 حوارات عامة

في حوار مع الشاعر التونسي محمد المثلوثي

انور بن حسين* بعد مئتي عام سيختفي الشعر ويصبح مجرد تراث

كان حواري مع الشاعر محمد المثلوثي على إثر زيارة للاطمئنان على صحته بعد تعرضه لجلطة قلبية فأردت أن أنتهز الفرصة لإدارة حوار معه خاصة وأنه من الشعراء القلائل الذين كتبوا كثيرا في غرض المدح وكذلك الأغراض الشعرية الأخرى ومن الذين تمسكوا بالأصالة وبالتراث الشعري العربي وله رصيد محترم من الإصدارات التي تستحق الاهتمام رغم موجات التجديد وشعر ما بعد الحداثة.هكذا ظل وفيا إلى بداياته وإلى الأوائل الذين ورثنا عنهم حجر الأساس في فن الكلام المقفى.فكتب عديد الدواوين نذكر منها "روض الخلود" تغنى فيه بمناقب العرب وشجاعتهم، "حدائق البيان في سلطنة عمان"، "عاشق الكويت"، "روض الربيع في المغرب البديع"، "جديد السعودية في القوافي التونسية" وغيرها كثير ولديه خمسة كتب في التوثيق التاريخي والسياسة.هو من مواليد 1943 ميلادية بالقلعة الكبرى وهي مدينة صغيرة بالساحل التونسي، له صولات وجولات بين الدول العربية حتى أنه صار متنبي عصره يجول بلاطات السلاطين والملوك، كما تحصل على بعض الأوسمة منها وسام الاستحقاق الثقافي من المملكة العربية السعودية سنة 2005 والوسام الفضي للاستحقاق الأدبي بفرنسا سنة 1988 من قبل وزير الثقافة الفرنسي شارلي بوناردي، وتحصل على عديد رسائل الشكر من عديد الملوك والرؤساء كجلالة الملك محمد السادس ورئيس فرنسا السابق جاك شيراك. وإن للشاعر علاقات عريقة بكل من الأمير الشاعر خالد الفيصل والشاعر الوزير غازي القصيبي (رحمه الله) وكذلك بالمستشار الثقافي لفقيد الأمة العربية السلطان قابوس، ويقول لكل أصدقائه الذين أحبهم ومن هؤلاء من كتب فيهم قصائد ولازال يذكرهم وهو على فراش المرض:

"أنا الذي قلت شعرا ليس يفقهه

إلا الذين ببيت العلم هم خلقوا

وما انكسرتُ بدهري رغم شدته

والجاهلون ببحر المال قد غرقوا

دقوا الكؤوس بكأسي وهي خاوية

من عسر هذا الدهر وارتاحوا واغتبقوا

دمي على الهجر موهوب لكم قسما

لو مات قلبي من حبي لكم فثقوا"

ويمكن لهذا الحوار السريع أن يقدم لمحة عن شخصه وأفكاره وإن وردت باقتضاب فإنها تفتح المجال للبحث في كتاباته وإنتاجاته.

1- ما الشعر في نظركم وما سر تمسككم بالقصيدة العمودية وبأغراضها الشعرية وما موقفكم من أشكال الكتابة الشعرية المعاصرة؟.

- كانت بدايتي مع الشعر منذ الصغر وكنت مولعا بحفظ القصائد وكانت لي ذاكرة شعرية حادة وهذا شجعني على مواصلة المشوار والمضي قدما في التجربة بالإضافة إلى تشجيع بعض الأصدقاء والأساتذة أذكر منهم الميداني بن صالح ومنور صمادح وكانوا يحثونني باستمرار على كتابة الشعر لما رأوا لدي من نبوغ وولع بالقصيدة العمودية.وقد كتبت في عديد الأغراض الشعرية كالمدح والرثاء والهجاء والغزل وكنت وفيا في تجربتي إلى التراث الشعري العربي وميالا إلى شعر المدح وتأثرت بأبي تمام وأبي الطيب المتنبي والأخطل وابن أبي ربيعة وغيرهم من فطاحل الشعراء، وحفظت عنهم الكثير من الشعر ما يقارب عشرة ألاف بيت.وعندما مدحت الملك المغربي محمد السادس بمناسبة عيد العرش سنة 2005 لما رأيت فيه من طموح ورغبة في إصلاح أوضاع بلده ارتجلت الشعر عنده ورأيت ما يوليه من تبجيل للمبدعين وتشجيعهم كما مدحت السلطان قابوس من سلطنة عمان وكتبت فيه قصيدة رثاء بمائة بيت بعد وفاته. فالمدح ليس ضرورة انتظار بعض المكافآت من الممدوح ولكنه ذكر للمناقب والقيم الأصيلة والتي تقدم دروسا في الشهامة والكرم وحب الناس.

أما في خصوص موقفي من أشكال الكتابة الشعرية فأنا لا أرى أنواعا في الشعر والذين جعلوا للشعر أنماطا وأشكالا هم مخطئون وأقولها على مسؤوليتي فهذا ينضوي تحت ما يمكن أن نسميه الجهل بقواعد الكتابة الشعرية فكيف يكون الشعر شعرا ونثرا في نفس الوقت. فمنذ القديم اصطلح العرب على مقومات القصيدة وعلى النثر كجنس أدبي مختلف. إن الكلام عند العرب نوعان لا ثالث لهما شعر ونثر فما يميز الشعر عن النثر انه موزون وذو تفعيلة وذو جمالية لغوية تختلف عن أصناف الكتابة الأخرى ولا يمتلك صفة الشاعر إلا من كانت له ميزات منها سرعة البديهة والتمكن من اللغة وأعتبر الهروب من القصيدة العمودية هو إما ضعف وإما تقصير ونرى اليوم كل من يكتب كلاما منثورا يعتبره شعرا وهكذا اختلط الحابل بالنابل ويصعب التمييز بين الجيد والرديء. التطاول على الشعر كفن من الفنون العريقة يعتبر تكريسا للرداءة و تجنيا على ثقافتنا العربية التي تقوم على القول الفصيح والبيان والبلاغة . وهذه الرداءة ستقضي على الأصالة الشعرية التي تمثل جزءا من هويتنا وإذا تواصلت موجات العزوف عن الشعر فإنه سيختفي بعد مائتي عام ويصبح مجرد تراث.

2095 المثلوثيوقلت في هذا السياق قصيدة منها هذه الأبيات:

"توهموا من جهلهم أن يفلحوا

بالغرس في أرض البقاع البلقعِ

وتمردوا ضد الأصالة والأولى

وأتوا بشعر في هزال الأنسعِ

وتماسكوا مثل الهباء بشعرة

وقلوبهم حسرى لشعر المبدع

فيقايضونه في المجال وقاحة

ورياحهم مثل الدّبور السُّفعِ

يتشدّقون لدى الملا بجهالة

ويضخّمون القول عند المطلع

وترى الدواوين لديهم ما بها

إلا هراء لا يطيب لسامع"

2- باعتبارك شاعرا كيف تعرف الإبداع وهل ترى في الخصوصية ضرورة لتمييز تجربة عن أخرى؟

- في كل ميدان هناك مبدعون وفي الشعر كذلك يوجد مبدعون فبدون إبداع ليست هناك ميزة في عملية الكتابة.هو شيء ضروري لتقدم الإنسان وللرقي بالذائقة ولكي نميز بين الغث والسمين. والشاعر له نظرة تختلف عن نظرة الإنسان العادي فالشاعر فيلسوف ومفكر فهو لا يكتب من فراغ، وكانت له في القديم مكانة مرموقة وحظوة اجتماعية والقبيلة التي ينبغ فيها شاعر كانت تحتفل وتفتخر بهذا الحدث لعشرات السنوات ويشعلون النار لمدة سبع سنوات فوق قمة الجبل تمجيدا للشعر والمسألة رمزية بالأساس ذلك أن هذه الأقوام رغم أنها عاشت في ظروف مختلفة وأقل تطورا إلا أنها كانت تبجل أصحاب المعارف والمواهب لأنهم يساهمون في وضع نظام قيمي للقبيلة وحث الهمم في الحروب من خلال قصائد الحماسة وخلق بيئة يكون فيها المعنى همزة الوصل بين الأفراد.

3- هل ترى أنه بإمكان الشعر تغيير الواقع اليوم؟ أم أنه يبقى مجرد تعبيرات وجدانية لتجارب ذاتية؟

- يؤسفني أن أرى الشعر يتخلى عن مكانته التي كان عليها وذلك لأسباب نعرفها فمعطيات الواقع تغيرت والكون تطور والإنسان أصبح له اهتمامات أخرى وأصبح يعبث حتى بالتاريخ ويزوّره ولا يؤمن أن الشعر يمكن أن يغير واقعه الاجتماعي أو المادي وسيأتي يوم وتنقطع فيه الكتب الورقية تماما في ظل استلاب التكنولوجيا وهيمنتها على تفاصيل حياتنا ومآل الشعر أن يصبح في يوم من الأيام من التراث ومن يصير لديه كتاب شعر ورقي يمكن أن يبيعه بالمزاد العلني بمئات الملايين.

4- كيف تقيّم المشهد الثقافي في تونس وهل ترى أن ما تقوم به الهياكل الرسمية يقدم الإضافة للمبدع؟

- دوام الحال من المحال. المبدع في تونس لازال لا يحظى بالقيمة التي يستحقها فمساهمات الوزارة والمؤسسات الحكومية محتشمة في هذا المجال والمبدع يتكبد عناء الإنتاج بمفرده وكأننا بالإبداع أصبح مسألة شخصية. وها أنا أشهد على هذا العصر الرديء بنفسي خاصة بعدما تعرضت إلى وعكة صحية على إثر جلطة قلبية حيث لم يزرني ولم يسأل عني أحد من المؤسسات الثقافية سواء الحكومية كالمندوبية وممثليها أو الغير حكومية كالجمعيات الناشطة في الحقل الثقافي ما عدى صديق وحيد وهو الأستاذ محمد البدوي الذي تنقل من ولاية المنستير لزيارتي والاطمئنان على صحتي . وهناك الكثير من المبدعين في شتى المجالات من ضاق بهم الحال أو تعرضوا لأزمات ولم يجدوا من يلتفت إليهم أو يساعدهم على تجاوز محنتهم فالمبدع مفلس في تونس نتيجة لسياسات التهميش. في حين أن الدول المتقدمة وحتى بعض الدول العربية الأخرى تولي اهتماما كبيرا بالكتاب والمثقفين وتوفر لهم أسباب النجاح والتفوق إيمانا منهم بدورهم في النهوض بمجتمعاتهم، وماذا ننتظر من شعب لا يقرأ ومن بلد لا يعترف بالجميل لمن يصنعون تاريخه. وقلت الشعر في تخاذل الساسة والغربة التي يعانيها المبدع في أرضه واليكم هذه الأبيات:

"لعنتم حكاما إذا الشعب جائع

يجري وراء الخبز والخبز هاربُ

حملتم بطونا بالمتاخم أُتخمت

بأموال شعب للزمان يغالبُ

لُعنت دماءٌ في العروق وخافقٌ

ضجت به الأحرار وهي تطالبُ"

5- هل يمكن أن تعلق بجملة على كل كلمة من هذه الكلمات:

الشعر: هو حديقة الكئيب وجنة الروح.

اللغة: هي أساس الثقافة وليست هناك كتابة دون لغة.

الإبداع: هو ما نصبو إليه من أجل تحقيق الأفضل.

التجربة: التجربة تُثبّت الإبداع.

السياسة: هي سلاح الفاشلين فلن تجد عالما يطمح لسياسة.

الحلم: هو نزوع إلى الأجمل.

***

حاوره: الكاتب أنور بن حسين

.....................

* الصورة الأولى للكاتب أنور بن حسين

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5219 المصادف: 2020-12-19 01:43:26