 قراءات نقدية

قراءة في رواية: من أنت إيها الملاك؟ للكاتب إبراهيم الكوني

حيدر عبدالرضاأسطرة وثيقة الميلاد وأسطورة التصوف الصحراوي

توطئة: تتمحور آليات الحكي السردي في فضاء موضوعة ورؤية ودلالة رواية (من أنت إيها الملاك؟) للكاتب العربي الكبير الأستاذ إبراهيم الكوني، ضمن أفق إشتغالية تقانة الترميز والرمز والتورية، دخولا إلى ذلك المنحى الأولى من كشوفية حكاية علاقة هي من فقد هوية انتمائه إلى ذلك الجنس من تفاصيل روح المواطنة وحقوق مرتكزات دال التوطين للفرد داخل حيز سجلات تدوين وثيقة الميلاد لوليد ذلك المواطن المدعو ب(مسي) . الروائي إبراهيم الكوني أراد من وراء القيمة الدلالية الموصوفة لروايته، الكشف عن مدى التفارقية الساحقة ما بين من هم يسكنون الصحراء وبين سكان أهل المدينة، وكيفية صعوبة استيعاب جملة العاملين في تلك الدائرة، احتواء وتفهم طبيعة أسماء وأوضاع أولاد الأسلاف من رحم الأم الصحراء، وعن طبيعة مرحلة الفرد في مكونات المدينة وأحوالها . إن الإشكالية الكبرى في دلالات وفكرة هذه الرواية، تكمن في افتقاد المواطن مسي إلى سبل تدوين وإخراج وثيقة الميلاد لعمر وليده ـ يوجرتن ـ وتكمن صعوبة حالة إخراج تلك الوثيقة من رحم دائرة الاحوال المدنية، بالموقف المحرج في مسمى هذا الأسم الذي لا ينتمي بدوره إلى قائمة شروط الأسماء المنزلة والمنصوص عليها من قبل لائحة الدائرة التسجيلية . وعلى هذا الأساس يبقى المواطن مسي في دوامة زمنية ومكانية ونفسية غاية في التضخيم الإشكالي والاعتباري، حيث تكمن مصدر المشكلة في كيفية إقناع وترويض العاملين مبنى الدائرة بتسجيل أسم الوليد في شهادة الميلاد الخاصة به، وهذا الأمر ما يدفع الشخصية إلى خلق أعظم المبررات الاقناعية والتبريرية بشرعية هذا الأسم، خاصة وأنه المعني في لائحة دستور الأسلاف ب (بطل الأبطال) ولكن محاولات الشخصية مسي، أخذت في إدراج الإخفاق والانتظار عمرا طويلا، سلخها جالسا أو واقفا في صفوف طوابير الترقب والتوسل والأمل والخيبة المؤكدة .

ـ جدلية شهادة الميلاد وحجب مخلوقات التسجيل المدني .

تنقلنا أحداث مشاهد النص الأولية، المتمثلة بدلالة مراجعة الشخصية مسي لدى دائرة التسجيل المدني، فهو دوما أمام نافذة الموظف المدني في أول مراجعة له بدءا، لغرض تسجيل وإخراج لوليده وثيقة الميلاد: (وضع مسي شهادة الولادة أمام موظف السجل المدني، وقال: ـ يوجرتن؟ حدجه الموظف بإستفهام، فأضاف: يوجرتن ! أسم المولود يوجرتن ! أنحنى موظف السجل على القرطاس المتوج بشعار مستشفى الولادة، قبل أن يستنكر: يوجرتن ؟! أجاب مسي بغمغمة مبهمة، وليبدو أن موظف السجل المدني قرأ في الجواب استهتارا بالأعراف أو إستهانة بهيبة الدولة . / ص17 الرواية) هكذا بدءا نستطيع إلماح الفجوة الحاصلة ما بين نمو إشكالية غرائبية الاسم من قبل موظف السجل، وتلك المتعلقات الدلالية المعمقة لمحمول هذا الأسم من قبل الشخصية مسي، خاصة وأن مدلول هذا الأسم يحفر في ذاكرة مسي ذلك الحيز الزمني الساحر من التأطير والتكوين المقدس لمرجعية الكائن الصحراوي في كل مواطن حياته، فما كان من موقف موظف السجل سوى التهويل والشجب ومعاينة غرائبية هذا الأسم، على محمل من محامل الرفض والشكوكية المريبة: (ما معنى يوجرتن ؟ برطم مسي بلهجة كالاستكبار: ـ أسم ! الجواب لم يقنع موظف السجل، لأن سيماء الوعيد في عينيه تحولت إيماء كالاشمئزاز، فأوضح مسي: ـ يوجرتن أسم ككل الأسماء ! . / ص17 الرواية) .

1 ـ الفضاء المكاني بين كوابيس المسمى وأصفاد الانتظار:

عالجت الرواية موضع بحثنا، مرحلة سياسية غريبة من قانون الدولة الليبية، والذي ينص في فقراته عزل سكان المدينة عن أهل الصحراء، كما والعمل بقانون التمييز بنزع حقوق ممن كانوا يسكنون في بلدان خارج الوطن في ظروفه العصيبة، إي قبل عملية اكتشاف النفط في صحراء ليبية، فهذه الدائرة المدنية في الرواية مثالا، كانت توطن مواطني دولة ليبيا إلى من لم يغادروا البلاد تماما، حتى وفي أرذل وأحلك مراح انتكاستها الاقتصادية الكبرى . أراد الكوني تدوين مواقف وحالات دولة ليبيا التي تعود إلى ما قبل اكتشاف النفط وما بعد ظهور ذلك النفط، كحقيقة قد أضافت إلى نظام البلاد كل الجور والإحتكام والاستكبار إلى قوانين خاصة من اعتناق الاحتكارية والعرقية والأغلبية المتمايزة، لذا فإنه أراد في دلالات روايته هذه، العرض لأهم صور غرائبية وتميزية واقع ضحية المواطن مسي، داخل طابور دائرة التسجيل المدني، فضلا عن هذا تخبرنا أحداث الرواية، عن مدى نفاد صبر الشخصية مسي، الذي كان يحاول أن يتظاهر بالصبر والتصبر إزاء تساؤلات ومطاردات نظرات موظف التسجيل: (ـ لم أسمع بأسم كهذا من قبل ! هنا أضاف الشقي مسي خطيئة أخرى إلى خطاياه الأخرى عندما أباح لنفسه أن يقول بلهجة الشتم منها موظف السجل نبرة إستخفاف: ـ الجهل بالشيء لا يعني عدم وجود الشيء ! سدد إليه الرجل نظرة أمتزج فيها الاستنكار بالاحتقار، ثم كز على أسنانه قبل أن يتساءل: ـ ماذا تعني . / ص19 .ص20 الرواية) .

2 ـ منظور تماثل التبئير:

تبدو عملية السرد في أولى فقرات الرواية، قد بدأت ضمن مستوى خاص من الحوارية الواقعة ما بين الشخصية مسي وموظف السجل المدني، وهذا التدرج في نمو الحوار ضدا، راح ينمي عكسية التعامل ما بين موقع الشخصية وتلك العصبة الملثمة بأقنعة التمييز والعرقية المخصوصة . ومن خلال نقطة الحوار تتبين لنا علامات الإشكالية تمييزا من داخل بنية الأحداث السردية تبئيرا، فمن خلال الشخصية مسي نعاين موجهات الناظم الداخلي كمبئر ومبأر في آن، حيث يجد المتلقي ذاته إزاء رؤية ذلك الناظم الشاهدي ـ الراوي، وهو يديم جوانية الحكي بين فقرة وأخرى، ولكن رغم خفوت (صوت الراوي) في مسار أحداث النص، غير أننا نعاين انطباعاته وتأملاته في شأن علاقات منظور التبئير السردي، استكمالا لحوادث قيام الشخصية في الإدلاء بوجهة أو الكلام جدلا مع قرينه في الانتظار عند طابور السجل المدني: (تنحى الساعي جانبا .. دار حول أريكة الخشب، حتى أدرك الجدار، أسند ظهره إلى الحائط ليقول: ـ لا يجب أن يدهشك قولي إذا قلت أن الملل هو آفة هذه الدائرة ـ الملل؟ بلى الملل داء ينهش قلب كل مخلوق تراه وراء هذا الحاجز، فلا يجد الأشقياء لمداواته ترياقا سوى الإيقاع بالضحايا: ـ الغريب أن يسود هذا الوباء في دائرة تستخرج شهادات الميلاد للأحياء، ويغيب في الدائرة المجاورة المخولة بإستخراج شهادات الوفاة ! . / ص31 الرواية) ويظهر في أحداث منظور التبئير علاقات ذلك الشخص العاملي في سياق من (الفاعل الذاتي ـ المتكلم) مما يجعله أحيانا مبئرا ساردا ينوب عن وظيفة الراوي، بمعناه الزمني والوظيفي المرتب وفق موقعه الشخوصي النسبي في السرد، ومن خلال هذه الوظيفة البرانية نلمس حوارات وتأملات من (الحكي الجواني) وبمقتضى ممارسة الشخصية في بث هواجسها الاستيطانية إلى جهة موازية لها في مستوى التبئير، كما الحال في هذه الفقرات: (تطلع إليه مسي بفضول ولكن سيماء الرجل ظلت صارمة، قال: بلى ! هذه رسالة تقول أن الشقوة تبدأ بشهادة ميلاد، ولكن الخلاص في شهادة الوفاة ! . / ص31) .

3 ـ الراوي الخارجي وتقانة التبئير من الخارج:

قلنا سابقا أن وظيفة (صوت الراوي) في أحداث التبئير الروائي، تبدو أقرب إلى علاقة المسافة الفاصلة بين راوي وبين عالمه المروي، وهذه العلاقة الفاصلة تحكمها إلتفاتات ذات تعليقات إشارية أو إحالية في مجرى تحاور الشخوص أو مواقفهم، تكون كما أوضحنا سلفا محفزات التبئير الخارجي، أكثر تعاملا وحدود معرفة الراوي، وليس للراوي في أحداث النص، أية علاقة داخلية في مستوى أفكار وأحاسيس الشخوص . تحديدا تعتمد وظيفة الراوي على ما يدركه من أفعال المشاهد وأفعال الشخوص في الأماكن البينة من قنوات الفعل الخارجي لها: (ساد سكون انتهكته جعجعة المواطنين المنهمكين في محاورة الموظفين، أو تبادل عبارات شكوى فيما بينهم، أو مخاطبة أنفسهم بألفاظ تعبر عن تذمر تفلت منهم رغما عنهم، قال مسي: لا تظن أنك أقنعتني على رغم ذلك ! أنت واهم إذا كنت تظن أني أريد أن أقنع بهذه القناعة أحدا . كل ما أردت أن أقوله لك هو قدرة أخيار هؤلاء على أن يمدوا لك يد العون ! قال مسي بلهجة يأس: لا أرى ظلا لإخيار في هذا المحفل ؟ . / ص35) على هذا النوع من المنحى وجدنا أفعال الراوي في أحداث الرواية، يشكل بذاته علامة شاهدية خاصة، وفي أكثر الأحيان لا تتعدى هذه العلامة وظيفة طابعية المتكلم على هامش تواصل الأحداث والحوارات في الرواية .كما سنلاحظ من هنا هيمنة الحوار الداخلي على مساحة مقام صوت الراوي، وفي إطار من الزمنية الخطية المتوحدة في تتابعية الأحداث الروائية اللاحقة .

ـ الأسماء المنزلة وزبانية أشباح رجال المحفل.

من خلال رؤية الحكي في تمفصلات مواضع الرواية، نلاحظ ذلك الإسراف الذي وظفه الكوني في محددات مكانية وزمنية دائرة التسجيل المدني، ولدرجة وصول الأمر بما عاد يوهمنا بأن العاملين داخل حجرها، ما هم إلا مرموزات لمحاور السلطة الجائرة في البلاد، كما أننا قد يتبين لنا بأن الكوني قد أراد من وراء تلك الزبانية المتمثلة في شخوص دائرة التسجيل والقامعة لحقوق المواطن الصحراوي في تسجيل مسميات ولادات أبنائهم، ما هي إلا تلك السلطة بصيغة لسان العام من قوانين ودستور الدولة، أي بمعنى ما من جهتنا نفترض جزفا، إن تلك الدائرة صورة للدولة بذاتها، أما الناس المراجعين لقضاء شؤونهم فيها، هم عامة الشعب، ولكن هذا الإفتراض منا، قد لا يكون راجحا خصوصا وأن الأحداث المقبلة في الرواية، تخبرنا بأسرار غريبة حول دستور هذه الدائرة في وجودها الكياني المستقل عن باقي دوائر الدولة الأخرى، فعلى سبيل المثال، تخبرنا أحداث الرواية على لسان حال الشخصية المسمى ب (الساعي) بمثال هذا القول: (في تلك الدواليب تنام قائمة الأسماء المنزلة، قائمة بالأسماء السرية، قائمة بالأسماء الربوبية كما يسمونها، فإذا لم يرد فيها أسم الوليد المزمع تسجيله خضع رب الوليد للمساءلة . / ص38 الرواية) وبهذا الحجم من الغرائبية نتعرف على قوانين سوداوية ووحشية وهستيرية محافل دائرة التسجيل، وعلى النحو الذي يجعل منها على حال لسان ذلك الشخصية الساعي وصفا، وكأنها كينونة جحيمية من شأنها محسوبية معايير الأسماء المنصوص عليها من جهة عليا تتعدى الحدود الدنيوية جدلا .

1ـ العاملية الوظيفية في محفل الزبانية:

تعرفنا أحداث الرواية، على جملة من المكونات النادرة في شخوص زبانية ذلك المحفل من الدائرة، حيث نعلم من خلال ذلك الحوار الدائر بين الشخصية مسي وشخصية الساعي، بأن أصحاب الزبانية أولئك، قد يتم تغييرهم وغيابهم عن المكان بمجرد ارتكابهم تلك الآثام المنصوص عليها من قبل أرباب تلك الغرف المظلمة من غبار تسجيل وتدقيق تلك الأسماء المنزلة: (أقترفوا آثاما ؟ إذا ارتكبوا أخطاء، كما تقولون في لغتكم، هنا يسمون ارتكاب الأخطاء آثاما لأن الخطأ قد يغفر، ولكن الأثم في معجم هذا المكان هو ما لا يغتفر ! . / ص39) وقد يوحي الأحساس بهذا الأثم لدى القارىء إلى حالة استيعابية من فهم صوفية ما عائدة بطبيعتها إلى مرجعية شرعية ما، ولكننا بعد التقدم في متابعة مستحدثات السرد، نكتشف أن أحكام هذه الآثام، قد زرعتها السلطة الحتمية من قبل رؤساء هذا المحفل، بشرائط هي بعيدة كل البعد عن الله والناموس الديني . أردنا أن نقول بأن إبراهيم الكوني كان يتقصد بهذا المحفل، ثمة دلالات معارضة وانتقادية للرموز السياسية للنظام الحكومي أولا وأخيرا، اعتمادا على فكرة ذلك الزمن الجبار لدى مصدر تلك السلطة الباطشة في البلاد قهرا . ولكن الغريب في أمر أحداث ودلالات الرواية، هو أن موضوعتها تتحدث أخيرا بإمتيازية التفاعل الشخوصي مع بيئة الصحراء بعيدا عن التصادم مع لغة السلطة، بل إنها تكشف لنا أخيرا عن قتل الشخصية مسي لولده لأنه كان طرفا في صفقة تهريب الحجر المقدس من الصحراء إلى خارج البلاد: (في ذلك اليوم حدث الأب مسي خليفة عهده يوجرتن، كيف كانت القبائل تنحر قربانا في أزمنة المحنة، ثم تذهب لتستجير بالحجر بدهن الصلد بشحم القربان، فلا تلبث البلية أن تنقشع .. لكن الأب اكتأب فجأة وهو ينهي روايته للأبن قائلا إن البلاء سيعم، والصحراء لم تعود في ذلك اليوم الذي سيقع فيه الحجر المقدس في يد الدخلاء . / ص173 الرواية) الحقيقة أن الحجر قد وقع فعلا في يد الدخلاء قد صدقت نبوءة الشخصية مسي، في ذلك اليوم الذي أبرم فيه الشخصية المحتال ـ الباي ـ اتفاقا بإعادة أسم الوالد المفقود وأسم الأبن في سجل محفل دائرة الأحوال المدنية، شريطة عمله مع فريقه التنقيبي عن النفط في عمق الصحراء ولكن الأمر لم يكن تنقيبا مزعوما عن النفط، بل أنه كانا بحثا عن ذلك الحجر المقدس الذي تم العثور عليه بمساعدة وإرشاد ولده يوجرتن، خيانة لوالده وإلى ناموس الدستور الصحراوي الخاص بالأسلاف القدامى .

ـ الصوفية الصحراوية وطقوس القربان الأسطوري .

إن الخطاب الروائي في دلالات رواية (من أنت إيها الملاك ؟) تساعدنا على فهم مرجعية صوفية الانسان المتصحر وعلاقته الاسطورية بالأم الصحراء، وصولا منها إلى فهم ذلك المعنى المضمر في مغاليق حكاية دائرة التسجيل، وأسباب رفضها إلى تدوين أسما لولد الشخصية مسي في سجلاتها، بل وحتى الشخصية مسي نفسه غدا بلا هوية مواطنة في مرابع هذه المدينة وسجلاتها السوداوية . تخبرنا الرواية بأن مسي، هو من أولاد أسلاف الصحراء سابقا، لذا يحضر عليه ضمن التشريع القانوني في دائرة الأحوال المدنية، إخراج بطاقة مدنية له ولولده، كونهما ليسا من سكان المدينة أصلا: (لو كانت هذه المدينة تعترف بك، ما بخلت عليك بالأسم !: ـ ولكني أبن هذه المدينة يا أبت، ولم أكن يوما أبن صحراء !: ـ بل أنت أبن صحراء شئت أم أبيت، لأن الدم الذي يجري في عروقك دم صحراء مهما أنكرته ! / ص200) تتبين لنا مسافة وحجم الفجوة ما بين الوالد وأبنه، في مشروع كل منهما، وعلى تفاوت رغبة الأثنان، تضعنا المحاور الروائية على حافة خطيرة من المفارقة الكبرى، فقد باع الأبن حجر الصحراء المقدس مع عصبة فريق الباي وكيل الشركة للتنقيب المزيفة، وقد تم تهريب هذا الحجر خارج البلاد، فقد أستغفل الابن طموحات وزهد الأب بصوفية عشقه بهذا الحجر وبأسلافه القدامى في الصحراء، وعندما علم الأب مسي بهذا الأمر، قرر مغادرة المدينة مهاجرا إلى عمق منبعه الصحراوي بعيدا، بعد أن قام بنحر ولده قربانا لملكوت آلهة الصحراء: (أستل صاحب الاغتراب نصل المدية المثبت في ذراعه في اللحظة التي بدأ فيها الإله المسربل بالدم يتوارى تلبية لنداء ناموسه الخالد . لوح الأب بالمدية في الفراغ، فأغتسل النصل النهم بشعاع الدم قبل أن يستقر في النحر .. أستقر النصل المغسول بروح الإله الأبدي في نحر السليل فخر الأبن أرضا أنبثق الدم غزيرا من النحر ليسيل عبر الحضيض، تسلله عبر الأرض الضمأى يروي شجرة الرتم، فحشرجت الضحية . / ص254) .

ـ تعليق القراءة:

هكذا ختاما يمنح (إبراهيم الكوني) إلى آلهة الصحراء موطن أسلافه القدامى ، الخصوصية القرابانية في منظومة خصائص أنشودته الصحراوية الكونية المشدودة إلى استقلالية الأنا المتوحدة في صوفية ابعاد المكان والزمن وفي ضمير أسطورة الصحراء الكبرى .. في الحقيقة حاولنا في دراستنا هذه الربط ما بين علاقات وحدات النص، وصولا منها إلى ذروة الكون الروائي لدى الكبير إبراهيم الكوني، وإذا ما تفحصنا البنيات الدلالية في حكاية الرواية، لوجدنا مادتها السردية توحي لنا بالضد من السلطات والرموز السياسية، اقترابا كاشفا نحو أسطرة وثيقة الميلاد بمواجهة قربان أسطورة الأبدية الصحراوية في مضمر قلبها المحفوف بأسرار ذاتية رحلة الأنا الصوفية نحو ملكوت معبودها الأوحد .

 

حيدر عبد الرضا

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة.
اطلعت على هذه القراءة و قبلها قراءة عن الشاعرة ذكرى لعيبي. من الواضح ان مفاتيح الاستاذ الناقد من ضمن النص. و هذا اتجاه موضوعي و علماني )ان صحت التسمية(.
ابراهيم الكوني هو من استطاع قراءة الصحراء بطبيعتها المحايدة و مخاطرها الكثيرة. و قبله ابراهيم الفقيه كتب ملحمة عن الصحراء الليبية نشرتها دار الهلال بعنوان فئران من غير جحور.
شكرا لهذه الفرصة..

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا دكتور صالح كما تفضلت من خلال تجربة إبراهيم الكوني تعرفنا على حقائق دلالية كبيرة ومؤثرة في شأن دليل الصحراء، حتى صرنا نجدها وكأنها جنات فردوسية لا نظير لها في الطهر والزهد في لغتها الكبرى، شاكرااا لمرورك البهي دكتور فرصة طيبة.

حيدر عبدالرضا
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5148 المصادف: 2020-10-09 02:55:37


Share on Myspace