المثقف - قضايا وأراء

نمش ماي (فليحة حسن) خامة قصصية ومقص روائي

abdulelah_alsauqلا أحد يكترث للتجنيس الأدبي حين يكون النص جذابا  والمتلقي مطواعا ! هي محنة الابداع حين يكون كبيرا فلا تستوعبه خاصية ما ولا يحتكره جنس ما ! فثمة مبدع واحد كتب القصة

والرواية ورسم اللوحة والف الموسيقا في علو شاهق دون ان يهبط في هذه او يسف في تلك! جبران خليل جبران شاعر قاص تشكيلي مظفر النواب شاعر فصحى وشاعر لهجة ومغني يوسف الصائغ شاعر كبير وروائي كبير وتشكيلي مهم ! لن استطرد في الامثلة فمن حقك كمبدع كتابة النوتة الموسيقية وتشكيل اللوحة وكتابة الروايةىونظم الشعر!! لن يعرض عليك غفير النقد فمازلت محترما الحدود بين الاجناس فأنت في منجاة من المساءلة ! لكن المحظور يبدأ حين تكتب قصة طويلة وانت لاتدري انك دخلت حدود الرواية او انك تكتب رواية قصيرة ولكنك لم تحقق غير اشتراطات القصة ! او انك تكتب قصة بعبارات شعرية! ان علم التجنيس لايمتلك اخلاق رجال الحدود حين يعبر غريب الحدود دون مؤهلات لكنهم لايرحبون بمثل هكذا مغامرة تستعمل المكس مع الاجناس ! ولقد تكون هذه المقدمة مفيدة وانا اتحدث عن اشكالية نمش ماي للمبدعة فليحة حسن !!

http://www.alnoor.se/article.asp?id=7808

نمش ماي نص روائي ! قصصي ! شعري و تشكيلي معا !! ان اشكالية التجنيس هنا تجعلنا مخيرين بين اثنين : تيجنيس المؤلفة على انه رواية وبين التجنيس التقليدي على انه قصة طويلة ؟! مع ان النص حقيق بتجنيسه رواية قصيرة رغم تداخل الاجناس فيه وربما تماهيها لمسوغات وجيهة بينها مثلا المساحات المكانية والزمانية الشاسعة التي يتوفر عليها العمل وفيها النمو التلقائي العضوي للاحداث والابطال والازمنة والامكنة ومنها التقنية الرواية التي صبرت على كتم اسرار السرد حتى ميقات لحظة التنوير ! بما يجعل نمش ماي اسهامة ابداعية في التمهيد لفن الرواية القصيرة جدا ! وهو ما حاوله مبدعون روائيون عرب متفاوتو الحظوظ ! الرواية القصيرة جدا مواسم قادمة مصطحبة معها مبدعيها ونقادها ووسائلها لنجومية الجنس الجديد ! والنص الذي بين يدي كرواية يكتسح المتلقي كما الطقس العاصف! وما يحسب لهذا النمش تلك المماهاة بين فنون جميلة كثيرة لا تتماهى بيسر ! وشاهد ذلك ان نص الرواية لم ينجرف بالتقاليد الروائية مع تدفق البوح الشعري و الوهج التشكيلي و الإيقاع السمفوني! فقد اخذ بتلابيب مفاصل العمل الروائي أخذ حاذقة مقتدرة ! ليكون جسم البطل في الرواية موزعاً في جسوم كثيرة ! على غير اعتياد البطل الروائي الذي تتمحور حوله جل مفاصل العمل الروائي ! لقد تركت نمش ماي ضبابا شفيفا على الاحداث والشخوص والامكنة بحيث يظل المتلقي في غيابته مؤملا معلومة تبل سايكولجية الفضول لديه ! ثمة حوار حاضر وشخوص يتحركون وامكنة تتراءى واحداث تتوالى الى جوار بلاغة التغييب ! فلم يفصح النص النمشمائي عن محمولاته لكسب انحياز المتلقي الملول العجلان ! ولم يجترح المفارقات التي تشد اللحمة الى بعضها لتكريس التقليد الصارم للحكي حفاظا على ماتعاقد عليه المنتج والمستهلك معا في دفاتر النقد !بل بدأت الرواية بمغامرة لغوية لم يكن الجسد محورها الرئيس مع ان المغامرة لا تعدو كونها قراءة مغايرة لأقانيم الجسد ! قراءة مضاءة بتراسل الحواس عبوراً الى المعاني الثواني او معاني المعاني فثمة في الرواية شفرات تحذق ارسالها واستقبالها الحواس اليقظة ابداً! فالشميم مثلا يستحضر اللميس وهذان يتداعيان بينهما لاجتذاب الحواس الأخرى في عملية فوضى الحواس المعقدة او ماتسميه جوليانا كرستيفا تراسل الحواس ! بما يؤسس لرواية نمش ماي شعريتها الخاصة جدا ! حيث تقوم الشعرية الروائية هنا تحديدا على استدراج فضول المتلقي بمفاتن المتخيل! في معرفة دقيقة للنزوع الغريزي لدى المتلقي ! ومن قبل استطاعت احلام مستغانمي مع اختلاف كهولة جيلها عن فتاءة جيل فليحة ! فكلتاهما طرحت الهموم الوطنية والعذابات البشرية من خلال اغواء المتلقي بغوايات لغة الحواس واختطاف رغباته بمكر وتدبير مدهشين لتغيير وجهتها الى حيث الهم الابداعي الاول!

 

قارن : امتدتْ كفاه الى جسدي الغافي بانتظار لمسة لأحدهم، فأوعزتُ امتداده الى قدر أريد لي فكان، وقبل أن يلامسه أصابتني قشعريرة اجهل كنهها، فكم حملتني الأكف بعد خروجي من هناك، غير إن مثل تلك القشعريرة ،وذلك الخدر اللذيذ، لم يصادف أن صافح جسدي مطلقاً، فأغلقت مساماتي الوطفاء بأحلام كبرى،وتناومت،

امتدت الكفان فصارتا اقرب الى جسدي مني ،إ . هــ هذا المدخل جدير بعذابات نمش ماي ومباديه الابداعية ! ان هذه الرواية القصيرة جدا لم ترسم سراط الطباشير للمتلقي حتى يسير عليه ! بل تركت البدايات والعرض والعقدة والازمنة والامكنة والشخوص والاحداث تركت كل ذلك مفتوحا لينفتح عليه متخيل السرد الروائي الذي يمثل المتلقي هاجسه الكبير باعتداد التناص بين الوظائف فالروائية فليحة متلقية على نحو ما! ومتلقيها مؤلف على نحو آخر ! وهي تجربة جديرة بالتأشير والتنبه اليها ! كانت نمش ماي رحلة قصيرة جدا من قارة الحياة الى قارة الموت! ثنائية الرحلة على قصرها النسبي استدعت ثنائيات اخرى كالعشق والكراهية ! العطش والتخمة الواقع والتوقع بما يدخل كل ثنائيات النمش تحت جدولة الجمال المطلق والنسبي معا (الجارة مثلا) والقبح المطلق والنسبي ايضا (المختار مثلا) !قارن:

كنت عائداً كعادتي الى البيت ليلاً وإذا بي اسمع صوت جارتنا أحلام وهي تصرخ لاتفعل ذلك أرجوك اتركني أنا مثل ابنتك ! إ. هـ اذن القبح يفتك بالجمال وهذا المنظور يحيلنا على الوطن بكل اتساعه فلا حدود للجمال الذي يبتديء بالله وينتهي في اضأل مخلوقاته ! ولا حدود للقبح الذي يبتديء بالمختار لينتهي الى اساطين رموزنا حتى ! قارن :

أنا رفضت أن أكون قرباناً له ، ما معنى أن تموت في ارض لاتعي حتى حدودها ،ما معنى أن تقتل من اجل أن يوسع الآخر حجم كرسيه !) وقارن (الشعوب طعام الجبابرة ! * مازرعناه نحصده) ! إ. هــ وقد يتعين على القاريء ملاحظة كنايات روائية جديدة واستعارات تشكيلية حاذقة ! قارن : غرفتان تجمعان نفسيهما / صورة الراحلات موشومة في الجهة اليسرى دوماً / أوقفت تلك الرائحة رغبتي في الاستمرار / لامست خشونة يدها صحراء روحي فشققتها أخاديد / وبدأت اتقيأني ،،بينما طفت أشلاء بشرية على خد النهر النائم كالنمش / كان عرقهم المتحجر فوق القماش قاسيا / قط جائع كان قد شم رائحة الكلمة /

 

وصور نمش ماي الفنية صور معنية بالتفاصيل الدقيقة تارة لتختزل التفاصيل اخرى فهي صور محسوبة بدقة غرائبية ! النص يعرف ادق التفاصيل عن زمكانية فعل الشخوص واسرارهم ! عن حياة الجنود المقاتلين وخلوات المراهقين وحوارات السجانين وعادات سائقي السيارات العامة ! وعذابات العراقي قبل سقوط العهد السابق وما بعده بوهج مذهل وتفاصيل كثيرة لا تترك التفخيخ الذي حم على البريء والمسيء معا ولا الرتل الامريكي المتغطرس ! النص يمتلك قدرات تشكيلية فذة ففي مشهد تغسيل الميتة كنت مثلا ارتجف هلعا دون مبالغة قارن معي : خلعتْ المرأة ملابس الميتة قطعة، قطعة وأزاحتها عنها الى نهاية الدكة ثم جاءت بقليل من الماء وصابون الرقي وبدأت تغسل شعر المرأة الذي صارت شموع شيبه تتألق مع انسكاب الماء عليه، ثم مزجت قليلاً من الكافور الذي عبقت رائحته المكان بالماء وسكبته على الجثة كلها وهي تتمتم بما هو مناسب من آيات،ثم لفت شعر الميتة الى الوراء وشدته بخيط من القماش الأبيض , بعدها أدخلتْ رأس المرأة في كيس من القماش الأبيض وأحكمتْ شدهُ على شكل عقدة من الأعلى ثم ألبستها قميصا ابيض ُنزعت أكمامه امتد ليغطي السرة بعد أن سمحت لأصابعها أن تتشابك وتضغط بطن الميتة توكيداً لخلوها من أي شيء ولفت البطن بخيط من نفس القماش ثم ألبستها القطعة الثالثة التي امتدت من البطن الى القدمين وعقدتها من القدم بخيط لما يزل محتفظا ببياضه الى الآن، ثم قمطتْ الجسد بكفنه، وبكثير من الأدعية ! إ . هــ

 

نمش ماي اذن مغامرة إبداعية جريئة في المتن الروائي واشتراطاته واللغة ومحمولاتها ! والشفرة وابجدياتها بما يطمئنني انني قبالة ميلاد عصر الرواية القصيرة جدا وان لفليحة شأنا في تنضيج هذا الفن .

 

مشيغن المحروسة

الثالث والعشرون جنوري 2010

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1297 الاثنين 25/01/2010)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1238 المصادف: 2010-01-25 04:30:50


Share on Myspace