 قراءات نقدية

حركة الحداثة الشعرية العربية في العراق

ماهر حميدبين الريادة وخصوصية التجييل

توطئة: إنَّ المتتبع لحركة الحداثة الشعرية العربية الحديثة، ولاسيما في العراق سيجد بأنها تمثل ديمومة متصلة بين الأجيال السابقة واللاحقة، وهذا لا يعني بأن العقود التي سبقت حركة الحداثة لم تشهد حراكاً شعرياً يدعو إلى التحديث من خلال علاقات التأثر والتأثير؛ لأن هذه العقود لم تكن عقود " صمت لم يرتفع فيها صوت يدعو الى التجديد، بل حفلت بكثير من هذه الأصوات في العراق والشام ومصر"(1).

وقد جاءت بعض هذه التجارب على يد شعراء آمنوا بالحداثة بعد أن وجدوا التجديد هو المعبر الوحيد أمامهم لتكوين جيل شعري والوصول إلى الريادة، فكان لهذه الحركات الشعرية الحداثية أثرها الفاعل في زحزحة الكلاسيكية من موقعها وتقويضها(2)، فقد كانت السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية سنوات حاسمة في حياة تاريخ الشعر العربي، إذ شهدت هذه السنوات أولى بوادر التمرد على الأسلوبية التقليدية للقصيدة العربية، وأولى بوادر التحول الى أشكال تعبيرية جديدة(3).

فأخذت  التيارات الشعرية بالظهور مشكلة تجمعات شعرية تحاول التأسيس لمشروعها الحداثي منطلقاً للتجديد في الشعر، فكان من أهم نتائجها في أواخر الأربعينيات  أنها شكلت ثورة في تاريخ الشعر العربي(4) استمرت حتى يومنا هذا، فوجدت الأجيال في هذه الثورة فرصتها المناسبة، فبدأ الصراع بين الأجيال من أجل اكتساب خصوصية التجييل(*) ونيل الريادة، الأمر الذي شكل ما يمكن تسميته بالديمومة المتصلة بين الأجيال الشعرية في العراق.

الجيل بين الخصوصية والريادة وديمومة الاتصال:

أخذ مفهوم الجيل يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية، ولاسيما بين الأدباء والشعراء والنقاد، فمنهم من يعد الجيل ما هو إلا أحد المحاولات اليائسة، أو أحد البدع الشعرية التي تكرس كسلا نقديا، وتؤدي إلى ضياع القضية الحقيقة للشعر(5)، ومنهم من يرى بأن قضية الجيل قد أسهمت بشكل فعال في مسألة التجديد في الأدب ولاسيما الشعر، من خلال دفع عجلة الأدب إلى الأمام، بل يعد محطة فاعلة في تحريك عجلة الشعر وعدم اللجوء الى محطة الجمود والتبعية(6).

بعد هذا أخذ مصطلح الجيل أبعاداً أخرى من خلال وصفه بأنه يمثل وثيقة تأريخيه إحصائية يمكن عن طريقها تقييم تجربة محددة من الشعراء في عقد معين من الزمن، فضلاً عن محاولة تمثيلها داخل الحقبة التاريخية المحددة(7).

ولهذا نجد أن مفهوم الجيل يصدق عند شعراء الستينيات بشروط معينة، فالشاعر الستيني يرفض تسمية الأجيال إذا كانت في دائرة جيل من كل عقد بل يصدق مصطلح الجيل عند فاضل العزاوي مثلاً بوصفه أحد شعراء هذا الجيل متى ما كان يمتلك الشاعر روح الجيل واصفاً من يتعامل خارج هذا المعنى في فضاء الفكر الصبياني(8)، وهذا ما أكده سامي مهدي الذي أشار إلى أن فكرة الجيل لا تتجسد بصورتها الحقيقية مالم يتم تحقيق روح الحساسية التي يمتاز بها الجيل عن غيره، سواء أكان على مستوى مفاهيم الحداثية أم على مستوى المنجز الأدبي والإبداعي لشعراء الجيل نفسه(9)، وما يقدمونه من رؤى وأفكار تمثل تطلعاتهم، ولكن بروح شعرية تقوم على التجديد الحداثي المستمد من الثقافة الغربية.

بعد هذا نجد أن شعراء العقد الستيني قد وضعوا شروطاً لإطلاق تسمية الجيل على التجمع الشعري الذي يشكل حركة شعرية في عقد معين من الزمن، وبهذا فهم حددوا طبيعة هذه الحركات وعملوا على توجيه مسارها نحو الخصوصية والريادة.

وأما شعراء السبعينيات لم تكن  نظرتهم لمصطلح الجيل بعيدة كل البعد، على الرغم من رغبتهم في اكتساب الخصوصية والسعي إليها ونيل الريادة، وهذا ما أكده خزعل الماجدي بوصفه أحد أهم الشعراء في هذا الجيل مؤكداً على أن قضية الجيل بأنها قضية فنية، وأن أولائك الشعراء الذين ظهورا في السبعينيات قاصدين تأسيس رؤية فنية جديده ومغايرة لجيل الستينيات الذي سبقهم(10)، نستنتج من هذا أن أطلاق تسمية جيل تتوقف على مدى امكانية الشعراء وقدرتهم على تقديم المنجزات الإبداعية التي تتوافر على تسميات وملامح وقيم تجعل منه مشروعا مفارقا لسواه أو متميزاً عن غيره من المشاريع التي قدمها الشعراء في العقود الأخرى(11).

بعد هذا يمكن أن نلحظ على الرغم من الصراع بين الأجيال تلك الصلة المتمثلة في وحدة الرؤية والأهداف التي شكلت عند الجيلين وما سيأتي بعدهما أسس وقواعد لإطلاق تسمية الجيل على مجموعة من الشعراء في أي عقد معين. وهذا الأمر في حقيقته شكل ما أطلقنا عليه سابقاً "ديمومة الاتصال بين الأجيال"، ولكن هذه الديمومة لا يمكن لنا أن نحددها بوحدة الرؤى والأهداف بين الجيلين، وإنما تشمل كل مظاهر التجديد المتوارثة عبر الأجيال.

ولكن من يتتبع حركة الحداثة الشعرية في العراق سيجد تطوراً ملحوظاً في تياراتها الشعرية منذ بداية القرن العشرين، بعد أن تجاوز هذا التطور مرحلة الجمود والخروج من حالة السبات التي اصابته حتى أواخر القرن عشر، فقد اختلفت نبرات الأصوات الشعرية المتصاعدة عن ذلك الصخب التقليدي المضجر الذي كان يتميز بالمدح والتهاني والتكسب بهما إلى درجة التذلّل واللجوء إلى الصناعة الزخرفية وغيرها(12)، ويمكن أن نرجع إلى الدور الكبير الذي قامت به المجلات والصحف الصادرة أثناء تلك العقود الزمنية، فكان لها أثرها الواضح على الشعراء الشباب آنذاك وكيف أسهمت في نقل الثقافة الغربية إلى المجتمعات العربية وترسيخها، إذ كانت هذه المجلات تتابع أخبار الحركة الوجودية وتنقل ما يصل منها في محاولة لتعريف قرائها بهذه الأفكار الحداثية، فكانت تعبّر هذه المجلات عن تطلعات الأجيال الجديدة من الأدباء والفنانين وعن نزعاتهم وطموحاتهم، ورفضهم لجمود الحياة وركودها من حولهم، وتمردهم على هذا الجمود، وتطلعهم إلى حياة جديدة، وأدب جديد، وفن جديد، وإحساسهم بأن عملية التجديد هذه لا يمكن أن تتم إلا بالانفتاح الواسع على الحياة الجديدة في العالم المعاصر، بل على الحضارة الغربية بشكل عام  وعلى آدابها المتعددة وفنونها المتنوعة وفلسفاتها المختلفة، فأخذت هذه المجلات في صفحاتها الأولى عبر كتاباتها بالتعريف بالواقعية والسوريالية والوجودية وبالتيارات الحديثة في الفنون التشكيلية(13)، فكان لهذه المجلات أثرها الفعّال في الاتصال بالآخر الغربي والتعرف على منجزه الأدبي، ولاسيما الشعري والتأثر به ومحاولة محاكاته، فكان هذا الاتصال سبباً في ولادة شعر التفعيلة، وقصيدة النثر.

ولكن السؤال الذي يلوح بالأفق هو هل أن الاتصال بالآخر والتعرف على منجزه الأدبي والشعري، قادر على إيجاد تجربة شعرية تجديدية يمكن لها أن تشكل ظاهرة حداثية في الشعر العربي بشكل عام، والعراقي بشكل خاص؟.

بالتأكيد لا ؛ لأن الاتصال مع الآخر لا يمكن أن يكون قادراً على تحقيق ذلك، ما لم يتوافر للشعراء الحرية الكافية للتعبير عن تطلعاتهم بعيداً عن إيديولوجيا السلطة وإجراءاتها التعسفية المقيدة للحريات، ولاسيما أن هذه حركات التجديد قد ظهرت في عقود سياسية متقلبة تحاول فيها السلطات المتوالية فرض سيطرتها، وهذا بطبيعة الحال سيؤدي إلى قمع بعض التطلعات ومن ضمنها الثقافية التي تشكل أساس الحرية والعدالة الاجتماعية.

وإذا بحثنا عن مميزات الأجيال الشعرية في العراق سنجد أن لكل جيل خصوصيته التي يسعى من خلالها إلى الريادة، فمن أهم ما ينماز به الجيل الستيني على سبيل المثال على من سبقه من الأجيال هو انفتاح هذا الجيل على المضامين الحداثية ؛ نتيجة لاطلاعه على تجربة الرواد، الأمر الذي مكنه من  التمهيد لمرحلة جديدة من الريادة الشعرية كان لها حضورها المميز في العقد الستيني.

وأما شعراء الجيل السبعيني يؤكدون على  ملازمة القصيدة العربية الحديثة والتمسك بها وعيش همومها ومشكلاتها التي لم يستطع أي شاعر أو ناقد أدبي أن يضع حلولا للخروج منها،  فضلاً عن اعتمادهم  لروح التجريب في المقدمة  بناءً على أن القصيدة العربية الحديثة لم تستكمل شكلها بعد ولم تستنفذ طاقاتها وقواها ولم تستهلك أدواتها(14)، ولكن هناك من النقاد من أشار إلى ما يميز شعراء الجيل السبعيني وما يتمتعون به من خصوصية بعد أن احتضنتهم الصحافة وكرّست مفاهيمهم مختلفة لكي يؤسس لجيلهم السبعيني وضع شعري خاص تحت راية الشعر العراقي الحديث، وخاصة أن شعرهم قد أنقسم في بداية نشأته إلى اتجاهين: الأول بقي محافظاً على جزء من المناخ الشعري الستيني مع اجتهادات تتصارع مع أصوات الرواد أحياناً، والثاني: مثّلته محاولات تطوير قصيدة التفعيلة والسعي إلى بعث حياة جديدة لها من خلال سلسلة من التنظيرات والبيانات النقدية والحوارات الخاصة بهم، هذا فضلاً عن  إعادة الجيل السبعيني علاقته بشكل تدريجي بالمؤسسة الاجتماعية وأن يعمق حسه الاجتماعي ويحقق نوعاً من التوازن بين الذاتي والموضوعي على مستوى التجربة الشعرية الواحدة الخاصة به(15).

ولهذا نجد أن فكرة الأجيال وتسميات الحقب تكاد تسير باتجاه واحد لا تختلف عن بعضها، وكأن فكرة التجييل أصبحت راسخة في نفوس الشعراء والنقاد على حد سواء، الأمر الذي شكل ما يمكن تسميته بالديمومة متصلة بين الأجيال السابقة واللاحقة من الشعراء والأدباء والنقاد.

 

ماهر حميد

1441هـ . 2021م

***

الهوامش:

1- المعارك والخصومات الأدبية في العراق في القرون الثلاثة الأخيرة (1700 ـــ 2000م) وأثرها في الحركة الأدبية: 222.

2- ظ: الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث: 603.

3- ظ: شجر الغبة الحجري:: 1/ 56.

4- ظ: الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث: 234.

(*) يعني مفهوم التجييل عند أرسطو وافلاطون في حديثهما عن الصراع مصطلحاً أساسياً في الفلسفة اليونانية في حين أخذ بعداً زمنياً عند هيرودت بوصفه مدة زمنية تشمل ثلاثة أجيال بشرية، ظ: الجيل الادبي مقاربة مفاهيمية، محمد حافظ،  مجلة نزوى ع59:30.

5- ظ: مواجهات الاجيال الشعرية، أمل الجبوري، تحاور يوسف الصائغ، مجلة الأنصار، ع3:84

6- ظ: ايقاعات الظل المتحول، مدخل أخر لفكرة شعراء الثمانينيات، حاتم صكر مجلة الأسفار، ع3:66-67.

7- ظ: الاجيال الشعرية ما بعد الرواد، حتى عام 1990، في الدراسات النقدية العراقية: 63.

8- ظ: الروح الحية - الجيل الستينات في العراق: 9.

9- ظ: الموجة الصاخبة، شعر الستينات في العراق: 30.

10- ظ: اتجاهات نقد الشعر العربي في العراق: 88.

11- ظ: اشكالية مصطلح الجيل المشهد الثقافي العربي، صالح هويدي، جريدة الاديب ، ع13: 7.

12- ظ: تطور الشعر العربي الحديث في العراق: 92.

13- ظ:المجلات العراقية الريادية ودورها في تحديث الأدب والفن 1945 ــ 1958: 86 ــ 88، 113، 150.

14- ظ:  تداخل الفنون:13

15- ظ: الشعر العراقي الحديث: 28-29.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5298 المصادف: 2021-03-08 04:08:40


Share on Myspace