 قراءات نقدية

النص وفعل القراءة

رحيم زاير الغانمتمهيد: لقد أولت الاتجاهات النقدية القديمة اهتمامها الكبير بأبوية المؤلف وترسيخ سلطته، كونه الباث الفعلي للنص الأدبي، لذلك حاولت التأكيد على سلطته بوصفه منشئ النص ولذا عليه الحرص على ديمومة اقترانه بوليده،، إلا إننا في فترات مختلفة حديثة أو قديمة، نسمع أصواتاً تطالب بتقويض سلطة المؤلف، وفسح المجال لسلطة القارئ، بغض النظر عن النص وشخصية المؤلف، بل تركز تركيزاً كلياً بكل ما يثير القارئ، والدور الذي يؤديه في إتمام النص/ ملء الفراغات، فالنص لا يمثل سوى افتتاحية للمعنى، مما تجعل القارئ يسهم في إتمام معنى العمل الأدبي،وهذا الملء يتم ذاتياً حسب ما هو معطي في النص، لذلك يحظى القارئ حاليا باهتمام كبير داخل الدراسات النقدية، نظرا للدور الذي يلعبه في فهم النص وتفسيريه وتحويله وتوجيه معناه وجهة معينة دون غيرها، فإليه يعود قرار إحياء النص.

إن الاهتمام بمرجعية القارئ التي استخلصها (آيزر) تصب كلها في مفهوم المشاركة مع النص الذي هو قادر على استقطاب القارئ ودفعه إلى تحقيق هويته وبناء معناه، مما يجعل النص شركة بينهما ولا يبلغ مداه إلا بتعاونهما. وهكذا تعتبر مفاهيم (آيزر) في فعل القراءة مكملة لمفاهيم ياوس في (تحطيم أفق الانتظار) واكتشاف عوالمه الممكنة، وإذا كان من جامع بين هذه التوجهات فهو التقاؤها على احترام القارئ وإعادة مكانته الضرورية ودوره الفعال في فك مغاليق النص وإطلاق توجهاته ومعطياته الإبداعية.

يعتبر آيزر أن العمل الأدبي هو «بناء للنص في وعي القارئ» وهو لا يكتسب سمة السيرورة التي تميّزه في خصوصيّته إلّا أثناء القراءة. لذلك، لا بدّ من أن ينتقل مركز الاهتمام من النص في مكوّناته، وبنياته، وتقنيّاته، ومن المؤلف في تركيبته النفسية إلى «فعل القراءة» بصفته نشاطاً عملياً، وباعتباره السيرورة التي ترفد علاقة التفاعل بين النص ومن يقرأه. وقد وجد إيزر في مفهوم «القارئ الضمني» الأداة الإجرائية المناسبة لوصف التفاعل الحاصل بين النص وبين قارئه. إنه مفهوم يؤكد أن العمل الأدبي لا يوجد إلّا كتخطيطات، أو اتجاهات عامة على القارئ، أن يقوم بالكشف عنها وتحقيقها، وهذا ما يراه انجاردن (أن العمل الأدبي يمنحنا ببساطة «مظاهر تخطيطية»،هذه المظاهر هي التي تجعل القارئ على علاقة وثيقة بالعمل الأدبي، ويمكن من خلالها إنتاج الموضوع الجمالي.)1

لذا أصبحت الاتجاهات والمدارس النقدية الحديثة صاحبة البصمة الأولى في تغليب كفة (المتلقي- النص)، على كفة (المؤلف)، ولعل الاتجاه البنيوي أول من ذهب إلى (موت المؤلف) (لأنه أصبح خارج دائرة الاهتمام، والبديل عنه الاهتمام بالنص والكتابة)2وهذا يعني كما يرى رولان بارت، ان المؤلف (لم يعد صاحب امتياز أبوي أو لاهوتي انه ليس أكثر من أنا على الورق لكن الغياب أو الموت يعني انتقال الاهتمام إلى النص)3، وما ذهبت إليه البنيوية وما رآه رولان بارت، وان لا يُعدّا من متبنيات الدراسة، بقدر ما هو إشعار أول بتهاوي سلطة المؤلف وانتقالها إلى سلطة القارئ.

أما مدرسة كونستانس موطن نظرية التلقي ممثلة بأطروحات الألمانيين هانز روبرت ياوس وفولفجانج إيزر، التي تبنت نظرية جمالية التلقي ونقد استجابة القارئ، على اعتبار أنهما نظريتان للتواصل الأدبي، إذ تهتمان(بتداول النصوص الأدبية وكيفية تلقيها وبالتالي إعادة إنتاجها)4، ولا يتحقق لها ذلك إلا بسلطة جديدة، وان لم يكن لها حضور في متبنيات عديد الاتجاهات والمذاهب والمدارس النقدية قديمها وحديثها، وبهذه الكيفية اهتمت هذه النظرية بالقارئ وبما يثيره في النص بغض النظر عن طبيعة النص وشخصية المؤلف، بل تركز تركيزاً كلياً بكل ما يثير القارئ، والدور الذي يؤديه في إتمام النص، لذلك تتعدد مستويات القراءة بتعدد الأهداف والمناهج.. فهناك القراءة التي تعتمد الاستيعاب المتنامي منطلقة من الجزء إلى الكل، وهناك التي تعتمد استباق المعنى بناء على التخمين وإدراك الكليات فضلاً عن القراءة التفاعلية التي تشيد المعنى، وكل هذا يرتكز على هدف القارئ وتفاعله مع المتن وهو الذي يحدد طبيعة النص.

ان النص مرهون بعوامل ومؤثرات أيدلوجية واجتماعية ونفسية، مضافا لها البعد المكاني والزماني، مجتمعين، يؤثرون تأثيرا مباشرا على سياق النص، وهذا لا يعني إننا نجرد المؤلف من أناه وما بُثَّ من خلجات، كون النص الأدبي، هماً ذاتياً بمؤثرات واقعية ذات بعد أنساني بمنظور جمعي/ كوني، يسهم في تصدير هموم وطموحات ومشكلات مشتركة بينه وبين متلقيه، تعبر عن الذائقة العامة للفرد بحسب عصره ولغته وثقافته.

يبقى السؤال هنا كيف لنا عزل المؤلف عن سلطته؟ وهو من أنتج نصا أدبيا بالحمولات الانفة الذكر، كونه الباث الفعلي للنص الأدبي، كيف لنا فك الاشتباك هذا، وتسويق سلطة القارئ؟! قطعا ستتم الإجابة عن هذه الإشكالية، بالاستعانة بقطبين هامين، فهناك (قطبان أحدهما فني، وهو النص الذي أبدع فيه المؤلف، والثاني جمالي هو استجابة القارئ لهذا النص المُبدع)5 بحسب آيزر، غير متناسين ما أحدثته نظريتا ياوس و آيزر عندما رجحتا كفة (القارئ والنص) على حساب كفة، (المؤلف)، وبعد كل ما تقدم من إحالة وما سيعقبها من إحالات أخر، معتمدين في إجرائنا على ثماني مجاميع شعرية لتأكيد ما ذهبنا إليه.

1- التلقي والفعل التواصلي

يصف آيزر القراءة بأنها تلك العملية الجدلية التي يتم من خلالها الاتصال بين القارئ والنص. هذه العلاقة لا ينظر إليها بوصفها تسير في اتجاه أحادي الجانب من النص إلى القارئ، بل تسير في اتجاهين متبادلين من النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص. والقراءة التي تتخذ هذا المنحى وهذا الأسلوب هي القراءة الفعالة والمنتجة حسب تصوره، لذلك النص الشعري وتداوله بين جمهور القراء، يصبح مادة غنية لفعل التواصل بين النص والقارئ، بمنأى عن سلطة المؤلف التي لا تبدو الحاجة لها ملحة أو ذات أهمية يمكن لها ان تعيق إنتاج المعنى بغيابها.

ان من أسباب فرادة النص الشعري ومغايرته هو تحرره من الأبوية معتمدا على قدرته التي تجلب له رعاية من نوع آخر، على أن لا تكون مبادلة سلطة أبوية بسلطة أبوية أكثر حزما، على اعتبار ان للنص الشعري قدرة لإغراء قاعدة عريضة من القراء لإعادة إنتاج معناه، أي انه في تناسل دائم، بفعل التواصل، يحدث هذا الفعل حينما يبدأ القارئ بتأويل ما تم فهمه، حينما يسلط الضوء على ما لم يقدر الشاعر أو لم يشِ بقوله. حينئذ تصبح القراءة بحق الأداة التي من خلالها يحقق الوعي ذاته. والمقصود بالوعي في هذا المقام وعي الذات والمفكرة أو الذات القارئة التي تستجيب لنداء النص، وبذلك تتحقق عملية القراءة والتلقي بكل أبعادهما

إنّ لرد فعل القارئ دوره الاستراتيجي في مسألة استمرارية النصوص وبقائها، فما يجعل من العمل الأدبي عملا حيا هو إمكانية محاورته من طرف القارئ إثر انغماسه الشعوري، فكل نص يدعونا إلى أن نؤوله وأن نستخرج دلالته ومعانيه المختلفة والمتباينة، من خلال تجربة القارئ المتطورة مع تطور النص، لأنه بدون مشاركة القارئ الفردي لا يمكن أن يكون هناك أي إنجاز.

إذن ان من أهم عوامل التلقي ما يبديه النص من فاعلية التواصل على اعتبار أنها الآصرة الأولى التي من شأنها جذب المتلقي، وهذا ما تحدثت عنه فرجينيا ولف، أن ( الاتصال في الأدب هو عملية تتحرك وتنظم ليس بواسطة شفرة معطاة بل عن طريق تفاعل صارم ومكبر بين ما هو ظاهر وما هو مضمر، .....فما هو مخفي يدفع القارئ في فعل محكوم بما قد ظهر والظاهر بدوره يتحول عندما يوضع المخفي في حيز الضوء)6، وهذا يبدو جليا في مقطع من نص( مطر لا ينام) للشاعر نصير الشيخ7.

(من مزغل الحرب

كنا نحدق في المدى..

نرقب أعمارنا

وهي تحمل نعوشها

نحو أفق بعيد)ص 38

نلمس في هذا النص الشعري فاعلية تواصلية بين النص وبين المتلقي، لما للنص من مقدرة على ذلك، فهما يلتقيان تحت وطأت ثيمة الحرب، فما أفصح عنه النص من تحديق في المدى، أو ارتقاب الأعمار وهي تحمل نعوشها نحو أفق بعيد، ما هو إلا أفق لا طائل منه، فهو مثوى النعوش/ الأجساد، يتلقاها القارئ ويتفاعل معها، لينتج لنا معنى الفناء ما دامت الحرب تنتج نعوشاً/ موتاً.

أما في نص (المحطات) للشاعر حبيب السامر8.

(المحطات تبتلع وفود القادمين من مدن شتى،

تقلهم القطاراتُ

إلى حيث مرابعهم

يصلون في هدوء الفجر،

عواؤُها يشق صمت المكان

الوجوهُ الذابلةُ المنتظرةُ تحت السقائف،

وعلى الأرصفة الباردة

يشقون صفوف الأمواجِ) ص 29

إنَّ الفعل التواصلي حاضرٌ في النص الشعري، حيث أن موضوعة المحطات تلامس وجدان المتلقي، وسرّها يكمن في ملامسة الفعل اليومي، والإفصاح عنه الذي مثل اغترابا داخليا، وهذا ما وشى به النص بشطريه، (الوجوهُ الذابلةُ المنتظرةُ تحت السقائف،/ وعلى الأرصفة الباردة)، نجد أن النص الشعري تمكن من استقطاب متلقيه، عبر سرده للوفود القادمة من مدن شتى، وفعل القطارات التي تقلهم إلى حيث مرابعهم، ووصولهم في هدوء الفجر، وهذا حال فئة من الناس، أما الفئة الأخرى التي لا تنعم بالوصول، يشَّقُ هدوء مكانها عواء تلك القطارات، فهي مازالت قابعة على الأرصفة الباردة، لتنتج معنى جديدا للضياع في لجة الوطن، فليس معنى انك ترتاد المحطات بإمكانك الوصول إلى حيث ترغب، قد تُحيدك المسافات وتطويك الدروب، وتتحكم بمصيرك الأقدار، وهذا بالضبط ما أضمره النص، ودفع القارئ لاكتناه معناه.

نقرأ للشاعر كاظم مزهر9، من نصه الشعري ( أوراق طائشة)

(لا أحصي كم مرة ذهبت إلى الطبيب أشكو له ألماً في

جسمي، لكنّني

لم أذهب يوما لأخبرَه أنني حزين.) ص43

هذا النص الشعري له القدرة على جذب المتلقي لفعله التواصلي، لما طرحه من موضوعة لامست ذات المتلقي واستفزتها، موضوعة يومية يعاني منها الكثيرون، كوننا كمجتمع نصرح بعللنا العضوية، لكننا نكبت أوجاعنا الباطنية/ النفسية، وما نعانيه من الم وحسرة وحزن، لقد انتفض النص على معناه الظاهر لينتج لنا معنى عميقا، بلغة سهلة واضحة،، أمكن النص من خلالها جذب المتلقي إليه.

2- النص المفتوح، نص منتج للمعنى

ان النص المفتوح، يفسح للقارئ المجال لأداء دور أكثر فاعلية في تلقيه، لما يمتلكه من موضوعة تفاعلية تُهيئ لعلاقة مستقبلية بين القارئ والنص الأدبي، تجعله متحليا بقدرة الانفتاح على ذات المتلقي، وهذا يؤسس للغاية القرائية/ الناقدة، التي تمكن المتلقي من ملئ فراغات النص الشعري.

كما في نص (قداسٌ احمر) للشاعر ثامر سعيد10.

(صارت السماء أشد حمرةً

من الرصيف

والرصيفُ الذبيحُ أشدُّ حمرةً

من عيون ثاكلة

وعيون ثاكلة أشدُّ حمرة

من دمٍ صاعدٍ إلى السماء.) ص49

يشي النص الشعري بانفتاحية على ذات المتلقي، إذ انه غادر منطقة الأنا، مستعينا بثلاثة بنى متجاورة مرجعيا كونهن يؤدين إلى الموت، وظفن لصالح النص، مما جعل النص، نصا مفتوحا على تأويلات تنتج معان عدة، وان لا تخرج عن إطار، الذبح/ الثكل/ الدم، بحسب تراتبية النص الانف، مع إنتاج معنى للذبح جديد/ الموت، مُثل هذه المرة بالحمرة/ أشد حمرة، التي رافقت المقطع لثلاث مرات، مسبغة شدة الاحمرار/ الدم/ الذبح، هذه القسوة التي نعيشها يوميا، والتي هي خلاف اليومي المعتاد عند البشر عموما، ومع كون هذه الأحداث تمثل أحداثا محلية لكنها ببعد كوني، يأخذ معنى أوسع، وهذا ما ذهب إليه النص.

أما لو قرأنا المقطع الذي يعد مقدمة نص (سباخ....) للشاعر عبد السادة البصري11.

(وتفز العصافير من حلمها المستريب،

مرعوبةً

سبخٌ في الغصون

سبخٌ في القلوب

سبخٌ في الشجر.....

المدينة التي أرضعتنا البراءة يوم جئنا ..

أشاحت الوجه عنا

والدروب التي قاسمتنا التسكع في الأمسيات ..

بادرتنا الرحيل صوب المرافئ) ص23

نلمح انفتاحاً جلياً في النص الشعري، وقد تحق هذا الانفتاح على متلقيه من جملة المعاني التي تمكن القارئ من إنتاجها مضافا لما ذهب إليه النص الشعري من معنى، أسهمت فيه موضوعة السباخ التي وطأت الغصون والقلوب والشجر، فكيف لا تفزُّ العصافيرُ من حلمها المستريب، أو لا تشيح المدينة بوجهها عنا، أو لا تبادر الدروب بالرحيل صوب المرافئ، وكل ما حولنا أحلناه إلى سبخٍ، بدءاً من جمال الطبيعة، الغصون/ الشجر، معنى الحياة الظاهر، وصولا إلى بواطن القلوب، مؤشراً لتردي البعد الوجداني الإنساني/ الضمير/ المعنى الباطن للإنسان، الذي سبخ هو الآخر، لذا لا غرابة ان يُنفى هذا الإنسان، الذي أحال الوجود إلى أشباح، مبتعدة عن المعنى الذي وجدت من أجله، معنى تقبل الحياة، الذي يعتبر بوابة لتقبل الأشياء من حوله من طبيعة وإنسان.

وفي أول مقطع من نص (غامضة نومتُك الأخيرة) للشاعر حبيب السامر.

(المغارب قاسيةٌ

تزيحُ آخر رشفة من بياضٍ

في فنجان النهار الفارغ.

المغارب لا تفضي

إلى شفق بلون النحاس أو حدائق من أسى،

المغارب نزهةٌ بليدةٌ

في عوالم من مرايا مهشمةٍ بسذاجة أحلامنا،) ص21

نجد في النص الشعري انفتاحاً على متلقيه، فالمغارب القاسية، هي مغارب تمثل انفتاحية على الناس اجمع إذ أنها تزيح عن آخر رشفة للبياض، وهذا معنى (المغارب)، عندما يحلُّ الإنسان ضيفا ثقيلا في اغتراب ما، فالمغارب لا تفضي إلى شفق بلون النحاس، وهذه مُسلمة طبيعية تزول بزوال الغروب، وهذا ما يتسم به الجو النفسي العام لكل مغترب، وكذا يذهب النص إلى جلد هذه المغارب وتعرية حقيقتها الغامضة، حقيقة البريق الذي يفضح ستر عوالم مراياه المهشمة، ما ان نعي سذاجة أحلامنا، التي تقف في مواجهة من نوع خاص هذه المرة، مواجهة الحقيقة للوهم، مرارة الواقع المعاش قبالة التزييف له، لينتج لنا معنى المكوث تقبل الواقع ما دامت المغارب قاسية، وما هي إلا وهم أكبر مضاف لأوهامنا.

3- استجابة القارئ وتخييبه

لا شك ان استجابة القارئ تتحقق بفعل ما يتمتع به من خبرة وثقافة ومخيلة متوثبة تمكنه من اكتناه بواطن النص الشعري، فنحن ندرك ان النص ككون مؤثر وفاعل بذاته في الوجود، لا يرجو ملامسة الظاهر منه بقدر سبر أغواره واكتناه معناه، يكمن بفك شفراته التي لا تمنح نفسها لمن يسره قشور المعنى أو المعنى الطارئ، لذا نجد النص يخيب هكذا قارئ، الذي يعد ضمن توصيف القارئ العادي، الذي يأسره أول خيط للمعنى، فيمضي به إلى خيبة الحكم القبلي الذي حذرنا منه مرارا في مناسبات عدة.

ان استجابة القارئ للمعنى الذي ذهب إليه النص الشعري، هي إشارة صريحة لنجاعة التلقي، إذ أننا من دون متلقٍ/ قارئ خبير، ترتحل المعاني إلى غير رجعة، متخفية بين طيات النص الشعري، فالجدوى تكمن في تلقيه، وتحقيق الفهم الحقيقي لمعناه، والإمساك بعرى فراغاته النصية والوقوف عليها بتأويلها تأويلا يفضي إلى إنتاج معنى جديدا، وهذا ما سنؤكده بنص( مراثٍ مؤجلة) للشاعر ماجد الحسن12.

(ترتجف السماءُ وهي تتكئ على رأسه

كان عليه...

أن يتكئ على شجرٍ تعلمه رعونة الفؤوس

يبحث عن بذار يرمم به طفولته ...

في الحروب لاشيء غير حقول شظايا

الظلام يرتديه...) ص61

في المقطع الشعري نجد الانزياح حاضرا في لفظة الاتكاء، مشكلا ثنائية التقاطع، فبينما السماء المرتجفة تتكئ على رأسه، تقاطع معها هنا عدم اتكاءه على الشجر، التي تعلمه رعونة الفؤوس، وفي كلا الحالتين، لم يجلب له، قرب رأسه من السماء، أو ما توجب عليه بحسب ما صرح به النص من معنى الاتكاء، فالسماء ترتجف، والشجر معلم مضطهد من رعونة الفؤوس، لذا نرى النص عبر متلقيه يتجه إلى معنى بكر يوائم الطفولة عبر بحثه عن بذار، هو بكر أيضا، لإيمانه أن ( في الحروب لاشيء غير حقول شظايا)، وفي هذا إنتاج لمعنى الموت، ممثلا بالظلام الذي يرتديه.

وتتحقق استجابة القارئ في نص (في الريح صوتك يزدهي) للشاعر نصير الشيخ

(يوسف هناك ...

تتمرأى في سحنته الأطيارْ

قرب البئر ذئب

يرقب قميصا

قد من زمن

علقته الشهوة

شاهدة هنا ..

خطوات تمحى

لآدم .... حتى الآن) ص107

بعد قراءة متأنية للنص الشعري تتجلى شفراته من العالم الحقيقي، تأخذ أبعادها عبر مخيلة الشاعر، التي تنتج لنا صورا شعرية تعيد إلى الأذهان قصة نبي الله يوسف(ع)، إذ البئر /الذئب /القميص، كشاهد لواقعة حقيقية، الذي أنتج اقتران معنى الشهوة في قدِّ القميص و إحالته لذاك الزمن المنصرم، والتصريح بطمع أخوة يوسف في امتلاك قلب أبيهم النبي، هي ذات الشهوة التي تتملك أبناء ادم للان، لكن ليس بمعنى التنافس في تملك قلب ما بقدر شهوة عارمة لإقصاء وتهميش الآخر، وهو ابتعاد عن التملك المعنوي إلى التملك المادي، فالذئب/ كحيوان عاجز عن تحمل هكذا ذنب، كما تحمله ذئب مفترض وتقبله على مضض نبي الله يعقوب(ع) في ذاك الزمن.

وقد تتحقق استجابة القارئ للنص المُتلقى للتوافق النفسي، لما يشي به النص من انفعالات ويأس عن موضوعة الخيبة، وهذا ما يبدو جليا في نص ( الغياب)،للشاعرة ابتهال بليبل13.

(ضجيج خطواتك في مدني

عجينة دواليب المطر، فخبأته في محبرتي..

وعندما جفَّ ليله..

أحرق رسائلي ضاحكا كمهرج ملون بالخيبة. )ص37

يبرز النص الشعري ما تعانيه النفس الإنسانية من مشاعر تجعلها تُشد إلى الطبيعة فتحاكيها، وهذه المحاكاة عنوان لنزوع إنساني فطري، فالإنسان والطبيعة صنوان لا يفترقان، وما ضجيج الخطوات في المدن، إلا عجينة دواليب المطر، ما ان يجف حتى تتلاشى تلك الخطى المتوهمة، لكن من ننتظر يبقى عالقا في الذاكرة تمثل هنا في تخبئته بالمحبرة (فخبأته في محبرتي..) ستحفظ لنا وقع الخطوات، كما سيحفظ لنا الطين، ضجيج الخطوات، ولكل وحل منهما/ الحبر/ الطين،وقع بالنفس خاص به لا يمحى كمعنى الخيبة، فهي معنى ماكث أيضا.

4- الفجوة الجمالية/ أفق النص- أفق التلقي

تُعدُّ الفجوة الجمالية هي المسافة التي يلتقي عندها القارئ والنص عبر حساسية الوجدان التي يمكن من خلالها تلقي ما ينتجه النص الشعري أو ما يصرح به من جمال فني ظاهر أو جمال داخلي عبر سبر أغواره، فكلا الجمالين يصبان في بوتقة جمالية التلقي، إذ أننا نلمح تنامي أفقين هما: أفق العمل الأدبي/ الموضوع- وأفق المتلقي/ القارئ/ الذات، اللذان ما ان تقاربا جماليا، إلا أنتجا معنى جديدا، عبر ملئ فراغات النص، حيث يراعي القارئ في اكتناه المعنى مُعتمدا على حساسية الوجدان التي تمكنه من تلقي المعنى الذي أنتجه النص الأدبي جمالياً.

هذا ما نحاول الوصول إليه من خلال إجرائنا على المقطع الأول من نص ( شهقة الشك) للشاعر ماجد الحسن.

(لا أسمع من شهقة الليل ...

إلا ضجيج الخرائب،

- فكيف لي أن أحيي شهقة جسدك؟

ينزل النهار بطيئا،

وليس لهذا الخراب أفقٌ...

لأقول لكِ : تسلقي ينابيعي) ص28

نرى ان تلقي النص جماليا لا يتأتى عبر قراءة عابرة، بل يجب على القارئ التروي في القراءة ليتسنى له تلقي النص الشعري جماليا، مبتعدا عن الحكم المسبق الطارئ، وبنظرة فاحصة لعتبة النص الرئيسية العنوان، (شهقة الشك)، هي شهقة بالضد من شهقة اليقين بالطبع، فهي تسوق إلى الشك في متوالية شهقات الشطر الأول والثالث، وعلى الرغم من تكرارهما إلا أنهما لم يؤديا دلالة اللفظة، ولم توصلا إلى مؤداها، فلا يُسمع من شهقة الليل إلا ضجيج الخراب، لتكون مبررا، لنكوص شهقات جُبِل عليها الإنسان بالفطرة، بدلالة جملة، (لأقول لكِ: تسلقي ينابيعي)، أو لما صرح به جملة (- فكيف لي أن أحيي شهقة جسدك؟)، موضوعة شهقة الشك هنا، انسحبت، إلى ما قد تؤديه البنيات النصية عبر شهقاتها المكبوتة، ومع بطء نزول النهار، ولكون الخراب من دون أفق، لا يمكن التصريح بتسلق الينابيع، فهو خلاف التوجه العام للنص، الذي يبدو في موائمة تامة بين أفقي المنتج الأدبي وأفق التلقي جماليا.

أما المقطع الأخير من نص (رسائل)، للشاعر عصام كاظم جري14.

(هذا التيه

أقدامنا التي رسمت قبوها

وهذا النباح صوت الحنين

للشمس

ولا شيء سواه

علام نرمي الحجارة إذا؟

كلانا صدى المساءات

اللواتي ولدن أنيناً

في أبراج النسيان) ص50

ان موضوعة الضياع التي تمثل بؤرة تمركز المقطع الشعري الأنف، هي ذاتها محطة إلتقاء أفقين، أفق النص الذي لامس وجدان المتلقي، وأفق المتلقي الذي تلقى النص الشعري جماليا، فالصور الشعرية تنهال تباعا، في تراتبية فنية عالية المستوى، ارتقت جماليا إلى مستوى التلقي، فالتيه مثل هنا أقدام رسمت قبوها، وأن نلحظ لفظة (نباح) في غير سياق (صوت الحنين)، لذا أحدثت انكسارا في الصورة الشعرية، (وهذا النباح صوت الحنين)، حيث أن لفظة النباح، لا تنسجم مع صوت الحنين، فقد تستدعي نكوصا في تقبل المتلقي، الذي بدوره يحدثُ قطعا في التواصل التفاعلي، وبالتالي، يهيئ إلى نشوء هوة في المساحة الجمالية، لكن النص يستمر في التصاعد تدريجيا حتى يصل إلى ذروة الإبداع مرة ثانية ابتداءً من الشطر الذي يليه من لفظة ( للشمس .....في أبراج النسيان).

أما نص (مجرد اقتراح ليس إلا...) للشاعر عبد السادة البصري.

(ماذا سيصير الإنسان..

إذا تجرد عن إنسانيته،،

غير بقايا....

وبعض فتاتٍ متناثرةٍ من شرٍ

تملأ ساحات العالم

رعباً..

وتترك في الروح الحسرات) ص40

ان أفقي النص الشعري والتلقي يسيران في خط متوازٍ حتى يصلا إلى المسافة الجمالية، حيث تحلق حساسية وجدان المتلقي في أفق النص، وصولا إلى تأويل معناه، في خضم سؤال وجواب لا يخلو من الهم الإنساني اليومي، إلى ماذا يتحول الإنسان ان تجرد عن إنسانيته؟ الجواب هنا قد لايلبي ذائقة القارئ العادي، وقطعا ذات القارئ العادي لا تكتنه المعنى الذي ذهب إليه النص فقد يجيب مثلا: لاشيء، الإ أن البناء الفني للنص أفاض فعلاً تواصيلا تفاعليا أفق تلقاه القارئ الخبير، عندما أجاب: (غير بقايا..../وبعض فتاتٍ متناثرةٍ من شرٍ / تملأ ساحات العالم/ رعباً..)، لتبقى الفجوة الجمالية مساحة تقارب بين النص الشعري والمتلقي من خلال ملء فراغات النص، لما وشت به ثيمة الضياع المتحقق من بُنيات النص، البقايا/ الفتات/ الرعب/ التي تملأ الساحات، في قتل للجمال .

5- اندماج الذات مع الموضوع

ان للنص الشعري قصدية تتسم بنوع من الاستقلالية، وهذه القصدية متأتية من تأثرها بسلطة المؤلف، وما ان تتحرر منه كموضوع عند التقاءها بذات متلقٍ/ ذات باحثة عن معنى تقصده هي أيضا، ويتحقق لها ذلك في النص الأدبي/ الموضوع، نجد تمثلهما في اندماج فعلي، تتلاشى عندها قطبيتي النص و القارئ، (فالذات تبدأ في البحث عن المعنى من خلال النص وتقصده وعندما تتحقق هذه القصدية فانه لم تعد هناك ثنائية بين الذات والموضوع)15 كما يرى البولندي رومان انجاردن.

ان نظرة فاحصة لنص (نصوص لسيدة الغياب) للشاعر نصير الشيخ،

(في السماء الأخرى..

وعلى أشجارها العالية،

تهبط أسرار الحب..

وبجنبي دوما..

يغفو ظلك

وتنام شظايا الحرب) ص30

نلمح في هذا النص الشعري اندماج الذات والموضوع، بعدما تمكنا من الوصول إلى قصدية في المعنى، فما صرح به النص، أو لم يصرح به فهو ذا القصد/ المعنى، الذي ينتظره المتلقي، فالاندماج نتيجة التقاء معنى مقصود، لا حاجة بعده إلى التفريق بين الذات والموضوع، ان ما يطرحه النص الشعري من رؤى، تصبُّ في ما يختلج به وجدان المتلقي، وهذا بالضبط ما تشي به موضوعة الحرمان العاطفي، الحاصل بفعل الحرب، الذي أنتج انزياحاً قصده النص، خلق لنا عوالم متوهمة جديدة، كسماء أخرى لها أشجارها العالية تتسم بإسرار الحب الخاصة بها، توازيها حقيقة قصدية حرص المتلقي على كشف معناها، ففي الجمل النصية ( وبجنبي دوما../يغفو ظلك / وتنام شظايا الحرب)، ردم ثنائية الفاصل بين التخيل والحقيقة في النص، تتحقق باندماج الذات والموضوع، في قصدية لمعنى واحد.

أما تمهيد نص (مراث مؤجلة) للشاعر ماجد الحسن،

(*إليه حين صعد الدخانُ بخضرته

أصغي الى بكاء خضرته...

وأتحدث عن الدخان،

ففي الحروب كثيرا ما نؤجل المراثي) ص60

لا غرابة ان نشهد اندماجاً بين النص والمتلقي عبر اندماج الذات والموضوع، بعد تخلي (أنا) المؤلف عن نصه، بعد انجازه، وهذا التخلي قطعا ليس بإرادته، مادام النص بما يقوله وليس بقائله، بحسب رأي احد النقاد العرب القدماء، فللنص شخصيته المعنوية الثابتة، وهذا لا يسوغ لإعلان موت النص، بقدر تلاقي قصديتين، وهو ما يؤكد فاعلية وحيوية النص الشعري، فالجميع قارٌ بحياته، إذ ان سيمائية صعود الدخان بخضرته تشكل علامة انكسار لمعنى النضارة والخضرة والجمال، إلى تتعرض للحرق، وإعلان عن موت مبكر للإنسان جسدته أنسنة الجماد، (أصغي إلى بكاء خضرته...)، وفي هذا تعالق كبير بين الطبيعة والإنسان، لتتلاقى مرة أخرى قصدية الموضوع والذات، في بحثهما الدائم عن المعنى، الذي يفضي عن اندماجهما، ويتكرر أيضا المشهد، مجددا في حقيقة الحروب وويلاتها التي لا تنقضي أبدا، (وأتحدث عن الدخان،/ ففي الحروب كثيرا ما نؤجل المراثي)، وما معنى تأجيل المراثي إلا كون الحرب أم ولود، لا تشيخ، ولا تنجب العقر، فلا داعي للمراثي ما دام الدخان لا يعتق الأخضر حتى، فما بالك بمن يَبُسَّ من جزع.

ويشي مقطع نص (ثوب الظمأ)،للشاعر عصام كاظم جري، بما أفصح عنه المقطعين السالفين.

(دروبنا ليالي مؤنثة

تورق حكمة الراحلين

وتصنع خيانات موحشة

لك قرية وأنهار

ورعاة

ولي ظمأ غرق في سفر الماء )ص58

ان قصدية المعنى الذي اشترك في إنتاجه النص والمتلقي، يعد بوابة عريضة لاندماج الذات والموضوع، وما عدا ذلك نفور وفرقة، حقيقة ان قصدية النص، لا تأتي إلا بمتلقٍ فطن، يفهم المعنى المقصود، ويحقق كشوفاته فيه، وما توصيف الدروب بليالي مؤنثة، إلا لإلصاق سمة الحكمة للراحلين والخيانة، لليالي المؤنثة،، وهذا ما جرت عليه ثقافتنا المجتمعية وبعد ما تحقق في هذه الصورة الخيالية من معنى متضاد، قابله في الواقع معنى طابق هذا الاندماج المتكرر نصوصيا، (لك قرية وأنهار/ ورعاة/ ولي ظمأ غرق في سفر الماء)، إذن ما أحدثه النص الشعري من في المتلقي من الشعور بالخيانات الموحشة، تلاقت مع ظمأ الغرق، وبهذا اندماج للذات والموضوع، تجسد في قصدية واحدة للمعنى لا تتيح مباركة ثنائية النص والمتلقي.

5- حياة النص، موت المؤلف

ان حياة النص الشعري تكمن في تلقيه، والاهتمام بموضاعته التي يطرحها، تجعله أكثر انتشاءً وفاعليةً وتحرراً، لما يكسبه القارئ من بعث جديد لمعناه، يتجدد بحضور الفعل القرائي، فهو في أوج ألقه حينها، فحياة النص الأدبي غير مرهونة بحياة المؤلف بقدر كونها مرهونة، بما يطرحه من موضوعة تتخطى الاعتباطية والرتابة، موسومة بالفرادة والمغايرة ملبية طموح القارئ في اكتناه معنى جديد للحياة، يتسرب إلى ذاته بدينامية تفاعلية.

مقطع من نص (من هذا أعلن) للشاعر ماجد الحسن

(من هذه النافذة....

تكاد الوجوه تذبل

أترك عيني تتنزهان وحيدتين في السماء....

وحين تريان قنديلاً أسوّغ لهما اليقظة،

تماما سأحتج على الليلِ )ص82

ان النص الشعري يحيا حياتين، حياة معنى، لحظة الإبداعي الشعري، وحياة سرمدية بفعل التلقي، فكلما تلقى القارئ النص الشعري أنتج معنى جديدا، فهو في تناسل دائم مع معنى الزمن الذي يعيشه مغادرا زمن إنتاجه، فكيف له ان يتوقف عند سلطة مؤلفه، فالنافذة هنا مرآة تلقِي الوجوه عبر الزمن/ العالم، وما ترك العينين تتنزهان وحيدتين في السماء إلا تصور لكونية النص وفكاك قيده من زمن الكتابة أو سلطة المؤلف، ان النص الشعري لا يمكن تقييده بأي سلطة، حتى سلطة التلقي ذاتها، وما للمتلقي عليه إلا اكتناه المعنى، وهذا ليس من السلطة بشيء، بقدر كونه يخضع لتأويل المعنى، وهو بالأساس يخضع لاحتمالية الصواب أو الخطأ.

مقطع من نص (دمية عالقة في أسلاك شائكة) للشاعرة ابتهال بليبل،

(قلبي...

يجرُّ ملامحي عربة التعب

يستجير بالأرصفة المنهكة

وفي هذا الزحام:

لا أحد سيلاحظ ذلك الزائر الأخير

الزائر الذي...

يأتي بحثاً عن شارع قلبي...

وأبداً لا يخطى عنوانه.)ص20

ان من أسباب حياة النص تحليه بسمة الحركية والقدرة على إضفاء نوع من التواصل مع متلقيه، وهذا من أسباب حياة النص الشعري، ان موضوعة الموت/ الاغتيال/ مصادرة الحريات، موضوعة رائجة هذه الأيام، وما إعلان الموت بجر الملامح والاستجارة بالأرصفة/ الجماد، إيمانا بأن في هذا الزحام/ انشغال الناس بأحوالهم وهمومهم، (لا أحد سيلاحظ ذلك الزائر الأخير)، وهذا مما دعا إلى التصريح بانسيابية الوصول إلى الضحية، مع تحقق فعل الزحام، فالزائر لا يخطى عنوانه، وفي هذا رسالة لتلاشي عُرى التواصل بين الناس، مما تسبب بتفشي العزلة فالموت البطيء للمشاعر الإنسانية على إطلاقها، لذا تبقى هكذا نصوص حية لكونها ذات فاعلية تواصلية مع القارئ، تتيح له قدرة تأويل معناها.

مقطع من نص (لقاء أول) للشاعر عصام كاظم جري،

(عند أول عودة لي

عند أول التفاتة إلى حارس الحدود

عند أول نقطة لتفشي السر

تذكرت الحياة

والشظايا أريكة ليل) ص71

ان قدرة النص الشعري على الحضور المتجدد، ترتبط ارتباطا وثيقا بامتلاكه لغة شعرية متجددة، ومعنى طيع، بعيدا عن الإيهام والتعمية التي لا تمكن القارئ من فكِّ مغاليقه، فكيف بالوصول إلى معناه أو إنتاج معنى جديد؟ وكذلك ما يكتنز النص من عنصر المبادأة و المغايرة، التي نلمح بوادرها في أول النص الشعري، (عند أول عودة لي/ عند أول التفاتة إلى حارس الحدود)، تتجلى لنا فرادة المبادأة/ صدمة المتلقي، حاضرة في (عند أول نقطة لتفشي السر)، التي تأتي بعد حبكة سردية هيأت للعودة مرة أخرى للذات/ المتلقي، وربطه بالنص، (تذكرت الحياة/ والشظايا أريكة ليل)، وهي مغايرة، تضاف للنص، وحياة ثانية للمعنى، الذي يُنْتَجُ لمرات عدة، فما ان تذكر، راودته شظاياه، متجلية هذه المرة بأريكة، لتنتج معنى الوجع المستديم.

خاتمة

يخضع العمل الأدبي لتفاعل تواصلي من قبل المؤلف، المتلقي الأول/ المتلقي الأصيل، للنص، فهو من يتلقى بنياته النصوصية، ابتداء من أول بنية تُنجز، وهكذا تباعا إلى إتمام الفعل الإبداعي/ الكتابة، فهو بذلك يمارس التلقي والتفاعل والتأويل معاً، وبمجرد الانتهاء من فعل الكتابة وإطلاق النص حتى يصل إلى القارئ الثاني/ القارئ الفعلي/ الناقد، الذي يعيد قراءة النص، وصولا إلى المعنى الذي قصده النص، أو ينتج  معنى جديدا، يتحقق بفعل القراءة لما للنص من إمكانية دينامية/ حيوية، تمكن القارئ من الفهم والتأويل وملء الفراغات.

إذن نخلص ان المؤلف باعتباره قارئ عليم بخبايا النص، كونه الباث الفعلي له، يتحول تدريجيا بعد الانتهاء من الفعل الكتابي/ التأليف، إلى الفعل القرائي/ التلقي، بطريقة ديناميكية/ تفاعلية،، وهو انتقال من ممارسة الفعل الإبداعي إلى التواصل مع النص الشعري عبر نافذة التلقي، ويكون بهذا قد تحرر العمل الأدبي من سلطة المؤلف.

 

رحيم زاير الغانم

......................

الهوامش

1- جماليات التلقي، المجلس الأعلى للثقافة: د. سامي إسماعيل، القاهرة،ط1، 2002م، ص111

2- المستجدات النظرية في النقد المقارن: محسن جاسم الموسوي، دراسة منشورة بالمجلة العربية للثقافة العدد32، تونس، 1997، ص40

3- محسن جاسم الموسوي: المصدر نفسه، ص41

4- التلقي والسياقات الثقافية: عبد الله إبراهيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، ط1، 2000م، ص7

5- د. سامي إسماعيل: المصدر نفسه، ص30

6- د. سامي إسماعيل: المصدر نفسه، ص183

7- كأس لحياة أخرى: نصير الشيخ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2017م

8- شهرزاد تخرج من عزلتها: حبيب السامر، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2017م

9- شيء عن الغابة: كاظم مزهر، إصدارات اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة، ط1، 2017م

10- غصن يزقزق في رماد: ثامر سعيد، وراقون للنشر والتوزيع، البصرة، ط1، 2016م

11- المعني أكثر مني: عبد السادة البصري، المركز الثقافي للطباعة والنشر، ط1، 2016 م

12- أين سيهبط بنا هذا الدخان؟: ماجد الحسن، المركز الثقافي للطباعة والنشر، ط1، 2016م

13- دمية عالقة في أسلاك شائكة: ابتهال بليبل، أكد للترجمة والنشر والتوزيع، لندن القاهرة، ط1، 2013م

14- خارطة الريح: عصام كاظم جري، اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في ميسان، ط21،2015م

15- د. سامي إسماعيل: المصدر نفسه، ص31

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4537 المصادف: 2019-02-06 02:45:54


Share on Myspace