 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (186): القرآن والأخلاق

majed algharbawi3صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

س147: د. صادق السامرائي، طبيب وكاتب وشاعر / أمريكا: هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين، ولماذا؟!!

ج147: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأستاذ الدكتور صادق السامرائي شكرا لمشاركته في الحوار من خلال أسئلته القيمة.

لا شك أن السؤال، في ظل انهيار القيم الأخلاقية والدينية، يجد مشروعيته في قوله تعالى: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، فأين مصداقية الآية، في ظل سلوك غير سوٍي. لا ينتمي لقيم الدين، حيث القمع والعنف والإرهاب، وسفك الدماء وهدر الثروات، ومصادرة الحريات، ونبذ الآخر، خلافا لما هو متوقع من الآية؟. فمن حق السائل - إذاً - الشك بقدرة القرآن على تهذيب سلوك المسلمين. بل وحتى تحميله مسؤولية ذلك، باعتباره مرجعية فكرية وثقافية وأخلاقية لأتباعه. كما الدين مقوم أساس للهوية، منه تستمد صدقيتها في بعدها الثقافي والسلوكي. وهذا يتطلب تفسيرا موضوعيا لهذه الظاهرة، لا يجافي الواقع وتحدياته، ولا يطمح لصورة مثالية، بل كحدٍ أدنى اختفاء السلوك الخطأ كظاهرة. فالجواب يتوقف على أمرين:

الأول: مدى صدقية المفاهيم الأخلاقية القرآنية، ومدى التزام المسلمين بها؟.

الثاني: مدى تأثّر الأخلاق بالأحكام الشرعية؟ ومدى انعكاسها على سلوك المسلمين؟.

المفاهيم القرآنية

قدّم الكتاب الكريم منظومة تصورات عن الكون والحياة ومصير الإنسان. وشرّع مجموعة أحكام لضبط الجانب السلوكي (العبادات والمعاملات). وإلى جانب هذين الأمرين، اعتنت الأديان والكتب السماوية جميعا، والقرآن خاصة بالأخلاق، باعتبارها مقوّما أساسا لسلوك الفرد والمجتمع. لكن السؤال الأهم عن ماهية الأخلاق التي أكد عليها الكتاب؟ فهل هي مثالية غير قابلة للامتثال والتطبيق، أم أخلاق واقعية، ممكنة؟

بغض النظر عن موضوع الحُسن والقُبح، وهل هما عقليان كما ذهب إلى ذلك المعتزلة وتبعهم الشيعة الإمامية، أم شرعيان، كما ذهب إلى ذلك الأشاعرة ومن تبعهم. نجد المفاهم القرآنية، بمعزل عن الأحكام الشرعية، مفاهيم إنسانية، تنسجم مع الفطرة البشرية ومع العقل، وتتفق مع مبدأ العدل، حيث اعتبرت الإنسان بما هو إنسان قيمة عليا (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، وكثير من الآيات خاطبت الإنسان بما هو إنسان بصيغ مختلفة: يا أيها الإنسان، يا أيها الناس، يا بني آدم. وكذا آيات الاحسان والحث على إطعام الفقير والمسكين، لم تشترط الإيمان ولا الإسلام. وكذلك الوصايا العشرة التي تعهدتها الرسالات، فهي وصايا إنسانية – أخلاقية. أنظر: (سورة الإسراء، الآيات: 23 - 38)، التي ختمها في الآية: 39: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا)، وهذا شاهد يؤكد أنها أخلاق دينية – إنسانية، مادامت الحكمة مشترك إنساني بين الأنبياء وغيرهم: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)، ولم يكن نبيا. (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ). بل هي أخلاق إنسانية أقرتها الرسالات، فيكون أصلها إنسانيا، لذا يؤمن بها ويتمثّلها المؤمن وغيره باعتبارها قيم أخلاقية إنسانية سامية.

فالكتاب الكريم طرح عبر آياته منظومة أخلاقية قادرة على تهذيب سلوك الفرد والمجتمع شريطة الامتثال والإلتزام، وعدم تسويف الأخلاق من خلال تبريرات فقهية، بمختلف الدواعي. وأقصد بالعقل خصوص العقل المحض.. العقل الحر، المتحرر من أية قيود تفرضها التشريعات والتقاليد والعادات.. فالعقل بطبيعته يقول بحُسن العدل، وقُبح الظلم. وحُسن الصدق وقُبح الكذب. وبالفعل جسّد الرعيل الأول، بما فيهم النبي الكريم أخلاق الدين، قياسا بالأخلاق القبلية التي كانت سائدة قبل نزول الوحي. أو أغلبها، إذ لا يمكنني إدعاء مثالية سلوك المسلمين، وأنا أقرأ عن الثقافة القبلية التي طفت فوق الإيمان بعد وفاة الرسول، وهذه حقيقة تاريخية عندهم، لكن بشكل عام كان سلوكا أخلاقيا. الدين لا يعني سلب القيم القبلية إيجابياتها والتنكّر للفضائل الحميدة، غير أن الرعيل الأول إتسم بحسن السلوك والخُلق، وقد شهد الكتاب لخُلق الرسول، عندما قال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ). كذلك يصف صفاته في تعامله مع الناس: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ). (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ). بل ويسدد القرآن سلوك النبي، كي يبقى مثالا للأخلاق الحميدة، كما في قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ).  (.. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). وهذا ينعكس تلقائيا على سلوك المسلمين. وعندما تخذلهم إرادة التقوى أو يجتاحهم اليأس يذكرهم بالنبي وأخلاقه، ويدعوهم للتأسي به: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). كما يعلمه القرآن السلوك الأمثل شرطا لنجاح رسالته: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ). والحكم ليس عاما، ولا يعني حدوث انقلاب جوهري بدون استعداد نفسي، ولا شك بوقوع مخالفات، وثمة من كان ينافق في دينه وسلوكه وأخلاقه ومشاعره. تجد مؤشرا لكلامي في الآيات التي نهت عن شرب الخمر والميسر، حيث المقاومة والمراوغة والرفض كانت واضحة. وأيضا آيات  غض البصر للمؤمنين والمؤمنات. وآيات المنافقين. وكل هذا أمر طبيعي. التربية والأخلاق تحتاج لوقت وثقافة وتمرين، وتستدعي استئصال تراكمات الماضي ومشاعره وقيمه. لكن بشكل عام مثل الصحابة مستوى من الأخلاق استدعت ثناء القرآن، كمصفوفة آيات بدأت بقوله: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) الى آخر سورة الفرقان. وغيرها آيات كثيرة. وكقول الرسول الكريم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا استكى منه عضوا تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى".

ينبغي التمييز بين الأخلاق كملكة نفسية، تطبع مشاعر الإنسان وسلوكه. والأخلاق التي يتكلفها الإنسان تحت ضغط القيم والأعراف والخوف. فالأخلاق الاجتماعية تارة سجية بشرية وتارة خوف وتربص. الأولى يكتب لها الاستمرار، لكن قد تنزلق أو تندثر تحت وطأة أخلاق الخوف والرعب. وكلا النوعين كان موجودا في سلوك الصحابة، إذ لا شك بحدوث تحوّل أخلاقي لدى شريحة واسعة منهم، وأيضا فيهم من كان يتكلف الأخلاق، ويتظاهر بها، وقلبه أشد نفاقا: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ). يتربص بالدين الجديد وقيمه وأخلاقه. وبشكل عام كان أكثر من سبب وراء مصداقية الخُلق القرآني المتجسّد في سلوك المسلمين. أهمها نزول الوحي، وصرامة رقابته على سلوكهم وتصرفاتهم. وثانيا وجود القدوة الأخلاقية، وشدة تعلق أصحابه به، والتأسي به، وتعهد سيرته. فكانت التضحية والإيثار والصدق والإخلاص، وهي قيم أخلاقية كبيرة، صفة ملازمة لسلوكهم. وكان للعوامل الخارجية أثر واضح إضافة للتقوى والورع، خاصة الحضور القوي للنبي القدوة. لذا بعد غيابه اتخذت أخلاق المسلمين مسارا طابعه التأويل، للالتفاف على خُلق القرآن، وكان التوظيف السياسي للدين بعد وفاة الرسول، وما رافقته من أحداث وتراشق بالألفاظ داخل سقيفة بني ساعدة من قبل كبار الصحابة، مؤشرا واضحا على المسار الجديد. فالتأويل يشط ما لم تضبط الأخلاق أداءه، وحينما تتقاطع المصالح، يتخلى عن أخلاقه بتأويلات جديدة، كأن يفترض وجود مصلحة أعلى تبرر سلوكه، والمصلحة ليس سوى مصلحة الشخصية أو مصلحة حزبه وطائفته. ومع الدولتين الأموية والعباسية وما صدر عن الخلفاء من تصرفات، واستبداد وظلم وعدوان ومجون واستباحة ثروات المسلمين، فقد المسلمون صدقية المجتمع الأخلاقي، واقتصر الأمر على الأفراد دون الجماعات.

قد يقال أن الأخلاق نسبية، تتأثر بظرفها الزماني والمكاني، وبمصحلة الأفراد والمجتمع، وهذا لا يخلو من صحة، شريطة أن لا يخرج عن قيم العدل والانصاف والقيم الإنسانية وأن لا يصل حد القتل وإزهاق النفس المحترمة، تحت ذرائع واهية، وتلفيقات تفرضها المصالح الشخصية والسياسية، توظف النص الديني، والمفاهيم الفضفاضة للانتقام من المعارضة والخصم السياسي، كما بالنسبة لمفهوم الفساد في الأرض، فهو لم يحدد قرآنيا، اعتمادا على دلالته آنذاك، غير أن بعض الجهات القضائية، استغلت المفهوم، فكان سلاحا رادعا للمعارضة بغطاء ديني شرعي، تقول الآية: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). فيبقى مصداق الفساد في الارض مرتهنا لفهم القاضي، حينما يكون موضوعيا، وبامكانه تقديم تأويلات تخدم مصالحه الشخصية والحزبية، فيضطهد المعارضة السياسية، باسم المصلحة العليا، فتكون المعارضة فسادا في الأرض تستحق العقوبة. والله أعلم كم زهقت أنفس بفعل هذه الآية، ذنبهم الوحيد معارضة الأنظمة القمعية، فيصدق عليهم عنوان: مفسد في الأرض، وتشمله الآية بعقوبتها الصارمة.

وبالتالي فإن تقويم السلوك أخلاقيا يتقوم بالامتثال، عندما تكون القيم الأخلاقية قيما إنسانية عقلانية قائمة على العدل وعدم الظلم. والامتثال تجلٍ لوازع نفسي ترعاه التقوى والتربية الحسنة.

الفقه والأخلاق

الأخلاق سجية نفسية، يشعر معها الفرد بالبراءة والارتياح عندما يتماهي مع قيمه الإنسانية في سلوكه الأخلاقي، وعلى العكس يغمره الندم، وتأنيب الضمير واللوم عندما يقترف فعلا لا أخلاقيا (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ). هذا هو سلوك الفرد السوي، وفقا لفطرته وطبيعته البشرية: أنه يشعر بالبراءة والارتياح لعمله السوى، ويشعر بالندم جراء سلوكه القبيح. خاصة مع الظلم والعدوان وخداع الآخرين. هذا عندما يكون حرا، قادرا على الاختيار بعيدا عن إملاءات مختلف الأحكام والأعراف والتقاليد، حيث تفرض مفاهيم تستمد شرعيتها من انتمائها الديني أو الأخلاقي أو القَبلي. فيحدث انقلاب مفاهيمي، يبرر الظلم والعدوان. فمثلا القتل قبيح بحكم العقل، لكنه يغدو حسناً، مبررا بفعل القيم الجديدة. من هنا لعب الفقه دورا سلبيا عندما تواطأ مع السلطان الحاكم، وراح يبرر ظلمه وتعسفه تحت شتى الذرائع، التي تفوح منها المصالح الشخصية والطائفية. ويمكن هنا الإشارة إلى الفقه السلطاني، وما صدر من فتاوى تمنح الخليفة والسلطان حصانة ارتفعت بهما فوق النقد والمحاسبة. ومنحتهما حقوقا مطلقة على حساب القيم الدينية والإنسانية، فأصبح سفك الدماء مباحا بل واجبا، وظلم الناس والمعارضة من مقتضيات المصلحة العامة، وهدر الثروات والإسراف كرم. ولا فرق بين مذهب وآخر، فجميعها أصدر فتاوى سلطانية، قلب فيها موازين القسط والعدل، مراعاة لمصالحه السياسية والمذهبية.

وبهذا الشكل ساهم الفقه بتزوير الحقيقة، وشرعنة العمل اللأخلاقي، وغدا سلوك الخلفاء والسلاطين مرجعية ومقياسا وقدوة للمسلمين في سلوكهم العام. لأن الفقيه في وعي الناس مصدر الشرعية بعد الكتاب والسنة، وأقواله أقوال الشريعة الإسلامية. فبعض فتاوى الفقهاء، خاصة الفقه السلطاني فرضت نفسها مرجعا لاستعادت تشكيل القيم الإنسانية، حتى تشكّل نسق مفهوم مواز، وهذه المرة مصدره التشريع، الذي يعني الله لدى العامة من الناس. والله يتقدم على الإنسان على كل حال. وهذا الاتجاه تم تأصيله على يد الأشعري تحت عنوان: الحُسن والقُبح الشرعيان، في مقابل الحُسن والقُبح العقليان: (فالحسن ما حسّنه الشرع وإن حكم العقل بقبّحه. والقبيح ما قبّحه الشرع وإن حكم العقل بحسنه). وهنا المشكلة عندما يلتبس البشري بالإلهي، والمدنس بالمقدس، ويرقى الفقيه وفتاواه لمصاف الكتاب والصحيح من السيرة، فيغدو مصدرا للتشريع، يحل محل المصادر الأساسية.

- ومثال آخر، القول بالتقية، خاصة لدى الطائفة الشيعية، التي تسببت في تسويف الأخلاق عندما تتجاوز الضرورة القصوى. لأنها تعني إظهار عكس ما تستبطن وتؤمن به. فتبيح الكذب عند خطر الموت مثلا. لكنه يغدو محرّما حينما يتجاوز ضروراته، وهو ما نشاهده لدى بعض الناس.

- وأيضا ما يعرف بالحيل الشرعية للالتفاف على الحرام، فالفقيه بدلا من التأكد من حرمة الشيء يلجأ لحيلة شرعية لتحليله. فيقوم بتسويف الأخلاق عندما يفتح الباب أمام الحيل الشرعية لاستباحة المحرمات. ومثاله، كان الفقهاء يحرّمون بيع وشراء الكحول المعدوم لأغراض التداوي أو خلطه مع بعض الأصباغ وغيرها من الصناعات، فيضطر البائع للتخلص من حرمة بيعه بحيلة شرعية بإذن الفقيه، فيبيع للمشتري القنينة دون الكحول!!!، وبهذه البساطة يصبح المحرم مباحا. وهذا ضحك على الذقون، واستغلال للناس الطيبين ممن يثق بالفقيه وفتاواه. وبهذه الطريقة بدأ تسويف الأخلاق. وتصور حجم المخاطر في القضايا الكبرى حينما تلتف الفتوى على الحرمة وتبيح سرقة الأموال وحلية سفك الدماء. أو ما تأخذه البنوك الإسلامية من أرباح مضاعفة تحت ذرائع فقهية في حين تحرّم أرباح البنوك العادية التي هي نسبة ضئيلة عادة. لكن الأولى حلال بنظر المشرع الديني مهما ارتفعت، والثانية حرام!!!.

- والأخطر تقديم الأهم على المهم الذي يخضع لمعايير أيديولوجية وطائفية وحزبية. فتقديم الأهم على المهم قاعدة أصولية يرتكز لها الفقيه في استنباط بعض الأحكام الشرعية، فيكون انقاذ الغريق أهم من ارتكاب حرمة دخول الأرض المغتصبة. وهي قاعدة صحيحة بشكل عام حينما تتعلق بانقاذ النفس البشرية، لكن من يحدد الأهم والمهم في غير هذه الموارد؟. هنا تتدخل قبليات الفرد في ترجيح الأهم على المهم. خاصة في قضايا الدماء والأموال. وقضايا السلطة والمعارضة. فكم من ضرورة يعتقد بها الحاكم ليست بضرورة لدى العقلاء، كالإجراءات الاحترازية ضد المعارضة السياسية، فقد يعترف بضرورة المعارضة السلمية، لكن يجد بقاءه في السلطة أهم، فيضطهدها، ويحرمها من حقوقها المشروعة. وأيضا الند الديني والمذهبي. فالعوامل النفسية والدوافع الشخصية تلعب دورا في تقدير الأهم، والتجاوز على المهم.

- وقد ينقلب الحرام إلى مباح وربما مستحب أو واجب، كاستباحة حرمة أموال الآخرين وعرضهم وحياثتهم، تحت مبررات طائفية، تستمد شرعيتها من حديث الفرقة الناجية. فبما أنها الفرقة الوحيدة الناجية، وهي الوحيدة على الحق وغيرها على باطل، فتجري عليها أحكام الكفار والمحاربين وأهل الذمة، وتبيح دماءهم وأموالهم، وتجد غلاة الشيعية يلعنون الخلفاء في زيارة عاشوراء لضلالهم كما يعتقدون!!!.

- كما كان للأخلاق القبلية الموروثة دور في هتك الأخلاق الإنسانية، خاصة سبي النساء، وحليّة أعراضهن، وبيعهن وشرائهن، تحت عناوين قد تكون لها مبررات تاريخية كما تقدمّ، لكن كيف نبرر استمرار ظاهرة السبي، ومازال فقهاء المسلمين يتناولونها كأحكام شرعية ثابتة ومطلقة في كل زمان ومكان؟. فالمدان في هذه الحالة ذات القيم والأخلاق الدينية، وليس سلوك الناس خاصة. فـ"تشيئة" الإنسان في لحظة تاريخية بفعل الاختلاف الثقافي والديني، لا يمكن تبريره، خاصة بعد تطور حقوق الإنسان، وانتشار ثقافة الإنسان. لا شك أن التبرير ممكن، لكن الحديث عن مدى تأثير هذه الظواهر في سلوك الإنسان؟.

وللموضوعية أن القرآن لم يشرّع سبي النساء، ولم يعترف به صريحا، لكنه اعترف بوجود ملك اليمين، مطلق ملك اليمين، من أي مصدر كان، بالبيع والشراء أو الهدية، وكانت واقعا عمليا قبل الإسلام وبعده كما مرًّ بيانه. يتصرف بها مالكها كيفما يشاء: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ). (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، والآيتان لم تنسبا ملك اليمين للسبي. بل تشير إلى واقع كان موجودا آنذاك. وهذا ليس تبريرا، بل هو منطق الدليل القرآني. ويبدو أن سبي بني قريضة التي حكم بها سعد بن معاذ هي الغزوة الوحيدة التي حصل فيها السبي، لكن غدا حكما شرعيا وتشبث به الخلفاء وإلى يومنا هذا. وأخبار الجواري والسبي وليالي الخلفاء الحمراء وكثرة ملك اليمين، مما يبعث القرف في نفوس الناس. هذه هي الحقيقة النهائية، خاصة والسنة النبوية عندهم حجة مطلقا. وعندي أن دائرة الحجية تقتصر على ما له جذر قرآني، وليس للسبي جذر قرآني، وهي على فرض حجيتها تمثّل رؤية اجتهادية للنبي في وقته، ويمكن للفقيه اليوم تحريم السبي، لعدم فعلية موضوعه، واختصاصه بواقعة واحدة.

لكن ماذا عن أخلاق العنف والإقصاء التي عززتها آيات الكتاب؟ وكيف نفهمهما ضمن هذا السياق؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

ورد شيء عن السبايا. و بالنظر للفترة التاريخية اسأل نفسي و هل كانت هناك سبايا اساسا.
فالغزوات الجاهلية محلية. و الحروب دفاعية. و بالنسبة لفجر الاسلام كانت الحروب محلية ايضا.
و لا يمكن مقارنتها بالسبي البابلي الذي لحق بمساحات شاسعة و اعداد هائلة من البشر.
السبي البابلي كان بحجم المحرقة النازية. اما غزوات العرب قبل الاسلام نعرف منها ٥ غزوات محلية دارت بين القبائل. و هناك خمس حروب مع غير العرب و لغرض دفاعي او لتحرير الارض من الاجانب.
اما الغزوات في الاسلام فهي اما مناوشات او ٣ غزوات معروفة و اساسية.
و يمكن النظر للغنائم بين النساء كما نظر شتراوس لنظام تبادل النساء بين القبائل بغرض الزواج و بناء الحياة العائلية و توسيع اليد العاملة في شؤون مدنية حصرا.
بقية الحوار  واضح و يعرف الاستاذ الغرباوي كيف يعرض افكاره  و يفندها بوضوح و بساطة.
شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

الظاهرة تفاقمت في ظل الدولتين الاموية والعباسية، وكأن هدف الحروب جل أكبر عدد من سبايا النساء خاصة الحسناوات، وهكذا طبع تاريخ المسلمين بطابع خلفائهم. شكرا لك ولتعليقك الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ ماجد الغرباوي المحترم

تحية عطرة ومودة عبقة

نوّرتني
أثريتني
أغنيتني
بهذا الجهد المعرفي البحثي الرصين الأمين

دمتَ وقّاد الحِجاء
وضّاح السطوع
وبأنوار أفكارٍ تضوع

أطيب الأماني بالعافية والإبداع التنويري الأصيل

د.صادق السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الاستاذ ماجد الغرباوي على هذه المقالة الرائعة و شكراً الى الدكتور صادق السامرائي لطرحه لهذا السؤوال المهم. بالاضافة الى التوضيح الذي بينه الاخ الغرباوي احب ان اضيف التعليق التالي:
1- لا اعتقد ان القرآن نجح في تهذيب نفوس المسلمين و هذا واضح من مجريات الواقع الذي عاشه المسلمون و نعيشه حالياً. و اعتقد ان هذا يرجع الى عدة امور:
- لا اعتقد ان المسلمين فاهمين دينهم
انا اعتقد ان الغالبية العظمى من العرب "لان القرآن نزل بلغتهم" لا يفقهون شيئاً من امور دينهم وان فهمهم يقتصر على قشور الدين لذلك يرجعون الى المرويات المزورة في الكتب الصفراء. امّا غير العرب فلا عتب عليهم لان الدين ليس بلغتهم.
- لا يوجد مثل يقتدى به في تاريخ الدين الاسلامي بعد وفاة الرسول.في عهد الخلفاء الراشدين لم يظهر تأثير الدين على سلوكهم بالرغم من معايشتهم للرسول.
حروب الردة
الفتوحات الاسلامية
حرب الخوارج و صفين و الجمل

اين يقف القرآن من هذه الحروب و القتال بين المسلمين؟؟؟. هؤلاء كانوا مع الرسول و المفروض ان يكونوا قدوة للاخرين من للمسلمين؟؟؟. اليس كذلك؟؟.
هل يجيز القرآن هذه الحروب!!!!.
2- ظهور اصحاب المذاهب و الفقهاء و الذين ابعدوا المسلمين عن التفكير في فهم آيات القرآن. و المذاهب اصبحت اديان و احرقت الاخضر و اليابس.

3- ان مفهوم الدين عند المسلمين هو الصلاة و الصوم و الحج فقط. و يعملون هذه الطقوس الدينية لكي "تغطي على افعالهم القبيحة" من قتل و كذب و سرق و نفاق –الخ.
الدين اصبح عندهم كمعادلة رياضية و هي:
اقتل و اسرق و نافق و اكذب و لكن ادي الطقوس الدينية من صلاة و صوم و حج و زيارة المراقد المقدسة ترجع صافياً من الذنوب –كما ولدتك امك. هذا هو الفهم السائد للدين الاسلامي في مجتمعاتنا.
4- في الوقت الحالي الدين الاسلامي تغيير بشكل غريب جداً واصبح حالياً كأحزاب سياسية لا تمت للجانب الايماني الذي اراده الله اطلاقاً و كذلك احزاب تجارية تتاجر بأسم الله و بأسم المقدس الارضي.
5- خلاصة القول نحن في واد و الدين الاسلامي في واد ثان.
و شكراً مرة اخرى
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمشاركتك الاخ الاستاذ ثائر عبد الكريم. القرآن قدم منظومة أخلاقية، متوازنة، وهي منظومة إنسانية كما ذكرت. اما النجاح والاخفاق فمرتهن بامتثال المسلمين. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ ماجد الغرباوي المحترم تحية وسلام
نبقى ننهل من خزين فكركم المتجدد ياستاذ .
واسمح لي ان اسأل حضرتك بعض الاسئلة لتوضيح ماجاء في بحثك هذا.
من هؤلاء الصحابة الذين اثنى عليهم القرأن الكريم بالاية التي اشرت لها هل يخص بها الخلفاء الراشدين الاربعة او سواهم فكما نعلم من خلال ماجاء في الاثر الاسلامي ان بعظهم خان الرسالة عندما ترك النبي مسجى وذهب للسقيفة يطلب السلطة ومنهم من طعن بأهلية النبي وقال انه يهجر وحسبنا كتاب الله فهؤلاء لااعتقد هم الذين استهدفهم القران . الا اذا كنت تعني اخرين.
واما بخصوص مسألة السبي فأنها استمرت ففي عهد النبي ص فانه تزوج من السبايا اليهوديات تزوج من جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وريحانة بنت يزيد وقيل بنت عمرو وهو شمعون مولى رسول الله من بني النظير وقيل من بني قريضة .
وصفية بنت حيي بن اخطب ،وهو سبط هارون اخو موسى ،سيد بني النضير ودخل النبي بها في موضع الصهباء وكان عمرها 17 سنة كما جاء في السيرة الحلبية .
اليس يحق للفقهاء ان تكون لهم اسوة برسول الله ص فحلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة
صحيح ان ليس للسبي جذر قرأني ولكن اجتهاد النبي سنة فكيف للفقيه ان يحرم مافعله النبي وهل يستطيعوا فعل ذلك الم يصبح ذلك خروج عن السنة ،، وهل من سبيل للخروج من ذلك.
ودمتم سالمين

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي ابا سجاد
اما الايات فكثيرة منها:
1) ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: 29].
2) ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا *﴾ [الفتح: 18 - 21].
3) ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100].
5) ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 117].
- بشكل عام ابا سجاد هذا الموضوع انتهى بالنسبة لي ولن اعود له، وقد كتبت حوله كثير يمكنك والاخرين جميعا مراجعة ما كتبت. وملخص كلامي ان ما حصل بين الصحابة صراع سياسي، ولم يتهم احدهم الاخر باي مثلبة ايمانية.
- بالنسبة للسبي كتبت بشكل واضح يا صديقي، قلت انها استمرت ما بعد النبي، وكانت ظاهرة سيئة. وانا اتشدد في قبول الروايات، وكل ما تفضلت به من رويات لا يمكنني لا اقل وفق متنهجي الجزم بصحتها.
- ما ليس له جذر قراني يعتبر اجتهادا شخصيا مرتباط بظرفه الزماني والمكاني، ويتوقف على حيثياته.
ودمتم سالمين

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5157 المصادف: 2020-10-18 03:55:41