majed algharbawi12 (1)خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والأربعون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الوعي الفقهي والأخلاق

ماجد الغرباوي: تقدم أن الأحكام الفقهية، إفراز لمقدمات كلامية وأصولية، يرتكز لها منهج الاستنباط. وهو منهج تجزيئي، يقارب كل مسألة منفصلة عن غيرها من المسائل، ويدور مدار الدليل نفياً وإثباتاً. فعندما يستدل المجتهد على جواز نكاح المرأة مثلا، يحكم بجوازه مطلقا، لا فرق بين الصغيرة والكبيرة من النساء، إلا مادل الدليل على استثنائه، بقرينة متصلة أو منفصلة. وقد يستهين بكرامة الإنسان عندما يقّدم النص على العقل مطلقا. أو يعطي الشريعة أولوية على مصالحه. وقد يتمادى عندما يقدّم رأيه الفقهي باعتباره حكم الله، وهو رأي اجتهادي، بشري، قد يُصيب وقد يُخطئ. وبالفعل باتت المدونة الفقهية ترادف الشريعة، أمراً ونهياً. سيما الأوامر الولائية وفقا لنظرية ولاية الفقيه فإنها ترادف الأمر الإلهي، مادام للفقيه ما للرسول من ولاية مطلقة، كما ذهب لذلك الخميني روح الله!!!. وبالتالي عندما يستدل الفقيه على جواز نكاح مطلق المرأة، يستدل بقوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ). وأيضا: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ). وكلا الآيتين مطلقة، شاملة، لا تستثني إلا ما استثنته آية: (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ). فيمكن للفقه حينئذٍ الافتاء بجواز التمتع بالصغيرة، لشمولها بإطلاق دليل جواز نكاح المرأة، وعدم النص على استثنائها. فالحكم بالنسبة للمجتهد أشبه بمعادلة رياضية، لا دخل للأخلاق فيها، بل تدور مدار الدليل. والأخلاق ليست دليلا شرعيا، رغم أنها هدف الأديان: (إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ)، فينتفي الإشكال مادام استنباطه موافقا للقواعد الفقهية والأصولية في نظره. خاصة بعد إقحام المنطق الأرسطي في عملية الاستنباط. وبات بإمكان المجتهد الاستعانة بأحد أشكال القياس لاستنباط الحكم الشرعي، وفقا للصَناعة المنطقية، بعيدا عن الأخلاق والمشاعر الدينية والأخلاقية. كما لو قال: أكرم كل طالب، وزيد طالب، فيجب إكرامه، بغض النظر عن قيمه وأخلاقه وسلوكه. بينما الدين معيار للأخلاق والقيم، فكيف يجيز إكرام الفاسق لمجرد انطباق الشرط المنطقي عليه؟. نعم يجب في رأي المجتهد إكرامه، مادام الدليل مطلقا، ولم يقيده بالاستقامة والتدين. بهذا الشكل تلاشت القيم الأخلاقية، وتقدمت الصَناعة المنطقية والأصولية عليها. وما نسعى له استعادة المشاعر الأخلاقية شرطا في استنباط الأحكام الشرعية، وفاء لمبادئ التشريع ومقتضيات الحكمة التي مرَّ تفصيل الكلام حولها، ويأتي ما هو أهم.

الاجتهاد مَلَكَة، تأتي بعد مران طويل على استنباط الأحكام الشرعية، واستقلال طالب العلم برأي حول جميع المسائل الكلامية والأصولية والرجالية والحديثية، حتى وهو يتبنى رأي مجتهد آخر. المهم قدرته على إثبات صحة متبنياته بدليل علمي. فعملية استنباط الأحكام الشرعية، عملية منضبطة، تستدعي عدة معرفية، وخبرة تراثية، وضبط علوم اللغة والبلاغة والمنطق والرجال والحديث والأصول والفقه. كما يتطلب الإفتاء إحاطة بجميع الآراء الفقهية السابقة والمعاصرة، وقدرة على تطبيق القواعد الأصولية على الفقه. وخبرة فقهية تراكمية تجمع بين الدرس والتدريس ومواصلة البحث والمراجعة وممارسة استنباط الأحكام، وفق ذات المنهج والضوابط العلمية. وهذا هو الحد الأدني من شروط الاجتهاد، ومن لم يبلغ درجة الاجتهاد، فهو "محتاط" أو "مقلّد"، حسب اصطلاحاتهم. والأخير مفهوم قمعي، وعنف رمزي، يسلب الفرد حريته، ويرتهن خلاصه لرأي الفقيه ورؤيته الاجتهاديه.

فقه النص وأدلة الفقيه

إن القدرة على استنباط الأحكام الشرعية لا تجعل من المجتهد فقيها ممارسا ومبدعا، ذا أفق اجتهادي يستنطق النص، ويقرأ أبعاده التأويلية، ويحدد علاقة الدليل بغيره من الأدلة. الفقاهة اجتهاد، تقتضيه صَنعة الفقه، وإضافة نوعية ترتبط بفقه النص، وهي مَلَكَة جديدة تتوقف على وعي الفقيه ورحابة أفقه وقدرته على تأويل النصوص، وإدراك مقاصدها وغاياتها وملاكاتها وفلسفتها، لذا تختلف الفتوى من مجتهد لآخر رغم وحدة الأدلة الشرعية. فالأمر يتعلق بما هو أبعد منها، إلى النسق العقدي الذي يؤمن به الفقيه، ودائرة حجية القواعد الأصولية والفقهية التي يؤمن بها. فالإيمان بعصمة أئمة أهل البيت لدى الشيعة، ومطلق عدالة الصحابة، التي تعني العصمة أيضا، لدى أهل السنة يؤثر في دائرة حجية الأدلة الشرعية، من خصوص الكتاب والسنة النبوية إلى الكتاب والسنة النبوية وسيرة أئمة أهل البيت والصحابة. وبهذا الشكل تفاقم عدد الروايات، وانتشر وضع الأخبار لتزوير الحقائق.

كما يتأثر الحكم برأي الفقيه ومبانيه الأصولية، فتختلف النتيجة بين من يذهب للاحتياط، و"أصالة الاشتغال" كأصل أولي عند الشك بالفعل، وبين من يرى البراءة. فلو شككت بوجوب صلاة الضحى مثلا، وليس هناك دليل فالأول يحكم بوجوبها احتياطا وفقا للأصل الأولي، بينما يحكم الثاني بالبراءة وعدم اشتغال الذمة. وكذا في حالة دوران الأمر بين الأقل والأكثر من الواجب. وغيرهما من القواعد الأصولية.

إن النسق العقدي يعبر عن وحدة الأفق المعرفي، وتشابه المقولات الأساسية لبنية الوعي للمجتهدين لكل مذهب فقهي، فاحتمالات الاختلاف العلني معدومة، خوفا من تهمة الانحراف والتمرد ضد المذهب. بينما الاختلاف وارد في مقدمات الفقه والأصول والمباني الرجالية والحديثية، تبعا لاجتهاد المجتهد وما يعتمده من أدلة وبراهين على صحة مبانيه. فالعقيدة وراء تصنيف المذاهب الدينية والإسلامية. وهي وراء الانحياز الطائفي والموقف الأيديولوجي، الذي ينعكس على فتوى الفقيه، خاصة موقفه من المختلف ولو كان داخليا. والمسألة العقائدية من أعقد القضايا لمن يروم التجديد في الخطاب الفقهي. بل وحتى القسم الثاني، القواعد الأصولية والفقهية والرجالية يتأثر بالعقيدة عندما يكون الدليل لفظيا، آية أو رواية.

بهذا الشكل يتضح أن مفهوم الفقيه أخص من مفهوم المجتهد. بينهما عموم وخصوص مطلق. كل فقيه مجتهد، وليس كل مجتهد فقيه، فيصدق الثاني على الفقيه، وغيره من المجتهدين، ممن لا يرقى لمستوى الفقاهة.  بهذا المعنى أميّز بين الفقيه والمجتهد، عندما أطلق مفهوم الفقيه، باعتباره يتعدى معرفة وضبط القواعد العلمية، أو ما تقتضيه صَنعَة الفقه، إلى ما هو أرحب حول فقه النص. فالفقاهة مَلَكَة مضاعفة، مَلَكَة الاجتهاد ومَلَكَة الفقاهة. الفقيه خبير بالفقه وعلومه وما يتعلق به من علوم أخرى، ويتمتع بحاسة فقهية تعكس مدى تأمله في مدارات النص. ويميز الفقهاء بينهما، بينما الشائع هو التساوي بين مفهومي المجتهد والفقيه.

الفقاهة والوعي

ثمة حقيقة، لا ملازمة بين الفقاهة والوعي، فربما فقيه ينقصه الوعي، وآخر رغم وعيه غير أنه يرتهن حريته لقبليات تفرض عليه محدداتها، فيقمع ما يدور في ذهنه خوفا من مخالفة المشهور، وبالتالي رميه بالانحراف واختراق المدونة الكلامية والفقهية الرسمية، فيخسر مكانته وحيثيته. لذا بقيت مساحات التجديد محدودة جدا، بين فترات متباعدة، لا تطال القضايا الجوهرية، سيما ما يتعلق بالنسق العقدي. وبقي الفقه يجتر موضوعات محترقة، لا يقدم جديدا على صعيد المسائل الإشكالية التي تخص حقوق الإنسان والمرأة والاستبداد والعنصرية، وغيرها. ومازال استنباط الأحكام الشرعية وفتاوى الفقهاء تهمّش الأخلاق، وفاء لمقدماتها الكلامية والأصولية، ويغلب على الاجتهاد طابع الصَناعة، بعيدا عن روح الدين وأهدافه الإنسانية السامية. فمظاهر الجمود ذاته، ومازالت أدلة استنباط الأحكام ترتهن لرؤية السلف، دون مراعاة للواقع وضروراته، وما طرأ على الوعي الإنساني من تغيرات جذرية حول رؤيته لنفسه وللآخر، وعدم المجازفة بحريته واستقلاليته. وبكلمة مكثفة، مازال الفقه الإسلامي مرتهنا لقيم الاستبداد وثنائية السلطة والمعارضة، ومازال مسكونا بالطائفية ورهانات الفرقة الناجية. فغياب الأخلاق يبدو نتيجة طبيعية وفقا لما تقدم من تحفظات وإشكالات أساسية. رغم تفاقم المدونات الفقهية، وبات الفقه يلاحق الفرد، في كل صغيرة وكبيرة، حتى غدا مفهوم الفقه يرادف مفهوم الشريعة.

ولكن كيف توسعت المدونات الفقهية؟ وكيف احتكر الفقيه الحقيقة وحاصر حرية الفكر، وفرض التقليد رهانا لخلاص الإنسان؟ وكيف أقنعه بعجزه وجهله وأميته؟ وسلسلة علامات إضافية تتعلق بالاستبداد والعنف والموقف من الآخر.

المدونات الفقهية

كان القرآن مصدرا وحيداً للشريعة الإسلامية، وقد اشتمل على جميع آيات الأحكام، ثم ختم الكتاب بقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، التي جاءت في سياق تشريع الأحكام، قبلها وبعدها، ليكون السياق قرينة على إرادة إكتمال الشريعة، وبيان ما كان يود بيانه الكتاب الكريم من أحكام تخص الفرد والمجتمع. أو بشكل أدق بيان رأي الشريعة. وبما أن آيات الأحكام كانت إجابة على أسئلة واستفتاءات الصحاب، فقد أخذت بنظر الاعتبار الواقع ومرتكزاته العرفية في نظر الاعتبار. وكان النبي يبين ويشرح ما خفي عليهم من تفصيلات، وقد يمارس دور الفقيه بتطبيق كبرى الأحكام والقواعد الفقهية على مصاديقها. وأما سلوكه وأحاديثه وما يصدر عنه (سُنته) فتعبّر عن مسؤوليته كرسول يفصّل ويبيّن ما له جذر قرآني، وهو حجة، دون تخصيص ولا تقييد لآيات الكتاب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا). وأيضا: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ). وليس له حق الافتاء: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ). أو ما يصدر عنه أحكام ولائية، ترتهن فعليتها بحاكميته، فتنتفي حجيتها بوفاته. أو يعبّر قوله وسلوكه عن موقف أخلاقي، وهو مثال للأخلاق الحميدة: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ). أو يتصرف كإنسان يحلو له ما يحلو، ويرفض ما يرفض تبعا لذوقه. فالنبي لا يشرّع، بل هو فقيه عندما يتصدى لبيان الحكم الشرعي، وما عداه يرتهن لجهة صدوره. فحجية سُنته تقتصر على بيان وتفصيل الأحكام، (قول أو فعل أو تقرير). بعد الجزم بصحة صدور الرواية عنه. كتفصيلات الصلاة مثلا.

بهذا الشكل اتسعت الشريعة بمقدار بيانات النبي الكريم حول أحكامها. وبات الفقيه قادرا على الاستدلال بالكتاب والسُنة بهذا الحدود، ليس أكثر. وأما ما تركته الشريعة، فقد تركته للعقل، لتشريع ما يلزم وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته وفي إطار الأخلاق. وقد بينت سابقا أن أحكام الشريعة كانت مجرد نماذج لتشريع الأحكام، على أن يدرك الناس جذرها الأخلاقي، ومواصلة التشريع وفقها. غير أن فقهاء المسلمين، بدءا من الصحابة الذين تصدوا لاستنباط الأحكام الشرعية، اتخذوا مسارا مغايرا، حول مصادر التشريع، أفضى إلى تراكم الروايات. لم يكتفوا بسُنة النبي الشارحة والمبينة، بل جعلوا مطلق سُنته حجة، تتقدم على الآيات، تخصص أو تقيد!!. فكان تراكم أدلة التشريع طبيعيا طبقا لمتبنياتهم العقدية والأصولية حول حجية السُنة. وكان يدفعهم لهذا مجموعة أسباب، منها، قيم العبودية التي التفت على القيم الدنية، وواصلت تفرض محدداته على العقل العربي المسلم. ومنها، التعبد مع الحاجة للتشريع وعدم الوثوق بالعقل ومعطياته، حتى مدركات العقل العملي، فكانت النتيجة تحكّم الأخلاق برأي الفقيه.

لحظة التأويل

إن وفاة النبي هي لحظة انتقال الإسلام من دين سماوي إلى دين سياسي. من التلقي المباشر من النبي وسيطا عن الوحي،  إلى تأويل النص القرآني. وكل تأويل مرتهن لقبلياته. وبما أن تاريخ المسلمين قد دشن حضوره من خلال موقف الصحابة من السلطة، فإن ثنائية السلطة / المعارض شكلت قبليات الصحابة ومن جاء بعدهم من التابعين ثم العلماء والفقهاء، بل وتأثر بها جميع المسلمين. لذا طالما أكدت أن الموقف السياسي الأول لم يقم على قاعدة فكرية أو عقائدية، بينما أغلب الانجاز الفكري والعقدي للمسلمين قام على موقف الصحابة من السلطة، حتى انعكس على مصادر التشريع لاحقا، واتسع مفهوم الشريعة ليشمل ما هو أعم من سُنة النبي وسيرة الصحابة وأئمة أهل البيت، فتعددت مصادر التشريع.

إن فهم تلك المرحلة، خاصة بداياتها وما ترتب عليها يمهّد لفهم كل ما حصل لاحقا على الصعيدين الكلامي والفقهي، ومن ثم علاقة هذا بتخلف المسلمين، وصعوبة التخلص من الإرث القَبلي.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الأربعون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

حدود الشريعة والأخلاق

ماجد الغرباوي: ثمة أكثر من مبرر لطرح منهج بديل لاستنباط الأحكام الشرعية. منهج يضع العقل فوق النص. ويأخذ بنظر الاعتبار تاريخ وفلسفة الأحكام والتعاليم الدينية، ويقدّم الأخلاق على الأدلة الأولية للأحكام الشرعية، لتكون حاكمة عليها، كغيرها من القواعد الفقهية. ويرتكز لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، لضمان أحكام وفتاوى لا تجافي القيم الأخلاقية الأصيلة وما اتفق عليه العقلاء حول حقوق الإنسان بعيدا عن أية دوافع أيديولوجية. بينما دأب المنهج الفقهي التقليدي على تهميش الأخلاق وعدم الاكتراث لها، وفاء لمقدماته الكلامية والأصولية، التي في مقدمتها: "أن الحُسن والقُبح شرعيان لا عقليان". وأن "الحَسن ما أمرت به الشريعة، والقبيح ما نهت عنه"، وليسا مستقلين بذاتهما، كي تكون الأخلاق حاكمة على الأدلة الأولية للأحكام الشرعية. فجواز تفخيذ الطفلة الرضيعة، يغدو بعد توسعة مفهوم الشريعة ليرادف مفهوم الرأي الفقهي، حسناً مادام مباحا شرعا، مهما كان منافيا للذوق العام والأخلاق. وزواج المرأة غير الراشدة حسن مادام مباحا، مهما كانت تداعياته ومنافاته للعدل والانصاف التي هي قيم أخلاقية أصيلة. بينما تختلف النتيجة لدى الاتجاه العقلي الذي يعتقد "أن الحُسن والقُبح عقليان"، وأنهما من مدركات العقل العملي والأخلاقي. و"الحسن حسن بذاته حكمت أو لم تحكم الشريعة بحُسنه. والقبيح قبيح بذاته، حكمت أو لم تحكم الشريعة بذلك". وحينئذٍ يقع التعارض بين الدليل العقلي القطعي الدلالة مع الدليل اللفظي الظني الدلالة، فيقدم الأول، ويتعذر على الفقيه الافتاء بما يخالف القيم الأخلاقية. فالرأي الفقهي يبقى مرتهنا لعقيدة الفقيه، وما يتبناه من مقدمات كلامية وأصولية، فالنتيجة تختلف بين من يؤمن ومن ينكر عصمة أهل البيت أو الصحابة، وكذلك تختلف النتيجة بين من يؤمن ومن لا يؤمن بحجية القياس أو الاستحسان، لذا أحيانا تختلف فتوى الفقهاء حول موضوع واحد.

ولا يخفى حجم التداعيات بناء على الرأي الأول بالنسبة للحُسن والقُبح، فهو لا يعتبر الأخلاق دليلا عقليا مستقلا، كما بالنسبة للاتجاه الثاني، فتجد المكلف يسرق أو يتجاوز بموجب فتاوى الفقهاء. يشهد لذلك تصرفات بعض المتدينين، فقد استلف أحدهم 50 ألف دولار أسترالي من البنك، وامتنع عن تسديدها، وقد صرّح أمام من أثق بنقله، أنها أموال مجهولة المالك، وفقا للفقه الشيعي، فيجوز له أخذها بعد استئذان الفقيه، وبالفعل ترك أستراليا بعد تهريب المبلغ كاملا!!!؟. ومن يحكم بكفر أهل الكتاب من الفقهاء يبيح سرقة أموالهم، كما جاء في مجموع الفتاوى لابن تيمية: (119/34): (الكفار لا يملكون مالهم ملكا شرعيا، ولا يحق لهم التصرف فيما في أيديهم، والمسلمون إذا استولوا عليها، فغنموها ملكوها شرعا، لأن الله أباح لهم الغنائم ولم يبحها لغيرهم)!!. ولا ريب في تعارض المثالين مع القيم والمبادئ الأخلاقية، غير أن الفقيه الذي أفتى بهما لا يؤمن بوجود قيم أخلاقية خارج الشريعة. والأمثلة كثيرة، خاصة مخالفة قوانين الدول التي لجأوا لها، وآوتهم، ومنحتهم حق الإقامة والعيش الكريم، باعتبارها أنظمة كافرة، لا شرعية لقوانينها. اللجوء عقد بين الطرفين، تقبلك الدولة على أن تتمسك بجميع أنظمتها وقوانينها وتدين لها بالولاء، وعدم مخالفة القوانين شرط في العقد، أو يكون باطلا. ويأثم من يأكل أموال الناس بالباطل. فتجد التحايل على القوانين أمرا شائعا من أجل تحقيق مكاسب مادية، لا فرق بين متدين وغيره. أقذرها دعوى الطلاق كذبا وزورا، وهما يعيشان تحت سقف واحد. ورغم أن القضية أخلاقية، لا فرق بين فرد وغيره إلا أن سلوك المتدين أو مدعي التدين، يثير الاستغراب، كيف يؤمن بالله ويسحق ضميره، وكيف يؤمن بالمعاد ويخون الأمانة؟. لكن الغرابة تزول عندما تعرف ثمة فتاوى تبيح له ذلك. فتاوى لا تأخذ بنظر الاعتبار الأخلاق في استنباط الحكم الشرعي. مهما كان تداعياتها وانعكاسها السلبي على سمعة الدين، والإسلام خاصة. بينما هذه الأعمال مستهجنة ومحرمة لدى فقهاء آخرين، لا يفتون بما يعارض القيم الأخلاقية.

حدود الشريعة والأخلاق

هناك فرق بين من يعتقد أن الحُسن والقُبح شرعيان، ويقصد بـ"الشرعي"، خصوص ما نصت عليه الشريعة الإسلامية في الكتاب الكريم. وبين من يمطّ مفهوم الشريعة لتشمل أقوال الأئمة والصحابة والتابعين ومن ثم كبار الفقهاء بل ومن تلاهم، وتغدو مرادفة للفقه. فلو سلّمنا جدلا أنهما شرعيان، لا عقليان، فما هو مفهوم الشريعة عندهم؟ إن مفهوم الشريعة عندهم لا يقف على حدود آيات الأحكام والتعاليم القرآنية. بل تشمل إضافة إلى مطلق سيرة النبي الكريم (قولا وفعلا وتقريرا)، وسُنة أئمة أهل البيت لدى الشيعة، وسُنة الصحابة عند السنة، وربما يضاف لها أقوال السلف والفقهاء، لقوة حضورها العلمي والفقهي. حتى بات المتأخرون من الفقهاء يترددون في مخالفة آرائهم، فضلا عن الاستشهاد بها على صحة أو نفي أقوالهم. لذا لا يجاهر الفقيه بمخالفة مشهور الفقهاء في مسألة، حتى لو استدل على رأيه بأدلة متينة خلال بحوثه الفقهية. فالرأي الفقهي الرسمي بات يتمتع بسلطة مثله مثل الرأي الكلامي في النسخة الرسمية للعقيدة. وقد عاصرت شخصيا حملة تكفير المرجع الديني اللبناني الشيعي، السيد محمد حسين فضل الله من قبل الحوزات العلمية لأنه أفتى خلافا للمشهور في مسائل تخص المرأة والشباب!!. لذا ينبغي بيان الحقيقة كاملة، ثمة فرق جوهري بين الشريعة، وهي مجموع آيات الأحكام المنصوص عليها قرآنيا، وبين النصوص الشارحة والمبيّنة لها، سُنة النبي، وبين ما تلاها من آراء اجتهادية تمثل وجهة نظر فقهية، واجتهاد يتأثر بقناعاته وقبلياته، ومبانيه الأصولية، وما تفرضه عليه مغيرات الزمان والمكان، والواقع وضروراته. وبالتالي لو وافقنا الاتجاه الأشعري أن الحَسن ما أمرت به الشريعة. والقبيح ما نهت عنه. فنشترط، إضافة لثبوت فعليته، اقتصار مفهوم الشريعة على ما ورد في الكتاب الكريم من أحكام شرعية، وعدم ثبوت جعل ولاية تشريعية لأي شخص بما فيهم الأنبياء: (وَيَسْتَفْتُونَكَ ... قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ). وقد مرّ الكلام ويأتي التفصيل أن الأحكام الأخلاقية في القرآن أحكام إرشادية لحكم العقل بحسن العدل وقبح الظلم. وهذا يكفي دليلا على حجية الأخلاق كحكم عقلي قطعي الدلالة، يتقدم دائما على الأدلة اللفظية المظنونة، ويعارض كل حكم وفتوى تتعارض مع القيم الأخلاقية. وقد سبق بيان الفرق بين مختلف الأحكام في الكتاب ولا نعيد. غير أن مفهوم الشريعة لدى اتجاه العبودية أعم من آيات الأحكام ليشمل السنة النبوية وغيرها، بل يقصد به اليوم آراء الفقهاء. فالحسن حينئذٍ ما أمرت به الشريعة بالمعنى الأعم من السُنة وآراء الفقهاء. وبهذا تفقد القيمة الأخلاقية ثباتها الذي يوفره لها العقل، فإن أحكام العقل ثابتة وشاملة لا تخصص. والحسن حسن بذاته بعيدا عن الشريعة وكذلك القبيح فإنه قبيح بذاته، غير أن اتجاه العبودية يرتهن الأخلاق للشريعة فتفقد ثباتها بل وترتهن لرأي الفقيه الاجتهادي الذي هو رأي بشري مرتهن لقبلياته وأيديولوجيته وثقافته وعقيدته. وهذا مكمن الخطر. فالحسن والقبح يدوران مدار فتاواه وأحكامه، التي تتغير من فقيه لآخر، بل وحتى لدى الفقيه الواحد. وحينئذٍ تنتفي المرجعية الأخلاقية المستقلة التي يمكننا محاكمة فتاوى الفقهاء في ضوئها، حتى في أخطر القضايا. وبهذا الشكل يسلب الفقيه المعارضة حق الاعتراض والنقد والمراجعة، لأن الاعتراض عليه سيكون اعتراضا على الله وشريعته، والحقيقة التي يتستر عليها الاتجاه العبودي أن رأي الفقيه يمثل فهمه للشريعة، وليس هو الشريعة. غير أن نبرة الفقيه أعلى بفعل مقامه الاجتماعي، فيقمع كل رأي معارض، وهو يحتاج بنصوص ثانوية!!!.

وأما سُنة النبي فهي امتداد للكتاب مادامت شارحة ومبينة، والقرآن أصل في حالات التعارض. غير أن للنبي بصفته مثلا أعلى للأخلاق خصوصية، تجعل منه نموذجا للأخلاق الإنسانية والدينية: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ). فيكون ملهما لها وقدوة للآخرين. غير أن هذه الصفة لا تدل على ارتهان الأخلاق للشريعة. الأخلاق الأصيلة قيم إنسانية مستقلة، ومن مدركات العقل العملي، لا يُختلف حولها، رغم إمكانية الالتفاف عليها أو تبريرها. فالظلم أو القتل قبيح بذاته، والقاتل يعترف بذلك في قرارة نفسه، غير أنه يبرر جريمة القتل. والنبي محمد بن عبد الله كان معروفا بأخلاقه الحميدة قبل البعثه، فامتدح القرآن أخلاقه بعدها. فالمدار إذاً وفقا للاتجاه العقلي، على الشريعة، وخصوص ما نص الكتابه عليه، وتقتصر حجية السنة على ما له جذر قرآني، وما عداهما آراء اجتهادية ووجهات نظر فقهية، لا حجية لها، ولا تمثل رأي الشريعة بالضرورة، بل تجد الاختلاف ديدن الفقهاء حول فهم بعض آيات الأحكام كآية الوضوء وتفصيلاتها. بل أن الدوافع الأيديولوجية ومطية التعبد كانت وراء ما حاق بالشريعة والدين، حتى غدت مهمة الفقيه شرعنة سلوك السلطان، وتبرير سياسة الاستبداد والقمع والتعسف. إن تجاه العبودية يتجنى على الدين عندما يرتهن الأخلاق للشريعة، فيغدو سفك الدماء حسنا، مادام قد صدر عن فتوى فقهية. وهذا معنى شرعنة الفقيه لسلوك السلطان. أي منح السلوك المخالف للقيم الأخلاقية صفة الشرعية.

الارتداد والأخلاق

لا تجد أية مؤاخذة دنيوية على الارتداد، واكتفت الآيات بتأكيد العقوبة الأخروية، غير أن الرأي الفقهي قائم على وجوب قتل المرتد، تلك الفرية على القرآن التي بسبب سفكت دماء غزيرة، تقع مسؤوليتها على فقهاء السلطة قبل السلطان وأعوانه. أما آيات الكتاب فهي:

- (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). والآية صريحة لا توجد أية عقوبة دنيوية.

- (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ). وهذه كسابقاتها.

- (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا). وهذه الآية تحسم مسألة الردة قضائيا، فقد تخلل الايمان ارتداد لكن لم يعاقب عليه.

فلا عقوبة دنيوية على الارتداد بموجب الآيات أعلاه، وبناء على اختصاص التشريع بالله تعالى، وثمة آيات تعزز حرية الاعتقاد: (لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ)، (وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ). لكن رغم ذلك انعقد الاجماع المدركي على وجوب قتل المرتد، بناء على روية عن الرسول، قال فيها: (مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه). ولا مراء أن الرواية صريحة، ومطلقة، شاملة لكل من يرتد عن دينه، فيمكن للفقيه الاستدلال بها على وجوب قتل المرتد، على فرض صحة صدورها وتمام حجيتها، وفقا لمبانيه في الجرح والتعديل. لكن هل هذا المقدار يكفي للاستدلال بالرواية على وجوب قتل المرتد؟.

إن وجود رواية وإن كانت تامة سنداً ومتناً لا تكفي للاستدلال على وجوب قتل المرتد مطلقا، بل ينبغي دراسة تاريخ الرواية، ودوافعها، وأسباب صدورها، إذ لا يمكن للرسول مخالفة الكتاب، وآياته صريحة بعدم وجود مؤاخذة دنيوية على الارتداد. وتكرر الكفر في الآية الأخيرة ولم يقتل المرتد، بل عاد وآمن ثم  كفر. إذاً فكيف تفسر الرواية وفقا للاتجاه العقلي / فقه الشريعة؟. نقول: إن التشريع مختص بالله تعالى، ولا ولاية تشريعية للنبي بدليل قرآني صريح. وبالتالي فالرواية مع فرض تماميتها وصحة صدورها، تكون قد صدرت في ظل ظروف خاصة بالدعوة وأيام ضعفها. فكان الارتداد العلني يربك المؤمنين، فربما اتخذ الرسول قرارا بقتل أحد المرتدين لخصوصية ما، ويكون حكمه في هذه الحالة حكما ولائيا، بما أنه ولي المؤمنين، ومسؤول عن أمنهم القومي خاصة في بداية الدعوة الإسلامية، والأحكام الولائية لا حجية لها بعد وفاة الولي. وأساسا شروط صحة الروايات عندنا صعبة للغاية وتكاد تكون تعجيزية، فلا يمكن ثبوت صحة صدورها. لكن اتجاه العبودية قال بحجيتها وحكم بقتل المرتد، فكان القتل سيفا بتارا بيد فقهاء السلطة لقطع وتين المعارضين والمناوئين لها، خاصة مع التلاعب في مفهوم المرتد ليشمل كل من تمرد ضدها، أو تحفظ على سلوكها علناً. بل وصدرت عنهم أحكام تعسفية تحت هذا العنوان، أقرأ للغزالي ماذا يقول حول المرتد في كتابه: فضائح الباطنية: (الْفَصْل الثَّانِي فِي أَحْكَام من قضى بِكُفْرِهِ مِنْهُم، وهو مجرد نموذج، ولا يختلف الفقهاء حول قتل المرتد:

وَالْقَوْل الْوَجِيز فِيهِ أَنه يسْلك مَسْلَك الْمُرْتَدين فِي النّظر فِي الدَّم وَالْمَال وَالنِّكَاح والذبيحة ونفوذالأقضية وَقَضَاء الْعِبَادَات أما الْأَرْوَاح فَلَا يسْلك بهم مَسْلَك الْكَافِر الْأَصْلِيّ إِذْ يتَخَيَّر الإِمَام فِي الْكَافِر الْأَصْلِيّ بَين أَربع خِصَال بَين الْمَنّ وَالْفِدَاء والاسترقاق وَالْقَتْل وَلَا يتَخَيَّر فِي حق الْمُرْتَد بل لَا سَبِيل إِلَى استرقاقهم وَلَا إِلَى قبُول الْجِزْيَة مِنْهُم وَلَا إِلَى الْمَنّ وَالْفِدَاء وَإِنَّمَا الْوَاجِب قَتلهمْ وتطهير وَجه الأَرْض مِنْهُم هَذَا حكم الَّذين يحكم بكفرهم من الباطنية وَلَيْسَ يخْتَص جَوَاز قَتلهمْ وَلَا وُجُوبه بِحَالَة قِتَالهمْ بل نغتالهم ونسفك دِمَاءَهُمْ فَإِنَّهُم مهما اشتغلوا بِالْقِتَالِ جَازَ قَتلهمْ وَأَن كَانُوا من الْفرْقَة الأولى الَّتِي لم يحكم فيهم بالْكفْر وَهُوَ أَنهم عِنْد الْقِتَال يلتحقون بِأَهْل الْبَغي والباغي يقتل مَا دَامَ مُقبلا على الْقِتَال وأنكان مُسلما إِلَّا أَنه إِذا أدبر وَولى لم يتبع مدبرهم وَلم يُوقف على جريحهم أما من حكمنَا بكفرهم فَلَا يتَوَقَّف فِي قَتلهمْ إِلَى تظاهرهم بِالْقِتَالِ وتظاهرهم على النضال.

فان قيل هَل يقتل صبيانهم وَنِسَاؤُهُمْ قُلْنَا أما الصّبيان فَلَا فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخذ الصَّبِي وَسَيَأْتِي حكمهم وَأما النسوان فَإنَّا نقتلهم مهما صرحن بالاعتقاد الَّذِي هُوَ كفر على مُقْتَضى مَا قَرَّرْنَاهُ فَإِن الْمُرْتَدَّة مقتولة عندنَا بِعُمُوم قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ نعم للْإِمَام أَن يتبع فِيهِ مُوجب اجْتِهَاده فَإِن رأى أَن يسْلك فيهم مَسْلَك أبي حنيفَة ويكف عَن قتل النِّسَاء فَالْمَسْأَلَة فِي مَحل الِاجْتِهَاد وَمهما بلغ صبيانهم عرضنَا).

العقيدة قناعة قلبية، سواء حكمت على المرتد بالقتل أو لم تحكم، لا يتغير شيء، ويبقى على عقيدته وقناعته، وهل حقا تهتز عقيدة المسلمين لمجرد ارتداد بعض الأفراد؟

بهذا يتضح الفارق النوعي بين الاتجاهين العبودي والعقلي وحجم ما يترتب على الأحكام من تداعيات أخلاقية وظلم وجور خاصة مع توسعة مفهوم الارتداد ليشمل حرية الرأي والتعبير إضافة إلى حرية الاعتقاد. لكن الفقيه دائما لديه ما يحتج به، فما هي حقيقة أدلته؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10خاص بالمثقف: التاسعة والثلاثون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

مرَّ الكلام عن رهان فقه الشريعة القائم على فلسفة الأحكام وتأصيل العقل مقارنة بمنهج الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية، وقدرة الأول على مواكبة الحياة والاستجابة للواقع ومتطلباته، عكسا للثاني الذي يرابط في القرون الأولى من بعثة الرسالة، يلغي الواقع وضروراته ويجرد الأحكام الشرعية من تاريخيتها. وكذا جرى الحديث عن الفارق النوعي بين اتجاه العبودية الذي يعتقد بوجود علل خفية وراء الأحكام تقتضي الانغلاق على النص والجمود على حرفيته وظاهره، والاتجاه العقلي الذي يؤكد قيام التشريع وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته وفي إطار القيم الأخلاقية، وما كان واجبا من أحكام الشريعة قد لا يكون كذلك الآن، وما كان محرّما قد يكون مباحا. الأول يرتهن شرعية الحكم لقدسيته فيمهّد لتوظيفه أيديولوجيا وسياسيا، بينما يرتهن الاتجاه الثاني شرعية الحكم لمبادئه، فيمتنع تكريسه خارج سياقات مبادئه الأخلاقية. بهذا يتضح حجم الاختلاف بين الاتجاهين وما يترتب عليهما على الصعيدين الديني والأخلاقي. والسؤال الملح عن حقيقة التعبد المطلق في الأحكام الشرعية، والعزوف عن العقل ومقتضيات الحكمة. ما هي خلفياته وفلسفته ومبرراته؟ وما هي إمكانية تجاوزه عمليا من خلال قناعة الفقهاء؟ التعبد قد يشكل خطرا على الدين عندما يغدو ذريعة بيد الفقيه للتهرب من الواقع، وأسئلته الملحة. فعندما يُسأل عن المبرر الأخلاقي لجواز التمتع بالطفلة الرضيعة وفقا لآراء بعض الفقهاء مثلا، لا يجد سوى التعبد يقمع به سؤال السائل، وقد يتعرض لحرج شديد، عندما يحكّم ضميره في المسألة. لا فرق بين فقيه وآخر إلا في مستوى الوعي. والأمثلة كثيرة.

فهل التعبد:  تعبير آخر عن رهاب القداسة، بشكل يكون الورع والتقوى والحذر هو الدافع وراء حرفية النص والانغلاق على ظاهره، فتجد الاحتياط يلازم الفقيه لتفادي أي تقاطع مع مراد الشارع المقدس وفقا لتصوراته؟

- أم أن الفهم التراثي للدين يحول دون إدراك مقاصد الشريعة وغاياتها؟ فيكون الخلل في بنيته المعرفية، ورؤيته الكونية للعالم..

- أو ثمة أدلة وقرائن دالة عليه، تمنع تأويل النص والبحث عن فلسفته ومقاصده؟. وبشكل أدق أن سلطة النص التي تعني "هيمنته المعرفية، وفرض إرادته، ومحدداته"، هي التي تفرض الانغلاق عليه، من وحي رهاب القداسة وتداعياتها أم هناك سبب آخر؟

- أو الأمر يتعلق بسلطة الفقيه، فيميل لا شعوريا له؟. وبالتالي هل الانغلاق على ظاهر النص عن وعي وقصد ومعرفة أم هناك عوامل ترتبط بسلطة الفقيه ومركزيته؟.

لا ريب بوجود أسباب وراء ظاهرة الانغلاق على النص تاريخيا، بدءا من أصحاب الحديث وأهل الظاهر والسلفيين من جميع المذاهب.  بعضها سكيولوجي، مرتبط بالتكوين الثقافي والنفسي للفقيه. وهناك العامل الأيديولوجي الذي يفرض على الفقيه محدداته، حداً ينأى عن موضوعيته أحيانا. إضافة لسطوة الدافع الطائفي، التي تفرض تأويل النص لتفادي أي تقاطع مع متبنياته العقدية، ولا ننسى مناهج الاستنباط والنسق العقدي للفقيه، وتغلغل قيم الاستبداد والعبودية وروح الانقياد والتبعية. غير أن سلطة الفقيه المتفرعة على سلطة تفسير النص، تعد الأهم بينها وأخطرها، وقد جرى تعتيمها واستبعادها وتهميشها، فكانت وماتزال ضمن "اللامفكر فيه" و"يحرم مقاربته والتفكير فيه"، تحت عنوان العلم والتخصص وحماية الشريعة. بل وحتى الإرادة الإلهية حاضرة، لتسلب الناس حق مساءلة الفقيه عن سلطته وقدسيته، حينما توظف الآيات بشكل مدروس كقوله تعالى: (ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، وهي آية كما يدل سياقها خاصة بالرسل والأنبياء دون غيرهم: (وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ). لتوحي بشمول العناية الإلهية للفقيه مادامت المسألة متعلقة بالرسالة، والفقيه أولى لدوره العلمي، تفسيرا وتأويلا، ومن ثم استنباط الأحكام الشرعية. وهناك روايات معززة، كما في الخبر: (علماء أمتي أفضل من أنباء بني إسرائيل)، (العلماء ورثة الأنبياء). بل وأسند له الشيعة مقام نيابة الإمام المعصوم، مما يعزز قدسيته أكثر من سلطته، وربط طاعته بطاعة الإمام. وبالتالي يجب تحري سبب الانغلاق على النص وحرفيته، ومدى شرعيته ومبرراته العلمية، كي يواكب الفقه الحياة إذا أراد البقاء فاعلا، أو ينأى تحت ضغط الواقع وضروراته، وقوة اللوائح والتشريعات الوضعية، الند التشريعي للأحكام الفقهية، خاصة حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحرية المرأة والاعتراف بالآخر وحق الاختلاف وحركات التحرر من عبودية الاستبدادين الديني والسياسي. ويكفي شاهدا أفواج اللاجئين للغرب من المسلمين كافة. ويعني اللجوء فيما يعني هجرة الواقع الثقافي القديم إلى واقع ثقافي مغاير، وبيئة دستورية وقانونية، يجد فيها ذاته، ويمارس من خلالها حريته.

سلطة النص

تحدثت في كتاب: "النص وسؤال الحقيقة.. نقد مرجعيات التفكير الديني"، عن المعنى الدلالي والاصطلاحي للنص، واخترت للثاني، أي النص اصطلاحا: "ما تعددت دلالاته بتعدد قراءاته وتأويلاته المحتملة". (أنظر، ص14 من الكتاب). وبالتالي ثمة فرق بين النص واللانص، رغم أن كليهما نسيج لغوي، يتكون من كلمات وجمل، ومعانٍ وألفاظ، وتراكيب لغوية، ودوال ومداليل. إلا أن النص يتصف بثراء تأويله، وقابليته للكشف عن المضمر من أنساقه.

وأما سلطة النص: فتعني هيمنته المعرفية، وفرض إرادته، ومحدداته، حينما يحتكر الحقيقة أو جزءها، ضمن آلية التفكير وانتاج المعرفة. سواء كان مضمون النص مطابقا للواقع ونفس الأمر أم لا. المهم قيمة النص لدى المتلقي، وقوة حضوره وتأثيره معرفيا. فكثير من الأوهام يتعامل معها الناس كحقائق مطلقة، تمارس سلطتها أسوة بغيرها من الحقائق، ويحتكم لها العقل. لذا فالقراءة هي التي تستفز النص، وتراكم مدلولاته. ولكل نص سلطته، مهما كان مستواها، وقدرتها على التأثير، فثمة نصوص تندحر أمام القراءات النقدية، وأخرى تصمد، وتثري بمقاومتها فعل القراءة، وفقا لشروطها وفعلية العوامل المؤثرة فيها. (المصدر نفسه). فأقصد بالنص هنا مصدري استنباط الأحكام الشرعية: القرآن والسُنة. وإذا كانت هناك سلطة للفقيه متفرعة على سلطة النص، فيقصد به خصوص النص الديني الأشمل من الكتاب والسنة وأقوال السلف والفقهاء.

الفقيه وسلطة النص

في بداية الدعوة كانت القداسة حكرا على آيات الكتاب وماتنزّل على الرسول الكريم. يكفي في قداستها انتسابها للخالق، للحق، المطلق، المتعالي، للمحيط بكل شيء: (وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ). ثم تسربت قداسة الكتاب لسنة النبي، باعتبارها شارحة ومبينة ومفصلة، رغم وضوح آياته وبيان مقاصده باستثناء بعض المفاهيم الميتافيزيقية. فأحكام الشريعة كانت مصداقاً لقوله: (هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) في وضوحها وتفصيلها، وما سيرة النبي سوى تطبيق كليات الأحكام على مصاديقها. وكان المخاطب أولاً وبالذات في الآية هم الناس مباشرة، لذا يترتب الهدى ويكون موعظة للمتقين بلا وسائط. غير أن الذي حدث أن السنة حجبت الكتاب وتقدمت عليه تخصيصا وتقييدا، والرواية باتت بنظر الفقهاء تقيّد وتخصص الكتاب. وعندي أنها لا تخصص القرآن ولا تقيده، فربما تمام ملاك آياته في عمومها وإطلاقها، لا في تخصيصها وتقييدها. ولا يعد تطبيق كليات الكتاب على مصاديقها تقييدا ولا تخصيصا. وبشكل تدريجي ظهر تيار أهل الحديث الذي منع تفسير الكتاب وفهمه إلا من خلال السنة وما ورد عن صحابة النبي. وربما تشبث بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). وبات تفسير الأثر حجة مطلقة، ينفي ما عداه ويرميه بالانحراف والاحتكام للعقل، واجتهاد مقابل النص. بهذا الشكل بدأت تتبلور سلطة تأويل وتفسير الكتاب، التي اختص بها المفسّر والفقيه دون غيرهما، ثم تسربت قدسية النصوص المقدسة للنصوص الشارحة، وراح النص الثالث، الشارح والمفسّر، يحجب النص الثاني، أو يجعل منه مرجعا مشروطا بفهمه، وباتت الحقيقة حكرا عليه، والخلاص مقتصر على مقلديه وأتباعه. ومن له أدنى خبرة بالدراسات الدينية والحوزوية يعرف مدى انشغال الدروس العلمية بأقوال الفقهاء والسابقين من السلف، سواء أقوال الصحابة والتابعين ومن ثم أئمة الفقه بل وحتى غيرهم من الفقهاء عند المذاهب السنية، وسواء أقوال خصوص الأئمة، ومن جاء بعدهم من رواة وفقهاء عند الشيعة. وبهذا الشكل تسربت قداسة الكتاب لتشمل أقوال الفقهاء، خاصة فتاواهم، وبات احتكارهم لفهم النص مبررا ومشروعا. فتجد القرآن كنص مرجعي مستبعدا، لا يجوز مقاربته إلا من خلال نص ثالث لفقيه أو مفسر.

وبهذا الشكل تم تهميش الفرد، وكانت الضربة القاضية عندما حكم الفقيه ببطلان عمل المكلف ما لم يكن مجتهدا أو محتاطا أو مقلدا. بناء على احتكار الفقيه للحقيقة العلمية، واحتكاره لفهم النص المقدس، مهما كان واضحا بيناً. ومهما جد المكلف وبحث وتقصى الحكم من القرآن مباشرة، وعمل به دون الرجوع للفقيه، لا يكون مبرئا للذمة ما لم يقلده. وهذه إحدى تداعيات التقليد بمفهومه المتعارف. لا أدعو للفوضى، ولكل علم أدواته ومناهجه وعدته المعرفية، لكن التعسف واضح في مفهوم التقليد الذي يستبطن التنازل عن العقل عنوة لصالح فهم آخر، وفرض فهم أيديولوجي مهما كان مجافيا للقيم القرآنية والأخلاقية، كإقصاء المخالف عن مفهوم الإيمان وترتيب بعض الآثار والحقوق عليه.

يذكر أن تاجرا من شبه القارة الهندية زار من يقلده من بين الفقهاء، ووضع بين يديه تسوية حساباته المالية لعامه التجاري، لاستخراج حقوق الفقراء والمساكين أو ما يعرف بالحقوق الشرعية. أو خصوص الخمس في الفقه الشيعي، فكانت النتجية مطابقة لحسابات التاجر. فأخبر مرجعه بتسليم المبلغ لفلان العالم هناك، فأجابه الفقيه المرجع الديني: "غير مبرئ للذمة ويجب تسليمه لي شخصيا"!!!!. هذا هو الاستغلال والاضطهاد الديني. وذكر من نقل القصة أن التاجر كان يتوسل بالمرجع وهو يرفض توسلاته!!!. وسبب توسلات التاجر، هو الفهم الخاطئ لمفهوم التقليد، فهو ليس مجرد اتباع رأي الفقيه في الحكم الشرعي، بل هو طاعة وانقياد لسلطته وولايته، لارتهان قبول الأعمال بذلك!!! فلا يكفي نقاء سريرتك وصدق نواياك مع الله، وفقا لمنطق القرآن، بل أن رضا الله يمر عبر رأي الفقيه. فبات الفقيه سلطة إلهية في نظر مقلديه. بهذا الشكل يكون الانغلاق على النص وحرفيته أداة بيده لتبرير سلطته، والتحكم بإرادة الناس. خاصة عندما يكون الاجتهاد في استنباط الأحكام لطف إليهة وليس مجرد ملكة علمية.

وما كان لمنهج الجمود على ظواهر النصوص أن يسود لولا وجود خلفية ثقافية وأرضية مهّدت له، فالاجتماع الإسلامي العربي ينحدر تاريخيا عن نسيج اجتماعي يتغذى على قيم الاستبداد وتوطين الخرافة، وقد تسربت قيم العبودية تحت عنوان طاعة الله بعد اعتناقهم الدين الجديد، التي سرعان ما سرت لطاعة الخلفاء، متذرعة بوجوب طاعة أولي الأمر. غير أن روح الطاعة هي ذاتها التي تعني القابلية للاستعباد، والاستعداد لتقبلها تحت عناوين تنأى عن الصراحة.

إضافة لمنظومة مفاهيم مهدّت له. أهمها مفهوم القداسة، الذي يرادف بين تعالي النص وغيبيته وغموضه. فتعالي القرآن وقدسيته تعني انغلاقه وسحريته وماورائية مصفوفات آياته، يستبطن غير ما يظهر من معان ومفاهيم. وحاجته المستمرة لعقل معصوم ومفسّر حباه الرحمن دون غيره. لذا راحوا يبحثون فيه عن معارف لا علاقة بدائرة اهتمامه، رغم أن القرآن كتاب ديني، له لغته وبلاغته ومداليله. فتراهم كل يوم يشيعون اكتشافا جديدا من خلال آيات الكتاب. وبالتالي ثمة عقل خرافي، عقل مستقيل، يهوى اللامعقول، ويعادي العقل والعقلانية. فقيمة القرآن عنده بغموضه وخوارقه، هو الشيء الوحيد الذي يثير دهشته ويجعله يحلق في عوالم اللامعقول الديني، خاصة مع التفسير الباطني، الذي راح ينأى كل البعد عن الكتاب وقيمه وهو يختزل مصاديقه بأهل البيت كما عند غلاة الشيعة، ويخص مناوئيهم بآيات الكفر والعذاب والحرمان من رحمة الله!!!. وقد شاءت الأقدر أن استمع يوما لمعمم فسّر لنا سورة النور بالإمام الحسين على مدى ساعة ونصف، وكأن الله يخشاه ولم يصرّح باسمه!!!. فالمعرفة الدينية اليوم سجينة التراث، تتوجس من العقل وفتوحاته العظيمة، وتنأى عن العلوم الإنسانية الحديث في فهم النص، لحماية سلطة الفقيه أولا وبالذات. وخوفا من تداعي المؤسسات الدينية ثانيا. أما فقه الشريعة فيتطلب عقلا يقظا، ينقد ويراجع ويدرس الواقع، ويتحرى فلسفة الحكم، ويقف بوجه الفقيه عندما يستغل سلطته. بالتالي فتفكيك الاتجاه الأول من خلال تفكيك رؤيته الكونية للعالم ونسقه العقدي، يعد شرطا أساسا للنهضة الحضارية.

 

.................

يأتي في الحلقة القادمة

 

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

 

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الثامنة والثلاثون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

ثانياً - تشريع الأحكام:

تشريع الأحكام هو ثاني أثر يترتب على اكتشاف الجذر الأخلاقي للأحكام، وقيام التشريع وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، وكان الأثر الأول، تحديد فعلية وعدم فعلية الأحكام الشرعية، في إطار المبادئ والقيم الأخلاقية.

التشريع كما تقدم، متاح للخبراء والمتخصصين وفقا لمقتضيات الحكمة، والأنبياء أولى بذلك. ولا ريب بترتّب الآثار المعنوية والمادية وهي تتصدى لتنظيم مناحي الحياة، بما فيها السلطة السياسية والقضائية والاجتماعية. وتكون ملزمة أخلاقيا وقانونيا، لكن لا يمكن نسبتها للشريعة، بفعل التفاوت بين المطلق والنسبي بخصوص ملاكات الأحكام ورمزيتها، وما يترتب عليها من آثار أخروية وربما دنيوية أيضا. بمعنى أن رمزية الحكم الشرعي وسلطته وما يترتب عليه من آثار أخروية، هو المائز الحقيقي بين الأحكام الشرعية والوضعية. وهذه الرؤية للأحكام وملاكاتها تنسجم مع المفهوم المتداول للوحي بأنحائه الثلاثة المتقدمة، وقد ينعدم الفارق مع تفسيرات أخرى لمفهومه. لكن ما هي حدود التشريع وفقا لهذه الرؤية؟

لا ريب أن "علّة الحكم تصلح أن تكون أساسا للقياس عليها في الأحكام الشرعية". هذا من الناحية النظرية، وعمليا تصدق القاعدة مع العلل المنصوص عليها، بشكل لا تحتمل غيرها. أو لا يصدق أنها علة مع احتمال أن تكون حكمة. ومثالها، الإسكار الموجب للنهي عن مقاربة الصلاة: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ)، فإذا كان الإسكار هو العلة الحقيقية للحكم، فيشمل كل مسكر، لا فرق بين قليله وكثيرة، مادام مسكرا. وحده عدم وعي الكلام: (حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ). والنهي في الآية خاص بالصلاة. والتعميم بحاجة إلى دليل. وهناك أحكام غير منصوصة العلة، لكن يمكن من خلال مبائ التشريع ومقتضيات الحكمة تشخيص ملاكاتها، بإحدى الطرق الثلاثة المتقدمة، وفي ضوئها يمكن للفقيه الافتاء في موضوع جديد. بشكل يكون ذات الملاك مبررا للتشريع، كأحكام الربا مثلا، يمكن للفقيه وفق دراسة ظروف تشريعه وفلسفة أحكامه اكتشاف ملاكاته، التي في ضوئها يمكنها استنباط بعض الأحكام المرتبطة به، تحليلا أو تحريما.

ونعود للسؤال هل يترتب على حكم الفقيه ما يترتب على الحكم الشرعي؟ نعم يفترض أن تترتب ذات الآثار إذا كان الحكم المستنبط قياسا على حكم آخر منصوص العلة، كما بالنسبة للإسكار والنهي عن الاقتراب للصلاة، فيشمل كل مسكر، وأما الأحكام الآخرى، فتبقى أحكاما شُرعت وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع.

إنما أتوقف في نسبة الأحكام غير المنصوص عليها للشريعة، لتفادي قدسيتها، بمعنى رهاب القداسة، وتعاليها عن النقد والمراجعة، والانغلاق عليها، والجمود على حرفتيها، وثبوت إطلاقها، باعتبارها أحكاما إلهيا. والكلام وفقا لمفهوم القداسة عندهم، كأحكام الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من كبار الفقهاء. حداً باتت مخالفة السلف كفرا عند بعض الفقهاء. والمسألة ليست تعبدا، بل لوجود حيثية إضافية في الأحكام الشرعية، إنها مأخوذة وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته وفي إطار المبادئ والقيم الأخلاقية، فالواقع مأخوذ في الحكم الشرعي دائما، وترتهن له فعلية الحكم، والواقع متحرك. ومهمة الدين إرشادية، وأحكام الشريعة كانت مجرد أمثلة للتشريع، ليستقل العقل فيما بعد بتشريع ما يراه مناسبا، وفقا لشروط التشريع وإحقاق الحق. الدين ينأى بالإنسان عن العبودية، ويحمله مسؤولية عمله، مادام عاقلا، يعي دوره. الدين لا يريد للعقل أن يكون كسولا. ولا يحل محله في كل صغيرة وكبيرة، هذا تصور عبودي استبدادي موروث.

***

س521: الحسين بوخرطة: هل تتفقون مع المنطلق المعرفي للمرحوم الدكتور محمد عابد الجابري الذي ربط من خلاله أفق التنوير الثقافي العربي بصفة عامة، ومشروعه النهضوي التجديدي بصفة خاصة، بإلزامية استحضار ثلاثة مفاتيح أساسية لفهم معقولية الأحكام الشرعية، وهما:

- كليات الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان (الآيات الكليات).

- الأحكام الجزئية الخاصة بالمكان والزمان (الآيات الجزئيات).

- المقاصد وأسباب النزول؟

ج521: ماجد الغرباوي: رحم الله د. محمد عابد الجابري، كان مفكرا عميقا وفيلسوفا صاحب مشروع، يفرض احترامه، اتفقنا أو اختلفنا معه.

إن قوله (لفهم معقولية الأحكام الشرعية)، تعبير آخر عن أثر الزمان والمكان في فعلية الحكم الشرعي في ضوء مقاصد الشريعة وأسباب النزول. بشكل أدق، هل أحكام الشريعة مرتهنة في فعليتها لزمان ومكان نزولها، ومن ثم اختلاف الحكم تبعا لاختلاف ظرف وشروط نزولها؟ الأحكام شُرعت في زمن نزول الوحي، وكانت ناظرة له، فهل اخىتلاف الظروف موجب لاختلاف فعليتها؟

أو بتعبير الفقهاء: هل الأحكام مطلقة أزمانا وأحوالا، فتتعالى على تاريخيتها، وتكون فعلية دائمة رغم اختلاف الظروف الزمانية والمكانية أم تتأثر بها؟ وثمة قاعدة متفق عليها عند أغلبهم، أن "المورد لا يخصص الوارد" و"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". ومثاله أحكام الجهاد والقتال التي صدرت في ظل احتدام معارك المسلمين مع مناوئيهم الأعم من قريش، فهل أحكامه مطلقة، وفريضة واجبة على من توفرت فيه شروط التكليف؟ وهو ما أكده جملة من الفقهاء، ممن كانوا يحثون الولاة على الغزو ولو بالسنة مرة أو مرتين كي لا تتعطل الفريضة وقد أشرت لهذا المثال في البحث السابق. وعلى هذا الأساس تشبثت الحركات المتطرفة بوجوب الجهاد ضد السلطات والشعوب الكافرة بزعمهم. والحقيقة أن الحركات الدينية المتطرفة وجدت فيها ضالتها، ووجدت فيها مبررا شرعيا لتسويغ أعمالهم المسلحة ضد السلطة. وقد صدرت مجموعة كتب تثقف عليها أبرزها كتاب: "الفريضة الغائبة" للشيخ عبد السلام فرج، الذي يُعد الأساس الفكري لتنظيم الجهاد. فصاحب الفريضة الغائبة يعتبر جميع الأحكام مطلقة إلا ما نُسخ، وقد نَسَخت آية السيف كما يرى هذا الاتجاه أكثر من 60 آية من آيات الرحمة والعفو والتسامح (أنظر كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح)، فلا تكون مقيّدة أو مخصصة لإطلاقات الآيات بعد سقوطها عن الاعتبار. ففريضة الجهاد كانت مبررهم الشرعي لسفك دماء الأبرياء من أجل السلطة، إضافة لمجموعة الفتاوى التي صدرت في ضوئها. ولاريب أن توظيف الخطاب الديني المتطرف لآيات الجهاد وغيرها من آيات تخدمهم، يُعد أجلى مظاهر توظيف الدين لصالح السياسة. خاصة الآيات التي تُلهب المشاعر وتحفز على القتال دون أن يدرك الشباب فارق المفاهيم بين زمن النزول وهذا الزمان. فيقاتل قادة التنظيمات المتطرفة أنظمة الحكم بحجة التكفير أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو أي عنوان آخر ليمهد لاستلام السلطة، بينما يضحي الشباب تقربا لله، وهو أخطر أنواع تزييف الحقيقة والوعي.

وهناك اتجاه فقهي يشترط الحرابة في فعلية أحكام الجهاد خاصة (للتفصيل أنظر كتاب: تحديات العنف). وكلامي عن شروط فعلية الأحكام الشرعية ليس جديدا، بل كتبت حوله مرات عدة في كتبي السابقة وبحوثي الحالية. لكن السؤال اقتضى التذكير بها. وكباحث تبنيت اشتراط فعلية الموضوع شرطا لفعلية الحكم لا فقط في أحكام الجهاد بل جميع الأحكام. وعلى هذا الأساس قلت بعدم فعلية الجهاد مادام موضوعه حفظ الرسالة في أيامها الأولى عندما كانت ضعيفة، ونعود لآيات السلم كقوله ادع إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة بعد أن  قويت شوكتها، وانتشر الدين انتشارا واسعا. ولم يعد هناك مبرر لسفك الدماء وتكفير الناس.

أعود لما أسميته نقلا عن د. الجابري، بالمفاتيح الثلاثة لإدراك فعلية وإطلاق الأحكام الشرعية. أو آلية تحديد فعلية الحكم الشرعي. يشترط المرحوم الجابري، كما جاء في السؤال،  استحضار:

- كليات الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان (الآيات الكليات).

- الأحكام الجزئية الخاصة بالمكان والزمان (الآيات الجزئيات).

- المقاصد وأسباب النزول.

وهي شروط مقبولة إجمالا. إذ جعل كليات الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان، كبرى القياس. والآيات الجزئية الخاصة بالمكان والزمان صغراه. واشترط المقاصد وأسباب النزول للتمييز بينهما بعد معرفة أسباب نزولها. أو بالتعبير الأصولي أن الأحكام الجزئية الخاصة بالمكان والزمان هي الأحكام المأخوذة على نحو القضية الخارجية، وليست على نحو القضية الحقيقية. الثانية تتوقف فعليتها وعدمها على ثبوت وعدم ثبوت شرطها، بينما الأولى تكون ناظرة للموضوع الخارجي، فتثبت وتنتفي بثبوته وانتفائه. وبالتالي فالجابري يأخذ كليات الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان كبرى القياس كقضية مسلّمة، وهذا صحيح، لكن هذا لا يكفي لإحراز عدم تحرر الفقيه من ذاتياته، بل ستكون الطائفية حاضرة بقوة في بعض المفاهيم، كمفهوم المؤمن، فهل هو مطلق المؤمن كما يصفه الكتاب الكريم أم خصوص المؤمن من طائفته؟. بعض الفقهاء لا يتورع باختزال المؤمن بأهل طائفته، فيمنع إعطاء الزكاة لغيرهم. أو لا يجيز تزويجهم. وهكذا. فنحن بحاجة لآلية أقدر على ضمان هذا الجانب وعدم اختلاط الذاتي بالموضوعي في قضايا الفقه واستنباط الأحكام الشرعية. الشيء الثاني أن معرفة أسباب النزول ومقاصد الشريعة لا تكفي دائما لنفي الإطلاق عن الحكم الشرعي، خاصة مع تمسكهم بالقواعد المتقدمة أن المورد لا يخصص الوارد. فنحتاج أدوات أصولية كفيلة بتفكيك الإطلاق. أو بتعبير آخر نحتاج أدلة كافية لإثبات عدم فعلية موضوعات الأحكام التي ترتهن لها فعلية الأحكام ذاتها. وأسباب النزول بمفردها وحتى مع مقاصد الشريعة لا تكفي. بل نحتاج لدراسة سسيوثقافية وأنثربولوجية للمرأة، إذا كانت موضوع الحكم الشرعي مثلا، لتحدد مرجعيات النص في رد الاعتبار لها من خلال آية الإرث، وحينئذٍ ننطلق من تلك المرجعيات لتحديد فعلية الحكم أو عدم فعليته. أي أن ذات المرجعيات ستكون دالة على الموضوع ومدى فعليته. لذا كان دليلي على عدم إطلاق آية سهم الأنثى هو التحول الثقافي ودورها الاجتماعي وسعة أفقها وتطور وعيها واختلاف مسؤوليتها، كل هذا يؤخذ بنظر الاعتبار للتحقق من فعلية أو عدم فعلية الحكم بسبب تغيّر الموضوع. والحديث في محله. وبالتالي هناك إشكالات تؤكد عدم كفاية ما ذكره د. الجابري للكشف عن مدى فعلية أو عدم فعلية الحكم الشرعي.

فقه الشريعة ومنهج التأصيل العقلي

ليس من السهل تعطيل أو تعليق أي حكم شرعي في مجتمع مرتهن لقداسة الدين، إضافة لرمزيته التي تبعث الرهبة والوجل في نفس الفقيه قبل غيره فتجده يتشبث بالاحتياط ولو على حساب الإنسان والمجتمع. فثمة ترغيب وترهيب مصاحب للخطاب القرآني التشريعي، كفيل بردع التساهل في تطبيق الحكم الشرعي. لذا عمدت لتقديم معنى آخر لقداسة النص والحكم، تمهيدا لإدراك فلسفته ومقاصده. كما طرحت ثلاثة طرق لتحديد فعلية الأحكام، هي: ارتهان فعلية الحكم لفعلية موضوعه، مراعاة ملاكات الجعل الشرعي، تحديد فعلية الحكم من خلال الجذر الأخلاقي. مرَّ تفصيلها. جميعها لا يلغي الحكم الشرعي بل يرتهن فعليته لفعلية موضوعه وشروطه وقيوده. وهذا النوع من الفهم لا يطيقه اتجاه العبودية، الذي يضع النص فوق العقل مطلقا، ويؤمن "المورد لا يخصص الوارد". والأحكام عنده مطلقة أزمانا وأحوالا،. والأصل هو التعبّد في الأحكام الشرعية، ما لم يكن الحكم منصوص العلة. والأولوية للشريعة لا للإنسان ومصالحه. فثمة رؤية كونية يؤمن بها اتجاه العبودية، تقوم على التعبد المطلق، وأي اجتهاد مقابل النص يُعد تمردأ على الله، وهو محرّم. إضافة لتشبث اتجاه العبودية بالنسق العقدي المتداول، مهما كانت تداعياته، خاصة الفِرق والمذاهب، التي تقوم على نفي الآخر، ورميه بالانحراف وربما التكفير ومن ثم استباحة دمه.

غير أن الأمر يختلف بالنسبة لاتجاه الخلافة أو اتجاه الإنسان والعقل الحداثي في مقابل العقل التراثي. أو منهج التأصيل العقلي، وهو منهج يقوم على تأصيل المقولات العقدية على أسس عقلية، برهانية. يضع العقل فوق النص، ويقرر أن "ما حكم به العقل حكم به الشرع". (للتفصيل راجع: كتاب الفقيه والعقل التراثي، ص61). يمكن تلخصيه:

1- التمييز بين الدين / المطلق، والمعرفة الدينية / النسبي. وبناء معرفة بديلة، ترتكز على النص المؤسس / القرآن، وتستلهم معطيات العلوم الحديثة.

2- تحري مقاصد الشريعة وغاياتها على أساس مركزية الإنسان ومصالحه التي تمكّنه من أداء دوره في خلافة الأرض واستخلافها. والشريعة خصوص الأحكام الشرعية القرآنية، وما له جذر قرآني من بيان وتفصيل في السيرة النبوية، القائمة على فهم الواقع وضروراته. ومركزية الإنسان هي حقيقة وجوده، وهي مبدأ قرآني أيضا (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). وأيضا قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). كما أن نهايات كثير من الآيات تشير للإنسان ومصلحته العليا: لعلكم تتقون، لعلكم تتذكرون. وغاية الرسالة هي احتضان الإنسان كي يتمكن من الاعتماد على نفسه في أداء دوره الوجودي: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). (المصدر السابق). (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). ومقتضى الرحمة التحرر من أغلال العبودية.

3- تقتصر حجية السُنة على ما له جذر قرآني، في مقابل من يعتقد بحجية مطلق السُنة النبوية، بل وشملت الحجية أئمة أهل البيت عند الشيعة، والصحابة عند السُنة.

4- كمال الدين ضمن اختصاصه، في مقابل من يرى شمول الشريعة الإسلامية لجميع مناحي الحياة.

5- التراث منجز بشري، لا يتعالى على النقد والمراجعة.

6- ارتهان شرعية الأحكام لمبادئها، لا لقدسيتها، فيكون التشريع متاحا في منطقة الفراغ، شريطة الالتزام بمادئ التشريع، وفقا لمقتضيات الحكمة وأفق الواقع وضروراته. وعدم اختصاصه بالفقيه.

7- معرفة تاريخ وفلسفة الحكم شرط في الاجتهاد، كما أن معرفة دور الزمان والمكان شرط آخر فيه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: السابعة والثلاثون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

س520: الحسين بوخرطة، أديب وناقد - المغرب: هل المجتمعات الإسلامية بشكل عام، ونخبها بشكل خاص، واعية بوجود سيرورة تفاعلية تاريخية ما بين الأحكام الشرعية والوضعية، تتغذى من طبيعة دينامكية الواقع في امْتِداداتها وَتَطَوُّرها، وتتوج من مرحلة تاريخية إلى أخرى بتحولات ثقافية وحقائق جديدة؟.. تطور وضعية المرأة نموذجا؟

ج520: ماجد الغرباوي: شكرا للأخ الأستاذ الحسين بوخرطة على تفاعله مع الحوار وسؤاله الجدير.

كان ومايزال الخطاب الديني يعتقد "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"، والشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع، ولازمه اختصاصها بملء الفراغ التشريعي، وبطلان أي تشريع خارجها ما لم يخضع لوصايا الفقيه ورأيه الفقهي. وبعضهم يرى فيه تمردا على الإرادة الإلهية. ولم يرضخوا لمتطلبات العصر والزمان وحاجة الفرد والمجتمع لمواكبة الحياة، بل وأغلقوا باب الاجتهاد باستثناء المذهب الإمامي، وإن لم يتغير شيء، واكتفوا بالكتاب والسُنة مصدرا للمعرفة الدينية بعد التأكيد على إطلاقات أحكامهما أزمانا وأحوالا. وعندما حاصرهم الواقع بأسئلته، وندرة الأحكام، وسّعوا مصادر التشريع لتشمل سيرة الصحابة وسيرة الأئمة عند الشيعة. ثم عمد الفقهاء إلى بعض القواعد الأصولية والفقهية كالقياس والمصالح المرسلة لسد حاجتهم من التشريعات، أو لتحديد الموقف العملي من الحكم المشكوك وفق أصول تسمى بـ"الأصول العملية"، فكان هذا سببا لجمود التشريع وعجزه عن مجاراة الواقع، وبقيت آيات الجهاد فعلية تقصي الآخر وتبيح دمه، واستولى على الخطاب الديني منطق التكفير والتنابذ، واستمرت المرأة تعاني من أغلال الفقه. في ذات الوقت تجد الأنظمة الوضعية تقدم لوائح قانونية وتشريعية أكثر جدوى وفاعلية وأكثر عدالة أحيانا. لا أقول أنها مثالية فهذا مستبعد، غير أن النقد والمراجعة كفيلان بتدارك هفواتها وتطويرها باستمرار. والشاهد اعتماد نظام التأمين الاجتماعي والصحي لتدارك قسوة النظام الرأسمالي، وحماية المواطن من تداعياته وسطوته. إضافة للحرية المفقودة ولوائح حقوق المرأة والإنسان، فيجد المرء كرامته فيها، بينما يفرض الفقيه ولايته وقيمومته، ويحدّ حرية الفرد والمجتمع، وبات المسلمون يعانون تداعيات العنف والتطرف الديني، وانعكاس صورة سلبية عن الإسلام وقيمه. وطالما عانت الأقليات الدينية وطأة السلطة العثمانية، ومازالت تعاني في ظل بعض الحكومات. باستثناء محاولات أولية للخروج من نفق الجمود، وتقديم فهم جديد للدين.  فإذا كان هناك وعي بسيرورة تفاعلية تاريخية بين الأحكام الشرعية والوضعية فهو وعي متأخر في سياق اليقظة العربية والإسلامية التي راحت تتحرى أسباب تخلفها وانحطاطها في مقابل الغرب وتطوره. وعلى صعيد المرأة، فإن الانفتاح على الغرب بدءاً برفاعة رافع الطهطاوي قد دفع باتجاه مراجعة الذات، إذ كان أول من نقل صورة مختلفة عن المرأة الفرنسية وما تتمتع به من حقوق على جميع الأصعدة أسوة بالرجل. وعلى هذا الأساس باشر بفتح مدرسة للبنات. فكان الوعي محاصرا بين أحكام الشريعة وفتاوى الفقهاء، وبقيت المجتمعات مرتهنة في وعيها للفقيه وإرادته. فمن أين يأتي الوعي ومنافذه أحادية مغلقة على فتاوى الفقهاء ورؤية الخطاب الديني التراثي؟.

غير أن الواقع فرض نفسه بعد عجز الفقه عن مجاراة الواقع، فكانت البداية مع تأسيس الدولة الحديثة، التي راحت تخط لها مسارا تشريعيا يلبي حاجاتها للأنظمة والقوانين، فكان النجاح حليفها عبر مجالس تشريعية. بعض راعى ثوابت الإيمان والشريعة، وبعض لم يتورع في تشريع لوائح حقوق الإنسان، ومساواة المرأة بالرجل كتجربة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة. أما الدولة القديمة كالدولة العثمانية في تركيا وامتداداتها، والدولة الصفوية وحواضنها فكان الفقيه يتولى التشريع إما مباشرة أو تحت وصاياه. لا أتحدث عن علمانية الدولة، بل كل دولة بما فيها الدول التي تلتزم بشعائر الإسلام، وتعتبر الشريعة أحد مصادر التشريع وليس مصدرا وحيدا له.

فمع بداية الدولة الحديثة بدأ المجتمع يكتشف وجود تشريعات دستورية وقانونية بعيدا عن الفقيه، كما بدأ اتجاه فقهي ينصت للواقع ومتطلبات الإنسان، خاصة حقوق المرأة التي هي مثال السؤال. وبدأ المجتمع أيضا يعي وجود سيرورة تفاعلية تاريخية بين الأحكام الشرعية والوضعية، تتغذى من طبيعة دينامكية الواقع في امْتِداداتها وَتَطَوُّرها، وتتوج من مرحلة تاريخية إلى أخرى بتحولات ثقافية وحقائق جديدة. فكان وراء هذا الوعي رؤية تشريعية جديدة تمثلت بمجموعة فتاوى عن المرأة وحقوقها، كما أن التشريعات الوضعية استفادت من أحكام الشريعة وتبنت بعضها. وهناك تفاعل بين الأحكام الشرعية والوضعية مثلت وعيا جديدا كأعمال د. عبد الرزاق أحمد السنهورى أشهر فقهاء القانون، وغيره. كل ذلك للخروج من نفق الانغلاق الفقهي، ولا ريب أن كل تحول يرافقه وعي جديد ويفرز ثقافة تلائمه.

إن تكيف الفقه الإسلامي مع الواقع يرتهن لوعي الفقيه وقدرته على تقديم فهم جديد للدين بعيدا عن اتجاه العبودية الذي يكرّس الطاعة والانقياد والاستبداد والتكفير. وقد تكلمت طويلا عن اتجاه الإنسان أو الخلافة ودور العقول في عملية التشريع، يمكن مراجعة كتاب الفقيه والعقل التراثي. وهذا الاتجاه يعوّل عليه، عندما يضع العقل فوق النص وليس العكس، ويرتهن فعلية الأحكام الشرعية لفعلية موضوعاتها في إطار الواقع وحاجته. فثمة تطلع كبير لرؤية جديدة للدين والشريعة، وثمة تحول كبير نحو فهم الواقع وضروراته ومدى حاجته لتشريعات تواكب العصر، وترتفع بكرامة الإنسان وإنسانيته، بعد تحريره من عبودية الفقه وولاية الفقيه.

إن هاجس المشرّع / الله إلتباس الإلهي بالبشري بفعل التزوير، وليست مشكلته مع أصل التشريع خارج دائرة الأحكام الشرعية، إذا كان قائما على العدل والرحمة والسعة ومراعاة الواقع وضروراته، وهي مرتكزات إرادة التشريع. لضمان تحقق ملاكات الجعل التشريعي: التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية. المشكلة الأساسية في استغلال الأحكام وتوظيفها خارج سياقات التنزيل ومناسباته، فتكرّس لمختلف المصالح، مما يعيق حركة الإنسان ومهامّه الإنسانية.

***

نتائج البحث

نعود لما قبل هذا السؤال، لنخلص من البحوث المتقدمة: أن الأدلة الأربعة المتقدمة: "سيرة العرف التشريعي. نصوص قرآنية صرحت أنها شُرعت وفقا لمقتضيات الحكمة أو من أنباء الحكمة. تعليل الأحكام، وإمضاء السيرة العقلائية". تؤكد صحة فرضيتنا حول الأحكام الشرعية ومفادها: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية معطى نهائيا، بل أن تشريعها يجري وفقا لمتطلبات الواقع ومقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي يمكن للعقل إدراكها، وتحديد فعليتها، وتوظيفها لملء منطقة الفراغ التشريعي، في إطار أخلاقي، بعيدا عن وصايا الفقهاء). كما ثبت عدم وجود بعد غيبي أو ميتافيزيقي سوى مبادئ التشريع ومقتضيات الحكمة في إطار الواقع وضروراته.

ولا إشكال في نسبية تشخيص الواقع وتطبيق العدالة قياسا بالخالق تعالى، بعد أن دلت الأدلة الأربعة المتقدمة على إمضاء المقاييس والتقديريات البشرية رغم نسبيتها. بل أن الآيات ناظرة لها عندما تقول: إن الله يأمر بالعدل والإحسان. أي ناظرة لذات المفهوم المتداول للعدالة وليس المفهوم المثالي. بما في ذلك الفهم النبوي، فإنه فهم بشري، يستمد وجوده من تداول المفهوم اجتماعيا. الآيات لا تحيل، وهي تحث على إقامة العدل مثلاً، على العدل الإلهي، فهو غير خاضع للمقاييس البشرية ولا توجد مجانسة بينهما. فلا معنى للتشبث بنسبية المفاهيم للحيلولة دون تحري مبادئ التشريع. وبهذا الشكل وقفنا من خلال البحث على توافق (العرف التشريعي وجملة من آيات الأحكام، وتعليل الأحكام، وإمضاء التأويل)، الارتكاز لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته في تشريع الأحكام الشرعية والوضعية. بمعنى أدق أن الأحكام الشرعية وأحكام الشريعة قائمة على "العدل وعدم الظلم، السعة والرحمة، والمساواة". وجميعها قيم أخلاقية، ومن مدركات العقل العملي، ولا مانع عقلي أو شرعي يحول دون تحري مبادئها وإدراك الجذر الأخلاقي لها. وهذا مبرر إخراجها من كونها أحكاما غيبية تعبدية ومعطى جاهزا إلى اكتشاف المبادئ التي قامت عليها عملية التشريع. وهي نتيجة مهمة، تعيد للعقل مكانته وللنفس ثقتها، وتقدم مفهوما جديدا للشريعة ينأى بها عن الجمود والعجز عن مواكبة الواقع وضروراته. وأساسا إن مخاطبة القرآن لعقولنا إمضاء لطريقة تفكيره، مادام يرتكز للمعرفة والحكمة. فثمة تجربة بشرية وخبرة اجتماعية، امتدت لقرون، تقوم على مبادئ منطقية وعقلية ومعرفة علمية تأخذ بنظر الاعتبار. وهكذا شرعية الأحكام الوضعية فإنها ممضاة متى ما استوفت كامل شروط الحكم التشريعي. وتقدم أن الحكم يكتسب شرعيته من مبادئه لا من قدسيته. ولا شرعية لحكم لا يستوفي شروطه.

إن اكتشاف الجذر الأخلاقي وقيام التشريع وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته ستترتب عليه آثار مهمة على صعيد الأحكام الشرعية، فضلا عن الأحكام الفقهية. وسيلعب الواقع دورا مؤثرا في تحديد مستوى إلزام وإطلاق الأحكام الشرعية. وأهم آثارها هي:

أولاً- تحديد فعلية وعدم فعلية الأحكام الشرعية:

إن تحديد فعلية وعدم فعلية الحكم الشرعي، يلعب دورا كبيرا على صعيد الأحكام الشرعية، فما كان واجبا أو محرما قد لا يكون كذلك، وقد تناولته في موارد عدة. وبشكل أدق سيكون الواقع مبررا لفعلية وعدم فعلية الحكم. بهذا الشكل يمكن مراجعة الأحكام الاجتماعية خاصة، لتحري مدى فعليتها في ظل واقع مختلف، حيث تغيرت شروط فعلية الحكم الشرعي. وبهذا الشكل سيكون بين يدي الفقيه مبررا عقليا لتحري فعلية الحكم بعيدا عن رهاب القداسة.

الطريق الأول: ارتهان فعلية الحكم لفعلية موضوعه

كنت أركز في كتبي القديمة على ارتهان فعلية الحكم لفعلية موضوعه، طريقا واحدا لتحديد فعلية أو عدم فعلية الحكم الشرعي، ومفاد هذا الطريق: "أن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه وجميع قيوده وشروطه". وقد ضربت مثلا في حينه بوجوب الحج على الاستطاعة: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ)، فالحج واجب بموجب هذه الآية وركن من أركان الشريعة الإسلامية، غير أن وجوبه على هذا الشخص أو ذلك، يتوقف على استطاعته، التي تتوقف على تهيئة جميع مستلزماتها، كجواز السفر، تصريح الدخول للديار المقدسة الذي يستدعي توفر جملة شروط. ولا تقتصر الاستطاعة على الكلفة المادية فقط، خاصة مع تحديد نسبة الحجيج، فقد يكون مستطيعا من الناحية المادية، لكن لا يكون الحج عليه واجبا مع تعذر حصوله على جواز سفر أو فيزا، وأية إجراءات قانونية يتوقف عليها سفره. وبالتالي فإن حكم وجوب الحج ليس مطلقا بل مشروطا، وهذه نتيجة مهمة جدا تنطبق على مجموعة أحكام، تناولت نماذج عديدة عبر كتاباتي السابقة.

وكذلك بالنسبة لوجوب الجهاد، فإنه مشروط بالحرابة، ولا دليل على الجهاد الابتدائي. بينما كثير من الفقهاء، خاصة قدماءهم، يعتبرون الجهاد فريضة مطلقة، غير مشروطة بالحرابة، ويحثون الخلفاء والسلاطين على الغزو ولو مرة أو مرتين كي لا تتعطل فريضة الجهاد. بهذا يتضح حجم الفارق بين فعلية وعدم فعلية الحكم. وطالما أكدت لا فعلية لفريضة الجهاد، مادام موضوعه حماية الدين، والحفاظ على نواة الإسلام في زمن الرسالة عندما كان المسلمون قلة. ثم انتصر الدين بشهادة القرآن: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) وانتشر انتشارا واسعا: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)، وماعادت هناك ضرورة لحماية الدين بالقوة والعنف. ونعود للمنهج القرآني في الدعوة للدين الجديد: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). وهو منهج الرسول قبل نشوب الحروب.

الطريق الثاني: مراعاة ملاكات الجعل الشرعي

لا شك أن فقه الشريعة بهذا المعنى عملية معقدة، تتطلب عمقا علميا وفلسفيا قادرا على إدراك مبادئ الأحكام، التكليفية والوضعية في مرحلة ثبوت الحكم، (وهذا قياسا على حياتنا، وكما يمارسه المشرّعون). حيث يحدد المشرّع ملاك الفعل أولا، فإذا أدرك وجود مصلحة فيه، تتكون لديه إرادة تتناسب معها، فيبرز إرادته من خلال خطاب في مرحلة الاثبات. غير أن هذا القدر من تشخيص مبادئ الحكم الشعري لا يبيّن كيفية إدراك الملاكات، وما هي محددات إرادة المشرّع حينما يدرك وجود مصلح أو مفسد في الفعل، وهو ما نحتاجه في فقه الشريعة للتأكد من بقاء فعلية أو عدم فعلية بعض الأحكام الشرعية. والحقيقة أن إدراك المصالح والمفاسد في ملاكات الأحكام متعذر علينا، ما لم تكن مصرّح بها قرآنيا. وأما غير المصرّح بها تبقى تخمينات لا يمكن الجزم بمطابقتها للواقع، لذا عمدت أمام هذا الانسداد المعرفي إلى تقصي مرتكزات تلك المبادئ، وفق مقتضيات الحكمة في عملية تشريع الأحكام، لتكون منطلقا لفهم آلية عمل المبادئ، ومن ثم تحديد فعلية الحكم. وقد أخذت بنظر الاعتبار أن المشرع هو الخالق المطلق، وما يتصف به من صفات الكمال والحكمة والعدل والإنصاف والرحمة، (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ). فكانت تلك المرتكزات ثلاثة: (مركزية العدالة، السعة والرحمة، الواقع وضروراته). وقد تم الاستدلال عليها قرآنيا وعقليا، كما تقدم بيانه. مما يسهل فهمَ محددات ملاكات الأحكام من مصالح ومفاسد. حتى وإن لم ندرك ذات المصلحة، لكن سنعلم أن إدراكها جرى وفق هذه المرتكزات ضمن معادلة حكيمة، متوازنة، راعت ملاكات الجعل الشرعي الأساسية، التي حصرتها بعنوانين: العدالة الاجتماعية، والتوازن الروحي والسلوكي. فيكون لدينا من خلالها مؤشر، يمكن الاستعانة به لتحديد بقاء أو عدم بقاء فعلية الحكم. فعندما تختل العدالة الاجتماعية نفهم أن معادلة عمل مرتكزات تلك المبادئ باتت غير صالحة للواقع الجديد، فنتحرى الحكم الملائم. (أنظر كتاب الفقيه والعقل التراثي، ص77-78).

وبالتالي وهذا هو المهم كشاهد على ما تقدم، يمكن للواقع أن يكون مبررا لإعادة النظر في فعلية الحكم الشرعي حينما تختل المقاصد الأساسية للتشريع، بسببه لا بسبب عوامل أخرى. وهذه المرة ليس من خلال شروط الموضوع، بل من خلال علاقة مرتكزات مبادئ الحكم بملاكات الجعل الشرعي. تحتاج لمهارة فقهية، ودراية بالواقع وضروراته.

الطريق الثالث: تحديد فعلية الحكم من خلال الجذر الأخلاقي

وهو خلاصة ما تقم من أبحاث حول علاقة الأحكام الشرعية بالأخلاق، حيث ثبت بالأدلة تشريع الأحكام وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، وفي إطار القيم الأخلاقية. وقد ضربت في حينه مجموعة أمثلة عملية، كأن يفتي الفقيه خلافا لمبادئ التشريع والقيم الأخلاقية، بكفر المختلف دينيا أو مذهبيا، فيمكن من خلال الاحتكام لمبادئ التشريع الكشف عن حقيقة فتواه، وأنها صادرة بدوافع طائفية. أو بسبب خطأ منهجي، وأسباب غيرها، فلا تكون ملزمة لأتباعه فضلا عن غيرهم. وفتاوى التكفير كثيرة بين المذاهب الإسلامية، مازالت تغذي روح الكراهية والنابذ، وجميعها بدوافع طائفية كأن يتلاعب الفقيه بمفهوم الكافر ليشمل نده الطائفي والمذهبي. أو الفتاوى التي تصدر لدعم الطغاة على حساب الجماهير، ويعزز قراراته بسلب حريتهم واضطهادهم، وهو موقف فقهاء السلطان على طول التاريخ.

يأتي في الحلقة القادمة

 

..........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

majed algharbawi7خاص بالمثقف: السادسة والثلاثون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

ماجد الغرباوي: نعود للسؤال المؤجل عن المائز بين الأحكام الشرعية والوضعية الذي جاء في سياق السؤال عن حجية سيرة النبي الكريم. وكان مفاده: (إذا كان تشريع الأحكام قائما على مبادئ وقيم أخلاقية يمكن إدراكها فهي متاحة للتشريع، سواء جعل الله ولاية تشريعية لغيره أم لا؟ فيكون الرسول أولى بالتشريع، وسيرته ستكون حجة مطلقا، وليس خصوص ما له جذر قرآني، كما أكدت ذلك مرارا). فما هو المائز إذاً بين الأحكام الشرعية والوضعية؟ وما هي مبررات حصانة الأحكام الشرعية مع وحدة الجذر الأخلاقي لكليهما؟.

وهذا إشكال مهم جداً، يستدعي بيان الفارق بين الأحكام الشرعية وغيرها، ومبررات حصانتها، في ضوء ما خلص له البحث استدلالاً: "أن جميع الأحكام تشرّع وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في إطار الواقع وضروراته". وهي جوهر فرضيتنا عن الأحكام الشرعية، كما تقدم: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية معطى نهائيا، بل أن تشريعها يجري وفقا لمتطلبات الواقع ومقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي يمكن للعقل إدراكها، وتحديد فعليتها، وتوظيفها لملء منطقة الفراغ التشريعي، في إطار أخلاقي، بعيدا عن وصايا الفقهاء).

وتقدم أيضا، اختصاص الخالق تعالى بالولايتين التكوينية والتشريعية، وقد اقتصر القرآن وظيفة النبي الكريم على البيان والتفصيل في ضوء الواقع وضروراته، لذا تختص حجية رواياته بما له جذر قرآني. وما تبقى من سنته: إما أن تكون أحكاما ولائية، تنتهي حجيتها وسلطتها بوفاته. أو أحكاما أخلاقيا باعتباره مثالا للأخلاق: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)، أو تصرف شخصي كإنسان له مذاقه واختياره وطريقته في العيش والسلوك، أو أحكاما خاصة به كتفصيلات صلاة الليل الواجبة عليه. وبالتالي فتشريع النبي، إن صدق مفهوم التشريع هنا، في طول الكتاب لبيانه وتفصيله. وجميع ما صدر عنه كان وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته. وإذا كانت هكذا فما الفرق بينها وبين الأحكام الشرعية الإلهية؟ أو ما هو الفرق بينها وبين أحكام الشريعة المنصوص عليها قرآنيا؟. هذا هو جوهر الإشكال.

المائز بين الأحكام الشرعية والوضعية

يقصد بالحكم الشرعي، وفقا لما أخلصنا له: "كل حكم تولّت الشريعة بيانه وفقا لمقتضيات الحكمة، لضبط سلوك الإنسان". لا مطلق أفعاله ونشاطاته. ويراد بالشريعة: "خصوص الأحكام المنصوص عليها قرآنيا، ترتبت أم لم تترتب عليها آثار دنيوية". في مقابل الأحكام الوضعية، وهي: "كل حكم تولى الإنسان تشريعه وفقا لمقتضيات الحكمة لتنظيم حياته وحماية مصالحه". وأكرر دائما أن ما أذكره هنا مرتهن للوحي بمفهومه المتداول، وقد تنقلب النتائج بطرح بدائل جديدة لتفسيره. وعلى هذا الأساس نتقصى مساحات الاشتراك ونقاط الاختلاف، بين الحكمين الشرعي والموضوعي:

1- مصدر تشريع الأحكام الشرعية هو الله تعالى، بينما الإنسان مصدر تشريع الأحكام الوضعية، ولازمه إطلاق الأولى ضمن شروطها، ونسبية الثانية.

2- الأولوية، وفقا للرأي الفقهي السائد، للشريعة لا للإنسان دائما، مهما كانت الخسائر. لا ضير في ذلك مادام المكلف يؤدي واجبا شرعيا، ومادامت الحياة الآخرة هي الحياة. في مقابل أولوية الإنسان ومصالحه على الحكم الشرعي، ويمكن تعطيله لضرورات إنسانية، خاصة إذا كان سببا لهتك حرمة وكرامة الإنسان. كما أن الحلال والحرام سيكون مدارا للأحكام الشرعية في الأولى. بينما مدار الأحكام الوضعية الصواب والخطأ. (أما وفقا لفقه الشريعة الذي نتبناه فالأولوية دائما للإنسان ومصالحه).

3- كل من الحكم الشرعي والحكم الوضعي ناظر للواقع وضروراته، بما في ذلك الأحكام العبادية التي تنظّم علاقة الفرد بخالقه، فهي ناظرة لواقعه، وما يحتاجه من غذاء روحي، يروي ظمأه للخالق والمطلق، في إطار توحيدي. ولازمه عدم جواز تشريع يضر بالفرد ومصالحه أو يكرّس عبوديته واستلابه. كذا يحرم تشريع كل حكم يعزز سلطة الطغاة والجور والعدوان. أو يضطهد الناس. الأساس في التشريع العدل وإحقاق الحق في إطار إنساني. والعدل في جوهره انتصار لإنسانية الإنسان وحقوقه المشروعة.

4- وحدة الجذر الأخلاقي للأحكام الشرعية والوضعية مادامت تقوم على أساس مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته وفي إطار الأخلاق، كما دلت الأدلة الأربعة المتقدمة عليه. ولازمه عدم التعارض بينهما، وسبق تفصيل الكلام عنها. ولا يصدق مفهوم الحكم الوضعي العادل على الأحكام التعسفية والاستبدادية التي تكرّس الظلم والعدوان والجور والاستبداد.

5- وحدة الجذر الأخلاقي للأحكام الشرعية والوضعية يحول دون احتكارها من قبل الفقيه ويؤكد شرعية الاحكام الوضعية خارج الشريعة مادامت تقوم على مبادئ التشريع ومقتضيات الحكمة. بمعنى آخر، عدم احتكار تشخيص الحق للشرع، بل يمكن للعقل ادراكه وتبنيه. ولا مبرر حينئذٍ لأي ولاية أو وصايا،  تستنزف حرية وحقوق الإنسان.

6- لازم وحدة الجذر الأخلاقي نزع القداسة بمفهومها التراثي المتداول بمعنى الجمود على حرفية الأحكام والتعبد المطلق، عن الأحكام مطلقا. والحيلولة دون استغلالها، أو توظيفها لمصالح أيديولوجية أو طائفية. ويمكن الاعتراض على كل حكم أو فتوى لا ترتكز لمبادئ التشريع، كأن يكفر الفقيه إحدى فرق المسلمين بدوافع طائفية، لأن الاختلاف المذهبي ليس موجب للتكفير أساسا، بل هو اجتهاد متاح للجميع. قداسة الحكم الشرعي كما تبناها البحث، عمق فلسفتها ومطابقة ملاكتها للواقع، مما يدعو للتأني طويلا إبان مراجعة فعلية الحكم تبعا لفعلية الموضوع أو تبعا لاختلال ملاكات الجعل الشرعي. ولا تعني قداسة الحكم التعبد مطلقا، وقد مرَّ الحديث مفصلا.

7- الأحكام الشرعية أعم من الأحكام العبادية والاجتماعية (العبادات والمعاملات). الأولى رغم تشريعها وفقا لمقتضيات الحكمة لا يمكن إدراك ملاكاتها بسهولة، لكنها ليست مستحيلة، خاصة ما كان منها معللا ضمن تشريعه. بينما تنأى الأحكام الوضعية عن الأحكام العبادية، وتعتبرها أمرا دينيا تعود لقناعة الفرد وإيمانه، وهي مضمونة بضمان حرية الاعتقاد. ومساحة التشريع تعد مائزا مهما جدا، يجعل من الأحكام العبادية شاخصا لحدود التداخل بينهما.

8- إن ملاكات الأحكام الشرعية مطابقة للواقع ونفس الأمر حسب الفرض، مادامت صادرة عن خالق الإنسان، المحيط به وبنوازعه، مما يمنحها صفة الثبات والإطلاق، لكن ضمن شروط الحكم وموضوعه، وليس مطلقا كما يعتقدون. بينما ملاكات الأحكام الوضعية نسبية، هي خلاصة ما يقرره المشرّع الإنسان لضمان مصالحه، وفقا للواقع الموضوعي والإطار الأخلاقي. وقد أمضى الشارع نسبية المفاهيم الأخلاقية كالعدالة، وقد تم الاستدلال على هذا الرأي سابقا.

9- كل من الأحكام الشرعية والوضعية يعوّل على الضمير الديني أو الأخلاقي لضمان الالتزام بالتشريعات والقوانين. القرآن يوظف خطاب الإيمان بالله واليوم الآخر، ويعززهما بخطابات الترغيب والترهيب، وعقوبات أخروية أو دنيوية وأخروية صارمة لضمان تطبيق أحكام الشريعة، بينما تضمن الجهات التشريعية تطبيق الأحكام من خلال سن قوانين رادعة، وعقوبات دنيوية صارمة.

10- تستقل الأحكام الشرعية برمزية، لا تتمتع بها الأحكام الوضعية، فالامتثال للحكم الشرعي طاعة لله. ومعصيتها معصية للخالق وعظمته. مما يكسبها قدسية، يخضع الفقيه لرهابها قبل الناس، حدا يخشى مغادرة التراث، وما قاله السلف الصالح، ويبالغ في الاحتياط ولو على حساب الفرد. بينما لا رمزية للقانون الوضعي سوى مضمونه الأخلاقي وقدرته على تحقيق الحق والعدالة في نظر الناس. وهذا فارق أساس ومهم جدا بين الحكمين الشرعي والوضعي. أقصد لا تولد الأحكام الوضعية رهاب القداسة، كل ما في الأمر يكون قانون العقوبات بالمرصاد لكل من يخالف القوانين والأنظمة.

11- الضمير الديني أو التقوى هي الضمان الوحيد لتطبيق الأحكام الشرعية عند غياب الرقيب، سواء السياسية أو العرفية، فالشخص الملتزم دينيا يتجنب الكذب سرا وعلانية مادام محرما، فيرتهن إلتزامه لمستوى تقواه وقدرته على كبح شهواته خوفا من الله. ورغم قوة التقوى كرادع إيماني إلا أنها قابلة للتسويف من قبل الفقيه عندما يلتف على الحقيقة تحت عناوين أخرى، كأن يشمل عنوان الكفر كل من يخالفه مذهبيا أو أيديولوجيا، وهذا أحد أهم أسباب العنف الديني، حيث يفتي الفقهاء بكفر هذا المذهب أو ذاك تحت عنوان الكفر، بل ويستبيحون دماءهم، وهو ما فعلته الحركات الدينية المتطرفة بمناوئيها المذهبيين. أو يجعل من مفهوم الفساد في الأرض سوطا لجلد معارضيه، كما هو الحال في الدلو التي ترفع شعارات الدين، فتستغل الدين لضرب المعارضة السياسية. وهذه نقطة مهمة، فمن يخشى الله يخشاه لمعرفته الحقيقية به، لا لأن الفقيه يملي عليه إيمانه. بينما الضمير الإنساني هو الضمان الوحيد لتطبيق القوانين والأنظمة عند غياب السلطة. أو يتحلل عن التزاماته الأخلاقية، عندما يهزم ضميره. وجميعنا مرَّ بتجربة غياب الرقيب وهو يتعامل مع القوانين والأنظمة، فتجده يلتزم بإشارات المرور حتى لو لم يكن هناك رقيب، وأخرى يسمح لنفسه بإرباك حركة السير. والحق أن التربية هنا تلعب دورا كبيرا، خاصة التربية المدرسية. أشاهد أحفادي كيف يلتزمون بالقوانين والأنظمة، يمنعون أي شخص يهمّ بمخالفتها، خاصة الإشارات المرورية، وخطوط العبور. يوما كنت بمعية حفيدتي، وجادلت موظف البريد، فنبهتني فورا وقالت، إنه يقول ممنوع قانونا فاعتذرت لهما. ويوما عثرت على قلم جميل جدا وعندما هممت لالتقاطه صرخ حفيدي بوجهي، بابا: إياك تلتقطه، هذا ممنوع. فخجلت منه. هذه هي التربية المدرسية وكلاهما طالب ابتدائية، وليس أكثر. بينما خطاب الكراهية تجده على كل لسان في المجتمعات الدينية، وينتهك جميع القوانين والأنظمة بحجة عدم شرعيتها. فالدافع الأخلاقي هو المحرك الأساس للالتزام بالأحكام الشرعية والوضعية، رغم مثالية هذا الطرح، لكن هذا ما يجب عليه الفهم الصحيح لهما. أو يرتهن حريته وإرادته، إذا لم يستجب لها بدافع أخلاقي. وهذا يستدعي تربية أخلاقية للمجتمع من خلال المؤسسات التعليمية والإعلامية ترقى بالإنسان إلى مستوى أخلاقي رفيع يضمن سلامة المجتمع. ولا أنكر أن قدسية الحكم الشرعي محرك أساس لطاعته، والخوف، حتى لمن يرتهن تشريعها لملاكات مأخوذة في مرحلة جعلها وتشريعها، من مصالح ومفاسد وإن كانت مجهولة لنا. فللقداسة رهابها المدوي في نفس المؤمنين بالله واليوم الآخر. ويبقى الدافع الإنساني الذاتي فعلا أخلاقيا دون غيره.

12- تفترق الأحكام الشرعية عن الأحكام الوضعية في سلطة الحكم باعتباره نصا قانونيا. وقد بينت في كتاب: النص وسؤال الحقيقة: يمكن تناول النص بمعزل عن مؤلفه، لاكتشاف إيحاءاته ومضمراته، وما يبدي ويخفي من دلالات، وإحالات مرجعية، مهما تعالى. لكن لا يمكن تجاهله عندما يتعلق الأمر بتحديد سلطة النص، لتوقف حقيقتها وفعليتها على معرفة مصدره. وهذا يختلف تبعا لزاوية النظر، ومضمون النص، وما يريد أن يقوله ويؤسس له. فالمؤلف يلعب دورا أساسا في تكوين سلطة النص. وبالتالي: لا يمكن تجاهل مصدر النص، حينما تترتب عليه حقوق وواجبات، بل النص في هذه الحالة يستمد سلطته من مصدره، إضافة إلى طريقة بنائه وتركيبه وأدائه ودلالاته اللغوية، وما يشتمل على أوامر ونواهٍ. أي أنه يستمد سلطته ومركزيته وتأثيره من مؤلف النص، وأسلوب الخطاب في التعبير عن مضامينه. فعندما يصدر أمر من السلطات العليا بإمكانك قراءة النص بمعزل عنها، للكشف عن كواليس صدوره، وما يخفيه من تحفظات ومخاوف وتطلعات. لكن لا يمكن تحديد درجة إلزامه بمعزل عن مصدره، فهو يستمدها منه، ومن قدرته على تنفيذ وعوده. وبالتالي فهو المقوم الذاتي لسلطة النص. نعم يمكن إهمال مصدر النص، عندما يؤسس لقيم أخلاقية، مادامت قيما إنسانية. فالحكمة من أي شخص صدرت فهي حكمة، لا تتوقف على مصدرها، لذا جاء في المثل "خذ الحكمة ولو من لسان مجنون". لا يمكن إهمال مصدر النص، عندما يؤسس لأية سلطة: سياسية أو دينية أو اجتماعية أو معرفية. لأنه المعني حقيقة بتحديد مستواها، فيكون جزءا من النص، وليس خارجا عنه. أي يجب قراءة النص بما أنه كلام الله أو قول النبي ليستمد منهما حقيقته وسلطته. (ص، 15 و16).

 نخلص أن رمزية الحكم الشرعي وسلطته وما يترتب عليه من آثار أخروية، هو المائز الحقيقي بين الأحكام الشرعية والوضعية، فالتشريع متاح للخبراء والمتخصصين وفقا لمقتضيات الحكمة، والأنبياء أولى بذلك، ولا ريب بترتب الآثار المعنوية والمادية وهي تتصدى لتنظيم جميع مناحي الحياة، بما فيها السلطة السياسية والقضائية والاجتماعية. فتكون ملزمة أخلاقيا أو قانونيا، لكن لا يمكن نسبتها للشريعة، بفعل التفاوت بين المطلق والنسبي بخصوص ملاكات الأحكام ورمزيتها، وما يترتب عليها من آثار أخروية وربما دنيوية أيضا. خاصة وقد ذكرت في حينه أيضا، ثمة ملاكات بعيدة مرتبطة بهدف الخلق والتشريع، لا يمكن إدراكها، مما يبرر اختصاص التشريع بالله. فالتردد في فهم فلسفة الأحكام الشرعية غير موجود في الأحكام الوضعية، كما لا تترتب آثار أخروية على ذات الحكم بل على ما يترتب عليها، كأن يعاقب من يلقي بنفسه بالتهلكة بسبب عدم الالتزامه بالقوانين. فكل مخالفة هي إرباك للنظام العام، سواء كان هناك رقيب أم لا.

سبق أن قلت أن التشريعات القرآنية هي أمثلة لتعليم الإنسان الحكيم كيف يشرّع لنفسه وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في ضوء الواقع وضروراته وفي إطار الأخلاق والقيم الإنسانية. فحينئذٍ تكون خطابات الوعد والوعيد خطابات تحذيرية لضمان تطبيق الأنظمة والقوانين. أي أن غايتها ضمان تطبيق الأحكام من أجل بيئة منضبطة سليمة. وملاحظة أخرى، لا يختلف الأمر كثيرا باختلاف مفهوم الوحي، سواء قلنا أن الحكم الشرعي لفظا ومعنى من الله، أو معنى دون اللفظ. بل وحتى لو قلنا الوحي هو ذات الركائز الأخلاقية فقط، فيكون التشريع بشريا، وسنفصل الكلام في حينه.

وبالتالي فإن (تشخيص الملاك الحقيقي للحكم من قبل الله تعالى يرتبط بدور الإنسان والدين في الحياة، فتكون له امتدادات واسعة لا يمكن إداركها من قبل غير العليم. فعندما يقرر النبي شيئا لا يعد حكما شرعيا بل أمرا ولائيا أو أخلاقيا وفق مصالح ومفاسد ظاهرية أو آنية. فهو لا يعلم تداعياته وتطوراته وتأثيراته المستقبلية. الحكم الشرعي الصادر عن الله يواكب حركة الإنسان والمجتمع، ضمن دور الدين في الحياة. وعليه لا يجوز تقديم الرواية على الآية، لأننا قد نخسر بسبب الرواية ملاك تشريع الآية، الذي هو السعة والرحمة، وسنخسر بتقييدها وتخصيصها تلك المساحة من الحرية التي هي معنى السعة والرحمة. كما أن أي تشريع خارج الآيات لا يدرك الملاكات الحقيقية له لأنها مختصة بالخالق وقدرته على التشخيص الحقيقي من خلال ترابط المنظومة الدينية في جميع أبعادها). (أنظر كتاب الفقيه والعقل التراثي، ص13)

.....................

يأتي في الحلقة القادمة

 

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الخامسة والثلاثون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

جدلية الواقع والتشريع

ماجد الغرباوي: المقصود في الخطاب، حول ختم النبوة والتشريع وإمكانيته وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع، هم نخبة الاختصاص، وفي مقدمتهم الفقيه. وأما عامة الناس فيطرح الموضوع كثقافة، في محاولة لزعزعة يقينيات الخطاب التراثي، الذي يغذي رهاب القداسة، والتوجس من العقل وأحكامه، خاصة عندما يوضع في خصومة مع الخالق، فتغدو أحكامه ردة وصلافة وجرأة على الله، ويكفي انطباع هذه الصورة في ذهن الناس لخلق ردة فعل من أحكامه  في مقابل أحكام الشرع، التي يعمل الفقيه على توسعة نطاقها أبعد مما هو منصوص عليه قرآنيا، لتشمل أراءه الفقهية ولو إيحاء، وهو يعلم علم اليقين أنها آراء اجتهادية ورؤية بشرية غير مقدسة، وقد تختلف من فقيه إلى غيره. ولا أبالغ، حتى النخب المسكونة بالمقدس تتوجس من أحكام العقل أحيانا، وتسارع لرفض كل تفسير عقلي بحجة قدسيتها. تجد معنى في ذات القداسة لا تجده في التفسيرات العقلية لمبادئ التشريع. وبشكل أدق، إن هيمنة رهاب القداسة يدفع باتجاه التسليم والانقياد بعيدا عن العقل. وهؤلاء لا يعلمون أن رهاب القداسة لا يغير من الحقيقة شيئا. الكتب السماوية تخاطب العقل، وهو اعتراف بقدرته على إدارك حقائق الأمور ولو نسبيا تبعا لتفاوت قدرات الإنسان. بل أن اعتبار الوحي مصدر وحيد للمعرفة أيضاً لا يغير من الحقيقة شيئا، مادام العقل رهان الوحي. فثمة مفاهيم خاطئة وراء رفض أحكام العقل كمفهوم القداسة، الوحي، النص فوق العقل، عجز العقل عن إدراك المصالح والمفاسد في الأحكام الشرعية مطلقا، مفهوم التسليم في الدين، مفهوم العبودية وغيرها. مفاهيم تم التنظير لها مبكرا لترسيخ دولة الخلافة مهما كان الخليفة ظالما مستبدا، فكان نتاج سيادة هذه المفاهيم نكوص العقل، ودخوله في سبات عميق بات لا يعي ذاته إلا من خلاله، حتى فقد حريته، وضحى بإرادته. فدعوى قدرة العقل على التشريع في ضوء مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، دعوى مستفزة، بل مهولة، لا يمكن استيعابها من قبل العقل التراثي. الأحكام عندهم تستمد شرعيتها من قدسيتها، فكيف يمكن للعقل إدراك دواعيها وملاكاته؟ وقد مرَّ تفصيل الكلام حولها.

أجد أن تقديم فهم جديد للوحي سيعيد للعقل مكانته الصحيحة، ويساهم في إعادة تشكيل العقل الديني، فثمة ثلاثة أنحاء لتصوره، جميعها ليس نهائيا، قابلا للتطوير، وقد نجد فهما مغايرا يمكن من خلاله تقديم تسويات كافية بين الدين والعقل. أما وفقا لمفاهيمه المتداولة، فالعقل يتصاغر أمام الرأي الأول الذي يعتقد أن القرآن وحي، لفظا ومعنى. وكذلك ولو بشكل أفضل من يعتقد أن القرآن وحي معنى لا لفظا، فيرتهن فهم الوحي للواقع الثقافي، فيكون القرآن منتجا ثقافيا. أو أن يكون الوحي تجربة دينية. لكن لو تطور مفهوم الوحي، ليكون تجربة عقلية في أفق الخيال وفي أعماق النفس البشرية، فستحصل قفزة، في فهم التشريع وإدراك مبادئه وقضايا كثيرة مرتبطة به. ولعل التفصيل يأتي عند تناول المفهوم مستقبلا بإذنه تعالى.

جدلية الواقع والتشريع

تقدم عدم وجود ملازمة بين بعثة الأنبياء ونزول الشرائع. نضرب مثالاَ بعيسى النبي الكريم، حيث بعثه الله نبيا وأنزل معه الإنجيل، وواصل عمله بشريعة موسى: (وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ). بل وخفف من المحرمات السابقة. وهذا ما فعله النبي الكريم من بعده: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ). والتخفيف دليل على إمكانية الاستغناء عن بعض الأحكام أو استبدال أحدهما بالآخر، وفقا لضرورات الواقع. وهذا لا يضر بمصداقية الدين، لعدم توقف صدقيته على نزول شريعة خاصة به. ليس جميع الأنبياء نزلت معهم كتب سماوية، ولا جميعهم استقل بشريعة دون غيره. الشرائع، عكسا للدين، متغيرة، تستجيب للواقع وحاجاته: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)، رغم وحدة الأديان كمنظومة عقدية وفكرية: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ). ويقصد بالدين رؤيته الكونية للوجود والإنسان وما بعد الموت. ومحورها وحدانية الله تعالى. والإسلام بمعنى التسليم لله. ولا خلاف بين الأديان حولها. بينما كان الواقع وراء نزول الشريعة الإسلامية، ولو أن الواقع لم يطرح أسئلته التي هي أسئلة بعضها فرضتها ظروف طارئة، وبعضها يعود للشخصية العربية التي تكثر السؤال حتى نهاهم القرآن عن الإكثار منها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ).

ولتوضيح الفكرة:

- ماذا لو استمرت الدعوة الجديدة في سلميتها ولم تنشب حروب بين المسلمين وخصومهم، هل كان ثمة ما يبرر تشريع أحكام الجهاد والقتال، ولو مجرد إجراء استباقي أو احترازي تحسبا لأي طارئ على هذا الصعيد؟ وهل سيصدق مفهوم الدين والكتاب بدونها؟

- ماذا لو لم يسأل الصحابة النبي ويستفتونه بهذه الكثرة من الأسئلة: (ويسألونك ... ويستفتونك)، هل ستتوسع دائرة التشريع؟.

- ماذا لو خلت الجزيرة العربية من العبودية والعبيد؟ فهل هناك حاجة لتشريعات تخصهم؟.

ولو قيل: مادام تشريع الأحكام يدور مدار ملاكاتها. ومادام هناك ما يبرر تشريعها، فستشرّع من قبل الله، سأل الناس أو لم يسألوا، وقعت حروب أو لم تقع، كان هناك مجتمع عبيد أو لم يكن. فلا علاقة للواقع في تشريعها، ولم تكن ناظرة له دائما، بل ثمة ما هو أبعد من ذلك، يرتبط بالله وإرادته، وهو سرّ قدسيتها.

أقول: نعم، صحيح أن الحكم يدور مدار ملاكاته من مصالح ومفاسد، قد لا يستطيع الإنسان إدراكها، وتقدمت معالجة هذا الإشكال أكثر من مرة. غير أن فعلية الحكم يرتهن للواقع وضروراته. فالكلام لا عن أصل تشريع الحكم بل عن فعليته وإبرازه بصيغة قانونية، وجعله على هذا أو ذاك من الناس أو من المكلفين كما في التعبير الفقهي. تشريع الحكم يمر بمرحلتين مرَّ بيانهما، مرحلة الثبوت التي يشخص فيها المشرع ملاكات الحكم من مصالح ومفاسد، فـ(إذا أدرك وجود مصلحة بدرجة معينة فيه تولدت إرادة لذلك الفعل بدرجة تتناسب مع المصلحة المدركة، وبعد ذلك يصوغ المولى إرادته صياغة جعلية من نوع الاعتبار، فيعتبر الفعل على ذمة المكلف، وهي مرحلة الاثبات). فيقول مثلا ولله على الناس حج البيت. لكن عندما يقول: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)، فإن فعلية الحكم غدت مشروطة بالاستطاعة. ولا يكون الحج فعليا على هذا أو ذاك ما لم يكن مستطيعا. فالكلام عن فعلية الأحكام. فليس الكلام عن مرحلة الجعل وإنما الحديث عن مرحلة المجعول ونثبوت الحكم من خلاص صيغة قانونية.

ثم لا توجد أحكام شرعية ابتدائية فجميعها إجابة عن الواقع وحاجاته، أو تقويم لأحكام سابقة أو مقارنة مع ما جاء بالتوراة، باستثناء القيم الأخلاقية الأصيلة، كالأمر بالعدل والاحسان والرحمة: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وغيرها من آيات. وتأكيدا لما تقدم فإن الشارع لم يشرع لقضايا مستقبلية مع علمه بحاجة الناس لها!!. بل وتركها للمسلمين يتدبرونها ويتخذون ما يلزم بشأنها. وبالفعل أمضى قوانين البيع والشراء في الأسواق، باستثناء مبادئ قليلة جدا، لتوجيه التداول الاقتصادي. وهذا يؤكد دور الواقع في تشريع الأحكام، وأنها تدور مداره نفيا واثباتا.

بهذا نفهم أن الواقع كان موجبا لتشريع الأحكام. خاصة العلاقات العامة على جميع الأصعدة: الاجتماعية والقضائية وبعض أحكام العبادات، وشؤون المرأة والعائلة وأحكام العبيد. وكلامنا عن سبب تصدي الشريعة لتشريعها، لا عن نوعها أو مقارنتها بالأحكام الوضعية. بمعنى أدق، كما أن الواقع كان وراء صدور الأحكام، كأجوبة واستفتاءات لأسئلة الناس تعبيرا عن حاجتهم لها، كذلك يتحكم الواقع بفعليتها وعدم فعليتها. فما كان فعليا آنذاك قد لا يكون كذلك، مع وجود واقع مختلف، وحاجات مغايرة. نحن إنما نفترض افتراضا لنكتشف مركزية الشرائع في الأديان السماوية. فالتشريع ليس من صميم الأديان، ويمكن التخلي عن الحكم بعد انتفاء فعلية موضوعه، تبعا لاختلاف الواقع. ويترك ملء الفراغ حينئذٍ لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، ويستمد التشريع الجديد شرعيته من مبادئه والتزام الناس به، وهكذا يترسخ ويفرض سلطته، فتشرع إلى جانبه قوانين تحفظ هيبته، تعاقب على مخالفته وعدم الالتزام به. فيكون الفارق بين التشريعات السسماوية والتشريعات الوضعية، في نوع العقوبات، وكلاهما يقصد حماية القانون والنظام والتشريعات، سواء كانت سماوية أم وضعية.

بل إن دواعي الواقع تغني عن معرفة علة الحكم أحيانا، مادام في مقام البيان سواء كان الحكم جزئيا أم كليا. وسواء كان الواقع تمام علة تشريعه أو جزء العلة. وهو أيضا مأخوذ بنظر الاعتبار في تلك الحيثية حتى مع وجود حيثية أخرى، كما في آية المحيض التي مرَّ الحديث عنها. أو آية الأهلة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ)، وغيرهما. فيتغير الحكم بتغير الداعي، مثالها جميع الأحكام المأخوذة على نحو القضية الخارجية، فالخارج أو الواقع هو علية فعليتها، فينتفي بانتفائها.

الشريعة وراهن المسلمين

بهذا تتضح الإجابة على سؤالين يفرضهما الواقع وتطور المجتمعات الحديثة، هما:

السؤال الأول: ماذا يمكن أن تقدم الشريعة للمجتمع الحديث؟

سيكون هذا السؤال مبررا لو كان سؤالا عن الدين باعتباره:

- عقيدة: تجيب على الأسئلة الوجودية الكبرى: الخالق، الموت، ما بعد الموت، اليوم الآخر، الخلاص، وغير ذلك.

- وشريعة: هي مجموع الأحكام الشرعية الصادرة عن الله لتنظيم حياة الإنسان، فردا وجماعة. وهي ملزمة من وجهة نظر إيمانية: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ). وتقتصر على ما ورد في الكتاب من الأحكام، وما كان له جذر قرآني، وضمنا صحته من الروايات النبوية الشارحة والمبينة. بينما تمتد الشريعة لتشمل وفقا للرأي المتداول في الأوساط الدينية سُنة النبي: قولا وفعلا وتقريرا، وامتدت عند المذهب الشيعي إلى سيرة الأئمة الأثني عشر.

- قيم أخلاقية: لضبط الأداء السلوكي وفقا لقيم أخلاقية أصيلة. وهي يقيم إنسانية، يقرها العقل قبل النقل.

- رؤية توحيدية للعالم.

- تعاليم دينية.

- معارف دينية.

فلو كان السؤال عن الدين سيكون مبررا، كأن يأتي بنفس الصيغة: (ماذا يمكن أن يقدم الدين للمجتمع الحديث؟). فحينئذٍ تتعدد الأجوبة بتعدد وجهات النظر حوله. خاصة مع تعالي مفهوم الوحي، وقدسية المعارف الدينية. فثمة من يعتقد أن الدين شامل كامل للحياة، ويعتقد أن الحل لأزمة التخلف في القرآن. وهي شعارات رفعتها حركات إسلامية راحت تبشر بعصر جديد في ظل مرجعية الكتاب المبين.

الشريعة هي جزء من الدين اختصاصها بيان الحكم الشرعي، كالسؤال عن الصلاة مثلا، هل هي واجبة أم محرمة؟ فتأتي الشريعة لتقول: (فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا). أو السؤال عن وجوب الصوم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). وهكذا باقي الموضوعات، في كل مورد يشك الإنسان في حكمه من وجهة نظر الشارع المقدس. لذا عرفوا الحكم الشرعي: (هو الحكم الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان)، على أساس أحد الأحكام الخمسة عندهم وهي: الوجوب، الحرمة، الاستحباب، الكراهية، والإباحة. فالشريعة لا تقدم رؤية بل تبين الحكم الشرعي في القضايا العبادية وغيرها وفقا لعدالة السماء. وأحيانا تذير الحكم ببيان علته أو فلسفته. لذا ينشغل الفقهاء بمعالجة المسائل المستحدثة، كمسائل التأمين، البنوك، العقود الجديدة، للتأكد من عدم وجود محظور شرعي. وتخضع لوجهات النظر، وقبلياتهم الفقهية. فلا ننتظر من الشريعة أكثر من هذا. وقد عمد الفقهاء إلى بين الموقف العملي من الحكم المشكوك أو ما يسمى بالأصول العملية وفقا لعقيدتهم بشمول الشريعة.

نخلص أن تعريف الحكم الشرعي: "خطاب الله تعالى، المتعلق بأفعال المكلفين، اقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً". أو "هو الحكم الصادر من قبل الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان"، تعاريف خاطئة. الدين لا يحل محل العقل، ولا يحرم الإنسان من حريته وإرادته، ولا يتولى تنظيم حياته بدلا عنه. فالحكم الشرعي: "كل حكم تولت الشريعة بيانه وفقا لمقتضيات الحكمة، لضبط سلوك الإنسان". لا مطلق أفعاله ونشاطاته. والشريعة: "خصوص الأحاكم المنصوص عليها قرآنيا، ترتبت أم لم تترتب عليها آثار دنيوية".

الفقه يشكل خطرا عندما يقحم نفسه في قضايا لا علاقة لها بالدين بدعوى شمول الشريعة لجميع مناحي الحياة. المشكلة أن الفقيه يعتقد أن كل فعل إما أن يكون: واجبا أو محرما أو مستحبا أو مكروها أو مباحا. والإباحة هنا حكم شرعي. على أساس كما يذهب الأصوليون: إن (لكل واحد من الأحكام التكليفية الخمسة مبادئ تتفق مع طبيعته، فمبادئ الوجوب هي الإرادة الشديدة، ومن ورائها المصلحة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص في المخالفة. ومبادئ الحرمة هي المبغوضية الشديدة، ومن ورائها المفسدة البالغة إلى درجة نفسها. والاستحباب والكراهة يتولدان عن مبادئ من نفس النوع، ولكنها أضعف درجة بنحو يسمح المولى معها بترك المستحب وبارتكاب المكروه. وأما الإباحة فهي بمعنيين، أحدهما:

الإباحة بالمعنى الأخص التي تعتبر نوعا خامسا من الأحكام التكليفية، وهي تعبر عن مساواة الفعل والترك في نظر المولى. والآخر:... والإباحة قد تنشأ عن خلو الفعل المباح من أي ملاك يدعو إلى الالزام فعلا أو تركا، وقد تنشأ عن وجود ملاك في أن يكون المكلف مطلق العنان، وملاكها على الأول لا اقتضائي، وعلى الثاني اقتضائي). (ينظر الحلقة الأولى من أصول الفقه، محمد باقر الصدر). وفقاَ لهذه الرؤية الأصولية لا يوجد فعل إلا وفي مقابله حكم شرعي، بما في ذلك منطقة الفراغ، فثمة ملاكات شرعية اقتضت أن يتساوى الفعل والترك. وهذا لا دليل عليه قرآنيا، ولازمه نفي حرية الإنسان التي هي لازم وجودي له. وبمجرد أن يبلغ سن التكليف وفقا لشروطهم يخضع للشريعة في جميع حركاته وسكناته. الفقيه يجرد الفرد من حريته التي هي أصيلة، والشريعة طارئة عليه، مرتهنة في فعليتها لفعلية موضوعاتها وشروطها. لا أتوجس من الأحكام غير أن جوهر الحكم الشرعي يختلف عن الحكم الوضعي. الأول يقوم على الحلال والحرام والثاني يقوم على الصواب والخطأ. فإذا كان المحرك في الأولى هو الله بدعوى وجود حكم صادر منه، فإن المحرك في الثانية تشخيص الصواب والخطأ، وفق رؤية واقعية. الأول يتأثر بالفقيه ورؤيته الاجتهادية فيفقد صفة الثبات. والثاني يقرره الواقع وضروراته مما يمنح الحكم / القانون ثباتا ينأى به عن وجهات النظر.

ينبغي التثقيف على محدودية الأحكام الشرعية، وعدم السماح لتمدد الفتوى أبعد مما جاء في الكتاب الكريم. ونأمل في فقيه شجاع يعلن صراحة أن الأحكام الشرعية حكمان: وجوب أو حرمة، يلحق بهما الاستحباب والكراهة. وجوابه فيما عداهما: "هذا ليس من شأن الشريعة". فلو سئل عن قضية لا داعي لأن يجيب: الأصل هو البراءة وغير ذلك من صيغ فقهية جاهزة، بل عليه أن يكون صريحا ويقول، هذا شأن بشري، لا شأن ديني وليس للشريعة حكم فيه. ولا معنى لوجود إباحة إقتضائية ولا إقتضائية. الأصل حرية الإنسان وحرية اختياره، وقد تدخلت الشريعة جزئيا بحدود ما ورد في الكتاب. بهذا الشكل يمكن تحرير الفرد من رهاب القداسة، وزرع الثقة في نفسه وعقله، ويكف عن التبعية والانقياد تحت عناوين دينية. (أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)، (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)، (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ).

السؤال الثاني: هل ينتهي دور الشريعة بمرور الأيام وتغير الواقع؟

هذا السؤال يوجه لمن يعتقد بشمول الشريعة لجميع مناحي الحياة: و"ما من واقعة إلا ولله فيها حكم". لا فرق بين الحكم الواقعي والظاهري فكلاهما بنظرهم حجة. وسبق التأكيد أن فعلية الأحكام الشرعية مرتهن بفعلية موضوعاتها.

من حيث المبدأ يمكن انتهاء الشريعة، لكن من حيث الواقع ثمة أحكام كالعبادات، لا يمكن للفقيه تقرير فعليتها وعدمها. واذا لم يبق دور للشريعة / الكتاب يبقى دور للحكمة، فيواصل المجتمع تشريع ما يود من أحكامها وفقا لمقتضياتها ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته.

يأتي في الحلقة القادمة

 

........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الرابعة والثلاثون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

قبل مواصلة البحث حول جدلية الواقع والتشريع، أتوقف للإجابة على سؤال جاء تعقيبا على موضوع ختم التشريع وقدرة العقل على إدراك مبادئه.

س519: ماهر الشمري، ملبورن – أستراليا: سؤال إلى إستاذنا العزيز المحترم ماجد الغرباوي:

إذا كان العقل قادرا على اكتشاف مبادئ التشريع، وعلى تشريع ما يراه مناسبا وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته. وقادر على مواصلة حياته على المدى البعيد، مع عدم حاجته مستقبلا للوحي أو أي ولاية دينية. وكان ذلك هو سرّ توقف هبوط الوحي وبعثة الأنبياء، كما جاء في بحثك. وسؤالي: ما حاجتنا للوحي أساسا، ولماذا احتجنا له ابتداء؟ ولماذا اقتصرت حاجتنا له على تلك المرحلة، دون المرحلة اللاحقة؟.

ج519: ماجد الغرباوي: شكرا للأخ الأستاذ ماهر الشمري، وشكرا لتفاعلك مع البحث من خلال أسئلتك القيمة التي جاءت تعقيبا على موضوع ختم الشريعة.

المقدمة التي سقتها ضمن سؤالك الكريم، والتي هي أساسا محور البحث (إذا كان العقل قادرا على اكتشاف مبادئ التشريع، وعلى تشريع ما يراه مناسبا وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته)، قد تم الاستدلال على صحتها بأدلة أربعة، هي: سيرة العرف التشريعي. نصوص قرآنية صرحت أنها شُرعت وفقا لمقتضيات الحكمة أو من أنباء الحكمة. تعليل الأحكام، وإمضاء السيرة العقلائية. وهي أدلة كافية لإثبات صحتها. وأؤكد أن سياقات الأحكام الشرعية في القرآن دالة على الجذر الأخلاقي لها، خاصة الآيات المعللة ، كما بينت سابقا، وهي كثيرة. وعليه فالعقل قادر فعلا على اكتشاف مبادئ التشريع. ويمكنه ملء الفراغ التشريعي وفقا لمقتضيات الحكمة في أفق الواقع وضروراته. وقد عالجت نسبية المعرفة البشرية في مقابل المعرفة الإلهية، بإمضاء نسبيتها. وكل هذا مرَّ تفصيله.

وقد سبق التنبيه نحن نفترض وجود مجتمع مسلم، متمسك بالشريعة، وقد يعتبرها مصدرا وحيدا له. يرفض القوانين والأنظمة الوضعية، ما لم تكن مطابقة لها أو تخضع لوصايا الفقيه أو خصوص الفقيه الولي، وفي سياقها جاء السؤال عن الحاجة للوحي؟ ولماذا أستُغني عنه بعد البعثة وليس قبلها؟. ويمكن السؤال أيضا: من يحدد حاجة أو عدم حاجة الشعوب للوحي؟ وما هي مرجعياته ومبرراته؟. وهي أسئلة مشروعة، بعد دلالة الأدلة على إمكانية إدراك مبادئ التشريع والجذر الأخلاقي للأحكام الشرعية. وبعبارة أدق مادام العقل قادرا على إدراك مبادئ التشريع، وقادرا على التشريع وفقا لمقتضيات الحكمة، كما أنتهى إليه البحث، فما هو مبرر نزول الوحي أساسا؟ ألم يكن العقل قبل بعثة الأنبياء قادرا على تشريع الأحكام؟. وهذا سرّ شرعية السؤال. خاصة مع تأكيد البحث على الجذر الأخلاقي للأحكام، وعدم وجود أي بعد ميتافيزيقي أو غموض وراء تشريعها، مما يعقد إشكالية العلاقة بين الوحي والعقل، ويسمح بطرح السؤال مجددا عن ماهية الوحي وحقيقته؟.

بدءا ينبغي بيان العلاقة بين الوحي والتشريع. وهل نزول الوحي مرتهن لتشريع الأحكام؟. بمعنى أدق، هل الحاجة للأحكام الشرعية هي علة نزول الوحي؟ وهل هي وراء بعثة الأنبياء؟ فالكلام في الكبرى ومدى صدقيتها كقضية دينية؟ فهل الكبرى صادقة أم لا؟. فينتفي السؤال بانتفائها ويثبت بثبوت صحتها؟.

إن الحاجة للوحي، والكلام من وجهة نظر الأديان، أعم من الشريعة والعقيدة. الحاجة للوحي مرتبطة بهداية الناس في إطار وحدانية الخالق، والإيمان باليوم الآخر، وأن الله هو الحق. وهو ما أكدته الكتب السماوية. وما الشرائع وتسوية الخلافات وتصحيح مسارات العدل الاجتماعي والقضائي سوى جزء من التعاليم الدينية، وليست هي محور الوحي وسبب نزول الرسالات. وبالتالي فثمة هدف أعلى وفقا للمنطق القرآني وراء بعثة الأنبياء مرتبط بوحدانية الخالق وهداية الناس: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا)، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). التوحيد هو محور القرآن، يمكن رصد هذا بسهولة من خلال الآيات، إذ تشكل وحدانية الله، موضوعا لعدد كبير من الآيات. كما اعتبرت الآيات التوحيد مسؤلية أساسية لبعثة الأنبياء، فتجدها تسرد تفصيلات كثيرة وجدلا محتدما بين المؤمنين ومناوئيهم، الأعم من الكفار وأهل الكتاب. فبعثة الأنبياء مرتبطة بالدين وقضية التوحيد وانحراف الأديان، وقسم آخر يخص الشرائع، وتحريفها. وأكتفي بشاهد قرآني واحد ويمكنك مراجعة شواهد عديدة: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). فهذه الآية وغيرها تؤكد انحراف الشرائع عن مقاصدها الحقيقية في نظر القرآن، فيأتي الوحي ليحسم الخلاف حولها. فأحد وظائف الأنبياء هي حسم الخلافات: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ).

من جهة ثانية، فإن الشرائع تتغير بتغير الواقع، كما تؤكد الآية (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ). كل مرحلة تستدعي تشريعات تتناسب مع واقعها، باستثناء القيم الأخلاقية الأصيلة فتبقى ثابتة كالأمر بالعدل والإحسان. أو الوصايا العشرة للأديان السماوية. فالحاجة للوحي على صعيد التشريع: تشريع أحكام لواقع جديد. وتصحيح ما طرأ على أحكام الشرائع السابقة من تحريفات بفعل السياسة والصراعات الدينية وسيطرة رجال الدين. فما دامت الشرائع السماوية رغم انحرافها بنظر القرآن تنتسب للسماء، وتعتبر مقدسة عندهم، فيجب حينئذٍ نزول الوحي لبيان حقائق الأمور في القضايا التشريعة. إذ لا يستطيع نزع قدسية الشرائع السابقة إلا بأمر مقدس أقوى، فكان هذا أحد المبررات لتعاقب بعثة الأنبياء.

وبالتالي لا ملازمة بين إدراك العقل لمبادئ التشريع ونزول الوحي. الثاني يخضع لمبررات عدة. إذ تقدم أن وراء تشريع الأحكام ملاكات، وفقها تشرع الأحكام، وثمة شروط تتوقف عليها فعليتها. كما أن إدراك مبادئ التشريع لا يطعن بمصداقية الأديان، ولا يؤثر سلبا على إيمان المؤمنين. والأمر برمته من وجهة نظر خاصة مرتبط بالعقل وحرية الإنسان، وسعي الأديان لتحريره من أغلاله ونوازعه السلبية. فثمة دواعٍ وراء نزول الوحي لا تقتصر على التشريع بل أعم منه ومن الهداية، ليشمل وحدانية الله، خلق وازع التقوى في نفوس المؤمنين، تأكيد المعاد، وعودة الناس للحساب. والاصرار على مصالح الإنسان، وعدم التفريط بها، والتحذير من الطغاة والجبابرة، ومن كيد الملأ. والأهم تعزيز المقدسة ومحورية السماء في ظل قيم القبيلة والاستبداد التي ترتهن وعيها للسيد والشيخ والطاغية، فتكون إحدى وظائف بعثة الأنبياء تعزيز الرمز المقدس محورا في قلب النظام القبلي يكون دالا على الحق وإقامة العدل في إطار وحدانية الخالق.

وأما لماذا اقتصرت الحاجة للوحي على تلك المرحلة، دون المرحلة اللاحقة؟. فقد مرَّ الكلام عن ختم النبوة وختم التشريع، بمعنى عودة الإنسان للعقل كمرجعية لإدراك الواقع وما يناسبه من أحكام، بعد التحرر من مختلف العبوديات عبر توحيد إله واحد يتصف بالكمال والرحمة والعدل. التوحيد نفي كل عبودية ما عداه، فهو عملية تحرر مستمرة. بمعنى أدق أن حاجة الإنسان للوحي استنفدت أغراضها. وسبق القول إن مهمة الدين ترشيد الوعي وتقويمه بعد أن فقد توازنه في ظل قيم الاستبداد والعبودية والتخلف بالمفهوم القرآني له، وخسر الإنسان حريته وإنسانيته. وقد امتد زمن النبوات من: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) إلى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا). فالآية الأولى تبرر بعثة الأنبياء ولازمها نزول الكتب والشرائع السماوية، والقضية من وجهة نظر دينية. فليس الوحي مرتهن لإرادة الإنسان بل هو تقدير إلهي، قد وضحته الآية الأولى. وفي ضوئها: كان الناس على الطبيعة، ويحتكمون للعقل ومصالحهم، ثم طرأ انحراف على طبيعتهم، وتفاقم الصراع الطبقي، مما أدى إلى انحراف الفكر والأخلاق، وبات البشر بحاجة إلى رؤية سماوية مقدسة، تحسم القضايا العقدية، وتبين الحقوق والواجبات. ثم بختم النبوة تكون قد حققت ما تريده، وتركت العقل يواصل حياته. عندما يستولي الظلم وتنقلب الموازين حداً تراه الناس عدلا وقسطا، يصاب العقل بعطب يشل قدرته على التفكير.  ولازم ختم النبوة والتشريع نضوج العقل شريط التمسك بالقيم الإنسانية والأخلاقية وتعهد العدل والإحسان وعدم الظلم والجور، وتشريع ما يلزمه من تشريعات وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، دون تمادٍ ولا ظلم ولا جور. وبالتالي، لم يُترك الإنسان بلا مرجعية لهدايته وهو يواصل كَدحَه في الحياة، فكان الوحي ثم حل العقل محله. أما الدين بمعنى العقيدة والهداية والإيمان باليوم الآخر، فقد طرح القرآن ما يكفي من أدلة وبراهين عقلية يدركها أولو الألباب، كما ساهم في خلق وازع التقوى، لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، بالتعبير القرآني. بل أجد في ختم النبوة والتشريع ما يؤكد ردم الهوة بين الوحي والعقل، وما قامت به الرسالات ترميم المفاهيم الإنسانية التي تآكلت بفعل تراكمات الاستبداد والتبعية والعبودية والقيم القبلية. فساعدت الرسالات السماوية الإنسان على اكتشاف ذاته، وتحرير عقله، فختمهما شاهد على استقلاليته وتحرره من أغلاله وأصفاده.  فالإنسان لم ينقطع عن مرجعيته بغياب الوحي، كما يصرّ الخطاب الديني المتداول، بل كان العقل الذي في ضوئه أهتدى لدينه، هو ذاته سيواصل مرجعيته الأخلاقية والقيمية في تشريع الأنظمة والقوانين، بل ومراجعة شروط فعلية الأحكام الشرعية للتأكد منها، فربما حكم ما في زمن الوحي كان فعليا ولم يكن كذلك الآن. جاء في الحديث: (إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء، وأما الباطنة فالعقول). وفي حديث ينسب للإمام الصادق: (لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وعليك أثيب). وقد أمضى النبي حكم العقل بعد الكتاب والسنة كما جاء في الخبر المعروف أنه عندما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيا سأل: (حيث قال له قبل أن يرسله إلى اليمن " كيف تقضي إذا عرض لك قضاء"، قــال " أقضـي بكتاب الله "، فسأله الرسول مرة آخرى " فإن لم تجد في كتاب الله"، فأجابه ابن جبل "فبسنة رسول الله"، فعاود صلى الله عليه وسلم وسأله "فإن لم تجد في سنة رسول الله، ولا في كتاب الله؟"، فأسرع ابن جبل وأجاب الرسول قائلا "أجتهد رأيي"، هنا ضرب رسول الله صدره قائلا "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله")، وهذا إمضاء صريح للعقل كمصدر للتشريع من قبل النبي. وعندما اشترطوا التمسك بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الشيخين شرطا لخلافة الإمام علي رفض، واشترط رأيه واجتهاده. (يراجع تاريخ الطبري ومصادر أخرى). والشواهد كثيرة على أصالة العقل، فيكون الوحي استثناء في حياة الإنسان، ثم عاد العقل لأصالته ومركزيته لولا سلوك الفقهاء، وخصوص الفقه السلطاني، الذي كرّس روح الانقياد والتبعية، والتنكر للعقل وأحكامه، والاكتفاء ولو برواية ضعيفة بدلا عنه.

وأجد في سيرة أئمة أهل البيت شاهدا على إمضاء العقل مصدرا للتشريع وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع. فالمعروف أن روايات أهل البيت عن النبي روايات مرسلة، والإرسال أحد أسباب ضعف الرواية، كما هو متفق عندهم في علوم الدراية. وهذه مؤاخذة كبيرة على الفقه الشيعي لولا تبني العصمة التي تعني عندهم حجية أحاديث أئمة أهل البيت، كحجية أحاديث الرسول. فيكفي وفقا لمبانيهم أنتهاء السند إلى أحد الأئمة في حجيته إذا استوفى باقي شروط حجية الخبر، سواء الصحيح أو المعتبر. وقد وضعوا قواعد لحل التعارض بين روايات أئمتهم. ولا حل آخر أمامهم لحل هذه المشكلة، خاصة مع قلة روايات الأئمة المتقدمين، فلم يعرف عن الإمامين الحسن والحسين الرواية عن أبيهم وجدهم إلا عدد محدود جدا!!، بينما منجم الروايات هما الإمام الصادق وبشكل أقل أبوه الإمام الباقر، لذا ينسب الفقه الشيعي للأول دون الثاني، فيقال المذهب الجعفري. وقد حشدوا مختلف الأدلة لاثبات صحة مبانيهم العقدية والروائية. وتزداد المشكلة تعقيدا مع التشكيك برواية الصادق التي يرتكز لها دليلا على اتصال سند أحاديثه إلى النبي، وهي: (أولاً: روى حماد بن عثمان وغيره قالوا : سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول : حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله عز وجل). وهذه الحلول غير مقنعة تماما مع اشتراط التحديث والمباشرة أو السماع أو أية واحدة من أنحاء تحمل الحديث الثمانية المعروفة عندهم. لكن من خلال التأمل الطويل اكتشفت أن أدلة أئمة أهل البيت في مختلف أبواب الفقه إما أدلة لفظية، روايات مكتوبة وصلتهم كابر عن كابر كما يعبرون، ككتاب علي في القضاء والجامعة كما جاء ذكرها في أخبارهم. أو تطبيق كبريات الأحكام على مصاديقها، وهو عمل اجتهادي. أو التشريع وفق قواعد عقلية كما في الروايات التي يذكر فيها الأمام دليله على استنباط الحكم كروايات زرارة عن الباقر التي يستدل بها الفقهاء على حجية الاستصحاب، مثال: (يسأل زرارة بن أعين الأمام عن طهارة الثوب المشكوك بطهارته، فيجيبه. وفي بعض المقاطع يسأل زرارة الإمام عن الدليل فيجيب: قلت: ولم ذلك؟. قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك، ثم شككت، وليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا). فالإمام أفتى وفقا لقاعدة عقلية مفادها إذا كنت على يقين سابق وشك لاحقا فاستصحب الحالة السابقة وابق على يقينك. وتسمى قاعدة الاستصحاب. والكلام حول بعض الأحكام الشرعية وليس الكلام عن القضايا العقلية، فحكمها مشمول بقاعدة اليقين وهل كان اليقين مطابقا للواقع في حينه أم لا؟ كما لو كان يؤمن بقضية عقيدة أو علمية وكان يجزم بها ثم تبين خطأها.

والثالث الافتاء وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع، ففي الحالتين الثانية والثالثة يمارس الإمام اجتهادا عقليا من خلاله يفتي.

كما هناك روايات تنقل جدلا بين الإمام الباقر وولده الإمام الصادق حول الزكاة، والأول بين أسباب الحكم.

س520: ماهر الشمري: من قال إن العقل كان قاصراً عن التشريع وفقا لمقتضيات الحكمة وضرورات الحياة والواقع العربي قبل بعثة النبي؟. إن عقل الفرد العربي في الجزيرة كان مكيّفاً وقادراً على صياغة قوانين وتشريعات تناسب بيئته خصوصاً اذا صيغت من قبل حكماء تلك المنطقة والبيئة والمجتمع. فما هو رأيك؟.

ج520: ماجد الغرباوي: لا ريب في وجود تقاليد وأعراف سبقت نزول الوحي، ولا ريب بتمسك القبائل العربية بها. وقد بينت سابقا أن مرجعيات العربي آنذاك خليط من العادات والتقاليد وتعاليم أهل الكتاب، وبقايا الأنبياء، وما زخرت به العقلية العربية الحكيمة، ومجموعة من الخرافات والأساطير وحكايات الجن واللامعقول المستشري آنذاك. وقد أمضى الإسلام بعضها، كقوانين التجارة باستثناء مبادئ قليلة، وجملة من القوانين الاجتماعية والعلاقات العامة. بل حتى أمضى الفرائض الدينية بعد تقويمها وتصحيح مساراتها وفقا لرؤيته الدينية، كقوله: (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ). بل أن أحكام الشريعة لم تأت من فراغ، وقد سبقتها أحكام وقررت الشريعة ما وجدته حقا وعدلا.

كل شعب وكل أمة لها رؤيتها الكونية، ونظرتها الخاصة عن الإنسان ومصيره وخلاصه، وجميعها يتمتع بأنساق ثقافية تمثله، وتحقق انتماءه لهويته. غير أن المشكلة الأساس طغيان الاستبداد وسحق الإنسان وكرامته، واندثار القيم الأخلاقية الأصيلة لصالح القيم الأخلاقية المكتسبة المكرّسة لخدمة سلطة السيد وشيخ القبيلة. أو سلطة القيم الاستبدادية الحاكمة. فثمة ظلم وجور واضطهاد. وجميعها وفقا لرسالات السماء ظالمة، غير عادلة، تحابي رؤساء القبائل، وتضطهد الطبقات المحرومة وقد أفضت للاستغلال والطبقية والعبودية وتكريس الثروات. ووأد الأناث، واحتقار المرأة، وتشيئتها، بعد سلبها إنسانيتها، وسحق حقوقها، وغير ذلك مما تشير له الآيات.

لا أنفي قابليات العقل العربي، غير أني أشكك في كماله وقدرته على اكتشاف مبادئ التشريع، مادام عقلا مرتهنا لقيم قبلية جائرة. والارتهان يفقد العقل استقلاليته وموضوعيته، فيرى، إثر انقلاب موازينه الأخلاقية، من العدل تكريس الثروات مثلا بيد شيخ العشيرة، ويسعى لحماية قيمها، ويربط مصيره بمصيرها مهما كانت ظالمة وجائرة، وهذا يسلب موضوعيته وعدله.

ولو كان نضوج العقل العربي في مجال التشريع كما ذكر السؤال فلماذا أكثر المسلمون السؤال عن التشريعات حتى نهرهم القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ). بل كانوا يسألون عن كل شيء.

ثم أن الواقع الجديد يستدعي تشريعات جديدة ولا طريق له سوى العقل فكان ختم النبوة والتشريع إمضاء لحكمه. ولو بشكل غير مباشر، أو تتعطل حياة الناس وتشط عن العدل والانصاف. فتكون الحاجة للعقل بحكم الضرورة.

كما أن تصحيح المفاهيم مبرر لنزول الوحي. فثمة فرق بين مفهوم العدالة ومصاديقها الخارجية. وهي جوهر مبادئ التشريع وأساس الحكم العادل. مثلا الجميع يؤمن أن من العدل معاقبة القاتل، لكن يختلفون في مصداق العدالة بين القصاص النفس بالنفس وبين مضاعفة العقوبة، أو السجن المؤبد في زماننا. فالعرب تؤمن بمفهوم العدالة لكن موازين العدالة ومصاديقها لا تطابق روحها، فعندما يعتبر العربي تكريس السلطات والثروات بيد شيخ القبيلة عدلا، لا لأنه عادل حقا بل لأن موقعه في أعلى هرم القبيلة، يبرر ذلك. دون الالتفات لحجم معاناة المضطهدين بسبب تكديس الأموال، وعدم إنفاقها على المحتاجين. كما أن القيم القبلية تعمل بالقيم الميكافيلية: الغاية تبرر الواسطة، فتكون جميع وسائل تكريس الثروات مباحة وشرعية، كالقتل والنهب، والسلب والغدر، والغزو. فكان الوحي مصدرا لتهذيب النفوس، واستئصال القيم القبلية أو بعضها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الثالثة والثلاثون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الدليل الرابع: إمضاء السيرة العقلائية

يعتبر إمضاء السيرة العقلائية في تشريع الأحكام دليلاً رابعاً على وحدة مبادئها، وارتهان شرعيتها لها. لا فرق بين الأحكام الشرعية والوضعية شريطة الالتزام بمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته. أو يفقد الحكم شرعيته مع الظلم والجور والانحياز والترهيب وعدم المساواة. أو بشكل أدق يفقد الحكم شرعيته بفقدان المشرّع / الفقيه / الجهة المتصدية للتشريع حريته وإرادته. الإرادة الحرة شرط أساس يضاف إلى غيره من الشروط المتقدمة.

وإمضاء السيرة دليل عقلي، مفاده: إن عدم صدور نهي عن تشريع الأحكام خارج حدود الشريعة أو في منطقة الفراغ، دليل على جوازه، وإمضاء ما تقتضيه حكمة المشرّع ومبادئ التشريع في ملء منطقة الفراغ. لا فرق بين الأنبياء، أو خصوص النبي محمد وغيره، مادام التشريع مرتكزا لتلك المبادئ والقيم الأخلاقية، فالحكم يدور مدارها نفيا وإثباتا. وقد ختمت الآية ما يخص الشريعة من أحكام وأكدت كمال الدين، دون الإشارة إلى منطقة الفراغ، وما هو مآل المسائل المستحدثة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا). وهذا يؤكد أن ما تريده الشريعة قد بينته. ويبقى الأصل براءة الذمة خارج حدودها: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)، فيؤول تشريع الأحكام لأهل الخبرة. إذاً رغم كثرة الحوادث والوقائع التي تستدعي وجود أحكام وقوانين وأنظمة غير أن أحكام الشريعة كانت معدودة، لا تغطي سوى مساحة محدودة من الحاجة الفعلية لها. فما هو موقف الشريعة من الأحكام المستجدة، مع استبعاد أية ولاية تشريعة لأحد بما فيهم النبي، كما أكدت سابقا بأدلة كافية: هل أن الأحكام المستجدة والوضعية باطلة؟ فلماذا لم ينبّهنا، لتفادي الوقوع في ارتكاب معاصٍ تترتب عليها تداعيات أخروية وربما دنيوية أيضا؟. أم أنها صحيحة وليست باطلة مادامت مستوفية لشروطها فسكت عنها؟. ومع انتفاء النهي يتعين الثاني الموافق لأصل البراءة العقلية بل وحتى الشرعية. لكن ماهي مرجعيات المشرّع في منطقة الفراغ؟:

لا مرجعيات للمشرّع في منطقة الفراغ سوى العقل أو النص لمن يؤمن بحجيته ومرجعيته. إما النص فيُقتصر على ما ورد في الكتاب الكريم من آيات الأحكام. ولا حجية للروايات إلا بقدر البيان والتفصيل ما له جذر قرآني. ومع فقدان الدليل اللفظي تصل النوبة للعقل، فيرتكز المشرّع في تشريعها  لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وحاجته وضروراته. وهي الصيغة العقلائية التي يُرتهن لها في تحقيق العدالة. ومع عدم وجود احتمال ثالث، يكون الثاني متعينا، وهو المطلوب. وهذا دليل على صحة الفرضية. والكلام حول ملء منطقة الفراغ، فلا معنى للاحتجاج بوجوب الالتزام بأحكام الشريعة. وأما الالتزام بالكتاب، فقد مرَّ الكلام عن مبادئ التشريع حيث تم الاستدلال عليها بالقرآن والعقل والعرف العقلائي، وهذا مصداق واضح للالتزام بتعاليم الدين. وأما الفقيه فإن مرجعيته الرئيسة في الاستنباط هي الروايات، وآراء اجتهادية. وكلاهما لا يعتبر دليلا شرعيا، ما لم يرد الحكم في نص قرآني صريح، وفقا لمتبنياتنا في حجية السُنّة.

قد يقال بولاية الشريعة في ملء منطقة الفراغ، بمعنى:

1- إما أن يراد بولاية الشريعة: اقتصار مصادر التشريع على القرآن والسنة، فيختص الفقيه أو الرأي الفقيه بملء منطقفة الفراغ. ومرت مناقشة هذا الاحتمال، وقلنا لا حجية للسنة الا بقدر ما يخص وظيفة النبي من البيان والتفصيل. ولا حجية لأية رواية شارحة ومبينة ما لم تورث العلم واليقن وفقا لشروط صحة الروايات. ولا عبرة بما نقلتهه مصادر الحديث المعتمدة لدى المسلمين ما لم تستوف شروط صحتها. وهي عدد محدود من الروايات المتواترة، وما تبقى روايات آحاد. ورغم قلة الروايات المتواترة، فإن شروط التواتر، التي هي أشبه بالتعجيزية تحول دون تصديق نسبتها جميعا. ولا يمكن اعتماد نظرية الاحتمالات كما يذهب إليها محمد باقر الصدر لاثبات حجية التواتر على إطلاقها، والكلام في محله. فلم يبق من الشريعة، مع عدم وجود ولاية تشريعة لأحد مطلقا، سوى آيات الأحكام، ولا ريب في فعليتها، ضمن شروط حجية النص. وهذا القدر من الأحكام محدود لا يغطي سوى جزء يسر من حاجة المجتمعات. وأما من يجعل القرآن والسنة جزءا من مصادر التشريع فالأمر سيكون أوضح.

2- أو يقصد بها: إلتزام المشرّع بروح الشريعة ولوازم تشريعها. وعندي أن مبادئ التشريع، التي هي مبادئ أخلاقية وإنسانية، هي المعبّر الحقيقي عن روح الشريعة، وهي شرط في شرعية الأحكام الوضعية، ومع انتفاء الشروط أو بعضها تنتفي شرعية الأحكام، كما بالنسبة للأحكام السلطانية، التي كانت تكرّس سلطة الحاكم الأعلى على طول التاريخ ومازالت الأنظمة الشمولية تكرّس تشريعها لحفظ سلطته. ويكفي مراجعة كتاب الأحكام السلطانية للماوردي وأبي يعلى، لتكتشف بنفسك كي يكرّس فقيه السلطان جهده لتحصين السلطة على حساب القيم والمبادئ الدينية والإنسانية.

والإمضاء أحد الأدلة التي يستدل بها الفقيه على صحة السلوك الشرعي، وقد تناولته كتب أصول الفقه تفصيلا. جاء في أحد النصوص: (دلالة السكوت والتقرير: وأما السكوت فقد يقال: إنه دليل الإمضاء وتوضيح ذلك: أن المعصوم إذا واجه سلوكا معينا، فإما أن يبدي موقف الشرع منه، وهذا يعني وجود الدليل الشرعي اللفظي، وإما أن يسكت، وهذا السكوت يمكن أن يعتبر دليلا على الإمضاء. ودلالته على الإمضاء تارة تدعى على أساس عقلي، وأخرى على أساس الظهور الحالي. أما الأساس العقلي فيمكن توضيحه: إما بملاحظة المعصوم مكلفا، فيقال: إن هذا السلوك لو لم يكن مرضيا لوجب النهي عنه على المعصوم لوجوب النهي عن المنكر، أو لوجوب تعليم الجاهل، فعدم نهيه وسكوته مع عصمته يكشف عقلا عن كون السلوك مرضيا، وإما بملاحظة المعصوم شارعا وهادفا، فيقال: إن السلوك الذي يواجهه المعصوم لو كان يفوت عليه غرضه بما هو شارع لتعين الوقوف في وجهه، ولما صح السكوت لأنه نقض للغرض، ونقض الغرض من العاقل الملتفت مستحيل)، (ينظر مثالا، الحلقة الأولى من حلقات أصول الفقه، محمد باقر الصدر، ص223).

فسكوت الشارع عن تشريع الأحكام في منطقة الفراغ وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع رغم نسبية الحكمة وإدراك مبادئ التشريع بين الخالق والمخلوق دليل على إمضائها، ومن ثم شرعيتها. إذ لا مقارنة بين حكمة الله وحكم الإنسان. حكمته مطلقة، وإحاطته شاملة. وعدله كاملا. يعلم حقائق الأمور، وما يحقق سعادة الإنسان في إطار قيم الدين والأخلاق. أي ما يحقق معنى العدالة في المجتمع. هذا هو المفترض. لكن رغم كل هذا أمضى تشريع الأحكام لملء منطقة الفراغ على أساس الحكمة والعدل رغم نسبيتهما. وبالفعل مرَّ بنا تصدي الرسول لملء منطقة الفراغ بأحكام ولائية، لا باعتباره نبيا مبلغا، بل باعتباره وليا للأمر. كما سكت عن أحكام سبقته كأحكام التجارة فكان سكوته إمضاء لها. ولم يجعل تشريع الأحكام توقيفيا، كما هو الحال بالنسبة للعبادات، التي تتوقف شرعيتها ووجوبها على صدور إذن من الشارع. فالفقيه بما فيهم الصحابة لا يمكنهم تشريع فرض عبادي لم يرد فيه نص، لتوقيفية العبادات، ورغم علمهم بهذا شاركوا مباشرة أو بشكل غير مباشر في صدور تشريعات جديدة. وكان الخليفتان الثاني والثالث يسألان الصحابة عن حكم المسائل المستحدثة، ثم يفتون وفقها. وبالتالي فإن لازم عدم وجود نهي عن ملء منطقة الفراغ، وعدم ارتهان ملئها بأحد، إمضاء للسيرة العقلائية في تشريع الأحكام، التي ترتهن تشريعها لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع. خلافا لمن يدعي ارتهان التشريع لعقل معصوم أو عقل كامل، سواء الصحابة لدى السنة أو الأئمة لدى الشيعة. ومن باب أولى عدم ارتهانها للفقيه. وهذا دليل خامس على صحة الفرضية، وفي ضوئه بات الجواب واضحا على من يدعي التوقيفية في تشريع الأحكام لملء منطقة الفراغ، إذ لا نهي صريح عن ذلك في الكتاب، وعدم ارتهانه لأي شرط سوى مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع: (اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

إمضاء التأويل

يلحق بدليل الإمضاء تأويل الوحي، رغم نسبية التأويل تبعا لنسبية ثقافة وقبليات المتلقي. إذ لا مجانسة بين عالمي الغيب والشهادة تتيح التفاهم عبر لغة وسيطة، سوى الوحي، وعلى الرسول فهمه وإدراك دلالاته وما يريد قوله، بأي تجلٍ كان الوحي. وهي عملية تأويلية، كغيرها من عمليات تأويل الرموز والإشارات والشفرات اللغوية المستترة بما فيها التجارب الدينية والروحية. ومادامت كذلك فيرتهن التأويل لقبليات المتلقي وثقافته ووعيه وأفق رؤيته، كوسط ثقافي لفهم دلالات الوحي، وهذا سرّ اختلاف التأويل حول موضوع واحد. وقد أمضى الخالق فهم النبي، واعتبر كلامه حجة رغم نسبيته وبشريته. فالنبي لم يتلق كلاما صريحا، ولم يسمع آيات تتلى، لعدم وجود لغة مشتركة بين عالمين مختلفين، فكان الوحي بديلا لتحقيق غايات الرسالات السماوية: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا). بمعنى أدق أن النبي كان يتلقى الوحي ويأوله بخلفية ثقافية، هي خلفية مجتمع الجزيرة العربية، وعندما عبر عن الوحي عبر عنه بذات اللغة والثقافة السائدة، باستثناء بعض الآيات التي ليست لها أمثلة يقاس عليها التأويل وهي بعض المفاهيم الميتافيزيقية، لذا قرر الكتاب: (هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ). وبالتالي فإن مبادئ التشريع، كمفاهيم لها دلالاتها في الثقافة العربية. وعندما اعتبر القرآن بيانا للناس أخذ بنظر الاعتبار اللغة والثقافة السائدتين في عصر نزول الوحي. وعندما أمر بالعدالة أمر بها كمفهوم متداول له دلالات محددة في اللغة المتداولة.

تجدر الإشارة:

- إن الحكمة مَلَكَة نفسية، تنمو وتتطور بالمران والتعلّم، وليست أمرا خارقا، وكان الحكماء موجدين على طول التاريخ، ولعل في حمورابي ومسلته مثالا تاريخيا مناسبا لتشريع الأحكام. وقد أكدت مجموعة آيات على تعليم الحكمة، باعتبارها إحدى وظائف الأنبياء إلى جنب الكتاب. ولازم التعليم وجود استعداد لدى الناس لتعلمها كتعاليم، وكرؤية عادلة ومنصف للأشياء: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ). غير أنها مرتهنة لشروطها وليست متاحة لجميع الناس لذا ختمت الآية: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ). فهي عقل يتدبر، يتأمل. ونفس صبورة على الحق وقول الحقيقة. وبما أن الحكمة مَلكَة كغيرها من المَلكات النفسانية، فلا خصوصية لأحد سوى قابلياته النفسية وقدراته العقلية والتأملية وصفاء سريرته. ويكون المعصوم، لو سلّمنا بوجوده، مجرد مصداق لمستوى رفيع من الحكمة. ورغم هذا لا أنفي الموهبة والتوفيق الرباني، وهذا لا يوجب احتكارها من قبل أحد.

 - إن عملية تشريع الأحكام في منطقة الفراغ باتت معقدة تستدعي التشارك بين فقهاء القانون وخبراء التشريع والتداول المستمر حول صياغة القوانين واللوائح التشريعية وما يترتب عليه، بل وتستدعي مشاركة علماء ومتخصصين في علوم لها علاقة بموضوع التشريع، كعلماء النفس والتربية والاجتماع. التشريع اليوم يختلف عن فتاوى الفقهاء واستنباط الأحكم الشرعية. فمهما اختلف الفقهاء حول كيفية غسل الوجه  في الوضوء مثلا، فإن تداعيات الاختلاف بطلان الوضوء، ويمكن للمكلف إعادته، وهو أمر شخصي لا غير. بينما نظام الحياة على جميع المستويات يتوقف على وجود أنظمة وقوانين، وأي خطأ يترك آثارا ربما خطيرة، لا تقتصر على الفرد وحقوقه رغم أهميتها لكن قد تمتد للمجتمع والدولة وتربك الأوضاع.

فلسفة ختم الشريعة

إن ختم الشريعة جزء من ختم النبوة، فكما خُتمت النبوة بسطوع العقل، كذلك خُتمت الشريعة، بعد إدراك العقل لمبادئ التشريع، فثمة فلسفة عميقة وراءهما، تحيل على العقل ومسؤوليته في ملء الفراغ التشريعي، وضبط سلوكه الأخلاقي وفاء لدوره كخليفة عليه مسوؤلية خلافة الأرض واستثمارها بما يحقق إنسانية الإنسان. وهذا اعتراف بقدرة العقل على اكتشاف مبادئ التشريع، وقدرته على تشريع ما يراه مناسبا وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته. واعتراف بقدرة الإنسان على مواصلة حياته على المدى البعيد، وعدم حاجته مستقبلا للوحي أو أي ولاية دينية. وهذا سرّ توقف هبوط الوحي وبعثة الأنبياء. يؤكده عدم وجود نص قرآني صريح يجعل ولاية دينية لأحد أو ينيط مسؤوليتها به. وما كان للوحي التوقف لو  كانت هناك ضرورة لاستمرار التشريع والوصايا الدينية. بل توقفَ بعث الأنبياء والرسل. في ختم النبوة دلالات عميقة، يُدركها أولي الألباب.

إن حاجة الإنسان للعقل باتت أكثر من حاجته لأية وصايا دينية، بعد ختم النبوة، واكتمال الدين بهذا القدر المحدود من الأحكام الشرعية المذكورة في الكتاب الكريم، ولو كانت هناك حاجة لأحكام شرعية أخرى لحدد لنا القرآن مرجعياتها. وهذا لا يدركه إلا أولي الألباب، فثمة فرق بين اتجاهي العبودية والعقل في فهم مقاصد التشريع وإدراك فلسفة ختم النبوة والشريعة، هو ذات الفرق بين ارتهان العقل للنص، وارتهان فهم النص للعقل. الأول يعتقد "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"، فعلا، لا بالقوة، دائما وأبدا، وما علينا سوى البحث عنه واكتشافه، ويبقى الفرد محكوما بوصايا الفقيه بعد انقطاع الوحي. بينما يرى الثاني أن أحكام الشريعة مجرد أمثلة لتشريع الأحكام وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، لذا قالت الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا). وسياق الآيات، قبل وبعد،  قرينة إلى إرادة التشريع.

كان دين الناس على الفطرة، وكانوا يمارسون حياتهم وفقا لعادات وتقاليد، جعلت منهم أمة واحدة، متجانسة ثقافيا رغم تعدد التجارب الروحية والطقوس الدينية، وما كانت هناك ضرورة للأنبياء لولا صراع المصالح والنفوذ فبعث الله الأنبياء، وكانت إحدى مهامهم بعد التبشير والانذار هي تسوية الخلافات وفق ضوابط أخلاقية.

إن حكم الحاكم، الحكيم، النبي في النزاعات الحقوقية لا يستدعي وجود حاكم معصوم موحى له، بل يمكن لكل شخص تسوية الخلاف وفق مبادئ أخلاقية وحقوقية متفق عليها، مادام حكيما ملتزما بالقيم الأخلاقية. يبقى فقط الجانب العبادي وسيأتي الكلام حوله في محله. ثم ماذا عن كثير من القضايا التي لم يبت بها الوحي، ولم تتطرق لها الشريعة، ألم تكن بمرأى ومسمع من الأنبياء، يتصدى لحلها أهل الحل والعقد بين القبائل العربية؟ إذاً، فثمة اجماع ضمني على قيم، يتم وفقها تسوية الخلافات وإحقاق الحق، وجميعها قيم أخلاقية وعقلانية، وليست بالضرورة من وحي الشرائع السماوية. ولم يثبت أن مسلة حمورابي مثلا شريعة سماوية، بل شريعة بشرية، وقد سبقتها شرائع وتشريعات مهما كانت بسيطة او بدائية غير أنها تفي بحاجة المجتمع أو التجمعات البشرية آنذاك.

يأتي في الحلقة القادمة

 

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الثانية والثلاثون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

أصالة الحكمة

ماجد الغرباوي: نبقى في سياق الدليل الثاني على وحدة المبادئ في تشريع الأحكام، وارتهان شرعيتها لمبادئها، لا لقدسيتها، فيكون التشريع متاحا في منطقة الفراغ، شريطة الالتزام بمادئ التشريع، وفقا لمقتضيات الحكمة وأفق الواقع وضروراته. حيث استشهدت بآيات (سورة الإسراء: 23 - 38)، التي استعرضت (22) حكما من أهم أحكام الشريعة الإسلامية. يُطلق عليها أحيانا بالوصايا العشرة. جاء في نهايتها: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا). فثمة مصدران للأحكام: الكتاب والحكمة، هكذا يظهر من بعض الآيات. كلاهما يشتمل على أحكام شرعية وتعاليم دينية مع فارق ربما هو ذات الفارق بين التعبد والتعقل. الثاني يمكن إدراكه وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، فيكون متاحا للحكماء من الناس. وقد أكدت آيات سورة الإسراء المتقدمة على الحكمة مصدرا للأحكام التي اشتملت عليها. والآية دقيقة في تعبيرها: تقول: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ)، فهي جزء من مجموعة آيات مصدر تشريعها الحكمة. والحكمة تحيل على العقل ومدركات العقل العملي والعقلانية والتأمل والتدبر. ومادامت كذلك فيمكن إدراك حكمتها وملاكاته والمبادئ التي قام عليها التشريع، وهي كما تقدم مبادئ مشتركة بين الأحكام الشرعية والوضعية، يقرها العقل، ويرتكز لها العقلاء والحكماء، وقد تم الاستدلال عليها بآيات الكتاب. وهناك مجموعة آيات تشير للحكمة كمصدر ثان مع الكتاب.

وثمة من اقتصر مفهوم الحكمة في القرآن على خصوص الوصايا العشرة، في مقابل الوصايا العشرة في التوراة: (التوحيد، بر الوالدين، الإخلاص والتوبة، الإنفاق السليم، طهارة المجتمع، حماية الأرواح البريئة، رعاية الأيتام، الوفاء بالالتزامات، العدل، التواضع). وهو ما استعرضته آيات سورة الإسراء المتقدمة. لكن لا مبرر لهذا الحصر. الحكمة عنوان لجميع الأحكام التي مصدر إلزامها العقل العملي. وبشكل أوضح هناك أحكام تقضيها ضرورات تشريعية سواء أدركها العقل أو لم يدركها، كما في قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ). ونهاية الآية بينت سبب التحريم، فهو قوبة طارئة، سببها: (جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ). ثم تأتي آية ثانية ترفع الحكم: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ). فثمة ضرورات وراء فرض الأحكام ورفعها، بعيدا عن أحكام العقل العملي. في مقابل الأحكام التي يدرك ملاكاتها، كحرمة قتل النفس المحرّمة. المجموعة الأولى أحكام، فرضتها ضرورات الحكمة الإلهية، ومصدرها الكتاب، بينما المصفوفة الثانية مصدرها الحكمة، لذا طالما أقترنت مع الكتاب ليشكل كلاهما مصدرا للتشريع. الشرع والعقل.

- (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)

- (وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا). وما لم يكن يعلمه الرسول فلسفة الأحكام وقيام بعضها على الحكمة، (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ). فهي وحي وفقا لمقتضيات الحكمة.

- (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)

- (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ)

- (وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ)

- (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ). وهذه الآية ذكرت أربعة مصادر هي: الكتاب، الحكمة، التوراة، والإنجيل. فقد يكون بينها عموم وخصوص مطلق. أو عموم وخصوص من وجه.

- (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا). والخطاب موجه لنساء النبي.

- (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).

أتضح من الآيات أعلاه أن "الحكمة" مصدر تشريعي في موازاة الكتاب: (منزلة من قبل الله تعالى، قابلة للتعليم والتلاوة). وهذا أول معنى من معاني الحكمة في القرآن. وليست الحكمة سوى أحكام العقل العملي. والدلالة اللغوية واضحة، دالة على المعنى، عندما نصف رجلا بالحكمة، فإننا نقصد بكلامنا رجلا يتعقل، يتفكر، يتدبر، يتأنى، لا يطلق الأحكام جزافا أو ارتجالا.

- غير أن الحكمة لا تقف عند حدود الأحكام بل تشمل تعاليم جاءت على شكل أحكام إرشادية لحكم العقل وقدرته على إدراكها، وهذا ما يفسر الآية التالية: (وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ). فعيسى لم يأتهم بشريعة سوى تعاليم دينية مصدرها الحكمة. ومن خلال الحكمة يبين لهم ما اختلفوا به. فيكون المعنى الثاني للحكمة: تسوية الخلافات حول القضايا الدينية المطروحة. فكما أنها مصدر للتشريع، هي أيضا مصدر لتسوية الخلافات، وحسم الجدل حول المتشابها منها. بيد أن رأي الحكمة التي تعني العقلانية والتعقل والعقل، يكون حاسما، وهو معنى التدبر والوعي كما في بعض آيات الكتاب. لذا قد يكون سبب اقتران الحكمة مع الكتاب في آيات عديدة لا باعتبارها مصدرا للتشريع بل لقدرة العقل على حسم القضايا الخلافية أو ما يصطلح عليه بالمتشابه من الآيات، والدليل: قوله تعالى وهو يصف الكتاب: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ). فالكتاب شامل للمحكم والمتشابه من الآيات، ومادام هناك متشابه فهناك حاجة للحكمة، تقتضي رد المتشابه للمحكم. ولو كان المراد بالحكمة مصدرا من مصادر  التشريع كان ينبغي للنبي فرز آيات الحكمة عن آيات الكتاب، ولم يفعل. لكن في الوقت نفسه أكد على تدبر آيات الكتاب، والتدبر مصداق من مصاديق الحكمة وإعمال العقل لفهم سياق الآيات. وهذا الرأي لا ينفي أن تكون الحكمة مصدرا للتشريع، وهو كل ما يدركه العقل العملي، فيكون واجبا بحكم العقل، كالأحكام الأخلاقية. وبدلالة المعنى اللغوي لمفهوم الحكمة نفهم رغم اختصاص التشريع بالله، لأصالة ولايته تكوينا وتشريعا، غير أن الآيات أشارت بشكل غير مباشر للحكمة مصدرا للتشريع عندما استعرضت الوصايا العشرة وذيلتها بقوله تعالى: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ). بمعنى: يا أيها النبي إن ما أوحي إليك (مصفوفة الآيات أعلاه)، هي من الحكمة، ومن مدركات العقل العملي، فالعقل يحكم بقبح القتل، حكمت أو لم تحكم الشريعة بقبحه. وقد مرَّ بنا أن العقل يستقل بأحكامه، وأن الحُسن والقُبح ذاتيان، وما أوحي إليك يا أيها النبي، يمكن إدراك فلسفته، مادام تشريعا عقليا، ووفقا لمقتضيات الحكمة. وهو تأكيد على دور العقل في تشريع الأحكام. فيصدق أن الكتاب يمثل الشريعة في أحكامه، والحكمة تمثل العقل في أحكامها. والعقل عند الأصوليين أحد مصادر التشريع، غير أنهم يختلفون حول صلاحياته.

والحكمة المرادفة للعقل، بمعنى التعقل والتروي والبصيرة، متاحة لا تقتصر على الأنبياء والصحابة والفقهاء، مادامت ملكة نفسانية، يمكن أن تتطور بالتعلم والتأمل الطويل وممارسة فقه النصوص. ومن يتدبر آيات الكتاب يجد الحكمة شرطا ضمنيا بالنبوة، فالنبي حكيم قبل وبعد النبوة، دون استثناء:

- (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ).

- (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ).

- (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ).

- (فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا)

- (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ).

يقول صاحب تفسير الميزان وهو بصدد شرح الآية الأخيرة: (قوله تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء، الايتاء هو الاعطاء، والحكمة بكسر الحاء على فعلة بناء نوع يدل على نوع المعنى فمعناه النوع من الأحكام والإتقان أو نوع من الأمر المحكم المتقن الذي لا يوجد فيه ثلمة ولا فتور، وغلب استعماله في المعلومات العقلية الحقة الصادقة التي لا تقبل البطلان والكذب البتة.

والجملة تدل على أن البيان الذي بين الله به حال الانفاق بجمع علله وأسبابه وما يستتبعه من الأثر الصالح في حقيقة حياة الانسان هو من الحكمة، فالحكمة هي القضايا الحقة المطابقة للواقع من حيث اشتمالها بنحو على سعادة الانسان كالمعارف الحقة الإلهية في المبدأ والمعاد، والمعارف التي تشرح حقائق العالم الطبيعي من جهة مساسها بسعادة الانسان كالحقائق الفطرية التي هي أساس التشريعات الدينية). (ينظر: تفسير الميزان، السيد الطباطبائي، ج ٢، الصفحة ٣٩٥).

ومن المفسرين من خصَّ الحكمة بفلسفة الأحكام، كما في تفسير الأمثل: (ولعل التفاوت بين "الكتاب" و"الحكمة" في أن الكتاب يعني الكتب السماوية، والحكمة تعني العلوم والأسرار والعلل والنتائج الموجودة في الأحكام، وهي التي يعلمها النبي أيضا. (أنظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج ١، ص٣٨٤). ولا بأس بحملها على فلسفة الدين، ولاريب فإن فلسفة الأحكام تستدعي التدبّر والتأمل، وإدراكها من خلال حكمة المفسر والقارئ.

أما الفقهاء فقد فسروا الحكمة بالسُنة النبوية. وتمسكوا بحجية مطلقها أسوة بحجية القرآن، بل وقدموها عليه، لتخصصه وتقيّده، ماداما وحيا سماويا، لا فرق بينهما من ناحية الحجية. وكلامهم مجرد وجهة نظر، لا دليل عليها من القرآن أو العقل. وتبقى الحكمة مطلقة. وأما التقييد والتخصيص فسبق أن بينت: لا يجوز تقديم السنة على القرآن، ويبقى الكتاب هو الأصل في تشريع الأحكام، رغم أن النبي مبين وشارح. فربما تمام ملاك الحكم في إطلاقه. فلماذا تأتي السنة وتقيده تحرم الفرد حقا من حقوقه؟.

الدليل الثالث: تعليل الأحكام الشرعية

وهو الدليل الثالث بعد العرف التشريعي وبعض آيات الكتاب الذي يستدل به على اعتماد الحكمة ومبادئ التشريع في تشريع الأحكام الشرعية. ويراد بالتعليل الكشف عن عِلَل الأحكام وبيانها. أومعرفة سبب تشريع الأحكام. التي تكشف بدورها عن ملاكاتها والمبادئ الأخلاقية التي قامت عليها. إذ تصدت آيات الكتاب لبيان غايات ومقاصد مجموعة من التشريعات والتعليمات والمبادئ، مما يؤكد وجود ملاكات وراء تشريعها تستهدف مصلحة الإنسان، سواء مصلحة قريبة يمكن إدراكها، أو تقتضي التأمل والتدبّر في دلالات النص القرآني. وقد تنبّه العلماء والفقهاء لهذه الظاهرة التي أطلق عليها فيما بعد بمقاصد الشريعة، واهتموا بدارستها ورصد دلالاتها. وربما الشيخ الصدوق 385هـ، أول من ألف في هذا المجال كتابا بجزئين، بعنوان: علل الشرائع، لكن أشهر الكتب التي تصدت لدراسة الظاهرة وعدم الاكتفاء بإدراج علل الأحكام، هي:

1- الموافقات في أصول الشريعة: أبو إسحاق الشاطبي.

2- قواعد الأحكام في مصالح الأنام: عز الدين بن عبد السلام.

3- مقاصد الشريعة الإسلامية: محمد طاهر بن عاشور.

4- مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها: علال الفاسي.

ثم تلتها دراسات وبحوث وكتب تناولت ظاهرة تعليل الأحكام، وما يترتب عليها أصوليا، سيما أن الحكم يدور مدار علته، فهل ينتفي بانتفائها؟ وهل يمكن توسعة الأحكام؟ وغيرها من موضوعات مرتبطة بها.

والتعليل ظاهرة قرآنية، إذ دأبت الآيات على بيان علة الأحكام والتعليمات والمبادئ الدينية، مثالها:

(إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ)

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

(مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)

(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

(فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ)

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ)

(وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى)

نكتفي بهذا القدر من الشواهد، ومن يطالع آيات الكتب يقرأ مزيدا من الآيات التي تنتهي بتعليل مضمونها.

المهم أن التعليل يكشف عن ملاكات الحكم، ووجود الملاك يستدعي وجود مبادئ يرتكز لها المشرع وفقا لمقتضيات حكمته وخبرته وإحاطته. وملاكات الأحكام إما مصالح تستوجب الإلزام والوجوب، أو مفاسد تستوجب النهي والحرمة، فيكون العدل والرحمة والمساواة في أفق الواقع وضروراته حاضرة، لتحديد مستوى الإلزام الذي يتراوح بين الاستحباب والوجب. ومستوى النهي الذي يتراوح بين الكراهية والحرمة. وهذا مقتضى الحكمة ونفي العبث واللعب والمزاجية والارتجال في تشريع الأحكام: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)، (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ)، (إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ)، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ). وبهذا يكون تعليل الأحكام دليلا على ارتكاز الشريعة إلى الحكمة ومبادئ التشريع في تشريع الأحكام الشرعية، وليس هناك بعد ميتافيزيقي أو إبهام يقتضي التعبد المطلق، بما في ذلك العبادات، التي استشهدت بآيات تؤكد أسباب تشريعها. بل لا أبالغ أن هدف الأحكام في تفصيلاتها تنطوي على حكمة وعلة، تظهر للمتدبر في خلفيتها التاريخية، خاصة تفصيلات بعض العبادات كالصلاة، كعدد الركعات. فإن تحديدها ترك للنبي، وهو يقدر وفقا لحكمته في ضوء الواقع. ولاريب بأسبقية الصلاة بتفصيلاتها على الإسلام، وآيات متعددة تؤكد هذا، فالنبي اختار ما يلبي حاجة الفرد في عدد الركعات، وأبقى باب الصلاة مفتوحا يروي ظمأ الروح العطشى لبارئها. لا يعاقب على تركها ويثيب من أقامها استحبابا. فالتعليل يؤكد فرضيتنا حول الأحكام الشرعية.

يأتي في الحلقة القادمة

 

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الواحدة والثلاثون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الأسس الأخلاقية لتشريع الأحكام

ماجد الغرباوي: قبل الإجابة على السؤال المتقدم: "ما الفرق حينئذٍ بين أحكام الشريعة والأحكام الوضعية إذا كان تشريع كل منهما قائما على ذات المبادئ والقيم؟"، ينبغي أولاً تقديم أدلة وشواهد على تشريع أحكام الشريعة الإسلامية وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع المتقدمة: "مركزية العدل وعدم الظلم، السعة والرحمة، والمساواة".

لقد تقدمت مجموعة شواهد وأدلة تثبت تشريع الأحكام وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع، نعيد ترتيبها وإضافة ما يعضد صحة فرضيتنا: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية معطى نهائيا، بل أن تشريعها يجري وفقا لمتطلبات الواقع ومقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي يمكن للعقل إدراكها، وتحديد فعليتها، وتوظيفها لملء منطقة الفراغ التشريعي، في إطار أخلاقي، بعيدا عن وصايا الفقهاء).

وللأحكام الشرعية صيغ، متفق عليها بين الفقهاء: ("وجوب / فرض"، "استحباب / ندب"، "حرمة / حرام"، "كراهية / مكروه"، إباحة). والإباحة كل ما عدا الأحكام الأربعة. ويقصد بها: (أن يفسح الشارع المجال للمكلف لكي يختار الموقف الذي يريده. ونتيجة ذلك أن يتمتع المكلف بالحرية، فله أن يفعل وله أن يترك). بينما هدف القوانين والأنظمة في منطقة الفراغ التشريعي أوسع، تقصد الإلزام أو النهي. بيان الحقوق والواجبات. وكل ما تتطلبه حركة الحياة على جميع الأصعدة لتحقيق الأمن والاستقرار وضبط سلوك المجتمع عبر نظام قانوني محكم. ونحن هنا ندعي وحدة المنهج في تشريع الأحكام، وأن جميعها يشرّع وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع. وإذا كانت الثانية واضحة من خلال الخبرة اليومية لتشريع اللوائح القانونية، باعتبارها أفضل صيغة عقلائية، يتجاوز بها المشرّع الارتجال والمزاجية ومختلف الانحيازات، فإن الأولى تحتاج لأدلة وشواهد تثبت صحتها. سيما أنها أحكام مقدسة ووحي سماوي، لذا ارتكزت في طرح الفرضية على مقدمات، هي:

المقدمة الأولى: إن مفهوم القداسة الجديد يساعد على إدراك ملاكات الأحكام والمبادئ القائمة عليها. إذ تقدم أن قداسة النص الديني، تعني: ثراء النص وعمقه، ولا تعني دوغمائيته والجمود على حرفيته تعبدا. ومعنى التعبد كل ما لا يدرك ملاكاته من الأحكام فيجب الإلتزام به وامتثاله تسليما وطاعة. والتعبد لا ينفي وجود ملاكات ومصالح، إلا أنها غير مُدركة، ومادامت ممكنة، فيمكن إدراكها وفقا لمعطيات العلوم الإنسانية الحديثة، مباشرة كما بالنسبة للأحكام المعللة أو غير مباشرة. وقد اقترحت في كتاب الفقيه والعقل التراثي، وفقا لمنهج فقه الشريعة: "التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية"، ملاكات للجعل التشريعي، والتي على أساسها معرفة مدى فعلية الحكم، بعد أن تبين عدم إمكان تشخيص فعلية جميع الأحكام من خلال فعلية موضوعاتها، فأمسى لدينا طريقان لمعرفة فعليتها. والتفصيل في محله. ومفهوم القداسة بهذا المعنى يشمل الأحكام الشرعية باعتبارها نصوصا مقدسة. فهناك معان لمفهوم قداسة الأحكام الشرعية في سياق قداسة النص، هي:

معنى قدسية الأحكام الشرعية

1- قدسية الأحكام الشرعية باعتبارها جزءا من قدسية النص. وبما أنها جزء من النص فتأخذ قدسيته، ويكفي في قدسيتها وجودها ضمن آيات الكتاب. وهذا ما يفهمه اتجاه العبودية لقدسية الأحكام الشرعية.

2- تعني قداسة لأحكام الشرعية، وفقا للاتجاه العقلي / فقه الشريعة: قدرة العقل على  إدراك فلسفتها وتاريخها ومقاصدها وغاياتها وخلفيتها في أفق الواقع، ومن خلال حيثيات الحكم من جميع الجهات، بل وحتى ثقافة الناس وقبلياتهم وعاداتهم وتقاليدهم تؤخذ في نظر الاعتبار، للكشف المشتركات الأخلاقية بين الأحكام الشرعية والوضعية، وظروف نشأت السؤال، وماهي قبلياته الاجتماعية والأخلاقية، وما هي دوافع طرحه، وما هي الأجوبة المتداولة حوله قبل صدور الحكم الشرعي. وهذا لا يتنافى مع التسليم والطاعة بل يفسح المجال لإدراك مقاصدها وغاياتها، لمعرفة مدى فعليتها في ضوء الواقع وضروراته.

3- قدسية الأحكام الشرعية بلحاظ دلالتها الرمزية وما تستوجب  من جزاء أخروي، ثواباً أو عقاباً. وهي خصوص الأحكام المنصوص عليها قرآنيا، ترتبت أم لم تترتب عليها آثار دنيوية". فالحكم يكتسب قدسية لا من وروده في الكتاب فقط، ولا من الآثار الأخروية المترتبة عليه فقط، بل من الدلالة الرمزية، للطاعة والمعصية التي تستوجب الجزاء الأخروي. إذ يعني امتثال الحكم طاعة الله تعالى. ومعصيته معصية الخالق وعظمته. وهذه الدلالة تكفي لرفع مستوى قدسيتها. غير أن قدسيتها بهذا المعنى لا يمنع من تحري فعليتها، ما لم تشكل المراجعة تحديا للإرادة الآلهية. ولازم هذا الفهم محدودية الأحكام وعدم مشروعية أي حكم ينتسب للشريعة ما لم يكن منصوصا عليه. وبهذا تعرف قيمة ما ينسب إلى الله، حتى لو كان الدليل حديثا نبويا ما لم يكن له جذر قرآني، ليكون شارحا ومبينا له، وماعدا ذلك يبقى فعلا بشريا، قد يكون ملزما في حينه كالأحكام الولائية، أو يكون حكما أخلاقيا، أو خبرة حياتية، أو حكما إرشاديا، أو توجيها عقلائيا. هذا لا غبار عليه، بيد أننا في صدد ضابطة لتعريف المقدس من أحكام الشريعة.

4- قدسية الأحكام الشرعية بمعنى، حصانتها في حدود ما ورد في كتاب الله. وهذا معنى رابع، إذ حرصت الشريعة بعد بيان جميع الأحكام، جاءت الآية لتقول صريحا: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا). فالدين الذي هو عقيدة وشريعة قد اكتمل بهذه التشريعات، ولا يحتاج الإنسان غيرها، ولو كانت هناك حاجة لبينها، لكنه لم يبين، بل أكد:

(وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

(قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

هذه أربعة معانٍ لمفهوم قدسية الأحكام الشرعية، تظهر من خلال تدبر الآيات في إطار فهم جديد للدين وفقه الشريعة، يكون محوره الإنسان. وسيأتي الكلام عن صدقية مفهوم القدسية على الأحكام أم لا، وحينئذٍ سنفهم ماذا يعني قداسة الأحكام، هل تعني وجود بعد ميتافيزيقي، أم أن تشريعها يجري وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته؟.

المقدمة الثانية: إن تفاوت الإلزام في الأحكام الشرعية بين الوجوب والاستحباب أو بين الحرمة والكراهية مثلاً، يقتضي وجود مرجعية، ومبادئ تحدد مستوى الإلزام والترجيح. وبشكل أدق: أن (لكل واحد من الأحكام التكليفية الخمسة مبادئ تتفق مع طبيعته، فمبادئ الوجوب هي الإرادة الشديدة، ومن ورائها المصلحة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص في المخالفة. ومبادئ الحرمة هي المبغوضية الشديدة، ومن ورائها المفسدة البالغة إلى درجة نفسها. والاستحباب والكراهة يتولدان عن مبادئ من نفس النوع، ولكنها أضعف درجة بنحو يسمح المولى معها بترك المستحب وبارتكاب المكروه). فكيف يحدد المولى مستوى التفاوت، إذا استبعدنا الارتجال في وضع الأحكام الشرعية؟. لا بد أنه يحدده وفقا لمقتضيات حكمته، وما يقصده من وراء الحكم، وذلك طبقا لمبادئ تشريعاته: (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ، قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ). وطالما أكد الكتاب الكريم على مبادئ أساسية، مرَّ الكلام عنها وعن شواهدها وأدلتها. فيمكن صياغة ضابطة: (إن لازم ترجيح الملاكات المتفاوتة وجود مبادئ يحتكم لها المشرّع في تشريع الأحكام). فعندما يشرّع المشرّع وجوب الصلوات الخمسة، فذلك لوجود مصلحة تخص المكلف فأمره بإقامتها، خمسة مرات باليوم بمعدل 17 ركعة. ثم ترك الباب مفتوحا للصلاة على نحو الاستحباب. فالفارق بين الصلاتين الواجبة والمستحبة في درجة الإلزام، وما يستوجبان من جزاء، ثوابا أو عقابا. وهنا نسأل، ما هو الأساس أو المبدأ الذي ارتكز له المشرّع في التمييز بين الواجب والمستحب؟. لاريب أنه ارتكز للعدل أو للسعة والرحمة أو لكليهما، في أفق الواقع وضروراته بالنسبة لفرد يعيش داخل حياة تضج بالحركة والمسؤولية. فيأخذ بنظر الاعتبار واقع الفرد داخل المجتمع، وحينئذٍ يشرّع وفقه على أساس مبادئ التشريع، فيجد من العدل عدم إرهاق كاهل المكلف بصلوات أكثر من الفرائض، لكنه أبقى الباب مفتوحا ليروي ظمأه الروحي، عندما ينفتح على الغيب والمطلق. وبالتالي لا يوجد ارتجال ومزاجية في تشريع الأحكام بل يقوم التشريع وفقا لمقتضيات الحكمة، التي هي صيغة عقلائية، والله سيد العقلاء، وأحكم الحكماء حسب الفرض، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)، (يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُو الأَلْبَابِ). (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا)، (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ)، (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). وجميع هذه الآيات تؤكد الحكمة والحق، وتنفي العبثية والانحياز.

ويمكن الاستدلال بالآيات أعلاه وآية: (فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) على اعتماد الحكمة ومبادئ التشريع في تمييز الحق، قبل النطق بالحكم القضائي. فمبادئ التشريع ومبادئ إحقاق الحق، مبادئ عقلية تقتضيها حكمة التشريع والقضاء وإحقاق الحق.

إذاً، في ضوء هاتين المقدمتين استنتجت أن الأحكام سواء سماوية أو أرضية. مقدسة أو وضعية تقوم على أساس مقتضيات الحكمة، ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته وفي إطار القيم الأخلاقية، بل ويصدق الأساس الأخلاقي للأحكام التشريعية.

والآن نذكر أدلة وشواهد تؤكد وحدة المبادئ في التشريعات. مما يتيح ملء منطقة الفراغ بعيدا عن وصايا الفقيه، سوى خبرته الفقهية والقانونية. وهي بذاتها تثبت شرعيتها وقانونيتها. وبالتالي وهذا المهم جدا، نهتدي لضابطة: (إن مصدر شرعية الحكم صدوره وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في ضوء الواقع وضروراته)، ولازمه عدم توقف شرعية الحكم في منطقة الفراغ على وجود فقيه أو خصوص الولي من الفقهاء. بل حتى أحكام الشريعة فإنها تستمد شرعيتها من مقتضيات المشرّع ومبادئه المقدسة. أي صدورها من مشرّع حكيم. ولا تستمدها من قدسية الشريعة فقط: (فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)، (وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)، (وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ). ولا تخفى دلالة الآيات على ربط الحكم بالحكمة، فالله أحكم الحاكمين. فالآيات لا تنكر وجود حكماء قادرين على إحقاق الحق وفقا لمقتضيات الحكمة، غير أنها تؤكد أن الله أحكم الحاكمين، وخير الحاكمين، بفعل علمه وإحاطته وعدله ورحمته، وكلها مبادئ قرآنية وإنسانية في ذات الوقت. وهذه إحدى ميزات الأحكام الشرعية، لذا لا يمكن نفي فعلية أي حكم شرعي ما لم يدل الدليل، كانتفاء شرط فعلية الموضوع، التي تتوقف عليها فعلية الحكم. أو اختلال ملاكات الجعل الشرعي التي بينتها في محلها. وسأبين ميزات الأحكام الشرعية، وبماذا تختلف عن الأحكام الوضعية، ضمن الإجابة على السؤال المتقدم، بعد بيان الأدلة التالية:

الدليل الأول: العرف التشريعي

تقدم أن الأحكام الشرعية كغيرها من التشريعات، تمرّ بمرحلتين، مرحلة التصوّر أو مرحلة تشخيص مبررات تشريعها، وطبيعة ملاكاتها. ثم مرحلة إبراز الحكم بصيغة قانونية "مرحلة الإثبات". بغض النظر عن كيفية حضور الموضوع وإحاطة المشرّع به من جميع أبعاده، فثمة اختلاف نوعي بين المطلق والنسبي. المطلق يمكن تشريع أحكاما بعيدة المدى، وهذا غير ممكن بالنسبة للمشرع الإنسان فهو محدود بالواضع وأفق ضروراته وحاجاته. لكن هذا لا يؤثر في فهم كيفية تشريع الحكم. فالمرحلة الأولى هي مرحلة دراسة جميع حيثيات موضوع الحكم في إطار الواقع. لنأخذ الآية التالية مثلاً:

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).

فموضوع الحكم هو المحيض، والسائل يسأل عن حكم مقاربة المرأة خلال فترة الحيض، وهل يجب عليها الاستجابة لزوجها شرعا؟. باعتبار أن استجابة المرأة لزوجها مع عدم وجود مانع واجب عليها شرعا. فهل الحيض يسقط عنها وجوب الاستجابة شرعا، ويفرض على الزوج الابتعاد عنها شرعا.

فالمشرع هنا يستحضر أولاً، معنى الحيض وما يعرض فيه للمرأة فيه من آلام وأوجاع وانقلاب في حالتها النفسية والجسدية، فتكون العملية الجنسية على حساب صحتها ونفسيتها. كل هذا يأخذه المشرع بنظر الاعتبار وهو بصدد تشريع الحكم. كما يأخذ بنظر الاعتبار قدرة الرجل على التحمل أيام معدودة.

وحينئذٍ يأتي سؤال الحكمة: ما هو حكم مقاربة المرأة في أيام حضيضها وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع؟ هل يجب عليها شرعا الاستجابة له على حساب صحتها ونفسيتها ومعاناتها الشديدة؟ وهل يجوز للزوج مقاربتها أم يحرم عليه ذلك؟.

وهنا تقتضي الحكمة العودة لمبادئ التشريع لتحديد الحكم الأنسب. فيعيد السؤال:

هل من العدل والانصاف والرحمة وجوب استجابة المرأة لزوجها أيام حيضها على حساب صحتها ونفسيتها؟. أم أن مقاربتها وهي الزوجة في هذه الحالة يعد ظلما وعدوانا؟. هل نقدم مصلحة الرجل على حسابها؟ أم ينبغي له الصبر والابتعاد والتحمل قليلا، لتجنب أي مضاعفات جسدية أو نفسية؟.

مقتضى العدل عدم وجوب الاستجابة عليها، وعدم جواز مقاربتها من قبل زوجها. فالتعليل (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) يبرر الارتكاز في الحكم لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع. فمادام المحيض أذى، فيقتضي حكما رحيما عادلا يتفادى الأذى، فيكون من العدل والرحمة عدم مقاربتها، لذا اقتضت حكمة التشريع: (فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ)، ولشدة حساسية الموضوع، وقوة حضور العدل والرحمة فيه، أضاف حكما آخر: (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ). إذ تقدم ليس من الحكمة أن تصدر عن الله عزوجل وهو الحكيم الخبير أحكاما ارتجالية، وليس من العدل الانحياز للذكر دونها، بل الواجب عليه لطفا العدل بينهما من هذه الناحية، خاصة إن عدم المقاربة لا تعرض الرجل للانهيار أو الانحراف، وينبغي له الصبر إن كان مؤمنا حقا. فاذا استبعدنا هذا الاحتمال فيكون الأحتمال الثاني متحققا، وهو صدورها وفقا لمقتضيات حكمته، ومبادئه التي أكد عليها قرآنيا. وهذا تصور واقعي لتشريع الأحكام، بغض النظر عن كيفية استحضار الموضوع بالنسبة للخالق، فهذا ليس موضوعنا، بل الكلام عن المنهج في تشريع الأحكام. ولا طريقة ثانية سوى الارتجال والعبثية وهو منزه عنهما.

الدليل الثاني: الاستشهاد بآيات الكتاب

الحكمة كما تقدم، مرادفة للعقل والعقلانية وموازنة الأمور، وإعطاء كل ذي حق حقه، وأخذ الواقع بنظر الاعتبار بجميع تفصيلاته وضروراته دون تحيّز، ثم يتم تشريع الحكم وفق تلك المعطيات. وما يؤكد تشريع الأحكام وفق مقتضيات الحكمة أن هناك أحكاما شرعية صرّح القرآن بتشريعها وفقا لمقتضيات الحكمة، أي كمايقتضيها العقل السليم، وفقا لمبادئه الإنسانية. كما في آيات (سورة الإسراء: 23 - 38)، وقد مرّ استعراضها، تقول الآيات:

[وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴿23﴾ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴿24﴾ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴿25﴾ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿26﴾ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴿27﴾ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا ﴿28﴾ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ﴿29﴾ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴿30﴾ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا ﴿31﴾ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ﴿32﴾ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴿33﴾ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴿34﴾ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴿35﴾ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴿36﴾ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ﴿37﴾ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴿38﴾ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ﴿39﴾....].

الآيات أعلاه اشتملت على 22 حكما من أهم الأحكام في الشريعة الإسلامية، غير أن تشريعها جاء وفقا لمقتضيات الحكمة التي ترتكز على مبادئ التشريع: (مركزية العدالة وعدم الظلم، السعة والرحمة، والمساواة، في أفق الواقع الموضوعي وضروراته. وهي مبادئ التشريع الإسلامي والإنساني. بمعنى أوضح أن هذه الأحكام هي مقتضى الحكمة، وقرار العقل الحكيم الذي يزن الأشياء وفقا لمبادئ التشريع المتفق عليها سماويا وأرضيا. أي مقتضى العقل والعقلانية، على أساس العدل والرحمة. وهذه الآيات تسمح بالارتكاز لمقتضيات الحكمة والعقل والعقلانية على أساس العدل والرحمة ملء الفراغ التشريعي، وهي عملية متاحة لكل من اتصف بالخبرة والموضوعية والحكمة، ولا خصوصية للفقيه سوى كونه خبيرا، أما ولايته ووصاياه فلا دليل عليها. وكل التشريعات الوضعية الآن تجري وفقا لمقتضيات الحكمة والعدل، رغم نسبية المفهومين في مصاديقهما. المهم استبعاد المزاجية والارتجالية والفوضوية في تشريع الأنظمة والقوانين، هذا هو المنهج المثالي، وعندما ينحاز المشرّع لرغبات الحاكم المستبد، ويشرع خلافا للعدل والرحمة، فهو يخون ضميره وشروط مهنته، ويحابي الحاكم الجائر على حساب الآخرة. وهكذا مشرّع رغم خبرته لا يؤتمن، ولم نقصده في حديثنا، نحن نفترض توفر جميع الشروط اللازمة للتشريع، وهي:

- الخبرة القانونية والتشريعية، وعدة معرفية، سواء أكاديمية أم دراسات دينية علمية لتخصصها في مجال الفقه وأصوله ومعارفه.

- معرفة الواقع وضروراته. لتدارك أي التباس يفضي إلى تشريع قوانين وأنظمة تضر بمصلحة الفرد والمجتمع.

- مراعاة مقتضيات الحكمة وفقا لمبادئ التشريع. لتفادي أي انزلاق مزاجي أو طائفي أو منحاز لغير العدالة مبدأ أساس في التشريع.

يأتي في الحلقة القادمة 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawiخاص بالمثقف: الحلقة الثلاثون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

سلطة الفقيه والتشريع

ماجد الغرباوي: نخلص لا دليل على اختصاص الفقيه، أو خصوص الولي من الفقهاء، بملء الفراغ التشريعي، وهو مساحة الواقع باستثناء ما ورد فيه دليل شرعي صريح في مورده. ولا مانع وراء مشاركته فقيها متخصصا، دون فرض رأيه ووصاياه. فمنطقة الفراغ إذاً تلك المساحة التي يتولى فيها الشعب مباشرة أو من خلال تمثيل نيابي، تشريع القوانين والأنظمة لتنظيم حياته، بعيدا عن أية ولاية سوى مصالحه ومصالح مجتمعه، شريطة التزام المشرّع بمقتضيات الحكمة وبمبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، وفي إطار القيم الأخلاقية. وحينما يشك بوجود حكم شرعي في أي مسألة من مسائل منطقة الفراغ، فالأصل هو البراءة، على أساس "قبح العقاب بلا بيان"، كما هو مقرر عند علماء أصول الفقه. (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). ويقصد بالرسول الحجة الموجبة للتكليف.

إن تكاليف الشريعة واضحة بينة لمن يلتزم بها، وهي كل ما اشتملت عليه آيات الأحكام، شريطة فعليتها. وماعدا ذلك فالناس أحرار، لا ولاية لأحد عليهم سوى ولاية الأمة أو الشعب على نفسه. هذا لمن يريد التمسك بالشريعة وآراء الفقهاء، فإن الأصل الأولي عند جملة منهم هو البراءة العقلية. في مقابل من يتمسك بالاحتياط كأصل أولي عند الشك بالحكم المجهول، ثم تأتي البراءة الشرعية لتلغي الاحتياط (راجع حلقات في علم الأصول للسيد محمد باقر الصدر مثالاً). فهناك مسلكان، مسلك "قبح العقاب بلا بيان، ومسلك "حق الطاعة". وأما بالنسبة للعقل العملي بعيدا عن الفقهاء والأصوليين، فالأصل عنده حرية الإنسان. ومن حقه ملء الفراغ التشريعي لتنظيم حياته. وبالتالي فإن الأصول العقلية والشرعية تفضي للبراءة في الأحكام المجهولة، وهي منطقة الفراغ. أو بشكل أوضح تلك المساحة التي ليس للشارع فيها حكم محدد، وقد تركها للإنسان يتخذ ما يراه مناسبا وفقا للعدالة وعدم الظلم، والسعة والرحمة، والمساواة. ولو كان للشارع وهو في مقام التشريع حكم لبيّنه ضمن آيات الكتاب، ومن حق الفقيه حينئذٍ التصدي لبيانه. لكن لم يبيّن، فلا مؤاخذة في وضع قوانين لصالح المجتمع والدولة. وبالتالي لا دليل على احتكار الفقيه للتشريع في منطقة الفراغ التشريعي، غير أن منطق العبودية يعيش رهاب الحرية، ويخشى تحمل المسؤولية، ويشعر بسعادة عارمة في عبوديته. لقد عاش الإنسان ردحا طويلا من الزمن يتصدى لتنظيم حياته بنفسه، وقد أرسى أعرافا وتقاليد لضبط سلوك الفرد والمجتمع، حتى وهو يعيش حياة بدائية: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ). وبعد مجيء الإسلام لم يلغ الرسول جميع الأعراف والتقاليد، خاصة في المجال الأخلاقي: "وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". كل ما فعله الإسلام صحح مسارات العلاقات والأنظمة، وقام بترشيد الوعي، كي يسترد الفرد عقله، ويواصل حياته وفق بوصلة قيمية وأخلاقية، من وحي العقل العملي ومدركاته. لذا لم يسمح القرآن بتمدد  الشريعة خارج حدودها، ليتحمل الإنسان مسؤولية خلافة الأرض وإعمارها في ضوء مبادئ العدل وعدم الظلم والجور: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). وبالفعل نهى عن كثرة السؤال، ليحد من مشاعر العجز الداخلي، ورهاب المسؤولية الحياتية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ). وبين بشكل واضح وصريح أن حدود التشريع تنتهي بمضامين آيات الأحكام، ولم يكلف أحدا بملء منطقة الفراغ التشريعي. وبشكل أدق، لم يجعل ولاية تشريعية للنبي فضلا عن غيره، وآيات الكتاب تشهد في تحديد مسؤولياته، وتقدم الحديث مفصلا. وثم آيات تؤكد حدود التشريع، وعدم السماح بتمدد التشريع:

- (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). بهذه الآية تعرف شرعية التحريمات التي تتناقلها كتب الفقه وليس لها جذر قرآني، سوى روايات لا يمكن الجزم بصحة صدورها، تعد عندهم حجة لحجية مطلق السنة النبوية.. يفهم من الآية هناك من استفسر عن حرمة شيء، فكانت الآية جوابا، لتمنح السائل ضابطة في التحريم، وما عداها فهو مباح. والآية ضمن آيات رسمت لنا حدود الشريعة والأحكام، وأعطت ضابطة كلية مفادها: "المحرم مع نصت الشريعة على حرمته"، ولازمها أن يتحمل الإنسان مسؤولية الواقع وضروراته. وطالما أكدت أن دور الدين ترشيد الوعي، وتبقى الأصالة للعقل وما حباه الله من قدرات خارقة، وأمامنا التقدم الحضاري الهائل، رغم تحفظنا على بعض تشريعاته.

- (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ). فكل ما عدا تشريعات الشريعة فهو حلال ومباح، فتشمل الإباحة بامتدادها منطقة الفراغ، فنحكم على كل ما نشك بحرمته بالحلية، ومشمول بالإباحة اللاإقتضائية. بل وحتى الإباحة الإقتضائية، فإن مفادها وجود ملاكات أن تبقى منطقة الفراغ مباحة، قابلة للتشريع من قبل الإنسان، لتواكب تشريعاته النسبية تطورات الواقع وضروراته.

- (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ). فهي أحكام محددة، فيكون الأصل الإباحة إلا مادل الدليل على حرمتها.

- (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ). مما يؤكد اقتصر الولايتين الكونية والتشريعية على الله تعالى. ولا يجوز لأحد أن ينسب له ما لم تصّرح به الآيات. وهنا مكمن الخطر حينما ينسب الفرد فتاوى وأحكام الفقيه لله، ويتعامل معها بقدسية، وهي مجرد آراء اجتهادية، ووجهات نظر فقهية، تختلف من فقيه لغيره، ومن واقع لآخر، ومن عصر لعصر.

- (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ).

كل هذا وغيره يؤكد عدم وجود دليل على اختصاص الفقيه أو الولي من الفقهاء بملء منطقة الفراغ التشريعي، وتبقى منطقة مباحة، يتصدى الخبراء لملئها، وفقا لمصالحهم وفي إطار القيم الأخلاقية الأعم من القيم الدينية. وبالتالي لا دليل على ما ذهب إليه السيد محمد باقر الصدر، كما تقدم: (.. وإنما ملأه بوصفه ولي الأمر، المكلف من قبل الشريعة بملء منطقة الفراغ وفقا للظروف). وهذا لا دليل عليه.

وما يؤكد ما نقول أكثر أن الشريعة الإسلامية قد أمضت البيع والشراء، واستثنت الربا وبيع النسيء، ارتكازا لملاكاتها القائمة على التراضي، لذا لا تجد أحكاما قرآنية تفصيلية تخص أحكام البيع والشراء مقارنة بأحكام العبادات مثلا. فملاكات التجارة ملاكات متغيّرة فاكتفت الشريعة بالتراضي لتمريرها وإمضائها. وليس التجارة فقط، فالمجتمع العربي رغم حكومة العنف والقوة لكن تضبط حركته مختلف التشريعات، بعضها ديني، وهناك قبَلي وأخلاقي، وعرفي، وتجاري، وتجاور وعلاقات، وحرب وسلام وديات وقضاء، وغير ذلك، فالإسلام لم يلغها جميعها، بل أمضى بعضها، وهذّب الأخرى، وأعاد توازن ثالثة على أساس العدل ومنع الظلم. وأضاف ما رآه ضرورة لحفظ توزان المجتمع واستتباب الأمن والسلام، كالمطالبة بأربعة شهود شرطا لثبوت الزنا، وإقامة الحد. فلا يمكن للخالق أن يشرع لواقع متحرك تشريعات مطلقة، فربط فعليتها بفعلية موضوعاتها. وقد راعى مهمة الإنسان ودوره، وضرورة الاعتماد على نفسه. وأمامنا القوانين المدنية الحديثة، التي خلقت أجواء آمنة، وحياة اجتماعية مستقرة وفقا لمركزية العدل، وهذا شاهد على كفاءة الإنسان تشريعا. بينما تعصف بأحكام الفقهاء جملة إشكالات لا يمكنهم تجاوزها بفعل القواعد الأصولية التي أسسوها وفرضوها سلطة توجه وعيهم الفقهي. (أنظر كتاب الفقيه والعقل التراثي، ص، 166). وأيضا أهملت الشريعة السياسة، سوى مبادئ تصلح أن تكون أُطرا لمختلف التشريعات، ولم يتطرق القرآن لأهم مواضيعها. أعني الخلافة، التي تسببت في تشتت الأمة فيما بعد. ولم نقرأ شيئا عن شروطها، ومسوؤلياتها.

بهذا نخلص إن ملء منطقة الفراغ التشريعي تقع على عاتق المجتمع، يتدبرها وفقا لمصالحه، وما يحقق أمنه واستقراره، شريطة عدم تعارض تلك القوانين والأنظمة مع ثوابت الشريعة، مادام المجتمع مسلما، ملتزما بأحكامها. والممثل الوحيد اليوم هي المجالس النيابية والتشريعية ضمن مؤسسات الدولة الحديثة. وحينئذٍ تستمد القوانين الوضعية شرعيتها من الشعب، ومن قدرتها على أداء وظيفتها.

العقل والتشريع

نعود لمواصلة البحث في مفاد الفرضية المتقدمة: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية معطى نهائيا، بل أن تشريعها يجري وفقا لمتطلبات الواقع ومقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي يمكن للعقل إدراكها، وتحديد فعليتها، وتوظيفها لملء منطقة الفراغ التشريعي، في إطار أخلاقي، بعيدا عن وصايا الفقهاء). وهي مبادئ عقلائية، يحتكم لها الخبراء والمشرعون وفقهاء القانون، من يتصف بالحكمة والعقلانية والموضوعية، ويركن للعدل والرحمة ونظرة المساواة، بعيدا عن التحيز والظلم والجور. ولا يمكنهم ذلك ما لم يحيطوا بالواقع وضروراته، ويحددوا ملاكات الحكم من مصالح ومفاسد. وعندما يترافع الخصوم أمام المحاكم، سواء الشعبية أو الرسمية، يترافعون لإحقاق الحق وإقامة العدل وتسوية الخلافات، انطلاقا من تلك المرتكزات. أي يترافعون على أساس قبلياتهم عن الحكم وما يتصف به الحاكم من صفات العدل وإحقاق الحق أي مبادئ التشريع. وهكذا الحال بالنسبة للأنظمة والقوانين، فإن ما تضمره من مصالح لتنظيم المجتمع والسلطة، هي المبرر لالتزام الناس بها، لذا يعترضون عندما لا تحقق غاياتها، ويصفونها بالظلم وعدم العدل. فتلك المبادئ مبادئ عرفية عقلائية، وقد تم الاستدلال عليها بمجموعة آيات قرآنية كما تقدم. وعندما أكد الخطاب القرآني عليها، فهو تأكيد على قضايا عقلائية، ضمن مرتكزاتهم العرفية. وعندما يؤكد على العدل في الحكم فإنه مأخوذ في تشريعات الشريعة لا محال، وعندما تؤخذ المبادئ بنظر الاعتبار فهي ناظرة للواقع وضروراته، وللفرد وحاجاته، وللمجتمع ومتطلباته، فيأتي التشريع ليُرسي الاستقرار ويحق الحق ويعطي كل ذي حق حقه، ضمن ظرفه الزماني والمكاني. المهم أن تشريعه كان وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع، وعندما يتغير الواقع فإن مقتضى الحكمة إعادة النظر في فعلية الحكم. وبنفس المنطق ينبري المشرّع لملء الفراغ التشريعي، مع مراعاة الواقع وضروراته، والالتزام بمبادئ التشريع وفق مقتضيات الحكمة. فتشريعات الشريعة ليست قضايا ميتافيزيقية أو غرائبية، ولا تقع ضمن اللامفكر فيه، سوى النظرة البعيدة ضمن هدف الخلق وحركة الوجود، وهذا لا يشمل جميع الأحكام. وأيضا هي ليست تشريعات ارتجالية، ولا هي طلاسم وألغاز يتعذر فقهها وإدراك فلسفتها. بل هي تشريعات قامت على مبادئ وملاكات. أي قامت على قيم اعتبارية، لها دلالتها وسلطتها، وتقع ضمن مرتكزات الوسط الثقافي الذي يرتهن له تأويل الوحي. وبدونها لا يستوي التأويل، ولا يحقق مداه التشريعي. وما على الفقيه سوى الخروج من منهج استنباط الحكم المتداول إلى منهج فقه الشريعة، لإدراك فلسفة الحكم وتاريخه وخلفياته الاجتماعية والمبادئ التي ارتكز لها، والمنطق الذي حدد مساره. بيد أنه يتشبث بقدسية الأحكام بالمعنى الدوغمائي، ويرفض مراجعة ملاكاتها ومدى فعليتها، وتبقى مطلقة أزمانا وأحوالا في نظره. فعندما يأمر القرآن بالعدل فهو لا يؤسس له، بل يؤكد على مرتكز عقلائي، سائد في جميع المجتمعات في مقابل الظلم والعدوان. مادام العدل صفة نفسانية من مقولة الكيف، يتصف أو لا يتصف بها الإنسان. فجاء الإسلام وأكد عليه. وبالتالي، فهي قيم عرفية ومرتكزات عقلائية.

تأسيسا على ما تقدم، يمكن اعتبار التشريعات القرآنية نماذج عملية لتشريع الأحكام، وفقا لتلك المبادئ، شريطة إدراك مرتكزاتها ومقاصد تشريعها. بمعنى أدق يمكن الارتكاز لتلك المبادئ التي قامت عليها تشريعات الشريعة، لملء الفراغ التشريعي، بعيدا عن قدسيتها، كي تتكيف مع الواقع وحاجاته. وبهذا الصدد يمكن تأسيس قواعد أصولية تساعد على تشريع أحكام تمثل وجهة نظر فقهية، فيكون القياس والذوق الفقهي أدوات ماضية، لأنك لا تريد تشريع حكم تنسبه للشريعة بل توظف مبادئ التشريع لملء الفراغ التشريعي. المشرع بصدد أحكام لتنظيم حياة الناس في مساحة الفراغ التشريعي وبإمكانه الاستفادة من الأحكام الشرعية نماذج لتشريع معادل لها، يمثل وجهة نظر تشريعية وقانونية. ولا ريب في ذلك، إنما الخطر في نسبة أحكامه للشريعة، فينقاد لها المكلّف مدفوعا بالطاعة والانقياد على أمل إحراز مرضاة الله، كما توحي فتاوى الفقهاء بذلك. (ينظر لتفصيل المسألة، كتاب: الفقيه والعقل التراثي، ص167).

وهنا نؤكد أن الأحكام الشرعية كغيرها من التشريعات، تمرّ بمرحلتين، مرحلة التصوّر أو مرحلة تشخيص مبررات تشريعها، وطبيعة ملاكاتها. ثم مرحلة إبراز الحكم بصيغة قانونية "مرحلة الإثبات". (ولكل واحد من الأحكام التكليفية الخمسة مبادئ تتفق مع طبيعته، فمبادئ الوجوب هي الإرادة الشديدة، ومن ورائها المصلحة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص في المخالفة. ومبادئ الحرمة هي المبغوضية الشديدة، ومن ورائها المفسدة البالغة إلى درجة نفسها. والاستحباب والكراهة يتولدان عن مبادئ من نفس النوع، ولكنها أضعف درجة بنحو يسمح المولى معها بترك المستحب وبارتكاب المكروه). كما هو رأي السيد محمد باقر الصدر في أصوله (أنظر: حلقات في علم الأصول). أو بتعبير فقه الشريعة الذي بينته في كتاب الفقيه والعقل التراثي: (إن درجة إلزامات الأحكام الشرعية تتناسب طرديا مع حجم ملاكاتها). وعلى هذا الأساس يمارس المشرّع القانوني عملية وضع الأنظمة والقوانين. فهي عملية منضبطة بذات صيغ تشريع الأحكام الشرعية من قبل الشارع المقدس. غير أن ارتياب الفقيه بالعقل ومتطلبات القداسة تضع أسيجة ومحرمات لضمان احتكار استنباط الأحكام الشرعية من قبل الفقيه، وربط ملء منطقة الفراغ التشريعي بسلطته، من خلال فرض وصاياه أو ولايته. فالفقيه حتى وإن سلّم بوجود نظام من المبادئ والقيم خلف تشريع الأحكام الشرعية، بيد انه يرفض قدرة العقل على إدراكها وتحديد عللها وملاكاتها وأسباب تشريعاته، لتغدو عملية ماورائية، وغيب مطلق لا يعرف حقيقته إلا الله. لقد عجزت محاولات أسلمة القوانين والأنظمة، وربطها بالشريعة، واضطرت للعدول من مطابقتها للشريعية إلى عدم تعارضها مع ثوابت الشريعة، كما حصل للمشرع الإيراني. حيث كانت مهمة مجلس صيانة الدستور التأكد من مطابقة الأنظمة والقوانين الصادرة عن مجلس الشورى مع الشريعة ثم عدلت بعد عجزها للتأكد من عدم مخالفتها لثوابت الشريعة والدستور.

إن حاجة الإنسان للعقل باتت أكثر من حاجته لأية وصايا دينية، بعد ختم النبوة، واكتمال الدين بهذا القدر المحدود من الأحكام الشرعية المذكورة في الكتاب الكريم، ولو كانت هناك حاجة لأحكام شرعية أخرى لحدد لنا القرآن مصدرها، ولم يقل للنبي: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)، ولم يحدد مسؤوليته: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا): ولم يصف كتابه بأنه تبيان لكل شيء، رغم محدودية أحكامه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ). (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا). ولَما قالت الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). خاصة وقد سبقتها وتلتها أحكام شرعية، وهذا هو اختصاصها بدقة. فتأويلها خارج سياقها، يحتاج إلى أدلة قرآنية صريحة وهي منتفية. بهذا يمكنك معرفة مدى شرعية فتاوى الفقهاء التي غدت بالآلاف، ممن راحوا يلاحقون الإنسان حتى في طريقة تغوّطه، بحجة أن النبي كان يفعل هكذا، فينبغي التأسّي به. أو يفسّرون الآيات تفسيرا غريزيا عندما يبيحون زواج القاصرات، ويُفتون بجواز تفخيذ الرضيعة. إنها مأساة التدين البسيط حينما يرتهن وعيه لغيره، ويهجر القرآن ووضوح بيانه.(أنظر كتاب: الهوية والفعل الحضاري، ص 394 وما بعدها). لا أنفي دور الروايات، واعتماد الفقيه عليها في فتاواه وأحكامه، لكن ينبغي له التخلص من الجمود، وفقه النص، بعد إدراك فلسفته وتاريخ تشريعه. وما عليه الاجتهاد اليوم هو تقليد الحاضر للسابق، ولم يحصل انقلاب حقيقي في فهم الشريعة وغاياتها ومقاصدها.

لا يمكن للمسلمين النهوض ما لم تتحرر عقولهم من سلطة النصوص والتراث، ويفهمون الدين ومقاصده وأهدافه وغاياته، بعيدا عن الروايات التي تعكس فهماً آخر، يمثل زمن الرواية بأبعادها المختلفة. فهي روايات محترمة إلا أنها تعبّر عن ظروف وبيئة وثقافة مختلفة. فللرواية ظروفها ولنا ظروفنا، وبإمكاننا العودة للكتاب الكريم وفهم رسالته فهماً صحيحا. للأسف لم أجد من يهتم بآيات الخلق التي ترسم معالم هدف الرسالات والأديان، وهذا خطأ كبير في فهم الدين. بل وأحد أسباب جميع الانحرافات العقائدية والسلوكية، خاصة ما تمارسه الحركات الإرهابية باسم الدين والقرآن. وما تبثه حركات الغلو من ثقافات تكرس الجهل والأمية والتكاسل في الحياة الدنيا. وبالتالي فتمدد الفقه على حساب العقل عمل يفتقر للقيم الأخلاقية. 

ويبقى السؤال: ما الفرق حينئذٍ بين أحكام الشريعة وألأحكام الوضعية إذا كان تشريع كل منهما على ذات المبادئ والقيم؟.

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed al gharbawiخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

منطقة الفراغ التشريعي

ماجد الغرباوي: يقصد بمنطقة الفراغ التشريعي: تلك المساحة التشريعية التي ترك الإسلام ملأها للدولة أو أولي الأمر في إطار أهداف الشريعة. يقول محمد باقر الصدر في كتابه اقتصادنا، وهو يتحدث عن منطقة الفراغ في التشريع الاقتصادي: (إن المذهب الاقتصادي في الإسلام يشتمل على جانبين: أحدهما، قد مُلئ من قبل الإسلام بصورة منجّزة، لا تقبل التغيير والتبديل. والآخر، يشكل منطقة الفراغ في المذهب، ترك الإسلام مهمة ملئها إلى الدولة أو ولي الأمر، يملؤها وفقا لمتطلبات الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي، ومقتضياتها في كل زمان) (ص 400).

وبالتالي تخرج العبادات والمعاملات مادامت الشريعة قد تكفلت ببيان أحكامها، لتختص منطقة الفراغ بما عداها من أنظمة وقوانين، على أساس "شمول الشريعة لجميع مناحي الحياة"، و"ما من واقعة إلا ولله فيها حكم". وإذا كان تعريف منطقة الفراغ التشريعي صحيحا فإن شروط ملئها لا تخلو من بعد أيديولوجي، فتكون مرتهنة في صدقها وعدم صدقها لمقدماتها أعلاه. ولكن هل فعلا ترك الإسلام مساحة تشريعية، وما معنى كمال الدين؟ وهل فعلا خص الإسلام الفقيه أو ولي الأمر يملؤها في إطار أهداف الشريعة أم وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع؟. ولماذا لا نقول إن الإسلام شرع مجموعة أحكام وترك للإنسان تشريع ما يحتاج وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع؟.

السيد محمد باقر الصدر: فقيه وأصولي وفيلسوف ومفكر كبير، غني عن التعريف، سعى لتأصيل نظرية إسلامية في مجال الاقتصاد وغيره. تعتبر آراؤه من أنضج الآراء العلمية، لذا استشهد بها. وهو أول من استخدم مصطلح منطقة الفراغ التشريعي في سياق تنظيره للمذهب الاقتصادي الإسلامي. إذ يعتقد، (أن تقويم المذهب الاقتصادي في الإسلام لا يمكن أن يتم بدون إدراج "منطقة الفراغ" ضمن البحث..). ويؤكد: (حين نقول: "منطقة الفراغ" فإنما نعني ذلك بالنسبة إلى الشريعة الإسلامية ونصوصها التشريعية، لا بالنسبة إلى الواقع التطبيقي للإسلام، الذي عاشته الأمة في عهد النبوة). (المصدر السابق، ص400). فنفهم من كلامه، أن الشريعة قد ملأت قسما من الفراغ بأحكام ثابتة، وكلفت ولي الأمر بملء القسم الآخر: (فإن النبي الأعظم قد ملأ ذلك الفراغ بما كانت تتطلبه أهداف الشريعة في المجال الاقتصادي، على ضوء الظروف التي كان المجتمع الإسلامي يعيشها، غير أنه حين قام بعملية ملء هذا الفراغ لم يملأه بوصفه نبيا مبلغا للشريعة الإلهية الثابتة في مكان وزمان، ليكون هذا الملء الخاص من سيرة النبي لذلك الفراغ، معبرا عن صيغ تشريعية ثابتة، وإنما ملأه بوصفه ولي الأمر، المكلف من قبل الشريعة بملء منطقة الفراغ وفقا للظروف). (المصدر نفسه). فهي أحكام إذاً مرنة، تستجيب للواقع ومتطلباته وفقا لرأي ولي الأمر. وليس وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته. والفقيه إنما يصدر أحكامه الولائية، في ضوء خبرته الفقهية والأصولية، وفهمه لمتطلبات العصر والزمان، فلا يخرج عن إطار الشريعة. بل يبقى يستغيث بنصوصها ويطوّع دلالاتها لتستجيب لاسقاطاته. فتبقى الأدلة الشرعية ولو بشكل غير مباشر هي دليله لأحكامه الولائية، إضافة لخبرته ومتطلبات الواقع، فقد يستشير الخبراء لكن القرار الأخير بيده. وتبقى مقاليد الأمور تحت وصاياه وولايته.

بهذا تتضح نقطة الخلاف بين من يرتهن ملء الفراغ التشريعي للفقيه أو خصوص ولي الأمر من الفقهاء، في ضوء أهداف الشريعة. أو ملؤها وفق مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، وفي إطار القيم الأخلاقية، ولا خصوصية للفقيه سوى اختصاصه، فيمكنه مشاركة الخبراء في تشريع الأنظمة والقوانين باعتباره خبيرا فقهيا، بعيدا عن ولاياته، بل ولا مبرر لتقديم رأيه على آراء الآخرين ما دام رأيه اجتهاديا، يمثل وجهة نظره المرتهنة لقبلياته. فالفارق بين الاتجاهين كبير. بين من يخص ولي الأمر بملء الفراغ التشريعي وفقا لاجتهاده في إطار أهداف الشريعة، فتكون له الكلمة الأخيرة، وقرار الحسم باعتبار ولايته الشرعية. وتسمى أحكامه في هذا المجال أحكام ولائية، وهي أحكام يتخذها ولي الأمر والقائد الأعلى لملء الفراغ التشريعي، وتكون نافذة على الجميع بحكم ولايته لا بصفته فقيها. فيصدق أنها أحكاما استبدادية. لا يمكن مساءلته فهو ولي الأمر ويعرف من الأمور ما لا يعرفه غيره بحكم قيادته ومركزيته. لذا تنتفي فعليتها بوفاته، ما لم تمضَ من قبل مَن يليه في تولي منصب الولاية. وإذا كان الفقيه يعتقد أن ولايته مجعولة من قبل الشارع، فستكون ولايته مقدسة، وهنا مكمن الخطر، إذ سيكون الراد عليه كالراد على الله، كما في الرواية المعروفة في باب ولاية الفقيه. أما الاتجاه العقلي فيعتقد أن تشريع الأحكام يجري وفق مقتضيات الحكم، ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته. فهي قوانين وأنظمة غير معصومة ولا مقدسة. يمكن مراجعتها ونقدها.

وعلى أساس هذا الفارق نسجل الملاحطات التالية:

1- إن التنظير للمذهب الاقتصادي في الإسلام جاء كأحد رهانات السيد محمد باقر الصدر في مشروعه أسلمة المعارف، وإثبات قدرة الدين على إدارة الحياة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

2- راهن السيد محمد باقر الصدر على دلالة كلمة "اكتشاف" أكثر من رهانه على الواقع التشريعي، للتستر على دوره التنظيري في تشييد مذهب اقتصاد إسلامي. فكلمة "اكتشاف" توحي بوجود مذهب اقتصادي ناجز، وما على المفكر سوى اكتشافه. وتجعل من وجوده مسلّمة، لا تثير شكاً وريبةَ، وهي ليست كذلك، غير أن دلالة الكلمة تسلب سؤال الحقيقة معناه. إذ لا معنى للسؤال فكلمة اكتشاف دالة على وجوده مسبقا، فمن يفترض وجود شيء ثم يكتشفه لا يُسأل عن أصل وجوده، لأن عملية البحث ترتكز لوجود مفترض. فالوجود السابق يتبادر لذهن السامع من نفس كلمة "اكتشاف"، لا من واقع الشيء خارجا، وهذا ما يريده بالضبط حينما وظف كلمة "اكتشاف" بدلا من أية كلمة أخرى، لذا وظف السيد الصدر دلالة الكلمة توظيفا بارعا من خلال تأكيده عليها: (وعلى هذا الأساس يمكن القول: بأن العملية التي نمارسها هي عملية اكتشاف، وعلى العكس من ذلك المفكرون المذهبيون الذين بشروا بمذاهبهم الرأسمالية والاشتراكية، فإنهم يمارسون عملية تكوين المذهب وإبداعه)، (المصدر السابق، ص389). غير أن بحوث كتابه اقتصادنا تؤكد دوره التنظيري، بل أن المذهب الاقتصادي في الإسلام هو أحد إبداعاته. وليس كما يقول: (.. المفكر الإسلامي أمام اقتصاد منجز تمّ وضعه، وهو مدعو إلى تمييزه بوجهه الحقيقي، وتحديده بهيكله العام، والكشف عن قواعده الفكرية، وإبرازه بملامحه الأصلية، ونفض غبار التاريخ عنها، والتغلب بقدر الإمكان على كثافة الزمن المتراكم، والمسافات التاريخية الطويلة، وايحاءات التجارب غير الأمينة التي مارست ـ ولو اسمياً ـ عملية تطبيق الإسلام، والتحرر من أطر الثقافات غير الإسلاميّة التي تتحكم في فهم الأشياء، وفقاً لطبيعتها واتجاهها في التفكير. إنّ محاولة التغلب على كلّ هذه الصعاب، واجتيازها للوصول إلى اقتصاد إسلامي مذهبي، هي وظيفة المفكر الإسلامي)، (المصدر السابق). ولا تخفى منطلقات هذا الكلام، ولا تخفى دوافعه. فهو اسقاط لرغبات شخصية وقبليات تكونت في ظل وعي ديني – سياسي.

3- جاءت فكرة الفراغ التشريعي لترميم نقص التشريعات على صعيد المذهب الاقتصادي واقعا، سيما آيات التشريع، فلا تجد سوى ضوابط أخلاقية لضبط سلوك المعاملات الاقتصادية، التي هي بحدود البيع والشراء والرهن والعقود وغيرها. فحرّمت الشريعة الربا: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا). واشترطت التراضي في المعاملات التجارية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ). ودعت لكتابة الدين لتفادي ضياع الحقوق: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ). والمعروف في الأوساط الفقهية إن أكثر المعاملات التجارية أو ما يسمى بالمكاسب، هي إمضائية. أمضاها الشارع المقدس أو النبي بسكوته، وعلى هذا الأساس تدرس ضمن مناهج الدارسات الإسلامية كالحوزات العلمية. مما يؤكد أنها كانت تجري وفق سياقات عرفية، وتلك السياقات كافية لإمضائها. فكانت قبل الإسلام تبادلات ومعاملات تجارية، وكانت الأسواق تسير بشكل سلسل. وأما النظريات والمذاهب الاقتصادية فهي نتاج عصر النهضة وما بعدها، ولم تكن موجودة سابقا. الإسلام ظهر ما قبل وجود الدولة ومؤسساتها ودساتيرها ونظمها، وجمعها تجارب وتراكم خبرة سنوات طويلة. لذا أخفق المفكرون المسلمون في أسلمتها، ولم تستطع أي دولة بما فيها إيران تطبيق نظام البنك اللاربوي، وعادت أدراجها لنظام السوق الحر، والتعامل بالربا بصيغ شرعية ملفقة، بعضها مقرف حينما يأخذ ربا فاحشا، بعنوان جعالة مثلا. أو غيرها من عناوين الفقه الإسلامي.

4- إتصاف منطقة الفراغ بالفقر التشريعي، سوى الأهداف العامة للدين. فهو يعترف بعدم وجود أدلة لملء الفراغ التشريعي، ولازمه عدم شمول الشريعة الفعلية لموضوعاتها، فمن أين جاء مفهوم الشمول والكمال للدين؟. أليست فكرة منطقة الفراغ مجرد فكرة اجتهادية ووجهة نظر لإضفاء صفة الكمال على الدين وشموله لجميع مناحي الحياة؟. ينبغي أولاً إثبات صحة أقوالهم من خلال أدلة قرآنية صريحة واضحة لتكون مرجعية لجميع الأطراف. أي الخروج من التأويل اللازم لتعدد الآراء إلى وجود نص صريح يحسم موضوع الخلاف، وهذا منتفٍ بالضرورة. الجميع إذاً يتفق على انتفاء وجود أدلة دالة على المطلوب، فيكون الأصل بالنسبة لنا هو البراءة العقلية، وعدم اشتغال الذمة بأي تكليف اتجاهها، فيمكن للخبراء ملؤها وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع الإنساني، بعيدا عن احتكار الفقيه للتشريع وقداسة الدين. فيكون التشريع منجزا بشريا يراعي مصالح الفرد والمجتمع والدولة والنظام في إطار أخلاقي ومنظومة قيم إنسانية أعم من القيم الدينية.

5- جعل السيد الصدر إملاء منطقة الفراغ مرددا بين الدولة وولي الأمر. أما الدولة فالتقنين أحد مهامها الأساسية لتنظيم شؤونها وتحديد الحقوق والواجبات ولا ريب في اختصاصها. وجميع قوانينها وضعية تجري وفقا لمقتضيات الحكمة في أفق الواقع وضروراته إلا بعض أحكام الشريعة، إذا نص دستورها على اعتبار الشريعة أحد مصادر التشريع، وهنا نفترض أن المجتمع مسلم. وأما الفقيه، فلا مانع من اشتراكه بتشريع الأنظمة والقوانين بصفته خبيرا فقهيا وأقرب إلى روح الشريعة، بعيدا عن القداسة ودعوى الوصايا باسم الدين. إذ الأصل في الولاية ولاية الشعب على نفسه، ولا دليل على ولاية الفقيه، سوى مقدمات عقدية لا دليل عليها. وبالتالي لا دليل على اختصاص الفقيه بها، إلا من خلال مقدمات كلامية، كالفقيه أولى بحكم اختصاصه وقربه من روح الشريعة. ولا يمكنه احتكار التشريع ورأيه الفقهي لا يعدو كونه رأيا ضمن آراء الفقهاء. بالعكس أن التعدد سيربك التشريع كما تقدم بيانه.

6- اضطر السيد محمد باقر الصدر للفصل بين منصبي النبوة والولاية في سلوك النبي، ليختص الثاني بملء منطقة الفراغ بأمر من الشريعة كما يقول. وولاية الأمر منصب متحرك، بصلاحيات مفتوحة، هي معنى الولاية المطلقة، لا يقف عند حدود النبي بل يتعداه لكل من تصدى للسلطة والحكم، لتستمر مهمة ملء الفراغ التشريعي استجابة للواقع وضروراته. يقول: (غير أنه "أي النبي" حين قام بعملية ملء هذا الفراغ لم يملأه بوصفه نبيا مبلغا للشريعة الإلهية الثابتة في مكان وزمان، ليكون هذا الملء الخاص من سيرة النبي لذلك الفراغ، معبرا عن صيغ تشريعية ثابتة، وإنما ملأه بوصفه ولي الأمر، المكلف من قبل الشريعة بملء منطقة الفراغ وفقا للظروف). فهناك منصب ولاية الأمر لم تنص عليه الآيات التي اقتصرت مهام النبي على التبليغ والبيان والتفصيل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿45﴾ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا). لكن بلا ريب هناك آيات جعلت ولاية النبي إلى جانب ولاية الله. وهناك آية ذكرت ولاية الله ورسوله والمؤمنين. وقد مرّ الكلام تفصيلا حول الموضوع، وأثبت بما لا مزيد عليه من خلال الأدلة، أن ولاية المؤمين تقتصر على دور إداري تنفيذي تحت رعاية وإشراف النبي. (يراجع كتاب مضمرات العقل الفقهي). كما أن الآية مطلقة فأي من المؤمنين مكلف بملء الفراغ التشريعي؟ ومتى كانت صفة الإيمان كافية لإناطة مسؤولية التشريع بالمؤمن بعنوانه؟. لا ريب أن النبي الكريم مارس دور النبوة ودور الولاية، ولا ريب بوجود مجموعة أحكام وتعليمات وإرشادات لتوجيه الحياة الاجتماعية والسياسية، قد صدرت فعلا منه. والسؤال: على أي أساس كان النبي يتخذ مواقفه، ويقرر أحكامه الولائية. هل على أساس الشريعة أم وفق مقتضيات الحكمة؟ أما الشريعة فأحكامها محدودة ولو كان لها رأي في الموضوع لصرحت به ضمن آيات الأحكام. ولا ولاية تشريعية للنبي كما بينت ذلك، وكان إذا سألوه يتوجه بالسؤال لله تعالى. لذا جاءت كثير من الأحكام بعنوان ويسألونك، ويستفتونك. فكان النبي يتصرف بوحي حكمته ومنظومته الأخلاقية، ولا شك أيضا كانت الشريعة تحد من أحكامه، فلا يتعارض معها. وليس بالضرورة أن تكون أحكامه الولائية من وحيها، بل يكفي أن تكون وفق مقتضيات الحكمة ولا تتعارض مع الشريعة الإسلامية وثوابتها، خاصة القضايا العامة التي تهم المجتمع ومؤسساته. وكانت إحدى مهامه تعليم الكتاب والحكمة: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ). وما يؤكد مقتضيات الحكمة في ولايته، اكتمال الدين والتشريع: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). فالآية تؤكد كمال الدين وكمال التشريع مادامت مسبوقة وملحوقة بأحكام تشريعية. وليس الدين سوى العقيدة والشريعة. والصدر أيضا يؤكد هذا لكنه يرى أن ذات ولاية ولي الأمر هي مبرر طاعة أحكامه الولائية، فتكون مقدسة، لا يجوز التمرد عليها، بهذا الشكل يؤسس الصدر للاستبداد الديني بحجة الولاية الشرعية. والصدر لمن هو خبير بفكره يراهن على الفقيه في كل شيء. بينما مصدر إلزام الأنظمة والقوانين الوضعية هي مبادئ التشريع والقاعدة الأخلاقية التي ترتكز لها. يجد الفرد نفسه ملزما أخلاقيا بجميع التعليمات القانونية، لتفادي الفوضى وتحقيق العدالة الاجتماعية. كما ثمة فرق أهم هو قدسية الأحكام الولائية التي ينبطق عليها الحديث المتقدم: الراد على الفقيه راد على الله، والراد على الله كالمحارب له، فتترصده العقوبات حد الموت. بينما على الاتجاه الثاني، فإن القوانين والأنظمة كتاب مفتوح للمراجعة والتعديل باستمرار لا لأجل قدسية ولي الأمر بل لتحقيق العدالة.

7- ربما هدف الشريعة من ختم التشريع إعادة مسؤوليته للإنسان، وفق مقتضيات الحكم وعلى أساس مبادئ وقيم أخلاقية وإنسانية. واكتفت بتشريع مجموعة أحكام، ولم تجعل لأحد ولاية تشريعية، كي لا تستغل وتوظف، كما فعل الفقه السلطاني.

8- إن تأكيد السيد الصدر على شرعية وإسلامية جميع وجهات النظر على صعيد المذهب الاقتصادي دليل على عدم وجود مذهب اقتصادي ناجز، وإنما تنظيرات فكرية وفقهية لذا لا يمكنه سوى قبولها جميعا وإمضائها، يقول بهذا الصدد: (.. ووجود صور عديدة له، كلها شرعي وكلها إسلامي، ومن الممكن حينئذٍ أن نتخير في مجال أقوى العناصر التي نجدها في تلك الصور، وأقدرها على معالجة مشاكل الحياة وتحقيق الأهداف العيا للإسلام)، (المصدر السابق، ص416)

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi14خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

ماجد الغرباوي:

المقدمة السابعة: إن أحكام الشريعة (قرابة خمسمئة آية، تزيد أو تنقص)، لا تغطي حاجة الواقع، حتى مع إضافة السنّة النبوية التي تولت بيان وتفصيل بعض آيات الأحكام. مما يؤكد عدم صدق قاعدة: "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم". التي تفتقر أساسا إلى نص قرآني يعززها، فربما هدف الخلق شيء آخر. أقصد عدم وجود أحكام مشرّعة باستثناء ما هو مشرّع فعلا في حدود آيات الأحكام. وما يريد تشريعه فقد شرّعه، وما زاد عليها لا دليل عليه، فتكون البراءتان العقلية والشرعية حاكمتان في المقام، لاقتصار التشريع على الله تعالى. إضافة إلى قلة الأحاديث الصحيحة التي تورث العلم واليقين، حسبنا شرطنا في حجية السنة. تقتصر وظيفتها على البيان والتفصيل. بينما الوقائع في وتيرة تصاعدية، يدل عليها أجوبة المسائل المستحدثة. وكلامنا عن مجتمع مسلم يجعل من الشريعة مصدرا وحيدا لتشريع الأنظمة والقوانين، كما حاولت بعض الدول المعاصرة، غير أنها أخفقت أمام محدوديتها، فاضطرت استبدل شرط مطابقة القوانين للشريعة إلى شرط عدم تعارضها مع الشريعة، والفرق جلي وواضح. وبالتالي نكون أمام خيارات لتغطية منقطة الفراغ التشريعي:

الأول: التوسل بالشريعة. وهو متعذر، لعدم قدرة النص على تلبية جميع حاجاتنا التشريعية. فضلا من احتمال عدم فعلية بعضها بفعل عدم فعلية موضوعاتها لانتفاء شرطها. أو بفعل القرآئن المتصلة والمنفصلة.

الثاني: احتكار الفقيه لسلطة التشريع في منطقة الفراغ التشريعي. فتفقد التشريعات صفة الثبات بل وحتى الموضوعية والاستقلالية، مادام رأي الفقيه رأيا اجتهاديا وحكما ظاهريا لا واقعيا، يتأثر بقبلياته وعقيدته واتجاهه السياسي والطائفي، ونبوغه وفقاهته وقدرته على توظيف أدواته المعرفية، فتختلف الفتوى من فقيه إلى آخر، ولازمه تغيير الأنظمة والقوانين تبعا لتغير فتوى الفقيه، فيختل النظام. ثم تصور فوضى التشريع مع تعدد المذاهب الفقهية، وتعدد الآراء في كل مذهب بل حتى في المذهب الواحد. ثم كيف نطمح بمجتمع حضاري وبعض فتاوى الفقهاء إقصائية، قمعية، ترفض الآخر، مهما كان داخليا، بل حتى لو كان من مذهب واحد، وماذا نفعل مع فقيه يفرض ولايته ووصاياه ويصادر عقلك وإرادتك؟. إننا لا نتحدث عن تشريعات عبادية محدودة بل نتكلم عن الضرورة التشريعية لجميع مناحي الحياة على صعيدي السلطة والمجتمع. وهذا فوق دور الفقيه الذي اقتصر على تطبيق كبرى الأحكام على صغرياتها، والاستعانة بقواعد أصولية لتحديد الوظيفة العملية عند الشك؟.

الثالث: تصدي الخبراء الدستوريين والقانونيين لتغطية منطقة الفراغ التشريعي وفق مقتضيات الحكمة القائمة على مبادئ التشريع، ثم تصديقها من قبل مجالس نيابية نيابة عن الشعب، فتكتسب شرعيتها من كليهما، من مبادئ التشريع والمجالس النيابية: وهو ما تقصده فرضية "مقتضيات الحكمة في التشريع". وهذا ما نسعى له بديلا عقلائيا، يستجيب لحاجاتنا التشريعية دون تفريط بقيم ومبادئ التشريع السماوي. فيستدعي أمرين: إثبات وحدة المبادئ رغم تعدد التشريع. وإثبات وحدة المبادئ بين السماوي والأرضي. وسيأتي بيان الإشكالات وجوابها.

المقدمة الثامنة: التمييز بين شرط مطابقة الحكم الوضعي للشريعة الإسلامية، وشرط عدم تعارضه معها. الأول يفرض علينا التوسل بالأدلة واجتهاد الفقيه لاضفاء صفة شرعية على الحكم، وقد نضع مقدراتنا تحت وصاياه طوعا، كما بالنسبة لولاية الفقيه. بينما يكتفي الثاني بعدم معارضة الحكم لثوابت الشريعة في مجتمع مسلم يروم تطبيقها. فتتولى الجهات القانونية عملية تشريع القوانين مع مراعاة ثوابت الشريعة، شريطة أن يكون حكمها صريحا، كحرمة قتل النفس المحرمة. فأي تشريع يبيح سفك الدماء بلا ذنب يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية. ولا يعد الحكم من ثوابت الشريعة إذا ملتبسا. كما بالنسبة للحرمة الربا، حيث هناك جدل عن مفهومه وحدوده، وهل يصدق فعلا على العمليات البنكية الآن أم لا، تدخل في باب آخر؟. وهل مجرد الربا مهما كان مستواه حرام أما أذا كان أضعافا مضاعفة؟.

المقدمة التاسعة: هناك ملاكات (مصالح أو مفاسد) وراء تشريع الأحكام، يعتقد اتجاه العبودية بتعذر اكتشافها، فيكون الحكم تعبديا مطلقا. بينما يذهب اتجاه الخلافة الإنسانية بإمكانية ذلك، وقد اقترحت مقاصد الجعل، معيارا لذلك. تقدم الحديث عن الموضوع أكثر من مرة، يمكن مراجعة كتاب الفقيه والعقل التراثي. وإذا كانت ثمة ملاكات وراء تشريع الأحكام فلازمه وجود مبادئ وقيم وفقها تحدد ملاكاته، ودرجة إلزامها. وتلك المبادئ هذ التي تعنينا، وقد تمكنا من إحصائها من خلال آيات الكتاب، وهي: العدالة وعدم الظلم، السعة والرحمة، والمساواة، ومراعاة الواقع الموضوعي. فيدخل ضمنها إحقاق الحق ضمن مركزية العدالة. بمعنى أدق، إن معايير ملاكات التشريع ترتهن لمبادئه وإطاره الأخلاقي.

المقدمة العاشرة: يجب الأخذ بنظر الاعتبار مفهوم الوحي والنبوة. وقد سبق الحديث عنهما بشكل أولي لا يتعدى التعريف دون التفصيل. ولاريب نستبعد إنكار الوحي والنبوة، كما نستبعد أن القرآن وحي معنى ولفظا. فيبقى خياران، الأول: اقتصار الوحي على المعنى دون اللفظ، الذي هو تعبير بشري عن المعنى، يتأثر بشرطه التاريخي وضروراته التاريخية. والثاني: الوحي كتجربة دينية عميقة، فيكون الوحي جزءا منها. ولا نزيد أكثر هنا، تفاديا لأي التباس.

بين التأسيس والتجديد

إن مجموع المقدمات أعلاه تكشف بشكل ما عن وجود قانون ومبادئ وراء تشريع الأحكام، يمكن إداركها من خلال فقه الشريعة، فيكون تشريعها وفقا لمقتضيات الحكمة. وهذا يشجع على طرح منهج جديد لملء منقطة الفراغ التشريعي، بعيدا عن احتكار سلطة التشريع من قبل الفقيه، وتبعياتها ارتهان التشريع لمعتقداته وأيديولوجيته ومصالحه السياسية والطائفية ومنهجه في استباط الحكم الشرعي ومستوى وعيه للواقع وضروراته. فثمة جدوى وراء طرح منهج جديد يستمد فيه الحكم شرعيته من مبادئ التشريع لا من قداسة النص بمعناه التراثي الذي يضرب سياجا دوغمائيا، يقدم فيه الفقيه قيم العبودية على القيم الإنسانية والأخلاقية، ويرتهن إرادة الفرد لولايته وقيمومته، ويضع الأحكام في تعارض مع القيم الأخلاقية، وهو محور البحث. وعندما يستمد الحكم شرعيته من مبادئ التشريع، سيعيد للعقل مكانته، بعد تحرير الوعي من ترسبات العبودية التي هي أحد أهم أسباب التخلف الحضاري. وهو منهج نسعى لبلورته في ضوء مقدمات الحكمة بدلا من احتكار الاستنباط للنص وللفقيه، ضمن فرضية تقدم بيانها: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية معطى نهائيا، بل أن تشريعها يجري وفقا لمتطلبات الواقع ومقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي يمكن للعقل إدراكها، وتحديد فعليتها، وتوظيفها لملء منطقة الفراغ التشريعي، في إطار أخلاقي، بعيدا عن وصايا الفقهاء).

كما  اتضح من خلال المقدمات أعلاه،  معالم اتجاهين متقاطعين، حول نظرة الإنسان للعالم. وبينهما اختلاف جذري حول فلسفة الأحكام وطريقة تلقي النص الديني، هو ذات الاختلاف بين اتجاهي العبودية وخلافة الإنسان حول مفهوم الدين ودور الإنسان في الحياة. فالمهمة بالنسبة لنا، تأسيسية لا توفيقية. بعيدا عن جهود التسوية أو ما يصطلح عليه التجديد في الدين، وهو ما بينته ضمن منهج التأصيل العقلي في مقابل خمسة اتجاهات تسعى لتشخيص أسباب التخلف الحضاري وموقف الفكر الديني منه (يراجع كتاب الفقيه والعقل التراثي، ص61). حيث يرى اتجاه التأصيل العقلي وجود خلل في فهم النسق العقدي بدءا من مفهوم الخالقية إلى مفهوم الإنسان، مرورا بمفهومي النبوة والوحي، ولوازمهما الدلالية، والأهم دور العقل في ملء منطقة الفراغ التشريعي، هل يقتصر على ما يدركه من قضايا يمكن استنباط حكم شرعي منها كمقدمة: "إيجاب الشيء يستلزم إيجاب مقدمته"، أم يمكنه إدراك مبادئ التشريع واستنباط أحكام شرعية وفق مقتضيات الحكمة؟. في الحالة الأول لا يتعدى دور العقل حدود الاستنباط وفق قاعدة عقلية، كاستنباط وجوب مقدمات الحج وتهيئة مستلزماته القانونية كمقدمة لأداء فريضته. بينما ينأى الاتجاه الثاني عن النص مكتفيا بمادئ تشريع الأحكام في ملء منقطة الفراغ. وبشكل أدق، الأحكام المشرّعة فعلا، يقتصر دور العقل فيها على تطبيق كليات الأحكام على مصاديقها، وتحري فعلية موضوعاتها للتأكد من فعليتها في ضوء واقع موضوعي مختلف. وهي عملية منضبطة وفق مبادئ وأصول ومبررات موضوعية، تتطلب إدراك مقاصدها وغاياتها، ورصد ملاكات الأحكام التي تتحكم بفعليتها أو عدمها. فالعملية لا تخضع لأهواء الفقيه، أو تسويات تلفيقية للتخلص من تحديات الآخر. ولا تستجيب للمؤثرات الأيديولوجية والمصالح الشخصية. بل هناك ملاكات من المصالح والمفاسد وراء الأحكام أو ما يسمى في التراث بـ"علل الأحكام"، التي اختصت بها بعض الكتب، ككتاب علل الشرايع للشيخ الصدوق وكتب أخرى متعددة. فإذا ثبت أن فعلية الحكم الشرعي تتأثر بفعلية موضوعه، حينئذٍ سنعيد النظر في جملة أحكام بسبب تحولات الواقع. وعليه فثمة مبادئ نرتكز لها للتعرّف على ملاكات الأحكام، ومدى بقاء فعلية موضوعاتها. (أنظر كتاب: الفقيه والعقل التراثي، ص69).

لقد سبق الحديث عن فلسفة الأحكام في ضوء اتجاهي العبودية والخلافة الإنسانية مفصلا في كتاب الفقيه والعقل التراثي، فكان أهم ما تناوله البحث من عناوين: (الفقيه ومنطق العبودية    ، فلسفة الحكم الشرعي، منطق العبودية ، صورة الإله، ملاكات التشريع، الفقيه ومنطق الخلافة، مهام الرسالة قرآنيا، الحرية قدر الإنسان، ثقافة الفرد، الأحكام الاعتقادية، العقيدة والإيمان، العقيدة والضابطة القرآنية، العقيدة والمعجزات، تجديد مناهج التوثيق، مصداقية علوم الحديث، مناهج التوثيق، اتجاهات التجديد: اتجاهات الإصلاح، اتجاه "سلفي"، اتجاه "إصلاحي"، اتجاه "سياسي"، اتجاه "تجديدي"، اتجاه "تنظيري"، منهج التأصيل العقلي، اتجاه "التأصيل العقلي، الواقع وفهم النص، المنهج في فقه الشريعة، مقاربة أصولية، مقاصد الشريعة، مبادئ التشريع، مركزية العدل، السعة والرحمة، الواقع الموضوعي، مقتضيات الحكمة في التشريع، ملاكات الأحكام، مبادئ الأحكام الشرعية، مرتكزات مبادئ الحكم، مقتضيات الحكمة، مقاصد مرحلة الجعل الشرعي، الحِكمة ومقاصد الجعل الشرعي).

فكانت بحوث كتاب الفقيه والعقل التراثي تمهيدا لوضع منهج جديد في مقابل منهج استباط الأحكام الشرعية السائد لدى الفقهاء، يرتكز لمبادئ التشريع وفق منهج التأصيل العقلي القائم على مقتضيات الحكمة. حيث نفترض أن التشريع كأي تشريع:

إما أن يصدر مراعاة لمصالح المشرع، فتكون مصالحه تمام ملاكات أوامره ونواهيه، كما بالنسبة للأنظمة المستبدة التي تشرع أحيانا وفقا لمصالحها وحفظ سلطتها، فتشرع لقمع الآخر، وإقصاء المختلف، واستباحة الدماء، وتحليل الأعراض، ونهب الثروات برعاية الفقه السلطاني، كما بالنسبة للأحكام السلطانية التي تستميت في الدفاع عن سلطة الخليفة والمستبد رغم تجاوزات جملة أحكام للقيم الأخلاقية.

أو يقوم التشريع وفق مبادئ وقيم أخلاقية، فتصدر وفق مقتضيات الحكمة. لا فرق بين المشرع الديني والوضعي.

والله غني عن العباد، خلق الإنسان ليكون خليفة، يستقل بعقله وحريته وإرادته في إعمار الأرض، ومواصلة سير الرسالة الإنسانية، فنستبعد هذا الاحتمال. وتقدم أن فقه الشريعة يعتبر ملاكات الأحكام أساس جعلها. وكل تشريع في صلاح المجتمع وضبط سلوك الناس، منعا للجريمة والظلم والاستبداد، ومراعاة لأمن الناس ومصالحهم العليا، يعد حكما مستوفيا لشروطه، وشرعيته. بهذا يختلف اتجاه فقه الشريعة ومنهج التأصيل العقلي عن اتجاه العبودية حول ملاكات الأحكام كمحرك لتشريعها. والفرق أن الاتجاه العقلي يرتهن شرعية الحكم ووجوب طاعته لملاكاته المأخوذة في مرحلة جعله وتشريعه، من مصالح ومفاسد وإن كانت مجهولة لنا. فعندما شرع العبادات مثلا، فهناك ملاكات وراء تشريعها، تصب في صالح الفرد والمجتمع، وهذا ما يقوم به كل مشرع. والأحكام الشرعية أولى مادامت تصدر عن الله المحيط بكل شيء والغني عن كل شيء. فيكون الإنسان ومصالحه محور التشريع. بينما لا يشترط اتجاه العبودية وجود ملاكات، والأصل عنده هو اختبار عبودية العبد ومدى طاعته، مادام الإنسان مخلوقا للفتنة وللعبادة: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، فقد يكون تمام ملاكاتها في جعلها، لا وجود مصلحة غيرها. ويُمثل لذلك للأب عندما يطلب ماء من ولده. تارة يكون عطشانا، يقصد الماء ليسد رمقه، فلا خصوصية لولده، وسيشرب الماء من أي شخص استجاب له. وأخرى يقصد اختبار طاعة ولده، فلا يقبل شرب الماء إلا من يده. ويعاقبه على عصيانه.

ولا يمكن فصل منهج فقه الشريعة وفق مقتضيات الحكمة عن منهج التأصيل العقلي، الذي يقدم رؤية كونية مغايرة للعالم، في ضوئها نفهم دور الدين في الحياة، وما هي حدود النص. وهو منهج يعمل على مستويين، تفكيك اللامعقول الديني الذي تقوم عليه المقولات العقدية والكلامية، وبناء معرفة تتأسس على الدليل والبرهان ومرجعية العقل، والأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان، ومقاصد التشريع، وفهم مختلف للدين. وكان المبرر لاعتماد هذا المنهج دون سواه من المناهج الآخرى، حجم اللامعقول في نسق المقولات العقدية التي تتحكم بمسار التفكير الديني من جهة، وقداسة المعرفة الدينية رغم نسبيتها من جهة ثانية. وتعني النسبية هنا، تأثّر فهم النص بقبليات المتلقي وخلفياته وثقافته وأيديولوجيته ومختلف مصالحه الشخصية والسياسية. وبما أن التأصيل عملية نقد وبناء فتزحف لزعزعة بنية تلك المقولات، ثم بناء معرفة جديدة تقوم على الدليل والبرهان. (أنظر: المصدر السابق، ص 61). بهذا يتضح ثمة اختلاف عقدي بين اتجاهي العبودية واتجاه خلافة الإنسان أو الاتجاه العقلي، يتجلى من خلال بعض المقولات الكلامية كالعصمة والإمامة وعدالة الصحابة ومعنى القداسة. بعضها تكون المغايرة جذرية، بين ثبوت وعدم ثبوت العصمة مثلا، وحجم ما يترتب عليها من آثار ينعكس خاصة على تشريع الأحكام الشرعية. فلا نجانب الصواب عندما قلنا إنه منهج يزعزع ثوابت المدارس الفقهية عبر التاريخ، ويتقاطع مع الرأي السائد.

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi13خاص بالمثقف: الحلقة السابعة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

مقارنة بين اتجاهين

ماجد الغرباوي: تقدم أن فرضية "متقضيات الحكمة في التشريع" تنتمي لنسق عقدي مغاير في نظرته للأحكام الشرعية. وتنتسب لفهم جديد للدين: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية معطى نهائيا، بل أن تشريعها يجري وفقا لمتطلبات الواقع ومقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي يمكن للعقل إدراكها، وتحديد فعليتها، وتوظيفها لملء منطقة الفراغ التشريعي، في إطار أخلاقي، بعيدا عن وصايا الفقهاء). وهو مضمون استفزازي، يزعزع ثوابت المدارس الفقهية عبر التاريخ، ويتقاطع مع الرأي السائد. ولا بد أن يكون كذلك من أجل رؤية جديدة للدين والإنسان. إذ طالما ارتهنت النهضة الحضارية إلى نقد النسق العقدي المتداول، وتقديم فهم جديد للدين يأخذ بنظر الاعتبار دور الإنسان في الحياة. ويمكن تلخيص الرأي التراثي والفقهي حول الأحكام الشرعية كما يلي:

أولاً: الأحكام الشرعية وحي ومعطى نهائي من الله، سابقة على نزول النص. (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ). إذ يدل فعل "أنزل" على النزول دفعة واحدة، وهو الأنسب مع نزول التوراة والإنجيل اللتين نزلتا دفعة واحدة، كما ذهب لذلك المفسرون. وهذا يكفي دليلا على سبق التشريع. بينما عبّر بالفعل "نزَّل" لنزول القرآن متفرقا حسب الحوادث والوقائع: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ). و"التنزُّل" أيضاً يأتي بمعنى النزول التدريجي. وهناك روايات تؤكد نزول القرآن دفعة واحدة في شهر رمضان، ثم نزل منجما: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ). وظاهرها كما يرى الرأي السائد سبق تشريع الأحكام قبل نزولها. ولا ينفي نزول القرآن منجما نزوله دفعة واحدة. وسبق أن طالبت بتعريف جديد لمفهوم "القرآن"، من خلال آيات الكتاب. لنعرف ما هو القرآن الذي كان محفوظا في اللوح المحفوظ، هل كل ما بين الدفتين من الكتاب الكريم، أم المقصود بالقرآن المحفوظ روحه ومبادئه وخطوطه العريضة؟. وهناك من يؤكد من المفسرين أن نزول القرآن دفعة واحدة، هو نزول روح ومعالم القرآن. أي مبادئه وقيمه، التي في ضوئها تنزل الآيات. وهو ما أكدت وما زال الحديث حوله، أن الأحكام الشرعية تشرع وفق مبادئ الحق والقيم الأخلاقية. فالأحكام كما تذهب الفرضية: "ليست معطى نهائيا"، وليست صياغتها سابقة على نزولها، بل السابق هو مبادؤها. فيبدو التعارض بينهما مستقرا. ولا يخفى ما يترتب على كلا القولين من آثار.

ثانياً: أحكام الشريعة الإسلامية تعبدية، لا تخضع للاجتهاد مادامت نصاً في مؤداها. (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، مما يضفي قدسية، ترتفع بها الأحكام فوق التأويل والبحث عن علتها. فتبقى وظيفة شرعية ينبغي الالتزام بها، غير قابلة لمراجعة فعليتها. بل هو متعذر مع خفاء علة الحكم. بينما يمكن مراجعة الأحكام الشرعية بحثا عن تاريخا وفلسفتها ودوافع تشريعها وفقا للفرضية.

ثالثاً: الأحكام الشرعية مطلقة أزمانا وأحوالا، بعيدا عن الواقع وضروراته. و"حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة". وقد استدلوا على إطلاق الآيات بأدلة تبحث عادة في أصول الفقه، كقرينة الحكمة. فعندما يقول أكرم الفقير ولم يخص فقيرا بعينه، فمراده مطلق الفقير، مادام القائل في مقام بيان مراده. ويسقط الواجب بإكرام أي فقير بغض النظر عن خصوصيته. بينما الحكم في الفرضية مرتهن لفعلية وعدم فعلية موضوعه. كما أن مفهوم الإطلاق هو الآخر يستدعي نقده وبيان حدوده وشرعيته، وسنعرف أن الواقع سيكون قرينة على فعليته وعدمها.

رابعاً: لا اجتهاد مقابل النص في الأحكام الشرعية. مادام النص صرحيا في مورده. تقتصر مهمتنا على تطبيقه والالتزام به، وتقتصر مهمة الفقيه على بيان مصاديقه. أو تطبيق كبرى الأحكام على مصاديقها. ولا ريب فيه، غير أن تنصيص الحكم لا يمنع من تدبره، والكشف عن دلالاته، وما هي شروطه التي يحيل فيها الحكم على قرائن ضمنية. ففرق بين الاجتهاد مقابل النص، وفهم النص بمعنى فقه النص وتدبره. والثاني متاح بل واجب الفقيه فقه النص وتدبره.

خامساً: لا طريق لمعرفة علل الأحكام، ما لم يُصرّح بها بقرينة متصلة أو منفصلة. فأحكام الإرث مثلا، تبقى ثابتة مهما تغيرت الأحوال، مادمنا نجهل علة جعل حظ الذكر مثل حظ الأنثيين. وما يقال عن المرأة وأنها مكفولة لا تحتاج للإرث كحاجة الذكر مجرد تخمين، أو حكمة من حِكَم التشريع، وإلا قد تكون العلة أبعد من هذا، فكيف نحكم بعدم فعلية الحكم لمجرد تغير الظروف الزمانية والمكانية. فلعل الشارع يريد تحديد ملكية المرأة وهامش حريتها. أو ليضمن بسقف منخفض من الإرث عدم تمردها وطاعتها لزوجها، خاصة مع وجود منطق ذكوري يحتقرها، ويسعى لتهميشها دائما. وأيضا باقي الأحكام الشرعية. لا فرق بين حكم وآخر. بيد أني بينت مفصلا في كتاب الفقيه والعقل التراثي، إمكانية اكتشاف ملاكات الأحكام. سيما مع تعذرها، واقترحت مقاصد الجعل الشرعي دليلا للكشف عن آثارها.

سادسا: يحرم مخالفة الشريعة. وأحكامها ملزمة لكل من توفرت فيه شروط التكليف: "البلوغ والعقل والقدرة على إتيان الفعل". ولا يجوز الاحتكام لغيرها. سواء كانت أحكاما تكليفية (وجوب، استحباب، حرمة، كراهية، إباحة)، أو أحكاما وضعية، لا فرق في ذلك، مادام الحكم فعليا: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِ‌يعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ‌ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).

- (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْ‌هُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ إِلَيْكَ).

- (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ).

- (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُ‌دُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّ‌سُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ‌ ذَٰلِكَ خَيْرٌ‌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).

- (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ).

- (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ).

- (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

- (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

- (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا).

وتترتب على الإلتزام وعدم الالتزام بها أحكام جزائية، ثوابا وعقابا. دنيوية أو أخروية أو كلاهما.

سابعاً: الشريعة الإسلامية (القرآن والسنة) مصدر وحيد لتشريع الأحكام: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، يجب الالتزام بها. ويستدلون لقولهم هذا بجميع الآيات المذكورة في المقدمة السادسة.

ثامناً: شمول الشريعة لجميع مناحي الحياة: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)، (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ). لكن تقدم أن أحكام الشريعة محدودة لا تكفي لجميع وقائع الحياة، لذا اضطر المسلمون للاجتهاد، للتوفر على أحكام جديدة ولو بقدر الأصول العملية التي تحدد الموقف الشرعي من الحكم المشكوك. والقياس والاستحسان كلا حسب مبناه. وهي قواعد تم بناؤها لتدارك نقص الأدلة اللفظية التي هي عمدة الأدلة على تشريع الأحكام. لكن فائض الوقائع اضطرهم للأصول والقواعد العملية. ويكفي هذا دليلا على عدم شمول الشريعة، وعدم خضوعها لرغبة الفقيه. وهذا يدعونا لفهم الآيتين المتقدمة لمعرفة ما هو المراد بهما؟. لا ريب أن المراد (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)، في خصوصه، وضمن اختصاصه، وإلا فجميع الموضوعات باستثناء موضوعات الكتاب لم تذكر فيه. (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ)، وأيضا فإن المراد بالآية تبيان ما يخص الدين من أحكام وعقائد، وليس تبيان كل ما في الحياة. ولم يكن مقصودا، وفيه مصادرة لعقل الإنسان الذي هو رهان كل شيء.

ولازم شمولها وفقا لدعوى الفقهاء، عدم جواز التشريع خارجها. ومن باب أولى عدم شرعية القوانين والأنظمة الوضعية. وهذا الشرط قد أحرج المشرعين في الدول التي اتخذت من الشريعة مصدرا وحيدا للتشريع. فاضطروا كما في إيران استبدال مادة دستورية من: "يجب مطابقة اللوائح والقوانين والأنظمة مع الشريعىة الإسلامية" إلى "عدم تعارض اللوائح والقوانين والأنظمة مع الشريعة الإسلامية". والفارق كبير جدا. وهذا مبرر دعواتنا المستمرة للموضوعية والكف عن الشعارات الرنانة، خاصة شعارات الحركات الإسلامية التي ترفع القرآن هو الحل. أو الإسلام هو الحل لشمولها جميع مناحي الحياة.

مقارنة وبيان

بهذا بات واضحا وفقا للآيات أعلاه التعارض بين فرضية مقتضيات الحكمة في التشريع والرأي المتداول عن الأحكام الشرعية الذي يستدل لرأيه بهذه الآيات وغيرها من أحاديث نبوية. وعلى الفرضية الإجابة على هذه الإشكالات كشرط لصدقها. فكيف يمكن التوفيق بين دعوى الفرضية والرأي المتداول؟. وهنا، ثمة مقدمات يتوقف عليها تحري التعارض بين فرضية "مقتضيات الحكمة في التشريع" ورأي الفقهاء، هي:

المقدمة الأولى: إن فرضية "مقتضيات الحكمة في التشريع" لا تنفي الوحي ولا تشكك في قدسية النص، وتبقى الأحكام الشرعية أحكاما إلهية بغض النظر عن طبيعة الوحي وكيفية تبليغها. ونقطة الخلاف حول فهم منطلقات ومبادئ التشريع. هل الأحكام معطى نهائي نجهل مبادئه وطريقة تشريعه، يقتصر واجبنا على التزامها وتطبيقها دون البحث عن عللها، أم أنها تجري وفق منطق الحق ومبادئ أخلاقية، تسمح بتشريع أحكاما مماثلة لها في منطقة الفراغ التشريعي؟

المقدمة الثانية: إن مفهوم القداسة تعني خصوبة النص وثرائه وعمقه وإمكانية كبيرة للتأويل للبحث في أعماقه، والكشف عن مضمراته، وما يريد قوله أو يستبعده، مادام النص وليس الوحي منتجا ثقافيا، موجها لنا ولعقولنا لمعرفة دلالاته والالتزام بتعاليمه. وأما التعبد المحض فيلغي إرادة الفرد، ويتنافى مع الاختيار الذي هو شرط مسؤولية المكلف عن أعماله. أما معنى القداسة في الرأي المتداول فتعني دوغمائية مطلقة، وجمود على حرفية النص. فالفارق في فهم معنى القداسة هو ذات الفارق بين اتجاه العبودية واتجاه خلافة الإنسان.

المقدمة الثالثة: لا يمكن استبعاد الواقع في فهم النص، ومعرفة مدى فعلية موضوع الحكم الذي ترتهن له فعليته. بل الحكم يخاطب الواقع ويضع حلولا له، لذا جاءت مجموعة كبيرة من الأحكام بعنوان: (ويسألونك ... ويستفتونك). الواقع يسأل والقرآن يجيب، حتى حذرهم القرآن من كثرة السؤال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ). فآيات الأحكام ناظرة للواقع وضروراته عند تشريعها، فكيف لا يؤخذ بنظر الاعتبار. بل ولازمه تغير الحكم بتغيّره أوبتغيّر موضوعه. ومثاله آيات القتال التي تدعو لمطاردة أهل الكتاب، فثمة خطاب سلفي يصّر على فعلية هذه الآيات حتى يوم القيامة. وبالفعل استباحت داعش والحركات الدينية المتطرفة دماء وأعراض وأموال الأقليات الدينية، كما في العراق وسوريا.

المقدمة الرابعة: نحن أيضا نؤمن أن "المورد لا يخصص الوارد"، غير أننا نرتهن فعلية النص لفعلية موضوعه، والمورد يشخص لنا شروط فعلية الموضوع، وهي نتيجة مهمة، تمثل لنا قاعدة أصولية: (ارتهان فعلية وعدم فعلية الحكم لفعلية وعدم فعلية موضوعه) يمكن بموجبها مراجعة فعلية الأحكام من خلال مراجعة فعلية الموضوعات دائما. وهذا دليل على عدم كونهامعطى نهائيا.

المقدمة الخامسة: التمييز بين القضايا الحقيقية والخارجية في موضوعات الأحكام الشرعية. الثانية تكون ناظرة لقضايا خارجية محدودة، ترتهن لها في فعليتها. ففرق بين قول القائل أكرم الفقراء، وهو يعني مطلق الفقراء، وبين قوله، أكرم هؤلاء الفقراء، فيختص الإكرام بهم دون غيرهم. الحكم الثاني، كما يقول الأصوليون مآخوذ على نحو القضية الخارجية. لا إطلاق للحكم خارجها. فآية السيف وفقا لرأي الفقهاء، ممن لا يشترط الحرابة في فعلية الحكم، مثلاً، تكون فعلية مطلقة في كل زمان ومكان: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). ولازمه إطلاقها، وعدم اختصاصها بمن حارب الله ورسوله من أهل الكتاب في واقعة معينة محددة. بل يشمل جميع أهل الكتاب بلا روية ولا رحمة، وهذا هو موقف الحركات الدينية المتطرفة من الآخر المختلف دينيا. وفي هذا ظلم عظيم، لا يرتضيه الله، ويتنافى مع القيم الدينية والإنسانية، خاصة مع وجود قرائن وأدلة منفصلة على إرادة بعض أهل الكتاب. تقول الآية التي تعارض قول الفقهاء، خصوصا الفقه السلفي: (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). غير أن الخطاب السلفي، الممالئ للسلطة وحروبها وموقفها الصارم من المعارضة، التف على جميع آيات الرحمة والمودة والتسامح بدعوى نسخها بآية السيف. فكانت ضحية النسخ تعطيل أكثر من 60 آية (راجع كتابي: التسامح ومنابع اللاتسامح). بينما يكفي الآية المتقدمة دليلا على إرادة خصوص مجموعة من أهل الكتاب حاربوا الله ورسوله ولم يستجيبوا لنداءات السلم، بل أوغلوا بالعداء والتآمر ضد الرسالة، وهو ما تحدثت عنه الآيات كمبررات لقتالهم، فهي لم تجعل من الحرب استراتيجية وأكدت على السلم، وأمرت بالاستجابة لكل بادرة سلم، ولو كانت محتملة: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). لست بصدد تبرير الحرب، وسأعود للموضوع في الوقت المناسب. غاية الأمر اتخذ من هذه الآيات دليلا على صدقية فرضية "مقتضيات الحكمة في التشريع" أن القداسة لا تعني الجمود على حرفية النص، بل مقتضى القداسة تحرير دلالات النص ومضمراته. فالقرآن يلقي بالنص لنا، وعلينا مسؤولية فهمه وعدم الاكتفاء بتفسيره، وهذا معنى قداسته. وبالتالي وهو المهم، سنكتشف من خلال تحري النص البمادئ الأخلاقية التي على أساسها تم تشريع الحكم.

المقدمة السادسة: الولاية التشريعية منحصرة بالله، ولم يجعلها لغيره بنص صريح، وما يقال عن حجية مطلق السيرة النبوية مجرد وجهات نظر وتأويلات لا تصمد أمام النقد الموضوعي. فلا دليل على حجية ما عدا الأحكام المنصوص عليها، باستثناء الأحاديث النبوية الشارحة والمبينة لها. فتقتصر حجية السنة النبوية على بيان وتفصيل ما له جذر قرآني، شريطة صحة الرواية، وهو ما نصت عليه الآيات حول وظيفة النبي: (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً).

تأتي باقي المقدمات في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi12 (1)خاص بالمثقف: الحلقة السادسة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

عقلنة التشريع

ماجد الغرباوي: يسعى البحث، وهو يتحرى صدقية التعارض بين الأحكام والأخلاق، لاختبار فرضية في طور التأسيس عن مبادئ تشريع الأحكام الشرعية، في سياق فهم جديد للدين يرتكز للعقل ومحورية الإنسان. والتأكيد على حريته وقدرته على الاختيار وفق مقتضيات الحكمة. بعد بلورت معنى جديد للقداسة. سبق أن مهدت لها بمجموعة بحوث يمكن مراجعتها في كتاب الفقيه والعقل التراثي. سيما الفوارق الأساسية بين تجاه العبودية واتجاه خلافة الإنسان، الذي يأخذ بنظر الاعتبار محورية الإنسان ومصالحه أولاً. وكذلك بحثا منهج التأصيل العقلي، ومقتضيات الحكمة في التشريع التي كانت محاولة جادة لاكتشاف ما أسميته هناك: مقاصد الجعل (وهي غير مقاصد الشريعة) لمعرفة ملاكات الحكم. (أنظر ص: 77 من الكتاب). وهنا سأتناول موضوع مقتضيات الحكمة في التشريع من أبعاد تتكامل مع ما تقدم تمهيدا لنظرية كاملة عن تشريع الأحكام، ندشن معها فهما جديدا، نحرر به الأحكام من سلطة فقهاء اتجاه العبودية، الذي يعتقد أن الحكم اختبار لمدى إلتزام العبد، ومدى تعبده. بينما النظرية الجديدة تسير وفق منهج منبثق عن رؤية فلسفية للحكم الشرعي، ووعي مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. وفهم علمي لآلية عمل مبادئ الحكم في مرحلة تشريعه، وطبيعة علاقتها بمقاصد التشريع في مرحلة جعل الحكم وفق مقتضيات الحِكمة. بهذا يمكن التخلص من رهاب القداسة وسطوة الفقهاء. واستعادة حرية الإنسان، ويرسيخ ثقته بنفسه وبعقله وقدرته على الاختيار وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي مرَّ ذكرها: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ). فالحكمة وفقا لهذا الآية متاحة، تستعدي مقدمات تمهد لبلوغها، وأولها أن يكون من أولي الألباب والعقل والتدبر والتأمل. بهذا فقط يمكننا التمرد على أسيجة القداسة بمعنى الدوغمائية والتعصب والجمود. لا طريق للنهوض إلا بتحرير الدين من سطوة القداسة واكتشاف المبادئ العقلية التي تقوم عليه أحكامه. فليست الأحكام بدعاً من نظم الخلق المرتهن للقوانين والأنظمة الصارمة. بل يسرد القرآن قائمة من السنن التاريخية والاجتماعية. وعلى هذا فإن الأحكام هي الأخرى يجرى تشريعها وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع.

الاتجاه العقلي في التشريع

مفاد الفرضية: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية معطى نهائيا، بل أن تشريعها يجري وفقا لمتطلبات الواقع ومقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي يمكن للعقل إدراكها، وتحديد فعليتها، وتوظيفها لملئ منطقة الفراغ التشريعي، في إطار أخلاقي، بعيدا عن وصايا الفقهاء). (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ). وهي فرضية في إطار فهم آخر للدين والوحي والنبوة والتشريع، يختلف عن النسق العقدي المتداول. وفي ضوء هذه الفرضية، يمكن للعقل اكتشاف تلك المبادئ وتحديد مدى فعلية الحكم في ضوئها. وسيكون الإنسان مخوّلا في تشريع ما يناسبه من أحكام لضبط حركة السلطة والمجتمع وفق مقتضيات الحكمة. كما يمكنه مراجعة الأحكام الشرعية لتحديد مدى فعليتها في ضوء الواقع الجديد وضروراته وما تقتضيه مقدمات الحكمة. وبشكل أوضح، ستكون مبادئ التشريع مبادئ مشتركة، مادامت مبادئ عقلائية تراعي مقتضيات الحكمة وضرورات الواقع. في ضوئها نحدد مدى فعلية الأحكام الشرعية، وعلى أساسها نشرّع لمنطقة الفراغ، بعيدا عن احتكار الفتوى من قبل الفقيه بل يكفي الخبرة والعدة المعرفية اللازمة لفقه النص واكتشاف شرط الواقع في تشريعه. فالعملية ليس منفلتة، بل تجري وفق فلسفة الحكم ومبادئه، لتحرير الدين من سطوة المقدس، والارتكاز للعقل في فهمه. فليس هناك معطى نهائيا في الأحكام الشرعية بل تجري وفق مبادئ التشريع التي مر ذكرها. وهنا أجد من المناسب استدعاء ما كتبته حول مقتضيات الحكمة في التشريع في كتاب الفقيه والعقل التراثي لتوضيح فكرة الفرضية أكثر:

[تقدم أن فعلية الأحكام الشرعية تتوقف على فعلية موضوعاتها، التي تتوقف هي الأخرى على فعلية جميع شروطه الزمكانية. وكانت الاستطاعة للحج مثالا واضحاً على ذلك. غير أن هذه القاعدة بهذه الصورة، رغم أهميتها، لا تجدي نفعا في ما نحن فيه. فالموضوع المشروط لا يكون فعليا إلا بفعلية شرطه، وأن الحكم لا يدعو لإيجاد موضوعه، كلاهما قضية متفق عليها. فالقاعدة تختص في موضوع الحكم الشرعي المشروط، كشرط الاستطاعة في فعلية وجوب الحج. واشتراط عدم السفر والمرض في وجوب الصوم. فكما أن فعلية الموضوع موجبة لفعلية الحكم ابتداء، فكذلك يسقط التكليف حينما تختل فعلية الموضوع بسبب اختلال أحد شروطه، كالصائم إذا قطع مسافة وسافر خارج مكان إقامته.

إلا أن هذه القاعدة عاجزة عن تحديد فعلية أو عدم فعلية موضوعات الأحكام المطلقة. فنحتاج لمنهج مختلف في فقه الشريعة، ندرس بموجبه تلك الموضوعات، للتأكد من فعليتها أو عدم فعليتها، كمقدمة لتطبيق قاعدة: "فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه". فهذا المنهج ينطلق من دراسة ملاكات الأحكام الأساسية لتحديد فعلية أو عدم فعلية الحكم، من خلال علاقتها بمبادئ الحكم ومرتكزاته. فثمة علاقة جدلية بين الواقع والأحكام الشرعية. بل أن الحكم ناظر للواقع في ملاكاته، وقد جاء لمعالجته وخدمة للإنسان ومصالحه، كما هو مقتضى منطق الخلافة، وليس الحكم اختبار لمدى إلتزامه وتعبده، كما يتصور منطق العبودية. فهو منهج منبثق عن رؤية فلسفية للحكم الشرعي، ووعي مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. وفهم علمي لآلية عمل مبادئ الحكم في مرحلة تشريعه، وطبيعة علاقتها بمقاصد التشريع في مرحلة جعل الحكم وفق مقتضيات الحِكمة.

لا شك أن فقه الشريعة بهذا المعنى عملية معقدة، تتطلب عمقا علميا وفلسفيا قادرا على إدراك مبادئ الأحكام، التكليفية والوضعية في مرحلة ثبوت الحكم، (وهذا قياسا على حياتنا، وكما يمارسه المشرّعون). حيث يحدد المشرّع ملاك الفعل أولا، فإذا أدرك وجود مصلحة فيه، تتكون لديه إرادة تتناسب معها، فيبرز إرادته من خلال خطاب في مرحلة الاثبات. غير أن هذا القدر من تشخيص مبادئ الحكم الشرعي لا يبيّن كيفية إدراك الملاكات، وما هي محددات إرادة المشرّع حينما يدرك وجود مصلحة أو مفسدة في الفعل، وهو ما نحتاجه في فقه الشريعة للتأكد من بقاء فعلية أو عدم فعلية بعض الأحكام الشرعية. والحقيقة أن إدراك المصالح والمفاسد في ملاكات الأحكام متعذر علينا، ما لم تكن مصرحا بها قرآنيا. وأما غير المصرح بها تبقى تخمينات لا يمكن الجزم بمطابقتها للواقع، لذا عمدت أمام هذا الانسداد المعرفي إلى تقصي مرتكزات تلك المبادئ، وفق مقتضيات الحكمة في عملية تشريع الأحكام، لتكون منطلقا لفهم آلية عمل المبادئ، ومن ثم تحديد فعلية الحكم. وقد أخذت بنظر الاعتبار أن المشرع هو الخالق المطلق، وما يتصف به من صفات الكمال والحكمة والعدل والإنصاف والرحمة، (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ). فكانت تلك المرتكزات ثلاثة: (مركزية العدالة، السعة والرحمة، المساواة)، في أفق الواقع وضروراته. وقد تم الاستدلال عليها قرآنيا وعقليا، كما تقدم بيانه. مما يسهل فهمَ محددات ملاكات الأحكام من مصالح ومفاسد. حتى وإن لم ندرك ذات المصلحة، لكن سنعلم أن إدراكها جرى وفق هذه المرتكزات ضمن معادلة حكيمة، متوازنة، راعت ملاكات الجعل الشرعي الأساسية، التي حصرتها بعنوانين: العدالة الاجتماعية، والتوازن الروحي والسلوكي. فيكون لدينا من خلالها مؤشر، يمكن الاستعانة به لتحديد بقاء أو عدم بقاء فعلية الحكم. فعندما تختل العدالة الاجتماعية نفهم أن معادلة عمل مرتكزات تلك المبادئ باتت غير صالحة للواقع الجديد، فنتحرى الحكم الملائم. ولكي نتعرّف على آلية عمل تلك المرتكزات وتحديد مقاصد الجعل التي تتحكم بها] (أنظر كتاب: الفقيه والعقل التراثي الصفحتان 77 و78)

مقتضيات الحكمة في التشريع

طالما أكدت في بحوثي على: ارتهان فعلية الحكم لفعلية موضوعه. بعد دراسة تاريخه وفلسفة تشريعه، بينما يتجاهلهما الفقيه، مادام الحكم بالنسبة له معطى نهائيا. يتعالى على تاريخيته وأسباب نزوله، و(المورد لا يخصص الوارد) في رأيه. بل يبقى مطلقا، ينطبق على مصاديقه الخارجية ضمن شروطه. ورغم تسليمه بمبدأ العلية إلا أنه يدعي استحالة اكتشافها كي تنتفي فعليته بانتفائها. ويعتقد أن كل ما يبدو علة قد يكون مجرد حكمة. غير أني أجبت على هذه الشبهة، وطرحت بدائل لمعرفة ملاكات الجعل، واسميتها بمقاصد الجعل، في مقابل مقاصد الشريعة. يراجع كتاب الفقيه والعقل التراثي. وبالتالي سأختبر مدى قدرة الفرضية على تفسير جملة من الأحكام والاجابة على جميع الأسئلة والاستفهامات، لتكون دليلا على صدقها. وهناك من يرى الأحكام تعبدا صرفا، لاختبار عبودية الإنسان، ومدى طاعته لله. فتكون المصلحة في ذات الجعل، لا في ملاكاته. وقد سبق مناقشة هذه الفكرة وردها. إذاً، نحن أمام مهمتين خلال البحث: اختبار الفرضية وتحري التعارض. لوجود ترابط بينهما.

نفترض أن مصدر شرعية الأحكام صدورها وفق (مقتضيات الحكمة) لا فرق بين الشريعة الإسلامية وغيرها. والحكمة تعني لغة وضع الشيء في محله. وشخص حكيم: يتدبر الأمور بعقلانية وروية: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). تارة تدل على الاصطفاء وليست لازمة له، كما بالنسبة للقمان: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ). لأنها مشترك إنساني، تشمل الأنبياء وغيرهم: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ). وقد تكون هبة إلهية كما بالنسبة لداود: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ). وبما أن مسؤولية الاصطفاء مسؤولية رسالية، فتستدعي حكمة الرمز المصطفى: (فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، (وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). فتكون الحكمة مرادفة للعقل والعقلانية وموازنة الأمور، وإعطاء كل ذي حق حقه، وأخذ الواقع بنظر الاعتبار بجميع تفصيلاته وضروراته دون تحيّز، ثم يتم تشريع الحكم وفق تلك المعطيات. وما يؤكد تشريع الأحكام وفق مقتضيات الحكمة أن هناك أحكاما شرعية يصرح القرآن بتشريعها وفقا لمقتضيات الحكمة كما في آيات (سورة الإسراء: 23 - 38):

[وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴿23﴾ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴿24﴾ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴿25﴾ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿26﴾ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴿27﴾ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا ﴿28﴾ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ﴿29﴾ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴿30﴾ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا ﴿31﴾ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ﴿32﴾ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴿33﴾ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴿34﴾ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴿35﴾ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴿36﴾ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ﴿37﴾ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴿38﴾ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ﴿39﴾....]. والآيات تشتمل على 22 حكما من أهم الأحكام، غير أن تشريعها جاء وفقا لمقتضيات الحكمة التي ترتكز على مبادئ التشريع: (مركزية العدالة وعدم الظلم، السعة والرحمة، والمساواة، في أفق الواقع الموضوعي وضروراته. وهي مبادئ التشريع الإسلامي.

وهناك آية أخرى تؤكد هذا الكلام حيث تقول: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ). وأفهم من سياقها الاشارة لتفصيل الأحكام المشرعة وفقا لمقتضيات الحكمة. ولا يراد بها القضاء فقط كما ذهبوا لذلك، وسيأتي في محله بيانها.

ولتوضح المسألة: إن وراء الأحكام الشرعية ملاكات ومصالح، تتوقف فعليتها على فعلية موضوعاتها الناظرة للواقع وحاجاته أساسا. وأن تشريعها قائم على مبادئ: (مركزية العدالة وعدم الظلم، السعة والرحمة، المساواة)، في أفق الواقع الموضوعي وضروراته، وفي إطار القيم الأخلاقية. فالأحكام ليست معطى نهائيا، يتعالى على منطق الحكمة، وعلى تاريخيتها، وضرورات الواقع، وإنما تشرع فوق مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع. فما كان منها فعليا آنذاك وفق ظرف محدد وواقع مشخص، قد لا تكون كذلك. وإذا كان هناك استثناء فيقف عند حدود الأحكام العبادية. لكن أيضا يمكن اكتشاف ملاكات جعلها، كما سيأتي وفقا لرؤية مغايرة عن الوحي. فالشريعة الإسلامية قامت على مقتضيات الحكمة، حتى مع تأكيد الكتاب على اختصاص التشريع بالله تعالى: (يسألونك ... يستفتونك)، (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ). أي أن المشرع الحكم هو سيد العقلاء، وشرع أحكامه وفق مقتضيات الحكمة، بشكل يدركها العقل البشري، مادام هو المخاطب بها. ولايمنع اتصافها بالقداسة تحري ملاكاتها وفعليتها مادامت مرتهنة للواقع وضروراته. إذ جميع الأحكام ناظرة للواقع، ويسألونك، ويستفتونك. فهي أسئلة منبثة من الواقع، والجواب ناظر للواقع. كما أن العرف القضائي كان سائدا وفقا لأحكامه العرفية، لكن هل كانت عادلة أم لا؟ فإن الشريعة حسمت الموقف باختيار ما هو عادل في نظرها من تلك الأحكام السائدة أو بعد تقويمها.

وكمثال توضيحي: قطع اليد بالنسبة للسارق. هل هو حكم ابتدائي غير مسبوق، أم كانت هناك أحكام عرفية فاختار الشارع أحدها وفق مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع؟. فإذا لم يكن مسبوقا بحكم عرفي، لا يمكننا اكتشاف مبرراته ومدى فعليته إلا من خلال مقاصد الجعل (أنظر كتاب: الفقيه والعقل التراثي). وما كان تشريعه وفقا لمقتضيات الحكمة، فإن نفس تلك المقتضيات والمبادئ ستحدد فعليته أو عدمها. ومن خلالها سنتحرى مدى تعارضه مع الأخلاق كما في هذا الحكم الذي يفرض قطع اليد. وتحري مبررات تجاوزه منطق العدالة. وتجدر الاشارة أن ثبوت التعارض لا يجعل منه حكما مبررا، لكن يمكن إعادة النظر في فعليته. كما بالنسبة لعقوبة قطع اليد.

وربما جميع الأحكام الشرعية في الكتاب الكريم، كانت مسبوقة بأحكام إما عرفية قَبلية أو أحكام أهل الكتاب، المنتشرة في الأوساط اليهودية والنصرانية، وكانت متاحة لعرب الجزيرة، وربما كانوا يدينون ببعضها. فمثلا أحكام الإرث التي استعرضها القرآن، قائمة على مقتضيات الحكمة. يمعنى أدق، ينظر المشرع الحكيم للوائح التشريعات آنذاك حول الإرث مثلا، ويختار وفق مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع: (مركزية العدالة وعدم الظلم، السعة والرحمة، المساواة، في أفق الواقع المضوعي وضروراته. أو يشرع غيرها وفقا لهذه المبادئ. فكان إرث الأنثى بشكل عام موجودا وله أحكام ضمن أحكام الإرث عندهم، غير ان المشرع الحكيم اختار ما يناسب الواقع وفق مبادئ التشريع. وكدليل لما نقول دقق النظر في الآيات التالية ستجد المشرع يجول في دائرة الأحكام السائدة آنذاك، يفندها ويقومها ويضيف لها كل ذلك وفق مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع وضرورات الواقع:

(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ﴿127﴾ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿128﴾ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿129﴾ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴿130﴾ وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا)

وعليه فهنا مساران ضمن البحث. تحرير صدقية التعارض بين الأحكام والأخلاق، واختبار فرضية تشريع الحكم الشرعي.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الظلم والجور

ماجد الغرباوي: مازال تعريف الظلم بحاجة إلى توضيح إضافة لما تقدم من تعريفات لغوية واصطلاحية لخطورة توظيفه عندما يفتقر للدقة المنطقية، رغم قبحه عقلاً. ولا أبالغ إذا وصفته مفهوما ملتبسا في مصاديقه، فقد يتصف سلوك ما بالظلم في مجتمع، لا يتصف به في مجتمع آخر. وقد يُعد الشخص متلبسا بالظلم ضمن أعراف مجتمع لا يكون كذلك في مجتمع مغاير. ويعززه أن الظلم منطقياً: مفهوم كلي مشكك / متفاوت، وليس متواطئا / متساويا. ولتوضيح الكلام:

المفهوم تارة يكون تجريديا غير منتزع من الخارج سوى صورة ذهنية، هي في حقيقتها تمثلات لانعدام المصاديق الخارجية، كمفهوم الملائكة. وتارة يكون منتزعا من الخارج. أي ينتزعه الذهن من مصاديق خارجية، فيكون المفهوم مرآة له. كمفهوم الإنسان. فإن الواضع شاهد زيداً وعمرواً وخالداً وانتزع منهم مفهوم الإنسان، لاشتراكهم بالإنسانية. فالإنسان مفهوم منتزع من مصاديقه الخارجية. ينطبق على كل فرد بالتساوي. ويسمى منطقيا (الكلي المتواطئ أو كلي متواطئ). والتواطؤ هو التوافق والتساوي. في مقابل (الكلي المشكك أو كلي مشكك). متفاوت، ومثاله: الصفات كالبياض والعدد والجمال، جيمعها يتفاوت من فرد لآخر. فالكلي المنطقي إما أن يكون متواطئا، ينطبق على جميع أفراده بالتساوي. أو يكون مشككا تتفاوت أفراده في الصفة المشتركة، كتفاوت البياض بين الثلج والقرطاس مثلا. وتفاوت العدد بين الواحد والألف وكلاهما عدد. فمفهوم العدد والبياض مفهوم كلي مشكك، متفاوت في نسبته. وهذا ينطبق على مفهوم الظلم. فهو متفاوت في درجاته وشدته، فيكون نسبيا، مثله مثل الضوء فإن ضوء الشمس أشد سطوعا من ضوء القمر وكلاهما يصدق عليه مفهوم الضوء.

والأجدى الاحتجاج بالقرآن لتحديده، لا كمصدر لغوي فقط بل لأنه المعني في هذا البحث أساسا، ومازلنا نتحرى صدقية تعارض جملة من آياته مع الأخلاق. وعندما نراجع الكتاب الكريم يظهر لنا بوضوح تفاوت مفهوم الظلم، فيصدق وفقا لبعض آيات الكتاب أنه مفهوم كلي مشكك أي متاوفت، كقوله:

- (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ومفهومه هناك تفاوت في مستويات الظلم، فكما هناك ظلم عظيم، هناك ظلم أقل وطأة.

- (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا)، (وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى). وصفة التفضيل واضحة، فهناك ظالم وهناك أظلم.

فالظلم صفة منتزعة من مصاديق خارجية، بدءا من النشأة الأولى، العائلة، عندما صدم السلوكُ العدواني للأب الطفلَ، وهو يشاهد أباه يقسو على أخيه أو أخته أو أمه أو ماشيته بلا ذنب. أو لمجرد زلة بسيطة، يمكنه تجاوزها. فانطبعت لديه صورة أولية عن الظلم. ومن خلال مشاهداته لحالات جديدة راح يتبلور مفهومه عبر صورة منتزعة عن مصاديقه الخارجية، بحيث تتداعى جميع مشاهداته عنه. ونؤكد أن تفاوت المفهوم لا يبرر الظلم، بل يبرر ما كان مبررا منه عرفا، وهو كل ظلم لم يقصد به الظلم والعدوان أساسا، كأن يكون من تداعيات العدالة، فإن إقامتها قد يتسبب ببعض الظلم، فلا يدخل في مفهومه، كما تقدم بيانه. وعليه تختلف الأحكام على مصاديقه الخارجية، فمن الظلم ما تشجبه الأخلاق وجميع القيم السماوية والأرضية، خاصة عندما يتحول إلى قهر واضطهاد واستغلال لضعف الإنسان وعجزه عن المطالبة بحقوقه. في مقابل حالات بسيطة يصدق عليها المفهوم بيد أن العقل العملي يتجاوزها إذا لم تكن مقصودة بذاتها.

وبالتالي ليست مشكلتنا مع المفهوم، فهو واضح. غير أن المشكلة في تشخيصه، ونحن نبحث عن معيار أدق، لتحري صفة الظلم في تضاعيف الآيات، سيما الآيات التي تحدد موقف المؤمن من الآخر.

نخلص، إن ما يبدو ظلما في أحكام القضاء (وهي جزء من الأحكام التشريعية) لا يدخل في مفهومه، شريطة أن يستمد شرعيته من عدالة القضاء. والزائد يعد ظلما وجورا. وعدالة القضاء تأتي من نزاهة الحاكم، وعدالة القوانين واللوائح القضائية، وهي مجموع التشريعات التي تقر وفق معايير، إما شرعية أو عرفية مقنعة، ممضاة من قبل العرف العام (قوانين العقوبات العامة)، أو ما تقرره الحكومة عقوبات رادعة، لحفظ الأمن والاستقرار والمصالح الكبرى، وحفظ حقوق المواطنين. فتخرج بالضرورة جميع القوانين والتشريعات التي تتخذ لمصالح شخصية. كما هو حال الدول الاستبدادية التي تمنح الحاكم الأعلى سلطات مفتوحة وتعاقب من يمس بها. وتشريعاتها القضائية ضد المعارضة السلمية، والتي تسلب الحريات وتصادر حقوق الناس. فجميعها يخرج عن مصاديق العدالة التي تدخل تحتها أحكام القضاء والعقوبات المرتكزة لمادة قانونية، ويبقى تحت مفهوم الظلم القبيح عقلا وعرفا.

ولا فرق بين القضاء المدني والعسكري والشرعي، فالجميع مطالب بالعدالة أو تتصف قراراتهم الجور والظلم والعدوان. والظلم عمل لا أخلاقي، يدينه العقل. وتشجبه القيم الإنسانية. وهذا يدفعنا للسؤال عن بعض الأحكام والخطابات القرآنية، سواء الدنيوية أو الأخروية. كيف يمكن تفسيرها من وجهة نظر أخلاقية، وهي تتجاوز مبادئ العدالة القرآنية ذاتها؟ وما هو المبرر الأخلاقي لها؟ وهل يمكن تشريع حكم يتعارض مع القيم الأخلاقية؟ أم أن الضرورات تبيح المحظورات حتى في بعدها الأخلاقي، كمن يكذب لأجل إنقاذ نفس بشرية؟. وسبق التأكيد أن الكذب يبقى عملا لا أخلاقيا مهما كانت مبرراته لكن للضرورات أحكامها، خاصة عندما يتعلق بها فعل أهم كإنقاذ شخص من الموت. وهو موضوع مهم جدا بالنسبة لنا، ينبغي بيانه.

العقوبات الإلهية

اشتمل الكتاب الكريم على مجموعة عقوبات ترتكز للعدالة والقيم الأخلاقية، لكن بعضها يستدعي تحري دواعيها، عندما تتجاوز حدود العدالة في نظرنا نحن البشر. وسبق الحديث عنها في كتاب تحرير الوعي الديني. ولا ريب أن جميع هذه الإشكالات لا ترد على من يعتقد قيام الأخلاق على الشريعة، فهي حسنة مادامت أمرا إلهيا. وترد على من يعتقد باستقلالها عنها. وهذه العقوبات هي:

أولاً- عقوبات دنيوية: على أقسام:

1- عقوبات جسدية، كقطع يد السارق: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا). والقصاص، كما ذكرت الآية المتقدمة.

2- غرامات مالية (نقدية أو ما يعادلها كتحرير رقبة) ومثالها، دية قتل الخطأ: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ).

3- عقوبات معنوية، كالتوبة، ووجوب الصوم لمن لا يجد دية القتل الخطأ: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).

4- عقوبات كونية: كالزلازل والأمطار والرياح: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ)،(فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ). وقد فصلت الكلام حول الظواهر الكونية وبيان حقيقتها في كتاب: تحرير الوعي الديني. وبينت أنها تجري وفقا للقوانين الكونية. وهي ليست أحكاما شرعية ولا يصدق عليها المفهوم.

ثانياً: عقوبات دنيوية وأخروية: كعقوبة قتل العمد: وهي القصاص في الدنيا، وعذاب الآخرة: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيم)، (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

ثالثاً: عقوبات أخروية: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

هذه هي أقسام العقوبات في القرآن، بعضها يسير وفقا لمبادئ العدل والانصاف التي أكدت الآيات، وبعضها عقوبات لا تنطبق عليها صفة العدل والانصاف ما لم ندرك ملاكاتها البعيدة، أو نستدل عليها من خلال دراسة أسباب النزول والظرف التاريخي، وما هي مبررات الحكم، خاصة الموقف من الآخر. أو الخلود بالنار، مهما كانت الجريمة، فهل هناك جريمة تستحق الخلود بالنار، مهما كانت خطورتها؟ أم ان لغة الدين تختلف عن اللغة العرفية، فثمة أهداف تقصدها لغة الدين تدور مدارها؟.

مفهوم العقوبة

يقصد بالعقوبة لغة: (عاقبَ يعاقب ، عِقابًا ومُعاقبةً وعقوبةً ، فهو مُعاقِب وعقيب ، والمفعول مُعاقَب – للمتعدِّي.. عاقب مُجرمًا بذنبه/ عاقبه على ذنبه: جزاه سوءًا بما صنع، أخذه به، انتقم عاقبه على خطئه. أنظر معجم المعاني أونلاين.. وفي المعجم الوسيط: تَعَرَّضَ لِعُقُوبَةٍ شَدِيدَةٍ:- : لِعِقَابٍ.. وفي مغني اللغة: جزاءُ فعل السُّوء، ما يلحق الإنسان من المحنة بعد الذَّنب في الدُّنيا : لكلّ ذنبٍ عقوبة، - عقوبة بدنيّة / جنائيّة.. وفي غريب القرآن: العقوبة والمعاقبة والعقاب يختص بالعذاب).

واصطلاحا العقوبات: إجراءات قانونية لمعاقبة كل من ارتكب جريمة أو اعتدى على حقوق الآخرين، أو تجاوز على الأنظمة والقوانين. ويراد بالعقوبة شرعا الردع عن الجريمة وليس الانتقام، فلا يتوقف تنفيذ العقوبة على ذات الوسائل المنصوص عليها قرآنيا، لأنها لم تكن هدفا للشريعة. وقد بحثت هذا مفصلا في كتاب: الفقيه والعقل التراثي، في موضوع العقوبات الجسدية. لذا فالعقوبة: (جزاء ينطوي على الإيلام أو الحرمان من حق الحياة أو الحرمان من الحرية أو الحرمان من مباشرة بعض الحقوق أو الحرمان من المال. أنظر: ويكيبيديا). ولما كان هدف القضاء إحقاق الحق وإقامة العدل والقسط بين الناس فإن هدف العقوبات: إرجاع الحق إلى أهله، ومعاقبة المسيء لقطع دابر الجريمة.

وعليه، نحن بصدد معرفة المبررات الأخلاقية للعقوبات التي تتعدى منطق العدالة. مع التأكيد على وجوب إحقاق الحق كمطلب أخلاقي وقانوني، وتعويض المجني عليه أو من يرثه / ولي الدم إن كان الجريمة قتلا. فالعدالة هي الأساس الأخلاقي لتنفيذ العقوبات، بعد تحديد مقدارها. لا خلاف بين القضاء الإسلامي وغيره في هذه النقطة بالذات سوى مقدارها. والعقوبات (الحدود والتعزيرات) من أساسيات التشريع الإسلامي أو الشريعة حيث مرت تقسيماتها. بيد أننا نقرأ عقوبات تتجاوز منطق العدالة ظاهرا، كيف يمكن تكييفها مع مبادئ العدالة؟. وهو اعتراض مشروع، يستدعي أولاً بيان مبادئ القضاء قرآنيا، لتكون معايير الشريعة معيارا لتحديد مستوى التجاوز. وهذا لا يمنع اعتماد معايير من خارج القرآن، لكنها ليست حجة عليه، فالاحتجاج بمعايير القرآن يمنح الاعتراض شرعية. فمثلا عندما تحرم الشريعة قتل النفس المحرمة، بما هي نفس بغض النظر عن انتمائها الديني والعرقي، فكيف يُستباح دم الآخر، كما جاء في آية السيف مثلاً؟.  

وهنا يمكن الاستشهاد بمجموعة آيات تتضح من خلالها مبادئ الحكم والقضاء في الإسلام، يمكن على أساسها تحديد مستوى الظلم في الأحكام إن كان هناك ظلم حقيقة فربما هناك سوء فهم لها أو لشروطها. وقد مرّت مبادئ التشريع الإسلامي التي هي: العدالة وعدم الظلم، السعة والرحمة، المساواة:

- (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). والآية واضحة تأمر بالعدل والإحسان وتنهى عن البغي الذي هو الاعتداء والتجاوز. وتؤكدها في مجال القضاء الآية التالية:

- (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا). والآية جاءت في سياق الحديث عن القضاء، ولا يستفاد منها الحكم بمفهومه الحديث، السلطة والحكم. والدليل بداية الآية: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ... )

- (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ). وتخصيص الحكم بما أنزل الله باعتباره ميزانا للعدالة وإحقاق الحق: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

- (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). وهذه أكثر دلالة، والقسط النصيب بالعدل.

- (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ). وهذا مبدأ إنساني عظيم، إذ أجازت الآية العقوبة بالمثل، بلا جور أو ظلم، بل وأكدت على العفو قدر الاستطاعة، فقد يؤثر في نفس الجاني أكثر من العقوبة، ويقلع عن الجريمة، فيكون العفو علاجا له، وهذا ما أكدته مرارا أن هدف العقوبات في الإسلام قطع دابر الجريمة وليس الانتقام، وهذه الآية شاهد في المقام. والآية التالية تؤكد العفو والتسامح والصلح بدلا من العقوبات:

- (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)

- (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). وهذه الآية تضع مقادير العقوبات على أساس العدل والانصاف.

- (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ). والآية خطاب لداود النبي، تحثه على التزام الحق في القضاء، في مقابل العقوبات الصادرة عن مزاج الحاكم او مداراة لجهة ما. فيكون الحق هو ميزان القضاء، ولا مجال لأي تدخل شخصي فيه. بل ينبغي للشاهد أيضا أن يشهد بالحق، دون مجاملة أو انحياز لأحد مهما كانت صلة القربى، كما جاء في هذه الآية:

- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ).

نخلص أن القضاء في الشريعة الإسلامية قائم على العدل والانصاف وإحقاق الحق، وفق موازين العقوبات المثبتة في الآيات الصريحة، هذا ما أكدته الآيات. ولسنا معنيين بالأمثلة التاريخية وسلوك الخلفاء وقضاة وفقهاء السلطة. ومهمتنا تقتصر على تحرير ذات الأحكام الشرعية الواردة في الشريعة. وعلى هذا الأساس ينبغي مقارنة العقوبات المطلقة الواردة في بعض الآيات. فنسأل عن مبررات أحكام آية السيف مثلا في ضوء الآيات المتقدمة، وهي آيات صريحة محكمة. وهنا نلتزم بذات المنطق القرآني برد المتشابه إلى المحكم من الآيات. فما وافق المحكمات من الآيات فهي أحكام قائمة على الحق، وما لم يتوافق مع مبادئ القضاء، يستدعي دراستها للبحث عن مبرراتها. هذا فضلا عن مبررات العقوبات الجسدية التي تناولتها بحثا من جميع الزوايا، في كتاب الفقيه والعقل التراثي.

لكن كيف نفهم باقي العقوبات، وما هي مبرراتها الأخلاقية:

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbaw10خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

مفهوم الظلم والأخلاق

ماجد الغرباوي: إن مقاربة إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق، تستدعي بالضرورة تحري الجذر الأخلاقي للأحكام الشرعية. لمعرفة علاقتها بالأخلاق أولاً. هل ثمة علاقة بينهما؟ أم أحكام الشريعة تنتمي لمنظومة قيم دينية مستقلة عن القيم الأخلاقية؟. كالنهي عن قتل النفس المحرمة مثلاً، هل هو نهي أخلاقي أم نهي ديني لا علاقة له بالأخلاق؟. أم نهي أخلاقي تطابقت معه أغراض الشريعة فنهت عنه؟. وإذا كان وراء كل حكم شرعي ملاكات ومصالح، وفقا لما يؤمن به الاتجاه الإنساني، فهل تمثّل القيم الأخلاقية إحدى مرجعياتها؟. وهذه نتيجة مهمة، من خلالها نكتشف علل الأحكام ودواعي تشريعها، وبيان شرعيتها، من خلال الأسئلة التالية:

أولاً: أية قيم أخلاقية يرتكز لها تشريع الحكم ما إذا كانت هناك علاقة بينهما؟ هل خصوص القيم الأصيلة، التي يمكن أن تكون مرجعية لتشريع أحكام أخرى؟ أم هي قيم مكتسبة نسبية، يرتهن لها الحكم في فعليته وعدمها؟. وهل ستنقلب القيم المكتسبة إلى قيم مطلقة حينما يرتكز لها حكم شرعي؟ وماذا عن مبدأ اختصاص التشريع بالله تعالى، وفقا لما تقرر سابقا؟ وهل يدفعنا هذا الرأي لمعرفة ما المراد من عبارة: "اختصاص التشريع بالله"؟ وهل لازم الاختصاص التشريع التفصيلي من قبل الله، أم يكفي تشريع المبادئ والكليات؟ وهل المباشرة شرط فيه: (ويسألونك ... الله يفتيكم)؟. وقد يجر النقاش إلى مفهوم الوحي والنبوة وقضايا غيرها.

ثانياً: هل الأوامر الشرعية التي تعالج الواقع وحاجاته، هي معطى نهائي، تقتصر فيه وظيفة الفقيه، والمؤمن الملتزم (المتدين) على الطاعة والتنفيذ أم أنها تشريعات وفق مقتضيات الحكمة عندما يواجه الحكيم / النبي مشكلة اجتماعية ترتبط بالفرد والمجتمع، وحينئذٍ سترتهن فعليتها للواقع وضروراته، باعتباره رأيا عقلانيا أو عقلائيا حكيما؟. وهذا لا يبرر نفي الوحي والنبوة، ولكن أطرح سؤالا لأول مرة، هل موضوع الوحي هو الكليات، ويترك للنبي التشريع بناء على مقتضيات الحكمة وضرورات الواقع؟ أم أن موضوع الوحي الجزئيات وتفصيلات الأحكام، ولازمه التنصيص على كل مسألة مسألة؟. ولو ثبت اختاص النبي بالتشريع بتخويل من الله، فهل نسبة الأحكام لله سيعتبر كذبا وافتراء على الله؟. أم ستكون النسبة صادقة دائما باعتبار الله هو العلة الأخيرة، ونسبة الشيء للعلة الأخيرة دون عللها الأولى لا يعد كذبا: (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا).

الرؤية أعلاه لا تنسجم مع اتجاه القداسة بمعنى الدوغمائية والجمود على حرفيته، وهو مبنى أصولي يقتصر فيه دور الفقيه على تفسيره واستنباط الأحكام من ظاهره. وقد يُختزل دور الفقيه حينما يرابط في دائرة التراث ويستغني عن العقل بالروايات والأحاديث. فيغدو مقلدا أكثر منه مجتهدا. بينما قداسة النص كما تقدم تعني خصوبته وأفقه التأويلي وثراءه، ولا تعني القداسة دوغمائيته والجمود على حرفيته. بل أن أحكامه ومضامينه كما يرى الاتجاه الثاني، خاضعة لسنن وقوانين وعلل يمكن اكتشافها، وتحديد درجة إلزامها. وهذا يفتح آفاقا واسعة لفقه النص، بما فيه النص الأخلاقي، حينما يستدعي دراسة سياقاته وتاريخه وأسباب صدوره ومبرراته. وعلى هذا الأساس طرحت الاستفهامات المتقدمة، وذلك في سياق سعيي لتقديم فهم مغاير للدين، يعيد للإنسان إنسانيته وحريته ومكانته. والكف عن التقليد والتسليم اللاواعي، الذي كثيرا ما يكون على حساب الإنسان، لكنه يرضخ له باعتباره أحكاما إلهية، وهي ليست كذلك دائما، بل أغلب ما نقرأه من أحكام اليوم هي آراء اجتهادية، ووجهات نظر فقهية. قد تُصيب وقد تُخطئ. ومن يتدبر القرآن بموضوعية وتجرد كامل من ثقل التراث والموروث الفقهي والتفسيري، ويستقرئ آيات الأحكام في إطار هدف الدين ومقاصده يصل لنتائج تسمح بطرح الأسئلة، سواء المتقدمة أم غيرها، حول منشأ الوحي ولغة الدين وكيفية الوحي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قوله تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا). قد تبدو واضحة الدلالة، لكن التأمل في خلفياتها يقتضى السؤال عن المعيار. معيار الذين حكّموا النبي فيما شجر بينهم. المعيار الذي على أساسه لم يجدوا حرجا فيما قضى الرسول بينهم؟. هل هو معيار نفسي أم عرفي؟ وبالتالي ننتقل لموضوع العدالة، فما هو مفهوم العدالة عندهم الذي على أساسه وجدوا العدل في حكم النبي. وأخيرا والأهم، كيف كان النبي يحكم؟ هل بوحي من السماء؟ أم وفقا لمقتضيات الحكمة ومفهوم العدالة؟ وماذا نفهم من قوله: (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ)؟. هذه الآية التي يصر المفسرون على تفسير فصل الخطاب بالقضاء، هل يقع خلفها مفهوم آخر، يهرب منه الفقهاء؟ وما هي علاقته بتشريع الأحكام والوحي؟. وهل يمكن نقل هذه الصورة للأحكام الشرعية وطريقة تبنيها أو إبلاغها للناس أجمعين؟. كل هذه الأسئلة مؤجلة إلى حين مقاربة حقيقة الوحي والنبوة. ونبقى الآن مع الأسس الأخلاقية للأحكام الشرعية وحدود التعارض بينهما.

الظلم وحكم العقل

إن منشأ إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق وجود جملة تشريعات يُعتقد أنها تتعارض مع الأخلاق، مادامت تتصف بالظلم والجور والتعسف. كفرض عقوبات لا تتناسب مع الجرم. فإنه إجراء غير عادل بنظر العقل العملي أو الأخلاقي. أو غير عادل وفق معاييره الأخلاقية. فيحكم بقُبح الظلم. وحكمه مطلق لا يخصص، سواء حكم الشرع بخلافها أم لا؟. وقد ضربت مثلا بقصة قتل الغلام من قبل العبد الصالح، وقلت القتل يبقى قتلا وإن كانت هناك ملاكات أو مبررات دعته لذلك، لكن وفقا لمدركات العقل العملي يبقى الظلم قبيحا، وعلى هذا الأساس استفز القتل موسى النبي الكريم. وبالتالي فإن الظلم هو أساس الإشكالية، له يرتهن وجودها وعدمها. وهذا يدعو لتحري مفهوم الظلم ومعرفة دلالاته ومستوياته وآثاره وتداعياته، لتفادي أي تعميم أو سوء فهم يلقي بظلاله على العلاقة بين الدين والأخلاق. بمعنى أدق فهم الظلم كمفهوم سيفتح لنا آفاقا جديدة قد تفضي إلى نتائج مغايرة لما هو سائد. ففهم الإشكالية بحد ذاته خطوة أولى لتأسيس وعي جديد بالعلاقة بين الدين والأخلاق، وفهم التعارض بشكل صحيح وفق مبادئ عقلية ومنطقية، تكون هي الحاكمة، وليست الأيديولوجيا، كما هو ديدن الأحكام المتسرعة. لأننا لا نريد خسارة الزخم الروحي للدين، ونريد فهم الإشكالية بشكل منطقي. ونبقى أوفياء للموضوعية وعدم الانحياز، والتحرر من سطوة المقدس لنصل لنقارب الحقيقة مبشارة.

كيف نفسّر وجود تعارض بين الدين والأخلاق، وهناك أكثر من 335 آية قرآنية تشجبه، وتلعن الظالمين: (لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)، (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)، (يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)؟. لا أقسى من الظلم والجور على الفرد والمجتمع، فكيف يشرع القرآن حكما يتناقض مع مبادئه، وكانت أولى تلك المبادئ كما تقدم: العدالة وعدم الظلم، ثم السعة والرحمة وأخيرا المساواة؟. كيف يظلم الله وقد كره التجاهر بالسوء إلا من ظُلم. فالظم جور، وجُرح في أعماق النفس، قد يحرم الإنسان حق الحياة أو يسلب حقوقه وحريته. والظلم أقسى عندما يقع على فئة من الناس أو طائفة أو أمة: (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا). ويكفي هذه الآية دلالة على جور الظلم وقساوته. وطالما نفت الآية الظلم عن الله تعالى، فكيف نفسر بعض التعارض الظاهري بين الأحكام والأخلاق؟: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)، (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)، (وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ)، (َلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ). وهذه تأكيدات واضحة. بل الله يتبرأ من كل ظلم حتى مع ثبوته: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). ويؤكد أن ما تراه ظلما في الأحكام فسببه الناس وليس الله: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ).

والآيتان الأخيرتان تسدعيان التوقف والتأمل، فكلاهما لا ينفي الظلم بل ينفي الظلم عن الله!!!. فتصلحان شاهدا على ثبوت الظلم في بعض الأحكام، لكنه ليس ظلما صادرا من الله بل هو ظلم الناس لأنفسهم. فبعض الأحكام فيها ظلم أي تجاوز للحد، لكنها أحكام اقتضاها ظلم الناس لأنفسهم. هذا هو مفاد الآيات. تقول الآية: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ). فتحريم طيبات كانت مباحة لهم، فيه ظلم للناس. هكذا قد يتراءى لنا. وهذا القدر من الظلم لا تنفيه الآيات، وتعتبره جزاء عادلا. وهي نقطة مهمة لفهم منطق القرآن في تعامله مع مفهوم الظلم. فالظلم ظلم وفق المنطق العقلي والقرآني، ولكن الاختلاف في مبررات الظلم. فهل يعني بعض الظلم مبرر لأجل حكمة أو مصحلة أكبر؟ كما بالنسبة للحريات العامة، فإن سلبها ظلم عظيم، تحرم الناس حقوقهم الوجودية، لكن لا أحد يعترض على الحد من بعض الحريات لمصلحة أكبر، كالحد من بعض الحريات من أجل الأمن والنظام. فهو لا ريب سلب لحرية الفرد بيد أنه لمصحلة أكبر تعود على الفرد والمجتمع، لذا اتفقوا أن الحرية الشخصية تنتهي عند حريات الآخرين، أو تغدو حريته الشخصية تجاوزا وظلما. فالتضحية ببعض الحريات لا يعد ظلما بنظر العرف مادام مبررا. وهو قدر متفق عليه لدى جميع المجتمعات ولو بنسب متفاوتة. بما فيها الدول اللبرالية، فإنها تحد من بعضها لوجود مصالح أكبر تتعلق بحرية الآخرين وضرورات الأمن والسلامة العامة، رغم اعترافها بالحريات الشخصية جميعها.

ومثال ثانٍ أحكام القضاء، فإنها تسلب الفرد حريته وبعض حقوقه وربما يخسر نفسه كما في أحكام القصاص، وفي هذا ظلم ولا ريب، لكنه ظلم بما كسب الجاني، وليس ظلما ابتدائيا. وكما في الآية المتقدمة، فإن تحريم الطيبات ظلم، لكنه بما كسبوا. والناس لا تعترض على الأحكام القضائية، وتعتبرها عدلا. ومن العدل معاقبة الجاني. ونحن هنا أمام خيارين: إما أن يكون العرف معيارا آخر لتحديد الظلم، أسوة بالعقل العملي وقلنا أنه من مدركات العقل العملي بغض النظر عن الشريعة والعرف. أو عدم صدق المفهوم على هذا القدر من الظلم، فيكون خارجا تخصصا. لا يدخل في مفهوم الظلم أساسا، ويخرج من مصاديقه. ولازمه عدم صدق المفهوم عليه. لا ثبوته ثم زواله بحكم العرف. أي أن الواضع الذي وضع مفهوم الظلم، لم يأخذ هذه المصاديق بنظر الاعتبار، ولم يقصدها حين وضع المفهوم. فهو ليس ظلما أساسا، وإذا عرفنا الظلم حينئذٍ وفقا لهذا الرأي نستثني هذا النوع من الظلم، وهو ظلم بما كسبت أيدي الفرد أو الناس. فيدخل في موضوع العدالة. إذ من العدل معاقبة المذنب، وعقوبته لا تعد ظلما بل عدلا وإحقاقا للعدالة. لكن صدق هذا الرأي يتوقف على عدالة القضاء والأحكام، وعدم جور الحكام وأولي الأمر. أي يتوقف على صدق العدالة. ولو صدق هذا على القرارات العادلة أو القريبة من العدال بنظر العرف. لكن هذا القدر لا يشمل الأحكام الجائرة. ولا يسمح العقل بذلك إطلاقا، ولا ينعقد توافق عرفي عليه، إلا تحت ضغط أيديولوجي يمنح المستبد جميع السلطات، وأقصاها فيعتبرون جوره حقا من حقوقه. وكذا الإيمان الذي يمنح الخالق صلاحيات مطلقة. وأما العقل بما هو عقل عملي لا يطيق ذلك، كانتفاضة موسى بوجه العبد الصالح. وماذا عن الخلود بالنار، هل تصدق عليه القاعدة، أما تبقى تحت بند الظلم القبيح عقلا؟.

إن تسوية هذه الشبهة يعد مقدمة ضرورية لفهم موارد التعارض بين الأحكام الشرعية والأخلاق، ومن ثم تسوية إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق. وعليه ينبغي أولا تحري مفهوم الظلم من جميع جوانبه، لنتحاش التباس المفهوم، وتداخل مصاديقه.

مفهوم الظلم

يراد بالظلم لغة، كما جاء في لسان العرب:

ظلَمَ يظلِم ، ظَلْمًا وظُلْمًا ، فهو ظالِم ، والمفعول مَظْلوم:

ظلَم فلانًا: جار عليه ولم ينصفه. عكسه: عدل

وفي المعجم: ظلمه: جار عليه، لم ينصفه. 2- ظلمه حقه: نقصه إياه.

وفي مختار الصحاح: ظَلَمَ ظَلَمَ ِ ظُلْمًا، ومَظْلِمَةً: جار وجاوز الحدّ.

وفي غريب القرآن للراغب الآصفهاني: والظلم يقال في مجاوزة الحق، الذي يجري مجرى نقطة الدائرة.

والظلم ثلاثة:

- ظلم بين الانسان وبين الله تعالى وأعظمه الكفر والشرك والنفاق، ولذلك قال: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، وإياه قصد بقوله: (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ - وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).. (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى)،(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا).

- ظلم بينه وبين الناس وإياه قصد: (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ) إلى قوله: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).

- ظلم بينه وبين نفسه، وإياه قصد بقوله: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ). وقوله: (ظَلَمْتُ نَفْسِي).. وآيات أخرى.

وجاء في الموسوعة الحرة (ويكبيديا): (الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهو الجور، وقيل: هو التصرف في ملك الغير ومجاوزة الحد. ويطلق على غياب العدالة أو الحالة النقيضة لها. ويستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى حدث أو فعل معين، أو الإشارة إلى الوضع الراهن الأعم والأشمل. ويشير المصطلح بصفة عامة إلى إساءة المعاملة أو التعسف أو الإهمال أو ارتكاب جرم دون تصحيحه أو توقيع العقوبة عليه من قبل النظام القانوني. وقد تمثل إساءة المعاملة والتعسف فيما يتعلق بحالة أو سياق معين إخفاقا نظاميا في خدمة قضية العدالة. ويقصد بالظلم "الإجحاف البين". ويجوز تصنيف الظلم كنظام مختلف مقارنة بمفهوم العدالة والظلم في البلدان المختلفة. فقد يكون الظلم ناجما ببساطة عن اتخاذ قرار بشري خاطيء، وهو أمر من المفترض أن يحمي النظام من التعرض له. وفي الشريعة عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل. ووفقا لأفلاطون، فإنه لا يعرف معنى العدالة، ولكنه يعرف معنى غياب العدالة).

فالظلم اصطلاحا، كل جور وتجاوز وتعسف يعد ظلما. سواء كان ظلما شخصيا أو اجتماعيا، كظلم فئة من الناس بدوافع عنصرية أو دينية. والظلم الشخصي يشمل كل حقوق الإنسان العادلة، بما فيها الحريات الأساسية. والمفهوم بهذا المعنى سيفتح باب السؤال واسعا، سيما الآيات التي تحد من حرية الإنسان. فهل يصدق مفهوم الظلم عليها أم لا؟ وما مدى تعارضها مع القيم الإنسانية؟.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

تحرير الوعي

ماجد الغرباوي: لا ريب أن ثبوت التعارض بين أحكام الشريعة والأخلاق يناقض مبادئ التشريع التي هي قيم أخلاقية: (العدل، السعة والرحمة، والمساواة). ويؤسس لشرعية الكراهية، وقداسة العنف، أو (العنف المقدس). ونحن نفترض في ضوء مبادئ التشريع أن بنية الأوامر التشريعية قائمة على الأخلاق، وثبوت التعارض يهدر القيمة الأخلاقية للشريعة الإسلامية. فالمؤمن يرتكب مغالطة، عندما يذعن لقراءة مبتسرة للنص القرآني على حساب عقله، خاصة الاتجاه الأشعري الذي يعتقد بقيام الأخلاق على الشريعة، والحسن، برأيه، ما أمرت به، والقبيح ما نهت عنه، والنتيجة أن قتل الغلام في قصة موسى كان حسنا مادام بأمر إلهي، نفذّه العبد الصالح. غير أن الأخلاق كما أكدت مرارا، مستقلة عن التشريع، والحسن ما حكم به العقل، والقبيح ما نهى عنه. وعندما يقع التعارض ينبغي تحري خلفيته وأسباب لوجود آيات محكمة تمثل أصلا وأساسا عند الشكل، وعندما نعجز عن إدراك المبرر، فيبقى المرء وإيمانه دون التجاوز  على قيم العقل وما يدركه عن الحُسن والقُبح. ويكفي أن هذه المخاوف مدعاة لتوخي الحذر، وعدم إطلاق الأحكام جزافا، سيما في بيئة مسكونة بالغيب، وقد تسلل دين "علماء الكلام والفقه" لجميع مناحي الحياة، فاستقال العقل، وتنازل عن وظيفته وحريته. وبات الخلاص مرتهنا لطاعة الفقيه، ومدى تمسك الفرد بفتاواه وآرائه ومواقفه. فالهدف الأساس من البحث تحري حقيقة التعارض، وما يترتب عليه من تداعيات عندما يناقض مبادئ تشريعاته. وليس الغرض تبريره أو تزيف الوعي، خاصة بعد تقديم مفهوم جديد للقداسة يخرج النص من تداعيات الجمود على حرفيته إلى رحابة التأويل. فقداسة النص لم تعد دوغمائيته، بل تعني ثراءه، وتعدد مستويات تأويله، ولو بتوظيف معطيات العلوم الإنسانية الحديثة لفهم النص. وهذا يتطلب دراسة أسباب نزوله وبيئته الثقافية وعدم الاكتفاء بما نقله السلف من أراء حول تفسيره، لتحرير النص من سطوة التراث الذي يكرّس إنغلاقه على تفسير أحادي يخدم منطق السلطة والتسلط والاستبداد وسلب الحريات. والأخطر إصرار الفقهاء على فعلية جميع الأوامر الشرعية أزمانا وأحوالا، وعدم الأخذ بأسباب النزول ذريعة لنفي الإطلاق. ولولا هذا الفهم لما استطاع الخلفاء توظيف أحكام الجهاد في معاركهم السياسية وغزواتهم لتوسيع رقعة النفوذ والثروات. ولولا انغلاق الاجتهاد على حرفية النص لما تمكنت داعش والحركات الدينية المتطرفة من استباحة دماء الأبرياء. وهذه معضلة حقيقية، لا يمكن الخروج من دوامة الانغلاق الفقهي إلا بارتهان فعلية الحكم بفعلية موضوعه. وهو منطق قرآني بينت جميع تفاصيله (أنظر كتاب الفقيه والعقل التراثي). فيختلف الحكم حينئذ تبعا لظرفه الزماني والمكاني، وما كان فعليا في عصر النص قد لا يكون كذلك الآن، كأحكام الجهاد. فالحقيقة هدف أول لتقصي حدود التعارض بين الدين والأخلاق وفقا لشروطنا السابقة.

الدين ملهم عظيم للقيم الروحية والأخلاقية، متى تحرر من سطوة القراءات الأيديولوجية. ولا نريد هدر طاقته الروحية لتعزيز قيم الفضيلة وحماية الضمير الإنساني. وبالتالي لا تبرير في المقام وإنما كشف حدود التعارض ومدى صدقيته.

كما نهدف من البحث أيضا: نقد مرجعيات التفكير الديني، التي يرتكز لها الفقيه في تحديد الموقف الشرعي من الآخر، ويتخذ منها دليلا شرعيا لإقصائه وتكفيره وربما استباحة دمه. فعندما نستدل أصوليا على عدم إطلاق آيات الجهاد مثلا، لعدم فعليتها، فسنسلب الفقيه بهذا الاستدلال حجته ودليله. لذا يقتضي النقد الموضوعي العودة للنصوص التأسيسية التي هي المصدر الأول للتشريع. وإذا كان ثمة جدل وتفاوت في الآراء فمنشأه النصوص الأولى، ثم يأتي دور النصوص الثانية، المفسّرة والشارحة. هذا هو المنهج الصحيح في نقد تلك المرجعيات، غير أن المشكلة أن النصوص الثانية حلت محل النصوص الأولى وغدت الروايات وأقوال الصحابة والأئمة ومن ثم أقوال السلف والمفسرين وربما أئمة الفقه هي مرجعيات الفهم الديني، ومحددات الوعي. فهي الأن سلطة معرفية صارمة، يُرمى بالانحراف والكفر كل من يروم العودة المباشرة لكتاب الله دون المرور بها. أي يرمى بضلال كل من يروم تفكيك شرعيتها، وسلبها مرجعيتها. ونحن بالفعل نريد تفكيك المقولات الأساسية التي ترتكز لها في شرعيتها، من خلال الكشف عن حقيقة التعارض بين القيم الدينية والأخلاقية، كي لا يبقى مبرر بيد الفقيه وغيره لتبرير العنف والإرهاب والموقف السلبي من الآخر. لا ريب بدور القبليات الأيديولوجية ومنطق العبودية ورثاثة الوعي في فهم النص، غير أن مقاربة الآيات مباشرة يمهد لمحاكمة الموروث الديني في ضوء التمييز بين: النصوص الأولية والنصوص الثانوية. المقدّس والمدنّس. الإلهي والبشري. ومن خلال مقاربة النص مباشرة وضمن ظرفه التاريخي يمكننا معرفة حقيقة التعارض بين الأوامر التشريعية والقيم الأخلاقية. وهل هي قيم أخلاقية أصيلة أم مكتسبة. وبهذا نكشف عن بؤس أدبيات الحركات الإسلامية بعامة، والمتطرفة بخاصة، ورثاثة وعي حواضنها الاجتماعية.

والهدف الثالث للبحث تحرير الوعي واستعادة حرية الفرد، من خلال تفكيك المقولات الأساسية التي يقوم عليها منطق العنف الديني. أي نقد تلك المقولات التي يرتهن لها الوعي والتي تشكل سلطة يرتهن لها في معرفة الحقيقة. بمعنى أدق، إن نقد مرجعيات التفكير الديني، نقد لرهاب القداسة، وتحرير العقل من سجونه وفك الحصار حول إرادته لاستعادة حريته التي هي ركيزة أولى لانطلاق التنوير، والانفتاح على عوالم معرفية جديدة، أثبتت جدارتها.

الأوامر الشرعية والأخلاق

الأوامر الشرعية في مقابل الأوامر العبادية، هي القسم الثاني من الأحكام الشرعية، فتشمل: المعاملات والإيقاعات والعقود والرق والجهاد وغيرها. وإذا كان غاية الأحكام العبادية تنظيم علاقة الفرد بخالقه، فإن هدف الأوامر الشرعية تنظيم علاقة الإنسان بالآخر، الأعم من عائلته ومجتمعه وسلوكه الفردي والاجتماعي ومعاملاته وعلاقاته ومواقفه، وكل شأن اجتماعي يخصه. وإذا كان التعارض بين الأوامر العبادية والأخلاق مستبعدا فالأمر مختلف مع وجود جملة تشريعات يحوم حولها سؤال الأخلاق، وتلاحقها علامات استفهام لا تكف عن إثارة الدهشة والاستغراب كيف لدين سماوي يتقاطع مع القيم الأخلاقية، وهو بذاته داعية أخلاق؟ وجميعها أسئلة مشروعة، يزيدها التبرير تعقيدا، ويمنحها الهروب عن مقاربتها رسوخا. خاصة أن آيات الكتابة سخية بأمثلتها. وهذا يتطلب قدرا كبيرا من الموضوعية والتجرد، ودراسة الإشكالية وفقا لمبادئ التشريع المتقدمة، وما يدركه العقل العملي من قيم أخلاقية أصيلة. ولازمه خروج القيم المكتسبة لنسبيتها، ودراسة دواعي التشريع وفقا لذلك الواقع وضروراته. أما قياس الماضي على الحاضر أو إسقاط الحاضر على الماضي فسيفضي إلى التباس الحقيقة وتزوير الواقع وبذلك نخسر القيم الروحية للدين التي نعوّل عليها في حماية الضمير وتقويم المجتمع، خاصة وهناك منظومة قيم أخلاقية في الكتاب المبين، تعتبر من ركائز الدين في بعده الاجتماعي والأخلاقي.

لا شك أن مقاربة الآيات ليس أمرا سهلا مع وجود فاصلة زمنية قدرها 1442 عاما، لا تسمح بتحري قيم مجتمع عصر النزول، مع حاجتنا لفرز ما هو مكتسب من القيم الأخلاقية آنذاك. أي قبل اتصافها بصفة دينية، كما بالنسبة للمرأة وأحكامها مثالا. فهل الضرب الذي يقصد به التأديب باليد أو بآلة، كان مباحا ومشروعا ومتعارفا ومتسالما عليه في المجتمعات القبلية ذات النظم الاستبدادية أم كان منكرا فارتكب الدين عملا مداناً أخلاقيا بإباحته له دونها أو لاباحة الضرب مطلقا؟.

في الحالة الأولى، قد يُعتبر تحجيم ضرب المرأة وتقييده بحالات النشوز، وبالحد الأدني داخل المضاجع مع عدم العدوان، يعتبر فضيلة دينية. أي جواز الضرب في حالة واحدة، حالة تنمّر المرأة وانقلاب النشوز إلى موقف عدواني من الرجل. فتتخذ من النشوز أداة للتنكيل به أو الانتقام منه أو لتحقيق هدف ما. أو تتمرد دون أي سبب معلن، وتنفد جميع محاولات الرجل معها، من وعظ ثم هجرانها لفترة، وهو متسمك بها. وهنا ملاحظة أن أمام الرجل فرصة الانفصال عنها، غير أنه متمسك بها، ولا يجد مبررا لنشوزها. وأما إذا كان الرجل سببا لنشوزها أو ثمة عوامل نفسية أو حالة عصبية تمر بها الزوجة فلا يحق له ضربها. وهذا ما توضحه الآية: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا). فالضرب كان مباحا مطلقا ضمن تقاليد المجتمع القَبلي. وكان للرجل حق تأديبها كيفما يشاء ومتى ما يشاء. ففضيلة التشريع تقاس بما عليه المجتمع العربي وأعرافه آنذاك ولا تقاس على لائحة حقوق الإنسان اليوم. كان ضرب المرأة مباحا للرجل، فحرّمت الشريعة ضربها بغيا وعدوانا، وأباحت حالة النشوز ضمن شروط، وليس مطلقا. وعندما اقتصره على المضاجع سيكون قضية خاصة جدا بين الزوجين، لا تترك أثرا اجتماعيا يضر بها، فربما تعود المياه إلى مجاريها، وتعود العلاقة الزوجية طبيعية. فهذا القدر قياسبا بواقع ما قبل البعثة قد يعتبر فضيلة تحسب للشريعة الإسلامية.

 وقبل إتهام الشريعة بالتجاوز علي القيم الأخلاقية، نسأل: هل ضرب المرأة بشروط محددة يتعارض مع القيم الأخلاقية مطلقا، أم يتعارض مع القيم الأخلاقية المكتسبة؟.

لا ريب في إدانة الضرب لقوة تداعياته عندما يهدر كرامة الإنسان، ويمس حيثيته ومكانته ويترك جُرحا عميقا داخل النفس حينما يكون عدوانا لا طاقة للفرد على دفعه. وكان الرجل يسلب المرأة إنسانيتها، ويتصرف بها كجزء من متاعه. وهي تتلوى، تعض على جُرح، مغلوبة على أمرها، لا ترحمها قيم المجتمع القبلي، ولا طاقة لها على ردعه، فهي ضحية قيم ذكورية متخلفة. فإباحة ضربها جزء من القيم السائدة. وهذا القدر من الضرب يعد ظلما وعدوانا، تدينه القيم الأخلاقية الأصيلة. لكن ماذا عن الضرب المحدود، وفي شروط صعبة، ولغاية محددة، هل يتعارض مع القيم الأخلاقية؟ وهل يتعارض مع القيم الأخلاقية الأصيلة أم المكتسبة؟.

إن إدانة الضرب التأديبي مازالت قضية مختلفا حولها، فإذا كانت البحوث التربوية والنفسية، قد أكدت عدم جدواه نفسيا وتربويا فهناك من يؤكد جدواه في المجال التربوي، على أن يكون برفق، محدودا بتحقيق غاياته. وبالتالي مازالت القضية مختلفا حولها، فلا يدخل تشريع ضرب المرأة ضمن شروط محدودة في باب التعارض بين الحكم الشرعي والقيم الأخلاقية الأصيلة، مادامت القيم العرفية قيما مكتسبة، نسبية، تختلف من بيئة إلى غيرها.

وأما العقل العملي فإنه يدين الظلم، بما هو ظلم، أما مصاديق الظلم فمتروكة للعرف. فرغم كل التوجيهات التربوية لكن مازال بعض الآباء يجد في الضرب أسلوبا تربويا، خاصة مع الطفل المشاكس جدا. وبالتالي لا يمكن للفقيه إضفاء الشرعية على ضرب المرأة مطلقا، ولا يمكنه تبريره أخلاقيا باعتباره أمرا إلهيا. فهو تشريع مقيّد بشروطه.

وإذا كانت أعراف المجتمع العربي آنذاك أعرافا مثالية، لا تبيح ضرب المرأة، وتعتبره عملا مدانا، منكرا، يمس كرامتها ومكانتها الاجتماعية، فلا ريب في ثبوت التعارض، لكنه أيضا تعارض بين الأوامر التشريعية وقيمهم المكتسبة، مادام الضرب قضية مختلف حولها، لعدم صدق الظلم على الضرب التأديبي المحدود بشروط صعبة، ولغاية محددة مرتبطة بوضع عائلي خاص بين الزوج والزوجة. الظلم هو الجور وتجاوز الحد. وهذا غير مبرر إطلاقا، لذا اختلف الفقهاء في تحديده وكيفيته، واتفقوا على عدم الجور ومجاوزة الحد، فكأنه أشبه بالتهديد. هذا إذا كان المراد من الضرب المعنى المتداول، هو إيقاع الضرب باليد أو بواسطة آلة. أما إذا كان معنى الضرب في آية النشوز يعني الإعراض، كما بينت هذا مفصلا في كتاب: المرأة والقرآن.. حوار في إشكاليات التشريع. فتكون المسألة سالبة بانتفاء موضوعها كما يقرر المنطق الشكلي. وإنما ضربت به مثلا لأنها مسألة حاضرة كلما جرى الحديث عن الأخلاق والتشريع.

غير أن الحكم يختلف عندما يتعارض الأمر الإلهي مع القيم الأخلاقية الأصيلة فإن التعارض سيكون مستقرا، ثابتا بلا ريب، وما كان لموسى أن يستسلم لولا وجود ملاكات كانت غائبة عنه. فاعتراضه على قتل الغلام، باعتباره فعلا مدانا من قبل الناس والشرائع والأديان، فكان موقفه أخلاقيا وفقا لمعايير العقل العملي الذي يحدد لنا ماذا يجب أن نفعل؟. وعندما عرف موسى بوجود ملاكات بعيدة لم يدركها سلم للعبد الصالح، لكن لا يلزم من تسليمه إنقلاب القيم الأخلاقية. فقتل النفس المحرمة يبقى قتلا محرما، مدانا، من قبل العقل والشرائع والأديان. وهذا يؤكد مبدأ استقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع. وتقدمت أدلة كافية، وسيأتي ما يؤكد أن الأوامر الأخلاقية في الكتاب هي إرشاد لحكم العقل. فهي من مدركات العقل العملي، وقد اتفق غرض الكتاب على تبنيها، بل ينبغي له تبنيها مادام الدين رسالة إنسانية هدفها إحياء القيم الإنسانية.

لكن كيف نتحدى قدسية النص ونحكم بتعارضه مع القيم الأخلاقية، وهي أوامر إلهية مقدسة حسب الفرض؟. وهذا كلام صحيح لكن أثبتنا بالنسبة لقصة موسى أن قتل النفس مدان من قبل آيات الكتاب قبل إدانة العقل والعقلاء. مما يؤكد ثبوت الحكم العقلي. وهو بالفعل حكم مطلق، لا يخصص، على العكس من الحكم الشرعي، فهو قابل للتخصيص والتقييد. ولهذا أجمع الفقهاء على قاعدة: ما حكم به العقل حكم به الشرع. وهناك من يحتج بأن الله سيد العقلاء، والإجماع على إطلاق حكم العقل يتضمن حكم الله بالضرروة. المشكلة التي يعانيها الفقه الإسلامي هي رهاب القداسة وسطوة التراث، والخوف من عاقبة الأمور في الآخرة، وعدم تحمّل مسؤولية الأحكام الشرعية الترخيصية، مع أن السعة والرحمة إحدى مبادئ التشريع الإسلامي. وبالتالي يبقى العقل العملي معيارا للفعل الأخلاقي، وتبقى أخلاق الواجب هي المبرر لكل فعل أخلاقي، مادامت تترك أثرا إنسانيا.

ما علينا سوى إعادة النظر في منهج استنباط الأحكام الشرعية ومبادئ التشريع لدى الفقهاء. والعودة لفهم القرآن دون الاكتفاء بتفسيره، ولو بالاستعانة بمعطيات العلوم الإنسانية الحديثة، وما هو صالح من التراث الإسلامي، إذ لا يمكن تجاهل التراكم المعرفي للسلف مادام علميا، قابلا للتوظيف والاستفادة. وعليه لا مجال للتبرير هنا، بل التبرير يسلب البحث موضوعيته، ويعود بنا للمربع الأول، وتبقى قيم العنف قيما دينية مقدسة. تبيح استباحة الدماء البريئة، وتحكم بكفر الآخر، وجواز قتله، مما يزعزع الأمن والاستقرار، خاصة الآخر بات هو الداخلي المماثل، سوى اختلاف وجهات نظر مذهبية أو فقهية. فتكون الفوضى مصير أمة بكاملها. ويكفي المشهد السياسي شاهدا، وما فعلت فتاوى الفقهاء الدموية دليلا على رثاثة الوعي وتخلفه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الأحكام الشرعية والأخلاق

ماجد الغرباوي: سنتحرى مواطن التعارض بين الأحكام الشرعية والقيم الأخلاقية في ضوء المقدمات وما توصلنا له سابقا، وفق المعايير التالية:

- سيكون العقل العملي معيارنا في التقييم، لا ستقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع.

- عدم إسقاط الحاضر على الماضي بالنسبة للقيم الأخلاقية المكتسبة، وإنما يحكم عليها وفقا للمعايير الاجتماعية. وهذا لا يمنع محاكمتها وفقا لراهن القيم الأخلاقية من بُعد مغاير. أو بعنوان آخر.

- التمييز بين القيم الأخلاقية الأصيلة والمكتسبة في حالات التعارض. فيصدق مع الأولى، مادامت مطلقة ومشتركا إنسانيا يمكن الاحتكام لها دائما. دون الثانية، لنسبيتها. يحكم العقل بها بفعل الإلفة والتطبّع وسياقات العقل الجمعي التي تخرج العقل عن حياديته وموضوعيته. عقل مؤدلج، يفتقر لشرطي الحكم الأخلاقي: الحرية والإرادة. وعليه ستنعقد المقارنة بين الأحكام الشرعية وخصوص القيم الأخلاقية الأصيلة، سيما المبادئ الأولى: حُسن العدل وقُبح الظلم، وما يتولّد عنهما من قيم أصيلة. وما هو الواجب في ضوئها. ومثالها، قصة العبد الصالح في القرآن، عندما استفز قتل الغلام موسى بحكم عقله العملي، وانسجاما مع الوصايا العشرة التي تحرّم قتل النفس البشرية بغير ذنب. فيخرج أي تعارض بين الأحكام الشرعية والقيم المكتسبة، مادامت نسبية، مرتهنة لمنظومة قيم أجتماعية كانت حاكمة آنذاك، فما نعتقد أنه مصداقا للظلم بمقايسنا قد لا يكون كذلك في حينه وبالعكس. فالاختلاف حول مصاديق الظلم لا مفهومه المتفق عليه الذي يعني الجور، والتصرف بالغير، وتجاوز الحد وغياب العدالة.

مبادئ التشريع

قبل المقارنة بين الأحكام الشرعية والقيم الأخلاقية، يجب تحري البعد الأخلاقي في مبادئ تشريعات الشريعة الإسلامية، كما في آيات الكتاب. أي كما تقوله الآيات ولو من خلال الإطار العام للكتاب. لإخراج جميع الأحكام القائمة على مبدأ أخلاقي عقلي من التعارض. ولعل أوضح المبادئ القرآنية في تشريع الأحكام، هي:

المبدأ الأول: العدل وعدم الظلم: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). كلاهما قيمة أخلاقية، من مدركات العقل العملي، الذي يحكم وفقا لمعاييره بحُسن العدل وقًبح الظلم، ويقرر ماذا يجب أن أفعل. فالمبدأ الأساس في أحكام الشريعة وفقا لهذه الآية، أي خصوص الأحكام الواردة في الكتاب، هو مبدأ العدل وعدم الظلم. وهذا يعني أن جميعها قائم على العدل، سواء تعارضت أو لم تتعارض مع القيم الأخلاقية التي يحكم بها العقل العملي وفقا لنظرنا. وهنا نحن أمام احتمالين: إما أن يقصد القرآن بالعدالة مفهوما مغايرا للمفهومي اللغوي والاصطلاحي، وهذا يقتضي التنبيه، ولم ينبه بل وجاء الامر بها مطلقا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). والمراد واضح، إعطاء كل ذي حق حقه، كما هو المفهوم اللغوي للعدالة. والأمر بالعدالة في الآيتين مطلق. تعلو فيه العدالة على تشظيات الأديان والأيديولوجيات، فهي واجبة لكل فرد، بغض النظر عن خصوصيته. وهذا يؤكد البعد الإنساني للأمر بالعدالة. ويستبطن اعترافا بالإنسان كإنسان. وبالتالي الأمر بالعدالة يقوم على مبدأ أخلاقي. وكل حكم يقوم عليها هو حكم أخلاقي.

المبدأ الثاني: السعة والرحمة: وهو مبدأ أساس في تشريع الأحكام قرآنيا، تؤكده بعض الآيات: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). والآية تصرح بمنهج وقصدية الحكم الشرعي. الانتقال من العسر إلى اليسر. وتحرير أهل الكتاب من معاناة التشريعات السابقة، إذ تقدمت الآية أن الكل أمة شريعة ومنهجا ينسجم مع واقعها: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم). فالشرائع تراعي الواقع وضروراته، والاسلام يختم تلك الشرائع بتخفيف ما كان يعاني منه الناس. كما أن الآية التالية تؤكد السعة في الدين، ورفع الحرج: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ). ولدى الفقهاء قاعدة معروفة بعنوان، قاعدة رفع الحرج. وأيضا قوله: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ). والآية واضحة، بصدد تشريع حكم صوم المسافر. فجعلت من اليسر مبدأ في تشريع الأحكام. وحينئذٍ تكون هذه القاعدة أصلا ومبدأ، لتحري أسباب التعارض بين بعض الأحكام التشريعية والأخلاق. بمعنى أدق، أن السعة والرحمة وعدم العسر هي الأساس في تشريع الحكم كما هو واضح من الآيات أعلاه، فعندما يتعارض حكم مع القيم الأخلاقية، فهو خروج عن مبدأ التشريع (السعة والرحمة)، فينبغي تحري أسبابه، لمعرفة دواعي الحكم ودوافع تشريعه. وربما نكتشف أن التعارض لم يكن بين الحكم الشرعي والقيم الأخلاقية الأصيلة بل بينه وبين قيم أخلاقية مكتسبة، وهي مستثناة من التعارض لنسبيتها، كما تقدم.

المدأ الثالت: المساواة: حيث تؤكد الآيات المساواة في الأوامر العبادية والتشريعية باستثناء ما يتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاقية، وهو موضوع البحث الذي نروم تحري صدقيته، ومعرفة حقيقته. من الآيات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ)، (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) .

أؤكد ثانية أن هذه المبادئ كما يبدو من آيات الكتاب وليس نحن الذين نقررها. وعلى أساسها تُفهم آيات الأحكام، ويمكن الاحتكام لها، في حالات تعارضها مع القيم الأخلاقية. كما على أساسها يجب عدم التسرع في إطلاق الأحكام، والتأني في فهم تعارضها. كما يمكن إضافة: الحق والواقع، لولا أن إقامة العدل تستبطن إقرار الحق ومراعاة الواقع.

أقسام الأحكام الشرعية

ينبغي التفصيل بين الأوامر العبادية والأوامر التشريعية، لتفادي أي تعميم مخل بالموضوعية. وقد دأبت كتب الفقهاء على تقسيم الأحكام الشرعية إلى أبواب أو كتب، تناولت كتاب: المياه والطهارة، الصلاة، الصوم، الزكاة، الخمس، الصوم، الاعتكاف، العمرة، الجهاد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التجارة، الرهن، المفلس، الصلح، الشركة، المضاربة، المزارعة والمساقاة، الوديعة، العارية، الإجارة، الوكالة، الوقف والصدقات، العطية، السكنى والحبس، الهبات، السبق والرماية، الوصايا، النكاح، الطلاق، الخلع والمباراة، الظِهار، الإيلاء، اللعان، العتق، التدبير والمكاتبة والاستيلاد، الاقرار، الجعالة، الأَيمان، النذر، الصيد والذباحة، الأطعمة والأشربة، الغصب، الشفعة، إحياء الموات، اللقطة، الفرائض، الشهادات، الحدود والتعزيرات، القصاص، الديات. (أنظر: شرائع الإسلام للمحقق الحلي). وهذا الأحكام تنتظم تحت عناوين رئيسية: (العبادات، العقود، الإيقاعات، الأحكام). ثم بمرور الأيام تضاعفت الأحكام وتراكمت فتاوى الفقهاء. وكما هو واضح فإن الأحكام الشرعية في رسائل الفقهاء تغطي جميع مناحي الحياة تقريبا. بعضها تفريع على آيات الأحكام، التي لا تجاوز 500 آية، وهناك فتاوى اجتهادية. وبالتالي فإن الأحكام التي تتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاق تقع ضمن دائرة الأوامر التشريعية دون الأوامر العبادية. ونحن كما تقدم يهمنا التعارض مع الأحكام التشريعية الواردة في الكتاب الكريم، وأما الروايات والأحاديث النبوية فمرتهنة الى مبنى الفقيه في حجيتها وعدمها. وسبق التأكيد أن حجية السنة النبوية تقتصر على ما له جذر قرآني، فتكون بيانا وشرحا وتوضيحا، شريطة صحتها بما يفيد العلم واليقين، بسبب بعدنا عن السيرة وعدم وجود أدلة كافية على صحة جميع ما وردنا من أحاديث السنة النبوية، واختلاط أقوال الصحابة والتابعين بأقوال السنة. وبهذا يتضح أن فتاوى الفقهاء خارج البحث، وكل فقيه مسؤول مسؤولية كاملة عن فتاواه. رغم أن الناس لا تفهم الدين سوى ما يقوله رجال الدين، يعتبرون كلامهم حجة شرعية، مُبرئة للذمة أمام الله، فيلتزمون بها. وينسى هؤلاء أن فتاوى الفقهاء رأي اجتهادي، قراءة للنص مرتهنة لقبليات الفقيه وأيديولوجيته ومنهجه ومستوى وعيه. وكذا خارج البحث كل توظيف سياسي لآيات الأحكام، كما فعله خلفاء المسلمين وفعلته داعش والحركات الدينية المتطرفة. لأن الأحكام نصوص لغوية يمكن توظيفها ما لم يلتزم الفقيه بقواعد ومبادئ فهم النص، ومراعاة المنطق القرآني، كرد المتشابه من الآيات إلى المحكم منها. ومراعاة قواعد الجميع العرفي عند تعارض الأحكام. ومعرفة أسباب النزول، ومدى فعلية الموضوعات التي ترتهن لها فعلية الأحكام. وغير ذلك. وبالتالي يجب التمييز بين الأوامر العبادية والأوامر التشريعية:

أولاً: الأوامر العبادية

تعد الأوامر العبادية، القسم الأول من أحكام الشريعة الإسلامية ركنا أساسا، إذ لا يخلو دين من العبادات والطقوس، مهما تفاوتت مظاهرها. وكان ابتداع الطقوس تمهيدا لوجودها، فهي حاجة نفسية وروحية، تلعب دورا في تقويم الأخلاق، حينما يتمسك المؤمن بقيمها. وسبقت الاشارة لها حينما قلت: تعتبر العبادات والشعائر الدينية رهانا مهما لتنمية الضمير الديني والأخلاقي، وتقويم سلوك الفرد والمجتمع، وبهذا الصدد شرّع أحكاما جماعية، إضافة للأحكام الخاصة التي عليها المعوّل في خلق وازع التقوى الذي يرتهن له الضمير الديني. وسبقت الإشارة مفصلا لهذا الموضوع، وبيان الآثار المترتبة على العبادات، فكانت التقوى هدفا مباشرا للصوم، وغاية غير مباشرة للصلاة. ثم شرّع أحكاما جماعية كفريضة الحج، وصلاة الجمعة والجماعة. كما شرّع فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقيبا خارجيا بجانب الرقيب الذاتي وهو الضمير الديني، وقد مرّ تفصيل الكلام عن الرقابة ودورها في تقويم السلوك الأخلاقي، وحماية الضمير البشري، للحيلولة دون موته أو انزلاقه. والسبب في اهتمام الدين بهما قوة تأثيرهما في استتباب الإيمان، الذي هو شعور نفسي ووجداني، يؤثر به العقل الجمعي ويقوده صوب بوصلته. ومن عاش أجواء الشعائر الدينية يدرك قوة تأثير العقل الجمعي والأجواء الجماعية، حيث ينقاد لا شعوريا، ويعيش لحظات من الخشوع والتعلق بالمطلق والغيب، ويشعر بحرارة الإيمان، وما يترسب في أعماقه من مشاعر الوجد. وبالتالي فإن الدين يلاحق الفرد لتقويم سلوكه من خلال إيمانه ووازع التقوى، ومن يخشع لله في خلواتها يخشع له من خلال المناخات الدينية، وهذا ما تؤكده التجربة، حيث يلين قلب الإنسان، تأثرا بالمجموع، فتتسرب حالة الوجد في أعماقه.

لذا كان من جملة مبررات تشريع العبادات خلق الوازع الذاتي أو الضمير الديني الذي يستعين به الفرد على مقاومة الرذيلة. فمثلا:  ربط القرآن بين الصلاة والنهي عن الفشحاء والمنكر (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى) حيث أعطى للصلاة مفهوما مغايرا أخرجها من كونها مجرد طقوس وحركات جسدية وإيماءات وهمهمات، واعتبرها ممارسة عبادية واعية ترقى لمستوى السلطة الموجهة لسلوك المصلي خارجا، فهي طقس روحي يرقى بقلب المؤمن فوق حطام الدنيا، فيصدق أن هذه الصلاة مصداق للحديث المعروف: "الصلاة معراج المؤمن"، حينما تسمو بأخلاقه وممارساته وتفتح أفاقا للوعي والمعرفة تعرج به في عوالم أرحب، يتخلى معها عن أية فحشاء ومنكر، فيأتي الفعل الأخلاقي مطابقا لقيم القرآن، ويأتي النهي عن الفحشاء والمنكر دالا على المفهوم الجديد للصلاة. وهذا اللون من الفهم العرفاني لطقوس العبادة وفلسفتها من شأنه ترسيخ التقوى، التي تتجلى كما هو المفترض في أدائه السلوكي اليومي، حينما يترفع عن الرذائل ويحرص على عمل الخير والإحسان. بهذا الشكل تكون الصلاة، التي هي أبرز علامات الإيمان، دالة على إيمان الفرد. فالصلاة ليست علامة على إيمان الفرد والتزامه الديني، بل سلوكه الخارجي مؤشر على فضيلته، سيما أن هدف الدين تأسيس مجتمع الفضيلة، يسمو فيه الفرد ليكون مصداقا لقوله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وبهذا الشكل نقلب المعادلة المتداولة، ليكون سلوك الإنسان دالا على إيمانه ونقائه وطيب سريرته، فهو مقيم للصلاة بهذا المعنى، وحينئذٍ من حقنا محاسبته على سلوكه ومساءلة تصرفاته. أما الصلاة فلا تدل بمفردها على الإيمان، بل الصلاة بالنسبة للغالبية العظمى من المصلين ومن جميع الأديان عادة يعتادها المصلي بحكم التربية والبيئة. لذا تجد القرآن يربط الإيمان بالعمل الصالح في أكثر من خمسين آية. لكن للأسف أطاح الفقهاء بهذا المفهوم وفاء لسلطة قوانين استنباط الأحكام الشرعية، فغدت الصلاة مجرد حركات، يحكم بصحتها وعدمها وفق مسطرته الفقهية التي لا تعي شيئا من روحانيات الصلاة. فهي صحيحة إذا جاءت طبقا لآرائه الفقهية، سواء كان المصلي ساهيا أو واعيا لفعل الصلاة. الفقيه لا يرهن صحة الصلاة لقوله: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) التي تعد بالويل والثبور لمن كان ساهيا في صلاته. بل أن الصلاة الكسولة التي لا تترك أثرا على سلوك المصلي هي صلاة منافقة، لا قيمة لها بنظر الكتاب: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً). ومعنى السهو، تمرّد النفس فتفقد الصلاة قيمتها المعنوية وتغدو حركات جسدية لا تضفي معنى لقيامها. بينما يختلف المعنى فقهيا، فالصلاة تكون باطلة إذا أخلَّ المصلي بجزء ولو يسير من حركاتها وسكناتها، بغض النظر عن الطقس الروحي الذي  ينبغي للمصلي أن يعيشه خلال الصلاة، لكن الحمد لله: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). وهذا سبب رئيس وراء تسويف الأخلاق، إضافة لما تقدم من أسباب. فالحث على العبادات حث على فعل يغذي روح التقوى، ولازمه وعي العبادات بشكل يخرجها من طقوسيتها لتكون مَعلَماً أخلاقيا، يمكننا رصد آثارها الاجتماعية بسهولة، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أو تبقى مجرد حركات جسدية جرداء، وحينئذِ كل طقس روحي يدفع باتجاه التقوى والعمل الصالح فهو صلاة وطاعة وعبادة، تعكس الجانب المشرق من الدين، بل وتعتبر الصلاة في هذه الحالة فضيلة أخلاقية. هذا الفهم للعبادات يسمح بتحري حقيقة ما يثار حول سلوك المسلمين، فهو مطالب أولاً بإثبات صدقية إيمانه من خلال سلوكه، لا من خلال طقوسه، التي هي غالبا ما تكون موروثة، يعتاد عليها الفرد استجابة لعوامل نفسية وثقافية.

كان ضروريا استدعاء هذا المقطع الذي مرَّ سابقا لبيان دور الأوامر العبادية في تقويم سلوك الفرد. فهي لا فقط تتقاطع مع القيم الأخلاقية بل وتلعب دورا مهماً في حماية ضمير الفرد وتقويم سلوكه. لكن ليس هذا هدف العبادات فقط، بل يعتبر ما تقدم تجلٍ لفعل التحرر الذاتي، كما يالي:

العبادات والحرية

تكمن فلسفة العبادات في قدرتها على تحرير الفرد من أوثانه وسجونه، وهذا يتطلب وعيا يرقى بالعبادات من كونها مجرد حركات، يتولى الفقهاء ضبط إيقاعها إلى كونها نافذة للتحرر من الأغلال، ومكابدة جادة لنيل الحرية، المبدأ الإنساني الأسمى وهدف الأديان أولاً. وهي رحلة مكابدة ومراقبة صارمة من خلال العبادات وأجوائها الروحية كي لا تنزلق النفس في عبادة غير الله. فالله المطلق الخالق معادل موضوعي لكل ما عداه من الأصنام والأوثان البشرية والمعنوية. وإخلاص العبادة له تحرير الذات من قيودها. فتكون بهذا المعنى عملا أخلاقيا أيضا، هدفه وعي الذات من خلال علاقتها بخالقها، ولازمه وعي الذات مستقلة عن غيره. فالاستقلالية تعني تحرر الوعي. لذا فالعبادات مكابدة حقيقية على طريق الحرية، فتكون معيارا لصدقية العبادة من جهة، ومقياسا لمستوى تحرر المؤمن من سجونه. وأقصد بالأغلال القيود الأيديولوجية التي تفرض سلطتها وتوجه الوعي لغاياتها، وتكرس عبادة مثقلة بآثام الشرك الذي يفقد الفرد حريته، وتخفق العبادات في تحقيق هدفها.

إن تفرد الخالق بالعبادة لا يسلب الفرد حريته، بل تكتسب العبادة حينئذٍ معنى إنسانيا، يتجلى من خلال استقلال الإنسان بإرادته، وقدرته على اتخاذ ما يراه مناسبا وفقا للقيم الأخلاقية الإنسانية، وتحرر العقل من كل سلطة فوقية تتحكم بإرادته. وما لم يتحقق هذا القدر من الحرية تخفق العبادات في تحقيق أهدافها. ليس الخالق بحاجة لوقوفك بين يديه واعترافك بربوبيته وتعهدك بالالتزام أوامره، فهو خالق كل شيء وبيده كل شيء، إنما يرد أن ترقى من خلال عباداتك لمستوى الحرية والقيم الإنسانية وتحكيم العقل. فالعبادة بهذا المعنى مكابدة يومية وموسمية لتنقية الذات من أوثانها وأغلالها، واستعادة العقل المرتهن لقبلياته الأيديولوحية. أو بمعنى أدق العبادات مكابدة الإنسان لاستعادة حريته، وإنقاذ كرامته المستباحة من قبل قراءة مغالية للدين، وفتاوى فقهاء المسلمين. والتعهد أمام الله بمقاومة التحديات وأخطرها توظيف الدين لمصالح سياسية وطائفية. فالعبادة اكتشاف الذات المبتورة، ومعالجة أخطائها. العبادة لا تكرّس روح العبودية، ولا تسلب الفرد حريته بدعوى القداسة، بل تكرّس إنسانية الإنسان، لتفيض روحه حبا لا كراهية وبغضا للآخر، ويغدو لوجوده معنى، تستنير به سريرته. ويتجرد عقله من أوهام الحقيقية. العبادة تعني نفي إكراهات المشاعر المزيفة والتمسك بالعقل قيمة أساسية، واعتبار الإنسان محور الحياة، لا تهدر كرامته تحت أي عنوان.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com