 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (144): الغدير ولحظة التأسيس

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق10من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

بدايات التأسيس

ماجد الغرباوي: لا شك أن الإيمان الأيديولوجي إيمان نفسي موروث، لا يتأثر بالنقد والمراجعة ونفي الواقع، مهما كانت قوة أدلة النقض، إلا مَن له استعداد للنقد والمراجعة. الأدلة العقلية والكلامية تتطلب جهدا عقليا لفهمها ومراجعتها. قد تؤثر وقد لا تؤثر، بينما الطقوس والمناسبات ومنابر الخطابة ترفد الإيمان النفسي وترسخه، من خلال خطابات عاطفية، تقصي العقل، وتحاصر الوعي بخرافات وأساطير، تكرّس اليقين السلبي، وتعبّئه ضد أية استنارة عقلية، من هنا أجد الأسئلة المستفزة أكثر قدرة على زعزعة اليقينيات والثوابت، كما أنها تمنح المتلقي قدرة على النقد والمراجعة، عندما تفرض نفسها عليه، فيضطر للتفكير بها، وربما قبولها بعد حلحلة قناعاته ويقينياته الموروثة. وهذا أحد أسباب عدم الارتكاز للمنهج المتداول في الدراسات الدينية، لأنه منهج دائري، غير منتج، يرتكز للمقدس في قمع الأسئلة العقلية والفلسفية، فيبقى الفرد في دوامة وهم الحقيقة، يرتبط بها مصيريا، ويبني عليها مستقبله، ويفني حياته وجهده لخدمة أوهامه وموروثاته. بهذا خسر المسلمون أكثر من ألف سنة، ومازال سؤال النهضة لم يحسم بعد. ومازال التراث والنص المقدس يستأثر بالمعرفة. يحرّم النظر العقلي، ويكفّر الدليل الفلسفي، ويدعو للتمسك بالعقود الأربعة الأولى، وما صدر عنها من روايات وآراء كلامية.

من  خلال هذا الاستعراض نروم تقصي آليات الخلافة تاريخيا، وكيف تم توظيف الدين والنص الديني لشرعنتها وحمايتها، للكشف عن بشريتها، وعدم قدسيتها، وتعريتها من الأوهام التي لحقت بها أو نُسجت حولها. أو نسبت لها بدوافع أيديولوجية. إذ كان الخلفاء بما فيهم علي يمارسون لعبة السلطة بمنطق سياسي براغماتي، وبذات الآليات المتاحة آنذاك. فكانت القريشية مبدأ تسالموا عليه لتكريس مصالحهم، وحصر صراع السلطة بين بيوتات قريش!!. وقد أقصت القريشية كل كفوء، مهما كان مستواه ومنزلته، وبذلك خسر المسلمون حكماء الصحابة، وبقي الصراع بين قريش، غير أن الشيعة، يكابرون حينما يضفون قدسية خاصة على أئمة أهل البيت، يحسبون أن هذا يكفي للخروج من دوامة  الصراع القريشي، وليس الأمر كذلك، فلم ينازعهم أحد السلطة من خارج قريش سوى الأنصار الذين فشلت محاولاتهم، وخمدت تطلعاتهم السياسية، واستمر الصراع بين بيوتاتها، وكان الضحية أبناء المسلمين، الذين تحزّبوا حول بيوتات قريش، وانقسموا على أنفسهم، وراحوا يتصارعون من أجل قريش حتى يومنا هذا. يدفعون لهم أموالهم ويقدسونهم ويبررون أخطاءهم. يستميتون من أجلهم ويخضعون لهم عبودية ورقة. مازالت قريش تحكمنا، تفرض علينا قيمها ونظامها الأبوي، والمنطق الذكوري، ونبقى نبرر ونسدد ونؤول لتبقى قريش فقط وفقط. قريش التي نزلت من السماء، وستعود لتمسك بزمام اليوم الآخر، تقصي وتدني ما تشاء، تحيطها ملائكة الرحمن. وفي ظل غياب الوعي، نبقى محاصرين بالتاريخ والتراث ورثاثة الوعي، وتبقى قريش رمزا يتحدى إرادتنا. فقريش التي تحكمّت بمصيرنا السياسي في الدنيا، ستتحكم بمصيرنا في الآخرة. إنها روح الرق التي تبرر العبودية والانقياد. العقل التراثي يهيم بالتقديس وأوهام الحقيقة، عندما يخلق رموزا تتأرجح بين الاهوت والناسوت. لكن القداسة كالغيم ما إن ينقشع تظهر الحقيقة، وهنا تظهر جدوى النقد، وأهمية الأسئلة الإشكالية، إنها تهدف يقظة العقل، واستعاد الوعي المغيب في رثاثته.

لم يكن الإيمان والتقوى والكفاءة معيارا للخلافة، ولم تكن موضوعا للخلاف، وقد تعاملوا مع جميع المرشحين على مستوى واحد من الإيمان والقرب من رسول الله، وكان جوهر الصراع هل النبوة كانعطافة تاريخية، تكرّس سلطة أهل بيته، أم محمد نبي لا علاقة له بالسلطة وميراثها، فتعود لقريش بعد وفاته؟ فكان الصحابة مع الثاني، وكان أهل البيت ومن شايعهم مع الأول. وبالتالي لم يكن الصراع صراع إيمان وكفر، ولا صراعا بين السماء والأرض، ولا بين المقدس والمدنس. كان الصراع صراعا على الخلافة بين بيوتات قريش. وبهذا سيتاح لنا عندما نجرد الخلافة من قدسيتها، التعرّف على الواقع ورصد أخطائه دون حاجه للتأويل والتبرير، كي نستفيد منها، لكن الأمر مضى!!!. وحصل ما حصل، وسفكت دماء بريئة، ومازال عبيد قريش حطب أحقاد تاريخية، كل يدعي احتكار الخلاص والنجاة في الآخرة.

ثمة حقيقة، رغم كل ما أنجزته القرون الأربعة الأولى من تاريخ المسلمين من تنظيرات عقدية وكلامية لشرعنة الصراع السياسي، لكن يبقى السؤال عن جدوى التحزب بعد مرور أكثر من ألف عام، ولو تحت عناوين أخرى كالمذاهب والفِرق؟ ولماذا يستمر المسلمون بالتراشق والتنابذ والإقصاء والتكفير، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). ولماذا التمسك بفكر قام على موقف سياسي؟... الموقف السياسي للخلفاء لم يقم على قاعدة فكرية أو عقدية، والعكس هو الذي حصل، طول القرون الأولى. لماذا المسلم قابع في أوهام الحقيقة، وهي صناعة بشرية، ليس عليها دليل سوى رغباته ودوافعه الأيديولوجية والتحديات المذهبية؟

كل ما تقدم يدعونا لاستدعاء فترة الخلافة الراشدة كما يصطلح عليها، لتتبع حركة التشيع من خلال علي بن أبي طالب، للوقوف على خلفياتها السياسية والديينة، تمشيا مع من يجعل من موقف علي بداية للتشيع. خاصة مواقفه من الخلافة، مادام الحديث عن الإمامة السياسية، ونقف بأنفسنا على حدود المقدس، ومدى صدقية من يدعي ذلك. وهل كان علي يطالب بحق شرعي، أم كان يتصدى بكفاءته وأهليته للسلطة؟. وهذا لا يعني عدم التأكيد على علاقته النَسَبية بالرسول. غير أن الفارق واضح بين النص وعدمه، ومدى تأثيره على مسار الأحداث. فثمة آثار كبيرة جدا نتوخاها بعد مناقشة فكرة الخلافة المقدسة. إذ المعروف أن الفكر السياسي الشيعي، يعتبر السلطة حكرا على الأئمة، ويحكم بغصبية كل سلطة خارج سلطتهم. ثم يأتي صاحب ولاية الفقيه ليرتب على هذا الكلام شرعية سلطته. فلسنا بصدد استعراض أحداث، وإنما تفكيك شرعية السلطة، وتحديد مصدرها. وهل الشعب مصدر السلطة أم الله / النبي / الإمام / الفقيه؟. فثمة نتائج وأحكام تترتب على كلا الرأيين. ولا ننسى أن التشيع يمثل هوية الشيعة، أو مكونا أساسا لها، وصار يرمز لمظلومية أهل البيت، بدءا من إقصاء علي واستبعاد الحسن ومقتل الحسين. والاقصاء في الذاكرة الشيعية ثأر قريش من أهل البيت، الذين لا ذنب لهم سوى انتمائهم لمحمد بن عبد الله. فالذاكرة الشيعية، ليست حيادية، لذا سيكون أول عمل للمهدي بعد ظهوره هو الانتقام من الخلفاء، بعد إحيائهم!!، وكل من شارك بقتل أهل البيت!!!. والقصة معروفة.

الإمامة السياسية

المعروف تاريخيا أن الإمامة السياسية كانت محور الخلاف بين الصحابة. والمعروف أيضا أن الإمام علي قد تحفّظ على بيعة أبي بكر، فشكّل موقفه في الذاكرة الشيعية نواة أولى لنشأة التشيّع تاريخياً، وكاد أن يكون موقفه عاديا لولا مصادرة أرض فدك من قبل الخليفة الأول، حيث ألقت بظلالها على المشهد السياسي، وأسست لاتجاه معارض استقطب رموز الصحابة، كسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري وأخرين. وعضّده موقف الزهراء الصارم من أبي بكر وعمر، حتى جاء في الروايات أن الزهراء ماتت وهي غاضبة عليهما، ولم تغفر لهما. فتحوّل الموقفان إلى قضية، استقطبت أنظار الصحابة، وألقت بظلالها على الوسط السياسي، حتى جاء أبو بكر إلى بيت الإمام علي في محاولة لرأب الصدع.

إلا أن موقف علي تغير بعد ستة أشهر لصالح وحدة المسلمين. واستمر في موقفه الإيجابي وتعاونه مع الخليفة الأول والثاني، حتى بدأت مرحلة جديدة من الصراع السياسي، عندما أناط الخليفة الثاني مسؤولية انتخاب الخليفة من بعده بستة أشخاص، فخسر علي بن أبي طالب الجولة، بتدبير مسبق، قادته حنكة عمر بن الخطاب، كي تفضي الخلافة لعثمان بن عفان دونه. ثم بايعه الناس بعد وفاة عثمان، فمارس في خلافته السياسة والحكم. وبوفاته انتهت حقبة التأسيس، وكان تأسيسا سياسيا، يهدف إلى استلام الحكم، وترأّس السلطة، وقد لخّص الإمام علي معالمه يوم انتخاب الخليفة الثالث: (التزام بكتاب الله وسيرة نبيه واجتهاده)، بعد أن رفض ما اشترطه عبد الرحمن بن عوف في اختيار الخليفة الثالث: (التمسك بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر بن الخطاب). وجميع الأحداث كما ترى سارت وفقا للمنطق السياسي البشري، لا علاقة لها بالنص المقدس، وكانت ممارسات سياسية، وتخطيط مسبق، وكان التحيّز لقريش دون أهل البيت واضحا. وقد تم انتخاب الخليفة الرابع من قبل الناس، وكانت بيعة مشهودة، لم يدع التنصيب أو الوصية. رغم أن هذا لا ينفيها، فهي واجبة على الرسول كبشر وإنسان مؤمن، وقد مرَّ بيان غاياتها ومقاصدها بعيدا عن السلطة.

ليس هناك إعلان رسمي عن تأسيس اتجاه بعنوان التشيّع، لكن مواقف الإمام علي أسفرت عن تأسيس اتجاه جديد له ملامحه ووجهات نظره، ثم راح يتطور مع كل إمام من الأئمة فيما بعد. فهي بذرة أولى يمكن من خلالها فهم ما حدث، وفي ضوئها نقرر مصدر شرعية السلطة، من خلال موقف علي بن أبي طالب خاصة، باعتباره محور الخلاف بين المذهبين الشيعي والسني. وهكذا يؤرخ الشيعة للتشيع. وبعضهم يرجعه إلى زمن الرسول. لكن المتيقن أن التشيع موقف سياسي، إذا سلّمنا أن بدايته كانت مع علي بن أبي طالب، ولا ريب في ذلك، وخارطة الأحداث تؤكده. والتنظير للعقائد جاء لاحقا على مدى ثلاثة قرون، شارك فيها أصحاب الأئمة، وساعد عليها الجدل الكلامي بين الفِرق والمذاهب الإسلامية. وكان التحدي محفزا أيضا.

ولم يذكر التاريخ ثمة خلاف بين الصحابة حول الإمامة الدينية بمعناها البسيط، حيث كان النظر يتجه في تلك المرحلة صوب مجموعة من الرواة، ممن حفظوا القرآن، وفقهوا الأحكام في ضوء الكتاب والسنة. وكان الإمام علي أحدهم، ومن فضلائهم، باعترافهم، بأن "أقضاكم علي"، وهو ما أكده عمر، كما جاء في صحيح البخاري. إضافة إلى قول الرسول بحق علي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وغيرها من أحاديث الفضائل التي ينقلها كلا الفريقين في كتبهم. وبالتالي لم يتأثر وضعه الديني بوضعه السياسي، بل بقي رمزا كبيرا محترما من قبل الجميع، وهذه حقيقة تاريخية، تشهد لها سيرته مع الخلفاء الراشدين. لهذا يصدق أن الإمام مارس دوره الديني (الإمامة الدينية بمفهومها البسيط) طوال حياته، ومارس كلا الإمامتين خلال حكمه. وينبغي الانتباه، ليس المقصود بالإمامة الدينية كما هو مفهومها في العقيدة الشيعية، والتي تعني الاصطفاء والولاية التكوينية وعلم الغيب وقدرات خارقة ترتفع به فوق البشر، وقد مرّ تفصيل الكلام. وأكدنا عدم وجود دليل قرآني على الاصطفاء الإلهي، بل تعني بمفهومها المتداول آنذاك، الاستحفاظ، والتصدي لبيان الكتاب وآياته، وسيرة النبي وتفصيلاتها والوعظ والارشاد، وكونه قدوة صالحة للمؤمنين. وهذا النوع من الإمامة الدينية البسيطة لا تتوقف على وجود نص أو وصية، وحتى مع ثبوتها فتفيد الأفضلية، وليس التعيين.

لكن ثمة أسئلة انبثقت لاحقا حول الإمامة وإمامة الإمام علي لها علاقة  بالجانب النظري: فهل الإمامة نص وتعيين ام شورى؟ ثم هل إمامة علي بن أبي طالب، لو ثبت وجود نص عليها، سياسية أم دينية أم سياسية دينية؟ ومنشأ الأسئلة، ثمة من يعتقد أن الإمامة نص وتعيين وأن الرسول قد نص على إمامة علي، بنصوص خاصة، أو بنص حديث الغدير، وبالتالي فهو إمام منصوص عليه، فهل ستنتهي إمامته بانتخاب أبي بكر خليفة للمسلمين؟ أم تستمر باعتباره امتداداً لرسالة الرسول؟ وبالتالي فهي أسئلة متأخرة، لم تستطع الاستدلال بسيرة علي وموقفه من السلطة، وهذا يضع جميع ما جاء من ردود في دائرة النقد، لفهم مصدرها وحقيقتها.

هناك جوابان، الأول ما تمسّك به علي بن أبي طالب عندما تحفّظ على بيعة أبي بكر. والثاني ما بلورته المدرسة الشيعية أو التشيّع التراثي فيما بعد خلال وبعد حياة الأئمة. وهذا يتوقف على معرفة أصحابهم، والتعرّف على أفكارهم وعقائدهم ومصادر معرفتهم، سواء كانت معتدلة أم مغالية، والظروف التي أحاطت بهم، وخلفياتهم الفكرية والعقدية، ودراسة بيئتهم الثقافية.

وقد برر علي ترشيحه للخلافة، وفق المنطق القَبلي الذي ساد الخلاف على السلطة في سقيفة بني ساعدة وخارجها، فاحتج بنفس ما احتج به المهاجرون على الأنصار. أي القرابة من رسول الله، ما يؤكد أن الموقف كان سياسيا، كما أشرنا سابقا، وهذا لا يمنع أن تكون لدى الإمام أهداف دينية من خلال تصدّيه للخلافة في موازاة أبي بكر، لأن المهمة الدينية وظيفة أساسية، باعتباره أحد رموز الصحابة، ومعني بالدعوة الإسلامية والحفاظ على أحكامها وتشريعاتها. الإمامة الدينية وظيفة الصحابة وعلي رمزهم، وقد تربى في مدرسة الرسول على الشعور بالمسؤولية الدينية، فليس هناك حاجة لوصية بالإمامة الدينية بمفهومه البسيط، بل هي واجبة على المسلمين وجوبا كفائيا، وتتعين بمن تصدى لها، وعلي كان متصديا وهي وظيفته الأساس، بحكم منزلته وقربه من مصدر التشريع. ولم يذكر التاريخ أنه تخلى عنها، وكانوا يلجأون له في القضاء وبيان الأحكام وتفسير القرآن. وهذا يكشف أن الخلافة والإمامة التي تعني عندي: "ديمومة الرسالة في بعدها التطبيقي"، هي غير السياسة والحكم، وأنها مهمة دينية رسالية، يصدق أنها إمامة دينية. سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار حداثة الرسالة، وحداثة المجتمع بالإسلام وقيمه، فكان دور علي دور الإمام الهادي سواء تصدى للإمامة السياسية أم لا (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). ولعل اختلاف المسلمين بعد الرسول في بعض الأحكام الشرعية يؤكد الحاجة إلى مؤتمن ومحافظ على الرسالة، يكون مرجعا في حالة الاختلاف. صحيح أن باقي الصحابة يشارك عليا بهذه الصفات إلا أنه أقضاهم كما شهد عمر، وربما سمع ذلك عن الرسول. كما لعلي ميزة القرب من الرسول منذ نعومة أظفاره، وقد تربّى في مدرسته  ونهل من أخلاقه وعلمه، واعتماده عليه في مهام عسكرية واجتماعية، لشجاعته، وإيمانه وتقواه، حتى قال الرسول الكريم يوم خيبر: غدا أعطي الراية لشخص يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، ثم سلّمها في اليوم التالي لعلي، وهذا ما روته كتب الفريقين، خاصة صحيح البخاري. كما أن سيرة علي فيما بعد قد أثبتت جدارته، وحكمته، وعلمه، ومبدئيته. فأصبح ملاذا فقهيا وقضائيا (إمامة دينية) ومستشارا سياسيا كبيرا، لا يستغني عنه صحابة الرسول والخلفاء. وهذه الصفات تمنحه صفة الأفضلية، وهذا يؤكد  كفاءته الشخصية، وصواب ترشّحه للخلافة بهذا الاعتبار، لا لأنه منصوص عليه، كما تذهب لذلك النظرية الشيعية.

ثم أن الإمامة الدينية لا تمنع من التحرك سياسيا، إذا كان المجتمع صالحا، بل ربما يكون متعيّنا لمن يجد في نفسه الكفاءة والأهلية لذلك. فرأى علي نفسه الأقدر على تحمّل أعباء السياسة والحكم، بل والأقدر بينهم، فرشّح نفسه خليفة للمسلمين، وهو حق طبيعي لكل من يجد في نفسه الكفاءة مع عدم وجود وصية خاصة من الرسول بهذا الشأن. وبالتالي فالتحرّك السياسي لا يكشف (وهذا هو المهم) أن إمامته إمامة سياسية، بل وظيفته الأساس هي مهمة دينية، دعوية وفقهية وتبليغية. فالإمام تصدى للإمامة الدينية بهذا المفهوم، داخل السلطة وخارجها. فكان يمارس دوره إماما دينيا للمسلمين، مبلغا للرسالة السماوية، راويا لحديث رسول الله، حافظا لسيرته، متمسكا بسننه، لكنه ليس مشرّعا كما يعتقد التشيّع التراثي، لأن التشريع منحصر بالله تعالى، غير أن عليا كان يمثّل العقل الاجتهادي في قدرته على فقه الأحكام وتطبيقاته في ضوء القرآن الكريم وما يحتفظ به من أحاديث الرسول الكريم. وبهذا الشكل تكون للإمامة وظيفة مستمرة، لا تتوقف على السلطة إطلاقا. وبهذا ينتفي حصر الإمامة بالإمامة السياسية، لأن الإمامة بشكل عام لا تتوقف على المنصب السياسي، فعلي لم يمارس السلطة سوى بضع سنين، وباقي الأئمة لم يمارسوا السلطة. قد يقول ثالث أن إمامة علي دينية وسياسية، ونحن أيضا نقول ذلك، لأن كلاهما ممكن بل ومتعيّن على من يتصدى، لذا استمر بإمامته الدينية عندما خسر الإمامة السياسية.

لا يقصد بالإمامة الدينية معنى الاصطفاء، إذ تقدم نفي الولاية الدينية بمعانيها الثلاثة، وإنما يقصد الاستحفاظ والهداية العامة. وما يؤكد هذا الأمر هو عدم تحرك الأئمة من عهد الإمام زين العابدين حتى الإمام العسكري، مع إمكان ذلك سيما في الفترة الانتقالية بين الدولتين الأموية والعباسية.

يبقى سؤال: هل تحدّث الإمام علي عن دور وجودي للإمامة؟ أو منح نفسه خصائص فوق بشرية، أو قال أنه معصوم لا يخطئ أو لديه علم "لدني أو حضوري" دون غيره من المسلمين أو يعلم الغيب؟ أو قال أن الإمامة الدينية أسرار وألغاز، لا يدركها الناس؟. أم كل ذلك تم التنظير له فيما بعد على يد التشيّع التراثي ثم تطور في نسخته الحالية، وهي تراكم اجتهادات وقراءات لعلماء الشيعة خاصة. وهذا السؤال ينسحب على باقي الإئمة. وأما ما يرويه التراث من روايات حول خوارفهم فلا قيمة علمية لها، لضعفها وتعارضها مع العقل ومنطق الكتاب الكريم.

وقبل مغادرة مسيرة الإمام علي السياسية نؤكد أن ما أسفرت عنه السقيفة، كانت بداية الصراع، الذي استمر أكثر من ألف وأربعمئة سنة، وكان السبب وراء الصراع والجدل والكلامي بين الفرق الإسلامية. والآن نعود لمرحلة التأسيس، لنتابع من خلال تفصيلاتها التاريخية، ما يؤسس لرؤية شيعية فاعلة، بعيدا عن الغلو والارتفاع بالإمامة إلى مستوى الخالقية كما تفعل الاتجاهات الشيعية المغالية استمرارا لجهود الغلاة عبر التاريخ.

مرحلة التأسيس

نقصد بمرحلة التأسيس: "اللحظة الزمنية لانبثاق التشيّع كاتجاه له معالم مغايرة، من خلال سلوك ومواقف الإمام علي ثم امتداده مع مواقف وسلوك الإمامين الحسن والحسين". فمرحلة التأسيس الأولى تقتصر على موقفي علي من بيعة أبي بكر والشورى التي اختارها عمر بن الخطاب لاختيار الخليفة الثالث. ثم مرحلة الحكم التي أَثرَتْ التشيّع بزخم مفاهيمي كبير، إذ كان علي حاكماً وقائداً وإماماً وخليفة. وفي جميع مراحل التأسيس سنلاحظ أن الإمام كان وفيا لدوره الرسالي الذي ساهمت تربية النبي الأكرم، ومقوماته الذاتية، في رسمه وتقويمه، وكما يشهد لذلك نهج البلاغة أيضا. فدوره الرسالي انبثق كما تبين عن تربية نبوية مميزة، ومقومات ذاتية اتسمت بآفاقها المعرفية. يتلخّص هذا الدور، كونه: "قدوة في السلوك، ومرجعا في الفكر، وأهليته للسياسة والحكم". وهذا ما سندرسه تباعا، ونسلّط الضوء على مفاصله لنؤكد الدور الرسالي للإمام علي، على الضد من المنظومة التراثية للتشيّع، التي ارتفعت بالإمام إلى مستوى الخالقية في دوره الوجودي، وطرحته شخصية أسطورية خارقة، وأصرّت على فرضه إماماً منصوصاً عليه للإمامتين السياسية والدينية.

وسنسلّط الضوء قبل ذلك على المفصل الزمني الممتد من وفاة الرسول حتى انتخاب علي خليفة للمسلمين مرورا بأحداث السقيفة في ضوء موقفه من بيعة أبي بكر، ومن ثم عمر وثالثا عثمان. وسنتابع المنعطفات التي ساهمت في إرساء معالم نظريتنا في الإمامة، وهما موقفان تاريخيان كشف من خلالهما علي عن وجود اتجاه آخر، له رؤيته وثوابته في الحكم والسلطة: "موقفه من بيعة أبي بكر، وموقفه من الشورى". وخلال هذين الموقفين استطاع الإمام على أن يكشف عن معالم اتجاه رسالي بعيدا عن السلطة والسياسة. ويرسم صورة أولية عن أهدافه ومهامه الرسالية. من هنا تأتي أهمية استعراض هذين الموقفين التاريخيين بشكل يساعد على فهم التشيع من زوايا مختلفة بحثا عن المغيّب والمهمش، وتحديد مصادر قدسيته أو بشريته. لأنهما يمثلان لحظة تأسيسية، ولنفس السبب تمت مناقشة مجموعة أحداث ومواقف من خلال طرح تساؤلات وعلامات استفهام تقوّض الفهم السائد عن التشيّع، أو ما أصطلح عليه بـ "التشيّع التراثي" الأعم من تشيّع الغلو. لأننا نسعى لكشف الحقيقة مهما كانت تبعاتها، لتحرير الوعي من عقدة التفوق المذهبي والطائفي، وعودة الإمام قدوة في الأخلاق والسلوك، ومرجعا في العقيدة والفكر، والمبدئية في السياسة والحكم، في بعده التنظيري والمبادئ السامية التي ارتكز لها، مهما كان مستوى الأداء، ومهما سجل عليه مناوئوه من ملاحظات.

يأتي في الحلقة القادمة

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

قرأت الآن الحوار المفتوح عن الغدير ولحظة التأسيس، وكنت مشدوداً بالمقدّمة التي تهاجم فيها العقل التراثي، وإن كنت أرى شخصياً - لو أني في مكان سعادتك يعني - أن أقدّم التوصيف أكثر من التقويض، وبخاصة أن حديثكم ثورياً كاسحاً وهو يتناول الإيمان .. الإيمان كما تعلم حضرتك العقل فيه محدود .. محدود بالنظرة المنظور إليها من حيث الغاية والطبيعة وبخاصّة في الفهم والشعور والاستدلال.
لم يستطع كانط الفيلسوف الألماني، وهو أكبر مثقف بالثقافة العقلية أن يثبت الإيمان عن طريق العقل النظري الخالص، وهو العقل الذي تؤكده في محاوراتك ولكن أثبته عن طريق العقل العملي الأمر الذي يدل على إفتراق ميدان الإيمان عن ميدان العقل. أعلم مُرادات سعادتك وراء الضغط على هذه الفكرة، وأقدر جهودكم الراقية في الاحتكام إلى العقل المنطقي الفلسفي، ومحاولة إعماله في مناطق سوداء؛ ربما كانت السبب ولا تزال وراء كل تخلف ثقافي عربي وفُرقة دينية وتدني في مستوى الفهم والشعور، ربما تريد العزل التام بين الإيمان والأسطرة، وهذا العزل لا يتم إلا باعلاء دين العقل كما يقول هيجل حيث نعت الفلسفة بهذا الإسم، ومن جهة أخرى هل تم للعقل دين في ملة أو نحلة، النسطورية في المسيحية نبذت، والمعتزلة في الإسلام شأنها لم يقدر لها البقاء كما قدر لغيرها من فرق ومذاهب لم تتخذ العقلانية كما اتخذت تلك الفرق، ناهيك عن محاولات ابن رشد وغير ابن رشد وما كان من أمرها بعد نفيه وتشريده .. يا سيدي نحن نريد أن نعيش إيمان العجائز بغير بحث ولا تعميق .. وفقكم الله وكلل جهودكم بالنصر المؤزر وجعله خالصاً لرضى الله. مع حبي واحترامي وتقديري

د. مجدي ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

افهم مداخلتك القيمة الاخ الاستاذ الدكتور مجدي ابارهيم، وشكرا لقراءتك الحوار وتعليقك. غير اني كنت بصدد موضوعات الإيمان، فكما أن مناشئ الايمان متعددة كذا تتعدد موضوعانه وفقا للبيئة والتربية، خاصة السنوات الأولى من حياة الإنسان، ثم تتعمق بالمشاعر الأيديولوجية، وهنا قد يشط الإيمان حينما يتلوث بالخرافة والاسطرة لتحقيق دوافعه الأيديولوجية. والقرآن كالعقل يرفض الخرافة والأسطرة، ويطمح إلى إيمان لا شائبة فيه... لا خلاف بيننا حول الايمان بالمعنى الذي تحدثت عنه مشكورا، وقد بينت هذا المعنى الفطري في اكثر من مورد، غير أن هذا لا يبرر الايمان الخرافي والأسطوري. معاناتنا كبيرة، تحتاج جهود مكثفة كم انا سعيد بمداخلاتك القيمة اخي الجليل. اعتزازي دائما بشخصك الكريم

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

عرض صلص في احداث الامامة ومرحلة التاسيس التشيع بدء من وفاة النبي فالصراع كما اشرت كان في داخل بيت القريش لكن الا ينبغي ان نقول إن الصراع السياسي في جوهره كانت القريش في كفة وبنوهاشم في كفة أخري فجانب علي يمثل روح الرسالة كما اشرت وجانب القريش تسعي جاهدة بتثبيت السلطة السياسية باستخدم اي وسيلة مهما كلفت بينما جانب علي أنه كان يمثل الجانب الميثالي في قوعد وروح الاسلام
فيا حبدا لو عرضت السلبيات التي لحقت الاسلام من خلال اقصاء قريش الجانب الميثالي المثمتثل في بني هاشم والانصار حيث الاول كان يمثل بيت النبوة بينما الثاني كان يمثل بيت الايمان كما اشار القرآن " والدين تبوا الدار والإيمان"
شكرا مع فائق الاحترام والتقدير

الدكتور بدر الدين شيخ رشيد
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ الدكتور بدري الدين شيخ رشيد، شكرا لمتابعتك الحوار، وشكرا لتفاعلك وتعليقك. دوري هنا كما تعلم هو دور باحث لا يمكنني أدلجة البحث، أو التحيز لطرف دون أخر، وهذه ليست مهمتي، وقد اشرت مرارا لقول عمر ان خلافة ابي بكر كانت فلتة. وهي ملخص لما تفضلت به. وهدف هذه الحلقة والحلقتين القادمتين نتتبع من خلال دور علي، نشأة التشيع، وصراع السلطة، ومدى علاقتهما بالمقدس. بعبارة اخرى متابعة الية السلطة والمعارضة، والكشف عن بشريتها، لتعزيز فرضيات الحلقات السابقة، حيث انتهينا الى تفصيلات مهمة عن علاقة النص بالسلطة. واما ما تفضلت به فهو مهم لكن خارج مهام هذه الحلقة, وقد كتبت كثيرا عن سلبيات فترة الخلافة، وانعكاساتها، في أكثر من موضوع تجدها في حلقات سابقاة وفي كتب النص وسؤال الحقيقة. دمت لنا استاذا مع خالص الاحترام والتقدير

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال التنويري الرائع. و شكراً للأخوة المعلقين.

الواقع الذي نعيشه في الوقت الحالي هو نتيجة صراع سياسي و ليس "ديني" بين قبائل قريش على السلطة في ذلك الوقت.
و من خلال فهمي لآيات القرآن استطيع ان استنتج ما يلي:

1- ان الدين الاسلامي دين عالمي و ليس مقيد في قريش او بني هاشم ابداً ابداً. و هو دين ليس وراثياً اطلاقاً- اي انه يتعلق في بني هاشم. لا وجود الى هذا الشيء في القرآن الكريم.

الانبياء 107
وما ارسلناك الا رحمة للعالمين

2- ان المقياس في كفائة الانسان لقيادة الدين و ليس السياسة هي التقوى و ليس القرب او البعد من الرسول.

الحجرات 13
يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير

الاية اعلاه كذلك تشير بشكل واضح الى عالمية الدين الاسلامي و كذلك تشير الى مقياس التقوى في تقييم البشر عند الله. و ليس عائديتهم الى قريش او بني هاشم.

3- انا اعتقد ان كل الامور التي نظّر لها الفقهاء في جوانب قدسية الخلفاء و عصمتهم و شعائر و فضائل و شفاعات و غيرها ليست لها اية اسس دينية اطلاقاً و هي انحرافات خطيرة دمرت الدين الاسلامي و ها نحن ندفع الثمن.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

التعديل الأخير على التعليق تم في قبل 11 اشهر بواسطة admin ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ ثائر عبد الكريم بارك الله فيك تعليقات ومداخلات في محلها وقد اصبت الصميم في الامر فدينا وسياساتنا مختطفة مند سقيفة باسم قريش وقد اقصي الجانب الدي كان يمثل روح الدين

الدكتور بدر الدين شيخ رشيد
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك وانت تتابع حلقات الحوار وتتفاعل معها. نعم مازلت السلطة بل والثقافة الدينية بشكل عام متأثرة بفترة الخلافة بكل ايجابياتها وسلبياته، وهذا احد اسباب عدم النهوض والتطور. فنقد هذه الفترة بصرامة سيسمح لنا بآفات أكثر رحابة مع مبدائ الدين وقيمه. احترمي لك الاخ د. ثائر عبد الكريم

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4856 المصادف: 2019-12-22 01:25:19