شكري عزيز أي حضور وأي تفاعلية

 تقديم: يعد فن النحت من الآليات والوسائل التعبيرية الفنية في تعامله مع المادة، الكتلة، والشكل، لتختلف فيه المواضيع المطروحة بحسب التمشي الفني المعتمد، فتتنوع الأساليب والتقنيات كما من المواد والخامات خدمة للموضوع والذي يتوزع بين التشخيص والتجريد.

فالنحت شكل تعبيري داخل الفضاء وبروز فيه كشكل تفاعلي مفضي للقراءة والفهم بحسب ما تمنحه العناصر المكونة لهذا الأخير.

من هذا الإطار، تعبير عن شكل الحضور في المنحوتة وماهيتها داخل الفضاء، إلى جانب أغراضها المعرفية والفكرية كما من طرحها الجمالي شكلا ومضمونا. فإن تنوع التعبيرات والمواضيع النحتية مع انفتاحها على عناصر تكنولوجية، يمكن لها أن تسهم في دعم الممارسة الفنية وتفتح لها مجالا أرحب في أبراز الرؤية التشكيلية في حد ذاتها.  فالمنحوتة بوصفها شكل تعبيري وأثر فني محمل بالفكر ومستوعب لامتلاءات الفنان، هي أيضا حضور في الفضاء على اختلاف تحديداته (مغلق، مفتوح)، أي حضور كشكل تفاعلي داخل الفضاء أو بروز وتعيين فيه. فالنحت أسلوب والمنحوتة نتيجة تستقرئ في فضائها كبنية متكاملة وهو ما يمكن أن نعبر عنه بأسلوب وطريقة العرض التي تكسبها دلالتها الخاصة سواء في ذاتها أو في تفاعليّتها داخل الفضاء.

من هنا طرح لشكل المنحوتة وأغراضها الفنية والتعبيرية، والتي تحمل للقراءة الجمالية وتموقعها في صيرورة الفن وراهنيته كفكر وممارسة، وأيضا إلى قيمة الفضاء وخصوصيته كحاضن للمنحوتة سواء في شكله المحايد أو التفاعلي معها، وهو المجال الذي يطرح عبره استدلالات العمل النحتي كأثر وكموضوع، أي حضور وأي معنى ؟، كما من أهمية ودور الفضاء في شكله العام في تحقيق غاية الأثر الفني في حد ذاته وبروزه لتكتمل الصياغة الفنية ولتقبل بتفاعلية لدى المشاهد عبر استقراءات الفضاء ومكوناته. إن هذه العلاقات بين المنحوتة في شكلها العام والفضاء في شكله الخاص، يمكن أن تثير الجدلية القائمة الآن في علاقة بالفضاءات العمومية في تونس، وتموضع المنحوتات أو المجسمات فيها، مما يطرح أسئلة عن قيمة العمل الفني النحتي، أي حضور؟ وأي تفاعلية في علاقة بالفضاء كمحقق لهذه الأخيرة؟ وأي أبعاد فكرية وفنية وجمالية تتحقق عبر هذه العناصر؟.

عبر هذه التحديدات الأولية تتنزل الإشكالية التالية:

جدلية حضور العمل النحتي في الفضاء العمومي، بين انفتاح الرؤية والقراءة الجمالية، وضياع الفكر وتشويه المضمون.

حدود البحث:

تتمثل حدود البحث، في قراءة العلاقة الكامنة بين العمل النحتي أو المجسم بالفضاء العمومي كحاضن لهذا الأخير عبر بعض النماذج، كعناصر متكاملة أو متنافرة، ومنه إلى بيان المتغيرات الممكنة فيهما والمانحة لقراءة فتقبّل جديد ومتغير.

أهداف البحث:

يهدف البحث إلى دراسة أشكال حضور العمل النحتي والمجسمات في الفضاءات العمومية، واستبيان مدى تحقق القيم الفنية والجمالية والفكرية، إلى جانب تحديد بعض الإشكالات المتعلقة سواء بماهية العمل النحتي، أو الفضاء العمومي كراهن.

1- المنحوتة: شكل تعبيري دلالي:

"فن التحت هو أحد جوانب الإبداع الفني، وهو فن تجسيدي يرتكز على إنشاء مجسمات ثلاثية الأبعاد، كما أنه تنظيم منسق للكتل الموجودة في فضاء حقيقي، والعناصر التشكيلية في النحت هي "الكتلة-الفراغ- الخط- النسيج" وعلى إثره فإن وظيفة النحات هي تنظيم هذه العناصر في تكوين موحد، ويبدأ التنظيم لدى النحات بالمادة سواء كان حجر أو خشب أو طين أو غيرها من المواد، تمر بعمليات متعددة قبل أن تتخذ شكلها النهائي والذي هو نهاية العمل المنجز" .

عبر هذا التحديد لمفهوم النحت، إحالة لدور المنحوتة المنجز في كونها شكلا من أشكال التعبير، ذات معنى ورسالة، لتُقبَل بتحديدات جمالية وفكرية شكلا وأسلوبا. فهي مجال تواصلي اتصالي، والذي يفرض مضمون، فمتقبل لهذا المضمون. من هنا إحالة إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه النحت في ترسيخ الحاضر وتسجيله في علاقته بالمعاش، وما يمكن أن يفرزه من انتاجات تجمع الأسلوب والمضمون بمتغيراتهما ضمن المسار الفني بشكل عام. ففي التعبير هنا عن النحت، بما هو تعامل مرتبط بالتقنية والمادة، بحسب زاوية معالجة الموضوع، إنما يمنح مجالا أرحب للتعبير، ومن هذا الإطار محاولة لاستبيان مدى حضور النحت في الفضاءات العمومية، في تونس، أي حضور للمنحوتات؟، وأي دلائل تعبيرية في علاقة بفضاء عرضها؟.

فبالعودة إلى ما تزخر به البلاد التونسية من تراث هام (مادي ولا مادي)، يعكس تعاقب الحضارات وخصوصياتها، ليكون مسجلا في المكان والزمان، ومتناقلا كفكر بين الأجيال. يمكن أن يكون كمجال تنبع منه الرؤية الفنية في علاقة بالمنحوتات أو المجسمات في الفضاءات العمومية. هذا التنوع في الموروث، وبتوزعه على عدة جهات بالبلاد، إنما يوفر أرضية عمل لاستيعاب هذا التنوع في المجال الفني والتشكيلي، وتطويعه كسياق تعبيري جمالي. فالفن عموما يمكن وصفه بمقياس للشعوب في مدى تطورها اجتماعيا، اقتصاديا وثقافيا ...، بوصفه انفتاح على الداخل والخارج، وكما يرى الفيلسوف المعاصر إروين إيدمان بأن طبيعة الفن هي " تغيير الحياة وتقديم خبرة جديدة حولها، فالفن هو الإسم الذي يطلق على العملية الكلية الخاصة بالذكاء، والتي من خلالها تقوم الحياة التي تعي شروطها جيدا بتحويل هذه الشروط إلى تفسير يثير الإهتمام على نحو كبير".  هذا السياق في مدى انفتاح الفن عموما والنحت خصوصا كمنجز فني، يفرض عدة توجهات في الممارسة الفنية في حد ذاتها لتتحدد خصائص المنجز الفني والذي يمكن أن يتوزع بين النقل المباشر للموروث، والذي يمكن أن يتنزل في باب الحرف التقليدية، واستيعابها كمنجز فني، أو بنقلها إلى مجال الفن التشكيلي عبر استغلال خواصها شكلا أو مضمونا.

إن هذا التوجه في الممارسة التشكيلية وخصوصا منها النحتية، بين النقل أو الاستيعاب للموروث، كما من مجاوزتهما كتحقيق لدلائل تعبيرية راهنة بحسب توجه فني معين، إنما يفرض معاينة ومتابعة للتجربة ذاتها، حتى تتحدد ملامحها في صيرورة الفن ضمن شكل من أشكال المقاربة الفنية فكرا وممارسة.

هذه التحديدات الأولية، في علاقة بشكل الممارسة الفنية النحتية، ومرجعياتها الفكرية الممكنة، إنما يفتح التعبير عن أطر الممارسة وخصائصها، سواء في كونها تسجيل أو تأريخ لحدث ما على اختلاف زمانه، ضمن طرح فني لا ينفي النقل المباشر للحدث وإنما يخرجه في شكل فني يعكس قيما فلسفية، جمالية وفكرية ...، أو في مجاوزة هذا التوجه ليحيل التعبير عن الممارسة الفنية الخاصة  والخالصة، سواء في شكلها العام أو الراهن بحسب الموضوع المطروح، لتتجلى القيم العميقة للفن كتعبير والية تخاطب واتصال فتواصل مع المشاهد.

هذا التنوع في المرجعية الفنية المعتمدة، إنما يؤسس لثراء في الممارسة التشكيلية وتنوعها عموما، كما يمكن أن يحقق جملة من الامتلاءات الفكرية والتي تترسخ بالنقد وبتراكماته. هذا المسار الذي يوائم بين المنجز الفني وما يمكن أن يطرحه من فكر، إنما يقيم الدليل على أهمية التطرق إلى القيمة التعبيرية للعمل الفني في كل تجلياته، وفي كل مراحله سواء في الإنشاء أو العرض والتقبل.

من هذا السياق، وعبر تحديد القيمة التعبيرية للعمل الفني عموما وأغراضه خصوصا، كشكل من أشكال التعبير، كما من الدور الذي يمكن أن يلعبه ثقافيا، اجتماعيا، اقتصاديا ... ، إنما من أجل استبيان مدى تحقيق بعض المنجزات الفنية النحتية لهذه الأغراض، بناءا على منهج القراءة لها إنشائيا، فكريا، فلسفيا وجماليا، إلى جانب بعض التحديدات الأخرى سواء في العرض أو التقبل، وهو المجال الذي سوف يتم تحليله بناءا على مفهوم فضاء العرض، والتقبل.

2- الفضاء العمومي: الفضاء المغلق والفضاء المفتوح

يعتبر الفضاء في عمومه إطارا لظهور الشيء وبروزه كما من تعيينه، بحيث تتحدد أبعاده بناء على خصوصية الفضاء ومكوناته.

من هذا الإطار محاولة لاستبيان خصوصية الفضاء العمومي كحاضن للعمل النحتي، والذي يمكن أن تتبدل فيه القراءة سواء للفضاء أو للعمل النحتي عبر العلاقة المحدثة بينهما، سواء بالاتصال والتواصل، أو الحياد، أو النفور.

فالفضاءات العمومية متنوعة، بين الحدائق العامة، المتنزهات، مفترق طرقات، الفضاءات الخاصة بالمؤسسات العمومية على اختلافها...، هذه الفضاءات تتوزع بين فضاءات مفتوحة وأخرى مغلقة، مما يفتح عدة توجهات في إنشاء العمل النحتي وموضوعه. فهي تساهم في تأمين أرضية عمل وفضاء عرض للعمل النحتي، لتخلق به ديناميكية للفضاء بتحقيق خصوصية المكان، وهو ما يمكن التعبير عنه ببصمة وطابع المكان.

هذا التواشج بين الفضاء والعمل النحتي، إنما يفتح لميلاد منهج تأريخي للفضاء العمومي بصفة عامة، وللجهة الحاضنة له بصفة خاصة، حيث يصير رمزا، فأثر واقع ومطبوع في المكان والزمان، وهو ما يمكن التعبير عنه بإمكانات استثمار العمل النحتي وخصوصياته حتى يصير انعكاسا ثقافيا، معرفيا، محمل بأبعاد جمالية، تسهم في الارتقاء بالذائقة الفردية والجماعية لما تحمله من مضمون فني واجتماعي، بعيد كل البعد عن الإسقاطات الهجينة والتعبيرات المبتذلة والركيكة شكلا ومضمونا. فهو الإطار الذي يمكن أن نعبر فيه عن مكانة الفن التشكيلي عموما والنحت خصوصا في تونس، أي حضور؟ وأي تقبل؟

والذي يقابله تحديد لخصوصية الفضاء كحاو للعمل، فهل تتوفر فيه شروط عرض العمل الفني؟ .

يعد الفضاء ركيزة أساسية لحضور العمل النحتي وتقبله، سواء كان فضاء مفتوح أو مغلق، وبه تتحقق القراءة فالفهم والتأويل لخصوصيات المنجز الفني، حتى يصير نوع من الانفتاح على أساليب جديدة في قراءة الفضاء في حد ذاته، ومدى استيعابه لمضمون المنجز الفني شكلا وأسلوبا. فهو مجال تتحدد فيه أهمية الفضاء وقيمته، كما من قيمة المنجز الفني، كشكل تكاملي أو كنفور وعدم تراكب، وهو المجال الذي يمكن أن نعبر فيه عن مدى تأثير الفضاء في العمل الفني سواء بالإيجاب أو السلب، وكذلك الشأن بالنسبة للفضاء في علاقته بالعمل كجدلية تأثر وتأثير.

في هذا السياق، يمكن أن نحدد قيمة الفضاء وموجبات التأثير السلبي على العمل النحتي والعمل الفني عموما، بحسب تحديد مكوناته وخصائصه. فيمكن أن يحمل الفضاء عديد الدلالات، والتي يستسقيها من مكوناته، حيث يمكن أن تضحى هذه المكونات عائقا بصريا للمنجز الفني مما يؤثر سلبا في عملية تقبل العمل ويفقده قيمته، وهو المجال الذي يمكن أن نعبر عنه بالفضاء الفوضوي الذي يحمل العمل لتلك الفوضى، فيصبح جزء منها.

من هذا الإطار، استبيان للتوجهات الفنية والتعبيرية الممكنة في علاقة بالفضاء، سواء في كونها مستمَدّة لمضمونها وموضوعها من داخل تلك الفوضى حتى تساؤل الفضاء عينه بمكوناته، ضمن إخراج فني يعكس عمقا دلاليا وطرحا فنيا خاصا، فكرا وممارسة، والتي به تتحدد أطر التجربة الفنية وتموضعها في صيرورة الفن، لتفتح بذلك آفاق جديدة للفضاء وللتجربة الفنية عموما، أو في كونها إسقاط فضياع داخل الفضاء بغض النظر عن قيمتها المثلى لو وجدت كشكل مفرد في فضاء دون شوائب، يخدم بروز العمل وظهوره.

هذه التوجهات في علاقة بقيمة الفضاء، والطروحات الممكنة في علاقته بالمنجز الفني، إنما تؤكد في عمومها على ضرورة الموائمة بين فضاء العرض والمنجز الفني، سواء في كون الفضاء موضوع للعمل أو في كونه مجرد حامل له،  لتختلف التوجهات والتحديدات فنيا، فكرا وأسلوبا، وهو ما من شأنه أن يخلق مسارين في العملية الفنية، مسار مرتبط بولادة العمل من داخل خصوصية الفضاء، ومسار آخر يُحمل فيه العمل إلى الفضاء بوصفه حامل له، وهو ما يعيدنا إلى بداية التحليل في علاقة بمضمون العمل الفني، والنحتي خصوصا، أي حضور؟ وأي تفاعلية؟.

3- حدود الفضاء أم حدود المنجز:

بالعودة إلى بعض النماذج النحتية أو المجسمات المُنصّبة في بعض الفضاءات العمومية لبعض جهات الجمهورية التونسية، قراءة لشكل العمل وحضوره، ومدى استيعابه للمضمون الفكري والجمالي في علاقة بالطرح التشكيلي في حد ذاته، كما من آلية الاتصال والتواصل داخل الفضاء، وما يمكن أن يمنحه من استدلالات في كيفيات الإنجاز وفروعه.

هذا المنطلق في التحليل، عبر المعاينة لبعض النماذج من المنجزات النحتية، إنما يفتح القراءة أولا على قيمة المنجز في حد ذاته، كما من دراسة الفضاء الحاوي لهذا الأخير. فبعض هذه النماذج المنصبة في بعض الفضاءات العمومية، والتي تم اختيار البعض منها (كما هو مبين في صور الأعمال)، إنما تفتح جملة من الإشكالات المتعلقة بحدود المنجز في حد ذاته، حدود في الشكل والمضمون كما من الإخراج. فهذه الأعمال تفتقر لرؤية تشكيلية خالصة فكرا وأسلوبا، ولكل ما يمكن أن يحمله العمل الفني من أبعاد جمالية، فلسفية، كما تم تقديمه سابقا. لتضحى عائقا بصريا، وإشكالا في الذوق وكما جاء في كشاف "اصطلاحات الفنون" للتهانوي بأن "الذوق قوة إدراكية لها اختصاص بإدراك الكلام ومحاسنه الخفية،"  وكما اقترحه أيضا "ماير" في وجود مكونين في عملية التذوق: أحدهما هو الذكاء الجمالي « Aesthetic Intelligence » ، وهو مرتبط أكثر بعمليات الإدراك، وقد تصوره ذا جذور وراثية إلى حد كبير، أما الآخر فهو الحكم الجمالي أو الذكاء التقويمي  « Evaluative Intelligence »، وقد تصوره مكتسبا ومتعلما وراجعا إلى الخبرة إلى حد كبير" .

عبر هذه التحديدات المفهومية، يعاد التساؤل عن واقع المنجز النحتي بوصفه مضمون فكري مدرك، ومدى تحققه في الواقع المرئي والملموس، ليحيل بدوره إلى منحى التقبل المفضي للحكم الجمالي.

فهذه السلبيات التي تطرحها المنجزات المنصبة في الفضاءات العمومية (النماذج المختارة)، تقر بحدود المنجز كنشأة وكبداية، مما يفصله عن مسار التحليل لحدوده  ضمن مسار التحليلي الجمالي والفكري ...، فالحدود هنا أضحت حدودا فكرية، شكلية، تقنية ...، تميت المضمون، لتميت الذوق وتسهم في تشويه الفضاء على اختلاف علله، وهو ما يمكن أن نعيده لإشكالية الذوق ولمنهج وعملية التذوق بوصفها ارتباطا بالإدراك في معناه العميق، فــــ"من خلال الإدراك تكون هناك إحاطة بالمدركات (بصرية، سمعية ... إلخ)، ثم تكون هناك محاولة للتمييز بين هذه المدركات أي تحليلها إلى مكوناتها الأساسية ثم إعادة تركيبها في مكون كلي جديد" .

فهذه النماذج للمجسمات النحتية، على اختلاف أشكالها، إنما تعكس ترجمة سطحية لما يمكن أن تتميز به جهة معينة من خصوصيات على اختلاف المجالات، على عكس ما يجب أن تكون عليه كواجهة أو كصورة مميزة لها ضمن طابع جمالي خاص. هذا النقل البديهي والسطحي في موضوعات المجسمات، يعكس بدوره جملة من الإشكالات والأسباب المفضية لهذه النتائج، ومنها:

أ-  تغييب أهل الاختصاص: الفنان/النحات.

إن تغييب الفنانين والمختصين في مجال النحت، وتكليف "مقاولي الفن بالنيابة"، من شأنه أن ينتج مثل هذه المنجزات، والتي تفتقر إلى رؤية فنية، شكلا ومضمونا، وتسهم إلى حد كبير في نقل مضامين جوفاء بصورة جرداء، إلى جانب عدم الاهتمام بأبسط مقومات عرض المنجز الفني.

 فبالرغم من تعدد الجامعات في مجال الفنون والحرف وما تكوّنه من دفعات طلابية، إلى جانب ما تزخر به البلاد من مكونين ومختصين في مجال النحت، يتم تغييبهم وتجاهلهم في غالب الأحيان، ليتم الاستعانة بغير المختصين، وهو ما يعكس واقعا سلبيا في التعامل مع الفنان عموما، والنحات خصوصا كشريك طبيعي في رهانات البناء الثقافي والاجتماعي ... .

ب- الإشكال المادي وأطر إنجاز العمل بين الرؤية السطحية وتفريغ المضمون.

يعتبر العائق المادي، من المؤثرات على قيمة المنجز، لما يمكن أن يطرحه من تغييرات على هيأة العمل ومواده، كتغيير قصري يؤثر بدوره على مضمون العمل الفني ويفرغه من محتواه الأصلي. فهذا التأثير يرتبط أساسا بمنهجية العمل وصيرورة ولادته، ليصير محكوما بالمادة في أدنى مستوياتها، ليس من باب الضرورة الفنية وطرحها الفكري أو الجمالي، وإنما من باب التجريد والتفريغ للمحتوى.

فهذا التوجه في تنصيب الأعمال لغرض التزويق وملئ الفراغات بطريقة مبتذلة، يؤثر سلبا على مسار العملية الإبداعية، مما يفتح الباب أمام أطراف غير مختصة وبخلفية انتهازية، هدفها تحقيق فائدة ربحية دون التطرق إلى قيمة المنجز في حد ذاته، وهو ما يمكن وصفه بالصفقات المشبوهة، ليصير تعميق لمشهدية سيئة في الفضاء الحاوي للعمل.

 أما في جانب ثان، وفي ظل محدودية الإمكانات المادية لبعض البلديات، تبرز بعض المبادرات، سواء للمجتمع مدني أو للأفراد، من أجل التدخل في بعض الفضاءات وانجاز مجسمات باجتهادات خاصة ومحدودة، يمكن لها أن تأثر سلبا في العملية الإبداعية، بالرغم من الحركة الإيجابية في السعي لضرورة التغيير والمشاركة في صياغة  ملامح جديدة لفضاءات مفقرة بصريا.

هذه الاجتهادات والمبادرات، يمكن البناء عليها عبر التأطير والتوجيه، ومن خلال الاستناد والاستئناس بآراء المختصين وتدخلاتهم كما من تجاربهم. فهذه التمشيات في معالجة الفضاءات العمومية في مسار عملية الانجاز لمنحوتة أو مجسم، يجب أن تحتكم لجملة من الشروط حتى ترقى لتكون آلية اتصالية تواصلية ذات مضمون ورؤية فنية وجمالية، تسهم إلى حد كبير في ضمان التغيير وتحقيق أبعاد التعبير كعمق فكري يضمنه الأسلوب.

ت- المنجز وحدود الفضاء:

بالرغم من شساعة مضمون الفضاء كمفهوم في شكله العام، إلا أنه يبقى رهين التدخلات الممكنة فيه، أي في وصف الحالة بين الحاوي والمحتوى، كما من دلائلهما عبر هذا التصاهر وفي مدى تحققه في الواقع كغاية وكغرض. من هذا الإطار، تعبير عن مدى تلاؤم المنجز الفني عموما بالفضاء المنصب فيه، والذي يتأسس بالضرورة عبر دراسة مدى التكامل بينهما والروابط الممكنة عبر هذا التصاهر. من هذا الجانب، إحالة لمحدودية الفضاء في احتضان المنجز، كنوع من التنافر سواء في الشكل أو المضمون، كما من المؤثرات السلبية الممكنة التي يمكن أن تستقرئ عبر هذا الإسقاط، وهو ما يحيلنا إلى التعبير عن اجرائيات العرض في المنجز الفني في علاقة بالفضاء، ومحدوديتها، مما يؤثر سلبا على تقبل العمل وقراءته.

ث- محدودية الصيانة والمتابعة:

إن محدودية الصيانة للمنجز الفني، تفقده قيمته الأصلية، وتكرس منهجا سلبيا في تقبل العمل وقراءته جماليا وفكريا، كما يمكن أن تعكس مدى الوعي الفردي والجمعي بضرورة الفن وبآلياته التعبيرية، وهو ما من شأنه أن يقيم دليلا عن مدى ارتقاء الشعوب ثقافيا، اجتماعيا واقتصاديا، كمقومات منعكسة في ظواهر اليومي فعلا وممارسة.

ج-  الإستراتيجيا السياسية والرؤية المستقبلية للواجهة الثقافية:

 غياب لنظرة آنية ومستقبلية في علاقة بدور الفن ثقافيا، اجتماعيا، اقتصاديا، حتى ترقى إلى مستوى تجذير الهوية والثقافة في المجتمع بشكل فني راق فكرا وأسلوبا، تعد من أساسيات تهميش الدور المنوط بالفنان ومنجزه على اختلاف مجالاته. ففي علاقة بالمجال التشكيلي عموما، تكاد تكون الإستراتيجيات منعدمة أو برامج فضفاضة لا تمت للواقع بصلة، حيث تنحصر في إطار التظاهرات الاحتفالية الوقتية  بالتوازي مع أحداث وطنية، لتنتهي بانتهاء زمن التذكير بذلك الحدث. لتكون حينا آخر مجرد خلفية لصورة جماعية افتتاحية هي بالأساس دعائية سياسية بعيدة كل البعد عن مضمون المنجز الفني.

         

خاتمة

تتعد الأساليب الإنشائية للمنجزات النحتية، وتنفتح على جملة من الآليات المعاصرة خدمة للفكرة ولكيفيات المعالجة فالبناء. هذا الانفتاح يمكن له أن يمنح مجالا أوسع للعملية الإبداعية بشكل عام، ويفتح الباب أمام الفنان بشكل خاص في تضمينه لرؤيته الفنية بأسلوب مجدد يضمن تحقق غايته المنعكسة في الأثر الفني. فالفن فكر وأسلوب، حامل لأبعاد جمالية متجذرة في تمفصلات المنجز كشكل وكمادة، ويتحقق بتقبل وقراءة هذه المكونات ضمن إطار منفتح على المكان وفي الزمان.

هذه التمشيات الممكنة في المسار الفني والإبداعي، تخلق جملة من الطروحات الفكرية والجمالية، مانحة بذلك آليات للقراءة، فالفهم والتقبل بالنسبة للمشاهد، وهو ما يمكن أن يحمله المنجز الفني ويولده من مثيرات تسهم إلى حد كبير في تأمين هذا المسار التفاعلي ومدى تحقيقه لجملة هذه الفروع المفهومية. فعبر هذه التحديدات، تبرز قيمة المنجز الفني في حد ذاته، وتتحدد أطره وإمكاناته، والتي يجب أن تُضمَن في مسار التجربة الفنية كقراءة خاصة بالفنان في بداياتها، لتصير مشتركا جمعيا منفتحة على التأويل والنقد.

إن النماذج المقدمة في التحليل، يمكن اعتبارها دليلا مرئيا، يسهم في إدراك مدى الوعي بضرورة الإبداع ومدى الارتقاء بالذوق، فتضحى إطارا كشفيا لتمفصلات عملية التدخل في الفضاءات العمومية بجوانبها السلبية، حتى تكون منطلقا في فهم "ميكانيزمات" التفكير وطرق التغيير. فهذه النماذج "العينات"، تم التطرق إليها بوصفها "ظاهرة" تُوجب الدراسة، وليس في أصل العمل كنموذج فني يطرح بدائل إنشائية أو جمالية.

فهذه النتائج والإشكالات، وفي مجاوزتها تحليليا وبنيويا، تقيم الدليل على ضرورة الانفتاح على تجارب فنية ونحتية مهمة في البلاد، يمكن لها أن تسهم في الارتقاء بالذائقة، كما من تأسيس خطاب جمالي وفكري عميق يكون محور العملية التواصلية والاتصالية ويضمن خصوصية المكان في الزمان.

 

د. شكري عزيز من تونس

................................

الهوامش:

1- ناثان نوبلر، مدخل إلى تذوق الفن والتجربة الجمالية، دار المأمون للنشر والترجمة، بغداد، 1987، ص 71.

2- شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، عالم المعرفة، العدد267، الكويت، 2001، ص 27.

3- التهانوي، محمد على بن علي، كشاف اصطلاحات الفنون، المجلد الأول، القسم الثاني، طبعة كلنكة.

4- Lindauer,M.(1981). Aesthetic Experience : a Neglected Topic in the psychology of arts. In: D.O’Hard (ed) Psychology and the Arts. N.J The Harvester Press. 29-75.

5- شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، عالم المعرفة، العدد267، الكويت، 2001، ص 31.

 

حاتم جعفرعنوان المقال أعلاه، كنت قد إستقيته أو باﻷحرى إقتبسته من بين ثنايا اللقاء التلفزيوني الذي سنأتي عليه تفصيلا. وتعليقا عليه نقول، هو يحمل الشيء وضده، لكنهما، وهنا الطرافة في اﻷمر،سيلتقيان عند نقاط بعينها، من بينها وفي مقدمتها هي قدرة الفنان العالية على رسم ما يبعث على الراحة وتطيب له النفس، كذلك على ما سيحدثه من بهجة وغبطة من لدن المتلقي، وسيبدو ذلك جليا حين تسقط عيناك على منجزه الفني، والحديث هنا عن تلك اللوحات الفائقة التعبير، وبريشة أجزم أنَّ ماسكها قد نجح في أن تكون طوع أنامله، متحكما في وجهتها وبرشاقة المتمكن والعارف بمفاتيح فنّه وفي سبر أغوارها.

في ذات الوقت وعلى الإتجاه اﻵخر ولنسميه المعاكس أو الضد، فسيسجل بلا شك لصاحب المعرض والمناسبة، والذي هو محور مقالنا، نجاحه وبإمتياز في إختراق أحاسيس ومشاعر زائريه ورواده، وأن يخلق منهم مزاجا وأرضية مناسبة بل وخصبة، ستدفع بهم ودون إرادة أو تحكم ﻷن يَأنٌوا كما يَأنٌ ضحايا أعماله، ولعل لوحاته التي عُلِّقَتْ على جدران المعرض خير دليل على ذلك. إذاً ففي الحالتين إستطاع سيروان باران أن يحلِّقَ بنا ويأخذنا الى عالمه، أينما يشاء ووقتما يشاء وبلمسات فنيةساحرة.

وعن اللقاء الذي أجري مع الفنان وما يمكن تسجيله من إنطباعات كنا قد خرجنا بها، فلا بأس من إيجازها وعلى الشكل التالي: منذ اللحظة اﻷولى لبث الشريط، لوحظ بأنّ ردة فعل مقدم البرنامج، كانت بحق ملفتة للنظر. وعن تفسيرنا لهذه الحالة نقول: انها جاءت على هذا النحو لِما ضَمَّهُ وما أحدثه المعرض من مفاجئآت لم يكن ليتوقعها (مقدم البرنامج) أو تخطر على باله، ظنا منه بأن ما ستراه عيناه من رسوم ولوحات وأخواتها، سوف لن تخرج في مستواها أو تبتعد كثيرا عن تلك الصورة أو ذلك اﻷداء النمطي لعديد المعارض الفنية، التي سبق له أن زارها، والتي ربما، نقول هنا ربما، لم تتوفق في إيصال رسالتها وعلى النحو الذي إبتغته وما خططت له، هذا ما أرجحه وأميل اليه.

وبعيدا عن تقدير الحالة وشكل قراءتها، فقد نجد من بينكم مَنْ يختلف معنا في تقييمنا هذا ولعلكم وجدتم فيه بعض مبالغة. وقطعا للإجتهاد وما يترتب عليه، فسنمضي الى وصف ما شاهدناه ومن على شاشة التلفاز، ولكم ما لكم من رأي ووجهة نظر: كأنه وأقصد هنا مقدم البرنامج وعلى حين غفلة اجتاز برزخا ليدخل عالما جديدا آخر، لم يكن قد وطئه في أيامه السالفات، لذا تألفه مشتتا، هائما، محتارا في قراءته وفي استيعابه للمشهد وأي من التعليقات ستناسبه. أو ربما ضربته نشوة عطر مفاجئة لم يشم أريجها من قبل. وهناك احتمال ثالث، فربما عثرت قدماه بباقات نضرة من زهرة الإقحوان، كانت قد إفترشتْ طريقه، إحتفاءا به، ومنذ قطعه للخطوة اﻷولى، حتى أجبرته على التوقف مندهشا وللحظات عن مواصلة مشواره. وتعليقا على ذلك وبالإتساق مع ما شاهده وأعجِبَ به، فقد إقترح مقدم البرنامج أن يتحول هذا المعرض الى متحفٍ دائم، بأبواب مشرعة لزائريه.

وما يمكن تسجيله أيضا، وعلى غير عادته في تقديمه للبرنامج ولضيوفه، والتي كثيرا ما تبدأ بتعريف المتلقي وبكلمات مكثفة معبرة عمن سيكون جليسه، هادفا الى تكوين فكرة كافية عن الشخص الذي يُنتظر ظهوره بعيد لحظات ومن على الشاشة الصغيرة، فقد حَمَلتْ هذه المرة محيا أحمد الزين، الإعلامي اللبناني المعروف ومقدم برنامج روافد من على قناة العربية، علامات تراوحت بين الذهول والإنبهار، حتى سينتابك إحساس ومن حيث لا تدري بأنَّ ردات فعله قد تسللت وإنتقلت اليك وأصبتَ بعدواها، بخفة وراحة، أنت الذي حسبت نفسك مشاهدا ومتابعا حياديا عتيداً للبرنامج، أو هكذا يُفترض. إذاً وما دام الحال كذلك وقياسا على ردة فعل المقدم، فقد وجدت نفسي أمام خلاصة مفادها: من غير المستبعد أن يكون الشخص الذي سيتم تقديمه، ليستحق فعلا المتابعة والإنتباه، وكان اﻷمر حقا كذلك، ومنذ لحظات البث اﻷولى للبرنامج.

سيروان باران، هذا هو اسم الضيف، أرجو أن تحفظوه جيدا. وللتعريف به ولطالما فات المقدم أن يتوقف عنده وإن بِشكلٍ مختصر، فهو رسام عراقي، ولد في بغداد في النصف الثاني من ستينات القرن المنصرم، عاش ونما وكبر شأنه هناك. ومن تأريخها إستمد قوة حضوره وزهوه. طاف كالطير بين درابينها وأحيائها، وأتمنى أن تكون الشعبية والعتيقة من بينها. أجزم بأن أنامله وذائقته الفنية قد تتلمذت وجاءت بمثابة الصدى لما حفره وثبت أسسه اﻷولون من كبار التشكيليين العراقيين. وإذا كان لنا من إستذكار لبعض من أسماء ذلك الرعيل، فسيحضر هنا وبإقتدار عالٍ نوري الراوي وفائق حسن وكاظم حيدر ومحمد غني حكمت والدروبي والشيخلي وأسماء كبيرة وكثيرة أخرى، إستطاعت ومن خلال إمكانياتها وطاقاتها الفنية الفذة أن تمد خيوط تأثيرها وألوانها لتعبر حدود وطنها، حتى باتت تشكل علامة فارقة، يشار لها وبجُل الإحترام والتقدير والعرفان، وذلك حين  يدور الحديث وفي ساحات اﻷلق البعيدة عما حققه رواد وسدنة الفن التشكيلي العراقي.

وكي لا نذهب بعيدا عن موضوعنا، فضيف برنامج روافد وعلى أرجح تقدير وفضلا عما اكتسبه من أبناء وطنه من الفنانين من خبرة، فقد توقف طويلا وبما لا يدع مجالا للشك عند مدارس الرسم المعروفة عالميا وبكل مسمياتها. لذا ومن خلال اسلوبه والذي تجلى في اللوحات التي تم عرضها ومن إحدى صالات بيروت، عاصمة الحب والجمال، فمن غير المستبعد أن يكون قد شرب من هذا النهر وذاك، حتى تشبع منها وارتوى، ليستقر أخيرا على ما يعتقدها أكثرها تعبيرا وإنسجاما وما يجول بخاطره وأفق مخيلته، فاﻷهم بالنسبة له ووفقا لطريقته وأسلوبه في الرسم، هو التقرب أكثر من ذائقة المتلقي وأن يصطحبه معه ويحلقا سوية حيث أماكن الجمال، شريطة أن لا يهوى بلوحته حتى تفقد قيمتها الفنية، أو يحسبها حكرا على فئة دون أخرى.

انه بإختصار ومن خلال اﻷعمال التي هي موضع حديثنا، فقد جسَّد ما دار في خلد أي فنان ملتزم، استطاع الوصول الى غايته بأشد أشكال التعبير بساطة، بعد أن وظَّفَ ومرَّ بما يمتلكه من ذخيرة، تمثلت في تجارب ومدارس فنية عديدة، كان من بينها بكل تأكيد التجريدية والتكعيبية والواقعية وما الى ذلك، حتى خرجت من بين يديه هذه الحصيلة وهذا العطاء. انه وبهذا المنحى سيلتقي أو يشبه كثيرا ما يجنح اليه كاتب النثر أو سمّه النص وبطريقة محترفة، متمكن من أدواته كذلك. فلكي يصل الى أدق أشكال التعبير وأكثرها حُسناً ورشاقة، فسينتقي من بين كم المفردات والصور التي بين يديه وحافظته، تلك الكلمات التي سيجد فيها القارى ما يمكن أن نطلق عليها بالسهلة العذبة أو الممتنعة كما يحلو للبعض تسميتها، لكنها في ذات الوقت ستنطوي على أشد أشكال التعبير دلالة، وحيث أرادها الفنان أو إن شئت سمّه الكاتب.

تراوحت رسوماته  وأعماله عموما بين الهم وما يجاوره، والحديث هنا تحديدا عن معرضه الشخصي الذي شاهدناه عبر قناة العربية. فمساحة اللوحة عنده واسعة اﻷبعاد، تحمل بين ثناياها ما يشير الى وضوحها ومباشرتها، ولا أستبعد أن يكون الفنان قد تعمَّدَ إتباع هذا اﻷسلوب، كي يبعد فكرة التأويل التي قد تراود البعض، ليقطع بذلك عليهم طريق التخلي عن تحمّل المسؤولية، خاصة من قبل أولئك الذين يسعون عامدين الى التخفيف أو التقليل من حجم المأساة وصولا الى طمس معالمها.

إذن خرجت من بين يدي الفنان واحدة من أهم الرسائل لما تحمله من أهداف وعلى العالم أن يصغي اليها، فمساحة الخراب قد طالت كل وطنه، أكلت من البشر أكثر من الحجر، وسيروان في عمله هذا قد وجد نفسها أمام خيار واحد لا شريك له، فهو الحامل  على كتفيه هموم وتطلعات شعب، كانت وما إنفكت تتقاذفه المحن، مما سيدفعه للدفاع عنه  وبكل ما أوتي من قوة ومقدرة، فالجرح لم يتوقف نزيفه وبـ(سخاء) وأينما ولّى وجهه ومن غير حساب، وهنا سيأتي السؤال: مَنْ سيوقف هذا النزف، إن لم يكن لأصحاب الجمال ومعابده دورا ونصيبا؟

أرتأى مقدم البرنامج أن يكون اللقاء بالفنان العراقي سيروان باران على جزأين، اﻷول منه جاء تحت مسمى (جمال مؤلم). بهذا العنوان وأكاد  أجزم بأنه قد حمل بأمانة ما تضمنه المعرض وما هدف اليه. وإذا ما أردنا التحدث عنه وبشيء من التفصيل، فسنقف مذهولين أمام إحدى اللوحات، والتي جسَّدتْ بضربات لا تخطئها العين ولا الضمير، صورة ذلك الإنكسار الشامل والمرعب، الذي بدا واضحا على وجوه شخوصه. ولم يكتفِ الفنان بذلك، فعن ذات اللوحة ومن خلال بعض الضربات والحركات الفنية التي لجأ اليها، فستجد نفسك أمام مجموعة من الجنود، يمثلون مختلف مكونات المجتمع العراقي وبأعمار متفاوتة، تراوحت الفوارق بينهما كما الفارق بين الإبن وأبيه، ليقودك الى إستنتاج لا لبس فيه، فالشعب كل الشعب كان الضحية، ومسحة اﻷلم والخذلان وآثار الهزائم الكبرى والمتراكمة، مثَّلت الجامع والقاسم المشترك اﻷعظم.

وفي مكان آخر من المعرض وأثناء تجوال مقدم البرنامج وتطوافه بين أجنحته، فقد توقف طويلا، لينبهر مرة أخرى، أمام نصبٍ يمثل شخصية اﻷسير، كانت أنامل سيروان قد نُحتَته وصاغته ليستجيب وحجم الوجع الذي يعاني منه. هذا ما بان من خلال الحركات الظاهرة على أجزاء بارزة من جسده، والإشارة هنا بشكل خاص الى حالتي الشد والتوتر، الباديتان على يدي الضحية وعلى أنحناءة ظهر،ه التي توحي باليأس وفقدان اﻷمل. فضلا عما أضفاه الفنان من لمسات ملفتة على الجزء الظاهر من وجه الضحية، ليكون بذلك قد إستكمل فكرة الإنكسار الجسدي على الرغم من أنَّ عينيه كانتا معصوبتين. وثانيا وهذا هو اﻷهم في تقديري، محاولة الفنان الإشتراك ومقاسمة العذاب الذي يعاني منه الضحية وفي لحظات شديدة القسوة كالتي يمر بها، وقد تجلى ذلك في الإيضاحات والشروحات التي كان يسهب بها لمقدم البرنامج، كذلك في ملامح وتقاطيع وجهه، فإذا ما إنهزم جسد اﻷسير (ولا زال الرأي لسيروان) فليس بالضرورة أن تُهزَم روحه. لذا، إستطرادا وإستكمالا للفكرة اﻵنفة، فربما إنتابت الفنان وفي لحظة ما، أن يضفي على تقاطيع وجه ضحيته ما يوحي بكبرياءه وتماسكه وبأسه، وأن يكون كذلك رابط الجأش، متماسك جلد، إذ هي معركتهما (هو والضحية) قبل أن تكون معركة مُشعليها، أو لنسميها هي لحظة مواجهة، طرفاها الفنان وضحيته من جهة، ومَنْ يؤسره ويُصفِّدُ معصميه ويُعصبُ عينيه من جهة أخرى.

تأريخ بلاده، لم يكن غائبا عن ذاكرته، فإليه يعود وعليه يُوقف أعمدة أعماله، فهو الثابت وهو اﻷساس ومنه يستمد أفكاره، وكلما أراد زخما أو دفعة أو حزمة ضوء، ستجده مقلِّبا صفحات تلك الحضارات التي مرَّت على بلاده، ليستمد منها العزيمة، ولتزيده فخرا وإبداعا وولاءا لوطنه. وفي مثيولوجيا الشعوب (علم اﻷساطير)، هناك كم هائل من المعتقدات والعادات، الغنية والثرية. وأهل العراق القديم وبمختلف الحضارات التي تعاقبت على حكمه، لهم من هذا الإرث الكثير بل والقدح المعلى، ولا أظن أنَّ هناك خلافا أو شكًا في هذا. فما من زاوية الاّ وحفروا فيها، وما من قِيمٍ وطقوس الاّ ودونوها، حتى أمست مرجعاً للشعوب اﻷخرى، إذ هي تعود اليه وتستعين به كلما إقتضى الحال وضاقت بهم السبل والمنافذ، فمن بين يديه خرجت العديد من الحلول، واستطاع حل العديد من اﻷلغاز المستعصية وفك أصعب العقد.

أخيرا، ومن بين أعماله وبالإتساق مع إرث بلاده، فهناك نحت لِقاربٍ أو كما يسميه أهلنا في الجنوب بالطرّاد، كان قد جسَّده الفنان سيروان باران، بجودة ودقة عاليتين، مستعينا ما استطاع ببعض المواد القريبة في تكوينها وشكلها، مع طبيعة المواد التي جرى إستخدامها في العراق القديم. ففي تقاليد أهل الرافدين وكما جرت العادة وحين يتوفى شخص ما، أن يسجى في قارب، ذو حجم مناسب، ثم يوضع بعناية فائقة على سطح الماء ليطفو به ويأخذه مجرى النهر بإنسيابية وهدوء، ليستقر أخيرا في منطقة يعدّونها أكثر أمنا وأمانا، ليدشن بذلك حياة أخرى، أملا في أن تكون أكثر راحة وسكينة عن تلك الفترة التي قضاها في حياته اﻷولى. انَّ طقسٍ كهذا، لا يبتعد كثيرا عن فكرة الخلود في حضارة وادي الرافدين وعن ثالوثها، الوركاء، أنكيدو وجلجامش. وهذا تفصيل آخر سنتركه ﻷصحابه ومَنْ هم أجدرُ منّا فيه.

 

حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو

 

 

كاظم شمهودكتب الناقد والمؤرخ الانكليزي هربرت ريد يقول: (اصبح الفرس في الحقيقة شعبا من الفنانين المأجورين والرحل، وكان الحكام يشجعون فيهم الحس الجمالي،  وان كان في الاغلب لا يتمتعون هم انفسهم بهذا الحس الجمالي، وارسل الفنانون الفارسيون  الى كل جزء من  المستعمرات العربية، فمن حدود الهند في الشرق الى اسبانيا غربا الى افريقيا في الجنوب، وحيثما حلوا كانوا يحملون معهم  تقاليدهم ومغالاتهم الشديدة في التعبير عن  حركات  الحيوانات ومزخرفاتهم الخشبية (الارابسك) ومنسوجاتهم المزخرفة بالورود، وحيثما غرسوا تلك التقاليد، نما فن محلي وطني يستقي الهامه من الدين المحلي او من  القومية، ثم يمتزج هذا الفن  معهم  او يمتزجون هم معه، فهذا الفن الذي ندعوه فارسيا اذن، هو اكثر الفنون انتشارا في كل مكان، فقد تسرب تأثيره الى العالم المتمدن كله …)

ولهذا نجد الفن الفارسي اكثر انتشارا من غيره فقد تسربت تأثيراته الى جميع انحاء الامبراطورية الاسلامية واتخذ طابعاً دولياً وكان الفنانون الفارسيون هم فنانون ينتمون الى جنس واحد هو (الآري) وانهم عثروا على منابع  فنهم في اواسط اسيا الغامضة وفي اثناء تجوالهم وعلى امتداد نفوذهم جعلوا منه اسلوباً عالمياً مؤثراً على معظم الفنون الاخرى في ذلك الوقت .

1976 رسم 1

مدرسة تبريز

1976 رسم 2وظهرت في زمن الصفويين مدرسة تبريز أبهة وعظمة البلاط والقصور الجميلة وكان الشاه طهماسب 1524 م رساماً بارعاً تعلم الرسم على يد المصور  المشهور  سلطان محمود، وقد  أسس مجمعاً فنيا في البلاط يشرف عليه المصور المعروف جلال الدين  بهزاد وقد تجمع فيه كبار وخيرة المصورين من كافة انحاء الامبراطورية، وكان المصورون يقلدون مصوري البلاط في تبريز وقزوين .  ويعتبر عصر طهماسب عصر الثقافة والفن والتنوير، وقد ارتفع شأن المصورين والمزوقين والخطاطين في عهده فغدت القصور والحدائق والعمائر مشرقة وابهة وجمال، وتزين الناس بالملابس الفاخرة وعمت مجالس الطرب والشرب ، كما اصبح بعض المصورين اصدقاء وندماء للسلطان . وكانت الصور تمتاز بالدقة والالوان الزاهية والهدوء وتوزيع الاشكال بعناية فائقة وذوق راقي .

واشتهر في هذه الفترة من المصورين: آغا ميرك، سلطان محمد، مظفر علي، محمدي، سيد مير نقاش، شاه محمد، دوست محمد، وشاه قولي التبريزي . ويعتبر آغا ميرك من افضل المصورين بعد بهزاد . وكان مخطوط – المنظومات الخمسة – للشاعر نظامي الذي عمل للسلطان طهماسب بين اعوام 1534 و1539 قد اشترك في تزويقه عدد كبير من المصورين الايرانيين منهم الذين ذكرناهم سابقا، وتعتبر صور هذا المخطوط من اروع ما انتجته المدرسة الصفوية في الفن، وقد برز بعد بهزاد ايضا سلطان محمد وكان قد شغل رئيس مجمع الفنون الجميلة في تبريز، كما برع في تصميم الاشكال الحيوانية والنباتية على الاقمشة والسجاد والقاشاني، ويذكر ان اجمل صور سلطان محمد هو ما وجد في مخطوط من ديوان حافظ، تمثل مشهد طرب ورقص وشرب وسكر .

ويذكر ان بعض المخطوطات التي صورت في مدينة هراة استمر المصورون في تزويقها عندما انتقلوا الى العاصمة الجديدة تبريز، وظهر ذلك في مخطوط مير علي شيرواني والذي كتب في هراة عام 1527 وهو اليوم محفوظ في مكتبة باريس. وامتازت الرسوم الصفوية بوجود العمائم التي تخرج منها قطعة حمراء مثل العصا واصبحت علامة وميزة تشير الى المدرسة الصفوية .

1976 رسم 3

وفي زمن الاسرة الصفوية كانت هناك حرية في رسم الاشخاص وزخم في الزخرفة والالوان وتنوع في درجاتها وكانت هذه الزخارف من القوة ظلت هي الدافع المسيطر على مشاعر واحاسيس الفنان الذي لم يكن مغرورا اًوانانياً كما كان  موجوداً عند الفنان الغربي فقد كان صائغاً لاشياء نافعة من الفخاريات والمنسوجات او الكتب المصورة، ويقول  المفكر والناقد الانكليزي هربرث ريد: (ان أعمال الفرس هي من اكثر الشعوب عرفها العالم من ناحية الحساسية والثقافة).

1976 رسم 4

وبذلك يعتبر الفن الفارسي دون منازع، الفن البارز والاول في الفن الاسلامي خاصة في القرن السادس عشر ميلادي حيث وصل الى قمة جماله وجودته على يد المصور كمال الدين بهزاد في مدينة هراة ثم تبريز في زمن الدولة الصفوية .

 

د. كاظم شمهود

 

 

شكري عزيز تقديم: يعد الوسيط آلية تواصلية بين عنصرين أو شيئين، كنوع من التوليف أو النقل، وفي التعبير عن الوسائط الفنية هنا، إنما هو الإطار الذي تتوفر فيه آليات تعبيرية بها وساطة أو توظيف لعناصر تعبيرية ذات خصوصية، بحيث تختلف ماهيتها وماديتها بحسب غاية التعبير في حد ذاته وأسلوبه، وأغراضه الفنية.

فعديد التوجهات والتجارب الفنية، عمدت إلى استعمال وسائط تعبيرية، من أجل تحقيق امتلاء مفهومي وحسي، منعكس بصريا كشكل من أشكال التعبير والإبداع. حيث أن التخلي عن موضوعية أو سطحية العمل الفنّي والانزياح إلى الجوهر والمضمون من أكثر المقومات التي ساهمت في انقلاب المنهج البنائي الإنشائي للممارسات التشكيلية، الذي آل إليه القرن العشرين نتيجة التفاعل الكامل مع المعاصرة، ومنه إلى بروز العديد من الطرق الأداتية المتنوعة، والتقنيات التشكيلية، والأساليب التعبيرية المعاصرة لزمانها والعاكسة له.

1941 برنار مونينو 1

برنار مونينو، مرحلة تسجيل الأثر

لقد أوجد الفنان مجموعة من المفاتيح التشكيلية والجمالية الجديدة، قام باختيارها لإيجاد سبل في كيفية طرح أو إخراج الوضعية المشكل من المخاض الفكري، إلى الفضاء الخارجي المفتوح. هذه المفاتيح هي تلك الطرق الإنتاجية والإنشائية التي ينتقيها حسب ما تقتضيه الوضعية، فهي السبيل لإبراز المفاهيم الجديدة والمعاصرة، التي يريد أن يضعها في الواجهة عبر الإنتاج التشكيلي. من هذا الإطار يأخذ الوسيط أهميته، كجدلية قائمة تفتح مناقب البحث والتمحيص في الامتلاءات المفهومية، وهو المجال الذي تتنزل فيه تجربة الفنان الفرنسي، "برنار مونينو" كمحور اشتغال بوسائط تشكيلية مختلفة، منها حركة الريح، التسليط الضوئي ...

فماهي تجليات حضور الوسيط في تجربة الفنان مونينو؟

ومدى انفتاح الوسيط التشكيلي على جدليات جمالية، فكرية وفلسفية؟

1- الوسيط وانفتاح آليات التعبير:

إن التعبير عن الوسيط، طرْحٌ لعددٍ من الجدليات والإشكاليات، حيث يمكن اعتباره مفهوم شامل لكونه مدرج تقريبا في جل الأعمال التشكيلية، خاصة في الفن المعاصر، أين تعدد وتنوع. كما أن الوسيط لا يمكن فصله عن المسار الزمني للفن، فهو النّواة الأولى في انبثاق ما يسمّى بتاريخ الفن، وبالتالي وبحكم صيرورة هذا الأخير، فهو يقتضي الاستبدال أو التحول والتطور. كما يمكن أن تفتح جدلية مرتبطة بالجانب البنائي والحسي في الممارسة التشكيلية، والمرتبطة بمورفولوجيّة الوسيط في حد ذاته على المستوى المادي، الشكلي والفيزيائي.

إن اعتماد الوسيط هنا، ليس بوصفه إشارة إلى ما يعرف بــ" Multimédia" أي الوسائط المتعدّدة، والذي ظهر سنة 1965 كمصطلح لوصف عرض مسرحي، جمعَ بين الموسيقى والسينما والفن الأدائي والإضاءة، أو كما يرمز إلى استعمال عدة أجهزة إعلام مختلفة لحمل المعلومات أو ذات الصلة بالحاسوب، بل كتعبير عما يمكن أن يوظّف في إنشائية العمل الفنّي، وكما ورد في معجم لسان العرب لابن منظور، الذي يطرح أصل كلمة الوسائط بما "هي جمع الوسيط ومنها الوسيلة والوسائل وهي في الأصل ما يتّصل به إلى الشّيء ويتقرّب به إلى الغير".  ومنه إلى دراسة العلاقة القائمة بين هذا المفهوم والفن التشكيلي المعاصر، من خلال قراءة واستبيان تجربة الفنان الفرنسي "برنار مونينو" .

1941 برنار مونينو 22برنار مونينو، ذاكرة ريح، 2010:

آثار تسجيلات حركة الريح على محامل البلور

فالوسيط، يمكن اعتباره ومن خلال ما تقدم ذكره، المحرك الأساسي لبداية العمل الفني ونشأته، من خلال مكوناته وتكويناته، وهذا يدل على حضوره داخل منظومة التكوين ووجوده داخل العمل، ولما يمكن أن يتصف به كمجموعة من الوقائع والأحداث، أو باعتباره المادة القابلة للتشكيل والإدلال.  فبماديته يحتل المقام الأول، ليساهم في إثراء و ظهور أقسام تاريخيّة متعددة ومتنوعة في الفن، كشكل من أشكال الانفتاح على العالم وعلى راهنية الأشياء وماهيتها كوجود، "وفي العمل الفني تظهر حقيقة الموجود، وتقف في نور الوجود، فيحصل وجود الموجود على لمعانه وبريقه الخاص، وعلى ذلك فماهية الفن إنما هي حقيقة الموجودات التي تحدث في العمل الفني" .  فالوسيط يحدّد الدّلالة، الرّمز، المعنى، الذي يكون دائما في حالة تكوَن وتجديد، لأن الوسيط مقترن بالمعاش "vécu"، وما هو موجود. فهو الفاصل الذي يتحدّد بموجبه العمل الذي يوجد في علاقته بالفضاء، الحركة والمكان والزّمان كوحدة متكاملة متواشجة.

في هذا المجال، وفي التعبير عن الوسائط الفنية، إحالة إلى تجربة الفنان الفرنسي "برنار مونينو"، لما تتضمنه من آليات تعبيرية تخرج عن السائد وتبحث في التشكيل من ناحيته التوليفية لما هو باطن في مادية الأشياء. ففي تجربته الفنية "ذاكرة ريح" والتي قام بها سنة 2010، إنما هي كشكل تعبيري عن إمكانات بناء الأشكال عبر الطبيعة، ومنها التشكيل بالريح.

فالطبيعة بحسب الفنان "برنار مونينو"، هي ليست آلية إنتاجية للأشكال، أو اللامتناهي للأشكال فقط، وإنما هي إنتاج للصور، فالظل والانعكاس هي في حد ذاتها صور. فمن خلال شفافية البلور كمادة مستعملة، وكذلك إلى كل التحاليل في عملية  العرض، كان "مونينو" يعاين  ويستغل خصوصية الظلال، كبنى تركيبية وكشكل في الرسم، فتصبح الريح كمنتج لللامتناهيات التركيبية كرسوم متشكلة تعكس خصوصية الزمان والحركة وطاقة الطبيعة ضمن توليف خاص.

انطلق عمل "مونينو"، بتركيز حاملات لصفائح بلورية معالجة بدخان أسود، ووضعها على أطراف أوراق نبات في فضاء مفتوح، ومن خلال الحركة التي تقوم بها الأوراق عبر تأثير الريح فيها، فهي تقوم بتسجيل هذه الحركة على المساحة السوداء كتسجيل خطي محكوم بقوة الريح واتجاهاته. هذه التجربة التي أنتجت تواشجا خطيا، كنوع من الكتابة أو الرسم التجريدي، ولكن تكمن الجدلية هنا في كيفية تصوير الريح أو مكاشفته في كونه غير مرئي، أي في تشكيل الريح كطاقة طبيعية، ذلك أن هذا التسجيل هو عبارة عن حدوثية تنكشف نتائجها العينية كشكل من أشكال الكتابة والرسم. إنها جدلية تبحث في إمكانات تصوير اللامرئي، أو في تطويع الطاقات الخفية فيه، عبر استدلالات وسائط تشكيلية تجريبية، تباشر مضمون البحث ودلالاته الفكرية والمفهومية.

لقد عَمد الفنان إلى معالجة هذه النتائج والآثار، عبر عرضها من خلال أخذ هذه المحامل من البلور والحاملة هي في حد ذاتها لنتيجة الحركة للريح، وقام بتسليط الضوء عليها لتكون منعكسة على شاشات أو على الحائط.

1941 برنار مونينو 3(الآثار المنتجة وحدوثية الفعل على المسطح)

هذا العرض الذي قام به، يمكن اعتباره منحى في استبيان اللا متناهي في التشكيل عبر الريح، كما جاء في تسمية عمله الفني "ذاكرة الريح"، فهي كقصيدة منظومة ليس بشكلها الشعري وإنما في سياقها التأليفي، فهي نوع من المتغيرات اللامتناهية علما وأن رسوماته غير متكررة.

إن رسومات "مونينو" المعروضة، يمكن اعتبارها كنوع من المكاشفة والمصاهرة بين طاقات طبيعية، لكشف تشكلاتها الممكنة، من إطارها البسيط والعادي إلى إدراك الماورائيات وأشكال حضورها. هذه الطاقة التي ترسم حاضرها دون تكرار سابقها، والتي تخط زمنية هذا الحضور بكل ما في المعنى من تجرد، حتى تعزلنا عن عالم التشخيص لنغوص في عالم الكشف والتصوّر لما هو غير مألوف.

يمكن أن تكون هذه الآثار في ظاهرها خربشات بسيطة، عفوية، صدفوية، ولكن في ربطها بمضمون وآليات البحث تكون جدالا مفهوميا محملا بالدلالة، ومبحثا في ماهية الأشياء، وفي تصورنا لها من زاوية جديدة. هذه النتائج التي تحصل عليها الفنان، تعد كانكشاف خطي بمسايرة تقنية، ويمكن أن ترى كاللاشيء، ولكن اللاشيء هو البداية بل هي البداية النقية.

في إطار ثان، وفي عملية اعتماد الفنان "برنار مونينو" لمفهوم التسليط الضوئي على المحامل البلورية المسجلة لآثار الريح، وعرضها على شاشات، إنما هو كإطار تبليغي وبياني لمنهج المعاينة التجريبية، ولمضمون الوسيط التشكيلي (الريح)، كما من التعامل مع الضوء كوسيط ثان، لإدراك هذه الانتاجات ضمن مسار تقني كشفي، وهو ما يخول القول بأن "التقنية هي إنتاج بمعنى انكشاف لا إنتاج بمعنى صنع" .

عبر هذا الاستدلال لمفهوم التقنية في معناها الكشفي، وفيما تحويه من وسائط، إنما إحالة للقيمة التجريبية في الممارسة التشكيلية، كمسار تجريبي مفهومي، يقيم جملة من الجدليات سواء جمالية، فلسفية... وكمجال تتحدد به أطر المعرفة وآفاقها.

1941 برنار مونينو 4

2- الوسيط مسار تجريبي وتوليفي:

يخوّل الوسيط بوصفه منهج استردادي وتجريبي، من استبيان مدى خضوع المتلقّي وتقبله للتّجربة بمعرفة الدّوافع والظّواهر، التي أدّت إلى ظهور دلالات ذات معاني تشكيليّة. فالمعرفة هي هدف الباحث وغاية المتلقّي، وهي لا تكتمل إلاّ بوجود الوعي التّجريبي عند المتقبّل، ومنه إلى كيفيّة الرّبط بين النّتائج والكيفيّات.

إن طريقة تعامل المتقبل مع آليات التحليل والفهم للآثار، وزاوية رؤيته لها، يمكن أن يحدث بحسب خصوصيّة كل تجربة فنية في تضمينها بالكل، كمنهج استدلالي واستقرائي. حيث أنّ المنهج الاستدلالي يتمثّل في مبدأ الانتقال من الكليّات إلى الجزئيّات، وفيه يربط العقل بين المعطى أو المقدّمات والنّتائج وعلل وجودها، حسب المنطق والتأمّل الذّهني، كالأعمال ذات أسلوب التّصوير الضّوئي، أمّا المنهج الاستقرائي وهو يمثل عكس المنهج السّابق، حيث يبدأ بالجزئيات ليصل منها إلى الكليّات، أي الضّوابط والأسس التي تتبلور في الأعمال ذات اللّون الواحد (صور عرض رسومات الريح).

إن هذا التمشي، يعتمد على التحقّق بالملاحظة المنظّمة، الخاضعة للتجريب والتحكّم في المتغيّرات المختلفة، وهذا بالطّبع على رابط بمجموعة من التّقنيّات المصمّمة بدقّة، والعلاقات القائمة بامتياز بين الوسائط. هذه الخواص التي تتميّز بها مجموعة من الإنتاجات الفنيّة لبرنار ذات الطّابع الاختزالي، المفاهيمي، التي تساءل العلاقة القائمة بين الفكر العقلاني والأسلوب الظّاهري. فهو المجال الذي ساهم من خلاله في بلورة مقاصده، وتحويل عرضه إلى أروقة كشفية معرفيّة، تحاول تفسير بعض الظّواهر الطّبيعيّة لتحمل بعدا تمثيليّا. حيث أنّه ومن خلال المنهج المتّبع يقوم بتمثيل بعض الظّواهر الطّبيعيّة بطرق تقنيّة بحتة، وهذه الأخيرة ليست إلا النّظم المتّبعة لنجاح عمليّة التّجسيد أو التّمثيل للضّوء ومؤثراته و"التّمثيل قد يكون قريبا، في شكله العقلي، من النّسخة أو الصّورة الأصليّة، أي إنّه أكثر قربا من الخصائص العيانيّة والملموسة(...)".  فتتكوّن الظاهرة الضّوئيّة بشكل حسّي وملموس، ومن ذلك، فإنّ الفنان يقوم بتشكيل المحتوى العيني للفكرة، بأن يجعلَ الفكرة وهي بالطّبع مجرّدة ماثلة، أو تبدو كما لو أنّها شيء عيني نستطيع رؤيته رؤيةً عينيّة.

1941 برنار مونينو 33عرض رسومات الريح:

الآثار الحركية على المحمل

إن الجدير بالذّكر هنا، أنّ عمليّة التّمثيل أو الاستحضار، والمقصود بها استحضار الفكرة التي تنساق نحو محاولة تمثيل الضّوء، لا يمكن أن يكون مباشر بحكم أنّ الضّوء شيء محسوس وليس ملموس، فيترتّب عن ذلك أنّ التّمثيل هو عمليّة إبدال أو تعويض، وهذا ما يِؤكّده شاكر عبد الحميد في كتابه عصر الصّورة بأنّ "التّمثيل هو العمليّة التي يحلّ من خلالها شيء محلّ شيء آخر، أو يرمز إليه كبديل له. وعمليّة التّمثيل قد تكون خريطة عقليّة مباشرة لموضوع معيّن، أو قد تكون رمزا عقليّا له في شكل صورة، أو فكرة، أو قد تكون عمليّة تجريد عقليّة للخصائص المميّزة له" .

نتبيّن من هنا أنّ الممارسة التشكيلية، هي عبارة عن نموذج حامل لمجموعة من القواعد المنظّمة، لتُنبني منها إشكاليّة المراوحة بين حضور الشّيء وغيابه عبر الأثر. وهو ما يحيل التعبير عن مفهوم الاستعارة في كونه أحد دلالات التّمثيل، في جعل شيء حاضر ينوب عن شيء غائب... أي كل ما يمكن أن يكون قابلا للتّأويل.

فالفنون البصريّة، تتميّز بدورها كعنصر حامل لنسيج من العلامات، للتّعبير عن شيء متمثل، ذي دلالة، والمقصود هنا بالتّمثّل لا أن نشاهد صور وأشياء، بقدر ما ندرك ونشاهد رؤية الفنّان الخالصة، أي الفكرة الغائبة التي سيتمّ استحضارها من خلال ملكة الإدراك للمتقبّل، كما من كيفيّة التعامل مع الوسائط المتآلفة على المستوى الذّهني وشكل حضورها. فالأعمال المرئيّة، فكرة يعمل الفنّان على بلورتها وتمثيلها بأساليب ومناهج وتقنيّات مواكبة للتّغيّرات الحضاريّة والتطوّرات العلميّة والتّكنولوجيّة، التي كانت حافزا لحثّ الباحث على التّجريب ومواكبة مناهج العلوم، والتي أصبحت موازية لمتطلّبات الحياة اليوميّة.  فقد تختلف وتتنوع الأساليب الفنيّة من حقبة إلى أخرى، وقد تتطوّر مع تطوّر الشّكل، إلا أنها تبقى كمجال لتحقيق التّواصل بين الباث والمتقبل ضمن شكل مفاهيمي، دلالي ومنه إلى المعرفي.

يعد إذن الوسيط التشكيلي، امتدادا لما يخالج الباحث من إحساسات فكريّة وحسيّة تجاه ذاته والطّبيعة، وما يرادف هذا المفهوم من معاني ومجالات كالعالم الطّبيعي، العالم الفيزيائي والعالم المادّي، وما يترتّب عنه من أشياء مصنّعة يتمّ اتخاذها أيضا من ركائز الفن التّشكيلي الذي يفسّر بدوره اختلاف، وتنوّع الأساليب الفنيّة عبر العصور وبين الأزمنة.

إذن فالوسائط التّشكيليّة، هي المفاتيح التي يلجئ إليها الفنان في كلّ تجربة، حيث تعد مجالا لإظهار المفاهيم الجديدة أو الظّواهر التي يريد  أن يضعها في المقام الأوّل، كما هو الشأن في تجربة "برنار مونينو" واعتماده  للوسائط التّقنيّة وفي تجلّيها كلغة تواصليّة اتصالية.

فلإن كانت تجربة الفنان برنار مونينو، شكلا من أشكال المسائلة لمادية الاشياء في الطبيعة وتوليف لاشكال حضورها، إلا أنها يمكن أن تعد كبحث عن الحقيقة والوجود بتمظهراتها المختلفة وبطرحها الجمالي الخاص، " فإن الحقيقة هي قبل كل شيء حقيقة الوجود، والجمال لا يوجد بمنأى عن الحقيقة، وبعبارة أخرى، فإنه عندما توجد الحقيقة في العمل الفني، فإن "المظهر" بوصفه وجودا للحقيقة في العمل الفني يعبر عن "معنى الجمال" بحيث تتأكد الصلة بين "الجميل" و"الحقيقة" .

عبر هذه التحديدات المفهومية، يمكن أـن تقرئ تجربة مونينو كتجربة باحثة في الظواهر ومادية الاشياء بما هي موجودات، ومنها إلى تمحص مفهوم الحقيقة المنعكس في الاثر، هذا الاثر "البكر"، والذي يعزل دلائل مكان وزمان، لينتج مكانا وزمانا متجدد.

 

 

د. شكري عزيز / تونس

......................

المراجع:

- صفاء عبد السلام على جعفر، الهيرمينويطيقا "تفسير" الأصل في العمل الفني، دراسة في الأنطولوجيا المعاصرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2000.

- شاكر عبد الحميد، عصر الصّورة، السّلبيّات والإيجابيّات، عالم المعرفة، الطّبعة الثّالثة والأربعون، مطابع السّياسة، الكويت، 2005.

- ابن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب،افريقيّة أنفو للتّوزيع، دار صادر،بيروت 2000.

- مارتن هيدجر، التقنية، الحقيقة، الوجود، ترجمة محمد سبيلا و عبد الهادي مفتاح، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان

الهوامش:

1- ابن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب،افريقيّة أنفو للتّوزيع، دار صادر،بيروت 2000.

2-  برنار مونينو، فنان تشكيلي فرنسي،ولد في 15 ماي 1949، في فاي، وهو أستاذ في مدرسة الفنون الجميلة في نانت سنة 1994، وهو حاليا أستاذ في المدرسة الوطنية العليا  للفنون الجميلة بباريس.

3- صفاء عبد السلام على جعفر، الهيرمينويطيقا "تفسير" الأصل في العمل الفني، دراسة في الأنطولوجيا المعاصرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2000ص، 76.

4- مارتن هيدجر، التقنية، الحقيقة، الوجود، ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ص54.

5- شاكر عبد الحميد، عصر الصّورة، السّلبيّات والإيجابيّات، عالم المعرفة، الطّبعة الثّالثة والأربعون، مطابع السّياسة، الكويت، 2005

ص 67 .

6-  نفس المرجع ص 67 .

7- صفاء عبد السلام على جعفر، الهيرمينويطيقا "تفسير" الأصل في العمل الفني، دراسة في الأنطولوجيا المعاصرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2000ص، 76.

 

كاظم شمهودمنذ منتصف القرن التاسع عشر بدات البعثات الاجنبية خاصة الاوربية تحل في ارض الرافدين مدفوعة بحب الاستطلاع والبحث عن جذورهم واصولهم التاريخية القديمة يضاف الى ذلك انها ارض الانبياء والديانات السماوية، وقد ثبت لهم ان الكتب المقدسة غير قادرة على اعطاء الحقيقة وانها يطغي عليها طابع العنصرية ومليئة بالاساطير والخرافات والتي لا يقبلها الفكر الانساني والعقل المعاصر. وننقل مثالا لنص واحد من تلك الخرافات .

(فالآن ان سمعتوا لصوتي وحفظتم عهدي تكونوا لي خاصة من بين جميع الشعوب فان لي كل الارض وانتم تكونون لي مملكة كهنة وامة مقدسة) – سفر الخروج الاصحاح التاسع-5-6 – ولهذا يعتبر الكتاب المقدس كتاب موجه الى شعب بعينه ويعتبر اليهود انفسهم شعب الله المفضل وانه هو الاههم وحدهم وانهم شعبه المختار وبقية الشعوب عبيد لهم ..

يذكر الدكتور فالح مهدي في كتابه – البحث عن جذور الآله الواحد – ان عدد كبير من المفكرين يعتبرون العهد القديم كتب على يد اكثر من محرر بل ساهم في صياغته عدد كبير من الصعب احصائهم في عصور مختلفة امتدت الى خمسة قرون .

1926 المعراج 1

المصدر العلمي للتاريخ

لقد سجل الاوربيون السبق في التنقيبات والحفريات في ارض الرافدين وكان التنافس على اشده بينهم وكانهم جماعات الباحثين عن الذهب في امريكا. حيث بدأت حمى الذهب في كاليفورنيا في عام 1848 مع اكتشاف جيمس مارشال الذهب في بعض مجاري الأنهار في كاليفورنيا. وقد هرع الآلاف واستقلوا القطارات والعربات والسفن وحتى ساروا على الاقدام من قارتي أمريكا والعالم القديم طمعا في الحصول على ثروة الذهب ... وهذا ما حصل في بلاد الرافدين حيث هرع الاوربيون للبحث عن . المصدر الاساسي للتاريخ وهو الآثار السومرية القديمة التي موجودة ومطمورة تحت التراب وهي ثروة اغلى من الذهب .

كيف يدون التاريخ

1926 المعراج 3لقد اطلعت على كتب بعض المؤرخين العرب والمسلمين مثل تاريخ الطبري الجزء الاول والمسعودي واليعقوبي وابن الاثير، كما قرأت كتابين للدكتور خزعل الماجدي وطه باقر وزهير صاحب وفؤاد سفر وغيرهم وكان الهدف هو التحقيق ومعرفة تاريخ الامم السابقة العتيقة التي ظهرت قبل التدوين والتاريخ، وقد وجدت ان هؤلاء ينقسمون الى قسمين:

1 – القداما وهم الطبري وغيره وجدتهم ينقلون نقلا مباشرا عن كتب اليهود، حتى انه ورد عن ابن عباس الذي كان يطلق عليه (الحبر الاعظم) كان يسأل كعب الاحبار (والذي هو يهودي الاصل والذي اسلم بعد ذلك في زمن الخليفة عمر) عن الامم السابقة وينقل عنه . كما وجدت ان السيد الطباطبائي في كتابه- الميزان – ينقل بعض الروايات اليهودية عن قصص الانبياء ثم يعلق عليها ويقول (انها لا يعول عليها كثيرا لانها تتنافى مع المنطق العقلي للقرآن) وانها اسرائيليات . ولهذا كان المؤرخون المسلمون القداما يعتمدون على كتب التوراة في تسجيل الحوادث وتاريخ الامم الماضية . وان التوراة بدورها كانت تنقل عن الاساطير السومرية والبابلية والآشورية القديمة وبالتالي تكون الحصيلة للمنظومة المعرفية عندنا اليوم هو ما يوجد في كتب مؤرخينا والذي اكثره اساطير وخرافات ولا يعول عليها كثيرا .

2 – القسم الثاني هم العلماء والمحققين الآثاريين العلمانيين الذين يعتمدون في تدوين التاريخ على ما كشف من الآثار المادية المنتشرة في ارض الرافدين والمطمورة تحت الارض منذ آلاف السنين . وعندما نقرأ كتب علماء الآثار سواء الاجانب ام العرب نجد تناقضات لا تحصى في الترجمة والتأويل للنصوص السومرية والاكدية ..

ولكن كيف كان ينظر السومريون الى انبياء عصرهم ؟ وكيف حولوهم الى ملوك واساطير وآلهة ؟ لنأخذ مثلا على ذلك النبي ادريس –ع-

1926 المعراج 2

ادريس في الاساطير السومرية:

جاء اسم ادريس في اللغة السومرية هو - انمين دور انا – ويكتب ايضا –انميدور انكي وفي العبرية –خنوخ – وعند المصريين القداما - هرمس – وارميس باليونانية . كما جاء في القرآن باسم ادريس . ويعتبر انمين دور انا الملك السابع في التاريخ السومري قبل الطوفان وحكم في مدينة سيبار . وقد وصف بانه اله وابن الاله انكي، وانه من العباد الكهنة والحكماء والعلماء في الطب والفلك، ولهذا جاء في التراث السومري كملك وليس نبي . اما في القرآن فقد جاءت قصته بانه من العباد الصالحين وان الله رفعه الى السماء العليا (ورفعنانه مكانا عليا)، كما ذكرت التفاسير قصص عن حياة ادريس –ع- منها انه، كان هناك ملك قد غضب الله عليه فكسر جناحه ورماه في احد الجزر فلما ظهر ادريس طلب منه الملك ان يشفع له عند الله ان يرد عليه جناحه ففعل ادريس ورد الله للملك جناحه ثم قال الملك لادريس ما حاجتك حتى اقضيها لك، قال اريد ان ارى ملك الموت لارى متى اجلي، فحمل الملك ادريس على جناحه وطار به الى السماء الرابعة وتركه عند مطلع الشمس، ثم ذهب الملك وسأل ملك الموت عن اجل ادريس فقال له سيموت في مطلع الشمس، ولما رجع الملك الى ادريس وجده ميتا .

1926 المعراج 4هذه القصة نجدها ما يشابهها في اسطورتين سومريتين مدونة على عدد من الالواح الطينية السومرية التي كشفها علماء الآثار، الاولى هي ان ايتانا كان احد ملوك سومر كانت زوجته مصابه بالعقم فشكى وضعه الى اله الشمس اوتو، فنصحه الاله بان هناك نبات في السماء العليا عند الاله الاكبر - آن – هو من يحل مشكلة الاخصاب، ولكن عليه قبل ذلك ان يذهب الى نسر في الوادي مكسورة اجنحته عليه ان يضمدها ويصلحها وهو يحمله بعد ذلك الى السماء العليا وفعلا تم ذلك وحمله النسر السماوي الى الاله - آن - او انو، وبالتالي حصل على نبات الاخصاب . وفي هذه الرحلة الفضائية يصف لنا ايتانا كيف يرى الكرة الارضية من علو وهي صغيرة وكأنه وصف لاحد رجال الفضاء في عصرنا الحاضر .

اما القصة الثانية فهي تشيه الاولى من ناحية المضمون وتختلف نوعا ما في الصيغة السردية، حيث يذكر بان الاله آدابا ابن انكي كان في مركب يصطاد السمك فهبت عليه الريح القوية فضربها وكسر جناحها . ولما علم الاله- آن – بذلك الحادث طلبه للاستفسار فصعد آدابا الى السماء العليا لمقابلة الاله الاكبر - آن -، ولكن لا نعرف كيف صعد اي بأي وسيلة . .

ان الرحلات الى الفضاء في القرون السابقة كانت واردة في الكتب السماوية المقدسة مثل رحلة الرسول محمد –ص- الى السماء السابعة، وكذلك ذكر القرآن ان الله رفع عيسى –ع- الى السماء العليا حيا .

اذن ما جاء في الاساطير السومرية هي ربما حقائق محورة اخذت صفة الآلهه وانها تمثل الخط الرسمي للدوله ومصالحها وليس المعارضين لها، كما ان التدوين الذي وصلنا على الالواح الطينية كان بيد كتبة الكهنة والملوك . وان الانبياء كانوا يمثلون الخط الشعبي الذي كان مبعدا ومحاربا وليس بيده شئ .. ولهذا اعتقد ان علماء الآثار لازالوا غير قادرين على حل رموز الماضي ودراسة تاريخ الانبياء واسمائهم ومقارنتهم بالملوك السومريين والبابليين والآشوريين وغيرهم .. نعم هناك محاولات لذلك ولكنها قاصرة ويشوبها الغموض حيث لازالت لم تتخلص من روايات الكتب المقدسة القديمة مثل التوراة والتي لا يعول عليها ..

يقول الدكتور خزعل الماجدي حول ترجمات علماء الآثار (هنا يكمن الخطأ في النقل واعادت بناء الثقافات السابقة حيث تجري التحويرات عن قصد من اجل تعزيز السردية الجديدة للشعوب الجديدة كي تحل محل الثقافات القديمة ولكي تساهم في دحرها) .

 

د. كاظم شمهود

 

 

ضياء محسن الاسديلو أريد دراسة أي شخصية لزاما علينا معرفة كل الجوانب المحيطة بها والظروف التي نشأت فيها والبيئة الاجتماعية والأسرية والفكرية وانحدارها الطبقي والمؤثرات النفسية التي ساهمت في بناء هذه الشخصية ليتسنى لنا معرفتها والإحاطة بها وإنصافها سلبا وإيجابا حيث نستطيع أن نكون فكرة واضحة لـتأريخها وتأثيرها في مجتمعها تجنبا من بخس حقها وخصوصا إذا كانت شخصية لها مكانتها وتأثيرها في التأريخ ومن هذه الشخصيات المطروحة الآن بين طيات كتب الكتاب والمؤرخين للسير التاريخية هي الشخصية التي أحاطها الغموض والتلاعب في شخصيتها والافتراء عليها وهو الملك البابلي الآكدي -  نبوخذنصر- الذي ترك بصمة واضحة في تأريخ العراق والعالم الحاضر والماضي وما زالت شواهده حاضرة لحد الآن .لهذا نبدأ بهذه الشخصية منذ نشأتها وارتباطها بأرض بلاد الرافدين ولو بدأنا أولا أن ملوك بابل وآشور هي من أسرة واحدة انحدرت من بلاد وحضارة اليمن العربي وتابعت نزوحها إلى شبه الجزيرة العربية وشواطئ الخليج العربي وصولا إلى جنوب العراق وحتى شمالا منه من قوم الملك العربي تُبع وأبنه أسعد بن تُبع وأولاده حيث ترعرعت هذه الأسرة على التوحيد والإيمان بوحدانية الله تعالى وإيمانهم بالديانة اليهودية الموحدة لله تعالى بعدما أعتنقها الملك تُبع وجاء بها من الشام ومن ذُريته (شرحبيل) أو ما يسمى (شوبرليت) وسميه بعدها ب(آشوربانيبال) كما ذكره الدكتور المؤرخ (طه باقر) رحمه الله .حيث كان يتبع الديانة التوحيدية في مملكة الكلدانيين وهو الذي كسا الكعبة المشرفة بالذهب لأول مرة في تأريخها مع أبنه حسان الأول كما أورده المؤرخ (أغاثيوسيوس) اليوناني وقد ذكر المؤرخون على أن الكلدانيين موطنهم الأصلي هو شواطئ الخليج العربي بين عُمان وجنوب العراق سابقا كما أورده الأستاذ – أحمد سوسة – أو شبه الجزيرة العربية كما ذهب إليه الباحث (فيليب دوغورتي) ودخولهم العراق خلال الألف الأولى ق.م ويميل الباحثون أنهم كانوا يدينون بالنسخة الإغريقية للإنجيل.

وكانوا على مقربة من شبه الجزيرة العربية التي كانت ديانتهم هي عبادة الأصنام والوثنية التي جاء بها عمرو بن لحي لشبه الجزيرة العربية وهذه الأصنام كانت بالنسبة لهم ما هي إلا واسطة للوصول إلى الله تعالى مع معرفتهم به سبحانه تعالى كما ورد في القرآن الكريم (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله فأنى يؤفكون) وكذلك (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) هذا أذا سلمنا جدلا أن البابليين قد تأثروا بهم بحسب مجاورتهم الجغرافية بين بلاد النهرين والجزيرة العربية واستيطانهم بجوار الصابئة المندنائية التي كانت تؤمن بأن الله تعالى موجود في الضمير والوجدان والعقل وروح الإنسان وفي كل شيء حي وغير حي وفي كل مكان وهذا هو أقرب معنى للتوحيد والاستسلام لله تعالى وحده كما ذكره (أبي الحسن علي المسعودي) في مروج الذهب . وقد ذكرهم الباحث (جواد علي) والمؤرخ (سامي سعيد الأحمد) حيث أعتبرهم عربا نزحوا من أرض اليمن العربية وأيدها بأدلة وكتابات أثرية ورُقم سبئية وعربية جنوبية عُثر عليها في مباني الملك البابلي (نبوخذنصر)  .

وقد ذُكر أن قبيلة نبوخذنصر الآرامية خرجت من شبه الجزيرة العربية سنة 1500 ق.م واستقرت في سوريا أولا سنة 700 ق.م مؤسسة الدولة الآشورية ثم نزحوا إلى الجنوب من العراق ثم اتجهوا شمالا منه إلى بابل كما ذكره الأب (أنستاس الكرملي) وبذلك يعتبرهم عُربا . ويُذكر أن الديانة البابلية هي عبادة كل الظواهر الطبيعية للكون والأجرام السماوية ويعتقدون بأن هناك قوة خفية تسيرها لا تُرى بالعين لذلك يؤمنون بالقوة الخفية لهذه الظواهر والأجرام وليست الظواهر بعينها كما يُشاع عنهم وكانوا يعتقدون أنهم خُلقوا من طينة الأرض والاعتقاد بالحياة الآخرة والحياة بعد الموت أي فكرة البعث بعد الموت وكذلك انفصال الروح عن الجسد بعد الموت .

أما ما ذُكر عن الملك البابلي من جانبه الأول وهي الحقائق التاريخية وهي كما أسلفناها والجانب الثاني من وجهة أعدائه اليهود بعد سبيهم مرتين وهو ما يسمى بالسبي البابلي وحقدهم عليه وافترائهم وكذبهم عليه في كتبهم ومعتقداتهم الدينية وما زالوا يثقفون أبنائهم وأجيالهم القادمة على حقدهم على العراق خاصة كما ذكره سفر التكوين والتوراة المحرفة لديهم نتيجة للعقاب الذي أنزله الله عليهم لقتلهم الأنبياء والرسل على يد هذا الملك العادل . فمن هو هذا الملك البابلي وشخصيته

نبوخذنصر

أسمه بختنصر أو بختر شاه باللفظة ال(آكدية) أسقط مملكة أورشليم القدس عام 597ق.م أولا والثانية عام 587 ق.م ويدل معناه بالآكدية نبوكودورو أصور أي (نابو حامي الحدود) ومعنى بختنصر (سعيد الحظ) أمتاز بالتسامح الديني وحرية الفكر والحرية الدينية كان يحترم آلهة الغير كان فاتحا وليس غازيا كان يعتمد على مستشاريه وخصوصا النبي دانيال بعدما أتى به من القدس وجعله مستشارا له في الأمور الدينية وله مقولة مشهورة (الكبرياء الزائدة مدمرة للنفس) كان عسكريا بارعا أعتبره كثيرا من المؤرخين أنه ملك عادل يعبد الله تعالى حكم البلاد 43 عاما ومما يزكيه  هو قول الله تعالى في كتابه القرآن الحكيم كما أورده في الآية ( فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار....) حين وصفه بعباد لنا وهذا يدل على أنه عبد ممن يوحد الله تعالى بعدما سلطه على اليهود انتقاما منهم لقتلهم الأنبياء والرسل والتغطرس على غيرهم .

أما من الجهة الثانية فقد كتب حوله ممن عاده وهم اليهود وشوهوا صورته في كتبهم الدينية ومعتقداتهم وما انفكوا يمارسون الكذب والتدليس في حقيقة شخصيته انتقاما منه لسبيهم مرتين وينصبون العداء له وللعراق جميعا ولبابل في أعلامهم وثقافتهم حيث اتهموه بالجنون لسبع سنين  قبل وفاته وكما جاء في سفر التكوين أنه أسلم لله على يد نبي الله دانيال عليه السلام لتفسير حلم للملك نبوخذنصر .وخلاصة القول ومما تقدم من طروحات وتناول للمعلومات حول هذه الشخصية التاريخية نصل إلى حقيقة مفادها أن هذه الشخصية صورها لنا كمسلمين هو القرآن الكريم المصدر الموثوق للعالم بأنه عبد من عباد الله الصالحين الموحدين لربوبية الله تعالى الخالصة بعدما قرن وصفه بعبد إلى أسمه تعالى وقال عباد لنا والمنسوب إليه هو الله تعالى وهذا التقصي والبحث عن هذه الشخصية الآكدية وامتدادها العائلي الديني إلا وجهة نظر تزيل كثيرا من غبار الافتراء والانتقاص من قبل أعدائه وباب الإنصاف له من خلال الغوص في أعماق الحقائق التاريخية التي تنصف كثيرا من الشخصيات المظلومة.

 

ضياء محسن الأسدي

 

لوحات للوجوه والنسوة والمشاهد.. حيث الرسم ابراز للرؤى والمشاعر والخيال..

لو أن للفن بدايات وتلمسات تبتكر نظرات الكائن تجاه ذاته والعالم وهو يلهج بالنشيد والأغنيات الضاجة بالحلم.. نعم للفن حكاياته الأولى.. للرسم والتلوين بدايات هي الرغبات والحنين أخذا بناصية الأمل المبثوث في الدواخل.. ومن تلوينات الأمل هذا نجد السلام.. السلام بكل عناوينه المقيمة في الانسان.

هكذا كانت حكاية الحلم مع الأنامل وهي تمسك بالأقلام ترسم الأمل المفعم بالسلم وما يعنيه ذلك من هيئة حمامة باذخة ترمز للحرية.. هي حرية منشودة في أرجاء الكون تناغما مع الأغاني العالية.. تلك الأغاني التي تقولها البراءة في عنفوان بهائها الوجداني والفكري.. انها لعبة الرسم الأولى بما يشبه الخربشات التي كانت بمثابة الحلم المتحدي والمكلف..

1911 سنية اسماعيل

حكاية البداية هنا تعني الكثير.. انها الرغبة في الاختلاف من المنطلق وفي مقتبل من العمر والتجربة.. انها المجازفة بالدرس لأجل الرسم والخروج المغادرة لأجل التلوين ليصير الأستاذ الذي أخرج الرسامة الهاوية والموهوبة من درس ذلك اليوم المشجع الأول والدافع باتجاه الاكتشاف والقول بالموهبة وبما يعني ميلاد رسامة وقدومها الى كون التلوين على مهل وبذلك يصر على نشر الخربشات الأولى على صفحة الجريدة.. والرسمة هي حمامة السلام التواقة للحرية نهجا وفكرة وحياة.. ويحدث ذلك في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.. انه الاعتراف والاقرار بموهبة فهمت خربشاتها في أول الأمر على أنها تمرد وخروج عن الدرس وضوابطه.. انها لحظة حاسمة صار الرسم معها حب وهيام ومسار طويل.. والمحصلة كان لا بد من حدوث ذلك لاكتشاف موهبة في سنوات الشباب حيث عالم الرسم شواسع للرغبات والآمال والهواجس.. هي الخطى الأولى تجترج من الحياة تلويناتها وعناوينها الكبرى حيث القول بالرسم بداية وملاذا في آن واحد.

هكذا ندخل عوالم الشغف بالفن التشكيلي.. عوالم التلوين في هذه المساحة من حالات الابداع والامتاع.. عوالم الفنانة التشكيلية سنية اسماعيل التي قدمت خلال السنوات الأخيرة عددا من لوحاتها من خلال المعارض ومنها المعارض الجماعية وآخرها في رواق السعدي بضاحية قرطاج وضمن معرض " نساء 2020 ".. انها فسحة أخرى في عالم التلوين حيث تقول الرسامة سنية ".. بالنسبة لي الرسم هو القدرة على ابراز مشاعري وافكاري الفنية بطريقة لا يمكن تفسيرها في حيز مجرد من الكلمات. أرى جمال الفن في الفرح والنشوة والحزن والظلام.. ولو كان بإمكاني ان أرسم رؤيتي للفن لرسمت آلاف اللوحات لأنه ببساطة مزيج من العواطف والرؤى والمشاعر والتخيلات والإلهام..".

هكذا كانت بداياتها لتظل وفية لها في هذه العلاقة بالرسم الذي تعتبره ترجمان حالات وأحاسيس وأشواق تجاه الذات والآخرين والعالم..

هناك وجوه ترسمها الفنانة سنية اسماعيل لتبرز تفاصيلها التي هي عبارات لونية تشير للحالات في تنوع أحاسيسها واعتمالاتها.. هناك لوحات فيها وجوه نساء باللباس التقليدي وبشيء من الزخرف قولا بالتراث والجمال وبالأنثى عنوان تلوين واحتفاء.

الطبال..لوحة بها تلوين لمشهدية فلكلورية حيث يبرز العلم التونسي فكأن الرسامة سنية اسماعيل تأخذنا الى عالم من البهجة المفعمة بالنشيد في مساحة من الوجد والقول بالحالة التونسية في ضرب من الاحتفاء بالهوية والخصوصية.

عدد ىخر من اللوحات فيها الألوان بمثابة سمفونيات يجمع بين ولع الفنانة سنية بممكنات اللون وما يحيل اليه لحظة التعاطي مع القماشة.. لحظة الرسم بما هو عبارات في دواخل الذات تذهب بها الفنانة الى العالم قولا وكشفا.. انها لعبة التلوين كمجال للتعبير والافصاح والذهاب الى ما يشبه الغناء.

انها وهي ترسم تحرص الفنانة سنية اسماعيل الى أخذنا الى حيز من عالمها الملون لتبرز وفاءها لحادثة البدايات.. لتكشف شيئا من مضيها الجاد مع التلوين الى الآفاق والأقاصي لترسم المرأة والمشاهد والوجوه وهي منشدة الى البياض تلونه مثل انشدادها الأول للورقة تفعل فيها فعلها البريء من خربشات وغيرها حيث كانت الحمامة والسلام على سبيل الذكر..هذه حالة من حالات الفن بما فيها من نبل وبراءة وغرام تجاه الابداع ومشتقاته ومنها الرسم.

هذا وتواصل الفنانة سنية اسماعيل هذه الرحلة الفنية التي كانت هواية لتدعمها بالتعلم والسعي للتمكن أكثر من المتطلبات الفنية والضوابط وما به يكون الفن فنا والرسم بالخصوص لعبة باذخة.

و في برنامج الفنانة سنية اسماعيل المزيد من العمل على انجاز لوحات فنية فيها الاضافة فضلا عن الحضور الفني من خلال العمل على اعداد معرض فني تشكيلي خاص تواصلا بين تجربتها والمتقبل حيث المعرض بالنهاية هو مرآة أخرى للفنان بصفة عامة ليرى ذاته وأعماله وتجربته من خلال عيون الآخرين..الذين يتلقون الفن ويزورون المعارض ويهتمون بالفن التشكيلي.

في لوحات سنية اسماعيل تنوع واشتغال دقيق خاصة في تلوينات الوجوه ولعل الرسامة في قادم أعمالها الفتية تأخذنا الى عوالم أخرى من تجارب الفن التشكيلي فالفنان عامة يرنو للتنوع وللمغامرة وللتجريب قولا بالتجدد والابداع..

 

شمس الدين العوني

 

كاظم شمهودكان اللون الازرق مقدسا عند اهل الرافدين لاعتقادهم انه حجر كريم محاط باسرار الهية وقد ظلت اهميته عالقة بالفكر الانساني الديني في العصور التالية واستخدم كأسلوب فني يربط مكان العبادة ولون السماء.. كما اعتقدوا بان اللون الازرق يطرد الشرور والحسد ولهذا نرى ابواب المدن السومرية والبابلية مغطات ببلاطات الخزف والتي يطغي عليها اللون الازرق مثل باب عشتار.. وانعكس وتجسد هذا المعتقد على الحجر والخرز والسبح فكانت - ام سبع عيون – عند البابليين لها دور وقائي في دفع الشرور او الاشعاع المنبعث من العين الحاسدة حتى يتشتت الى سبعة اقسام ويفقد قابليته على الاذى. وهذا يعني ان البابليين قد كشفوا الطيف اللوني الذي يتكون من سبعة الوان قد سبقوا به العالم اسحاق نيوتن 1642 م .....

اما العين الحارسة فجائت من الآله - حروس – ذو العين الزرقاء وهو اله السماء والنور والخير عند المصريين القدماء ومن هنا جاءت الكلمة العربية - حارس – وكان اللون الازرق في عقيدة المصريين مرتبط بزرقة السماء التي تسبح فيها الشمس والتي هي مقر وعيش الآلهة والتي تحمي الانسان وتباركه.. وانتقلت هذه المعتقدات الى الاحجار الكريمة والخرز  من جيل الى آخر حتى يومنا هذا حيث نرى اهلنا في العراق خاصة الجنوب يعلقون على مداخل الابواب وعلى جبهات الاطفال الخرز الزرقاء  او ما يسمونه الشذر والعيون المفتوحة الزرقاء وعلى صدور النساء واصابع الرجال بقصد طرد الشر والحسد...

1899 اللون الازرق 3

وهي معتقدات قديمة تعود الى اهل الرافدين القدماء.. وكان العرب يتشائمون من اللون الازرق ويعدون الروم اعداء لهم لان الوان عيونهم زرقاء. كما ان حكاية - زرقاء اليمامة – التي يقال انها كانت لها قوة بصر خارقة وتستطيع ان ترى على مد مسيرة يومين. وفي احد الايام  نظرت من اعلى احد البنايات واخبرت قومها بان هناك عدو قادم يزحف عليهم فلم يصدقوها... فداهمهم العدو وخرب بلادهم وكانت النتيجة كارثية كبيرة على قومها رغم انها نصحتهم. فاعتبروها شوئم وشر. واليوم لازال هذا المعتقد يردده البعض عندما يرى احدا غاضبا يقول عنه امزورق (امزورك).

الخزف الاسلامي

1899 اللون الازرق 1عندما ظهر الفنان المسلم كانت لديه خلفية حضارية وتجربة راقية عريقة متكاملة في التعامل مع الطين حيث مكنه هذا من خلق انواع جديدة تمتاز بالريادة والسبق والرقي في مجال الخزف.. وكانت صناعة الخزف في العصر الاسلامي قد فضلت على غيرها من اواني الذهب والفضة بعدما ظهرت احاديث نبوية تحرم استخدامها وذلك لما لها من انعكاسات لمظاهر الترف والبذخ والعلو على الآخرين.

و قد ابتكر الفنان المسلم نوعا من الخزف يتسم برقته وشفافيته بحيث يمكن النظر من باطن الاناء لترى اليد الموضوعة خلفه، كما قام باول تجربة ناجحة فيما يطلق علية- البريق المعدني الخزفي – وهي تجربة رائدة لم تكن مألوفة سابقا حيث استعمل الصبغ الذهبي ذي البريق المعدني بدلا من صفائح الذهب. وقد ابتكرها اهل العراق واستعملوها في رسم الزخارف على الاواني الخزفية ثم انتقلت الى مصر. وفي المتحف الاسلامي في القاهرة نماذج من هذا النوع.

1899 اللون الازرق 2وتعددت اساليب انتاج الخزف كما تعددت الزخارف التي يزين بها هذا الانتاج فاستخدم الرسم بالالوان تحت الطلاء الزجاجي الشفاف كما استعمل التذهيب فوق الطلاء وكذلك الحفر والتخريم والمينا فظلا عن البريق المعدني الذي يميز الخزف الاسلامي عن غيره وقد تألق في العصر العباسي. وعثر على نماذج منه في مدينة سامراء والفسطاط في مصر..

وعبر الخزف الاسلامي الى اوربا عن طريق الاندلس وانبهروا به وظهرت مصانع راقية في الاندلس زمن العرب واشتهرت مدن طليطلة وبلنسية وطلبيرة في صناعته. وكان يسمى في الاندلس azulejo وهي كلمة متأتية من اصل عربي يعني - زليج - او زليق من يزلق – وهو اشارة الى نعومة وبريق سطح الخزف خاصة الكاشاني... او ربما تحريف من لازود – ويسمى في مصر زليزلي وفي اليابان يسمى فرفوري من مدينة فرفور وقاشاني نسبة الى مدينة قاشان في ايران.. وغيرها من الانواع. وقد زرت بعض المدن الاندلسية والتي لازالت صناعة الخزف فيها متوارثة ومنتعشة مثل مدينة طلبيرة Talavera حيث نشاهد لوحات قطع السيراميك تزين جدران المقاهي والمنازل والمسطبات في الساحات العامة وكذلك الاواني والتحفيات التي تباع في المحلات للسواح، وايضا يوجد هناك في المدينة متحف خاص للخزفيات (السيراميك) وفيه نرى تاريخ هذه الصناعة ونماذج مادية منها، منذ تاريخ العرب والمسلمين. ولازالت آثار المسلمين موجودة في المدينة القديمة من اسوار وابواب وعمارة مدجنية كابراج الكنائس وغيرها.

1899 اللون الازرق 4

وقد تطورت الزخارف في طرق تنفيذها وظهرت عليها مختلف المواضيع وباشكال هندسية ونباتية وحيوانية واشكال اسطورية وغيرها كما اصبحت صناعته خاضعة لابتكارات الفنان وابداعاته وذوقه. واصبح مفخرة من مفاخر الفن الاسلامي حيث صنعت به الاواني والاوعية والبلاطات المزججة التي حلت محل الكلس والجص وغيرها من اكسية الابنية.. كما عمد بعض الفنانين الى بناء لوحات جدارية كبيرة من بلاطات الخزف وبتعبيرية غاية في الجمال والابداع..

 

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهودكان العقل السومري مكتمل الرقي والتطور وكان يحمل نسيجا فكريا وخياليا واسعا ونضوجا سياسيا واجتماعيا لا يختلف عن عقل الانسان المعاصر بل هو هو.. ولكن الاختلاف يقع في الجانب الخارجي منه اي الموضوعي في التطور التجريبي المادي والتمدن والتكنولوجيا ووسائل النقل وطرق التواصل الحديثة وغيرها . (وخلقنا الانسان في احسن تقويم)

ورد في كتاب –من الواح سومر- لعالم الآثار المعروف كريمر حكاية طريفة حيث كشف لوح طيني قديم مدون عليه جريمة قتل في بلاد سومر حدثت في حدود 1850 قبل الميلاد، وهي ان ثلاثة رجال قتلوا احد موظفي المعابد لاسباب غير معروفة وقد اخبروا زوجته بذلك ولكن الزوجة احتفظت بالخبر ولم تخبر به السلطات الحكومية .

ولكن الخبر بالاخير وصل الى الملك فاحال القضية الى محكمة الفصل في القضايا فحكمت على الثلاثة بالاعدام، ولكن الغريب ان المحكمة اعتبرت الزوجة شريكة في الجريمة لانها سكتت ولم تخبر السلطات، ثم برأتها لان الزوج لم يوفي في اعالة العائلة .

1880 آشورفي عام 1930-1945 ارسلت القصة الى عميد كلية الحقوق في جامعة بنسلفانيا اوين ج روبرتس يستفتيانه رأيه القانوني، فكان جوابه ذا اهمية خاصة اذ ابان ان القضاء المحدثين يتفقون مع القضاء السومريين القداما ويحكمون بالحكم نفسه.. وهذا يشير الى مدى النضوج والمستوى العقلي الذي يتمتع به القضاء السومري والذي لا يختلف كثيرا عن واقع قانون القضاء المعاصر .

وكانت الطبيعة في ذلك الوقت المصدر الحي لنشوء الاساطير والحضارات القديمة . وكان الانسان السومري استطاع ان يشخص دور قوى الطبيعة في مسيرة حياته فجعل لكل قوى اله .. وكانت الاسطورة الاولى هي اسطورة اله السماء - آن –(آنو- في البابلية) والذي اطلق عليه اسم الاب ثم جعل له ابناء واحفاد وانصاف الهة وشفعاء .. هذا البناء الهندسي في المعتقد السومري نجده في الديانات السماوية كاليهودية والمسيحية والاسلام من حيث ان الله رب السماء وهناك ملائكة حول العرش ورسل وانبياء واولياء يبشرون وينذرون الناس، ويتشفعون لهم .

وكان الانسان السومري يعتقد بان هذه القوى الطبيعة التي تتدخل في حياته وتقرر مصيره كالشمس والقمر والرياح والماء والهواء وغيرها هي قوى عاقلة وحية لكل واحدة منها لها مهام ووظفية خاصة بها تؤديها في الحياة، ولهذا جعلها آلهة وعبدها وبنى لها المعابد وقدم لها القرابين والطقوس وجعل الكهنة واسطة بينها وبين البشر تخبرهم عن نهيها واوامرها ..

1881 برج بابل

نحن اليوم عندما نقرأ القرآن نجد هذه المفاهيم السومرية داخلة في صلب المعتقد الديني الاسلامي .

(ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللارض اتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين)

وهنا جملة – قالتا اتينا طائعين - اشارة الى وجود العقلانية والروح التي تملكها هذه القوى الطبيعة وانها مسيره من قبل رب السماء ..

(لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) هذا الخشوع والعبادة والسير المنظم الدقيق للحياة يكشف عن ان كل شئ في الحياة له روح وعقل يتناسب مع درجة خلقه .

1882 حمورابيلكن الانسان السومري وابتداعه لهذا الفكر والمعتقد الديني الوثني استطاع ان يبعد الانبياء عن ميدان الحكم والسلطة ويصفهم بالسحرة والكذابين لهذا لم نجد في علم الآثار اليوم قصص للانبياء والرسل ورسالاتهم واسمائهم.. لان التدوين كان بيد الملوك والكهنة . ولهذا نجد آلاف الالواح الطينية من سومرية وبابلية وآشورية وقد دونت بها اعمال الملوك وحملاتهم العسكرية والاساطير التي تبين صراع الآلهة على السلطة.و الحكايات الخرافية وقصص الملاحم والتراتيل الدينية والمراثي والرسائل والمقالات التي يكتبها ارباب الادب والكتبة السومريين الذين كانوا مسخرين من قبل السلطات العليا .

ويقول الاستاذ طه بالقر عن الاساطير السومرية (بان الخليقة في اساطير وادي الرافدين حدثت بالصراع والاحتراب ما بين الآلهة)

1883 سرجونوعندما ننظر الى الفنان الصيني نجده يرسم الطبيعة بقدسية واحترام ودقة واجلال كبير لانه يعلم علم اليقين وحسب معتقده انها حية ولها روح وانها مرتبطة بالسماء وقد رسخت الهندوسية والبوذية هذه المفاهيم في معظم ناس الشرق ومن خلال نظرية تناسخ الارواح . ويعرف مفهوم تناسخ الأرواح أو رجوع الشخص البشري إلى الحياة في جسد إنسان آخر او شجرة او حيوان، بأنه فكرة فلسفية ودينية، تبدو في الحقيقة كأنها أمر خيالي، لكن بعض العلماء يعتقدون بأنها مفهوم علمي بحت ومنهم علماء مسلمين .. بينما نجد الفنان الغربي الذي كان يرسم في القرون الماضية قد اهتم بمظاهر الاشياء والاعتناء بالتشريح والمنظور والجماليات، ولكنه عاد في العصر الحديث فتغيرت مفاهيمه واصبح يعتقد بما يعتقد به الفنان الصيني من ان وراء كل شئ روح ومضمون . ولكن كيف حور وحول اهل الرافدين الرسالات السماوية الى قصص واساطير تمتزج بها الحقائق والخيالات والخرافات مثل حادث الطوفان حيث ورد في النصوص السومرية والبابلية اسم- اتو نابشتم أو يسمى اتراحسس - صاحب الطوفان وهو نوح –ع- . وحسب تاريخ الطبري وكتاب التوراة انه مكث في ارض سومر حوالي اكثر من 1600 سنة يبلغ رسالة السماء فكذبوه ووصفوه بالشيخ المخرف والساحر، فهذا العمر الطويل والكفاح الراسالي العجيب لم يترك لنا اثرا الا بضعة الواح طينية مختصرة ... ؟ ولم يجد علماء الآثار اليوم شيئا عن قصص الانبياء والذين وصل عددهم الى 24 الف نبي ومرسل .فاين هم وآثارهم واسمائم وصحفهم؟ اعتقد انه سيجيب على هذه الاساله وغيرها علم الآثار في المستقبل . اما الكتب الدينية فهي مليئة بالاساطير .

 

د. كاظم شمهود

 

كاظم شمهودكانت التنقيبات الاولى للبعثات الاوربية التي اجريت في بلاد الرافدين مقتصرة على المناطق الجنوبية من سهل وادي الرافدين ثم بدات بعثة امريكية من جامعة شيكاغو بالتنقيب في المناطق الشمالية وخاصة في قرية – جرمو – التي تقع قرب جمجمال (ليمانية)، وتعد قرية جرمو اول مستوطن زراعي في شمال العراق . وفيها تم تدجين الحيوانات وزراعة القمح والشعير والعدس والحمص والفستق وغيرها ... كما اخذت البعثة تنقب في كهف - شانيدر – عام 1951 ويقع الكهف قرب جبال برادوست، وقرب قرية – جرمو - وقد كشف ان نوع الانسان الذي استوطنه هو نياندرتال وبعد استخدام طريقة الكاربون 14 استطاعوا من تحديد زمن دور الكهف وهو مابين 60،000 و 45،000 عام ق م، وقد عثروا على هياكل عظمية حيوانية وبشرية وادوات بدائية كان يستخدمها الانسان في حياته .

 ويذكر ان المصطلح العلمي لينياندرتال يعود الى موضع في المانيا اسمه نياندرتال قرب مدينة دوسلدوف حيث كشف لاول مرة عن هياكل عظمية للانسان القديم . وبالتالي يعد انسان نياندرتال آخر الانواع البشرية العتيقة البائدة حيث ظهر من بعده الانسان العاقل او الحديث .

الادوار الحضارية التي سبقت السومريين؟

يذكر علماء الآثار ان هناك حضارة متطورة سبقت حضارة السومريين في بلاد الرافدين وهي :

1 / دور حسونة .

2 / دور سامراء

3 / دور حلف (او خلف)

4 / دور العبيد .

1 / يعتبر دور حسونة من ادوار العصر الحجري المعدني حيث وجد فيه لاول مرة الاواني الفخارية باشكال متنوعة للاستخدام والتي ميزت هذا الدور، ويقع دور حسونة في ناحية الشورة على بعد 22 ميلا جنوب الموصل وهو تل صغير نقبت فيه مديرية الآثار العراقية بين اعوام 1943 و1944، وقد عثر في اسفل طبقات التل على آثار مستوطنة زراعية واواني فخارية بدائية صنعت باليد وخالية من الزخارف وخشنة الملمس، ثم تطورة صناعتها فظهرت عليها اشكال هندسية وخطوط مستقيمة ومتصالبة ومتقاطعة، كما صنعت الجراة الكبيرة لخزن الحبوب، ثم اخذوا يخبزون الخبز في التنور المصنوع من الطين، ولازال هذا التنور يستخدم في مجتمعاتنا الشرقية خاصة في جنوب العراق .

و يحدد علماء الآثار دور حسونة في حوالي 000، 7 – ق م، وقد تحسنت الحياة الاجتماعية فيها وظهرت القرى الزراعية وبنوا البيوت من الطين او اللبن مما ادى ذلك الى تطور الفكر البشري حول تنظيم الحياة وحول الطبيعة المخيفة وكيفية مواجهتها، وبالتالي ظهرت بعض المعتقدات بوجود آلهة لهذه الطبيعة فجعلوا لكل اله رمزا ثم صنعوا التماثيل لها وشيدوا المعابد وبالتالي ساد المجتمع الفكر الديني وعبادة الآلهة .

1840 بيت فلاحي من تل حسونة

2 / يعود دور سامراء الى العصر الحجري المعدني في النصف الثاني من الالف السادس قبل الميلاد، وقد عثر على قطع فخارية في مقبرة تحت بقايا دور سكنية من عهد سامراء في العصر العباسي . وكان فخار سامراء قد عثر عليه في مناطق كثيرة من العراق وعيلام وكانت تحمل بصمة خاصة امتازت بزخارف هندسية واشكال حيوانية وآدمية ولكنها رسمت بطريقة بدائية، وكانت الاشكال تنقش او تخطط بلون اسود فاتح او اسمر على ارضية صفراء باهته .

ويذكر ان العالم الآثاري العراقي فؤاد سفر كان له دور كبير في التنقيبات التي اجريت في دور سامراء وانه عثر على اعداد هائلة من قطع الفخار والمنحوتات الفخارية الصلبة وامتازت بقوتها الشكلية والروحية وتنوع مواضيعها الاجتماعية وتظهر بعضها تخطط باللون الاسود فتظهر تفاصيل الوجه بارزة وقوية وقد ظهرت باسلوب واقعي فيه نوع من الاختزال والتعبير، وبعض هذه التماثيل اخذت لها قدسية حيث تحفظ في البيوت للتبرك والعبادة وطرد الشر .. كما عثر على صحون فخارية منقوش عليها نساء راقصات واشكال هندسية، وقد استخدم في تلوينها الوان مأخوذة من النباتات والحيوانات والتربة واوكسيد الحديد، وعند الحرق تظهر الوان عفوية غاية في الجمال والروعة .

1839 اول فخارية من سامراء

3 / دور حلف (خلف) . يقع دور حلف على الحدود التركية السورية العراقية قرب رأس العين على بعد 140 ميلا غرب نينوى . وقد نقبت فيه بعثة المانية قبل الحرب العالمية الاولى وكشفت عن بقايا آثار مهمة تعود الى مملكة آرامية ظهرت في القرن العاشر قبل الميلاد، كما كشفت عددا من الفخاريات تعتبر امتدادا لفخاريات سامراء ولكنها امتازت عليها بالطينة الجيدة والنقية و الخالية من الشوائب وقد رسمت عليها زخارف دقيقة ومتناسقة بالوان زاهية اخاذة . ويعتبرها البعض من اجمل ما صنع من فخار في تاريخ الحظارات القديمة .

وما يميز دور حلف انه ظهر فيه بداية التعدين واستعمال المعادن كالنحاس والرصاص، وبالتالي عملت السكاكين والشفرات الحادة من حجر البركان الزجاجي . وكانت مرحلة دور حلف مرحلة عظيمة في تاريخ البشرية حيث ازدادت القرى الزراعية وازداد الانتاج الزراعي والحيواني ونضج الفكر البشري وشيدت المعابد وانتشرت الحرف المهنية كحرفة الخزافين والنسيج والغزل وصناعة الاواني والتماثيل .. واصبحت هناك حركة تجارية ثم تبعها حركة هجرة بشرية بين القرى بحثا عن المناطق الاكثر خصوبة ووفرة المياه، ولا يستبعد عن ظهور نوع من الحكم في هذه القرى وتنظيم الحياة الاقثصادية والادارية والعقود وغيرها .

وظهرت في هذه المرحلة الاختام الاسطوانية المنبسطة وازدهرت صناعة التماثيل الصغيرة والتي يصل حجمها الى ما بين 4 الى12 سم، وتصنع عادة من الطين ثم تحرق لتاخذ نوع من الصلابة .

1841 معبد من طور العبيد

4 – دور العبيد  قامت بعثة بريطانية عام 1926 و1927 بالتنقيب في موقع يسمى - العبيد – في مدينة اور، وهي ارض زراعية يملكها السيد عبيد ولهذا سمي المكان باسمه ويبعد 4 اميال الى الشمال الغربي من مدينة اور (الناصرية). ويعتبر دور العبيد اول استيطان بشري في السهل الجنوبي واكثر حضارة وتقدما من الادوار السابقة . ويذكر ان الاستاذ فؤاد سفر قد عثر على العاصمة الاقليمية لدور العبيد في في مدينة اور  وكشف عن عدد من المعابد والفخاريات الملونة والتماثيل والاختام والذي لا زال عدد منها في المتحف العراقي .

و قد انتشرت حضارة العبيد في كل اراضي العراق القديم وامتدت الى تركيا وسوسة في ايران وو الى بلاد الشام والخليج العربي والجزيرة العربية ويعني ذلك ان هذه الحضارة قد ازدهرة قبل حضارة السومريين وحكم السلالات وحدوث الطوفان وقبل ظهور الكتابة والتدوين .

1842 منحوتة راس من سومروكان هذا العصر حافزا للالهام والفكر الانساني الذي يتصف بالقفزات السريعة للابتكارات والاستكشافات في مجال الزراعة والصناعة وتربية المواشي، كما بدأت حركة تجارية واسعة رافقتها هجرة الى مناطق بعيدة في الخليج حيث كانت هناك موانئ في مدن اور واريدو، يذكر انهما يقعان على شواطئ الخليج، وان نهري دجلة والفرات كانا يصبان منفردين في الخليج العربي . بمعنى ان شوطئ الخليج كانت تمتد الى مدينة الناصرية .

ويذكر ان حضارة العبيد بدأت في مطلع الالف الخامس قبل الميلاد وانتهت في مطلع الالف الرابع قبل الميلاد .

وظهرت في عصر العبيد النظم الاجتماعية وسلطة الحكم لادارة الشؤن الاجتماعية والاقتصادية والزراعية وبالتالي تكونت المدن الصغيرة والتي تشير الى النضج الفكري للمجتمع الذي انتشر في كل ارض الرافدين ... وقد عثر على اعداد هائلة من الاختام المنبسطة التي تبعث لنا رسائل لحالة المجتمع ومعتقداته في ذلك الوقت البعيد كما تشير الى اول نشوء للطباعة في التاريخ . وكانت حضارة العبيد بمثابة بوتقة انصهرت فيها فنون وفكر وتقاليد الماضي من دور حسونة وحلف وسامراء ثم ولدت من رحمها حضارة سومر التي تعتبر اعظم حضارة في تاريخ البشرية .

 

د. كاظم شمهود

 

يسري عبد الغنيشهدت مصر القديمة أعيادا دينية واجتماعية وزراعية، اختلطت شعائرها الاحتفالية بطقوس خاصة ميزتها عن سائر حضارات الشرق القديم، منها أعياد اندثرت لأسباب تاريخية ودينية، وأخرى كُتبت لها الحياة في ذاكرة المصريين حتى الآن كعيد شم النسيم، الذي يحتفل به المصريون منذ نحو 4700 عام.

ويأتي عيد شم النسيم على قائمة الأعياد الزراعية الكونية في مصر القديمة، واصطبغ بمرور الوقت بصبغة اجتماعية ذات صلة بالطبيعة، كما يتضح من اسمه "شمو" في اللغة المصرية القديمة، الهيروغليفية، وهي نفس الكلمة التي أطلقها المصريون القدماء على فصل الصيف، وتحمل أيضا معنى "الحصاد". وتحولت الكلمة إلى "شم" في اللغة القبطية، التي تعد مرحلة متأخرة من الكتابة المصرية القديمة، لكن بأحرف يونانية.

في حين يرى بعض المتخصصين في اللغة المصرية القديمة أن لفظ "شم النسيم" ينطوي على تركيب لغوي كامل في اللغة المصرية القديمة هو "شمو (حصاد)- ان (ال)- سم (نبات)"، في دلالة واضحة على عدم تحريف الاسم المصري الأصلي بإدخال كلمة "نسيم" العربية، التي يعرفها المعجم بأنها "ريح لينة لا تحرك شجرا"، للإشارة إلى اعتدال الجو ومقدم فصل الربيع.

واختلف العلماء في تحديد بداية واضحة ودقيقة لاحتفال المصريين بعيد "شم النسيم"، فمنهم من رأى أن الاحتفال بدأ في عصور ما قبل الأسرات، بحسب تقسيم تاريخ مصر القديم. ورأى آخرون أنه يرجع إلى عام أربعة آلاف قبل الميلاد، إلى أن استقر أغلب الرأي على اعتبار الاحتفال الرسمي به في مصر قد بدأ عام 2700 قبل الميلاد، مع نهاية عصر الأسرة الثالثة وبداية عصر الأسرة الرابعة، وإن كانت هذه الآراء لا تنفي ظهوره في فترة سابقة ولو في شكل احتفالات غير رسمية.

قسّم المصري القديم فصول السنة، التي أطلق عليها كلمة "رنبت"، إلى ثلاثة فصول فقط، ارتبطت بالدورة الزراعية التي اعتمدت عليها حياته بالكامل وهي: فصل الفيضان الذي أطلق عليه "آخت"، وهو يبدأ من شهر يوليو/تموز حتى أكتوبر/تشرين الأول، وفصل بذر البذور "برت"، ويبدأ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني، وفصل الحصاد "شمو" الذي يبدأ في شهر مارس/آذار.

لم تكن حياة المصري قديما مقصورة على إقامة الشعائر الدينية، مجردة من الاستمتاع بمباهج الحياة ونشر روح البهجة، فقد حرص في أكثر من مناسبة على تأكيد مفهوم البهجة في نصوصه الأدبية، كهذا المقتطف الذي يطلق عليه "أناشيد الضارب على الجنك"، وهو مقتطف يُظهر قدر تمسك المصري بكل ما يشع بهجة للإنسان في حياته وفي محيط أسرته، نقلا عن الترجمة الفرنسية التي قدمتها العالمة كلير لالويت، أستاذة الأدب المصري القديم بجامعة باريس-سوربون، للنص المصري القديم:

"اقض يوما سعيدا، وضع البخور والزيت الفاخر معا من أجل أنفك، وضع أكاليل اللوتس والزهور على صدرك، بينما زوجتك الرقيقة في قلبك جالسة إلى جوارك. فلتكن الأغاني والرقص أمامك، واطرح الهموم خلفك. لا تتذكر سوى الفرح، إلى أن يحلّ يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت."

اعتبر المصريون القدماء عيد "شم النسيم" بعثا جديدا للحياة كل عام، تتجدد فيه الكائنات وتزدهر الطبيعة بكل ما فيها، كما اعتبروه بداية سنة جديدة "مدنية"، غير زراعية، يستهلون به نشاطهم لعام جديد. وكانت الزهور وانتشار الخضرة بشيرا ببداية موسم الحصاد، فكانوا يملأون مخازن الغلال بحصاده، ويقدمون للإله الخالق خلال طقوس احتفالية سنابل القمح الخضراء، في دلالة رمزية على "الخلق الجديد" الدال على الخير والسلام.

وحمل عيد "شم النسيم" طابع الاحتفال الشعبي منذ عصور قديمة للغاية، سجلها المصري في نقوشه على جدران مقابره، ليخلّد ذكرى نشاطه في ذلك اليوم، فكان الناس يخرجون في جماعات إلى الحدائق والحقول للتريض، والاستمتاع بالزهور والأخضر على الأرض، حاملين صنوف الطعام والشراب التي ارتبطت بهذه المناسبة دون غيرها، وحافظ عليها المصريون حتى الآن، في مشهد موروث ومستنسخ كل عام لعادات مصرية قديمة غالبت الزمن.

وللطعام طقوس

دأبت النقوش المصرية على تصوير مناظر تبرز موائد وأطعمة كثيرة، تتسم بالبذخ أحيانا من نصيب الطبقات العليا في المجتمع المصري، أمثال الوزراء والكهنة وكبار الموظفين وأصحاب الأراضي، أما عامة الشعب فكانوا ينتظرون الأعياد والمناسبات الاحتفالية لتناول كل ما لذ وطاب لهم من مأكل ومشرب في حدود الإمكانات.

وحرص المصري القديم على أن تضم قائمة طعامه في "شم النسيم" عددا من الأطعمة التي لم يكن اختيارها محض عشوائية أو صدفة بحتة، بل كانت تحمل مدلولا دينيا وفكريا ارتبط بعقيدته خلال احتفاله بالمناسبة، من بينها أطعمة أساسية كالبيض، والسمك المملح (الفسيخ)، والبصل، والخس، والحُمص الأخضر الملانة.

وترمز البيضة إلى التجدد وبداية خلق جديد في العقيدة الدينية المصرية، فهي منشأ الحياة، وقناة خروج أجيال من الكائنات، وأصل كل خلق، ورمز كل بعث. أطلق المصري عليها "سوحت"، وذكرها في برديات الأدب الديني القديم عندما اعتقد أن الإله "خلق الأرض من صلصال في هيئة بيضة، ودب فيها الروح، فبدأت فيها الحياة". لذا كانوا يقدمون البيض على موائد القرابين لدلالته الرمزية والدينية على حد سواء.

كما تظهر أهمية البيضة في هذا المقتطف من أنشودة أخناتون، التي يمتدح فيها الإله، نقلا عن الترجمة الفرنسية التي قدمتها لالويت للنص المصري القديم:

"أنت الذي يهب الحياة للابن في بطن أمه، وتخفف روعها وتجفف دموعها، وتمده بالغذاء في بطن أمه، واهبا الهواء لتحيا به جميع المخلوقات، وعند نزوله في يوم ولادته، تفتح فمه وتمنحه احتياجاته. والفرخ في العش يزقزق في بيضته، لأنك أنت من الآن تمنحه من خلالها نسمات تعطيه الحياة، وتشكله بالكامل، ليتمكن من تحطيم قشرة البيضة، ويخرج يزقزق سائرا على رجليه".

ونُسب إلى الإله "بتاح" أنه خالق البيضة التي أخرجت الشمس، بحسب العقيدة المصرية القديمة، فكانت البيضة رمزا للشمس المتجددة كل يوم ومبعث الحياة كلها، وكان المصري ينقش على البيضة أمنياته الخاصة، ويضعها في سلة مصنوعة من سعف النخيل، ليحظى بإطلالة نور الإله عند إشراقه متجسدا في نور الشمس في يوم العيد كل عام.

وحرص المصري على تناول السمك المملح (الفسيخ) في هذه المناسبة مع بداية تقديسه نهر النيل، الذي أطلق عليه "حعبي" بدءا من عصر الأسرة الخامسة، فضلا عن ارتباط تناوله بأسباب عقائدية تنطوي على أن الحياة خُلقت من محيط مائي أزلي لا حدود له، خرجت منه جميع الكائنات، أعقبه بعث للحياة ووضع قوانين الكون.

وبرع المصريون في صناعة السمك المملح، وكان يخصصون لصناعته أماكن أشبه بالورش كما يتضح من نقش في مقبرة الوزير "رخ-مي-رع" في عهد الأسرة 18، وتشير بردية "إيبرس" الطبية إلى أن السمك المملح كان يوصف للوقاية والعلاج من أمراض حمى الربيع وضربات الشمس.

وأولى المصريون أهمية كبيرة لتناول نبات البصل، الذي أطلقوا عليه اسم "بصر"، خلال الاحتفال بعيد "شم النسيم" اعتبارا من عصر الأسرة السادسة، لارتباطه بأسطورة قديمة تحدثت عن شفاء أمير صغير من مرض عضال عجز الأطباء عن علاجه، وكان البصل سببا في الشفاء بعد أن وُضع النبات تحت وسادة الأمير، واستنشقه عند شروق الشمس في يوم وافق احتفال المصريين بعيد "شم النسيم" فكُتب له الشفاء، فأصبح تقليدا حافظ عليه المصريون حتى الآن.

كما حمل تناول المصري القديم لنبات الخس في هذه المناسبة دلالة رمزية وعقائدية أخرى، لارتباط هذا النبات بالإله "مين"، إله الخصوبة والتناسل. كما أشارت بردية "إيبرس" الطبية إلى فائدة تناوله كعلاج لأمراض الجهاز الهضمي.

أما الحمُص الأخضر، المعروف باسم "الملانة"، فقد عرفته عصور الدولة القديمة، وأطلق عليه المصريون اسم "حور-بك"، وكان يحمل دلالة عقائدية على تجدد الحياة عند المصري، لأن ثمرة الحمُص عندما تمتليء وتنضج، ترمز عنده بقدوم فترة الربيع، فصل التجدد وازدهار الحياة.

لا نهاية

نقل المصريون قديما الاحتفال بعيد الحصاد، "شم النسيم"، وطقوسه إلى حضارات الشرق القديم في عهد الملك تحوتمس الثالث (1479-1425 قبل الميلاد) وفتوحاته العسكرية، التي أسهمت في توسع الإمبراطورية المصرية جغرافيا وخروجها بعيدا عن نطاق حدود الدولة المصرية، ونشر عادات وتقاليد مصرية غريبة عن هذه الحضارات، فكُتب لها الاستمرار وإن حملت أسماء مختلفة.

وروجت مصر عقائدها واحتفالاتها بنفس الفكر العقائدي المحلي، كما حمل عيد الحصاد نفس مفهوم تجدد الحياة وبداية الخلق كل عام في حضارات الشرق القديم، واعتبرته شعوب تلك الحضارات بداية لسنة جديدة لبعث الحياة، كما حدث في الحضارات البابلية والفارسية والفينيقية.

ويعتبر عيد "شم النسيم" الاحتفال الوحيد الذي جمع المصريين بمختلف عقائدهم الدينية منذ آلاف السنين، دون أن يلبس ثوبا عقائديا على الإطلاق. إن المشهد التاريخي في مصر يُؤْثر التصورات الذهنية التي غالبت الأيام، بعد أن ظلت أرضها المركز الأول لكل حياة، حياة الآلهة وحياة البشر، فكل شئ ينطلق انطلاقا من هذا المكان.

وتقول لالويت عن الفكر المصري قديما :"تغلغل الإيمان إلى أعماق أعماق هذا الشعب، فكان الكون بأكمله بمختلف عناصره: أحياء أو جماد، بشر أو حيوانات، كونا إلهيا... الدين موجود في كل عنصر من عناصر الحضارة المصرية القديمة، إنه دين الأمل والرجاء، تصوروا الموت مجرد رحلة إلى أبدية إلهية، وحافظوا على إقامة الشعائر، بما يضمن لهم البقاء على قيد الحياة بقاء لا نهاية له".

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

يسري عبد الغنيعرف تاريخ مصر عبر عصوره المختلفة عددا من الاحتفالات الدينية التي ذابت في نسيج المجتمع، وارتبطت في الأذهان بمظاهر ذات طقوس خاصة تسللت إلى الموروث الشعبي في ثقافة الأمة، واقترنت بتقديم النذور والقرابين تقربا لرموز دينية بعينها في مناسبات أُطلق عليها "الموالد".

ولم تعرف مصر القديمة مصطلح "المولد" بمفهومه المعاصر، بل تشير النصوص المصرية إلى "الاحتفال" أو "العيد"، لاسيما في عصر إمبراطورية الدولة الحديثة، بحسب التقسيم التاريخي لمصر القديمة، فضلا عن "المواكب الدينية" التي كانت تقام تمجيدا للآلهة وتضرعا لها.

وصورت نقوش جدران المعابد المصرية احتفالات بأعياد دينية عديدة، أبرزها على سبيل المثال عيد الإله "مين"، وعيد زيارة الإله آمون لمعبد الأقصر، الذي كان يطلق عليه عيد "أوبت" الكبير، ويوافق خروج موكب الفرعون، تتقدمه القرابين التي يعتزم الكهنة ذبحها في هذه المناسبة. في حين تنقل سفن عبر نهر النيل عددا من الكهنة، يرافقون سفينة تحمل "هيئة" الإله آمون في أبهى زينة، إلى أن ينتهي الموكب الاحتفالي في المعبد وتقدّم القرابين.

ومع دخول المسيحية مصر، في منتصف القرن الأول الميلادي، أخذت الاحتفالات الدينية شكلا جديدا عُرف بأعياد القديسين، من منطلق تكريم شخصية حملت صبغة القداسة في الوعي الجمعي لأفراد يعتقدون فيها، ويقيمون لها الصلوات مع ذكر معجزاتها وسيرة حياتها، وتقديم النذور والشموع والذبائح لإطعام الفقراء، كي "تشفع" لهم عند الله لقضاء حاجتهم.

ودخل الإسلام مصر عام 642 ميلاديا بثقافة الاحتفالات الدينية المجردة من تقديس أشخاص، تمثلت في مناسبة دينية محددة، كالاحتفال الرمزي بشهر رمضان، وعيدي الفطر والأضحى، إلى أن تولى الفاطميون حكم مصر وأسسوا فيها خلافتهم عام 969 ميلاديا، فأدخلوا ثقافة الاحتفالات الشعبية والدينية، كان من بينها الاحتفال بأولياء الله، "الموالد"، وأعياد أقيمت من منطلق الدعاية للدولة الفاطمية وحكامها.

وعلى الرغم من أن مصطلح "المولد" يُقصد به الاحتفال بيوم ميلاد شخص كما يتضح من لفظه معجميا، إلا أن الغاية الرئيسية منه تمثلت - ولا تزال - في تمجيد شخصية دينية وإحياء ذكراها، بغض النظر عن مراعاة تقويم بعينه يحدد ميلاده بدقة. كما يهدف إلى ترويج الاعتقاد في شخص الولي أو القديس، استمرارا للترابط بين المعتقد الشعبي والشعائر الدينية المقدسة.

الموالد

أصبحت المعتقدات الخاصة بالأولياء جزءا من الثقافة الشعبية المصرية، الشفهية والمكتوبة، التي تجسد عالما ماديا وروحيا لشخص تحول إلى رمز ديني لدى جماعة محلية، اعتمادا على إيمان هذه الجماعة بقدراته الخاصة في تحقيق "خوارق" في بيئتها.

وتنظر الثقافة الشعبية للولي على أنه حلقة وصل بين حياة وموت، لأنه حي في الفكر الجمعي، على الرغم من موته في عالم الواقع، يتصلون به من خلال زيارة قبره أو رؤيته في الأحلام، كما يعتقدون في أن خوارقه، التي يطلقون عليها "كرامات"، تمنحهم الغلبة على العجز والمرض، أو تأمينهم من مصير مجهول في المستقبل. لذا، يحرصون على إحياء سيرته ومناقبه بالاحتفال بمولده و"التبرك" بزيارته.

ويصعب تقسيم "الموالد" في مصر، إلا أنه يمكن تصنيفها بحسب أهميتها الدينية وحجم الاحتفال بها، كموالد أولياء "كبرى"، مثل موالد الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة في مدينة القاهرة، وموالد بعض أولياء رجال الصوفية، مثل مولد المرسي أبو العباس في مدينة الإسكندرية، ومولد السيد أحمد البدوي في مدينة طنطا، ومولد السيد إبراهيم الدسوقي في مدينة دسوق، وهي موالد عامة لا يقتصر الاحتفال فيها على أتباع بعينهم، بل يشارك فيها الجميع، ومنهم من يأتي من مدن أخرى للاحتفال، وذلك مقارنة بموالد "صغرى" يُحتفل بها على نطاق ضيق في قرى متفرقة في شتى أرجاء مصر.

وتعد قدرة الولي على إظهار "كراماته"، التي تختلف إصطلاحا عن "معجزات" الأنبياء، علامة على مكانته كولي عند الناس، وتنطوي فكرة زيارة ضريحه على مفهوم "التبرك"، وغالبا يرتبط كل إنسان بولي معين يعتقد فيه وفي كراماته، وإن كان هذا لا يمنع من ارتباطه بعدد من الأولياء الآخرين يحتفل بموالدهم.

ويحرص المحتفلون على تقديم أطعمة معينة في هيئة "نذور" يقدمونها لبعض الأولياء، ترتبط عند الناس بحوادث معينة، مثل تقديمهم "الفول النابت" خلال الاحتفال بمولد السيدة زينب، و"العدس" في الاحتفال بمولد الحسين، و"الخبز" في الاحتفال بمولد السيد أحمد البدوي.

وتستوعب الموالد عناصر دينية وغير دينية، تلبي اهتمام المحتفلين بمختلف أعمارهم، وتتميز بمظاهر شعبية خاصة مثل "الزفّة"، أو ما يعرف بموكب الخليفة، إلى جانب حلقات ذكر القرآن، وخدمة المولد، والسوق، والألعاب، وسهرة المولد الكبرى التي يُطلق عليها "الليلة الكبيرة".

وتقام سرادقات كبيرة، كما يحدث في احتفالات مولد السيدة زينب في مدينة القاهرة على سبيل المثال، يجتمع فيها زوار المولد و"المريدون" لكراماتها، فضلا عن إقامة سرادقات تحمل لافتات طرق صوفية دينية تشارك في الاحتفال، مثل الطريقة "الأحمدية"، و"الشاذلية"، و"البراهمية"، و"الرفاعية"، إذ تجتمع كل طريقة بأتباعها في حلقات ذكر القرآن، مع الوقوف في صفوف متقابلة أو دائرية، مرددين عبارات دينية وأدعية.

وبعيدا عن المظاهر الدينية، يعتبر المولد مناسبة تجارية هامة لبيع شتى البضائع من خلال سرادقات بيع الحلوى، واللعب، والأطعمة الشعبية، والحلي المصنوعة من المعادن الرخيصة، والتذكارات، والملابس، فضلا عن افتراش الفقراء من الباعة أرض الاحتفال بالمولد لبيع ما لديهم في هذه المناسبة.

وتتميز الموالد الشعبية أيضا بمظاهر ترفيهية، كالسرادقات التي تقدم فقرات غنائية دينية، أو فقرات راقصة وألعاب، مثل ألعاب الحظ والرهان، وكذا منصات لتقديم عروض مسرحية شعبية، أبرزها عروض بالدمى أو "الأراجوز"، والملاهي الشعبية التي تجذب الأطفال، والتي لا تخلوا أيضا من بعض الكتابات الدينية والأدعية على الألعاب في مزيج يجمع الديني بالترفيهي.

وتعرضت الممارسات الشعبية حول أضرحة الأولياء خلال الموالد إلى معارضة شديدة بين الحين والآخر، من بعض الجماعات الأصولية، استنادا منهم إلى بعض الأحاديث النبوية، ووصفها بأنها "بدع" لا تمت للدين الإسلامي بصلة. لذا، جنح المعتقد الشعبي إلى اختصار بعض الطقوس تجنبا لمعارضة التيارات الإسلامية، فانتخب نوعا من الممارسات اقتصرت في بعض الأحيان على ذكر القرآن، وتحريم الطواف حول الأضرحة لكونها من طقوس الحرم المكي وحده.

كما دمجت بعض القرى الاحتفال بعدد من الأولياء في محيط القرية والقرى المجاورة في مولد واحد كبير، تجنبا لمعارضة أصحاب الآراء المعارضة لإقامة الموالد، بل ربطوا أحيانا الاحتفال بمولد معين باحتفالات العيد القومي للمدينة.

القديسون

دخلت المسيحية مصر على يد "القديس الشهيد" مارمرقس في منتصف القرن الأول الميلادي، واستشهد في عام 68 ميلاديا، وبدأت حركات اضطهاد عنيفة، استهدفت المسيحيين منذ نهاية القرن الثاني الميلادي وبداية القرن الثالث في عهد الإمبراطور "سيفيروس ألكسندر" 191-211 ميلاديا

وكانت أعنف حركات الاضطهاد في عصر الإمبراطور دقلديانوس (284-305 ميلاديا)، لذا جعلت الكنيسة المصرية بداية تقويمها عام 284 ميلاديا، وأُطلق عليه "تقويم الشهداء"، واستمر الاضطهاد إلى أن توقف في عهد الإمبراطور قسطنطين الأول (323-337 ميلاديا) واعتناق الإمبراطور المسيحية.

أصبح شهداء المسيحية موضع تكريم من الشعب، وأقيمت كنائس وأديرة تحمل أسماءهم، كما آمن كثيرون بـ "آلام الشهداء" وموتهم، والمعجزات التي صاحبت استشهادهم بحسب تواتر القصص عبر الأجيال، فقدمت المسيحية نظرة جديدة للآلام، ارتبطت روحيا بمحبة السيد المسيح، وكُتبت العديد من قصص الشهداء في الأدب القبطي والسرياني.

ويطلق لفظ "قديس" في المسيحية الأرثوذكسية على كل من يحيا حياة الإيمان، وكل من ارتقى روحيا وظهرت له "معجزات"، مثل السيدة العذراء، والملاك ميخائيل، والأنبا أنطونيوس، والأنبا بشوي، أو يطلق على شهداء مثل مارجرجس، والقديسة دميانة. ولا يوصف الشخص بالقديس إلا بعد مرور 50 عاما على وفاته على الأقل.

وفي المقابل، تفرق المسيحية الكاثوليكية بين الشخصية الأسطورية والتاريخية، ولا تعترف بالشخص قديسا إلا من خلال وثائق تاريخية تثبت قداسته، ويصدر مرسوم رسمي من الكنيسة يضعه في مرتبة القديسين.

وبحسب العقيدة الشعبية المصرية، يعيش القديسون في الفكر الجمعي للناس لأنه الجسر العابر بين عالم الأحياء والعالم الآخر، يتواصلون معه من خلال "أيقونته".

وعُرفت أعياد القديسين باسم "الموالد" في الثقافة الشعبية المصرية، وإن كان ذلك ينافي حقيقة المناسبة لكونها تحتفل بذكرى استشهاد القديس أو وفاته، وليس ميلاده، وهو اليوم الذي أتم فيه "جهاد الحياة" من أجل المسيحية.

وتعزز الموالد الاعتقاد في قديس معين من خلال إقامة بعض الطقوس الدينية والاحتفالية الشعبية، أبرزها "زفة الأيقونة"، التي يتقدمها أسقف أو كبير كهنة الكنيسة، ويبارك الزائرين المشاركين في الاحتفال، كما يحمل أحد أفراد الشمامسة أيقونة القديس.

ويحرص الزائرون على نيل البركة بملامسة أيقونة القديس أو تقبيلها، والهتاف باسمه، وتقام زفة الأيقونة كبداية لأولى الطقوس الدينية للمولد، الذي قد يستمر لمدة أربعة أيام، وتعتبر الصلاة والدعاء طقوسا أساسية في الاحتفالات، ثم الدعاء الذي يشمل طلبات خاصة لحل مشكلات، أو تحقيق أمنيات من خلال "تشفيع" القديس في تحقيق هذه الطلبات.

كما تعتبر موالد القديسين مناسبة لتعميد الأطفال، وهو طقس ديني مسيحي يجرى للطفل بعد ولادته بأربعين يوما (للذكور)، وثمانين يوما للإناث، وإن كان لا تراعى المواعيد بالضبط عند كل الأقباط، بل تفضل الطبقة الشعبية تعميد الأطفال في الموالد قدوة بطقس تعميد السيد المسيح في نهر الأردن.

وتنطوي مظاهر الاحتفال على نشاط اقتصادي، حيث تنتشر أماكن بيع الصور واللوحات التي تصور قديسين وشخصيات دينية بارزة، فضلا عن بيع الصلبان والحلي المعدنية، وانتشار رسم الوشوم الذي يطلق عليه في اللغة الشعبية "الدق" على جسد الزائر.

كما يبرز النشاط العلاجي في الموالد المسيحية كنوع من التبرك بمعجزات القديس، الذي يأتي إليه البعض طلبا للشفاء من أمراض عضوية، أو حل مشكلات تدخل في حيز الاعتقاد في القديس والإيمان بمعجزاته.

ظلت الموالد محل اهتمام الرحالة الذين جاءوا إلى مصر عبر عصورها، وقدموا وصفا لكثير من طقوسها بأسلوب رشيق، بلغ حد الطرافة أحيانا، وهو ما دفع جاسبار دي شابرول، أحد علماء الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)، في دراسته عن عادات وتقاليد المصريين المحدثين ضمن دراسات كتاب "وصف مصر" إلى أن يصف البلاد بأنها "خليط مضطرب من العادات والتقاليد تعود إلى أصول متنوعة تنتج عن أسباب كثيرة"، وتساءل "هل كان يمكن للأمر أن يكون على نحو آخر، في بلد يمكن القول إن كافة الأمم قد اختلطت فيه؟"

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

كاظم شمهودمن المشاكل التي يعاني منها علماء الآثار اليوم هو وقوعهم في تناقضات المعلومات التاريخية ويعود ذلك الى تطور التنقيبات والحفريات والاستكشافات والعثور على نصوص طينية تحمل معلومات جديدة تناقض ما فهمه او ترجمه علماء الآثار من نصوص قديمة في السنوات السابقة، علما ان ترجماتهم الاولى للخط المسماري كانت مضمونية وليس حرفية . وقد اعترف هؤلاء من ان معلوماتهم تتوقف على ما عندهم حاليا من آثار مادية اما ما تخفيه الارض من آثار اخرى فربما ستغير في المستقبل كل ما عندهم من اخبار ونظريات . وقد اعترف بذلك عالم الآثار صوموئيل كريمر .

من هم السومريون؟

اختلف المؤرخون في اصل السومريون ولكن غالبية المؤرخين العراقيين تؤكد على انهم احد الاقوام الذين عاشوا في جهة من بلاد وادي الرافدين . ويقول الاستاذ طه باقر من ان السومريين احدى الجماعات المنحدرة من بعض الاقوام المحلية من وادي الرافدين وانهم اخذوا اسمهم من المكان الذي استوطنوه في السهل الجنوبي (سومر) مثل الاكدين من اكد والآشورين من آشور .

1817  الملك السومري جوديومن جانب اخر يؤكد بعض علماء الآثار ان الطوفان حدث بعد دور السلالات السومرية الاولى حسب التصوص السومرية المكتشفة وانه حدث في مدينة شروباك التي تقع جنوب شرق الديوانية بحوالي 64 كم الى جانب مدن سومرية قديمة اخرى مثل اريدو والوركاء ولجش وكيش . بعض العلماء يضع تاريخين مختلفين لحادث الطوفان الاول في الف الرابع قبل الميلاد والثاني في الالف الثالث قبل الميلاد .

و نفهم من ذلك ان بطل الطوفان النبي نوح –ع- واولاده سام وحام ويافث هم من اصل سومري او عبيدي . وبعد الطوفان انتشرت ذرية اولاد نوح في كل مكان من بلاد الرافدين والجزيرية العربية وسمي بعضهم بالساميين . ولكن اطلاق ساميون على كل شعوب الجزيرة العربية وعلى الاكديين والبابليين والاشوريين وغيرهم، لم تؤكده وثائق مكتوبة ولا اركيولوجية وانما فقط ورد في كتاب التوراة والذي اكثر ما ورد فيه غير موثوق .

من هم الساميون؟

1818  باب عشتاريعتبر الباحث والمستشرق الالماني شلوتزر اول باحث اوجد مصطلح سامي وساميون في عام 1781 م حيث اطلق على المتكلمين باحدى لغات العائلة السامية كالعربية والعبرية والاكدية (البابلية والآشورية) والآرامية والكنعانية بناءا على تشابه هذه اللغات وضنا منه (ضنا) ان المتكلمين بها منحدرون من نسل سام بن نوح .ع - حسب ما جاء في جدول الانساب في التوراة . وقد اطلق المؤرخون على الاقوام التي هاجرت من مهدها في الجزيرة العربية اسم الاقوام السامية . (ضنا منهم) واتجهت الى بلاد الهلال الخصيب ..؟

الدكتور طه باقر يعترض على هذه التسمية اي الساميون واللغات السامية وانها غير موفقه . فيقول من الافضل تسميتها لغات الجزيرة او اللغات العربية والاقوام السامية بالاقوام العربية او اقوام الجزيرة وكان ذلك اقرب الى الصواب .

ثانيا اذا كان نوح واولاده واولاد سام نشأوا وترعرعوا في بلاد الرافدين جنبا الى جنب مع السومريين وغيرهم، وانشأوا المدن والحضارة، في ارض زراعية تغمرها المياه من نهري دجلة والفرات، اذا كان هذا هو اصلهم فكيف بهم ان يهاجروا من الجزيرة الى بلاد الرافدين؟ (امر لا يعقل) وهذا ما وقع فيه المؤرخون الاجانب والعرب من خطأ جسيم حيث اعتمدوا على معلومات الاسفار التوراتية فقط والتي كشفت تناقضاتها مع الآثار والنصوص السومرية والبابلية العلمية المكتشفة حاليا في ارض الرافدين .

1819 منحوتات رافدينية

يذكر الدكتور خزعل الماجدي في كتابه – الميثولوجيا السومرية -(لم تكن هناك شعوب سامية مهاجرة من مكان آخر لان هذه الارض (اي ارض الرافدين) هي ارضها التي نشأت فيها وترعرعت) . وبالتالي فانه من المنطق ان تحدث الهجرة من بلاد الرافدين الى مناطق الجزيرة العربية وغيرها ... الا اذا قلنا ان هذه الاقوام المهاجرة من بلاد الرافدين الى الجزيرة حدث لها بعد عدة قرون هجرات معاكسة نتيجة للجفاف والقحط.

1820  سفينة نوح

وفي كتاب –جلجامش – للمؤرخ فراس السواح يقول ان النظرية التي تقول ان الاكديين هم شعب سامي قدم من المناطق الصحراوية هي نظرية فرضية (اي ضنية) غير مدعومة باي وثيقة كتابية او اركيولوجية وهي تقوم على نظرية تاريخية قديمة غدت اليوم بالية هي نظرية الهجرات السامية من الجزيرة العربية نحو الهلال الخصيب . (اي نظريات غير صحيحة)

ان الاقوام السومرية والسامية هي من منشأ واحد ومن اصل واحد وارض جغرافية واحدة وقد انحدروا من الجماعات المحلية المستوطنة في ارض بلاد الرافدين، كما يذكر بعض المؤرخين ان الاقوام التي سبقت السومريين يطلق عليهم اسم الفراتيون والعبيديون وقد كانوا مجتمعات زراعية متحضرة ومستقرة، وقد انشأوا المعابد والمدن واخترعوا الاختام المنبسطة ومن اشهر مدنهم اريدو .

1821 ختم سومري

وتذكر الكتب التاريخية والدينية المعتبرة ان النبي ادريس ظهر في العراق في بابل وانه سبق ظهور النبي نوح –ع- وهو اول من خط بالقلم وكتب الصحف وسمي بادريس لكثرة دراسته .. وبالتالي يمكن ان يكون ظهور الكتابة والتدوين في ارض الرافدين قد ظهر منذ زمن بعيد سبق السومريين بعدة قرون حسب ما ورد في المصادر الدينية المتواترة ...

ولكن ربما التنقيبات الاثرية العلمية الحديثة ستكشف لنا في المستقبل حقيقة الامور وازالة الشكوك - وكفى الله المؤمنين شر القتال-

 

د. كاظم شمهود

 

كاظم شمهودالذي يقرأ تاريخ الامم السابقة يجد الدهشة والعجب وربما يحكم على ثلاثة ارباع كتب التاريخ بالاهمال والرمي مع النفايات وذلك لعدم مصداقيتها وخضوعها الى التحقيق والمنطق والعقل ولم تستند على مصدر علمي موثوق به . ومع الاسف ان معظم المؤرخين العرب اسوة بالمؤرخين الاجانب المعاصرين قد غاب عنهم التحقيق في نقل المعلومات والروايات وانما اخذوا يستنسخون عن المؤرخين القداما الذين معظمهم كان قد اخذها من الاساطير وشفاه الناس ..

و بعد تطور علم الآثار وقراءة نصوص الحضارات القديمة من مسمارية وهيروغليفية وغيرها اصبح لدينا مصدر علمي مادي منظور وملموس وموثوق به، فهذه الآثار التي عثر عليها في ارضي الرافدين ومصر تنقل لنا صور حية بالنص والصورة عن حال المجتمعات البدائية والحضارية السابقة منذ آلاف السنين .

و يذكر الاستاذ طه باقر بان هناك ثلاثة مصادر لمعرفة تاريخ الامم السابقة وبلاد الرافدين:

1 – علم الآثار

2 – الكتاب المقدس – التوراة

3 – المؤرخون اليونانيون

1806  القيثارة السومرية

نعلم ان علم الآثار(الاركيولجي – والبيولوجي) يهتم بدراسة ماخلفه الانسان القديم ويشمل جميع آثار الماضي من الادوات والنقوش على جدران الكهوف والمعابد وكذلك عظام الانسان والحيوان والنبات ودراسة كتاباتها القديمة وحل رموزها ونقوشها وغير ذلك . ولكن هناك مشكلة معقدة يواجهها اليوم عالم الآثار اثناء قراءة النصوص الطينية او الحجرية السومرية او البابلية او الآشورية القديمة وهي ان ثقافة تلك الشعوب قائمة على الاساطير والخرافات من عبادة الآلهة والملوك والتقاليد والعادات والطقوس الدينية وغيرها . وبالتالي فان عالم الآثار امامه مهمة جدا صعبة حيث عليه العمل الجاد والدقيق لفرز الحقائق التي تتفق مع المنطق والعقل عن الاساطير او الحكايات التي منشأها الخيالات والاوهام .

هناك بعض المؤرخين والكتاب العرب عندما يكتب عن هذه الاساطير القديمة يتخذها مثلا جميلا في اطروحاته ومناقشاته ودليلا على صحة كلامه، وهذه من المشاكل التي نعاني منها اليوم حيث يتزين بها بعض المثقفين والكتاب دون معرفة حقائق الامور .

1807  تماثيل سومرية

اما المصدر الآخر لمعرفة تاريخ الامم السابقة فهو الكتاب المقدس او التوراة التي حوت اسفارها على طائفة كبيرة من الاخبار عن بلاد الرافدين خاصة في زمن الملك البابلي نبوخذ نصر 605-562 ق م الذي حطم مملكة اليهود وسب اهلها ونقلهم الى بابل حيث عاشوا ردحا من الزمن فيها وتأثروا بالحضارة البابلية، وكان من جملة السبايا عدد من انبياء بني اسرائيل ومجموعة من علمائهم . وفي هذا الظرف كتب بنو اسرائيل التوراة والتلمود في بابل وقد حوت هذه الكتابات على كثير من القصص والحكايات والاساطير والخرافات السومرية والبابلية كما استمدت الكثير من القوانيين البابلية ودونت الكثير من تاريخ العراق بصورة عامة .

1808 رأس فتاة من الوركاء

و كانت التوراة المصدر الوحيد لتاريخ وادي الرافدين قبل تطور علم الآثار وحل رموز الكتابة المسمارية في القرن التاسع عشر . ويقول الاستاذ طه باقر يمكن اعتبار التوراة مصدر من مصادر التا ريخ بشرط خضوعها للنقد التاريخي الصحيح ورفع كل تلك الاساطير والخرافات التي حوتها .

اذن ان الاكثيرية من مؤرخي العرب كانت كتاباتهم عن الحضارات القديمة تعتمد على معارف التوراة وما كتبه اليهود عن تاريخ العراق والجزيرة من اساطير وروايات عادة ما تخدم جنسهم وعرقهم وهو ما نجده في كتب الطبري واليعقوبي وابن مسعود وابن كثير وكذلك المؤرخين المتأخرين من العرب ، وليس فقط شوهوا وعبثوا في التاريخ القديم انما دخلت الروايات الاسرائيلة في الروايات والاحاديث النبوية ولازالت في كتب فقه المسلمين ..

اما المؤرخون الاوربيون وخاصة اليهود والمسيحيون فقد اعتمدوا في كتاباتهم التاريخية كليا على التوراة وكان بعضهم ينقب في ارض العراق ويحمل معه الكتاب المقدس .

1809  لوح من منحوتات سومر

و اما المصدر الثالث لمعرفة تاريخ العراق القديم فهو المؤرخون اليونانيون الذين زاروا الشرق الادنى خاصة العراق مثل المؤرخ هيرودوتس في حدود 480-425 ق م وقد كتب عن احوال العراق القديم وبابل، وكذلك المؤرخ زينفون الذي عاصر هيرودوتس حيث كتب عن العراق والامبراطورية الفارسية، وايضا المؤرخ الصقلي ديودورس 40 ق م وهو ايضا كتب عن بابل والجنائن المعلقة . اما فيثاغورس 570 – 495 ق م فقد زار العراق ومصر ومكث فيهما فترة من الزمن ويذكر ان رحلته في الشرق دامت حوالي عشرين سنة وقد اهتم بالمواضيع العلمية والرياضيات والموسيقى وانه كتب عن العراق ومصر وتعلم من علوم البابليين والمصريين . .

وهكذا يبقى الشرق الادنى مهبط الرسالات والانبياء والنبع الحضاري الاصيل الذي لا ينضب عطائه منذ فجر التاريخ الى اليوم . والمثل يقول (من علمني حرفا ملكني عبدا) .

 

د. كاظم شمهود

 

"تأملات" بميدياتيك أريانة

لوحات متعددة لفنان هام بالتراث دراسة ورسما تأخذه الهوية ليقول بالجوهر الكامن في الانسان...

أعمال فنية وفي أحجام مختلفة تحلت بها أروقة فضاء المعارض بالمكتبة النموذجية بأريانة " الميدياتاك " حيث كانت التلوينات مجال عمل تشكيلي بالأكريليك وفي فترات مختلفة وخاصة بفترة الحجر الصحي الأولى حيث كان المجال للتأمل وهنا يكمن جوهر الفن فما قيمته وجدواه ان كان بلا أسئلة وحيرة وتأمل نعم الفنان هو كائن وبمثابة طفل يمضي في عوالمه المتعددة بكثير من الحلم يرقب الأشياء والعناصر والتفاصيل لا يرتجي غير فكرة ملونة يسميها العمل الفني. هام بالتراث دراسة وبحثا تأخذه الهوية مدار اهتمام واشتغال ليقول بالأصل والجوهر الكامن في الانسان.

1805 فن تونس

نحن في عهود عولمة متوحشة ترتجي الانتهاء بالهويات والخصوصيات الى هوية واحدة يكون معها الانسان رقما للاستهلاك ليتحول بالنهاية الى متحف مهجور بلا لون ولا رائحة ولا طعم..بلا روح. التراث والهوية مجالا انطلاق صاحبنا الفنان الذي نحن بصدده وقد عدد من عمله ونشاطه وفعله المجتمعي ليكون بالمحصلة التي كانت حوالي أربعين سنة طفلا فنانا حالما بالمضي أكثر في حواره مع القماشة والتلوين معبرا عن هواجسه الدفينة التي هي الكنه والجوهر والينابيع...هكذا رأى الأشياء ..فكان هذا المعرض تأملا آخر في فسحة يواصل بعدها رحلته الفنية التي تخيرها في هذه الحياة المتحركة وتحيل الى سنوات من اشتغاله الفني الجمالي في عوالم الفنون الجميلة..

الفنان التشكيلي عبد الحميد الصكلي يقدم في هذا المعرض الفردي عددا من اللوحات منها "أصالة " و" معمار " و" خمسة " و" سطوع " و" سكينة " و" تشابك " و" سيلان " و" زحام " و" تانيت " ... وغير ذلك من العناوين المعبرة والدالة على تعلقه بالتراث

و الهوية فهو يرى الفن مجال تشبث بالجوهر من خلال التثمين للتراث ومشتقاته من هوية وأصالة ..و المتأمل في اللوحات المعروضة منذ مساء السبت 19 سبتمبر (يتواصل المعرض الى يوم 15 أكتوبر) يلمس دون عناء الحضور البين للمعمار التقليدي والقصور القديمة بمطماطة والعلامات المخصوصة للمرقوم وما يلائم ذلك جماليا من ألوان تخيرها الفنان في فضاء اللوحة ..زخارف وعلامات وأشكال هي من صميم مكوناتنا الجمالية التراثية جعل منها أدوات في اللوحات ليعلي من شأنها ويبرزها في مختلف لوحاته الفنية.

هو من مواليد تونس سنة 1952 وحصل على اجازة الفن التشكيلي اختصاص " ثقافة واتصال " من المعهد العالي للفنون والهندسة المعمارية  بتونس وكان له مجال للتدريس بالمغرب من سنة 1978 الى سنة 1990 ثم أدار مصلحة الأنشطة الثقافية والرياضية بوزارة التربية منذ سنة 1990 ثم رئيس مصلحة ومنذ سنة 2009 عين مديرا للتنشيط الثقافي والاجتماعي والرياضي  وترأس منذ سنة 2002 الجمعية التونسية للتربية التشكيلية  وكان له سنة 2015 معرض خاص حول المرقوم وذلك خلال تظاهرات شهر التراث وفي رواق " صلادان " .و عن تجربته ومعرضه هذا يقول : "...أنا من جيل الحبيب بيدة ونورالدين الهاني ولمين ساسي ومن أساتذتي خليفة شلتوت والهادي التركي والناصر بالشيخ وحسين التليلي حيث تخرجت كأستاذ تربية تشكيلية ثم كانت لي تجربة بالتعاون الدولي لأدرس بالمغرب الشقيق بمركز في اطار التعاون بين تونس والمغرب .

وفي الفترة بين سنتي 1983 و1990 درست بمعهد العمران بعدها كان الحاقي بوزارة التربية كرئيس لمصلحة التنشيط الثقافي والرياضي وفي سنة 1992 وقع بعث ادارة الأنشطة الثقافية والرياضية بالوزارة وكنت ميرا مساعدا ثم مديرا لهذه الادارة وكانت لي تجربة مهمة في هذا الجانب الثقافي الرياضي التربوي حيث أشرفت على كل الأنشطة الثقافية المدرسية من جميع جوانبها وفي سنة 2012 كان تقاعدي لأتفرغ منذ ذلك الحين الى الفن والاشتغال أكثر على تجربتي الخاصة والمشاركة في المعارض فضلا عن معارضي الشخصية في عديد المواعيد والمناسبات .

بالنسبة لتجربتي في المجال الجمعياتي كانت الفترة من سنة 1989 الى سنة 1994 ثرية بالنشاط منه عضويتي بالجامعة التونسية للتنس حيث رافقت عددا من اللاعبين في دورات عربية ودولية ..و بالنسبة للجمعية التونسية للتربية التشكيلية فقد ترأستها من سنة 2002 الى سنة 2017 وهي تضم أساتذة التربية الفنية وقد نظمنا خلالها عددا من الأنشطة في فضاءات ثقافية متعددة بالمرسى وتونس والمنستير وسوسة وتعددت معارض الفنون التشكيلية والأنشطة الفنية كذلك .

في الأثناء كان نشاطي الفني التشكيلي فأنا عضو باتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين وكذلك بنقابة الفنانين وكانت لي مشاركات في عديد المعارض الفنية الجماعية كما أني أقمت معارض خاصة بي في عدد من الفضاءات الفنية والأروقة التشكيلية هذا الى جانب مشاركة دولية بملتقى القصبة الدولي بالمغرب وبورزازات سنة 2013 وبمدينة الجديدة سنة 2016 الى جانب معارض أخرى بتونس منها معرض سيدي بوسعيد ومعرض ميدياتيك أريانة .

معرضي الحالي برواق المكتبة المعلوماتية النموذجية بأريانة هو نتيجة ومراكمة لتجربتي التي تمسح أربعين سنة من العمل الفني التشكيلي وضمن مرجعية جمالية نهلت أساسا من التراث التونسي وهذا في الحقيقة امتداد للدراسة التي قمت بها ضمن ختم دروسي الجامعية بالمعهد العالي للفنون والهندسة المعمارية ( البوزار حاليا) وحول العناصر الزخرفية والنباتية والهندسية في الفن الاسلامي وما يعبر عنه بالآراباسك واشتغلت على الأعمال الفنية الموجودة في القصور في عصور الأندلس ومنها قصور غرناطة وكذلك بمواقع اسلامية كجامع عقبة بالقيروان  من الباب الرئيسي من خلال زخارف مأخوذة من عناصر نباتية وهندسية حيث هناك تداخل بينها وكذلك الكتابة المنقوشة ضمنها ...و بخصوص تجربتي الفنية والبحثية التي هي امتداد لأطروحتي التي ذكرتها فقد اكتشفت ما هو موجود بالمدينة العربية وبالمعمار الصحراوي مثل المساكن الموجودة بالقصور الصحراوية مثل مطماطة وأيضا من خلال النسيج والمرقوم مثل مرقوم قفصة ووذرف والقيروان  بقرى الساحل التونسي ونفس الشيء بالنسبة للزرابي .

في معرضي الحالي برواق مكتبة اريانة المعروفة ب " الميدياتيك " هناك نسبة 60 بالمائة من اللوحات التي أنجزتها خلال فترة الحجر الصحي من مارس الى أوت من هذا العام الجاري وبالفعل عشت فترة تأمل في كل شيء في سياق حالات وأوضاع بلادي والعالم وقد وقفت لأقيم ما أنجزت وما أحلم بانجازه في هذه المسيرة من تطور المضامين التشكيلية وتنوعها الفني وفق الحفاظ على الترات وتثمينه ودور الفنون التشكيلية في هذا المجال المتصل بالهوية والتراث.

و في هذا السياق الكوني المتردي اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا رأيت في الفن ملاذا للتفكير والتأمل والتواصل والاستمرار حيث الفن حالات تجاوز وابداع وابنكار وللفنان والنثقف أدوار مهمة بالنتيجة وفي جميع المجالات ...و هكذا سيكون عملي الفني لاحقا في هذه المواصلة مع التراث رغم هذا المد الكبير لتيارات الفن المعاصر .و بعد مسيرتي هذه (40 سنة ) سأمر ربما الى طور آخر ومرحلة جديدة لأستعمل تقنيات جديدة لكن دون الابتعاد عن الجوهر الذي هو بالنسبة لي التراث والهوية ...".

في " ميدياتاك أريانة بستان من تلوينات الفنان عبد الحميد الصكلي التي تبرز مظاهر التراث والهوية في لوحات كانت بمثابة العناوين الدالة على حيز من مسيرة فنان يقول بالقيمة تجاه الأصيل والجوهري وفق رؤيته للفن وللعناصر والأشياء...و العالم.

 

شمس الدين العوني

 

يسري عبد الغنيلم تكن حضارة مصر القديمة مجرد حضارة بناء اقترن ذكرها بما خلفته من صروح معمارية شيدتها قبل آلاف السنين أو مقابر ملوك ونبلاء احتوت على فنون نحت ورسوم وإبداعات أدبية أو نصوص جنائزية، بل هي حياة صاغ تفاصيلها صانعوها، دون إغفال كل ما ساعدهم في تكوين هذا الكيان، حتى عادات الطعام والشراب التي احتلت مكانة بارزة في عقيدتهم وفكرهم.

ساعدت التربة الخصبة ووفرة المياه النهرية في أرض مصر سكانها على زراعة العديد من المحاصيل الغذائية، كما أسهما في توفير بيئة حياة لأسماك وطيور جاءت من كل حدب وصوب إلى هذه الأرض فخلقت تنوعا في مصادر الطعام استفاد منه المصري قديما.

احتل الطعام أهمية في حياة المصريين كما يتضح من إحدى وظائف الملك نفسه والاعتقاد بأن "كلماته هي التي تخلق الطعام". وعرف المصريون زراعة العديد من الخضراوات كالبازلاء والثوم والبصل والخس، كما توجد نقوش تشير إلى معرفتهم منذ عصور مبكرة زراعة أنواع من الفواكه كالتمر، الذي يعد فاكهة شعبية لعموم السكان، إلى جانب فواكه التين والعنب والرمان والبطيخ، وهو ما ظهر في نقوش أبنية تعود إلى فترة عصور الدولة الحديثة، بحسب تقسيم عصور تاريخ مصر القديم.

حرص المصري القديم على عدم الإفراط أو اشتهاء الطعام حفاظا على الصحة، كما تعمّد إظهار رشاقة قوام الجنسين في نقوشه ومنحوتاته الفنية وتعاليمه الأدبية، كما يتضح من نص اطلعت عليه بي بي سي مدون في تعاليم شخص يدعى "كاجمني" ترجمتها إلى الفرنسية كلير لالويت، أستاذة الأدب المصري القديم بجامعة باريس-سوربون، في دراسة خاصة ضمن سلسلة نماذج الفكر العالمي لمنظمة اليونسكو تحت عنوان "نصوص مقدسة ونصوص دنيوية" للنص المصري القديم:

"إذا جلست مع أناس كثيرين لتناول الطعام، فانظر إلى الطعام بلامبالاة، وإن كنت تشتهيه، فإن ضبط النفس لا يكلف الإنسان أكثر من لحظة، وعار أن يكون الإنسان شرها، فقدح من الماء يروي الغلة".

وأكد المصري على ثقافة الاعتدال في وصية شخص آخر، يعرف باسم "خيتي بن دواوف"، لابنه "بيبي"، حيث يقول:

"كن قنوعا بطعامك لو كان يكفيك ثلاثة أرغفة وقدحان من الجعة، فإن لم يكف بطنك فحاربها".

ولا تساعد ندرة المصادر التاريخية في تقديم وصف تفصيلي لطرق طهي المصري لطعامه منزليا، إلا أنه يمكن تقسيم الطعام إلى قسمين اعتمادا على بيئة استهلاكهما وهما: طعام الدنيا وطعام الآخرة.

وللدنيا طعام...!!!

لم يكن طعام المصري القديم في حياته اليومية مجرد إشباع لحالة من الجوع، بل كان يستعين ببعض هذه الأطعمة في صياغة وصفات طبية تساعده في التغلب على وعكات صحية وأمراض، وهو ما يتضح من توافر عدد من البرديات الطبية التي كُتبت لهذا الغرض تحديدا، أشهرها بردية "إيبرس"، نسبة إلى مكتشفها العالم الألماني إيبرس عام 1862 في مقابر طيبة، والتي تعود إلى عام 1550 قبل الميلاد في عهد الملك أمنحوتب الأول، الأسرة 18، وهي تضم مئات الوصفات الطبية الشعبية، من بينها وصفات استعانت بأعشاب طبية ونباتات عطرية وخضراوات كالبصل ونباتات أخرى كالصبار.

كما توجد برديتان على قدر كبير من الأهمية في هذا المجال، هما بردية "هيرست"، التي تعود إلى عهد الملك أمنحوتب الأول، وتحتوي على 260 وصفة طبية، وبردية "برلين" التي تعود إلى عصر الملك رمسيس الثاني، الأسرة 19، وتحتوي على 204 وصفات طبية، فضلا عن برديات أخرى مثل "إدوين سميث"، و"شستر بيتي".

استعان المصري قديما بخيرات جادت بها أرضه الزراعية، إلى جانب الغذاء، لتقديمها خلال الاحتفال بأعياد مختلفة قسمها علماء دراسات تاريخ مصر القديم إلى "أعياد رسمية"، مثل عيد الفيضان وبداية المواسم وعيد بداية السنة الجديدة، و"أعياد محلية"، وهي أعياد تقام في أقاليم مصرية محددة، و"أعياد دينية"، مثل عيد "أوبت" الكبير لموكب الإله آمون، و"أعياد زراعية"، مثل أعياد وفاء النيل وشم النسيم، الذي اشتهر منذ آلاف السنين حتى الآن بتناول أطعمة مثل البيض والسمك المملح والبصل، وعيد حرث الأرض وعيد الإلهة "رننوتت" ربة الحصاد، فضلا عن المناسبات الجنائزية.

اهتم المصري بعيد "أوبت" الديني الشعبي الكبير، على سبيل المثال، الذي كان ينتقل فيه الإله آمون، الإله الرسمي للدولة بحسب المعتقدات الدينية المصرية في عصور الدولة الحديثة، بحسب تقسيم عصور تاريخ مصر القديم، من معبده في الكرنك إلى معبد الأقصر، وكان الملك يقدم خلال هذه المناسبة الشعبية القرابين المكونة من اللحوم والطيور والفاكهة واللبن والخبز والجعة.

وقد تساعد محاولة تقسيم طبقات المجتمع في مصر القديمة في تسليط الضوء على العادات الغذائية التي تميزت بها كل طبقة من طبقات المجتمع.

كان طعام طبقة البسطاء من الشعب، كالفلاحين، وهم الطبقة الكادحة في أرض البلاد والأكثر فقرا، يعتمد على وجود الخبز والجعة وبعض الأطعمة البسيطة من الخضر، أما عن تناول لحوم الحيوانات فكان هؤلاء الفلاحون يؤثْرون الحقل ورعاية تلك الحيوانات، التي تساعدهم في أعمالهم الزراعية، على الاستمتاع بتناول لحومها، لذا عمدوا إلى ما يعرف بترشيد الاستهلاك لصالح مصدر رزقهم.

أما الطبقة الوسطى، التي تمثل عمال البناء وجماعة الحرفيين، فكانت أوفر حظا مقارنة بالفلاحين إلى حد ما، إذ اعتمدت أعمالهم على ما يعرف بنظام توزيع المؤن اليومية، التي تنوعت فيها الأطعمة بين لحوم وأسماك إلى جانب الخضر، ويشير إلى ذلك ما كشفت عنه أعمال التنقيب في مقابر عمال بناء الأهرام، في منطقة الجيزة، حيث عثرت على بقايا أطعمة، من بينها هياكل أسماك كانت توزع على العمال أثناء أداء مهام عملهم.

وعن الطبقة العليا وطبقة النبلاء، وهي الطبقة المترفة في المجتمع، تنوعت صنوف الطعام بين اللحوم والأسماك والطيور والخضراوات والفاكهة من أجود الأنواع، وكذا الخبز والفطائر والمشروبات وعلى رأسها النبيذ، كما يتضح من نقوش مقابر نبلاء الدولة على مر العصور، وأبرزها نقش في مقبرة الوزير بتاح حتب، في عهد الملك جد-كا-رع في الأسرة الخامسة، جالسا أمام مائدة قرابين عامرة بكل ما لذ وطاب، يشرب قدحا من "الماء الطاهر" وأمامه الخدم والكهنة يذبحون الماشية ويحملون الأطعمة الطازجة، بينما يوجد نقش علوي لخادمات يحملن الأطعمة.

طعام العالم الاخر ...!!!!

ربط المصري قديما بين عاداته الغذائية والدين، الذي اهتم به منذ أقدم عصوره، كظاهرة اجتماعية يحتاج إليها كل تجمع بشري بما يخدم ضبط سلوكه وقواعد تعامله مع الآخرين في بيئته اليومية، فكان إحساسه بوجود قوى خارقة وراء ظواهر اعتمدت عليها حياته وأثرت فيها سببا وراء تنوع الآلهة، لامتلاك كل إله قوة خفية تفوق قدرة الإنسان، فحرص على تقديم أطعمة خاصة لهذه الآلهة في شكل قرابين بغية استرضائها وطمعا في حمايتها له من شرور الحياة.

وتعددت مهام هذه الآلهة في النظام اللاهوتي المصري، كما ارتبط بعضها بأنواع مختلفة من الطعام، مثل الإله "نبري"، الذي اتخذه المصريون ربا للقمح، المحصول الرئيسي في البلاد، والإلهة "رننوتت" ربة الحصاد وسيدة الحقول، والإله "شسمو" رب النبيذ، والإلهة "حات-ام- حت" ربة الثروة السمكية، إلى جانب الإله "حعبي"، إله النيل والفيضان، رمز كل عطاء للخيرات في هذا البلد.

اعتاد المصريون تقديم قرابين الغذاء للآلهة في المعابد، وكانت بمثابة عبادة دورية شبه يومية، تتألف من الخبز والفواكه واللحوم، وهي أطعمة أساسية كان يعتمد عليها الكهنة والعاملون في المعبد، وكان يشترط التطهْر أثناء تقديم هذه القرابين من الأطعمة كما يشير نص يعود إلى عصر الدولة القديمة:

"كل من يدخل هنا يجب أن يكون نقيا، ويتطهر كما يتطهر عند دخوله معبد الإله الكبير".

آمن المصريون قديما بأن الآلهة مثل البشر تحتاج إلى طعام وشراب، لذا كان من بين شعائرهم الدينية تقديم قرابين في مواعيد شبه ثابتة أمام رمز هذا الإله، أو إقامة ولائم جنائزية لإرضائه خلال مراسم دفن متوفي وانتقاله إلى العالم الآخر، فهي ولائم تقام وقت الوفاة وأمام قبره، عامرة بالأطعمة وقدور الشراب وأنواع الأزهار.

وتشير تفاصيل سجلتها بعض النقوش التي تعود إلى عصر الدولة الحديثة، بحسب تقسيم عصور تاريخ مصر القديم، إلى تفاصيل هذا اليوم الذي كان يرتدي فيه أهل المتوفي أحسن الثياب ويحملون أوعية النبيذ أثناء مراسم دفن الميت من الطبقة الغنية، أما الطبقة الفقيرة فكانت تلجأ إلى تبسيط تلك المراسم قدر الإمكان بما يتناسب ومستواها الاجتماعي.

ويجسد نص من مقدمة الفصل 99 من فصول كتاب "الخروج إلى النهار"، المعروف مجازا بكتاب الموتى عند المصريين القدماء، صورة من الحياة في العالم الآخر ونعيمها الغذائي، اطلعنا عليها في الترجمة الفرنسية التي قدمها العالم بول بارجيه، أستاذ الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ليون، للنص المصري القديم:

"إذا وعي المتوفى هذا الفصل أي التعويذة سيستطيع الخروج إلى حقول الغاب، وسوف يقدمون له الحلوى وجرة جعة وخبزا من على مذبح الإله العظيم، والحقول والضياع المليئة بالقمح والشعير، وسوف يحصدها له أتباع حورس، وسوف يأكل من هذا الشعير والقمح وسوف تتغذى أعضاؤه، وسوف تكون هذه الأعضاء مثل أعضاء الآلهة".

اعتقد المصري القديم أن الميت يُبعث في قبره بعد وفاته ويمارس نشاطه من جديد بنفس احتياجاته عندما كان حيا على وجه الأرض، وكان الطعام والشراب جزءا هاما من المتعلقات الجنائزية التي توضع إلى جانب الميت، لأنه بدونها لا يستعيد حياته بعد الموت في العالم الآخر، بحسب الفكر العقائدي المصري.

عاشت الحضارة المصرية القديمة، على امتداد زماني لأكثر من ثلاثة آلاف عام، ورغم كل ما اعتراها من تقلبات دينية وسياسية واجتماعية، فضلا عن التغيرات التي طرأت عليها تاريخيا، إلا أن هذه الحضارة عاشت في إطار هويتها الأساسية، وبنفس النزوع العام، بعد أن نجح المصري القديم في التعبير عن حياته اليومية والفكرية سعيا إلى الأبدية وقهر الموت، مستعينا بأرقى وسائل التعبير الفنية وأكثرها فاعلية.

ويقول العالم الفرنسي الكبير فرانسوا دوما عن حضارة مصر القديمة إن "الهدف الأسمى من كتابة تاريخ حضارة مصر هو العمل على تقريب روح من خلقوها، والوصول إلى البؤرة التي انطلقت منها إبداعات اجتماعية وأدبية وفنية، لعالم مازال يبهر بنجاحاته وروعته، وإن كان قد اختفى منذ أكثر من ألفي عام".

 

بقلم / د.يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيكان رفاعة الطهطاوي، رائد حركة التنوير الفكري في مصر خلال القرن التاسع عشر، أول من اعترض على نقل المسلة بعد عودته من بعثته العلمية في باريس، ورأى الخطوة بمثابة إهدار للثروة القومية وسجل اعتراضه بوضوح كما ورد في كتابه "تخليص الأبريز إلى تلخيص باريز أو الديوان النفيس بإيوان باريس":

"إن مصر أخذت الآن في أسباب التمدن والتعلم على منوال بلاد أوروبا فهي أولى وأحق بما تركه لها سلفها من أنواع الزينة والصناعة، وسلبه عنها شيئا بعد شيء يعد عند أرباب العقول من اختلاس حلي الغير للتحلي به فهو أشبه بالغصب وإثبات هذا لا يحتاج إلى برهان".

كما اعترض الشاعر الفرنسي بيتروس بوريل عام 1833 وقال بعبارة شديدة اللهجة مخاطبا الحكومة الفرنسية، أوردها سوليه في دراسته:

"ألا يمكنكم ترك كل منطقة وكل مناخ محتفظا بمفاخره وبزخرفته؟ ليس لأي شيء قيمة إلا حينما يكون في موضعه الخاص ووسط أرضه ومسقط رأسه وتحت ظل سمائه. يوجد ارتباط متبادل وتآلف حميم بين الصروح والبلاد التي أقامتها. يجب أن تتجاور المسلات المصرية مع أعمدة المعابد".

جدل على موضع المسلة

أراد شامبليون وضعها في ساحة متحف اللوفر أو أمام كنيسة "مادلين"، لكن الملك لوي-فيليب الذي كان قد وصل إلى الحكم أراد أن تقام في ميدان الكونكورد، وأصر شامبليون على رأيه معتبرا ميدان الكونكورد يقلل من هيبة المسلة، وساءت العلاقات بينهما، وتوفي شامبليون دون تحقيق مطلبه.

اضطرت فرنسا إلى صنع قاعدة جديدة للمسلة من الجرانيت المستخرج من منطقة بريتاني شمال غربي فرنسا، نظرا لترك القاعدة الأصلية في الأقصر لسوء حالتها، واستعان المهندس "لوبا" بنحو 420 جنديا فرنسيا لرفع المسلة في الميدان، ووصف لوبا خطورة المهمة في مذكراته بعنوان "مسلة الأقصر" الصادر في باريس عام 1839 قائلا:

"إن عدم فهم أمر صادر، أو وجود رباط غير جيد، أو مسمار أعوج، كان يمكن أن يؤدي إلى كارثة رهيبة، ففي حالة سقوط الرافعة ستتحطم المسلة، وتضيع ملايين الفرنكات، وسوف يُسحق أكثر من مائة عامل بلا شك".

لقد وضعت المسلة وسط ميدان الكونكورد بالاستعانة بنحو 420 جنديا لرفعها في مكانها

وأخيرا تجمع جمهور قُدّر بنحو 200 ألف شخص في 25 أكتوبر/تشرين الأول 1836 في الميدان، ووقف أوركسترا من مائة عازف على ناصية شارع "سان-فلورانتين" يعزف مقطوعة موزار "أسرار إيزيس الخفية"، وكُتب على قاعدة المسلة السطور التالية:

"في حضور الملك لوي-فيليب الأول، نقلت هذه المسلة من الأقصر إلى فرنسا، ونُصبت فوق هذه القاعدة بإشراف المهندس لوبا وسط تصفيق جمهور كبير".

كما أهدى الملك المسلة إلى ذكرى نجاحات جيش الجمهورية ولكن في عبارة باللغة اللاتينية، وليست الفرنسية، خلت من ذكر صانع المسلة الأصلي، الملك رعمسيس الثاني، وصاحب اختيار المسلة، شامبليون، وعُهد بتحريرها إلى أكاديمية المخطوطات والآداب وترجمها إلى الفرنسية آلان باجاس، وورد النصان في دراسة جان فيدال بعنوان "الغائب عن المسلة":

"ملك الفرنسيين إذ يرغب في أن ينقل إلى الأجيال التالية إحدى قمم الفن المصري وكذلك الذكرى الرائعة لإحدى الأعمال المجيدة التي تحققت بالسلاح مؤخرا على ضفاف النيل. رُفعت هذه المسلة الممنوحة لفرنسا من مصر ذاتها، ورُفعت من مقابر طيبة في 25 أغسطس 1832 ونقلت إلى فرنسا على متن سفينة شيدت لهذه المناسبة خلال رحلة دامت 13 شهرا وأقيمت هنا في 25 أكتوبر 1836، سابع أعوام ولايته للحكم".

تأثيرها في الشعر الفرنسي

ظلت المسلة المصرية مصدر إلهام وولع بحضارة مصر، وسحرت شاعر الرومانسية الفرنسي "تيوفيل غوتييه" فنظم لها قصيدة طويلة بعنوان "حنين مسلات" في ديوانه "الخزفيات وأحجار الكاميو" عام 1851، مبتكرا حوارا بين المسلة في باريس وشقيقتها في الأقصر، تشكو كل منهما للأخرى آلام الوحدة كهذه المقتطفات :

"أشعر بالملل في وسط هذا الميدان، مسلة غير متجانسة مع المكان، الثلج وقطرات الضباب المتجمد والرذاذ والمطر يثلج جبيني... أنا من استطعت بقامتي العظيمة تحدي الزمن ووقف رعمسيس ذات يوم أمامي كالقشة، صرت أداة تسلية في باريس... نهر السين الذي تصب فيه بالوعات الشوارع، هذا النهر القذر المكون من جداول يلوث قدمي التي كان نهر النيل أبو الأنهار يقبّلها كل فيضان".

وتخاطبها شقيقتها من الأقصر شاكية أيضا:

"أسهر الليل، حارس وحيد لهذا القصر الكبير الخرب، في تلك الوحدة السرمدية أمام فضاء شاسع، في أفق لا يحده شيء تحت شمس غائمة، تبسط الصحراء العريضة الصامتة أمامي بلا نهاية كفنها الأصفر... الريح هنا لا تمسح أبدا دمعة العين الجافة، يتكيء الزمن المتعب على جدران القصور الساكنة، فلا يوجد ما يزعزع وجه الخلود، فمصر في هذا العالم المتغير تتربع على عرش السكون".

شاهدة على الأحداث

دأبت فرنسا على الاحتفال بمناسباتها الوطنية في ميدان الكونكورد، فقُدّر للمسلة أن تشهد على الأحداث الكبرى حتى وقتنا هذا من بينها:

ديسمبر/كانون الأول 1840، ينتظر الجمهور في ميدان الكونكورد رفات بونابرت، وتتوقف العربة الجنائزية أمام المسلة ثم تتجه إلى ساحة "إنفاليد" لدفن الرفات.

أبريل/نيسان 1846، زار إبراهيم باشا، ابن محمد علي، باريس للعلاج وتأمل المسلة، وبعد خمسة أشهر أهدت فرنسا مصر ساعة من الطراز الغربي تزين مسجد محمد علي بالقاهرة، كشكر من فرنسا للوالي على هبة المسلة.

فبراير/شباط 1848، تحدث صدامات بين الجماهير والفرسان الملكيين حول المسلة، ويتنازل لوي-فيليب عن العرش ويمُحى اسمه مؤقتا من فوق قاعدة المسلة.

نوفمبر/تشرين الثاني 1848، يحتفل الفرنسيون أمام المسلة بالدستور الذي وضعته الجمعية الوطنية (البرلمان).

14 يوليو/تموز من كل عام تحتفل الجمهورية الفرنسية بعيدها الوطني، "يوم الباستيل"، وتقام العروض العسكرية والجوية أمام المسلة.

قمة ذهبية

اقترحت عالمة دراسات تاريخ مصر القديم "كرستيان ديروش-بوبلكور"، في سبعينيات القرن الماضي كما ذكرت في دراستها "تحت أعين الآلهة"، وضع هُريم ذهبي فوق قمة المسلة، وحدث سجال بين مؤيد ومعارض لسنوات، حتى جددت نوبلكور مطلبها عام 1998 في عهد الرئيس الفرنسي جاك شيراك بمناسبة الاحتفال بمرور مائتي عام على حملة بونابرت في مصر، وقالت إن فكرتها "سوف تحافظ على المسلة وتعطيها شكلا جماليا ورمزيا".

واغتنمت نوبلكور، حسبما قالت في دراستها، فرصة زيارة الرئيس المصري الراحل حسني مبارك لباريس كمناسبة لوضع الهريم الذهبي، وقالت :"كنت واثقة أن الهريم إذا لم يوضع في هذه المناسبة، فلن يحدث ذلك أبدا، لذلك كتبت إلى الرئيس شيراك".

ووضعت لافتة مذهبة إلى جانب قاعدة المسلة تخلّد ذكرى الحدث وترد الاعتبار لجان-فرانسوا شامبليون الذي لم يذكر اسمه عليها منذ أن وضعت في الميدان.

وإن لم توجد إشارة واحدة في جميع النصوص الفرنسية واللاتينية على قاعدة المسلة تمجد صاحبها، الملك رعمسيس الثاني، فإنه يخلد ذكره إلى الأبد في نصوص "مقدسة" باللغة المصرية القديمة تردد له تراتيل النصر على أوجه المسلة الأربعة:

"ملك مصر العليا وملك مصر السفلى، حاكم وملك مصر، الذي أدب الشعوب، حورس الوضاء، حارس السنين، عظيم بانتصاراته، ملك الشعب المطيع، الشمس الحامية للحقيقة، حاكم الحكام، الذي أنجب شمو، لكي يمارس الأحكام الملكية على العالم عددا كبيرا من الأيام، ابن الشمس، عزيز آمون: رعمسيس: ليحيا".

 

د. يسري عبد الغني

 

كاظم شمهودان ظاهرة الاساليب الفنية الحديثة وبجميع مدارسها المختلفة اتاحت للفنان اليوم فرصة ذهبية ان ينفرد بعلوم خاصة به دون رقابة المنطق والالتزام باصول النقد الذي رسمه الاقدمون، هذه المناهج الحديثة هي بمثابة انطلاق الاشكال والالوان للعب الحر في فضاء اللوحة واتخاذ طابع كوني لا نهائي وغير محدود، يسميه البعض بعالم الروحانيات .

بعض المفكرين المعاصرين اكد على ادماج الفكرة بالعمل واعتبار الفكرة غير مجردة من الواقع بل كائنة فيه، فجاء الفيلسوف – هيسول –و اكد على وحدة الفعل والجوهر والمحسوس والمجرد، وهذا مانجده ساطعا في الاعمال التجريدية البصرية للفنان العراقي الصاعد هاني دله .

107  هاني دله 1ان ما يميز اعمال هاني هو الهدوء والرومانسية سواء كان في الاشكال او الالوان، فالتعبيرية عنده ليس تشويه وعنف بقدر ما هي تعبيرية تأمليه أخاذة، فكل شكل له شحنة تعبيرية تجعل المتلقي في محيط من الجمال الروحي .

ترتبط العناصر التشكيلية في اعمال هاني من انسانية وحيوانية واشكال رمزية في بناء محكم التكوين مع الحرص على استخدام الرمز التاريخي وتوظيفه بشكل ينسجم مع التجربة الفنية المعاصرة وهو بذلك يحاول مد الجسور بين الماضي والحاضر، فرمزية الثور الذي يبرز في فضاء اللوحة لا يخلو من البعد الفلسفي والاسطوري فالذي لا يعرف تاريخ حضارة وادي الرافدين ربما لا يعرف رمزية الثور المجنح في الاساطير الآشورية وملحمة كلكامش . واتذكر قول للفنان المفاهيمي الاسباني تابيس (ان اللوحة هي تاريخ).

107  هاني دله 2

النغم في اعمال هاني:

النغم هو مصطلح يستخدم عادة في الغناء والطرب ولكن النقاد الاوربيون منذ القرن السادس عشر استخدموه ايضا في الفنون التشكيلية فرسم الاشخاص في تأليفات وتكوينات لا ينتج عن خلق روابط مادية فقط وانما ينشأ نوع من النغم، ذلك الذي يبعث ذبذباته الصوتية الى المتلقي بطريقة جمالية رومانسية كما ان الانسجام في الالوان يثري العمل الفني وينتج نغم، وبالتالي نجد عملا فنيا طروبا يسر الناظر اليه . يقول الفيلسوف شوبنهاور (كل الفنون تطمح الى ما وصلت اليه الموسيقى) حيث ان الموسيقى تدخل مسامع الانسان دون واسطة مادية . اما الفنان فهو يطمح ان يخاطب المتلقي روحيا عن طريق اللون والخط والفكرة فيطربه .

و يظهر التوافق والانسجام في الوان لوحات هاني غزير النغم حيث تتدرج الالوان والخطوط وتسيح في فضاء اللوحة كالسراب او الغثاء الذي يطفوا على سطح الماء لكي يزيد من القوة التعبيرية للشكل الخيالي او للشبح الانساني الذي يظهر خلفها وبينها او ذلك الثور الذي يتكرر في لوحاته، وكأنه يعرض لنا مشهدا من ملحمة كلكامش وصراعه مع الثور السماوي خمبابا وانتصاره عليه .. وتروي لنا الاساطير السومرية بان الالهه عشتار قد احبت كلكامش وطلبت الزواج منه ولكنه رفض ذلك واهانها فطلبت من الاله- انو - ان يرسل عليه ثور السماء ليقتله ففشل وانتصر عليه كلكامش .. وبالتالي نرى في اعمال هاني تكرار الشبح الانساني والثور وقد نفذت باسلوب تجريدي رمزي اي باختزال وتبسيط الخطوط والاشكال لتكون قراءة المشهد تأملية وفكرية وفي نفس الوقت الغور في اعماق تاريخ بلاد الرافدين واساطيره.

107  هاني دله 3

و قد ذكر الكاتب الانكليزي راسكين في كتابه – مصورون محدثون – بان النغم هو الارتياح الكامل والعلاقة بين الاشياء في تضاادها وانسجامها ونسب الظلال والضوء وكثافتها وعتمتها، وبالتالي كل هذه العناصر تساهم في خلق الانغام الجميله التي يرتاح لها المشاهد .

في يوم من الايام كان الفنان الروسي كاندنسكي في حفل موسيقي لفاغنر وفي اثناء ذلك حدث له امرا غريبا حيث تمثلت النغمات امام عينية الوانا، وبعدها قال: (رايت كل الالوان في روحي قبل ان تراها عيني).. و من ذلك يتضح ان النغم الخاص بكل موضوع يبرز بواسطة اللون المنتشر فوق مساحته المخصصة له في الرسم ونسبة تنوعه في درجاته، اذن ان النغم مصطلح يستخدم في الموسيقى والتشكيل على حد سوى .

قلنا ان هاني قد عمد في معظم اعماله الى الاختزال والتبسيط في الاشكال والالوان وهي صفة تمتاز بها الفنون البدائية ومعظم الفنون الحديثة حيث رفع فنانوا الحداثة شعار (ان القليل يعني الكثير) وهو ما يطلق عليه ايضا بالفن المفاهيمي .. وحتى في مجال الاخلاق والادب والخطابه نجد ان التركيز على جوهر الموضوع يعد كلاما من ذهب .. وفي هذا المجال يقول ابو العتاهية:

و فرز النفوس كفرز الصخور     ففيها النفيس وفيها الحجر

و خير الكلام قليل الحروف        كثير القطوف بليغ الاثر

107  هاني دله 4

هاني دله علي من ابرز فناني الشباب العراقي المعاصر وتشير اليه اعماله قبل الكلام عنها ، وبهذا الصدد يقول احد علمائنا (فلتكن اعمالكم تسبق اقوالكم ) .. ولد هاني في عام 1969 في هيت – الرمادي -، وتخرج من معهد الفنون الجميله في بغداد عام 1990  كما حصل على منحة للدراسة في اكاديمية الفنون الجميلة في وارشو في بولندا .. اقام عدة معارض شخصية وجماعية داخل وخارج العراق وحاز على عدد من الجوائز الفنية التقديرية ..

 

د. كاظم شمهود

 

يسري عبد الغنيتعد مسلة الأقصر أقدم أثر على أرض باريس يشهد على "ولع فرنسي" بحضارة مصر القديمة، اجتُثت من جذور معبدها في مدينة الأقصر جنوبي مصر ونُصبت في ميدان الكونكورد خلال القرن التاسع عشر، فأصبحت شاهدة على كثير من الصراعات والأحداث السياسية والوطنية للجمهورية الفرنسية حتى الآن في بيئة مغايرة لبيئتها الأصلية.

تعود مسلة الأقصر إلى عهد الملك رعمسيس الثاني، أشهر ملوك الأسرة 19 بحسب تقسيم تاريخ مصر القديم، الذي أمر ببناء مسلتين أمام معبد الأقصر تخليدا لانتصاراته في حملات عسكرية حمت أرض مصر من اعتداءات أجنبية واستباحة ممتلكاتها.

واختلف علماء تاريخ مصر القديم في تحديد الدلالة الدينية لبناء هذه الكتل الحجرية ذات الأضلاع الأربعة والقمة الهرمية، "هُريم"، والتي تقام فوق قاعدة يُسجل عليها نص تذكاري للملك والإله الذي كرست من أجله.

واتفق البعض على أنها ترمز لهبوط أشعة الشمس من السماء ممثلة في شكل الهُريم، في حين يرى آخرون أن الهُريم يلعب نفس دور الهرم كرمز "للتل الأزلي" الذي بدأت عليه عملية خلق الكون، بحسب العقيدة الدينية في مصر القديمة.

أسهم كتاب "وصف مصر" الذي وضعه الفرنسيون بعد عودتهم من حملتهم العسكرية على مصر (1798-1801) في زيادة الولع الفرنسي بحضارة مصر القديمة، لاسيما بعد تسجيل آلاف الصور لصروح بالغة الضخامة رآها العالم لأول مرة مليئة بنصوص غير مفهومة حتى اكتشف العالم الفرنسي جان-فرانسوا شامبليون أسرار هذه النصوص المصرية القديمة.

اختيار شامبليون وتناقضه

ازداد الاهتمام بآثار مصر فاستخدمها محمد علي والي مصر (1805-1848) أداة سياسية تخدم مصالحه، مغتنما صراع الدولتين العظميين وقتها، إنجلترا وفرنسا، على مسلتي "كليوباترا" في الإسكندرية وأهدى المسلتين لهما مقابل مساندتهما وتقوية موقفه السياسي أمام السلطان العثماني.

وصل شامبليون إلى مصر في أغسطس/آب 1828 ووطأ أرض الإسكندرية على رأس بعثة علمية تهدف إلى مراجعة صحة منهجه في قراءة النصوص الهيروغليفية، علاوة على فحص مسلتي "كليوباترا"، وتبين أنهما لا تمتان بصلة للملكة، بل أقامهما الملك "تحوتمس الثالث" في القرن 15 قبل الميلاد لوضعهما في معبد الشمس في مدينة هليوبوليس القديمة، ثم نقلهما البطالمة إلى الإسكندرية بعد 13 قرنا، وأُطلق عليهما بالخطأ مسلتا "كليوباترا".

وعندما زار شامبليون معبد الأقصر في جنوبي مصر أعجب بمسلتيه كما يتضح من رسالة أرسلها لشقيقه جاك-جوزيف بتاريخ 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1828، وردت ضمن "الرسائل واليوميات خلال رحلة مصر" التي جمعتها المؤرخة هرمين هارتلبن:

"رأيت قصر الأقصر العملاق، تنتصب أمامه مسلتان ارتفاع كل منهما 80 قدما (حوالي 24 مترا)، نحتتا بإتقان من كتلة واحدة من الجرانيت الوردي، فضلا عن أربعة تماثيل ضخمة لرعمسيس الأكبر من الجرانيت الوردي أيضا".

ويضيف شامبليون : "يعجز لساني عن وصف واحد من ألف مما يجب وصفه عند التعرض لمثل هذه الأشياء، فإما أن يظنني الناس مفعما بالحماس أو معتوها مجنونا إذا نجحت في إعطاء صورة ولو شاحبة هزيلة عنها... أعترف أننا في أوروبا لسنا سوى أقزام، وأنه لا يوجد شعب، قديما أو حديثا، بلغ فهم وتصور فن العمارة بمثل هذه الدرجة الرفيعة التي بلغها المصريون القدماء." 

وأمام هذا السحر والإعجاب تراجع شامبليون عن فكرة استلام مسلتي "كليوباترا"، هدية محمد علي، كما قال في رسالته لشقيقه بتاريخ 4 يوليو/تموز 1829:

"أشعر حيالهما بالشفقة والرثاء منذ أن رأيت مسلات طيبة (الأقصر). فإن كان محتما نقل مسلة مصرية إلى باريس فلتكن إحدى مسلتي معبد الأقصر، وستجد مدينة طيبة العريقة السلوى في الاحتفاظ بمسلة الكرنك، التي تعد أروع المسلات جميعا".

أثار موقف شامبليون جدلا بين المؤرخين، لاسيما وأنه دأب في أكثر من مناسبة على طلب الحفاظ على آثار مصر، من بينها مذكرة رفعها إلى محمد علي في هذا الشأن تحت عنوان "مذكرة سُلمت إلى الوالي بشأن حفظ وصيانة الآثار المصرية القديمة":

"ستدين أوروبا بأسرها بالعرفان لسمو الملك إذا تفضل باتخاذ تدابير فعّالة تهدف إلى صيانة المعابد والقصور والمقابر وجميع الآثار الأخرى التي لا تزال تشهد على عظمة وقوة مصر القديمة، والتي تعد في ذات الوقت أروع ما يزين مصر الحديثة".

ويضيف شامبليون في مذكرته : "يمكن لجلالة الملك، بغية تحقيق هذا الهدف، أن يأمر بعدم اقتلاع، بأي حال من الأحوال، أي أحجار أو قوالب طوب منقوشة أو غير منقوشة من الأبنية والآثار القديمة التي لا تزال قائمة في المواقع سواء في مصر أو النوبة".

ويقول المؤرخ الفرنسي روبير سوليه، في دراسته الخاصة "الرحلة الكبرى للمسلة"، إن شامبليون "لم يكن من بين الأجانب الذين كانوا ينهبون التراث المصري بهدف التربح، بل كان يهدف إلى وضع تلك القطع الأثرية في مكان آمن حتى يستطيع العلماء دراستها ويستمتع بها الجمهور الأوروبي".

أما شامبليون نفسه فقد أفصح في رسالته لشقيقه بتاريخ 4 يوليو/تموز 1829 قائلا:

"ستصبح فرصة عظيمة لعرض أثر مثل هذا القدر من الروعة في فرنسا بدلا من الأشياء التافهة والزينة الرخيصة التي نسميها نحن بكل زهو آثارا وطنية، والتي تصلح بالكاد لتزيين صالونات صغيرة ... إن كتلة كتلك المسلة المهيبة تكفي بمفردها للتأثير بشدة على العقول والأعين. كما أن عمودا واحدا من أعمدة الكرنك يعد أثرا بمفرده أكثر من الواجهات الأربعة لفناء متحف اللوفر".

مغامرة شاقة

كيف نُقلت كتلة حجرية تزن 230 طنا من الأقصر إلى باريس؟

استبعد شامبليون فكرة تقطيع المسلة ووصف ذلك بـ "تدنيس للمقدسات"، لاسيما وأن الرومان كانوا قد نجحوا في القرن الرابع الميلادي قبل فرنسا في نقل مسلة من معبد الكرنك، عبر البحر المتوسط، ونصبوها في ميدان القديس بطرس في روما.

شيدت فرنسا لهذا الغرض سفينة مستوية القاع تستطيع السفر في مياه البحار والأنهار، تفاديا لتعدد نقل المسلة من سفينة لأخرى وأطلقت عليها اسم "الأقصر"، غادرت ميناء تولون في 15 أبريل/نيسان عام 1831، وعلى متنها طاقم من 150 شخصا من حرف مختلفة، جميعهم تحت قيادة المهندس "أبوللينير لوبا".

وصل الطاقم إلى الأقصر يوم 14 أغسطس/آب، وبدأ العمل ثم توقف بسبب وباء الكوليرا الذي أصاب 15 فرنسيا، وتسبب في وفاة 128 مصريا، ووصف ريمون دي فرنيناك سان-مور، قائد بعثة نقل مسلة الأقصر إلى باريس، في مذكراته وملاحظاته بعنوان "رحلة السفينة الأقصر في مصر" التي نشرها في باريس عام 1835 مشهد هؤلاء المصريين:

"إن الفلاحين المساكين الذين أصابهم وباء الكوليرا لم يكن لديهم مشروب سوى ماء النيل ولا سرير سوى الأرض، ومع ذلك لم تصدر منهم أي صرخة أو شكوى، فمنهم يتعلم المرء أن احتقار الحياة يوجد في العراء أكثر مما يوجد في كتب الفلاسفة".

لم تُقطع المسلة عن قاعدتها قبل يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول، وكتب فرنيناك رسالة إلى شامبليون :

"ابتهج معنا يا سيدي المواطن، لقد غادرتنا الكوليرا، وخضعت المسلة الغربية بالأقصر أمام أبسط الوسائل الميكانيكية الحديثة. أمسكنا بها أخيرا ومن المؤكد أننا سنحضر إلى فرنسا هذا الصرح الذي لابد وأنه سيزودكم بمادة لدروسكم الممتعة... ستشهد باريس ما صنعته حضارة قديمة من أجل صيانة التاريخ في ظل عدم وجود مطبعة. وسترى (باريس) أنه إذا كانت فنوننا مدهشة، فإن شعوبا أخرى صنعت فنونا قبلنا بأزمنة طويلة لا تزال نتائجها المدهشة تذهلنا حتى اليوم".

لزم الأمر التفاوض مع الأهالي لشراء بيوتهم وهدمها من أجل إفساح الطريق ونقل المسلة على قضبان من الخشب بمساعدة 400 عامل مستأجرين إلى أن وضعت المسلة على ظهر السفينة في نهاية ديسمبر/كانون الأول.

واجهت السفينة بعد إبحارها صعوبات واضطرت إلى الرسو من جديد في مدينة رشيد بسبب عدم قدرتها على اجتياز مياه النيل إلى البحر المتوسط، فاستعانت بواحدة من أوائل السفن البخارية الفرنسية في العصر واسمها "أبو الهول" وقطرت "الأقصر" وسط بحر مضطرب لمدة يومين هدد السفينة بالغرق وهلاك الطاقم والمسلة في قاع البحر، حسبما وصف فرنيناك في مذكراته.

وصلت السفينة إلى ميناء تولون يوم 10 مايو/أيار 1833، وعبرت مصب نهر السين ووصلت إلى باريس في 23 ديسمبر/كانون الأول بعد رحلة شاقة.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغني"أنا متفرغ تماما للغة القبطية، أود أن تكون درايتي بهذه اللغة كالفرنسية تماما، لأن عملي الضخم في البرديات المصرية سيقوم على أساسها"

هكذا أرسى العالم الفرنسي جان-فرانسوا شامبليون، كما أوضح في رسالته إلى شقيقه الأكبر جاك-جوزيف عام 1809، دعائم مشروعه العلمي لكشف لغز الكتابة المصرية القديمة "الهيروغليفية"، مستعينا باللغة القبطية، وفك ما استعصى على علماء اللغة لقرون، لتبوح أطلال مصر الصامتة بأسرار إحدى أقدم الحضارات التي عرفتها الإنسانية.

وتعتبر النصوص المصرية القديمة والنصوص القبطية نافذة على تاريخ مصر القديم وحضارتها، إذ تمدنا اللغة المصرية، بجميع مراحلها، بمعارف دقيقة عن الفكر المصري خلال عصوره المختلفة، والذي تميز بالتطور والاستمرارية على نحو جعل مصر خارج إطار عصور ما قبل التاريخ الحجرية، متقدمة على بقية الشعوب القديمة.

كُتبت اللغة المصرية القديمة على مدى تاريخها الطويل بأربعة خطوط، ثلاثة خطوط من أصل واحد: الهيروغليفي والهيراطيقي والديموطيقي، وتعبر عن الكتابة التصويرية، أما الخط الرابع فهو الخط القبطي، ويعبر عن الكتابة بأبجدية، ولا ينتمي إلى الأصل السابق، بل هو خليط من الحروف اليونانية القديمة، مع تطويع بعض علامات الخط الديموطيقي.

أهمية القبطية في تاريخ مصر

يعد الخط القبطي آخر مراحل تطور خطوط اللغة المصرية القديمة، وتشير دراسة بعنوان "تاريخ اللغة القبطية"، صدرت ضمن سلسلة "كراسات قبطية" عن مكتبة الإسكندرية، إلى أنه: "عند دخول العرب مصر، كانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية والسائدة بين طوائف المتعلمين والمثقفين من المصريين والأجانب على حد سواء، بينما كانت القبطية وخطها سائدين بين عامة المصريين، بالإضافة إلى بعض الأجانب المقيمين في مصر الذين أجادوها كلغة للتعامل اليومي".

استطاعت القبطية أن تنقل اللغة المصرية القديمة من الكتابة التصويرية إلى الكتابة بأبجدية لغوية، وتبرز أهمية ذلك في إظهار النطق الكامل للكلمات، نظرا لأن هذا الخط يعد الشكل الوحيد من أشكال الكتابة الذي يتضمن حروفا متحركة، أسهمت في التعبير عن حركة الأصوات المكتوبة مقارنة بالخطوط المصرية الأخرى.

ويشير العالم الفرنسي جان-لوك فورنيه في دراسته "بيئة متعددة اللغات في مصر القديمة العصر المتأخر: التوثيق اليوناني واللاتيني والقبطي والفارسي" إلى أن المراحل المبكرة الأولى للقبطية "لم تستخدم أي نظام كتابي مصري سابق، هيروغليفي أو هيراطيقي أو ديموطيقي، لأن مصر في هذه الفترة من العصور المتأخرة كانت متعددة الثقافات".

ويضيف فورنيه: "لعبت اليونانية دورها الأساسي في الآداب والثقافة والإدارة، وقد استُعملت الأبجدية اليونانية القديمة مع بعض علامات الخط الديموطيقي لإضافة بعض الأصوات المصرية الصحيحة غير الموجودة في اليونانية لتكوين الأبجدية القبطية".

"شامبليون والقبطية"

وُلِد شامبليون في 23 ديسمبر/كانون الأول عام 1790 فى مقاطعة فيجاك الفرنسية، ونظرا لاضطراب الأوضاع في أعقاب الثورة الفرنسية، لم يستطع الالتحاق بمدارس التعليم النظامي، فتلقى دروسا خاصة فى اللغتين اللاتينية واليونانية. 

التحق شامبليون بالمدرسة الثانوية في مدينة جرونوبل، حيث كان شقيقه جاك-جوزيف يعمل باحثا فى معهد البحوث الفرنسى، وظهر اهتمام شامبليون المبكر باللغات القديمة، مثل القبطية والعربية والعبرية والكلدانية والسريانية.

أيقن شامبليون أن القبطية لا تزال حية فانصب اهتمامه على البحث في تراكيبها وأصواتها بدقة

ويقول المؤرخ الفرنسي روبير سوليه، في دراسته "مصر ولع فرنسي" إن شامبليون بفضل معرفته، من خلال شقيقه، بجوزيف فورييه، الذى شغل منصب سكرتير البعثة العلمية خلال حملة نابليون بونابرت على مصر (1798-1801)، شغف بدراسة تاريخ مصر بما وفره له من مساحة اطلاع على مجموعته الخاصة من مقتنيات أثرية أثارت فضول شامبليون وقادته نحو عشقه لكل ما ينتمي إلى مصر.

ويضيف سوليه: "أطلعه (فورييه) على أوراق بردي ومقتطفات من الكتابة الهيروغليفية المنقوشة فوق الحجر، كما قدّمه لبعض زواره مثل دوم رافائيل، الراهب القبطي، الذي يلقي دروسا في اللغة العربية في مدرسة اللغات الشرقية".

حجر وثلاثة نصوص

بدأ العد التنازلي لمجد شامبليون قبل سنوات من هذا اللقاء عندما شن نابليون بونابرت حملة عسكرية على مصر عام 1798، أثمرت بطريقة غير مباشرة عن مخزون علمي من وصف جغرافي وتاريخي وثقافي لمصر وشعبها، ضمن مشروع موسوعة "وصف مصر"، وكان من أبرز أعمال الحملة بالطبع اكتشاف "حجر رشيد" على يد الضابط بيير فرانسوا بوشار فى 19 يوليو/تموز عام 1799 أثناء إجراء تحصينات عسكرية.

يعود نقش حجر رشيد إلى عام 196 قبل الميلاد، وهو مرسوم ملكى صدر فى مدينة منف تخليدا للحاكم بطليموس الخامس، كتبه الكهنة ليقرأه العامة والخاصة من المصريين والطبقة الحاكمة، فجاء نصه بلغتين وثلاثة خطوط: "الهيروغليفي"، اللغة الرسمية فى مصر القديمة، و"الديموطيقي"، الكتابة الشعبية فى مصر القديمة، واليوناني القديم، لغة الطبقة الحاكمة في ذلك الوقت.

وعندما خرج الفرنسيون من مصر عام 1801 سلّموا حجر رشيد للقوات الإنجليزية من بين ما سلموه من آثار استولوا عليها في مصر، واشترطوا عمل نسخ من نقوشه مستخدمين الورق المقوى والأحبار لطبع الأشكال والحروف، سيستعين شامبليون بنسخة منها، وأصبح الحجر ضمن مقتنيات المتحف البريطاني منذ عام 1802.

مصري يحمل المشعل

التقط شامبليون طرف الخيط من دراسته للقبطية، التي لم تعد تستخدم إلا في صلوات وطقوس دينية مسيحية، وتُكتب بحروف يونانية، ولا توجد لها علاقة ظاهرية بالخط الهيروغليفي، فمنذ القرن الرابع الميلادي لم يُنقش شيء بالخط الهيروغليفي في مصر، وذهب سره مع آخر كهنة مصر القديمة.

كان شامبليون قد استمع لأول مرة فى حياته لقداس باللغة القبطية في كنيسة بإحدى ضواحى باريس، إنها كنيسة "سان روش"، التي تعرّف فيها - بفضل أستاذه دوم رافائيل - على كاهن مصري سيعطيه مفتاح حل اللغز.

استطاع شامبليون الإلمام الكامل بالقبطية على يد هذا الكاهن المصري "يوحنا شفتشي"، الذي جاء إلى فرنسا عام 1802، وكان يعرف اللغتين العربية والقبطية، ولا نعرف عن حياته الكثير.

يذكر شامبليون هذا الكاهن في رسالة كتبها إلى شقيقه جاك-جوزيف في 21 أبريل/نيسان عام 1809، يخبره فيها عن خطوات جادة يخطوها على درب اكتشاف أسرار الهيروغليفية، أورد الرسالة المؤرخ الفرنسي جان لاكوتور في دراسته "شامبليون حياة من نور": 

"لغتي القبطية تتقدم على نهجها السلس وأجد بالفعل ما يبهجني أعظم الابتهاج، ولك أن تتخيل سعادتي وأنا أتكلم لغة أعزائي أمينوفيس (أمنحوتب) الثالث وسيتي ورمسيس وتحتمس!... سأذهب لأقابل في كنيسة سان روش بشارع سان أونوريه كاهنا قبطيا يتلو فيها القداس يدعى شفتشي، سوف يعطيني معلومات عن الأسماء القبطية ونطق الحروف".

ويضيف شامبليون في رسالته: "أريد أن أعرف هذه اللغة المصرية كما أعرف لغتي الفرنسية، فعلى هذه اللغة أرسي دعائم عملي الكبير في أوراق البردي".

ويقول المؤرخ المصري أنور لوقا، في دراسة موجزة بعنوان "يوحنا شفتشي معلم شامبليون"، في موسوعة تراث الأقباط، إن هذا الكاهن "كان يقيم في شارع سان روش بباريس عندما قصده الطالب شامبليون ليأخذ درسا خصوصيا في نطق اللغة القبطية، وظل راعيا لكنيسة سان روش للأقباط المهاجرين الذين حطوا بباريس، حتى قرر في سنة 1825، أن يرحل إلى مرسيليا التماسا لمناخ أدفأ وأنسب لحالته الصحية، وعاش بين أهل الجالية المصرية التي خرجت مع المعلم يعقوب وبعده، واستقر معظمها في مرسيليا منذ عام 1801، ولا ندري متى وأين وافته المنية".

ويضيف المؤرخ البريطاني أندرو روبنسون، في دراسته "فك الشفرة المصرية: حياة جان فرانسوا شامبليون الفريدة" أن يوحنا شفتشي "كان مصاحبا للجيش الفرنسي في مصر، وقدم بعد ذلك مساعدات للجنة العلوم المعنية بنشر موسوعة وصف مصر".

استفاد شامبليون من أحاديثه المستمرة مع الكاهن شفتشي منذ نهاية عام 1807، ويقول لاكوتور: "كانت هذه العلاقة بالنسبه له كنزا لا يفنى، إلا أنه اكتشف أيضا في المكتبة الإمبراطورية مخطوطا باللغة القبطية ظهرت فيه أسماء المدن المصرية مكتوبة بطريقة تؤكد افتراضاته، وأيده في ذلك دوم رافائيل".

ويضيف: "كان شامبليون يعترف عام 1809 أنه لا يزال يبحث عن طريقه، وأنه يواجه صعوبات حتى في تحديد أسس بحثه، لذلك فهو يعمل بجد ليتمكن من اللغة القبطية، فهو على يقين أنه يقف على أرض صلبة يمكن أن يشيد فوقها وهو مطمئن".

مفتاح اللغز

تأكد شامبليون من أن المرحلة القبطية هي آخر مراحل الحديث بلغة مصر الأصلية، (وكلمة "قبط" تعريب لاسم مصر اليوناني "إيجيبتوس" الذي سقط مقطعاه الأول والأخير)، ونمت لديه قناعة بثبات أسماء الأعلام على مر العصور، وبفضل معرفته أيضا باللغة العربية، كان يستشف من أسماء المدن والأماكن في مصر، ما يكمن وراء الحروف العربية من أصوات أساسية تعيده إلى الأصل الصوتي للاسم في نطقه القبطي.

وتتبع شامبليون الخيط الصوتي مهتديا بفكرة إغفال استعارة اللغة القبطية للأحرف اليونانية في تسجيل أصواتها، وفطن إلى أن اليونانيين الذين احتلوا مصر أطلقوا على الأماكن أسماء مستمدة من أساطيرهم، في حين احتفظ المصريون بأسماء المدن الأصلية، حتى بعد دخول العرب مصر، واصلوا تسمية المدن بأسماء موروثة ولكن بأحرف عربية.

أيقن شامبليون أن القبطية لا تزال حية فانصب اهتمامه على البحث في تراكيبها وأصواتها بدقة، رغبة في أن يبرهن على أن الرسوم الهيروغليفية عبارة عن حروف لغة منطوقة ينبغي أن تحدد صوت كل حرف من حروفها بعيدا عن تأويل الصور المنقوشة على حجر أو بردية.

انغمس شامبليون في دقائق القبطية، وجمع قواعدها ووضع معجما لمختلف لهجاتها، بل راح يترجم إليها كل ما يخطر بباله من عبارات بل ويخاطب نفسه بها، وهو ما يؤكده في رسالة إلى شقيقه جاك-جوزيف عام 1809، أوردها لاكوتور في دراسته قائلا: "أما عن اللغة القبطية فأنا لا أفعل أي شيء آخر، فأنا لا أحلم إلا بالقبطي، ولا أفعل غير هذا، لا أحلم إلا بالقبطي، المصري".

ويشير سوليه، في دراسته، إلى مضمون رسالة كتبها شامبليون عام 1812 يؤكد فيها عثوره على مفتاح حل اللغز: "استسلمت تماما لدراسة القبطية، كنت منغمسا فيها لدرجة أنني كنت ألهو بترجمة كل ما يخطر ببالي إلى القبطية. كنت أتحدث مع نفسي بالقبطية... ولفرط ما تفحصت هذه اللغة كنت أشعر أنني قادر على تعليم أحدهم قواعدها في يوم واحد، ولا جدال أن هذه الدراسة الكاملة للغة المصرية تمنح مفتاح المنظومة الهيروغليفية، وقد عثرت عليه".

كانت القبطية تتردد في ذهن شامبليون وهو يعكف على دراسة الكتابة الهيروغليفية ويقارن بين حروف اسم "كليوباترا"، وحروف اسم "بطليموس"، ولاحظ اشتراك الاسمين في خمسة أصوات، وأن حرف "اللام" في الاسمين عبارة عن رسم أسد، والأسد في القبطية "لابو"، كما لاحظ غياب صورة النسر في اسم بطليموس على حين يتكرر النسر مرتين في اسم "كليوباترا" مكان حرف الألف، والنسر بالقبطية "أخوم"، أما صورة الفم، وهو بالقبطية "رو"، فتقوم مقام حرف الراء في كلمة كليوباترا، أي أن صوت الحرف الهيروغليفي المصور هو عبارة عن صوت الحرف الأول من الكلمة القبطية التي يرسم مدلولها.

 يقول شامبليون في نص "رسالة إلى مسيو داسييه" الشهيرة، التي نشرها فيرمان وديدو، صاحب مطبعة "الملك والإنستيتو"، في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 1822: "من أجل التعبير عن الأصوات والنطق، ولكي يشكلوا بذلك كتابة صوتية، أخذ المصريون هيروغليفيات تمثل أشياء مادية وتعبر عن أفكار تبدأ أسماؤها أو الكلمات الدالة عليها في لغة الكلام بالحرف المتحرك أو الساكن الذي يراد تصويره".

كان عمر شامبليون 31 عاما عندما ذهب فى 14 سبتمبر/أيلول عام 1822 إلى أكاديمية النقوش والآداب، محل عمل شقيقه جاك-جوزيف، معلنا: "المسألة الآن فى حوزتى وضعت يدي على الموضوع"، فقد تمكن للتو من كشف غموض الكتابة الهيروغليفية بعد أن قضى عقدين منكبا على دراسة اللغات القديمة، وعلى رأسها اللغة القبطية.

بداية ونهاية

كتب شامبليون نتائج بحثه فى رسالة شهيرة تُعرف باسم "رسالة إلى مسيو داسييه"، أمين أكاديمية العلوم والفنون، فى 27 سبتمبر/أيلول عام 1822، وبعد عامين كتب دراسة بعنوان "موجز منظومة اللغة الهيروغليفية عند المصريين القدماء"، وضح فيها تلك المنظومة بعبارة قال فيها: "إنها منظومة مركبة، يشمل كل نص بل وكل جملة على كتابة منقوشة تمثل رمزا ونطقا فى آن واحد".

حصل شامبليون على عضوية أكاديمية النقوش و الآداب فى مايو/أيار عام 1830، وعُين في منصب أستاذ فى "الكوليج دى فرانس" سنة 1831، فى تخصص أُنشيء خصيصا له، وهو الآثار المصرية، وجاء في نص الإعلان عن محاضراته الافتتاحية ما يلي:

"تحت عنوان ..علم الآثار.. سيعرض السيد شامبليون الصغير – عضو المجمع العلمي – مباديء المنظومات المختلفة للكتابة الخاصة بمصر القديمة – وهو بصدد تطويره لسلسلة قواعد اللغة المستخدمة في النصوص الهيروغليفية والهيراطيقية، وسوف يوضح التماثل بين اللغة القبطية ولغة المصريين القدماء، أيام الثلاثاء والخميس والسبت، الثامنة صباحا...".

ألقى شامبليون محاضرات معدودة، واضطرته ظروف مرضه وتدهور حالته الصحية إلى التوقف عن إلقاء محاضراته، في الوقت الذي كان يصارع فيه الزمن لنشر كتابين، "قواعد" و"معجم" للغة المصرية، حتى يجعل منهما التجميع البراق والنهائي لاكتشافه العلمي قبل أن يتوقف قلمه إلى الأبد.

رحل شامبليون فى فجر الرابع من مارس/آذار 1832 عن عمر ناهز 42 عاما، ولم يكن قد انتهى بعد من كتابيه، فأتمهما شقيقه جاك-جوزيف ونشرهما بعد ذلك في عام 1841.

في كنيسة "سان روش" أقيمت مراسم الجنازة في السادس من مارس/آذار، نفس الكنيسة التي كان لها أبرز دور في حياته، والتي فيها سمع لأول مرة اللغة القبطية من خلال صلواتها، وفيها تعلمها على يد الكاهن يوحنا شفتشي، ودُفن شامبليون فى مقابر "بيير لاشيز" في باريس، وأقيمت بجوار قبره مسلة من الصلصال الرملى.

لعبت القبطية دورا بارزا في تاريخ مصر القديم وفي حياة شامبليون القصيرة، استطاع من خلالها أن يسجل اسمه ضمن قائمة أهم علماء القرن التاسع عشر بإنجاز علمي ضخم، كاشفا بها أسرار كتابة مصر "المقدسة"، ليبقى اسمه حيا بها كما قال: "إن كياني كله لمصر، وهي لي كل شيء".

 

 بقلم/د.يسري عبد الغني