 قراءات نقدية

قراءة في رواية (جمهورية باب الخان) لعلاء مجذوب

صباح شاكر العكامباب الخان محلة من محلات مدينة كربلاء القديمة التي تعج بأسواقها وأزقتها وناسها من عرب وعجم وهنود وباكستانيون وروس وأفغان من الاغنياء والفقراء والذين يمارسون مختلف المهن من تجار وكسبة في مختلف المهن والحرف وعتالين وشقاوات ولصوص ومثقفين وعمال، فهي تحوي جميع شرائح المجتمع فتكون جمهورية مصغرة .

صدر عن دار الفؤاد للطباعة والنشر رواية (جمهورية باب الخان) للشهيد علاء مجذوب، تحتوي الرواية على (312 صفحة) من الحجم المتوسط، وتعد وثيقة تاريخية يجسد واقع محلة باب الخان أقسامها، شوارعها، أزقتها، أهلها على اختلاف طبقاتهم وأصولهم، دكاكينها وخاناتها، أسواقها التي تعج بمختلف المهن والحرف، شقاواتها وقحابها ولوطيها . كما توثق الرواية محلات كربلاء القديمة وأسواقها المحيطة بمحلة باب الخان .

الرواية تحوي على مقدمة وستة فصول، فالمقدمة وصف مفصل لمحلة باب الخان وحياة الناس فيها وهي منطقة شعبية عاجة بالحركة من الفجر وحتى ساعة متأخرة من الليل، كما تضمنت الحياة في مدينة كربلاء القديمة من أيام الدولة العثمانية وأهم معالمها التاريخية، القشلة بشرطتها وحراسها الليليين، وفترة الاحتلال البريطاني وأنشائها لبناية دائرة الكهرباء عند طرف باب الخان والتي زودت البيوت والمحلات بالكهرباء فأصبحت الحياة فيها نابضة  بالحيوية .

كما تضمنت المقدمة وصف تفصيلي لمحلة باب الخان الذي يتوسط مدينة كربلاء القديمة وخاصة سوق الفسحة فيها الذي يضم دكاكين الكسبة الذين يزاولون مختلف المهن والحرف ومقاهي ومطاعم وعربات النقل بكل أنواعها .

كان محور الرواية شخص من سكنة باب الخان اسمه (سيد عدنان) صاحب خان لبيع التمور، وله مكانة متميزة في باب الخان يرجع اليه الناس لحل الخلافات بينهم، ويقدم المساعدات لهم في أفراحهم وأحزانهم ويشاركهم فيها مشاركة فعالة .

في الفصل الأول (دفاتر بيضاء) وقد تضمن:

990 علاء مشذوب حياة دافئة: تضمن أبرز الأحداث التي حصلت في مدينة كربلاء في سبعينيات القرن الماضي، فهي توثق الحياة في سوق الفسحة الذي يتوسط باب الخان منذ الصباح الباكر، عند دخول سيد عدنان اليه على دراجته الهوائية، واستعراض أبرز الأشخاص في السوق وطبيعة عملهم، وهو توثيق مفصل للحياة اليومية في هذه المنطقة الشعبية، كما يوثق أبرز الأسواق في مدينة كربلاء القديمة من خلال جولة سيد عدنان وصديقه سيد حليم فيها .

كما تطرقت الرواية إلى واقعة الطف التي حصلت عام 61هـ  وتأثيرها على أهالي مدينة كربلاء والتي أصبحت جزءاً من واقعهم بكون الأرض التي قامت عليها مدينتهم هي في الأصل أرض المعركة .

الرواية وثقت العادات والتقاليد لمدينة كربلاء، فوثقت طقوس عاشوراء، ومراسيم تغسيل وتكفين الموتى وتشيعهم، وطقوس عيد النوروز (المسمى دخول السنة) لدى العوائل الكربلائية، ودخول أول بث تلفزيوني لمدينة كربلاء ومتابعة أهلها للبرامج التلفزيونية .

الفصل الثاني (المجزرة) وقد تضمن:

رواية أريف الأرمنية التي كانت تعمل ممرضة في أحدى مستشفيات كربلاء، وقابلة لتوليد النساء والمتزوجة من يوسف المضمد المسلم الديانة عند استدعائها من قبل سيد عدنان لتوليد امرأة  جاره وصديقه، وقد تأخرت الولادة فجلست معهم وأخذت تروي لهم تفاصيل الابادة الجماعية التي تعرض لها الأرمن على يد العساكر العثمانيون في بداية القرن العشرين ونزوحهم الجماعي إلى مدن سوريا ومدينة الموصل في العراق وكما روتها لها أمها قبل وفاتها .كما روت ما حصل في مدينة (وان) الأرمنية عندما قتل الرجال واغتصبت النساء وادخال الأطفال في مدارس خاصة لتغيير ديانتهم وتحويلهم إلى مماليك لخدمة الدولة العثمانية .

الفصل الثالث (طقوس) وقد تضمن:

طقوس رمضان في مدينة كربلاء، أوقات الصيام والافطار في رمضان، لعبة المحيبس، طبول السحور، ثم قدوم العيد والمراسيم الخاصة به . كما وثقت ذهاب الحجاج إلى مكة والمدينة، ومراسيم وصولهم بعد ادائهم مناسك الحج . وكان من ضمن الحجاج الواصلين الحاج أيوب زوج سعدية صاحبة دكان لبيع الفاكهة والتي كانت سيئة الخلق، سليطة اللسان، وكان لها أربعة أولاد وبنت واحدة علقت في رأس أحد الشباب بعد أن كان دوره الرابع عليها، وقد أجبر على الزواج منها من قبل قاضي المحكمة، وقد أنجبت له البنين والبنات .

كما وثقت الطقوس العاشورائية خلال شهري محرم وصفر لاستذكار واقعة الطف واستشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وآل بيته وسبي عياله، ومن أبرز طقوسها ركضة طوريج في اليوم العاشر من محرم وزيارة الأربعين في يوم العشرين من شهر صفر .

الفصل الرابع (تجدد القصص) وقد تضمن:

تهجير العوائل الكربلائية من التبعية الايرانية وهم أما ايرانيين جاءوا لزيارة العتبات المقدسة واستوطنوا في كربلاء، أو عراقيون سجلوا أنفسهم كتبعية ايرانية للتخلص من الخدمة العسكرية أيام الدولة العثمانية، أو من العرب المتزوجين فارسيات أو الفرس المتزوجين من عراقيات . وقد وثقت الرواية تسفير بعض العوائل وما تعرضوا له من انتهاكات بإخراجهم من بيوتهم ونقلهم بحافلات ورميهم بالعراء امام الحدود الإيرانية بدون السماح لهم بأخذ أموالهم ومقتنياتهم الذهبية ومصادرة أثاث بيوتهم وأموالهم وعقاراتهم واحتجاز أبنائهم من الشباب ومن ثم اعدامهم . 

كما استعرضت الرواية أحداث مايس غام 1941م، عندما أستولى رشيد عالي الكيلاني مع الضباط الأربعة على السلطة في بغداد وهروب الوصي عبد الاله ونوري السعيد إلى خارج العراق، ثم احتلال بغداد من قبل القوات البريطانية وارجاع عبد الاله ونوري السعيد، وما أعقب ذلك القتل والفرهود الذي طال اليهود في بغداد .

الفصل الخامس (رياح شرقية ) وقد تضمن:

ذهب سيد عدنان إلى مقهى (عباس منسي) التي كانت ملتقى المثقفين والسياسيين والوجهاء والعمال والكسبة لغرض الاتفاق مع صاحب العبد (أبو طرب) صاحب فرقة موسيقية شعبية لإحياء احتفالية طهور أبن جاره، وقد وثقت الرواية طقوس الطهور التي كانت تقام في ذلك الزمان . كان في المقهى مجموعة من الشباب ومنهم الشاب (منتصر جبر) ذلك المثقف الذي ينتمي إلى عائلة شيوعية بكل أفرادها، وقد دار نقاش بين الشباب حول الدين وما ورد من تناقض في القرآن الكريم وكانت الأسئلة توجه إلى منتصر مباشرةً فيقوم بالرد عليها والذي لا يخلو من الحاد . بدأ النقاش عندما وجه أحد الشباب سؤال إلى منتصر عن فكرة الموت وعالم البرزخ، وكان منتصر يجيب عن أسئلة الشباب ومما قاله:" التراث الديني وفقهه ما يعجز العقل عن استيعاب الكثير مما يطرحه " . ورد عن سؤال لأحد الشباب عن الفرق بين الكُتاب في الغرب وفي الشرق فأجاب " كُتاب الغرب متصالحون مع أنفسهم يكتبون ما يعتقدون، ويعتقدون ما يكتبون بسبب وجود قانون يحميهم، بينما كُتاب الشرق يكتب أغلبهم بزيف كبير دون الاعتقاد به بسبب الخوف وغياب الحرية وضعف الوعي" . وقد ضرب أقوال لعدد من الفلاسفة منهم ستاندال وفريدريك نيتشة وعبد الرحمن بدوي والتي كانت الحادية ورفضهم فكرة الدين . سخن الحديث بين الشباب إلى نقاش وصياح وتبادل الشتائم حتى وصل إلى الاشتباك بالأيدي .

الفصل السادس (الرحلات) والذي تضمن:

رحلة السيد عدنان والسيد حليم مع عائلتيهما إلى قضاء عين التمر وناحية شثاثا، وفيها وصف لبحيرة الرزازة وللطريق الرابط بين كربلاء وعين التمر وفيها وصف لبقايا أقدم كنيسة في العراق قبل الإسلام التي تزخر جدرانها برسوم مختلفة للصليب وقبور رهبانها . وكان مرورهم بقصر الأخيضر الذي كان قلعة صفراء وحصناً مربع أو مستطيل الشكل وفيه فتحات للحراسة يقف فيها الجنود، وعند وصولهم إلى عين التمر قضوا فيه بقية النهار، وعند مغيب الشمس توجهوا إلى أحمد بن هاشم وقضوا الليل فيه .

كما تروي الرواية قصة بيت جليلة شماعية بائعة التمر والخضروات واللبن وزوجها غيض الأعور بائع الثلج في سوق الفسحة، تتكون عائلتهم من أربعة شبان وثلاث بنات وهي عائلة مجنونة بكل تصرفاتها وموسومة بالخبل بين الناس، فأحد أبنائها أمتهن السرقة فكان مصيره السجن، تزوجت أحدى بناتها بينما البنتان الأخريان فقد انحرفتا عن الطريق القويم مما أدى إلى انتحار أخوهما الثالث حرقاً والذي كان بطل المحافظة بالمصارعة .

أخبر منتصر سيد عدنان أن حرباً قادمة بين العراق وإيران مستنداً على بعض الأحداث التي حصلت بين البلدين منذ عام 1975م على أثر توقيع اتفاقية الجزائر بين البلدين وتم بموجبها تقاسم السيادة على شط العرب بين العراق وإيران مقابل أيقاف إيران الدعم للحركة الكردية في شمال العراق، والتي ولدت تخوفاً كبيراً منها لسيد عدنان.

بعد الثورة الإيرانية التي قدها الخميني وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ورفعها شعار تصدير الثورة الإسلامية وان استرجاع القدس يتم عبر بغداد، وبغداد تريد أسقاط دولة الفرس الإسلامية، وبسبب ألغاء بغداد لاتفاقية الجزائر حصلت خروقات متبادلة عبر الحدود بين البلدين، كل تلك المسببات  أشعلت أوار الحرب بين البلدين . لقد أعلن العراق بدء الحرب واستدعاء عدة مواليد لخدمة الاحتياط لكي تكون حطباً للحرب الملعونة التي أستمرت ثمان سنوات سقط فيها من البلدين مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمعوقين والأسرى ويُتِمَ فيها ملايين الأطفال ورُملت الآلاف من النساء وحرقت الحرث والنسل .

ختاماً أقول ان رواية جمهورية باب الخان تعد وثيقة تاريخية لمدينة كربلاء القديمة التي أنشأت على الأرض التي دارت عليها معركة الطف عام 61هـ، فقد وثقت محلاتها، أسواقها، سكانها، أبرز الأحداث التي حصلت فيها، الطقوس التي تمارس بها سواء كانت خلال شهري محرم وصفر أو في شهر رمضان، كما وثقت محلة باب الخان، شوارعها، أزقتها، أسواقها، أبرز أشخاصها والمهن التي يمارسونها، فهي خليط من مختلف الفئات الاجتماعية والطبقية، ففيها المثقفون والتجار والعمال والبقالون والحمالون والشقاوات واللصوص وجميع المهن لذا أطلق عليها المؤلف (جمهورية) . لقد وثق المؤلف أهم الأحداث التي حصلت في أواخر سبعينيات القرن الماضي وهي تسلم صدام حسين رئاسة الجمهورية وارتكابه مجزرة لرفاقه بالحزب وتهجير العوائل من التبعية الإيرانية ونشوب الحرب العراقية الإيرانية . ومما يلفت النظر ما ورد عن (منتصر) من أفكار لا تخلو من الالحاد لنقده الفكر الديني مستنداً على العقل والمنطق، والتي قد تكون مطابقة لأفكار مؤلف الرواية التي اغتيل على يد القوى الظلامية .          

 

صباح شاكر العكام

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4678 المصادف: 2019-06-27 02:05:23


Share on Myspace