتجاربهم في العشق، والقصص جاءت على هذا النحو . نعم ضاقت الدائرة عند الفرزدق و جرير لكنها ظلت عذبة اغنت الأصناف الأخرى من الشعر واثرت المديح والهجاء

هناك من انكر القصة الشعرية اصلاً، و فرّق بين القصص الشعري والشعر القصصي، والمنكرون للقصة الشعرية أرادوها منحصرة في النثر خاصة؛ لقدرته على استيعاب مقوّمات القصة ومطاوعته لها بخلاف القيود الشعرية من الوزن والقافية ومقاومتها للغة القصة المتقوّمة بالوصف والتحليل .

ولهذا تعتبر القصة الشعرية فناً راقياً يجمع بين حلاوة القصة وجزالة النظم الشعري .

لكنها في الشعر الصوفي تعني شيئا اخر يتصل بالمعاني الصوفية المتسامية التي يريد الصوفي ايصالها لإهلها، فالقصة الشعرية في المثنوي مثلاً تحمل رسالة معبّرة عن التجربة الثرية التي أهدانا إياها جلال الدين الرومي في بعدها المعنوي والأخلاقي، وكذلك الحال مع السيمرغ لفريد الدين العطار المشهورة بمنطق الطير .

الا ان القصص الشعرية في المثنوي لا يمكن استنتاج قاعدة جامعة لها لاِختلافها بالمضامين والرسائل المراد ايصالها، فهي بحاجة الى دراسة مستقلة والى تفكيك رموزها والتركيز على الرسالة المتضمنة لها، لكن الرومي وظف القصة افضل توظيف في كل القصص التي أوردها في المثنوي وحاول من خلالها إيصال معان صوفية خالصة لولا القصة لما كان لوقعها من اثر، كما في قصة موسى و فرعون وكيف وظف الحوارية بينهما لابراز عقيدته الصوفية في الحب بدلاً من الاعجاز والخشية، وبها انقلبت موازين الربح والخسارة على ما سياتي بيانه .

الملك والجارية

اول سرد قصصي يواجهنا في المثنوي هو قصة الملك والجارية، ويصفها مولانا بأنها تنتقد وضعنا:

بشنوید ای دوستان این داستان

خود حقیقت نقد حال ماست آن

 

استمعوا أيها الأحباب لهذه القصة

فهي بحق تنتقد حالنا …

هذه القصة في غاياتها

تصقل الأفكار في آياتها

لو كشفنا ذاتنا في الحالتين

لسعدنا أبداً في النشأتين

يتحدث عن قصة الملك الذي اجتمعت لديه نعمة الدنيا والدين معا، وفي رحلة صيد الظباء في الصحراء مع صحبه والمقرّبين اليه انقلبت الآية فأمسى هو الفريسة والضبي هو الصياد .

في رحلة الصيد هذه اعجب بجارية ايّ إعجاب، لتبدا قصة البحث عن مالكها ليدفع لها بمبلغ طائل وليحظى بعشرتها:

شد غلام آن کنیزک پادشاه

اصبح عبدا والجارية هي الملكة

 

ملك في سالف العصار كان

أمل الأمة في ذاك الزمان

راح والأحباب يصطاد الظبا

يقطع البيدَ سهولاً وربى

فرماه الحب سهما فهوى

خائراً يشكو تباريح الهوى

اذ رأت عيناه في ذاك المجال

ظبية تصطاد آساد الرجال

أمة تستعبد الحّر الكريم

فغدا السلطان في هّم عظيم

لكن الأقدار سارت على خلاف ما يشتهي الملك، اذ مرضت الجارية وساءت حالها .

لعبةُ الأقدار فـــــــي دنيا البشر

لم تزل تجري عليهم في صور

ربّ حاف لم يجد ما بنعله

وحمار لم يجد مـــا يحمله

ربّ كوز لم يجد ماء ومــــــــا

لم يجد كوزاً لكي يروي الظمأ

استدعى تردي حالتها قدوم الأطباء لعلاجها، وبعد ان يأسوا من حالتها التجأ الملك الى العبادة والتضرع حتى ابتلّ موضوع سجوده من كثرة بكاءه، فغشيه النعاس، فسمع في منامه هاتفاً يخبره بقدوم طبيباً حاذقاً سينقذه فيما هو فيه من همّ .

فالتقى بطبيب قدم له النصح بما يجب فعله لشفاء الجارية، وبسؤاله للجارية ومن اي البلاد هي قادمة يعرف الطبيب بحنكته انها تعشق شابا سمرقندياً .

يجُلب الشاب السمرقندي ويعطيه دواءاً ليمرض هو الآخر وتشتد حالته ليخرج حبه من قلبها لتعود خالية الفؤاد للملك .

القصة طويلة وفيها من الحِكم الشئ الوفير، والرسالة التي أراد مولانا ايصالها لقارئيه ليست قصة حب الملك للجارية وما رافقها من احداث، وإنما هو اللقاء الذي صوره مولانا بأجمل تصوير بين الملك والطبيب الحاذق .

لاعتبارات عديدة يمكن جعل لقاء الملك بالطبيب هي الرسالة المتوخاة من هذه القصة، اذ جعل مولانا القصة تعبر عن نقد لحالته الخاصة، ولا وجود لشئ فيها شبيه بحالته سوى اللقاء الذي غير مجرى حياته …اعني لقاءه بشمس التبريزي

انتصار فرعون على موسى …

قصة أخرى يسردها الرومي في المثنوي هي قصة موسى حيث استلهم من خلالها الصراع بين موسى وفرعون في النص التوراتي القرآني وأجاد في طرح معتقداته الصوفية في إطار تلك القصة .

حوارية موسى وفرعون تبتدء عند إلقاء موسى لعصاه فأذا هي حية تسعى، وتختتم بهزيمة فرعون ورهطه وإقرارهم بالهزيمة والإيمان برب موسى .

كل المعطيات تشير الى غلبة موسى بالمعجزة التي منحها إياه الرب اذ جعل من عصاه التي يتوكأ عليها ثعبان تلقف ما يأفكون، والمنازلة الكبرى بين السحرة وموسى انتهت بأذعان السحرة وإيمانهم برب موسى وأتت على ما خطط له الفرعون من الوقيعة بموسى وأخيه وبني إسرائيل قاطبة:

فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ .

لكن الرومي له رائ آخر …

الانتصار كان لفرعون !!

كيف ؟

الحوار يبدأه فرعون كقبول بالهزيمة وإذعان بأنتصار موسى فيصوره الرومي في بيتين جميلين يخاطب فرعون موسى في هذين البيتين: بأن اثبات النبوة والقدرة بمعجزة الافعى هي في الواقع إلقاء للرعب في قلوب الخلق:

” در دل خلقان هراس انداختی ” .

تخويف المصريين في الحقيقة ليس نصراً، إنما النصر هو ما فعله الفراعنة وما أثبتوه في مصر:

” عاقبت در مصر ما رسوا شدند ”

ما فعله الفراعنة في مصر يعتبر اشد وطأة من فعل المعجزات .

والسؤال المهم في هذا الموضوع هو:

ما الذي فعله الفراعنة في مصر واعتبره الفرعون نصرا على موسى ؟

والجواب هو ما ذكره جلال الدين الرومي في القسم السادس من المثنوي:

موجب ايمان نباشد معجزات

بوي جنسيت کند جذب صفات

 

معجزات از بهر قهر دشمنست

بوي جنسيت پي دل بردنست

و المعنى: ان موجبات الإيمان ليس الإتيان بالمعجزات وإثبات القدرة على فعل خوارق الطبيعة، وإنما إثبات النبوءات يتأتى عن طريق جذب الصفات وكاريزما الشخصية الجذابة واختطاف القلوب كما يسميها الرومي، ويعتقد فرعون بحسب حوارية الرومي انه مَلَكَ قلوب المصريين وموسى أرعبهم، وهي المعادلة الرابحة في إثبات الذات في مثل هكذا صراعات.

سر هذه الحوارية يكمن في فهم جدوى معجزات الأنبياء، ولعل الرائد في تسليط الضوء عليها هو ابن خلدون في المقدمة اذ يعتقد ان المعجزات هي حاصل قوة نفوس الأنبياء بالمستوى الذي يجعلهم يتصرفون بمجريات الطبيعة بقدرات خارقة، وتنسب هذه المقولة الى الحكماء أيضاً.

ثم ان معجزة النبي هي في جعل افئدة الناس تهوي اليه بقوة شخصيته وقدرته على توحيد القبائل والمحيطين به على ما يفهم من كلام ابن خلدون، تلك ميزة هي قمة الإعجاز، وأكثر وقعاً مما يروى من خوارق ومعجزات منسوبة الى النبي .

وللحقيقة أقول ان خوارق الطبيعة والإعجاز البلاغي لم تجذب بلالا ولا عمار ولا سلمان الى الإيمان اذ لا تعنيهم خوارق البلاغة كثيراً، وإنما هي القيم السامية من المساواة والعدل وقوة شخصية النبي هنّ من اجتذبن كبار الصحابة، وزعت فيهم المثُل العليا .

جلال الدين الرومي ابدع في ترسيخ هذا المعنى في حواريته الفرعونية الموسوية وأسس لمعنى المعجزة بمعناها العرفاني القائم على الحب الذي هو اصل الإيمان لا الخوف والرهبة الآتية من خوارق الطبيعة .

العطار النيسابوري و منطق الطير

يقول جلال الدين الرومي:

هفت شهر عشق را عطار گشت

ما هنوز اندر خم يك كوچه ايم

وتعني: لقد اجتاز العطار مدن الحب أو العشق السبع.. بينما لا أزال أنا في الزاوية من زوايا الزقاق

حقاً هو الحال كما وصفه مولانا ام هو التواضع الذي يعلو صفات جلال الدين ؟!

لم ار اعظم من هذا الرجل تواضعاً وتقديراً للكبار ممن سبقوه

تبتدأ قصة " منطق الطير" بالترحيب بثلاثة عشر طائرا ينعقد بهم مجلساً للتشاور وانتخاب الهدهد قائدا و مرشداً ؛ لخصوصية هذا الطائر و مكانته في الكتاب و دوره الرمزي بين سليمان وبلقيس كرسول وهاد للبحث عن " السيمرغ ":

مرحبا اي به سرحد سبأ سير تو خوش

با سليمان منطق الطير تو خوش

 

ديوار در بند و زندان باز دار

تا سليمان وار باشي راز دار

 

مرحبا يا من سيرك الى سبأ حسن يسير

ومنطق الطير مع سليمان سلس جميل

 

احبس الشيطان في القيد والسجن

لتصبح كسليمان صاحب ســــــر

في نهاية هجرة الطيور والبحث عن طائر العنقاء لم يجدوا سوى انفسهم و ذواتهم، وهو الهدف من رحلة الصوفي والبحث عن الذات.

 

احمد الكناني

 

حيدر عبدالرضاالفصل الثاني ـ المبحث (3)

الواقع الروائي بين السيرذاتي وفضاءات المؤلف الشاهد


توطئة:

عالجت أحداث رواية (البلد الجميل) جملة مواقع و أشكال مزدوجة تتراوح ما بين محاور (المؤلف الجاد = المؤلف الشخصية = السارد العليم) وصولا إلى هوية الواقعة السردية المنتخبة والمتحولة بين (فضاء الداخل ـ فضاء الخارج) كما رأينا الحال في مرويات المؤلف الشخصية المفترضة في شبكة وقائع روايته، كقيمة وقائعية تشكيلية من شأنها وصف دليل سرد حكايته وأحداثها ضمن مخصوصية متشظية ومنشطرة ومنسحبة غالبا على هيئة وقائع فضاء المؤلف الجاد ـ انعكاسا ومحكومية حياة المؤلف الشخصانية الذي راح يوافر وظيفة مكونات نصه المخطوطة في مساحة خاصة من المعايشة الموزعة ما بين موقع السارد وحضورية الفضاء الشخوصي المتصل والمنفصل في أغلب الأحيان عن حقيقة خلفية المؤلف الشهودية في مجال الشاهد والمجسد والمبأر .

ـ الفضاء الخارجي والأبعاد السياقية في هوية النص .

إذا ما تأملنا في الواقع مستوى الاتساق في مجلى الفضاء الخارجي للنص، لوجدنا بأن أغلب أحداث البنية السردية، تكمن في رقعة حدوثاتها ضمن مفاصل حراك الشخصية بمفهوم العلاقة الخارجية المكرسة في خواص مقارباتها المعنوية والمادية تقريبا، ولهذا الأمر نجد بأن الشخصية الكاتبة أو المدونة للمخطوطة في رواية المؤلف الجاد، ذات مجالات واسعة في تنضيد وتخصيص أسباب العملية السردية في منحى مستواها الاتساقي ـ الخارجي، الناتج من قبيل متواليات جملة الأفعال والصفات الدلالية للشخوص في النص: (في أوثق الأخبار، أنهم أستقلوا القطار الصاعد من الجنوب باتجاه بغداد بمتاعهم القليل، مصحوبين بفكرة غائمة عما سينتظرهم هناك..انحشروا مع بعض كالحيوانات، مخلوطين مع صرر ملابسهم وأشيائهم، وحين صفر القطار معلنا بداية انطلاقه، تنفس الجميع الصعداء وحمدوا الله وشكروه، فكأنما هذا الصوت الذي أصدره الوحش الحديدي الهادر، قد حجبهم نهائيا عن الرعب الذي يلاحقهم من خدم الشيخ و عبيده . / ص61 الرواية) السارد هنا يعاين مستوى أحداث سياقية، لخصتها وحدات خارجية وداخلية من مواقع حكاية الشخصية حلمي إزاء مواطن أسلافه، وهذا الأمر ما جعل من الشخصية حلمي تستهلك واقعها المعنوي في حد من الإسراف والمبالغة في غور أوصاف عادات الجدة قسمة وكيفية حيواتهم الطقوسية في مجلى السرد الخارجي والخارجي.أقول أن أغلب مستويات وحدات الرواية جاءتنا غاطسة في قص حكايات هي من الأطوار الشعبية والمحلية المبتذلة إلى حد التخمة في محمول الفكرة الروائية، فلا حاجة بنا إلى كل ما ذكره أحمد سعداوي عن تفاصيل جغرافيا مواقعه الشخوصية التي كان الغالب منها من الشواغر واللاأهمية في بناء مستوى الرواية السردي، حتى أن هذه التقانة الخاصة في خلق ثنائية المؤلف المفترض في كتابة الرواية داخل الرواية، أصبحت من النمطية والشرود الفني والجمالي، فما معنى أن يكون الشخصية مؤلفا في مساحة عاملية من دوره كشخصية مسندة في تأليف النص الروائي داخل السياق الروائي العام؟ ما قيمة كل هذه الخواطر والهواجس من استحضار كل حكايا الأجداد في مسار خطة بؤروية سردية تسعى جاهدة إلى التفنن في وصف إلتباسات حاصلة ما بين المؤلف الحقيقي والشخصية الموظفة في النص كمؤلف آخر للرواية ؟أنا شخصيا كقارىء إلى مستوى تعاملات هذا الأداء من قبل الروائي السعداوي، لا أجد ثمة طاقة تقانية حاذقة في تأسيس مثل هذا المشروع إطلاقا وعبر شكله وبنيته المزدوجة حينا والملتبسة حينا إن صح العرض في الوصف؟لذا بقيت حالات الشخصية حلمي في مخطوطته، كمحاولة في تجريد فكرة و طريقة إنشاء النص داخل النص، وعلى هذا النحو بقيت الأحداث في الرواية تشحذ لذاتها الهمة من هنا وهناك، فمرة بالحديث عن الكلب، ومرة عن علاقته بنادية وأحساسه الأخوي إزائها، إلى جانب إصرار أهله بالزواج منها، ومرة حول مشاكله مع فقدان فرصة العمل المناسب، وشعوره العدمي بالملل من جراء تلك الأعمال الاستهلاكية اليومية، ذلك لأنها تشكل له تلك المرحلة اللامجدية ب (الآن) هذه الأداة الزمنية الملازمة لكل مرحلة بدئية من أضطرابات أحواله الشخوصية .

1 ـ الأفق التواصلي بين الذاكرة والفضاء الحلمي:

أن ما يميز هذا الفضاء المستحضر من خلال رؤية وعي الذات الساردة، كونه أصبح مصدرا لجميع حالات فضاء الألفة وفقدانها من قبل الشخصية في الرواية، وعلى هذا النحو وجدنا تمظهرات (الذاكرة = الحلم) يستعيدان للشخصية جملة أواصر ديمومتها من داخل فضاء خياراتها الشخصانية في الرفض و العدول عن المستقر في المزاج الواقعي المستعاد حلما أو انفتاحا حول مساحة ملائمة من التعالق الانطباعي مع المكان من ناحية والآخر والزمن المتداخل من نواح مسرودة بوسائل السرد العليم: (سأبدأ إذن من جديد، فهذا كل ما لدي أنا أيضا، أضع رقما جديدا، وأشرع بالحياة نفسها، أعرف الصباح والظهيرة، وأمحو أسماء الليل كلها..أنظر إلى الشباك بجواري، وأرى من خلاله الصباح بشمسه الغائبة وراء غيوم شفيفة / أرتجف من البرد، بينما حلمي يتقلب في فراشه الدافىء..يدعك وجهه ثم يرخي يده على الجانب الخالي من الوسادة./ص 70 الرواية) يوهمنا السارد ومن خلفه المؤلف، بأن شخصية حلمي ملازمة في تحولاتها الحلمية، وفي ذلك سببا يقنعنا بأنتشار بقع أحمر الشفاه التابعة لأنثى ما على وجهه ورقبة الشخصية، فيما كان حلمي مجردا في فراشه إلا من جسده وأحلامه المكررة بشخصية الفتاة نود الممرضة الأمريكية التي قامت بالعناية على حالته يوم سقوطه جريحا في الحرب..الأمر الذي رافق كل مواقع الشخصية، لدرجة كاد يتصور أن كل من يشاهدها تتمثل بشخصية نود الممرضة الأمريكية في ذلك المشفى العسكري في السعودية: (أن صورة امرأته أقرب من أن تكون متخيلة، لقد كانت هنا قبل قليل، وتمرغت بجسده الملفوف بالعتمة، جعلته يلمس لمس اليد أنه أكثر من شخص، و أنها واحد على الدوام /ولكي يتذكر ما ألم به، ينظر /أنظر إلى الأجزاء الماضية من حصته الزمنية في الحياة، أو فصول حكايته في سجلات ذاكرة تتخيل نفسها ذاكرتي، أو مخيلتي، أو بالعكس./ص17 الرواية) أن حالة التحول الشخوصية هنا جرت ما بين (المؤلف =السارد =الشخصية) إذ الأمر يبدو على غير موقعية ثابتة، فقد يكون حلمي المؤلف الحقيق للرواية، أو أن المؤلف الحقيقي هو ذاته السيرذاتية في مشخصات السرد مستعيرا موقع الشخصية لنقل ملفوظه في زمن الحكاية تخاطرا، وقد لا ينحو فعل المؤلف هنا بأتجاه الموقع الشخوصي من رؤية الأشياء، ولكنه يشتغل لذاته في أحياز هوية (الشاهد) من مؤشرات فعل نمو الوعي التكويني بالشيء المحسوس تماهيا، ومن يقرأ مستهل الفصل الأول من الرواية، لعله يلاحظ وجود ذلك الحيز من الإيهام المتتابع ما بين المؤلف والراوي والشخصية، امتدادا نحو مواجهة موقع (المؤلف الشاهد) بحكم الإيهام بهوية الواقع، وقد تبدو من ناحية مواجهة الشخصية من خلال موقع المؤلف الضمني أو الراوي، وعلى هذا النحو نقول ونسأل: هل أن مرجعية الشخصية حلمي أداة محكومة بموقع الراوي أو أنها مرتبطة بخلاصة مراوية من هوية المؤلف الحقيقي ؟وأن كان حلمي مرآة المؤلف كيف يتاح له أن يكون لعبة إيهامية ما من أوجه أخفاء حقيقة قول المؤلف في هويته الثانية من الكتابة للنص الروائي ؟ .

2 ـ اللاموقع بين المؤلف المفترض والراوي كلي العلم:

يتساوى التبئير السردي في مستوى متواليات الرواية في العلاقة اللاموقعية ما بين المؤلف المفترض والسارد العليم في مستوى الإدراك و النمو، لذا فإننا وجدنا في بعض وحدات السرد ثمة علاقة دمجية فاعلة تتعلق في حدود مفتوحة ما بين المؤلف المفترض والسارد كلي المعرفة، ما جعل مستوى التبئير معتمدا على جهة التبئير الداخلي تحديدا كمصدر ما من جهة السارد والشخصية معا: (أما أنا فقد توهمت أشياء كثيرة يصعب حصرها، منها أن الكتابة ستساعدني، ستبطىء الزمن الذي يلاحق نفسه، ستؤخر خروجي من هذا المكان./ص75 الرواية) فإذا اقتربنا بشكل أدق لأستكشاف بنية السرد، لوجدناها ذات قطبين (مركزـ هامش) القطب الأول يدور في مركزية الشخصية حلمي وما يواجه من فواصل تجربته مع شخصية نود المتخيلة في ذاته إلى جانب شخصية الجدة قسمة أيضا، أما ما يتعلق بالقطب الثاني، فهو ما يتمثل بسلوك حلمي إزاء طبيعة الأماكن و الأزمنة في مسرح الرواية إجمالا.

ـ تعليق القراءة:

أن من محاسن هذه الوظيفة اللاموقعية بين المركز والهامش، هي ما جعل تجربة الرواية في ذاتها عبارة عن نسق متواصل في حدود المشاهد وثنائية (المؤلف الضمني = المؤلف المفترض =الراوي) إذ أن ما جعل الفضاء الروائي يتحول نحو ساحة ميلودرامية متصلة يظلم جزء منها لينير الجزء الآخر بمحمولات بؤروية راصدة في الوعي و التحول السردي في ذاته ما جعل القارىء لها يشعر بأن الرواية تكمن عبر لقطات ومشاهد ومتواليات يحكمها المركز والهامش وذلك السياق المرجعي إقترابا لها نحو مشروعية الدلالات الأخيرة من إيحاءات الخواص الداخلية المهيمنة على علاقات الأجزاء من مستويات الرواية الخاصة والعامة ـ اقترانا لها بمسلمات ذلك الواقع المتصل بين بؤرة السيرذاتي وفضاءات المؤلف الشاهد والمفترض على مظاهر المنظور الروائي المجمل: (نظرت الجدة العجوز إلى الحائط الذي علته الصور المغبرة، ثم رنت إلى العنكبوت الحارس في شبكته، وودعته صامتة..اقتربت من ثوب يعود لسناء /أرتدت الثوب الرطب، ونعلها البلاستيكي الأسود، ودنت من الباب، الذي ترك مفتوحا /تمسك بطرف العباءة المدلاة على رأسها، ثم نظرت إلى السماء، كأنها أحست بلسعة ما من عين الإله./ص216) هكذا يتمظهر عنف النذر والنذور في حكاية ومحكي طقوس الجدة مقترنة بوظيفة المؤول المندمغة في منظومتها الزمنية الكلية بخبايا الكون الروائي، ليتجسد في اسطورة (الحضور ـ الغياب) لذلك الغائب مجددا بزمام المحكي المضمر بمقصدية متراكبة الرؤية وشمولية المعنى المرمز في رفات الزمن المتخيل بالواقع وبقاياه المرسومة في المضمر من السيرذاتية النصية الروائية المركزة في دليلها ودالها .

 

حيدر عبد الرضا

 

جمعة عبد اللهيحمل الشّاعرسعد ياسين يوسف لقب (شاعر الأشجار) بكل اقتدار وهوغني عن التعريف في اسلوبيته الشّعريّة وخصوصيتة في كتابة قصيدة النَّثر التي يحلق بها عالياً وعميقاً برمزيّة الأشجار، والشَّجرة، بالمفردة العميقة الواسعة بلا حدود، في أسلوبه الفكريّ والفلسفيّ الذي ينطلق منه متمثلاً الشجرة كأصل للكون والوجود وحياة الإنسان، ورمزيتها العميقة للأرض والوطن.

عند شاعرنا كلّ شيءٍ ينطلق من جذور الشَّجرة وأغصانها وأوراقها،ويسلتهم منها ما يخص الوجع الإنساني والحياة بكلّ تبعياتها وعتباتها، بما فيها الفرح والحزن، وبسمات النُّور و بسمات الظّلام، حتى الدّموع والحزن والقلق الإنساني من المعاناة والشّقاء والمأساة والملهاة، أي أنها تحمل كلّ شيء، ومنها ينطلق كلّ شيء برؤية انزياحية ثرّة على خلفية العمق الفلسفيّ والفكريّ والجماليّ الذي يكتنزه الشّاعر.

أنَّ الشَّجرة التي خلقها الله واختار لها أرض سومر وطين أور مستقراً، هي حامية الحياة والوجود والاتجاهات الأربعة، وهي مكسوة بجلد العراق وثوبه، ولا يمكن للجسد العراقي أن يكون بدونها، كما هي الحياة والوجود، ومن هذا المنطلق ينطلق شاعرالاشجار (سعد ياسين يوسف) من عمق رؤيتة لرمزيّة جذور الشَّجرة ومدى رسوخها وعمقها، وتحليقها عميقاً في الارض ، لأن الشجرة لاتعلو وتحلق عاليا ً إلا بعد أنْ تترسخ جذورها عميقاً في الأرض وكذلك الإنسان لا يعلو ولا يحلّق لو أنقطعت جذورهُ عن أرضه ووطنه .

فشجرة الوطن  راسخة الجذور رغم الأهوال والمحن والشّدائد، وفصول الخريف الجاثمة على شجرة سومر وأور ورغم العواصف والرّعود والزّوابع السّوداء، فهي صامدة ولا تنحني ابداً، تنهض من دمها ورمادها، ومن السّحب الدّخانية التي تخنقها، والتي تطارد نوارس الحرية في ساحة التّحرير وتحت نصب جواد سليم !!. ورغم الغزوات الوحشية من الإرهاب والإرهابيين. ولم تخيفها الغيوم السَّوداء ولم ترعبها رصاصات القناص الملثم و جرذان داعش بكلّ ما في عقولهم الظلاميّة.

ورغم كلّ الأحزان فالشَّجرة منتصبة القامة راسخة تحلّق عميقاً في تربة أرضها وطينها وسمائها. فهي تتحمل العناء والقسوة في ملحمة الحزن ونزيف الدِّماء، التي تتوالى عليها بدون انقطاع، هذه هي الملحمة العراقية في شجرة الله التي اختارها في العراق، وهذه مضامين قصائد المجموعة الشّعرية (الأشجار تحلّق عميقاً) في فلسفتها الفكريّة العميقة.

إنَّ قصائد المجموعة الشّعريّة تتناول الشّجرة الكبيرة (العراق) وكذلك الشّجرة الصَّغيرة (العائلة) وبعض من السّيرة الحياتيّة للّشاعر وأصل شجرة الشّاعرمن طينة الفراتين، من قلب قارورة أور لذلك فأنها تكتسب تاريخاً حضاريّاً واسطوريّاً شامخاً، لهذا ترفع رأسها بشموخ إلى السَّماء. رغم ملحمة الحزن والدِّماء التي تتوالى عليها، منذ أكثر من ألف عام وعام، فهي تتجلّد على المصائب والشّدائد، على السّحب الدخانيّة ونزيف الدِّماء والغزاة المتوحشين الذين يغتالون العصافير المسالمة، الباحثة عن أعشاشها وعن وطنها في أرض سومر وأور ليكون خيمة لهم تحت الشّمس. رغم الذّبح وفصول الخريف الثّقيلة.

2719 الاشجار تحلق عميقا سعيد ياسين

لذلك يتوجه الشّاعر إلى الله تعالى بالسؤال، إلى متى يستمر الذّبح والدِّماء؟. إلى متى تستمر غيوم الحزن تخنق أوراق شجرة الوطن؟ إلى متى يظلّ صوت الرَّصاص يلعلع ويتجول القناص بحرية ليصطاد الباحثين عن الوطن؟.

".... أنَّى التفتتْ...

وأنَّى رأسُها ارتفع

تشيرُ للذَّبيحِ

للحجرِ الّذي لم يستقمْ

إلَّا بذبحِ العصافيرِ الّتي

جرَّدَها الخريفُ

من دفءِ نسْغِها الصَّاعدِ

فهوتْ ناشرةً أجنحةَ اللَّهفةِ...

يُسحرُها النَّبضُ؟!!

ربّاه!!!

كم من الدَّمِ يلزمُ هذهِ الأرضَ

لتَغسِلَ عَتَمةَ الحزن ِ

عن وجهِها،

ظلامَ ألفِ عامٍ

وعام...؟؟؟!!!

ألا تكفي ابتساماتُ الدَّمِ

في صدورِهم

حين تعروا للرَّصاصِ

الباحثِ عن وطنٍ فيهِم

في رحلتِهم الأزليّة ِ

للبحث ِعن وطن....؟؟!!!! "

(من قصيدة / عطر أور)

ينبعث الدّخان حول الشّجرة وتنهال الهروات والرّصاص يلاحق نوارس الحرية. لانهم كشفوا عن غنائم وسرقات اللّصوص، الذين أغتصبوا الوطن ليكون طابو لهم ، الجنّة لهم والجحيم لغيرهم، اكتنزوا الذّهب والدّولار على حساب معاناة الأغلبية السّاحقة، لنوارس الحرية أشاروا بأصابع الاتهام لأنهم كشفوا وكر اللّصوص ، وتجار الدَّم والزّيف والغدر وخيانة الشَّعب، فكان نصيب النّوارس العنف الدَّموي، ورصاص القناص في ساحة التَّحرير، وتحت (نصب جواد سليم)، وليمتلئ المكان بسحب الدّخان والقنابل الدّخانيّة التي أخترقت الجماجم، لكي يسكتوا صوت الحقّ والحرية والمطالبة بالخبز والأمان. المطالبة بوطن تتسع خيمته للجميع.

" حفيفُ الأشجارِ الّذي

أخفاهُ الدُّخانُ في ساحةِ التَّحريرِ

صارَ صرخةً

حينما أدركَ أنَّ الهراواتِ

الّتي انهالتْ على رأسهِ  كانتْ

مِنْ خشبِها

***

لكلٍّ جنَّتُهُ

قالها ذلكَ اللّصُّ "المسلفن"

وهو يضعُ حباتِ العنبِ

بفمِ خليلتهِ العاريةِ في حديقةِ بيتهِ

في "المنطقةِ الخضراءِ"

بينما اخترقتْ قنبلةُ الدُّخانِ

رأسَ صديقي الواقفِ منتظراً

رغيفَ الخبزِ تحتَ ظِلالِ نُصبِ

جوادِ سليم...!!! "

(من قصيدة / أوراق من شجرة التحرير)

وفي قصيدة ( مِقصُ أبي) تنبثق حياة العائلة، عيشها ،ومسيرتها، من مِقص الأب الحنون، الذي يملأ حياة العائلة بالدفء والحبّ والحنان ، يعرج مع طلوع الشَّمس ويعود في أطراف المساء. محملاً بعشرة من أرغفة الخبز لعائلته، ينسى نفسه ولا ينساهم من حصة الأرغفة، لا ينام إلا بعد تفقدهم واحداً واحدا. يزرع الأمل والنّور في مسار حياتهم تحت الشّمس وتحت خيمة الوطن ليكونوا فسائل خير للّشجرة الكبيرة المباركة.

" مُذْ أمسكَ بمِقَصِّ حياتهِ

الّذي كادَ أنْ يُطبقَ على غُصنه ِ

وهو يقصُّ لنا قَصَصَ التَّكوينِ

لنغفوَ قبلَ الموقدِ

نَحلُم بالبحرِ المنشقِّ،

بالرُّطبِ المتساقطِ.

يتفقدُ عَنَّا الجمرَ، الأغطية َ

سقفَ الغرفةِ لو أثقلهُ مزاحُ المطرِ....

يقايضُ بردَنا بسِترتهِ...

حينَ يشحُّ غطاءُ الدفءِ

وعندَ الفجرِ...

يَعرُجُ صوبَ الشَّمسِ

ليقصَّ لنا...

من ثوبِها الذهبي أرغفةً

ويَعدَّ الأقراصَ العشرةَ

كَي لا ينسى أحداً مِنّا،

وكثيراً ما كانَ...

ينسى نفسَه.!!!

بمِقَصِّ اللَّهفةِ...

قصَّ خيوطَ  ظِلالِ الحزنِ،

وشذَّبَ كفلاحٍ ماهر

أغصانَ السَّنواتِ لتعلو

هالةُ ضوءٍ تتبعهُ.... "

(من قصيدة / مقص أبي)

وتتجلى المرأة العراقيّة الشّهمة والشّجاعة،التي ضربت مثلاً رائعاً في الجسارة والبطولة في مجموعته بقصيدة (طوعة ) التي تغنت بعراقيّة وأصالة  (عليه خلف الجبوري) (أم قصي) وهي امرأة عراقيّة من ناحية العلم بتكريت، أنقذت حياة عشرين شاباً عراقياً من مذبحة سبايكر، التي نفذتها عصابات داعش الإرهابية، وآوتهم سبعة عشر يوماً وأوصلتهم الى مكان آمن ليعودوا سالمين الى أهلهم وذويهم. لذلك لقبت ب (طوعة العصر) نسبة إلى طوعة بطلة الكوفة التي آوت سفير الإمام الحسين مسلم بن عقيل، لحمايته من بطش عبيدالله بن زياد في اطار واقعة كربلاء.

" طَوعة..

الغصنُ، شجرة ُالله

سقاها نهرهُ

قبلَ أنْ يمرَّ براياتٍ

......  .....

تحزُّ حبلَ وريدٍ

شُدَّ بعرشِ اللهِ..

وتزفُّ المغدورينَ

على دكَّة ِموت.

طَوعة...

كسرتْ كلَّ نصال ِ

سكاكينِ الحزِّ بخضرتِها.

وظلَّلتِ العشرين َ نبيّاً

تحتَ ضفائرِها

سبعَ عشرة قيامة ً

وهيَ تُنصتُ لحفيفِ ملائكةٍ،

رفيفِ قلوبٍ،

حَدَقاتِ عيونٍ،

نسماتِ دعاءٍ،

تحطُّ على جدرانِ البيتِ...

قالَ النَّخلُ :

إنَّ النُّورَ العابقَ ليلاً

من باحةِ ذاك البيتِ

يطرقُ بابَ سماواتِ المحنةِ

أنِ انفَرِجي..

طوعة....

رحمُ العذراء ِ

غارُ حراء

"العلمُ" الصَّاعدُ صوبَ اللهِ

بالبشرى يومَ اسْوَدَّتْ

كلُّ وجوهِ الأبوابِ

فكانتْ جنحَ اللهِ وخيمتَهُ "

(من قصيدة / طوعة)

كما تتجلى المرأة في هذه المجموعة بشجرة الأم الطّيبة، فمع أول صرخة للوليد، يضيء وجهها بالحبور والبهجة، لتحتضنه على صدرها الرَّحيم، فتنتشر أنوار الفرح، لهذا النَّورس الجديد للعائلة، والذي جاء ببركة الله والأمّ الحنون، وهو بشارة خير وأمل للشّجرة الصّغيرة (العائلة) والشَّجرة الكبيرة الوطن.

" معَ أوّلِ صرخةٍ

وأوّلِ إبصارٍ للنورِ

كانتْ خضرتُك تُربّت على صدري

- أنْ لا تخفْ....

وكلَّما أدلهمَّ ليلٌ

أضاءتْ أغصانُ شجرتِكِ قناديلَ

البهجةِ

فتنطلق الكركراتُ....

ناعمةً بيضاءَ

مثل رفيفِ نوارسِ شطِّ العمارةِ

حتى علتْ وجهي سَحابَة ُ

الحريق*... في غفلةٍ منكِ

وحينَ رفعتِ يديكِ إلى السَّماء

زمجرَ الأفقُ بالبريقِ

وبصوتٍ راعدٍ

قالَ للشَّمسِ: أنْ أشرقي على مُحياهُ

وكمثلِ معجزةٍ نَضَى الغيمُ ثوبَهُ

فانتشرَ الضِّياءُ....."

(من قصيدة / شجرتها... إلى أمي)

لقد استطاع شاعرنا هنا أن يرسم ملحمة التجذّر برؤية جمالية وفكرية وفلسفية مدهشة ليحلق بنا عميقاً إلى عوالم الدَّهشة والجمال والفكر والارتقاء بالصّورة الشّعريّة إلى آفاقها الرحبة .

 

* أسم الكتاب: الأشجار تحلق عميقاً

* المؤلف: د. سعد ياسين يوسف

* الطبعة الاولى: عام 2021

* الاخراج الفني والطباعة: دار أمل الجديدة. سورية / دمشق.

***

جمعة عبدالله

 

 

الكبير الداديسيعندما تزور مآثر بعض المدن اليونانية والرومانية تقف على آثار بعض المسارح القديمة، في حين تجد في المدينة العربية القديمة مآثر لبعض المؤسسات الاجتماعية أو الدنية كامسجد، الحمام، الفرن ... لكن لا اثر مرتبط بالمسرح، ولما تنبش في الثقافة العربية تجد أجناسا أدبية متنوعة، وعباقرة خلفوا تراثا فكريا متنوعا. بل لقد سبق العرب غيرهم إلى ابتكارات واكتشافات يشهد لهم بها التاريخ. كما تعرفت الحضارة العربية على تقاليد الثقافات الأخرى المجاورة لها وترجمت كتبها ونهلت من ثقافاتها خاصة من الثقافة اليونانية التي يربط الكثيرون ظهور المسرح بها. ليجد الباحث العربي نفسه، في شبه حيرة، أمام أسئلة من قبيل لماذا لم يعرف الأدب العربي فنا مسرحيا؟ ولماذا لم يجد الإنسان العربي أية ضرورة لترجمة أي بيت من المسرح اليوناني، وهو الذي عــّرف بالإرث اليوناني ونشره في كل أرجاء الدنيا وخاصة في العالم الغربي؟

اختلفت المسوغات وتعددت الأجوبة والمبررات، ووضعت الثقافة العربية بين مؤيد مدافع ومنكر مهاجم

 فأرجع البعض غياب المسرح في الثقافة العربية إلى خصوصية الجنس السامي واستغل الفرصة لينعت العنصر العربي بالقصور عن الإبداع والخلق. وهو طرح يبدو لنا تحركه خلفيات عنصرية أكثر منها فكرية أكاديمية

 وربطه آخرون بالبيئة العربية وفقرها في المناظر الطبيعية وأن بساطة وانبساط الصحارى نتج عنه بساطة الخيال وسطحية القصص مما لم يسمح للفكر بالعمق والتشخيص وخلق مسرحيات .  وهو طرح مردود ما دامت البيئة العربية ليست واحدة، فليست كلها صحراء بل فيها من التنوع ما قد لا يوجد في بلاد أخرى  

وجعل بعضهم السبب في الروح القبلية التي عاش في ظلها العرب والتي لا تهتم إلا بالحقائق المأثورة. وذهب زكي طليمات إلى الاعتقاد أن بداوة الحياة العربية قبل الإسلام وعيش العرب على التنقل والرحيل وعدم استقرارهم قد منعهم من معرفة المسرح .لكن تاريخ العرب ليس كله تاريخ ترحال فسرعان ما أسست مند وحواضر كادت في بعض المراحل أن تكون عواصم للثقافة العالمية  في عصرها   

 لكن أكثرية الباحثين  ممن تناولوا هذا الموضوع ركزوا على الأسباب الدينية، واجتهدوا في البحث عن مظاهر التعارض بين المسرح والإسلام ، كما فعل أحمد أمين عندما ذهب إلى القول أن الدين الإسلامي يمنع التصوير وبالتالي يمنع التمثيل ومنهم من غدا ينقب في الأحاديث عساه يجد ما يدعم به طرحه، معتمدا على  تأويل بعض الأحاديث التي تنهى على عبادة الأصنام، واعتبار الممثل منافق، وقصر الخلق على الله وحده، واعتبار مهمة صانعي الصور والتماثيل مهمة مستحيلة، إذ سيطلب منهم يوم القيامة بعث الحياة فيما صنعوا، أو الاعتماد على بعض الأحاديث كتلك التي تمنع استعمال الأقمشة والوسائد التي تحمل صورا وهي أحاديث ضعيفة و مطعون فيها بدليل أن الرسول  (ص) كان يستعمل وسائد من هذا النوع.... والحق يقال أن كل ذلك مجرد تأويلات – لا أساس لها من الصحة فلا وجود لأية آية  أو حديث يمنع و يحرم المسرح بشكل صريح أو ضمني  (1)  

ويمكن إجمال معظم الآراء التي صاغها الباحثون، وهم يناقشون الأسباب الكامنة وراء غياب المسرح في الثقافة العربية  في الأسباب التالية  (2) وهي آراء لا تعبر إلا عن مواقف أصحابها

1 ـ   تخلف العقلية العربية المرتبطة بالبداوة والجزئيات والفكر البسيط والفكر المحسوس وانعدام الإبداع والتخييل المجرد

2-عدم صلاحية  اللغة العربية الكلاسيكية بجزالتها وفخامتها للحوار الدرامي ولا تنسجم مع مستويات التواصل في الخطاب المسرحي (جاك بيرك)

3- لم ير العرب في المآسي اليونانية إلا نصوصا بسيطة موزونة وأشعارا حوارية غريبة. (محمد عزيزة)

4- عدم فهم المصطلحات الدرامية اليونانية من قبل شراح أرسطو مما وقعوا في الترجمة الخاطئة لألفاظ" فن الشعر" من قبل المترجمين والفلاسفة العرب  (متى بن يونس، ابن رشد...)، حيث ترجموا التراجيديا بالمديح والرثاء والكوميديا بالهجاء والدراما بالشعر (شكري عياد وعبد الرحمن بدوي...)؛

5- بداوة الحياة قبل الإسلام وارتحال الإنسان من مكان إلى آخر وعدم استقراره منعه ذلك من معرفة المسرح الذي يتطلب الاستقرار والاستيطان والتمدن الحضاري  (زكي طليمات)؛

6- منع الدين الإسلامي للتصوير والتشخيص والتمثيل، وتوعد النص الديني الإسلامي كل من قام بذلك بالعقاب الشديد  (أحمد أمين)

7- انعدام الصراع في المسرح العربي على غرار المسرح اليوناني الذي كان يعرف أنماطا من الصراعات الدرامية كالصراع العمودي (صراع البشر مع الآلهة)، والصراع الأفقي" صراع الأفراد والجماعات فيما بينها"، والصراع الديناميكي" انهزام القدر" كما في مسرحية الفرس عند أسخيلوس، والصراع الداخلي كما في مسرحية أوديب  (محمد عزيزة)

8- صعوبة تنظيم العروض المسرحية في مجتمع يحارب فيه رجال الأخلاق والمحافظين تمثيل الأدوار النسوية ويعود أكثر من ذلك إلى المعنى الأليم للقدر الإنساني (لويس غارديه)؛

9- منع الإسلام قوع أي صراع درامي (فون جرونبوم)

10- إن الحضارة العربية لم تكن في حاجة إلى التعبير المسرحي (أحمد شمس الدين حجازي)؛

11- إن العرب لم يترجموا أدب اليونان وشعرهم، في الوقت الذي نقلت فلسفتهم، لإحساسهم بأن إبداعهم في الشعر والأدب يفوق كل إبداع

12- انعدام الحرية والديمقراطية في الدولة العربية القديمة القائمة على الاستبداد والقهر وإسكات الأصوات المنتقدة لسياسة الدولة، وهذا لا ينسجم مع الإبداع المسرحي القائم على النقد والتوجيه؛

13- انعدام الفكر الموضوعي وذلك بافتقاد الشاعر العربي لعنصر الإدراك المأساوي للحياة. فالشاعر وإن عبر عن عواطفه وأحاسيسه، فإنه لم يتطور من الموقف الفردي الذاتي إلى الموقف الجماعي العام الذي ينشأ عنه المسرح  (عز الدين إسماعيل)؛

14- غياب الفكر الأسطوري لدى العرب هو الذي يمنع من إبداع مسرحيات تراجيدية على غرار المسرح اليوناني.

وفي مقابل كل هذا، نجد دارسين آخرين  يثبتون أن العرب قد عرفوا المسرح منذ مدة طويلة . ويستثني الباحث التونسي محمد عزيزة ــ في كتابه  (الإسلام والمسرح ) ــ  من أطروحة نفي المسرح عند العرب التعازي الشيعية، إذ قال:" الاستثناء الوحيد لقاعدة الغياب المسرحي هذا هو التعازي الشيعية [ التي تجسد مقتل الحسين،] والتي  أعطت الإسلام اعتبارا من القرن السابع الشكل الدرامي الوحيد الذي يعرفه". (3) وكانت  التعازي الشيعية تتكون من ثلاث فصول أساسية، وهي:

1- المشاهد التي تسبق معركة كربلاء.

2- مأساة كربلاء وآلام السيد الحسين.

3- ما عقب كربلاء.

ويذهب عبد الكريم برشيد إلى أن (المسرح العربي قد ولد يوم ولد المجتمع العربي... غير أن هذا الوليد لايشبه إلا ذاته، لأنه في تركيبه مخالف للمسرح اليوناني الغربي، وهذا شيء طبيعي، مادام أنه مرتبط بشروط جغرافية وتاريخية واجتماعية وذهنية ونفسية مختلفة..). و ينحو هذا المنحى الدكتور عمر محمد الطالب في كتابه" ملامح المسرحية العربية الإسلامية" حينما قال:" إن المسرح فن أدبي وبصري يستمد أصوله من مقومات الأمة وثقافتها وأصولها ولا يشترط فيه أن يكون منسوخا عن المسرح اليوناني القديم أو المسرح الأوربي الحديث، إنما يجب أن تكون له مقوماته الخاصة المستمدة من ثقافة الأمة وحضارتها ومعتقداتها مادام الأصل في المسرح وجود المشاهدين بالدرجة الأولى، أما المكان فلا فرق أن يقدم العرض في مجلس أو خيمة أو ساحة أو فضاء، في شارع أو مقهى أو في قاعة يطلق عليها اسم مسرح.

هكذا يتضح أن عددا من الباحثين حاولوا الدافاع عن أصالة المسرح العربي والبحث عن جذور لهذا الفن في بعض الظواهر الشعبية والاحتفالية  التي كانت تعرفها الأمة الإسلامية  كظاهرة التعازي الشيعية  التي تمسرح مقتل الحسين،والطقوس الصوفية والأعياد الدينية وأدب المقامات وخيال الظل والكراكيز ومسرح العرائس والمسرح الشعري في المعلقات وغزل عمر بن أبي ربيعة...والقصص الدرامية والمسرح الشعبي وسلطان الطلبة وسيدي الكتفي وفن البساط ومقالب جحا ونقائض جرير والفرزدق والأخطل، ناهيك عن الطقوس الدينية والطرقية والرقص وفن اللعب والغناء الدرامي و (الحلقة) ....وغيها من الممارسات الشعبية أو الدينية التي اعتبرها بعض الباحثين جذورا للمسرح العربي .

لكن مهما تعددت الآراء، والآراء المعاكسة  فالمسرحية، كما نعرفها اليوم، جنس أدبي حديث لم يكن له وجود في  الثقافة العربية.                                                                                                                           و لم تبدأ العناية به إلا في عصر الخديوي إسماعيل، الذي كان مغرماً بتقليد الحياة الأوربية، و ذلك طبيعي لأنه تربى في فرنسا صغيراً فكان كل همه أن يحاكي الحياة الأوربية، ويود لنفسه ورجال حاشيته والطبقة الحاكمة وسائل اللهو والمتعة، ومن أهم ما عنى به المسرح، فافتتح مسرح الكوميدي، لأول عهده بالحكم حين احتفل بافتتاح قناة السويس، ثم أنشأ مسرح  (الأوبرا) في العام نفسه ومثل فيهما جماعة من الممثلين والممثلات الذي أحضرهم من أوربا. لكن أول من أدخل الفن المسرحي في البلاد العربية هو مارون نقاش اللبناني الذي اقتبسه من إيطاليا حين سافر إليها في سنة 1846، وابتدأ تمثيله باللغة العربية الدارجة، وكانت أولى المسرحيات التي قدمها لجمهوره العربي في بيروت هي رواية "البخيل" المعربة عن موليير وذلك في أواخر سنة 1847 ثم قدم روايته الثانية  (أبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد) في سنة 1849 .

أما في مصر فأول مسرح عربي أنشئ بها هو ذلك الذي قام به يعقوب بن صنوع. بالقاهرة في يوليو سنة 1876 وقد اقتبسه كذلك من إيطاليا التي درس بها ثلاث سنوات وقد مثل في خلال سنتين عاشهما مسرحه اثنتين وثلاثين مسرحية ما بين مقتبس من الأدب الغربي صبغه صبغة محلية، وما بين موضوع يعالج مشكلات اجتماعية.

وقد شجعه الخديوي إسماعيل وأثابه على جده في وضع المسرحيات وإخراجها وتمثيلها، وحضر بعض مسرحياته ولقبه بموليير مصر.

ثم وفد إلى مصر من لبنان سليم النقاش في أواخر سنة 1876، تصحبه فرقة تمثيل، ومسرحيات عمه مارون نقاش: "البخيل" و "ابو الحسن المغفل" و "السليط الحسود" وترجم "أوبرا عايدة" إلى اللغة العربية محافظا على طابعها الغنائي، واقتبس من الفرنسية مسرحيات لكورني  ولراسين.

ومن  الأوائل الذين عنوا بالمسرح والترجمة له محمد عثمان جلال وكان ينقل من الفرنسية ويضفي على مسرحياته روحاً مصرية خالصة. حتى اعتبره المصريون أبا المسرحيات الوطنية في العصر الحديث.

 ولم تقتصر كتابة المسرح على النثر بل تعدتها إلى الشعر فكان ومن أوائل المسرحيات التي كتبت شعراً مسرحية  (المروءة والوفاء) لخليل اليازجي سنة 1786 وقد مثلت على مسرح بيروت عام 1888 . ثم انتقل المسرح العربي  إلى طور جديد بقدوم أحمد أبو خليل القباني وفرقته المسرحية من دمشق إلى مصر في يونية سنة 1884، لأن المسرح ظل إلى أن جاء القباني معتمداً في الغالب على المسرحيات الأجنبية المعربة، فلما جاء القباني اتجه نحو التاريخ العربي والاسلامي فوضع مسرحيات: عنترة والأمير محمود نجل شاه العجم، وناكر الجميل، وهارون الرشيد، وأنس الجليس، ونفح الربى، والشيخ وضاح، وغيرها، وعلى هذا النمط ألفت عدة مسرحيات في تلك الحقبة، وفي هذه الفترة حاول أحمد شوقي وهو بعد طالب في باريس كتابة بعض المسرحيات الشعرية.

هكذا كانت بداية المسرح العربي. ليتضح أن العرب لم يعرفوا المسرح إلا بعد أن قطع أشواطا طويلة بالغرب. على الرغم محاولة الكثير من المفكرين العرب تبيان أن المسرح متجدر في ثقافتنا العربية وأنه يجد جذوره في بعض الأشكال التعبيرية  كالحلقة و (الحكواتي)  وحلقات الذكر والجذبة... أوفي بعض أشكال التمسرح كمسرحة الشيعة لمقتل الحسين في عاشوراء أو مسرح الظل الذي ازدهر في العصر الفاطمي .والذي كان يقدم صورا وكراكيز مصحوبة بصوت المخايل  وكانت أولى العروض قد قدمت في عهد صلاح الدين الأيوبي متخذة من الحروب الصليبية موضوعا لها  وكان أول عرض هو  (بابا حرب العجم)  لمؤلف مجهول (4) لتتطور مع شمس الدين محمد بن دانيال الذي قدم عدة عروض أهمها : بابا  (غريب وعجيب) بابا المتيم والضائع اليتيم ... لكن البداية الحقيقية  للمسرح لم تبدأ إلا مع جيل مارون النقاش  

 

الكبير الداديسي

......................

هوامش

1- محمد عزيزية    (الإسلام والمسرح )

2- عن  جميل حمداوي عمرو

 http://www.arabworldbooks.com/ArabicLiterature/arabtheatre.htm 

3- محمد عزيزية  (الإسلام والمسرح) ترجمة: د. رفيق الصبان  منشورات عيون ط. 2 دار قرطبة البيضاء 1988 ص 38

4- عن محاضرات. ذ بنياسر لطلبة الأدب العربي فوج 1988  كلية الآداب جامعة القاضي عياض مراكش