 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (189): الأنبياء والأخلاق

majed algharbawi6صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الأنبياء والأخلاق

ماجد الغرباوي: إن معرفة أسباب تشريع الحكم الشرعي، والإحاطة بظروفه التاريخية، شرط أساس لتحديد فعلية موضوعه التي تتوقف عليها فعلية الحكم، ومدى إطلاقه، لتدارك تبعات تطبيق الأحكام خارج شروطها، كما هو الحال بالنسبة لجملة من آيات التشريع التي جرّدت من تاريخيتها وغدت فعلية رغم عدم فعلية موضوعاتها تبعا لاختلاف الظروف. لا فرق بين أحكام القرآن وأحكام السُنة النبوية، الأعم من قول النبي وفعله وتقريره. فكما أن قوله حجة، كذلك يعتبر فعله حجة ودليلا شرعيا في استنباط الأحكام الشرعية. وهنا أتحدث بناء على مطلق حجية السُنة، كما يذهب لذلك عموم المسلمين. وأما على الرأي المختار فدائرة الحجية تقتصر على ما له جذر قرآني. وحتى هذا القدر يمثّل رأيا اجتهاديا للنص ضمن شروط مرّ تفصيلها (أنظركتاب: الفقيه والعقل التراثي). فكما يستدل المجتهد على الحكم بدليل لفظي، آية أو رواية، كذلك يستدل بفعل النبي باعتباره دليلا شرعيا. كاستدلاله بزواجه من عائشة، على جواز زواج المرأة في السادسة من عمرها. ويفتي بعدم جواز الدخول بالزوجة قبل سنة التاسعة، لأنه لم يدخل بها قبلها. بناء على الشائع من الروايات والأخبار، كحديث البخاري. وثالثة يجيز المجتهد زواج الرجل الكبير من طفلة بعمر السادسة، بناء امتثالا لسُنة النبي!، متجاهلا بذلك الشرط الأخلاقي لصالح النص / الدليل الشرعي. مهما كانت تبعاته الأخلاقية خاصة وفقا لشرعَة حقوق الإنسان وما عليه الوعي الأسري حاليا. والسبب تجاهل تاريخ النص وفلسفة التشريع. ولا يمكن تجاهل سنته فهي مرجعية أخلاقية، أسوة بكتاب الله الذي يُعد مرجعية أخلاقية مطلقة لدى المسلمين جميعا، منه يستمدون شرعية سلوكهم، وإليه يحتكمون في مواقفهم. وهذا مبرر سؤال السائل الكريم: (هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين، ولماذا؟!!). الذي يبدو منه لا فقط الشك في قدرته على ضبط الأداء السلوكي لهم بل وشرعنة بعض السلوكيات اللاأخلاقية وفقا للمعايير الأخلاقية القائمة على حقوق الإنسان اليوم، كشرعنة العنف ضد الآخر المختلف دينيا، والأمر بملاحقته وقتله أين ما كان، وكان هذا دليل الحركات الدينية المتطرفة في صراعها الديني - السياسي. فالسؤال يدعو للمراجعة والنقد لمعرفة حقائق الأمور، وعدم الاكتفاء بالتسليم تحت ذريعة المقدس. فثمة فارق يثير علامات استفهام بين الصورة المثالية التي يصف بها المؤمنين، والصورة الواقعية لسلوكهم. فعلامات الاستفهام مشروعة، قياسا على قدسية الأديان، وقدرتها بالقوة أو بالفعل على إنجاب سلوك مهذب، غير أن المشهد  يثير علامة استفهام، حول قدرة الأديان والكتب المقدسة على تهذيب سلوك معتنقيها. فهل الخلل في ذات المفاهيم الدينية أم في الجانب السلوكي؟. وقد مرت الإجابة.

وهنا يبرز السؤال الأخلاقي: كيف يمكن لشخص مقدس كالنبي أن يتزوج وهو بعمر الخمسين بطفلة عمرها ستة سنوات، لا تعي من الحياة شيئا، حتى وإن تأخر الدخول بها إلى التاسعة، بناء على صحة الروايات؟. ماذا عن مشاعرهما المشتركة كما هو المفترض وفقا لآيات الكتاب؟ كيف ستكون سَكًنا له بفارق العمر الكبير، وكيف ستكون بينهما مودة ورحمة: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)؟. وكيف ستكون لباسا له وهو لباس لها، مع فارق المشاعر تبعا لفارق العمر: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)؟. وإذا كان القرآن قد اشترط الرُشد في القضايا المالية، أليس من الأولى شرط النضوج والرُشد في الحياة الزوجية، التي يتوقف عليها بناء جيل من الأبناء: (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا). هذه الإشكالات القرآنية وغيرها دفعت بعضهم للتشكيك برواية البخاري، وقالوا بأن النبي تزوج عائشة وعمرها 18 سنة، وهناك رأي ذهب الى عمر الخامسة والعشرين. لكن كل هذا لا يغير من الحقيقة القائمة أن أغلب الفقهاء في جميع المذاهب الإسلامية يجيزون زواج المرأة في السادسة من عمرها، وعدم جواز الدخول فيها قبل التاسعة. بل ذهب بعض إلى جواز تفخيذ الرضيعة، ليرسموا صورة ذكورية شاذة عن علاقة الرجل بالمرأة وفقا للفقه الإسلامي، وأن المرأة مخلوقة للاستمتاع، ووعاء لشهواته. يقول روح الله الخميني في كتاب تحرير الوسيلة، ج2، ص241: (مسألة 12 - لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواما كان النكاح أو منقطعا، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة).

إن ما تقدم لا ينفي الأخلاق القرآنية، فثمة منظومة أخلاقية في كتاب الله، وامتدادها في سنة النبي قولا وفعلا وإمضاء، وقد شهد القرآن لسمو أخلاقه: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وقوله عن بعثته: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". والآيات الأخلاقية كثيرة، بل ويمكن إرجاع أحكام الشريعة لجذرها الأخلاقي، كالتقوى التي هي من أبرز الفضائل التي يسعى لها الدين، لتقويم سلوك الفرد والمجتمع. غير أن بعض الأحكام الشرعية، وبعضا من سيرة النبي تحتاج إلى تفسير لفهم ملابساتها، وكيفية فهمها على أساس قيم الفضيلة. وقد تقدم بيان بعض الملابسات من خلال فهم المنهج القرآني في تشريع الأحكام الشرعية، والفصل بين القضايا الحقيقة التي يكون فيها الحكم مطلقا،  والقضايا الخارجية التي لا تكون مطلقة خارج موضوعها المحدد. غير أن مناهج استنباط الأحكام الشرعية تختلف من فقيه إلى آخر، حول جملة مبادئ رجالية وحديثية وأصولية. فهناك فرق بين من يجرد الحكم الشرعي من تاريخيته، ويجعله مطلقا في جميع الأزمان والأحوال، وبين من يأخذ بنظر الاعتبار اختلاف الظروف الزمكانية، ومستوى وعي الناس، وثقافتهم ورؤيتهم. فالأول مثلا يرى فعلية أحكام الجهاد والقتال، بينما يشترط الثاني شروطا في فعليتها كالحرابة، بينما يرى ثالث وهو من نختاره، لا فعلية لأحكام الجهاد خارج عصر النص. إن فهم النص يتطلب عدة معرفية وكفاءة علمية وورعا، لا تأخذه في الله لومة لائم عن قول الحقيقة. بينما يخشى المجتهد مخالفة المشهور، وما تبانى عليه الفقهاء، في وفائهم للسلف وسيرتهم، رغم اختلاف الظروف، ورغم ما يترتب على بعض الأحكام من مشاق. كذلك يتطلب فهم النص القرآني منهجا يراعي منطقه الداخلي، وتحديد شروط فعلية الأحكام من خلال فهم يتسع لقضايا لها علاقة بالنص، كمعرفة الآيات المحكمات وتمييزها عن الآيات المتشابهة، وكيفية رد الثانية إلى الأولى. وكذا معرفة المطلق والمقيد، والعام والخاص. وهناك قضايا دقيقة جدا ينبغي للمجتهد إدراكها بحسه الفقهي، لكن للأسف التقليد هو الصفة الغالبة للمجتهدين، حتى وهم يمارسون الحكم الشرعي. هنا أضرب مثلا لخصوصية النص القرآني وأحكامه، ربما لم يلتفت لها أحد، وقد فصّلتها في كتاب تحديات العنف، استعيد ما يسلط الضوء على هذه المسألة التي هي مجرد نموذج:

يختص النبي، أي نبي، بصلاحيات لا تنتقل لغيره بأية ذريعة كانت. لتعارضها مع قيم الدين: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ). والقيم الأخلاقية: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). ولا يصدق أنها أدلة شرعية يمكن الاستدلال بها على جواز  قتل الطفل مثلا، مادامت محكومة بقيم أخلاقية وآيات محكمات ومبادئ إلهية كبرى تكون حاكمة على غيرها من الآيات. فيصدق ثمة صلاحيات فوق العادة. محدودة جدا، وضمن شروط مشددة، تقتضيها مصالح أكبر، لا يمكننا إدراكها. كما بالنسبة إلى موسى الذي كان يحتج على تصرفات العبد الصالح، عندما ثقب السفينة وقوّم الجدار بلا مقابل وقتل غلاما بريئا (سورة الكهف، الآيات: 65 - 82)، وما يهمنا "قتل الغلام" بما هو نفس محترمة، بعيدا عن المعنى اللغوي لكلمة غلام. وبناء على واقعية القصص لا رمزيتها، وحدوثها واقعا وبالفعل، فتعتبر جريمة كبرى وفقا للمنطق القرآني قبل غيره. فكان استنكار موسى مبررا، حينما استفزته الحادثة، وهزت أعماقه، وهو نبي كريم: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). لكن العبد الصالح بين في نهاية المطاف لموسى: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)، وراح يُنبئه بدواعي تصرفاته الواحدة تلو الأخرى. ورغم هذا التفسير، فإن قتل النفس بغير ذنب جريمة لا يستوعبها المنطق الإنساني، وقد يقبلها المؤمن تسليما لله وإيمانا بما نزل من عنده. وأما التعامل معها وفقا للمنطق الأخلاقي، فنصيبها الرفض والاستنكار. بل ويمكن توظيفها سلبا ضد الكتاب، وهو يحمل الغلام مسؤولية فعل لم يرتكبه. فنستفيد من هذه الآيات بناء على واقعيتها، ثمة صلاحيات تستدعي تخويلا إلهيا خاصا. لذا لم يقدم أحد، بما في ذلك الأنبياء، على قتل طفل بعد قصة العبد الصالح، بل ولم يسمح به أحد قط، فهي صلاحيات خاصة أشبه بالأحكام العرفية التي تتخذها الحكومات وقت الأزمات. كما حدث مع بني قريظة ممن نزلوا على حكم سعد بن معاذ، لو صحت الروايات، فإنها أحكام استثنائية اقتضتها الضرورة، رغم أنها ظلم وعدوان في ظاهرها، فهي صلاحية محدودة ترعاه السماء بواسطة الوحي. ولا يمكن تقنينها في قانون أو قاعدة شرعية، لأنها تتطلب تشخيصا حقيقيا وعلما واقعيا، وهو من خصوصيات الله تعالى. وعندما يفوض الأنبياء بها، فهم تحت إرادته، يسددهم ويهديهم. فلا تكون تلك الممارسات حجة شرعية. ولا يجوز للفقيه الاحتجاج بها. بل تبقى سيرة النبي محكومة بالقرآن الكريم، و(ما خالف كتاب الله فهو زخرف) و(ما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار). فاذا نقلت لنا السيرة حادثة عن إحراق بيت قام به الرسول. أو قتل شخصا لا نعرف سببه، لا تكون تلك الروايات حجة نحرق بسببها بيوت الآخرين أو نقتل أشخاصا آخرين. لأنها أحكام خاصة مرتبطة بمسؤوليات الرسالة، وهنا نعود الى آيات الأحكام الشرعية لنرى حكم الإسلام في إحراق البيوت أو هدمها على أهلها، فتكون الآية حاكمة على الرواية. فالنبي كما في القرآن مبلّغ وشارح ومبين للكتاب، وما يقوم به خلاف قيم القرآن نعتبره من مختصاته باعتباره نبيا ووليا وصاحب رسالة وله صلاحيات خاصة، لا يتجاوزها أو تشمله آية: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ). وأما نحن فنعود للقيم الدينية والأخلاقية فهي حجة علينا (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وأما قصة العبد الصالح مع موسى، فتقع ضمن المتشابها من الآيات محكومة بالآيات المحكمات، كقتل الغلام وثقب السفينة وإقامة الجدار، التي تعذر فهم مراميها على نبي بمستوى موسى كليم الله). فهذه الحادثة لا تكون ذريعة أخلاقية تدان بها المنظومة الأخلاقية الدينية كافة. وكل آية تفسر ضمن سياقها.

وبشكل أدق ثمة أحكام تتوقف فعليتها على فعلية موضوعاتها التي لا تكون فعلية إطلاقا إلا بتشخيص واقعي، يستدعي كشفا تاما. أي تتوقف فعليتها على الوحي فتختص بوجود النبي، المسدد من قبل الله، وفقا للنظرية الإيمانية. وبالتالي لا يمكن للفقيه تطبيقها على مصاديقها، لأن صدقية المصداق تتوقف على وجود كشف تام، لا يتحقق إلا بالوحي، ومع وفاة الرسول، تنتفي فعليتها إلى الأبد. ومن يفعل ذلك تدينه الآيات المحكمات والمبادئ القرآنية. والمشكلة هنا مع من يعتقد أن المبادئ الأخلاقية مستقلة عن الدين، وأما من يعتقد أنها قائمة على الدين، فهذا التصرف بالنسبة له حسن على كل حال مادام قد صدر عن الله: (رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي).

والسؤال: القداسة تدفع لا شعوريا باتجاه التبرير دون النقد. فهل تأثر الباحث بقدسية النص لا شعوريا، وسعى لتبرير جريمة القتل التي صرّحت بها الآيات؟. والالتفاف على النص بالتأويل أوالاستعانة بالروايات والتاريخ؟. وهذا سؤال مشروع، فحتى موسى النبي هزه مقتل النفس الزكية / الغلام. الحقيقة لم أنكر شيئا من وقائع القصص ولا أسعى لتبريرها، غير أن منهجي يدعوني للتأمل طويلا في النص. وثمة مبادئ قرآنية واضحة، فعندما ينهي الله تعالى عن قتل النفس المحرمة، ويعتبره جريمة تعادل قتل الناس جميعا، إذاً هناك تأويل وفقا لذات المبادئ القرآنية. ثم طبقت المبدأ الأصولي لمعرفة فعلية الأحكام من خلال فعلية موضوعاتها، وقلت: إن فعل القتل محرّم، وعندما يقع بأمر إلهي كما أخبر العبد الصالح، إذاً ثمة موضوع تتطلب معرفة حيثياته إحاطة وكشفا تاما، لا تتحققان إلا لله تعالى. فلا يمكن للفقيه تطبيق الحكم على مفردة مماثلة إطلاقا.

()وأما بناء على رمزية القصص، واستراتيجية الكتاب بتصديق ما بين يديه من التوراة والأنجيل، كما تحدثت عنهما مفصلا في فلسفة الخلق، فالأمر يختلف، إذ معنى رمزية القصص عدم واقعيتها، فيوظف السرد القصصي رمزية للتعبير عن معاني تضيق بها اللغة العادية. أو لحماية تلك المعاني من ابتذال التصريح فتبقى رمزا يثري التأمل الفلسفي والفكري لفهم تلك الأهداف النبيلة. وحينئذٍ تكون مهمتنا البحث عن الدلالات الرمزية لهذه القصة، والأخذ بنظر الاعتبار أن القرآن كتاب ديني، له أهدافه وغاياته، وأن لغة الدين لغة رمزية مكثفة. هدفها هداية الناس وحملهم على الإيمان بالغيب والمطلق وكل هذا يستوجب خطابا يتصف بقوة إيقاعه، لتلين النفس بالإيمان من خلال ضبط إيقاع سلوك الفرد المؤمن.

إن ما تقدم يعد مبررا لإعادة النظر بالسيرة العملية للرسول / فعله وتقريره. فثمة اختلاف دلالي بينهما وبين أقواله / أحاديثه وروايته. إذ يمكن من خلال الدليل اللفظي، تحديد الأمر والنهي. لكن لا يتحقق هذا دائما من السيرة، فربما فعله يقع ضمن خصوصيتها الشخصية، فلا تشمل غيره. ثم ليس من المعقول أن يترك النبي الأحكام بلا تقنين اعتمادا على سيرته. وعندما لا نجد سيرته ضمن الأحكام الشرعية المدونة فهذا يعني: إما أنه أهمل الأحكام الشرعية وهذا خلاف كونه مبلغا ومسؤولا أمام الله تعالى، وخلاف سيرته في بيان وشرحها وتفصيلها. أو أن السيرة / فعله، حجة في عصر النزول، فلا تشمل غير الصحابة وربما التابعين. وهذا أيضا خلاف إطلاقات الأحكام. أو أنها من صلاحياته كنبي وقائد في حينه، وهي صلاحيات لا تنتقل الى غيره، فلا تدرج ضمن الأحكام الشرعية المدونة في القرآن الكريم، وهذا هو الراجح بعد انتفاء الاحتمالين المتقدمين. وعليه فسنته (قوله وفعله وتقريره):

- تارة تكون ناظرة الى تفصيل وبيان الأحكام الشرعية الموجودة في القرآن الكريم، وهذه حجة وضمن مسؤولياته في بيان الأحكام.

- وأخرى تعبر سيرته عن أمر شخصي، فهي ليست بحجة.

- وايضا تارة تعكس صفة أخلاقية باعتباره قدوة في الأخلاق، فتبقى قيمة أخلاقية كحد أعلى.

- وأخيرا قد تنقل لنا السيرة حكما ولائيا باعتباره وليا وحاكما ومسؤولا. وهذه الطائفة من السيرة تكون من مختصاته وصلاحياته كمسؤول وحاكم، أو كنبي ورسول، والثانية لا تنتقل الى غيره.

ونعود للإشكالات المتقدمة:

أولأ: زواج النبي من عائشة خلافا للمنطق الأخلاقي.

كيف نفسّر زواج النبي من ناحية أخلاقية؟.

هنا سنتخذ من القرآن مرجعية لحسم النزاع، فعندما تقول الآية: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، فتعني أن الرسول هو النموذج الأخلاقي لجماعة المسلمين. لكن من أين يستمد شرعية أخلاقه؟:

- إما أن تكون أخلاقا إنسانية، تتقوم بذاتها كالحُسن والقُبح العقليين. فهل يقدم الرسول على زيجة قبيحة عقلا وهو قدوة المجتمع ونبي، وضعه الاجتماعي يختلف عن الآخرين، ويضطره للتمسك بقضايا أخلاقية، حرصا على سمعته وسمعة عياله؟.

- أو تكون أخلاقا دينيا. وقد تقدم أن منطق الشرع هو الزواج من المرأة الناضجة التي يصلح أن تكون شريكة لزوجها في حياتها.

وبالتالي فالكلام افتراضي، بناء على صحة الأخبار. وأما على المنهج المختار فلا يمكن ثبوت صحة هذه الرواية وغيرها، وتقدم الحديث عن منهجي في تصحيح الروايات. فتبقى الرواية وفقا لهذا المنهج مجرد احتمال لا غير. (راجع كتاب: النص وسؤال الحقيقة). وبالتالي لو صحت الرواية، وهذا مستبعد، كما بيّنت، فلا تشفع له سوى التقاليد والأعراف الاجتماعية آنذاك، وهي أخلاق نسبية، تختلف من زمان لآخر. لكن للإنصاف يجب التأكد من صحة الخبر، قبل أن نضع النبي في قفص الاتهام ثم ندافع عنه. فربما كانت عائشة بسن أكبر، أو هناك حلقات مفقودة في الخبر، لم تصل لنا، وهذا ليس تبريرا بل الكلام وفقا لمنطق الكتاب، حيث اعتبر النبي "النموذج الأسمى أخلاقيا"، فكيف يرتكب هذا الزواج؟. وإذا كانت الأعراف تبيح الزواج من الصغيرة وفق المنطق الذكوري، فهذا لا يعني أن الجميع يتزوج من الصغيرات. وهدف الدين تقويم أخلاق المجتمع فكيف يتزوج النبي من طفلة بست سنوات؟. وعليه فالدين مكون أساس للأخلاق، ومرجعية نهائيا للمسلمين، شريطة أن يبقى الكتاب هو المرجعية النهائية، وما عداه لا يمكن أن يكون حجة نعارض بها قيم الدين والأخلاق.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

في الواقع لم يبق في ذهني بعد قراءة هذه الاجابات القيمة سوى مشكلة الزواج بعائشة.
كيف لنبي قائد أمة يدعو لتحرير المرأة و مساواتها بالرجل ان يتخذ هذه الخطوة.
هذا الخبر اشبه بالمعجزات و الخوارق التي تحتاج لمزيد من التفكير و التدبر.
و ايضا لفت انتباهي انه لا يجوز ان نضع النبي بقفص الاتهام ثم نكلف انفسنا عناء الدفاع عنه (يعني تبرير ما سلف و حصل).
في القرآن عدة اشارات ان النبي ان هو الا بشر مثلكم. و انه يخطئ و يصيب. اما انه لا ينطق عن الهوى. فهذا بخصوصية الوحي و التشريعات و الأحكام و تبليغ الرسالة.
لا شك يجب عدم خلط مهمة او وظيفة رسمية لقائد روحي و بين حياته الشخصية و الخاصة. و مشكلتنا الحالية بتأليه الرؤساء و القادة و الخلط بين وظيفتهم في الدولة و فضاء الحياة الشخصية وضعنا جميعا في الشبهات.
لم يترك للواجب المكانة للمرجوة. و اخضع كل شيء للمزاجية و اامحسوبيات. و هذه هي اكبر اسباب انتشار الدكتاتوريات و ارتجال التصرفات دون استشارة و لا تفكير. و ان تربط مصير امة بمزاج شخص لهي من الكبائر.
و شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك وتفاعلك الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق. احيانا افكر هل يصدق الزواج في هذه الحالة؟ اقصد لو صح هناك اعراف وتقاليد تسمح لكن ماذا عن صدق المفهوم؟

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5179 المصادف: 2020-11-09 08:04:03