 قراءات نقدية

علاء حمد: الذات والبنى المحرضة في نصوص الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد

علاء حمدمن خلال البنى المحرّضة في النصّ الشعري الحديث هناك خارطة لاتنتهي ونحن ندخل إلى النظريات الشعرية والأساليب والمناهج وكذلك الاتجاهات النصية والتي نعتبرها من أفضل التوجهات للبنى المحرّضة من خلال الذات الحقيقية في النصّ الشعري؛ وتعتبر هذه الميزة من الميزات الحركية حيث أنّنا نحصل على حركة نصية ورسالة موجهة إلى مرسل إليه. هذه الخاصية متواجدة في معظم النصوص من خلال العتبات أولا ومن خلال اتجاهات النصّ الشعري الحديث ثانيا، ولكن المكامن في الذات العاملة تحتاج إلى محرضات لخروجها إلى النصّ الشعري، حيث تستدعي الخصوصية وهي من خصوصيات الشاعر، باعتبار أن الذوات غير متشابهة، ومن الممكن أن نكون في منطقة الحس المشترك، وفي طبيعة الحال هناك المتعلقات حيث تشكل العنونة أهم عتبة نصية تتصدر النصّ الشعري؛ والسؤال الذي يطرأ على المتلقي، هل هناك من إعاقات في الخلق الشعري طالما هناك كوامن في الذات العاملة ويرغب الشاعر بإعادتها وهدمها وبنائها من جديد؟.. نعم هناك بعض الإعاقات واللوازم التي تعيق الكتابة بشكلها النوعي، وأهمها؛ اللغة ونوعيتها وكيفية توظيفها، حيث أن الفكرة التي يلتقطها الشاعر من خلال لحظته الشعرية، تحمل اللغة الطبيعية، وهي الفكرة المقروءة، أو النصّ التنظيري قبيل الكتابة.

تتحول الذات إلى ذات قارئة، ونفس الذات تتحول إلى ذات ناقدة، وبين القراءة والنقد، نلاحظ ظهور بعض المكامن، كأن تظهر أمام الشاعر حالة الهدم والبناء، أو حالة التفكيك والتشييد؛ وهما خاصتان شديتا الأولية في إعادة النصّ الشعري وبرمجته بشكل كلي في الذات الحقيقية التي تحولت إلى ذات خالقة لنصّ من طراز مختلف، ومن الطبيعي أن تكون اللغة المختلفة الخاصة الأولى للمفكرة الذاتية وكيفية الالتفات على مخاتلات النصّ الشعري الفنية.

(1)

القصائد

مصابيح إلهية

لم يغادرها النعاس

ولا تلبس فوق رأسها شَعراً مستعاراً

لذا.... معي

حمّالو الحقائب في الفنادق

وأفندية المدينة

والعاملات اللواتي ينظفّنَ طاولات المقاهي

ومَنْ هربن من مزاد السبي

(2)

كيف أقنع آخرين!

أنّ قصائدي

ليست عجوزا تحمل صرّة ثيابها على عصا

من قصيدة: الكتابة سرّا – ص 7 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

من أهم البنى التحريضة التي افتتح بها غلافه الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد، هي العنونة التي جاورتها بعض الألوان الحارة والباردة، حيث أنّه رسم خصوصية المرآة عندما أطلقها بـ: مرآة ونصف وجه.. نلاحظ أن اللونين الأحمر(الحار) والأخضر (البارد)، شكلا واجهة في الغلاف، لذلك انشغلت مساحة الغلاف من خلال دلالة الألوان ودلالة العنوان؛ فقد اعتمد الشاعر على جملة اسمية في رصد عنوانه؛ فالعنوان الذي اختاره شكل عنصرا في تأويل النصوص الشعرية التي اعتمدها في مجموعته الشعرية. إذ تصبح دلالة النصّ الشعري، ذات علاقة بالعنونة المرسومة.

نتخذ من العنونة، حالة موضوعاتية، وهي الحالة التركيبية من جهة والتي تعتمد تعيين العنونة، وتأويلية تشير إلى النصوص التي تقترب من المتلقي من جهة ثانية.

افتتح الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد مجموعته الشعرية بقصيدة (الكتابة سرّا)، الحقيقة التي التجأ الشاعر إليها، حقيقة المعاني التي تتبناها القصيدة، لذلك من المستعين أن ندرك الأشياء، فالقصيدة مدركة قبل أن تكون ذات معاني عفوية، وقد أكد برتلاند راسل على عملية الإدراك بواسطة المحسوس؛ حيث أن الحقيقة تشكل هنا حقيقة شيئية خارج الوهم والخيال، وبما أن المعاني من متعلقات الخيال أيضا، فقد التجأ الشاعر إلى علاقة النصّ الشعري مع المجموعة الشعرية التي رسمها للقارئ.

(1) = القصائد + مصابيح إلهية + لم يغادرها النعاس + ولا تلبس فوق رأسها شَعراً مستعاراً + لذا.... معي + حمّالو الحقائب في الفنادق + وأفندية المدينة + والعاملات اللواتي ينظفّنَ طاولات المقاهي + ومَنْ هربن من مزاد السبي

(2) = كيف أقنع آخرين! + أنّ قصائدي + ليست عجوزا تحمل صرّة ثيابها على عصا

إنّ وحدة المتغيرات التي أطلقها الشاعر، هي المكتوب وجوبا، أي أنه عاين من خلال النصّية ومحتوى النصّ الشعري الحقيقي، لذلك قد لايتزامن نظام المدلول مع نظام الدال (كما أكد دريدا)؛ ولكن الذي يعنينا هنا مبدأ الكتابة الأحادية، باعتبار أنّ الشاعر شكل عنصرا من عناصر النصّ الشعري وهو الدال على القول والقول الشعري، فقد جعل انتماءه إلى النصّ خارج الاستعارة الخفيفة:

ولا تلبس فوق رأسها شَعراً مستعاراً = القصيدة.. نلاحظ من خلال المقاطع المنقولة بأن هناك مقاطع للظهور، وقد احتوت المعاني القصدية وترتيبات إحالة النصّ المفتتح إلى المتن.

نقسم عملنا إلى قسمين من خلال البنى التحريضة في مجموعة الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد.. الأولى البنية اللغوية والثانية البنية الدلالية وفعل الإثارة ومحتوياته ومدى تاثيره على المتلقي، كحالة من المحتوى الإشاري التي يشير إليها الشاعر، للأشياء أولا ومن ثم للحالة الداخلية الدالة ثانيا.

البنية اللغوية..

من أوسع البنى التحريضية، عامل اللغة ومساحتها وما تحمل من تمظهرات لغوية وتعيينات للألفاظ من جهة، وما تفرضه من وظائف في النصّ الشعري الحديث؛ وإذا تطرقنا بشكل أوسع فهناك الكثير من المحرضات النصية تؤدي وظائفها وتماسكها النصّي، ومنها حالة الانسجام، وحالة الحدث التأثيري، والأبعاد الفلسفية الحاملة لأفعال الإثارة التي تقسم نفسها بأقسام عديدة، حسب حركة الأفعال الانتقالية والحركية وأبعادها في النصّ الشعري.

إنّ الخروج من النظام اللغوي العام ضرورة من ضرورات المراوغة اللغوية في الشعرية، لذلك فإنّ عامل الفعل التأثيري يأخذ نصيبه الأكبر من ناحية المؤثرات واللجوء إلى انزياح اللغة عن مسيرتها النظامية، حيث أن الشعرية تتطلب هذا الانزياح من جهة، وتتطلب أيضا اللغة المختلفة من جهة أخرى. تتقبل نصوص الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد الاتجاهات التأويلية، وهي القيمة الفعالة للغة الفلسفية التي أكد عليها النقاد والمنظرون بوجوب الدخول إلى مفهوم اللغة ومناهجها العالقة (التيار التأويلي، مثله مثل التيار التحليلي، أعطى اللغة مركز الصدارة في اهتماماته الفلسفية، واعتبر مؤسس التأويلية الفلسفية غدامر أنّ الكائن أو الوجود الوحيد الذي يكمن فهمه هو الوجود اللغوي، وأنّ اللغة والفهم يحددان علاقات الإنسان بالعالم – ص 203 – الاتجاه التأويلي – من كتاب الفلسفة واللغة – د. الزواوي بغورة).

مبكراً

دوار البحر

سبّب لنا هذياناً

وتخيّلنا شرطة حراسة السماء

يُنظمون السيرَ

حتى حين يمرّ سرب من اللقالق

***    

قال: صبيّ المقهى

إن كنت متوهّماً

ارجموني

فمنذ ولدتّ

وأنا.. سمكةٌ

سُحب من تحتها الماء

من قصيدة:هناك – ص 11 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

تتراوح اللغة في النصّ الشعري بين القناعة والتأثير؛ فالقناعة تحتاج إلى براهين لغوية كي تكون مؤهلة للمتلقي، بينما التأثير يحتاج إلى عناصر تؤدي إلى دهشة اللغة وميزتها البركانية في النصّ؛ لذلك فإنّ لحركة المتخيل العالية والقصوى، ومدى مايصمت أمامه النصّ الشعري؛ قيمة للبناء النصي؛ والمتخيل قوام على المشاكلة والاختلاف، لذلك فعلاقات الأبنية النصية يتموضع حولها النسق النصّي.

نلاحظ أن الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد، كان مع وظائف لغوية، وأهمها وظيفة البنية الأسلوبية والتي أراد منها وبواسطة اللغة أن يبني نظاما لغويا خصخصه في نصوصه الشعرية..

مبكراً + دوار البحر + سبّب لنا هذياناً + وتخيّلنا شرطة حراسة السماء + يُنظمون السيرَ + حتى حين يمرّ سرب من اللقالق

قال: صبيّ المقهى + إن كنت متوهّماً + ارجموني + فمنذ ولدتّ + وأنا.. سمكةٌ + سُحب من تحتها الماء

في المقطع الأول استخدم الشاعر نظام الإشارات وهو يقودنا من خلال بعض أفعال الحركة الداخلية إلى تأويل واضح، فقد أراد من المقطع أن يكون إحالة إلى المعاني الكامنة، لذلك راح يوظف بعض الرموز ويخرج من أفعال الحركة الانتقالية، ففي المقطع الأول ثلاثة أفعال نسبها مابين الحركة والتموضع، فالفعل تخيل، من الأفعال الانتقالية، حيث يعطي نتائج مغايرة بعد التخييل، لذلك عندما انتمى الشاعر إلى وظيفته الخيالية استطاع أن يستخدم بعض الرموز ومنها.. شرطة حراسة السماء، واللقالق؛ بحيث اعتبر الفضاء الذي أمامه من الرموز غير المنتهية، وبالفعل مساحة الفضاء تجعلنا ننظر إلى الفراغات أيضا لنصطدم بزراق السماء وهو اللون المناسب. بينما ينتقل في المقطع الثاني وهي الإحالة المقطعية والتي تسبب مع كلّ مقطع معنى، فقد تحول إلى صبي غير معرف، ومنحه صفة المجهول؛ فقد استنطق الشاعر الغائب، وجعل اللغة السريالية تستنطق سلطة المقطع، ومن هنا استطاع أن يركز الشاعر على سياق معرفي، وهو الروابط النصية من خلال بنية اللغة التي قوّلها لتصبح ضمن القول الشعري.

هذا الشخص أعرفه

أو... لست متأكداً

قد أكون أنا.... أو أحداً آخر

يشبهني

أين أجد روحي التائهة؟

والأيام ملأت رأسي بالأكاذيب

***   

نام الحظّ

في الظلمة

متى يستيقظ ويشعل المصباح

من قصيدة: تنويعات لونية هاربة  – ص 18 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

إنّ العلاقات التي رسمها الشاعر، علاقات ضمنية، توضعت بين علاقة الألفاظ وعلاقة العلامات، وكذلك علاقة الأفعال وعلاقة الإشارات التي أشار إليها ضمن لغته الشعرية والتي مفادها بعض الرموز الموازية للمعنى والتأويل، وتشكل حالات من تحريض المتلقي وخصوصا تلك الجمل التي يبهرنا بها، فتحمل العجائبية والاختلاف اللغوي.

هذا الشخص أعرفه + أو... لست متأكداً + قد أكون أنا.... أو أحداً آخر + يشبهني + أين أجد روحي التائهة؟ + والأيام ملأت رأسي بالأكاذيب

نام الحظّ + في الظلمة + متى يستيقظ ويشعل المصباح

المنطوق، مالم يقله الشاعر بشكله التوضيحي، فالمعاني مختبئة خلف الكلمات المركبة، لذلك لاتتشابع المعاني عند التأويل، وكلّ نصّ له مضمونه التأويلي الكلي، وله التفسيري الجزئي، لذلك فالعلاقات التركيبية بين الجمل، تصبح امتدادية لكي نحصل على المضمون الكلي، وهو بينة النصّ الشعري، ومدى ثقله في الشاعرية، ومن هنا تتمكن الرموز من احتلال بعض النصوص، ومنها التوضيحية ومنها الغامضة؛ نلاحظ أن الشاعر قاسم محمد مجيد لجأ إلى المعاني الكامنة، فقد أراد أن يقول، وعندما قال لم يكتف بهذا القول، فالقول الشعري مساحته واسعة ولا يستطيع شاعر أن يختصره بنصّ شعري، بل تكون التوزيعية بين النصوص وما يشير إليه الشاعر تؤديان إلى علاقات متجانسة.

يوضح الشاعر من خلال الجمل شكوكه بين الشخص المتواجد وبين حالة الأنا، لذلك فقد أدغم المعنى، وجعل المتلقي بحيرة، كما احتار هو نفسه بين الشكّ النفسي وبين مايواجهه ليختم مقطعه بحركة الأكاذيب التي تواجهه أو تواجه غيره، فقد اعتبر الشخص الأول (الذي ربما يعرفه) علامة للآخرين، أي أنه ناب عن الجماعة، بينما يقودنا في المقطع الثاني إلى الفعل المجهول (الحظ) كما يتداوله العامة بشكل يومي، لذلك فقد نقل الشاعر الحياة اليومية بواسطة اللغة التحليلية من الواقع المعاش إلى لغة الشعر التي تبناها كعمل وهدف لتكون سلطة لناطقها.

ملك الموت اللامرئي

بانتظار...

الضغط على زرّ اللحظة الأخيرة!!

*** 

الليلةَ، ناموا مبكراً

أغلق باب المقبرة

حين.....

 ألغي وقت الاستراحة للتعارف بين الموتى

من قصيدة: نصف وقت.. نصف موت– ص 25 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

عندما ترتبط البنية اللغوية بفاعلها (الشاعر) فهي تعكس العلاقات اليومية أو علاقة الشاعر ببيئته، وهي الأقرب إليه عندما يرغب بطرح المعنى الملائم من الناحية الاجتماعية، لذلك نلاحظ أنّ معظم الشعراء، يميلون إلى الذات العاملة التي تختلط مع عالم البيئة المؤثرة بتفاصيلها أو قيمتها المتعارضة مع أفكار الشاعر.

ملك الموت اللامرئي + بانتظار... + الضغط على زرّ اللحظة الأخيرة!!

الليلةَ، ناموا مبكراً + أغلق باب المقبرة + حين..... +  ألغي وقت الاستراحة للتعارف بين الموتى

الموت يعني اختفاء الأثر الحركي للجسد، ويعني أيضا اختفاء الوجود من خلال حتمية يمارسها الإنسان على مستوى العالم، وعندما تطرق الشاعر إلى الموت وأشار إلى ملك الموت، الذي تتداوله بيئته حسب المعتقد، فقد عكس في ذاته التفكرية على نهاية كلّ شخص، ونهاية الأشياء؛ موتها، بل تفقد حركتها الديناميكية؛ لذلك خلق الشاعر بنية توليدية من الواقع الذي يجابهه، لينتقل فيما بعد إلى معنى مقطعي آخر، أي استطاع أن يحيل المعاني من خلال المنظور التخييلي بواسطة التقطيع النصّي، وهي حالة تنشيطية للنص عندما يعتمد الشاعر الأسلوب التوزيعي.

تشكل البنية اللغوية سلطة من سلطات النصّ الشعرية، لذلك فقد تم تقسيم اللغات التي تنتاب النصّ الشعري حسب الحاجة ونوعية العمل المتداخل بين عناصر النصّ، فنقول اللغة الرمزية واللغة السريالية وكذلك حال بقية الأنواع والتي تنتمي إلى التموضع اللغوي في النصّ الشعري.

البنية الدلالية

إن مساحة المؤثرات الدلالية واسعة إذا ما أبحرنا بهذا العلم الذي له الأثر في بناء وحركة النصّ الشعري، لذلك فمسألة الدال والمدلول وثقافتهما في علم الدلالة أصبحت من اللوازم التي نبحث عنها في الشعرية الحديثة، وذلك إن كان الدال لفظا أو غير لفظ، ولكن اللغة التي تحدثنا عنها ماهي إلا علاقات تربط  بين الدال والمدلول.

إن النصّ الشعري من النماذج المصغرة في الثقافة، وقابل للحوار والتفاعل، أي يحوي على مفاهيم بنيوية ديناميكية وحركية، وتكون أفعال الحركة والأفعال الانتقالية من خصوصيات العمل الديناميكي، حيث أن هذه الأفعال تساعدنا على الحركة الزمنية والتبدلات التركيبية للجمل الشعرية المقصودة، وفي نفس الوقت، لا نستغني عن البنية الصغيرة والبنية الكبيرة اللتين تلازمان النصّ الشعري وتكونان من مكوناته ومتعلقاته في الخلق النصّي.

أيها الإله اللامبالي

لماذا

رسائل استغاثاتنا

مرصوفة على الرفوف

ومختومة بالشمع الأحمر؟؟

من قصيدة: سائق عربة البيرة سابقاً- ص 31 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

ننتمي إلى صيغة النصّ الفنّي، حيث نشتق البنية الفنية من صيغة (تفكّر) والمأخوذة من الفعل فكّر، ونعتبر هذه الصيغة ملكة، وذلك لعلاقتها بالخيال وفعل المتخيل، ومن هنا نذهب إلى حركة الدال في النصّ الشعري؛ فالتوازي الذي أطلقه الشاعر بين الصيغة الدلالية واسم الجلالة المشار إليه، هو المفهوم المركزي الذي رسمه الشاعر في النصّ الشعري.

أيها الإله اللامبالي + لماذا + رسائل استغاثاتنا + مرصوفة على الرفوف + ومختومة بالشمع الأحمر؟؟

المفهوم الدلالي المعني = الرسالة... بينما المفهوم الإشاري:

الإله = الإشارة إلى (لفظ الجلالة)؛ ومن هنا تبينت الدلالة المركزية التي أشار إليها الشاعر وهو يوجه عتبا على نداءات الاستغاثة التي يطلقها الناس وذلك لتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلد (العراق)، وتشمل هذه الاستغاثة حالة عامة متواجدة في بلدان العالم.

لكن

لايهمّني إن عدّه بعضنا بدعة

أريد إلهً !

أحمله في حقيبتي

تارةً...

وتارة أضعه في جيب البنطال

وقبل أن أنام أرشّ

رحيق الأزهار على وجهه..

من قصيدة: سائق عربة البيرة سابقاً- ص 31 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

تغيير المعنى: في اللحظة الإدراكية نلاحظ أن الاسم الذي أطلقه الشاعر لم يكن كافيا، ومن هذا الاعتبار يميل إلى تغيير المعنى بواسطة اللغة الإدراكية (يعتبر تغيير المعنى أحد طرق التسمية الإدراكية. فنحن نعطي لشيء اسما كان فيما مضى اسما لشيء آخر ونشركه معه: مشترك تماثلي للأشياء في التشبيه، ومشترك تجاوري في المجاز المرسل والكناية – ص 100 – علم الدلالة – بيير جيرو – ترجمها عن الفرنسية الدكتور منذر عياشي).

لكن + لايهمّني إن عدّه بعضنا بدعة + أريد إلهً ! + أحمله في حقيبتي + تارةً... + وتارة أضعه في جيب البنطال + وقبل أن أنام أرشّ + رحيق الأزهار على وجهه..

البحث عن إله آخر، فقد أسند التشبيه الإدراكي الشاعر قاسم محمد مجيد إلى عنصر آخر يستطيع الاقتراب منه، وهنا نستطيع أن نقول أن هذا التشبيه من مجاورات النصّ الأول (الأصلي)، إذا أردنا أن نكون مع المقطعية الشعرية، ليكون امتدادا للمقطع الأول، وقد اعتمد الشاعر على أدوات فعلية ومنها الفعل (أريد) الذي يفيد الطلب، ويعتبر من الأفعال التموضعية حيث يعني لنا الرغبة، وقد تكون الرغبة ذات تنفيذ تغييري وقد لاتكون، المهم في الأمر أنه نقل التسمية الإدراكية إلى حيز الفعل وحالته الموضوعية.

إن الوظيفة التي بناها الشاعر، هي العلاقات والعلاقات المجاورة، فتبديل المعنى، اعتمده من خلال بدائل لها أكثر تأثيرا من الأولى، وهي تميز القول عن قول شعري آخر.

هل سجّلتَ مثلاً

عدد عواء صفارات الإنذار

كم استراحت البنادق ثم دوّت

هل تعرف

كم حاولت غيوم الصباح، صدّ الدمع فوق المقبرة

أو أحصيت رقما قياسياً جديداً

لتغريدة، رئيس حزبٍ في جمهرةٍ ميتة؟؟

من قصيدة: عدّ في لعبةٍ خاسرة - ص 43 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

إن جميع التحولات والتشبيهات والاستعارات عبارة عن تحويلات في المعنى، ومن هنا نحصل على إحالة المعنى إلى معنى جديد، ويحافظ الشاعر في الامتداد النصي لكي تكون حالة التأويل في الفهم العام للنص، ومن خلال الجزء نستطيع أن نذهب بالجزء الخاص للنصّ.

هل سجّلتَ مثلاً + عدد عواء صفارات الإنذار + كم استراحت البنادق ثم دوّت + هل تعرف + كم حاولت غيوم الصباح، صدّ الدمع فوق المقبرة + أو أحصيت رقما قياسياً جديداً + لتغريدة، رئيس حزبٍ في جمهرةٍ ميتة؟؟

أحال الشاعر قاسم محمد مجيد المعنى  بواسطة التشبيه، من الصفير إلى عواء، فكانت حالة التشبيه بالكلاب، وهي المسميات التشبيهية الجديدة والتي أعلنها كتسمية إدراكية، وهكذا عندما يوظف فعل الإشارة فإنه يجذب الدلالات الغائبة لكي يوطنها في النصّ الشعري؛ ومن خلال هذه العلاقات نستنتج أن العلاقات التي مرت بنا، هي علاقات مرجعية الذات وماتعلق بها من أحداث يومية؛ وكذلك عملية التسمية التركيبية للجمل الاستعارية كانت من التحولات القصدية التي اعتمدها الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد.

أأحصيتَ... رقم جلوسك

على كتف النهر تصطاد الملل

الليل برائحة الظلام..

والأيام التي نامت في ثلاجة الموتى

*** 

بئس الظنّ

أنّكَ لاتعرف قط

لمَ استبدلُ...... رأسكَ القديم

بمؤخرة نعامة.

من قصيدة: عدّ في لعبةٍ خاسرة - ص 43 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

ندخل إلى دلالة التمكين، ماهي دلالة التمكين التي رسم بعضها الشاعر ورسم من تشبيهاتها في النصّ الشعري المكتوب؛ نحن أمام التحدي بالكلمات، وأمام التعجيز أيضا، ومع النصوص التي تمرّ بنا نلاحظ أن نقد الحالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في ذروة المفاهيم التي يرسمها الشاعر؛ إذن ليس من الغريب أن ينساق الشاعر قاسم محمد مجيد إلى دلالة التمكين في رسم الأفعال التحويلية من المباشرة إلى اللامباشرة، فإذا تصدر فعل الأمر في الجملة الشعرية، فهنا نحن أمام دلالة الوجوب، وهي ضمن دلالة التمكين.

أأحصيتَ... رقم جلوسك + على كتف النهر تصطاد الملل + الليل برائحة الظلام.. + والأيام التي نامت في ثلاجة الموتى

بئس الظنّ + أنّكَ لاتعرف قط + لمَ استبدلُ...... رأسكَ القديم + بمؤخرة نعامة.

نلاحظ أنّ الشاعر يثير عددا من الأسئلة دون أن يرسم علامات للاستفهام، إذن كانت الجمل الشعرية تنحو نحو الدلالات المستلزمة والمغايرة للدلالة المركزية، فقد قادنا الشاعر إلى حقيقة المستفهم نفسه وهو يعيش بشكل يومي بين الأحداث البيئية التي تجاوره. فقد اعتمد الشاعر على أدلة النفي والتقرير والاستبعاد. النفي: وهو الدلالة الأولى وتفيدنا عندما ينتمي الشاعر إلى المجهول حيث أنّ الطلب لم يكن على أرض الواقع.

دلالة التقرير:  والثانية هي دلالة التقرير؛ وتكون عندما يكون  الحدث مستقرّا في نفسية الباث، لذلك ذكر مفردة الموت، وهي بعض التصفيات التي حدثت وتحدث في أرض وادي الرافدين.

والثالثة دلالة الاستبعاد: وهو الخروج عن القصدية، لذلك يكون التأويل ذا مصدرية دلالية عندما تنزاح اللغة نحو الثقل الشعري، وهي جزء من المؤثرات التي ينحتها الشاعر عادة في نصّه الحديث.

 

كتابة: علاء حمد - العراق

.....................

* الصورة للكاتب: علاء حمد

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

قراءة واعية ماتعة وسبر غور عميق من ناقد كبير لمجموعة شاعر كبير ،استمتعنا في الإبحار في سفينة الإبداع المشتركة ،تحياتي لكما وبيادر الجوري والياسمين.

ناظم الصرخي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكري وامتناني للشاعر النقي أ. ناظم الصرخي الجميل
مع أجمل جنائن الجوري لروحك الطيبة..

علاء حمد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5437 المصادف: 2021-07-25 03:24:45


Share on Myspace