المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

المجتمع العراقي بين السدارة والبيرية

52 الملك في بجامته(الملك في بجامته) رواية للكاتب خضير فليح صادرة عن دار الرافدين في طبعتها الاولى لعام 2018.

تقدم الرواية صورة متنقلة بين الماضي والحاضر؛ لتوضح كيف كان الماضي وتبين استمراره في الحاضر. تروي لنا حادثة مقتل الملك وعائلته ؛ لتقدم لنا صور عن الواقع العراقي ومجتمعه، كانت الصور تروي الجانب السلبي لهذا المجتمع الممتد من الماضي الى الحاضر بتطابق واضح. عنوان الرواية يطرح جوابًا لسؤال موجود في ثنايا سطورها يدور حول ملابس الملك لحظة مقتله. ثمة قول مثبت في اول الرواية وصف بأنه شبيهًا بالحكمة يوضح بسخرية مدى جهل العقول وبشاعة افكارها، ويقدم لنا صورة مختصرة جدا عن بشاعة اللحظة الاخيرة للملك الذي لم يسعفه قاتله بالانتظار حتى قول الشهادة، كما وتبين صورة القاتل البشعة، الصورة ذاتها الممتدة عبر الزمن. تسلط الرواية الضوء على مشاكل مجتمعية يعاني منها المجتمع موضحًا أنها مستمرة لا نهاية لها. يعمل الروائي على خلق اجواء تأخذك للماضي ثم تنتقل بك الى الحاضر من خلال مشاهد تحكي بإشارات ما كان يدور في قلب الماضي وما يطابقه في الحاضر. اعتقد انها الرواية الاولى الموظفة كليًا حول الملك ومقتله رغم إنها لا توضح الفعل السياسي بشكل صريح. ومن خلال هذه المشاهد أيضًا ستجد اشارات لعادات وتقاليد المجتمع البغدادي القديمة. الروائي يوظف في روايته راوٍ يأخذ صلاحية الحديث بمساحة اكبر متمثلاً بشخصية (خالد) ويسمح بأصوات اخرى بالظهور وكأنها تحمل رسالة فتؤدي ما عليها وتغيب. منها ما قاله القرة تبي عن الجرذان والوباء الاسود في اشارة منه لوصف حالة البلد بعد حادثة مقتل الملك، وقوله : يحيا الشعب، يحيا الرقص، تحيا رحلو، الذي أشار لسخرية الحياة والأحداث. القرة تبي الذي يقدم صورة الخائن وفعل الخيانة مع الزنكي، الصورة التي نجدها دوما حاضرة في كل الازمان. مع كل شخصية موظفة في الرواية تجد رسالة أو إشارة، مثل (سعاد) التي قدمت صورة للإنسان الانتهازي الذي يذهب اينما ذهبت مصلحته والذي يغير مبادئه بما تقتضيه المصلحة، كانت منتمية لصنف الماجدات ايام النظام السابق، لتخلع هذا الرداء وتبدله برداء يلاءم مصلحتها في فترة ما بعد التغيير. و(العباسي) الذي كان رمزًا للعنف لدى بعض الشخصيات العراقية -كما وصفه الراوي- مقدمًا صورة لمن يُغيب عقله في خدمة الاخر صاحب السلطة مهما كان الثمن. وشخصية الاميرة التي جمعت بين الشخصية الحقيقة في الماضي والأخرى المختارة من اجل التمثيل المسرحي، الاميرة بديعة التي وجهت دعاء للسماء، بسبب الظلم الذي حل بأخيها وعائلتها ومقتلهم بطريقة بشعة والتمثيل بجثثهم, أعادت فيه الى الاذهان صورة الماضي البعيد، وقدمت صورة توضح استمرار العنف والموت والظلم لان الخلل يكمن في البشر الذين يعيشون في هذه البلاد، ومن ثم السلطات المستغلة لهذا الخلل. وعن المكان سنجد أنه بصورتين القصر في الماضي، خشبة المسرح في الحاضر، المكان الذي احتضن افعال حولت مجرى الحياة من بعدها. وفي الزمن يتنقل الكاتب بسهولة تبين الترابط الكبير في الاحداث التي تعيد الزمن الماضي وتجعله حاضرًا دون أن تصيبه بخلل, فنجد الكاتب عمل بنسق زمني متقطع ينتقل من خلاله بالأحداث عبر الزمن, والصور التي استخدمت كدليل على ليلة الحادثة ومقتل العائلة المالكة جسدت الاسترجاع الزمني للماضي. ثمة اشارات تقدم صور مختلفة لتبدل الحياة ومظاهرها، منها تبدل المسبحة والسدارة الى البندقية والبيرية والبدلة الخاكية. الاختلاف في الاجيال وأفكارهم. ومنها ما يوضح كيف تصل كل حكومة حكمت البلاد على دم سابقتها، فلن نجد ثمة سلطة جاءت بأكاليل الزهور، كل من جاء، مشى على دماء المرحلة السابقة. وثمة اشارات اخرى تقدم صور البساطة التي كان يتلون بها الماضي . تختم الرواية بالمشهد المسرحي الذي يصور التمثيل والواقع معًا، ليتجدد فعل الموت منتقلا من قصر الماضي لمسرح الحاضر، مشيرًا الى أن فعل الموت مازال مستمرًا والأحداث تعيد نفسها بوجوه مختلفة. في النهاية ترد جملة (وما زال الرمي متواصلا حتى هذه اللحظة!) وهي جملة مفتوحة تعطي القارئ الحق في خلق التصوير الذهني المناسب للمشاهد التي تصور فعل الرمي، الفعل الذي يختصر احداثا كثيرة تركها الكاتب لمخيلة القارئ.

 

هـــديــل حســــام

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4254 المصادف: 2018-04-29 02:19:16