المثقف - قضايا وأراء

شخصيات ومصائر – ثلاثة نماذج أموية

mutham_aljanabiالضحاك بن قيس الفهري

احد النماذج التقليدية للنزعة الأموية، التي جمعت في ذاتها كل رذائل المرحلة. بمعنى تجسيدها لما في الأموية من نزوع تام للخروج على منطق الحق والقيم الأخلاقية.

وهي سبيكة لازمت الانحراف التاريخي الهائل عن المفاهيم والمبادئ الكبرى للإسلام الأول. بمعنى ترميمها للتقاليد الجاهلية بعد أن جرى دمجها بالسلطة الإمبراطورية. فقد استغلت الأموية نتاج كل الانتصار الكوني للإسلام، عبر تحويله صوب قوى النفس الغضبية (الجاهلية). وليس مصادفة أن تلازمها هذه الكمية المفزعة من الهمجية والسقوط المعنوي لشخصياتها السياسية والإدارية والعسكرية. وليس مصادفة أن تتميز كل الشخصيات المحترفة في آلة معاوية والأموية بالقسوة والغدر والدهاء المتحرر من كل التزام أخلاقي تجاه المجتمع والدولة والمستقبل. من هنا انحرافهم الدائم وثباتهم على الرذيلة بشكل عام والعبودية للسلطة بشكل خاص. من هنا تحول هذا "الصحابي" إلى أفاك وجلاد بقدر واحد. إذ نراه مرة يخطب على منبر الكوفة، بعد أن بلغه أن أهلها يسبون عثمان، قائلا:"بلغني أن رجالا منكم ضلالا يشتمون أئمة الهدى! ويعيبون أسلافنا الصالحين. أما والذي ليس له ند ولا شريك، لئن لم تنتهوا ما يبلغني عنكم لأضعن فيكم سيف زياد، ثم لا تجدونني ضعيف السورة ولا كليل الشفرة". ثم استكمل قوله بعبارة فيها:"أما أني لصاحبكم الذي أغرت على بلادكم. فكنت أول من غزاها في الإسلام. أعاقب من شئت، وأعفو عمن شئت! لقد ذعرت المخدرات في خدورهن. وإن كانت المرأة ليبكي ابنها فلا ترهبه ولا تسكته إلا بذكر اسمي. وهو قول يشير فيه إلى ما اقترفه من جرائم عندما نفذ طلب وأمر معاوية إياه بحذافيره. إذ قام بقتل الأبرياء وسرقة أهل الحج والنهب وقتل ابن أخ الصحابي عبد الله بن مسعود وأعمال مشينة كثيرة. وقد دعا تفاخر الضحاك بجرائمه إلى أن قال أحدهم (عبد الرحمن بن عبيد):"أيفخر علينا بما صنع ببلادنا أول ما قدم! وأيم الله لأذكرنه أبغض مواطنه إليه". ويقال أن الضحاك شعر بالخزي واستحى! وهي عبارة تجميل وتلطيف من جانب ابن أبي الحديد، لكنها تكشف بالقدر ذاته رذيلة الشخصية الأموية في احد أتعس رجالها. بحيث نراه يعتز ويرفع إلى مصاف التفاخر إرهاب الأطفال وأمهاتهم باسمه! وهي الحالة التي جعلت من المكن بالنسبة لمعاوية أن "يستشهد" بما يريد على السنة هذا النوع من "الرجال". إذ نسب معاوية للضحاك حديثا "نبويا" يقول (لا يزال وال من قريش). مع أن الضحاك الفهري كان غلاما عندما مات النبي! من هنا استعمال معاوية لهذا النوع من الرجال بالطريقة التي كان يشاء ويريد. فالكوكبة الأموية كانت في اغلبها رجال فارغة تلضمها خيوط العبودية للسلطة. من هنا تعينه معاوية إياه في بداية الأمر واليا على الكوفة بعد أن أدى خدماته الكبيرة الأولى للسلطة. ثم عزله لاحقا ثم ولاه دمشق وحضرموت. وهو تدرج يعكس مواقف السلطة من أولئك الذين شاركوها بداية الجريمة ومعرفة مكوناتها وطرقها ووسائلها. من هنا نراه يحصره أول الأمر في منطقة الصراع الأول ضد المعارضة بسبب قسوته (وهي صفة ميزت كل أولئك الذين تولوا العراق زمن الأموية، أي أنها تعكس رؤية السلطة في مواجهة بؤرة التحدي العربي الإسلام للأموية). ثم قربه إلى دمشق لإحكام السيطرة والإغواء، ثم نفاه إلى حضرموت! ومن الممكن العثور على صدى هذه العلاقة الدفينة في خطبته التي ألقاها بعد موت معاوية. ففيها يقول:"إن أمير المؤمنين معاوية كان حد العرب وعود العرب. قطع الله به الفتنة وملكه على العباد! وسير جنوده في البر والبحر. وكان عبدا من عبيد الله دعاه فأجابه. وقد قضى نحبه وهذه أكفانه. فنحن مدرجوه ومدخلوه قبره ومخلوه. وعمله فيما بينه وبين ربه. إن شاء رحمه وان شاء عذبه!". وهي العبارة التي يكن بإمكانه قولها في حياته. كما يمكننا رؤية هذه العلاقة الدفينة في مكاتبته السرية مع عبد الله بن الزبير وشتمه ليزيد، مع انه كان من المتحمسين لتخليفه! لهذا نرى عبد الله بن الزبير يعينه واليا على دمشق بعد موت معاوية. وعندما اشتد الصراع الداخلي وتعرضت السلطة الأموية لخطر الانهيار التام وصعود التيارات المتحاربة، نراه يعلن الدعوة لنفسه بالخلافة! وهي دعوة لم تكن معزولة عن مكر عبيد الله بن زياد، الذي كان يخطط للإبقاء على السلطة الأموية في يد العائلة المروانية. وبعد أن شعر بالفشل والهزيمة بهذا الصدد، نراه يعود ليعلن الولاء لعبد الله بن الزبير. وهو سلوك أدى كما قال القدماء إلى إفساد الناس عليه! وهو إفساد يعكس فساد الطغمة الأموية وعبيدها.

***

 

زياد بن أبيه

(ولد في عام اول للهجرة وتوفي عام 53 للهجرة). هو احد أكمل الشخصيات تمثلا وتمثيلا للأموية. وهي شخصية توسطت بكافة المعاني ما بين المغيرة بن شعبة والحجاج الثقفي. ومن ثم كان الحلقة الرابطة بينهما بوصفه الممثل "الشرعي" للأموية. وهي مفارقة تحتمل التعويض الشخصي للخلل أو العقدة الشخصية التي صنعت كينونته الفردية والسياسية. فقد كانت أمه بغيا(وليس مصادفة أن يدعوه أهل العراق بابن سمية مقابل عبارة زيادة بن أبيه). وبالتالي لم يكن اعتراف معاوية بن أبي سفيان به أخا سوى الوسيلة الضرورية لسحبه إلى جانب الوقوف ضد التيار العلوي. وهي حالة واقعية تعكس من حيث رمزيتها العقدة الأموية – السفيانية. بمعنى استقطاب كل الشخصيات القلقة والعصابية المزمنة وذوي الدهاء والمكر من اجل دمجها في آلة القمع والإرهاب. فقد كان زياد بن أبيه أيضا من دهاة العرب المسلمين. من هنا احتلاله موقع النموذج المتقدم للأموية. وإذا كانت إحدى فضائل أبو سفيان تقوم في اعترافه بزياد ابنا "شرعيا"، فإن هذا الاعتراف سرعان ما تحول بفعل ما في الأموية نفسها من رذيلة متجوهرة، إلى أداة لتأسيس نفسية وذهنية الخراب التاريخية الذي تعرضت له الدولة والأمة. وقد نفذ زياد بن أبيه كل المهمات التي أناطها معاوية إليه. وهو تنفيذ لم يكن معزولا عن مقدرات زياد بن أبي سفيان. فقد كان الرجل يتمتع بقدرة كبيرة على إدارة الحرب. كما كان يتمتع بالاستعداد المتشدد في حسم المواقف واستعمال كل الوسائل من اجل بلوغ الغاية. فقد تولى فارس وكرمان والبصرة زمن علي. غير أن اسمه وشخصيته، صعوده وهبوطه ارتبط بمعاوية. ولم ينقذه دهاءه من نهايته المخزية. فقد ولي العراق عام 48 وتوفي عام 53 للهجرة. وسواء كان ذلك بسبب إصابته بالطاعون أو قتل مسموما من جانب معاوية، فإنها تعكس ما دعته تقاليد العوام بشكوى الروح المعذبة أو النفس الماكرة للسلطة. وكلاهما يصبان في سيلان الذاكرة المتشددة في معارضتها لرذيلة زياد بن أبيه التاريخية. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن موته كان بأثر مواقفه المعارضة من فكرة توريث السلطة ليزيد بن معاوية. وسواء كانت مواقفه مبنية على أساس رغبته الشخصية بها (بعد إن جرى الاعتراف به أخا لمعاوية) أو لأنه وجد في يزيد شخصية خربة بحاجة إلى ترميم قبل تقديمها، فإننا نقف في كلتا الحالتين على حالة ابن زياد الفعلية بوصفه عبدا من عبيد السلطة وخدمها. وهي شخصية كان معاوية يدرك حيثياتها بصورة تامة. لهذا نراه يدعوه قبل التحضير لإعلان فكرته عن توريث السلطة ليزيد مع تعمد أهانته الشكلية أيضا. إذ تنقل كتب التاريخ كيف انه ولم يستقبله أو يخصص له مكانا للجلوس. بل ووجه مضمون خطبته ضده عندما قال فيها:"هذه الخلافة أمر من أمور الله! وقضاء من قضاء الله. وإنها لا تكون لمنافق، ولا لمن صلى خلف إمام منافق(يقصد الإمام علي! ويشير إلى زياد). وهي فكرة تنزع من زياد بن أبيه كل عنجهية السلطة وأبهة الغرور التي كان يمارسها ضد الناس. والقضية هنا ليس في قبوله بفكرة أن الخلافة أمر من أمور الله وأنها جزء من القضاء والقدر، بمعنى إزالتها من إرادة البشر وحشرها بنوايا معاوية فقط! بل وبقبول أن يكون منافقا ذليلا أمام "علية" القوم! وهو الوجه الحقيقي لعبودية النفس المميزة لكل أزلام الأموية، التي يمكن العثور عليها فيما يسمى بخطبة البتراء. وهي خطبة تكشف بقدر واحد شخصية زياد بن أبيه وطبيعة الأموية، بوصفها خروجا تاما على فكرة الحق والقانون والشرعية، والاستعاضة عنها بالقوة والإرهاب والإرادة السلطوية المتحررة من كل القيم النبيلة، والقبول بالخنوع والاستسلام بوصفه سلاما وإسلاما ضروريا للروح والجسد، والدين والدنيا! وهي خطبة لا مكان فيها لغير الغريزة وامتهان الروح والعقل. كما تعكس بصورة نموذجية نفسية وذهنية زياد بن أبيه والفكرة الأموية في الموقف من الدولة والأمة والإنسان والأخلاق والسلوك والمصلحة والدين والدينا. ففيها نقرأ ما يلي:"فان الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء، والغي الموفى بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماءكم من الأمور العظام، ينبت (يشب) فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير.. كأنكم لم تقرؤوا كتاب الله ولم تسمعوا ما اعد  الله من الثواب الكبير لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول. أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية ولا تذكرون إنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه، من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله. هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل. ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار. قربتم القرابة وباعدتم الدين. تعتذرون بغير العذر، وتغضون على المختلس. كل امرئ منكم يذب عن سفيه صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا. ما انتم بالحلماء. وقد اتبعتم السفهاء. فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونه حتى انتهكوا حرم الإسلام. ثم اطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب. حرام علي الطعام الشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا... إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله. لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف. واني لأقسم بالله لأخذن الولي بالمولى، والقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منك في نفسه بالسقيم، حتى يلقي الرجل منكم أخاه فيقول:"انج سعد، فقد هلك سعيد، أو تستقيم قناتكم. إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة. فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي. فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها في. واعلموا أن عندي أمثالها. من نقب منكم عليه فانا ضامن له ما ذهب منه. فإياي ودلج الليل. فاني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه. وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم. وإياي ودعوى الجاهلية فأنني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا لم تكن. ولقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة. فمن غرّق قوما غرقناه، ومن احرق قوما أحرقناه، ومن نقب بيتا نقبا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفناه حيا فيه. فكفوا عني أيديكم وألسنتكم اكفف عنكم يدي ولساني. ولا تظهر من احد منكم ريبة بخلاف ما عليه عمامتكم إلا ضربت عنقه. وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر إذني وتحت قدمي. فمن كان منكم محسننا فليزدد إحسانا، ومن كن منكم مسيئا فلينزع عن إساءته. إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم اكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته. فإذا فعل ذلك لم أناظره. فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم. فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا سيبتئس. أيها الناس! إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذاذة. نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا. ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا. فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا. فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا. واعلموا إنهما مهما قصرت عنه فلن اقصر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبانه، ولا مجمرا لكم بعثا. فادعوا الله بالصلاح لائمتكم. فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، كهفكم الذي إليه تأوون. ومتى يصلحوا تصلحوا. ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتد لذلك غيظكم ويطول له حزنكم. ولا تدركوا له حاجتكم مع انه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم. اسأل الله أن يعين كلا على كل. وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فانفذوه على إذلاله. وأيم الله أن لي فيكم لصرعى كثيرة. فليحذر كل منكم أن يكون من صرعاي".

وهي خطبة كلاسيكية لتأسيس فلسفة القهر والاستبداد، مهمتها تنفيذ ما دعاه معاوية بن أبي سفيان مرة بضرورة فطم أهل العراق في مواجهة السلطة وتحديها من جهة، وفطمهم من حب علي وآل بيته. وليس مصادفة أن زياد بن أبيه كان يجمع أهل العراق في المسجد ويعرض عليهم البراءة من علي بن أبي طالب! وهي السياسة التي تعكس مزاج الأشباح. من هنا تبخرها مع مرور الزمن. بحيث لم يبق بالعراق مكان لزياد بن أبيه غير ابن سمية بوصفه الاتهام والشماتة الأبدية لفقدان الشرعية والأخلاق.

 

عمرو بن العاص

 توفي عام 43 للهجرة ودفن في مصر بعد أن بلغ من العمر ثلاث وتسعين سنة! وهو عمر مديد بمعايير الرذيلة قصير بمعايير الروح الأخلاقي. وما بينما تمادت وتصنعت شخصية عمرو بن العاص المتناقضة. وفي تناقضها أنتجت إحدى اعنف المفارقات الحادة التي تجعل من الضروري إعادة النظر بكلمة "الصحابة" و"الصحابي" من اجل وضعها ضمن سياقها التاريخي بوصفه لقب لأفراد مرحلة تاريخية لا غير. بمعنى تحريرها من الأبعاد الأخلاقية والروحية. فكما أن المكان "المقدس" لا يقدس من يعيش فيه، كذلك لا تجعل صحبة النبي محمد بالمكان والزمان المرء جليلا. وفي كلتا الحالتين لا يقدس المرء ولا يجعله جليلا شيئا غير عمله. أما أعمال عمرو بن العاص الكبرى فانه تجسيد تام للرذيلة. وهي حالة لم تكن معزولة عما تراكم في وعيه النفسي من رذائل الجاهلية المكثفة في مصيره الفردي. فقد بيعت أمه في سوق عكاظ. وجرى تداولها في سوق النخاسة ثلاث مرات إلى أن وصلت إلى العاص بن وائل. كما أنها تزوجت مرات عديدة بعد ذلك. وهي حالة لا يمكن تحميل أمه (المرأة) مقدماتها وأسبابها، لكنها تغلغلت في شخصية عمرو بن العاص، بوصفه السبيكة التعسة لخراب الروح والجسد الجاهلي. أما الطلاء الإسلامي فانه لم يستطع إخفاء صدئه الداخلي وعفونته النتنة! وليس مصادفة أن تبرز كتب التاريخ والسير والأدب والسياسة أولوية الدهاء والمكر فيه. من هنا أوصاف "من دهاة العرب في الجاهلية"، و"كان رجل حرب ماكر وداهية" وما شابه ذلك. بحيث لا نعثر على أي وصف إسلامي تقليدي يبرز أهمية الأبعاد الروحية والأخلاقية فيه. ذلك يعني ملازمة صفات المكر والدهاء إياه حتى موته. بمعنى انحلال أو انعدام الأخلاق النبيلة في سلوكه الشخصي. مع مخا ترتب عليه من سيادة السلوك المحكوم بالمنفعة الخالية من قيم الروح والعقيدة. وهي صفات تجعل منه احد أرذل الشخصيات السياسية في تاريخ الإسلام الأول. وهو الوجه الآخر لمعاوية. وكلاهما من صنف واحد هو الدهاء التام وانعدام الأخلاق التام.

فمن المعروف عنه قبل إسلامه هو انه كان مهموما بقتل النبي محمد والمسلمين الأوائل. لهذا جرى انتخابه ممثلا لقريش من اجل طرد أو قتل المهاجرين المسلمين الأوائل إلى الحبشة! وهو سلوك يعكس نفسيته أيضا، بمعنى استعدادها لتحمل المشقة من اجل القتل والثار! أما تحوله لاحقا إلى "صحابي جليل"، فينبغي النظر إليه على انه النتاج الطبيعي للخديعة التاريخية للأموية في ابتداعها فكرة أو اسم "أهل السنّة والجماعة" التي كانت تعني وتترادف مع فكرة الخضوع للسلطة. من هنا اندراج عمرو بن العاص فيها. أما من الناحية الفعلية فقد اسلم عمرو بن العاص بعد فشل قريش في غزوة الأحزاب. كما اسلم آل أمية ومروان بعد فتح مكة. ويقال انه اسلم تحت تأثر قول ملك الحبشة الذي أشار إليه بأن محمدا نبي بالفعل!! بينما تقول رواية أخرى بأن الملك طرده بسبب هداياه التي قدمها إليه وطلب بمقابلها تسليمه المسلمين المهجرين من اجل قتلهم! ومهما يكن من أمر كل هذه السرديات "الجليلة"، فإنها تعكس في الواقع الحالة التي ميزت إسلام من انتمى إليهم في وقت لاحق، واقصد بذلك آل أمية وبني مروان. وفي هذا يكمن استعداده "للعمل" بوصفه أسلوبا للتعبير عما فيه. وهو سلوك محكوم دوما بالمصلحة والفائدة. لهذا نراه يتولى قيادة الجيوش في معاركها لفتح الأردن ومصر. ويدعم عثمان بن عفان قبل أن يعزله عن ولاية مصر. ثم يتحول إلى ألد أعداءه. والسبب هو إمارة مصر. فقد أعفاه عثمان من اجل أصحابه وأقاربه، وبالأخص بعد أن ولى مصر عوضا عنه عبد الله بن سعد العامري (اخو عثمان بالرضاعة! سبق وان ارتد زمن النبي وأهدر دمه لكن عثمان استوهبه، توفي سنة 59 للهجرة واعتزل الصراع آنذاك). وهو خلاف كان على تولي الخراج وإدارة الحرب. وقد سحب عثمان الخراج من عمرو بن العاص وأعطاه إلى عبد الله بن أبي سرح. من هنا انهماك عمرو بن العاص في التأليب على عثمان، بحيث تنسب إليه العبارة القائلة، بأنه كان يؤلب حتى رعاة الغنم وأغنامهم على عثمان! لكنه يصبح في طليعة المدافعين عن عثمان والداعين لأخذ الثأر بدمه بعد تولي علي بن أبي طالب الخلافة. من هناك صيادته لجيوش معاوية في الحر ضد علي، واستعداد للكشف عن عورته لكي ينقذ نفسه، بعد أن تعرض للهزيمة في مبارزة فردية مع الإمام! واليه تعود فكرة رفع القرآن على الرماح وخديعة التحكيم. وهي مكونات تعكس في كلها كلّ الرذيلة التي اسمهم في حرف تاريخ الإسلام والدولة، بحيث يمكن وضعه إلى جانب معاوية في موضع الإفساد المادي والمعنوي الأكبر في تاريخ الإسلام. إذ جسّد في هذا السياق كل حلقات الرذيلة السياسية والأخلاقية. وليس مصادفة أن يكون الوحيد من بين أتباع الأموية (إلى جانب الحجاج الثقفي!) من بقي واليا على مصر حتى موته! وتنسب إليه العبارة التالية قبيل موته:"اللهم أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فما انتهينا"! وهي عبارة ينبغي فهمها بصورتها المباشرة!

***

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1075  الخميس  11/06/2009)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1010 المصادف: 2009-06-11 11:23:26


Share on Myspace