 قراءات نقدية

قراءة في قصيدة: أأطلق الحرف؟

فطنة بن ضاليللشاعرة سفانة شتات بنت ابن الشاطىء

كل تجربة أدبية إبداعية هي عصارة جهد، تعبر عن رؤية صاحبها؛ أفكاره ومواقفه، ولغته، وأسلوبه،ومدى وعيه بالظروف المحيطة به.

قصيدة أأطلق الحرف؟، قصيدة غنائية بامتياز عبرت فيها الشاعرة عن مشاعرها حيث استبطنت فيها حالتها النفسية في علاقتها بالشعر، وأبدت موقفها، مما يجري في الواقع، ذلك الواقع المرفوض، كمؤثر خارجي، ساعية ومتسائلة عن تجاوزه إلى مستقبل مأمول.

سنقارب النص، من حيث المعنى، ومن حيث الصورة الفنية، ومن حيث الصورة الإيقاعية. يعبر النص عن حالتين واقعتين، الحالة الأولى تأسف الشاعرة  فيها  على واقع الأمة العربية وما خلفه على نفسيتها من حزن، و الثانية تربط فيها  ذلك الأثر بتجربتها الشعرية الفنية معبرة عن اهتمامها بقضايا الساعة حالمة وآملة في واقع آخر . تبدأ بمطلع مشوق جدا تجعل حزنها وهمومها بؤرة التعبير بقولها " كسيرة القلب "، واصفة حزنها وتَعَبَها نتيجة تقلبات الزمن واختلاط الأصوات، في ضجيج وصخب، وتختم متسائلة عن عودة البراءة والروح للعرب (وهل تحيي براءتنا ...وتعيد الروح للعرب)؛ فالبراءة تحيل إلى القيم النبيلة، والروح تأكيد لها ودلالة على الحياة الكريمة.

وبين المطلع والختام سبرت الشاعرة غور مشاعرها تغوص فيها مبينة مدى التأثير الذي تحدثه هذه السلوكات المرفوضة، وهي سلوكات متعددة مثلت لها ب (تحريف الكلم، زيف المعاني، الزمن الممهور بالكذب)، واقع مزيف تبدي الشاعرة موقفها منه، فهولا يمت بصلة لاستعمال العقل والتأني والحصافة والحكمة . وتربط  تأثرها وغضبها ورفضها لهذا الواقع بتجربتها الشعرية التي يكتنفها التيه بحثا عن المعنى، فهي الأخرى  ترفض الغضب والفرقة والشتات والخصام، تقول: (أغوص في مهج الأفكار حالمة، ندهت الصبح ...فلم يجب ) مستدعية على مستوى الحلم بارقة الأمل التي تجعلها تطلق أشرعة  ليالي الوصل و المحبة ونبذ الخلافات وما يتبعها من صخب، مستغلة في ذلك تقنية  استرجاع  الذكريات  متسائلة في جملة العنوان " أأطلق الحرف؟"،  باعتبارها  عتبة نصية  مأخوذة  من النص فهي جزء من القصيدة، سيرا على نهج القدماء في تسمية القصائد بمطالعها أو بأحد أبياتها، وهنا هي جملة من صدر بيت.  ثم تختم كما بدأت  باستفهام (فهل تجيء المواسم الصادقة  ..وهل تحيي  براءتنا... وتعيد الروح للعرب) ..، وذلك يعطي النص تلاحما وتماسكا تاما، وهكذا، زاوجت الشاعرة في أساليب النص بين أسلوبي الإنشاء والخبر، مما يستميل المتلقي ويوسع أفق انتظاره . لقد استعملت  للدلالة على تلك المعاني العميقة  أفعالا مضارعة؛ (تعب،  يرغي، تستحث، تهيم، ترفض، ننتشي...)  دلالة على  واقع الحال، أكسبت النص حركية، لأن المضارع يدل على الحاضر والمستقبل، الحاضر الذي يغضب الشاعرة، والمستقبل المتجاوز له، وهو المأمول، والمرجو في قولها: (عل الحرف يحملني إلى ذراع السنا) . و زاد استعمال الاستفهام المتكرر وصيغه المختلفة الأفق اتساعا نظرا لانفتاحه على التأويل بين التساؤل الحقيقي والانكاري، موظفة معنى من معاني القرآن الكريم (تحرف الكلم) من قوله  تعالى في سورة النساء الآية 46 (يحرفون الكلم). مما يدل على ثقافة الشاعرة الرصينة. التي مكنتها من التعبير عن المعاني العميقة بلغة فصيحة منتقية ألفاظها ومعجمها، فهي ألفاظ موحية، وثيقة الصلة بالوجدان، ذات دلالة نفسية شعورية .

أما من حيث الصور الفنية فإن القصيدة تتكئ على الانزياح والمجاز لتخلق الشاعرة عالمها الخاص، المعبر عن رؤياها الشعرية، وقد وظفت في القصيدة صورا مجازية و استعارية، تحيل إلى الخيال الخصب الخلاق عند الشاعرة، عبرت بالمجاز في قولها: (في الخصام... أمانينا .... تدق باب حروف العطف في دأب) حيث أسندت الفعل إلى (الأماني) كما جعلت لحروف العطف بابا للدلالة على كثرة ولوج باب الخصام وتواليه كما تعطف حروف العطف الحدث عن الآخر، صورة مركبة تدل على الجمع والترتيب المؤدي إلى تفاقم الخصام، تصوير دقيق جدا للمعنى، كما تنتظم النص صور استعارية من بدايته إلى نهايته، منها قولها : (تعبني شفة الأحزان) إذ شبهت نفسها بالماء تشربها الأحزان، تعميق مدى اجتياح الأحزان لنفسية الشاعرة، وهكذا فالقصيدة حبلى بالصور الجميلة الواصفة وصفا دقيقا، و المعبرة عن معان عميقة، نجد مثلا: (تهيم في مقلتي الأشعار)، (تذبح النور)، (أغوص في مهج...الأفكار)، وهي كلها صور تمزج الحسي بالمعنوى وظفتها الشاعرة، لوصف العالم الواقعي والذي تصبو إلى تجاوزه، فنسجت عالما حالما تسوده قيم إنسانية مغايرة.

أما الإيقاع في القصيدة قوي جدا بدءا من البحر الكامل والروي وظاهرة التصريع في المطلع التي حافظت عليها الشاعرة .إلا أن ما يميز هذه القصيدة هو إيقاعها الداخلي  الذي تستمده  من توظيف بعض الأساليب البيانية مثل التجانس المعنوي في( تجيء / تعيد)، وهي قليلة بالنسبة للصور المجازية، و من توظيف التكرار. فتكرار العبارة (كسيرة القلب ) في بيتين في القصيدة يدل على تأكيدها، ومنها ( الحرف، الحرف )، ( القلب، ياقلبي )، وهو تكرار تطابق يفيد التوكيد ويقوي الإيقاع الداخلي، وكذلك تكرار الكلمات الدالة على المعنى القريب المتناسب مثل : (الانكسار، كسيرة / الأحزان / الغضب/ مساكب الدمع )،( التعب / الإرهاق  (مرهقة) / الصخب )، وكلها دالة مؤكدة على مشاعر وانفعالات الشاعرة، وتعطي ظاهرة التوازي إيقاعا قويا سواء على مستوى المعنى أو على مستوى التركيب نمثل لها بقول الشاعرة :

فتستميل/ قوافي/ النور/ أشرعتي

وتستفيق/ ليالي /الوصل/ في طرب .

حيث نجد التجانس الصوتي في الفعلين زيادة على الصيغة الصرفية، والتوافق بين قوافي وليالي في الصيغة الصرفية، مما أعطى للقصيدة إيقاعا داخليا قويا .

وأخيرا، فإن الشعر عند الشاعرة سفانة بنت ابن الشاطئ تعبير عن الحياة في جميع مناحيها؛ فكما هو تعبير عن الذات، وإحساساتها، هو كذلك تعبير عن القيم الإنسانية العليا.

كما تنم القصيدة عن معرفة لغوية مهمة مكنت الشاعرة من خلق صور فنية رائعة في انسجام تام بين المعنى والصور الانفعالية العاطفية، فكان حضور"أنا" الشاعرة حضورا قويا، فكرا وخيالا وعاطفة، هيأ للقصيدة وجودها الإبداعي المتميزعلى مستوى عمق المعاني، ووضوح الدلالة، وعلى مستوى صورها الفنية و الإيقاعية  بكل مكوناتها .

 

د. فطنة بن ضالي/ المغرب 

مراكش في 20-06-2020.

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5200 المصادف: 2020-11-30 03:33:43