 قراءات نقدية

قراءة في المجموعة الشعرية (صَحِيفَةُ الْمُتَلَمِسّ)

حيدر عبدالرضاللشاعر عبد الأمير خليل مراد

التحاور النسقي بين حسية شعرية الوجود واللاوجود في ذوات الأشياء

توطئة:

لعل فضاء القراءة إلى مجموعة قصائد (صحيفة المتلمس) للشاعر عبد الأمير خليل مراد، تقودنا نحو تلك العلاقة النسقية المتأسسة ما بين ثنائية الوجود واللاوجود في ذوات الأشياء احتمالا،وصولا منها إلى استكمال وقائع ضمنية أنا الشاعر / الآخر المرجعي، اقترانا بأسباب القول الشعري وأحواله الحسية المتواشجة وآفاق إجرائية ذاتية موصولة من الوعي المحمول بأيقونة أسئلة ومقاصد المعنى المضمر في علاقات دوال القصيدة . وعند قراءتنا إلى الأنماذج الشعرية في منجز المجموعة، تواجهنا كيفيات ومرجعيات خاصة من أمكانية النص الشعري، وذلك بدءا مما تنتجه دعوات المبعث الدلالي في حدود النظرة الإيحائية في شاعرية النص .

ـ منظور الرؤية ومواجهة الزمن المرجعي

عند قراءتنا إلى قصيدة (صحيفة المتلمس) تواجهنا مثالية العلاقة المرتبطة ما بين خاصية الأنا الشعرية وأفق أسفارها في مركبات الأطلال من التفاصيل والاستعارات المتندرة في بواعث الأحساس الفاحص في ملفات حالات القصيدة:

كَمْ مرَّ مِنَ الأَزمانْ

وَأنا كَصيّادٍ يُبْحِرُ في الَمخْطوطاتِ

(مَخْطوطاتٍ للحبِّ وأخرى للمَوتِ)

أُحْصِي الُمدنُنَ الباقيةَ (بابلَ، دلمونَ، الحيرةَ، سومرَ

وَأكدْ)

وَالمُدنَ الزائلةَ (نَحْنُ)

وَتاريخَ الأشخاصِ (مُلُوكاً، صَعَاليكَ، غُلاةً،

شُعراء) . / ص80

إذا تعاملنا مع هذه المقاطع الأولى من النص، على أساس من أنها مخطوطة في مؤشرات (الذاكرة السير ذاتية / وثيقة الأمكنة) فلربما قد لا نقف على واصلة العلاقة الشعرية التامة مع مرجعية مخيلة الأماكن إلا من زوايا نسبية في المقايسة والاحتواء الاستدلالي المحض، نقول من جهتنا الخاصة أن الشاعر أراد تأسيس لنصه استراتيجية خاصة متكونة من علاقة أنا الشاعر وحدود تعاملات المستوى النسقي من التناص ودلالات المحاكاة المتباينة ومسار مشخصات لغة الموضوعة الشعرية، وهذا الأمر بدوره ما جعلنا نواجه جملة مفهوم (منظور الرؤية) عبر سرانية وعلنية إزاء محددات جمل (كم مرة من الأزمان / وأنا كصياد يبحر في المخطوطات = مخطوطات للحب وأخرى للموت) أي أن محاور المرجعية الزمانية والمكانية أخذت تحضر في محمولات علاقة قصدية مواضع مستترة (الذات الشاعرة ـ الأداء ـ تحول الحالات ـ تحول الزمكانية = علاقة تنافذية قيد الفاعل المنفذ) وهكذا تبقى ركيزة الواصلة الموضوعية ما بين الأزمان والأمكنة والذوات، كمفصلية منفذة أخذت تحددها علاقة الأنا / فاعل الحالة، في مرحلة البحث والاستقصاء (كصياد يبحر في المخطوطات / أحصي المدن الباقية / المدن الزائلة نحن / تاريخ الأشخاص) والتعامل الأوحد في وظيفة الوحدات يبقى في مجموعة الجمل، ما يماثل علاقة عادلة ومتفاعلة في الإحصاء التذويتي إلى محاور العلامة المرجعية في جمل المدن ودلالات الأمكنة:

مِنْ كلكامشَ إلى عَبْدَ الأَمير ....و .... و....و

(وَلا تاريخَ إلاّ تاريخُ الأَشخاصِ)

أَتَهَجَّى أَبْراجي بِكآبةٍ

كأَنّني عَلى شَفا حُفرَةٍ مِنْ هذا العالَمْ

أقفُ .... ! . / ص80

الشاعر يسعى إلى استعادة تواريخ الأجناس الآدمية، في سياقية جذرية متنوعة، بدءا من كلكامش وحتى مرحلة الشاعر نفسه نزولا إلى متشكلات الصيرورة المتنوعة في كرنفالية فضاءات التنقيط في بنية المحذوف، فيما تبقى مروياته تحوي ذلك الحدوث العدمي من جملة (أتهجى أبراجي بكآبة) واللقطة الثانية هي حالة توكيدية في مجال الانفصال أو اللا تواصل مع عدمية الوجود في حراك الأشياء الخارجة من معنى موقفية الشاعر الاعتبارية (كأنني على شفا حفرة من هذا العالم) . أما الحال في قصيدة (الأرجوحة) حيث نقرأ:

ظِلاّنا يَقْتربانِ مِنَ العَتَبة

هذا يَتَخَلَّقُ في نَهْر العُمْرِ ....

خَفِياً

وَالآخرُ يَفْتَضُّ تُخُومَ الوَقْتِ ....

وَيَمْضِي . / ص78

علاقة المفتتح الصوري في النص، تزدحم في حيز شعري ملتئم على كينونته الذاتية وسيرة ذلك المنشطر نحو حساسية تفارقية من الوجود الآخر (ظلانا يقتربان من العتبة .. هذا يتخلق في نهر العمر .. خفيا .. والآخر يفتض تخوم الوقت .. ويمضي) من الواضح أن هذه العلاقة النصية في متن مستوى المقاربة مرتبطان أرتباطا وثيقا في مهمة مسافة الزمن والفعل الدوالي لذا نجد مضمار المدلول يعتمد مطابقة ما منشطرة من شيفرة (الوجود / اللاوجود / الأنا / الآخر) وصولا إلى غاية المتحدث تعديلا في مسار العلاقة التوصيفية في حالات موجهات المتكلم ووظائفه الأحوالية:

يَتَوزَّعُ في فاتَحةِ الخِصْبِ ... فُصُولاً

مِنْ خُبزٍ وَدماء

هذا ظِلُّك ... أمْ ظِلّي ...

أَمْ نَصلُ قَتيلْ

يَقْذفُني كالأُرْجُوحةِ في الحَلَبة

وَيَلُمُّ بقايايَ حُقولاً مِنْ شِعْرٍ

وَرُواءْ . / ص78

 

1ـ التبديل والاستبدال:

تتكشف الدوال في المقاطع المعروضة أعلاه في نص القصيدة عن حالات ابدالية ـ استجابية شبه تضامنية وحساسية وظيفة الاستبدال في مستويات حراك الجمل، مما جعل الخطاب في المقاطع أكثر تداخلا وتفاعلا ما بين ثنائية الإبدال والاستبدال، وصولا نحو الركيزة الذاتية المضمرة في السياق الدالي، وعلى هذا النحو نستعرض ما قاله الناقد السيميائي جوزيف كورتيس من هذا القول: (مشكل الاستبدال كله نوع من العملية المعكوسة للتبديل وفيه الدال يمكن أن يقابل مدلولات مختلفة، وبالعكس نفس المدلول يمكن أن تعبر عنه دوال مختلفة . / سيميائية اللغة ـ جوزيف كورتيس / ص64) وبهذا المعنى يمكننا معاينة الإجراء الاستبدالي في جملة (هذا ظلك .. أم ظلي) أن التعادل الافتراضي في بنية الاستبدال هنا تكشف لنا عن حاصلية الناتج في بنية المحذوف من الفضاء النصي ـ اقترانا لها بذلك الحاصل المفترض بين العلاقة الإشارية الواردة في الجملة، وذلك المدلول القائم بينهما في مسار التبديل الدلالي، وذلك ما يجعلنا نفهم جملة (أم نصل قتيل) على أنها المخصوصية المرجحة في دلالة المحتمل الذي هو بمثابة العلاقة المماثلة في مسار الوظيفة الظلية المتقادمة من دليل الأرجوحة .

ـ أنسنة الصورة الشعرية وحساسية الأستدعاء المضمر

تتأكد أنسنة حالات الصورة الشعرية في منحى بنيات قصائد مجموعة الشاعر، نحو ذلك التفعيل الدلالي المخصوص عبر وحدات البنية الدوالية في القصيدة ومحتملاتها المتشكلة في خلق الصورة التشكيلية الأكثر غورا في كوامن لغة المحاور الشعرية، وبهذا الصدد تواجهنا قصيدة (الطائر) وقصيدة (العتايج) وقصيدة (الشاعر):

جَسَدٌ ناحِلٌ كالقَصِيدة

لا زَادَ غيرُ هَشِيمِ الحُرُوفِ

وَبُرْعُمُ ضَوْءٍ يُزنِّر في الذاكرة . / ص50

تتأكد من هذا الفضاء محاور أنسنة الذات الشاعرة إلى محمولات أحوالها الداخلية المؤولة بأوصافها من ناحية الاستثناء واللحظة القاسية من استجابة صوت أنسانية الشاعر ـ تعبيرا صوريا ظاهرا أخذ يكشف عن أشد اللحظات في انسانية أحوال الشاعر وأنسنة دواله الواصفة، والحال يطرح ذاته في قصيدة (تقاسيم الناي الأولى) وقصيدة (إيماءات بعيدة) والحال أيضا من أنسنة المحاور في قصيدة (قطاف) المهداة إلى الكاتب ناجح المعموري:

بِأيِّ فَمٍ سَتَقُولُ القَصِيدة

الرَّبَابَةُ دَارَتْ بِنَا مِنْ زَمَانْ

وَعَلَى حائِطٍ مِنْ رَمِيمِ البَقَايا

رَأَيْتُ المَدِينةَ تَبْكِي ... وَفَانُوسَها

جُثَّةً فِي الظَّلامْ . / ص30

ـ تعليق القراءة:

لاشك أن موجهات قصائد مجموعة (صحيفة المتلمس) للشاعر المتفرد عبد الأمير خليل مراد، بمثابة فضاءات للنموذج الشعري المتمخض عن فاعلية مركزة في أدق تفاصيل شعرية الواقعة المرجعية وسمو الدلالة المنفتحة نحو لغة المعطى الداخلي والخارجي من طاقة الرؤيا الإيحائية المؤثرة لدى الشاعر .. أقول حاولنا في الفروع المبحثية من مقالنا هذا، تقديم قراءة بسيطة ومقتضبة عن سمات الإجرائية الدوالية في متون قصائد المجموعة، والتي أخذت تكشف لنا بالوقائع النصية عن علاقات دلالات القصائد المحملة بطبيعة مركزة في جمال اللغة ونصاعة الأسلوب الشعري المتاح في مجال نصوص المجموعة عبر كامل وظائفها التي لا تتوقف على مسارات الشعرية الآنوية من مساحة لغة الشاعر الذاتية، بل أنها ذلك الخطاب الحلمي في الزمن واللازمن وعبر مقترحات ذلك البديل العدمي من جدوى تحاورية وجودنا النسقي على شاشة الوجود أو اللاوجود في ذاتية الأشياء المصورة في مضمر القصيدة .

 

حيدر عبد الرضا

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5259 المصادف: 2021-01-28 01:38:27