 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (219): التعارض بين الأوامر الإلهية والأخلاق

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

حب الذات والأخلاق

ماجد الغرباوي: ينبغي التأكيد، ثمة اختلاف جوهري بين حب الذات، كدافع يتحكم بنوايا أية مبادرة، وبين تأكيد الذات في دافعها الإنساني الخالص. الأول يجعل منك شخصا أنانيا، متحيزا لنفسك ومصالحك ورغباتك فهي أخلاق نفعية. بينما الدافع الإنساني للفعل تجلٍ لإنسانية الإنسان. فيبادر تلقائيا، بعيدا عن أية مصلحة مادية أو معنوية... إنسان يتعرض للخطر، فتهب لنجدته وانتشاله بدافع ذاتي إنساني. وقد تضحّي إذا اقتضت التضحية. في تلك اللحظة أنت إنسان بإنسانيتك، لأنك لم تتخل عن وظيفتك الإنسانية. هذا أوضح مصاديق الفعل الأخلاقي. ولا ريب أن كل إنسان يمتثل لنوازعه الإنسانية، لولا لوثة الأنانية والطائفية والأيدولوجية، التي تشوّه مفهوم الإنسان، خاصة فتاوى الفقهاء الإقصائية التي تعلو لديها الطائفية على القيم الإنسانية. بل أنها تختتزل مفهوم الإنسان بالإنسان الطائفي. وهذه جريمة فيها تجاوز على القيم الإنسانية التي هي أساس بناء مجتمع الفضيلة الذي تتوقف إقامته على تجلي القيم الإنسانية في سلوك الناس.

إن حب الذات يقصي المشاعر الإنسانية إلا ما توافق مع مصالحه الشخصية، وحينئذٍ لا يصدق على موقفه مفهوم الفعل الأخلاقي. إنها صفة أنانية، لا مشروعية أخلاقية لها، ما لم تخضع لمنطق الأخلاق الإنسانية. الأنانية لحظة تردد ونكوص تختزل الامتداد الوجودي للفرد بحدود مصالحه، مهما بلغت حاجة الآخر لمساعدته التي قد تتوقف حياته عليها. فعدم استجابته تمرد صارخ ضد نفسه وقيمه. بينما الفعل الأخلاقي استجابة للذات من خلال الآخر، فيكون اندفاعه ذاتيا، نابعا من طبيعته الإنسانية، ومن أعماقه التي استودع الله فيها ذات الخصائص المشتركة. فيصدق أن أخلاق الواجب الإنساني الذي يحقق إنسانية الإنسان أخلاق مطلقة، مثلها مثل أخلاق الواجب (كانط). وليست نسبية كأخلاق اللذة والمنفعة وغيرهما.

إن الواجب الأخلاقي رهان حقيقي لكل مجتمع يروم التقدم الحضاري، وقد أكدته الأحاديث النبوية كقول النبي الكريم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). الفعل الأخلاقي الإنساني تعبير آخر عن حب الإنسان لأخية الإنسان. بل ورتَّبت الروايات دخولَ الجَنَّة على العمل به. جاء في مسند أحمد عن يزيد بن أسد القسري: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَتُحِبُّ الْجَنّةَ؟). قلتُ: نعم، قال: (فَأَحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ). يفترض أن الطبيعة البشرية تكفي في حب الآخر، غير أنها تخفق أمام المغريات: (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ). فتكون تلك الأحاديث إرشادية لحكم العقل بوجوب الاستجابة الإنسانية. فمصدر إلزام الفعل الأخلاقي هو العقل العملي ارتكازا لمشاعره الفطرية كمجسات يهتدي بها، كما تقدم تفصيل الموضوع. بمعنى أدق، أن آلية العقل في تحديد الموقف العملي في سؤال ماذا يجب أن أفعل، ترتكز للمشاعر الفطرية كمجسات تتجلى فوقها ردود فعل المشاعر الإنسانية، التي هي مشاعر أصيلة، وكونية، وشاملة. فالعقل يكون معيارا، يستعين بمشاعره الإنسانية الأصيلة، التي هي مشاعر فطرية وقانون أخلاقي كوني. وشرط الأصالة شرط احترازي لاستبعاد ما يطرأ فيما بعد على فطرة الإنسان، بفعل بيئته الثقافية والاجتماعية، فيخسر حريته التي هي شرط الفعل الأخلاقي، لأنها تعني التحرر المطلق من جميع القيود. وبالتالي فالتمركز حول الذات يختزل العمل الأخلاقي، ويكرّس روح الأنانية.

وهنا ينبغي التمييز بين الأصيل والمكتسب من القيم الأخلاقية. الأول نابع من إنسانية الإنسان، ذالك الذاتي الذي به يكون الإنسان إنسانا، ويكون الضمير محفزا ورقيبا صارما عليه. بينما يتخلى الضمير عن مسؤولياته حينما تكون القيم الأخلاقية مكتسبة. كالأعراف والتقاليد  التي تفرضها المجتمعات عادة.

الأوامر الإلهية

طالما استخدمت مفهوم التجربة الروحية رديفا لمفهوم التجربة الدينية تبعا لعالم النفس والفيلسوف الأمريكي ويليام جيمس، ولتداخلهما، كما تقدم في بحث التجربة الدينية والأخلاق. وكان السياق يكفي لتشيخص الدلالة في حالات الالتباس. غير أن البحث هنا يستدعي تعريفا منطقيا للتجربة الدينية، باعتبارها جوهر الدين، ومن ثم تشخيص حدود التعارض بين الدين والأخلاق. وقبل ذاك، هل التعارض بين جوهر الدين والأخلاق ممكن بذاته أم لا؟

قبل مقاربة طبيعة العلاقة بين الأوامر الإلهية والأخلاق، نؤكد ما تقدم أن التجربة الدينية: هي جوهر الدين وماهيته وحقيقته. وهي مشترك ذاتي بين جميع الأديان بمختلف تجلياتها وتمظهراتها. ويقصد بالذاتي ما ينتفي الشيء بانتفائه. في مقابل العرضي الذي لا ينتفي الشيء بانتفائه. ويعرف الذاتي منطقيا: "المحمول الذي تتقوم ذات الموضوع به غير خارج عنها". فماهية الموضوع لا تتقوم إلا به وهو قوامها، سواء كان هو نفس الماهية، كالإنسان المحمول على أفراده. أو جزءها كالحيوان المحمول على الإنسان. بينما العرضي: هو المحمول الخارج عن ذات الموضوع، لاحقا له بعد تقومه بجميع ذاتياته، كالضحك اللاحق للإنسان. وعندما نعرف الإنسان منطقيا بالحد التام، نقول: الإنسان حيوان ناطق. والنطق أو التفكير هو ميزته عن غيره، فيعد ذاتيا له (سبق أن تحفظت على مفهوم الحيوان). (يمكنكم للاستزادة الرجول لكتب المنطق، كمنطق المظفر). فجوهر الدين ذاتياته التي ينتفي بانتفائها. الدين لا ينتفي بانتفاء الشرائع والعبادات. ولا تتوقف صدقيته على وجود الرسل والأنبياء. الدين سابق على نزول الرسالات السماوية. بل أن هدف العبادات والشعائر والطقوس وجميع الممارسات الفردية والجماعية، إثراء التجربة الدينية وتعميق الجانب الروحي لدى الإنسان، لينعكس إيجابا على سلوكه، مباشرة أو بشكل غير مباشر من خلال وازع التقوى. لذا لم تقتصر العبادات على الفرائض المسنونة بل تشمل التسبيح والتدبر والتأمل بالأسئلة الوجودية الكبرى، كل ذلك لتعزيز روافد الإيمان، التي تعزز بدورها التجربة الدينية. فالتجربة الدينية التي يعيشها الإنسان مع خالقه أو المطلق المحير، أو الكائن الأسمى هي جوهر الأديان وهي الذاتي المنطقي. فإذا اعتبرنا "التجربة الروحية" جنسا أعم من التجربة الدينية والصوفية وما يرافقها من مشاعر وأحساسيس، فإن ما يميز الدين تجربته الروحية التي محورها المطلق، الكائن الأسمى، الخالق. فيصدق تعريف الدين بالحد التام: "تجربة روحية محورها الله / المطلق / الكائن الأسمى". وبشكل أوضح: يعتبر المقدس محور التجارب الروحية. أو تفقد مصداقيتها بانتزاعه. فيصدق أن المقدس مقوّم أساس لهوية وحقيقة التجارب الروحية. وهو تارة يراد به الخالق، مهما اختلفت الإشارة له: الله / المطلق / الكائن الأسمى. (عباراتنا شتى وحسنك واحد   وكل إلى ذاك الجمال يشير)، فيصدق على التجربة الروحية حينئذٍ مفهوم التجربة الدينية. وهي كل تجربة روحية محورها الله. أو لا يقصد بالمقدس خصوص المطلق والخالق، فلا يصدق مفهوم التجربة الدينية على هذه التجربة الروحية بالذات. وهذا يسري على جميع التجارب بيما فيها التجارب الروحية للإنسان البدائي، فهو قد يشير لخالق الكون الذي يبهره وجوده أو يشير لأمر خرافي. وبهذا تمتاز التجربة الدينية عن غيرها من التجارب الروحية بتجلياتها. فهي ليست مشاعر وغبطة، فقد تتولد مشاعر السعادة من دواعٍ غيرها. التجربة الدينية تعبير عن كيفية تمثّل ذلك الوجود المجرد، المبهم والمهيمن، دون معرفة كنهه وحقيقته، حد يجد الإنسان كما بالنسبة للأنبياء أنه يعيش في عوالم أخرى. فهي مشترك إنساني، تتفاوت تجلياتها، لا يشترط فيها سوى صفاء الروح، وإن كانت المعرفة وسمو النفس تكسبها قدسية أكبر، طالما تعمق حضور المقدسز فالتجرب الدينية للأنبياء تتصف بصعوبتها، وقوة معاناتها، وحجم ما يبذلونه لتزكية النفس، تتطلب سموا روحيا عاليا، لذا تجاربهم محكومة بالتفاوت: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ). وهكذ تجربة تكون التقوى دالة عليها، وتكون الأخلاق دالة عليها، وتكون المشاعر الإنسانية دالة عليها. وبالتالي لا تمثل الشرائع جوهر الأديان، فلا تنافٍ ولا تعارض بينها وبين الأخلاق حينئذٍ. ويصدق أنها سالبة بانتفاء الموضوع، كما يعبر في المنطق الأرسطي. وهنا يمكن الاستشهاد بآيات الكتب التي تصف حالة الخشوع لله وتصور حالة المؤمنين في علاقتهم معه. أي تصور مشاهد من التجربة الروحية للمؤمنين:

الخشوع مثلاً، تعبير آخر عن ظمأ الروح، وحنينها لذلك الوجود القديم. فعندما يناجي الله، يناجيه عن علم ومعرفة فتمتلئ نفسه وروحه بمشاعر تغمره. لكن بودي التأمل في آية لها علاقة بالتجربة الروحية ليس مباشرة لكن من خلال وصفها لماهية الله، لذلك الوجود الذي يريد أن يتماهي معه الإنسان ويذوب فيه: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). هذا هو الله المطلق الكائن الأسمى الذي يملأ الروح حينما يغمرها بقدسيته. ولاريب تؤخذ استعدادت الفرد من جميع الجهات لتقييم تجربته الدينية، فقد تكون تجربة الإنسان البسيط أكثر مصداقية. يتمثل ذلك المطلق بتجرد، غير أنه يذوب فيه حبا وتعليقا، فينعكس على سلوكه وأخلاقه، فتجده شخصا يتوهج بالإيمان والصدق.

وبالتالي علينا تحري صور التعارض بين الأخلاق والدين بعيدا عن جوهر الدين وحقيقته. وهنا نرصد ثلاثة مستويات للأوامر الإلهية:

- تعارض الأوامر الإلهية مع الأخلاق.

- تعارض الأحكام الشرعية مع الأخلاق.

- صدقية الأحكام الأخلاقية في القرآن.

أولاً- تعارض الأوامر الإلهية مع الأخلاق:

إن أول مصاديق التعارض بين الدين والقيم الأخلاقية تلك الأوامر التي وردت في قصص الأنبياء، كإقدام إبراهيم النبي الكريم على ذبح ولده إسماعيل (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ). وكذلك قتل الغلام من قبل العبد الصالح الذي رافقه موسى النبي الكريم. وقد أكد الأول أن قتل الغلام ليس قراره: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا). وما يهمنا "قتل الغلام" بما هو نفس محترمة، بعيدا عن المعنى اللغوي لكلمة غلام. وبناء على واقعية القصص لا رمزيتها، وحدوثها واقعا وبالفعل، فتعتبر جريمة كبرى وفقا للمنطق القرآني قبل غيره. فكان استنكار موسى مبررا، حينما استفزته الحادثة، وهزت أعماقه، وهو نبي كريم: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). وهذه الآية تعتبر مصداقا واضحا للتعارض بين الديني والأخلاقي.

تناولت أكثر من مرة موضوع القصص القرآني، وأكدت أن غاية القصص بصريح الكتاب هي العبرة والعظة: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ). وهناك ثيمة وراء السرد هي التي تحدد تقنياته وأدواته اللغوية والبلاغية وسياقاته. فثمة قصص وظفت الرمز للتعبير عن فكرة تضيق بها العبارة، وتعجز اللغة عن بيان مقاصدها، فتساق القصة كأسلوب أدبي رمزي، مثالها مشاهد خلق آدم التي مرَّ بيانها: حوار الله مع الملائكة، وردهم، والسجود وغير ذلك. وهذا لا ينكر وقائعية بعضها، غير أن الأول أقدر على تحقيق هدف القصص وبيان ثيمتها. خاصة مع عمق الثيمة وفكرة القصص. ومثالها القضايا التجريدية. وقد مرَّ الكلام مفصلا في قصة الخلق، وقد بينت بما لا مزيد عليه ما يبرر رمزية القصة، وذكرت مجموعة أدلة وشواهد.

إن قتل الغلام في قصة العبد الصالح وغيرها كقصة إبراهيم وذبح ولده، تتعارض مع آيات الكتاب وقيمه، خاصة قتل النفس المحرمة بغير ذنب. وبما أن حرمة قتل النفس ثابتة بآيات محكمات، وأن وقائعية القصص تتعارض معها، فينبغي لنا البحث عن دلالاتها الرمزية، للكشف عن العبرة والموعظة في الآية. وهذا هو المنطق القرآني في تعامله مع المتشابه من الآيات، حيث يُرَد المتشابه للمحكم. ورمزية هاتين القصتين ليست خافية على من يجيد القراءة الرمزية لآيات الكتاب. لو سلمنا بوقائعيتهما، فسيكون التعارض بينهما وبين القيم الأخلاقية ظاهريا. فثمة أحكام مختصة بالأنبياء، لا تنتقل لغيرهم بأية ذريعة، لأن تحديد فعلية موضوعاته يتوقف على وجود كشف تام، وهذا لا يتحقق إلا من خلال الوحي، وبانقطاعه لا تعود لها أية فعلية. وهي مجموعة أحكام ذات ملاكات ومصالح خافية علينا، لا يمكن اكتشافها، وحينئذ يكون التعارض ظاهريا وفقا لعلمنا ومعرفتنا، لكنه في حقيقة الأمر ليس كذلك في علم الله. قد يبدو هذا تبريرا، غير أني مع رمزية القصص، وقد أسهبت بهذا الموضوع وبيان حقيقته وأدلته. والتفسير الرمزي لقصة إبراهيم بشكل مكثف، تريد القصة بيان درجة يقين الأنبياء وقوة إيمانهم وإرادتهم، فتقول إنا ما يحقق صدق النبوة،  يقينا لا يتأثر يتزعزع، وإرادة لا تثنيها حتى علاقة الأب بولده، لذا جاء تكملة الآية: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ). ففكرة اليقين المطلق والإرادة الحرة المطلقة لا يمكن تصويرها بالكلمات بينما للسرد القصصي سحره، وقدرته على تمرير الأفكار. مهما تكلمت مع طفلك عن الكذب وتداعياته لا يستوعبه، ولو استوعبه لا يصدقه، كما لو سردت له حكاية الطفل الذي كذب عندما إدعى الغرق، ولما غرق حقيقة لم يغثه أحد.

وقصة موسى مع العبد الصالح، فهي زاخرة برمزيتها ودلالاتها، إذ الآية أتت للكشف عن محدوية علم موسى وهو نبي، وهذا القدر من البيان يعجز معه الكلام فجاء بأمثلة مدهشة، لا يمكن إدراك ملاكاتها ومصالحها، حتى النبي. فهي تتحدث عن علم مختص بالله، لا يحط به الإنسان. وسبق أن ذكرت وأنا بصدد بيان اختصاص التشريع بالله، أن وراء الأحكام ملاكات ومصالح، قد تكون واضحة لنا، لكن علاقاتها بنظام الوجود وعلاقات الإنسان مجهولة لنا، وغاية ما يعرفه النبي ما يوحي له الله فقط، فكيف يكتشف الملاكات البعيدة التي تستدعي إحاطة كاملة وهي مختصة بالله. فقصة موسى مع العبد الصالح، تتحدث عن علم بملاكات أحكام بعيدة، نستنكرها نحن وفقا لمرتكزاتنا الأخلاقية والمعرفية، لكن مرتكزاتنا ليست هي نهاية المطاف ونهاية العلم، وأن علم الله يختلف عن علم الإنسان. علمه كلي ونظرته شاملة. وقد ضربت القصة ثلاثة أمثلة لموسى كدليل على ما أرادت بيانه وهو الفارق النوعي بين المعرفة الإلهية والمعرفة البشرية. وبالتالي فهي دعوة غير مباشرة لموسى للتأني في فهم  وإدراك الأحكام، فربما حكم يتعارض مع مرتكزاتك ووراءه ملاكات ومصالح وافرة. أو ثمة حكمة خافية لا يعلمها الأنبياء فضلا عن الإنسان العادي. وقد تكون الآية تمرينا لموسى لتوطين نفسه على تلقي أحكام لا يدرك حكمتها وعللها وملاكاتها. بدليل أن العبد الصالح راح يبين له علل وأسباب تلك التصرفات. وكان موسى ينبهر، فهي قصة رميزة بلغية جدا: (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)، (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا).

وبالتالي لا يمكن تعقل أي تعارض بين الأخلاق وما ورد من أحكام قصص الكتاب، لأنها قصص رمزية، وليست واقعية بالضرورة، وتبغي بيان عبرة وموعظة علينا تحريها من خلال السرد الرمزي

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

لا شك أن الأخلاق مسألة ذاتية. لكن مفهوم الأخلاق له قوانين و قواعد تتبدل من زمن لآخر و من جيل لآخر.

ما يستهجنه الآباء قد يكون مدعاة للعمل من أجله في جيل الأبناء.

لكن ما هي الخطوط المتفق عليها.

التطبيق أم الأفكار؟.

لا يمكن العزل بين الطرفين إلا مخبريا. في مخبر الفلسفة وحدها. لكن خلال التعايش مع ظروف الحياة يتداخل الجانبان لتحديد موقع الإنسان من مجال الأخلاق.

و هنا يجدر بنا التمييز أيضا بين الذات الذاتية و الذات الجماعية. أو بين الخاص و خصوصية الخاص.

و الحقيقة أن هذا هو مجال الميتافيزيقا.

ففي مجتمعات تنظر للحداثة على أنها اساطير ميتة و انتهى وقتها لا تتساوى الأخلاق مع مجتمعات تعيش بين خطوط التخلف و عند حدود الماضي المنصرم.

و في ما بعد الحداثة توجد ميتافيزيقا مادية إن صحت العبارة. تحدد العلاقة بين جزئيات الأفراد و خالقهم. و المقصود بالجزئيات هو إنسان ما بعد الحداثة في فضاءاته المتنوعة: العمل و الشارع و المنزل. و معتزله المنزلي.

و كلها تدرجات تسهم لحد بعيد في إضفاء خصوصيات على معنى الإيمان.

وهو ما أفهمه من كلام الأستاذ الغرباوي حين يقول: الذات حين تعمل في دافعها الإنساني الخالص.

وشكرا..

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمداخلتك الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق. لا شك بنسبية الأخلاق لكن نسبيتها لا تنفي وجود قيم مطلقة سأتحدث عنها لاحقا. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحايا الورد الأستاذ الباحث التنويري ماجد الغرباوي تقديري بروعة تفكركم وبذل الجهود لتقريب الفكرة بسلاسة حداثوية لمفهوم كل ما يخص الكتاب الكريم من ثيمات القصص والأشارة لهدفها الواعظ من أجل حياة اجتماعية افضل بالخلق الأنساني الطيب ليتفكروا أولي الألباب ..
فهناك الكثير من يفسروا الأيات بعصبية انتماء وتؤخذ على سطحية التفسير وتطبق بفهم خاطي يؤدي لكوارث كما نرى من تطرف ديني وعقيدة اعتناق في معظم الأديان الا ان الدين الأسلامي أكثر من حصل فيه اختلاف في التفسير وطائفية انشقاق عقائدي ادى ما ادى من قتل واباحة للنفس المحرمة وانتهاك حرمات عديدة فمتى تصلح العقول وتتبرأ النفوس من الميول وشرعنة شخصية؟ ....
شكرا لعطاء مستمر بوركت رؤياكم استاذي القدير وما تسطره نورياتكم للتسامح والتصالح الأنساني لفض مستويات الخلاف وتقبل الآخر بفطرة سوية في الأخلاق واكتساب صلاح الدين لله أو لأي ربوبية مقدسات ..
قرأت فحوى بحثكم الراقي وما دار بخلد افكاري عموم ومطلق مما حدث ويحدث باحوال مجتمعاتنا وما تعرضنا له يصب في مجرى رؤياكم الموحية لكثير من المفاهيم الشائكة وعمدتم لتوضيح الكثير منها وما زلتم ان شاء الله, لذا وددت التعقيب بشكل عام دمت بالف خير وننتظر المزيد

إنعام كمونة
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذة الاديبة إنعام كمونة. شكرا للطفك وتفاعلك مع الحوار وشكرا لاشادتك به.بلا شك نحن اليوم نواجه مشكل التفسيرات التراثية للنص القرآني، والتي تحرّم اي تفسير يختلف مع ما قاله السلف. اعتقد النص القرآني نص مفتوح يستدعي جميع الأدوات اللازمة لاستنطاقه وتحري ما يحمله النص أو ما يسكت عنه. اكرر شكري واحترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ المفكر ماجد الغرباوي
هناك نقطتان مهمتان:
أولاً: أن التجارب الدينية منطوية بذاتها على المجهول والنسبية. وأنها تجارب بشرية بهذا المعنى من حيث كونها معبرة في إطار الأبعاد الإنسانية للتدين. وحتى الأنبياء ( وهذا أمر مهم جداً) لا يزعمون ( تأكيداً ) التحدث من تلقاء أنفسهم إلاَّ بقدر ما هم مبلغون عن السماء. وهذه النقطة تهدم فكرة إكتمال التجارب الدينية وتظل قادرة على عدم إغلاق أية دائرة بين الفرد والسماء حصراً. ونحن نعرف أن كل تجارب العنف والإرهاب تأتي من تجاهل هذه النقطة تحديداً. ورائع ما فعلتم استاذ ماجد حين حرصتم في التحليل على( تطهير) العلاقة بين الفرد والله، لأن كل إنسان يسير بشكل نسبي فيها كما أنه لا يستطيع الإدعاء بعكس ذلك. إن أساس العلاقة قائم على الحرية وليس هناك ملوث لها إلاَّ إذا دخلت أطوار من التشكيل الأيديولوجي الجمعي( كما ورد على لسان فرعون: أنا ربكم الأعلى- ما علمت لكم من إله غيري - استخف قومه فأطاعوه).
ثانياً: أن الاخلاق ليست مجرد أوامر ملزمة فقط كأنها إكراهات خارج التاريخ والحريات الإنسانية، لكنها فلسفة وبها جوانب رمزية مرتبطة بطرائق الحياة ووجود الكائن البشري وطبائع المجتمعات. وهذه النقطة قد تفهمنا ثراء الأخلاقيات وكيف تتشكل؟ وللأسف أن بعض المجتمعات أفرغت الأخلاق من خلفياتها الإنسانية والرمزية وجعلتها قيوداً ومحددات صارمة في شكل لا هوت التحريم ليس إلاَّ. وهذا ما دفع بالناس إلى التحلل من التدين نظراً لأن الإنسان يكرة التلصص والمراقبة والمتابعة المتسلطة.
خالص محبتي وتقديري ودام عقلكم المبدع

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ الدكتور سامي عبد العال. سعيد بتفاعلك، وانت العقل المفكر والناقد الجدير. قراءتك دائما تفضي الى ملاحظات مهمة، وهي قراءة واعية ولا ريب. كان بودي التنبيه لبعض النقاط بخصوص التجربة الدينية، كي لا تطغى، وتبقى في حدود نسبيتها كتجربة فردية. ويبقى افق التكامل مفتوحا، دون احتكار لأية جهة كانت. خاصة أن الانبياء لم يدعوا أكثر من الوحي، وللإيحاء دلالاته. ربما يسمح الوقت بمقاربتها ضمن اسئلة الوحي التي مازالت تنتظر.
اما بالنسبة النقطة الثانية، فإن ما تفضلت به هو بالضبط ما أردته من التأكيد على إنسانية الأخلاق، بحيث تترك أثرا أخلاقيا، ولذا تقدم أن النية لا تكفي، رغم ضرورتها، لكنها لا تكفي ما لم يترتب على الفعل اثر على الفرد والمجتمع. اكرر احترامي وسعادتي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5402 المصادف: 2021-06-20 06:03:58


Share on Myspace