المثقف - قضايا وأراء

المشروع الديمقراطي الاجتماعي وفلسفة البديل العراقي

mutham_aljanabiمهمة تأسيس تيار أو تيارات قومية (وطنية) ديمقراطية اجتماعية

إن مهمة وغاية هذا المقال محددة بالسياق العام لمشروع البدائل القادرة على تذليل مقدمات ونتائج

 

الاحتلال الأجنبي للعراق وظاهرة الطائفية السياسية من اجل إعادة بناء العراق على أسس وطنية (عراقية) وقومية (عربية) سليمة ومستقبلية.

من هنا لا أحبذ استعمال كلمة وعبارة اليسار واليمين لأنها تفتقد إلى معنى دقيق بمعايير العلم السياسي والمنطقي. كما أنها مشوبة بقدر كبير من الانتهاك المادي والمعنوي لفكرة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني وفكرة الحرية والحقوق. وسبب ذلك لا يقوم في العبارة وتقاليدها اللغوية والمعنوية، بقدر ما يقوم في طبيعة ومستوى وحجم التطابق الفعلي بين فكرة اليسار والراديكالية الحزبية في العراق، الذي أدى إلى صنع سبيكة مشوهة من تقاليد المؤامرة والمغامرة المميزة لصعود الحثالة الاجتماعية والهامشية. وليس مصادفة أن يصل اليسار العراقي بعد قرن من الزمن إلى حافة الهاوية المادية والمعنوية إضافة إلى السقوط شبه التام والمريع في أوحال الاحتلال والطائفية والعرقية، أي في ثالوث الانحطاط التام للعراق الحديث!

وليست هذه الظاهرة مصادفة عابرة. أنها تحتوي على مقدماتها الخاصة. فاليسار في العراق ليس هوية اجتماعية وسياسية وفكرية، بقدر ما هو أهواء أيديولوجية حزبية. من هنا ضعفه المادي والمعنوي الهائل، بل وأزمته البنيوية الشاملة والدائمة. ومجمل "العملية" السياسية في ظل الاحتلال وما زالت تكشف عن موت "اليسار التقليدي" (مع انه لا يسار غيره). مما يفترض التخلص من تقاليد واسم ومعنى لا قيمة لها بالنسبة للمستقبل، بوصفها المهمة الضرورية من اجل التحرر من ثقل الأوهام الأيديولوجية والأسقام السياسية التي سحبت العراق في نهاية المطاف إلى هاوية السقوط التام.

فاليسار العراقي ليس مختلف تيارات الاشتراكية والشيوعية بشكل خاص، بل والتيارات القومية أيضا. وليس مصادفة أن تكون الشيوعية والبعثية في العراق وجهان لظاهرة واحدة وهي الراديكالية السياسية الحزبية. كما أن إحدى صفاته الجوهرية تقوم في ضعف بل وجفاف اجتهاده النظري فيما يتعلق برؤيته الوطنية والقومية تجاه الإشكاليات الفعلية الكبرى، التي ميزت تاريخه الخاص على امتداد القرن العشرين. وليس مصادفة ألا يطرح "اليسار العراقي" لحد الآن السؤال النظري الضروري حول ماهيته الذاتية وما هي الهموم الثقافية التاريخية الكبرى التي "تعذبه"؟ وما هي المهمات التاريخية الفعلية التي يسعى لتنفيذها؟ ومن دون الخوض في كل حيثيات ما كتب، رغم شحته وسطحيته، فانه لم يتعد في الأغلب ترديد الأوهام الأيديولوجية "للإبداع الأوربي" بمختلف مدارسه وأشكاله. من هنا انتشار التقليد الفج والركاكة الفكرية والانغلاق المذهبي، الذي جعل من "اليسار" حركة أو حركات تمثيل الهامشية العرقية والاجتماعية والثقافية والسياسية.

كل ذلك يضع مهمة الخروج على "منطق الأيديولوجية" أيا كان شكلها إلى واقع التاريخ الفعلي للأمة والمستقبل. ومن خلاله تأسيس مختلف نظريات الاحتمال المتنوعة والبدائل العقلانية. ويفترض هذا الانتقال تحقيق التمثل العملي الدائم لمبادئ:

1.   الدولة الشرعية وسيادة القانون،

2.   سيادة المصلحة العامة

3.   المؤسسات الديمقراطية الاجتماعية،

4.   الاستقرار الديناميكي.

ولا ينبغي حصر هذا التمثل بتيار دون أخر، بمعنى الخروج من مهمة حصره بتيار "يساري" مجهول الهوية. لاسيما وأنها مهمة يمكن أن تتقاسمها مختلف الاتجاهات الفكرية والعقائدية من ليبرالية واشتراكية ديمقراطية وقومية وإسلامية محدثة وغيرها. لكن ذلك يفترض أولا وقبل كل شيء العمل من اجل:

 

1.   تكامل وعي الذات السياسي

2.   وتكامل الرؤية الفكرية تجاه المعضلات والمشاكل الوطنية والاجتماعية الكبرى، وأساليب حلها. أي صياغة منظومة من المبادئ الكبرى للتغيير المفترض وطبيعة النظام البديل وغاياته النهائية.

وشأن كل تغيير عملي أولي يفترض النقد الذاتي العقلاني لتقاليده البالية. ولعل أولى المهمات العملية بهذا الصدد تقوم في:

1.   ضرورة تجاوز التقاليد السياسية - الفكرية والأيديولوجية الراديكالية العراقية.

2.   صياغة منظومة فكرية ثقافية سياسية جديدة في التعامل مع النفس والآخرين تنطلق من إدراك الإشكاليات الفعلية الوطنية والقومية والعالمية، وتتمثل مبادئ المجتمع المدني والشرعية التامة والشاملة في مؤسسات الدولة والمجتمع.

3.   حل البنية التقليدية لنماذج الأحزاب الراديكالية عبر إزالة فكرة المركزية والمرجعية الأيديولوجية. ومن ثم إدخال آلية المجتمع المدني إلى الأحزاب وتفعيلها الاجتماعي والسياسي وليس بالعكس، كما هو سائد، بمعنى تحزيب الحياة الاجتماعية والسياسية وبالتالي محاربة العناصر الأولية الناشئة للمجتمع المدني.

4.   تغيير لغة الخطاب السياسي الذي ما زال يتصف بالتخلف المريع في الشكل والمعنى والأسلوب.

5.   ضرورة تغير ذهنية الشعارات وسياسة الهتافات والعمل على صياغة شعارات اجتماعية سياسية وثقافية عقلانية تعمل بصورة غير مباشرة على بناء الحرية والنظام في الفرد والمجتمع والمنظمات المهنية.

***

إن المشروع الواقعي والمستقبلي للعراق يرتبط بكيفية رجوع العراق إلى نفسه عبر إعادة بناء هويته الذاتية الوطنية والقومية. الأمر الذي يجعل من الضروري تحليل مقدمات ثالوث الانحطاط الحالي (الاحتلال والطائفية السياسية وعرقية الأقليات) من اجل بلورة رؤية واقعية وعقلانية تجاه مشروع المستقبل. 

 

مقدمات الاحتلال ونهايته

كان صعود المشروع الأمريكي وهبوطه في العراق دليلا على صعود وسقوط التوتاليتارية والراديكالية، ومؤشرا على خلل القوى السياسية جميعا. وإذا كان التاريخ لا يعرف قانونا صارما، فانه يبرهن مع ذلك بصورة دائمة على أن الخروج على الحكمة السياسية يؤدي بالضرورة إلى الجحيم. وليس هناك من جحيم بالمعنى التاريخي والسياسي والأخلاقي أقسى من جحيم الانحطاط والتفكك الوطني مع ما يترتب عليه من حتمية مختلف أشكال الصراع والحروب غير العقلانية.

إن مشاريع البدائل الكبرى تفترض المعاناة الذاتية من اجلها. وذلك لأنها مشاريع وطنية أولا وقبل كل شيء من حيث القوى والرؤية والأساليب والإمكانيات والغاية. ففشل المشروع الأمريكي للديمقراطية هو الخاتمة الطبيعية لكل مشروع خارجي. إن حقيقة البدائل المستقبلية الكبرى ينبغي استمدادها من المستقبل. وهو أفق لا علاقة للقوى الأجنبية به إلا بالقدر الذي يستجيب لمصالحها الآنية والبعيدة المدى. بمعنى أن الحوافز الدفينة محكومة بتاريخ خاص. والمشروع الأمريكي محكوم بالتاريخ الأمريكي ومصالحه ومرجعياته. والشيء نفسه عن المشروع العراقي. وفشل المشروع الأمريكي في العراق هو النتاج الطبيعي لهذا الاختلاف والتباين. كما انه يبرهن على جملة حقائق كبرى، وهي:

1.   إن نجاح أي مشروع كبير هو أولا وقبل كل شيء نتاج لتراكم الرؤية الواقعية عن طبيعة وحجم الإشكاليات التي تواجهها الأمة والدولة.

2.   إن نجاح أي مشروع كبير مرهون باستشراف المستقبل الذاتي للأمة.

3.   إن نجاح أي مشروع يفترض المعاناة من اجله.

4.   إن أجمل وأفضل المشاريع الأجنبية تبقى غريبة من حيث المقدمات والنتائج.

5.   إن المشاريع الأجنبية لا يمكنها التوفيق بين رؤيتها الخاصة ورؤية الآخرين، وبالأخص في ظل اختلاف جوهري في التاريخ الثقافي والسياسي والتطور العام.

6.   إن المشاريع الأجنبية هي إما أملاءات وهو الأتعس، وإما سياسة المصالح الضيقة وهي الأكثر تخريبا.

7.   إن المشاريع الأجنبية هي مؤشر على خراب ذاتي، ودليل على اختلال في توازن القوى. وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها.

إن تجربة العراق المعاصرة تكشف وتبرهن بقدر واحد على هذه الحقائق. وبالتالي، فان البديل العقلاني العراقي الممكن يصبح مشروعا واقعيا وقابلا للتحقيق حالما يجعل من هذه الحقائق بديهيات سياسية عملية لكي يتكامل الجميع بمعايير الرؤية الوطنية وتحقيق مصالحهم من خلال مصالح العراق العامة. 

 

الطائفية السياسية – الأفق المسدود

الطائفية السياسية هي النتيجة الملازمة للانحطاط السياسي والدولتي والوطني والأخلاقي. كما أنها التعبير النموذجي عن بقاء وفاعلية وسيادة الغريزة والبنية التقليدية في العلاقات الاجتماعية والوعي والثقافة بشكل عام والسياسية بشكل خاص. وجميعها تتعارض وتتناقض مع فكرة الارتقاء والتقدم والحداثة والمستقبل والنزعة الإنسانية والحقوق المدنية. ذلك يعني أن الطائفية السياسية الآخذة في التبلور والارتقاء إلى مصاف «الوعي الذاتي» لمختلف القوى السياسية، بما في ذلك القومية والليبرالية(!) هي دون شك الصيغة الأكثر تخلفا وانحطاطا للطائفية.

وبغض النظر عن كل التوصيفات الممكنة لطبيعة الطائفية السياسية في العراق المعاصر، فان مما لا شك فيه هو كونها ظاهرة لها تاريخها الخاص. وهو تاريخ يتعارض مع ابسط مقومات تكون العراق الثقافي. وذلك لان الطائفية السياسية فيه ليست محاولة للبحث عن تناسب أو «اعتدال» يحفظ إمكانية العيش المشترك، كما هو الحال بالنسبة للمناطق التي تتعايش فيها «نسب» من الطوائف. بل يمكننا توكيد العكس، بمعنى أنها الصيغة التي تفتعل وتصنع نسبا لا ضرورة لها من حيث الجوهر. الأمر الذي جعل منها «منظومة» الخراب وليس «العيش المشترك». من هنا تحول الطائفية السياسية الآخذة في التراكم العملي والسياسي والأيديولوجي في ظروفه الحالية إلى القوة الفاعلة في توسيع «منظومة» الانحطاط المادي والمعنوي الشامل.

إن جذور الطائفية السياسية في العراق تكمن في بنية الدولة الحديثة، والنظام السياسي الاستبدادي، وفاعلية البنية التقليدية، والراديكالية الحزبية. من هنا استحالة تذليلها دون إعادة تأسيس وبناء الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة على أسس عقلانية وشرعية جديدة بوصفها منظومة متكاملة. بعبارة أخرى، إن الوحدة الوطنية والوفاق الوطني والجامعة الوطنية ليست لعبة الوفاق السياسية ولا حتى المساومة السياسية بأفضل أشكالها، بل النتاج الموضوعي والضروري لتكامل الشعب والدولة والمؤسسات الحقوقية والشرعية في عملية بناء الهوية الوطنية. وبالتالي فهي النتيجة المتراكمة فيما يمكنه أن يكون أيضا نوعا من«الإجبار» الشرعي للجميع على ممارستها والوقوف أمام نتائجها وتقبلها كما هي من اجل إعادة النظر فيها واستخلاص الدروس والعبرة منها.

 

القومية العرقية ونفسية الأقليات

إن استقراء تاريخ العراق المعاصر يكشف عن أن "القضية الكردية" كانت إحدى قضاياه القلقة وقت السلم والحرب والصعود والهبوط. من هنا استفحالها مع كل انعطاف حاد وانقلاب مفاجئ في تاريخ الدولة والمجتمع. إذ نقف أمام ظاهرة بقاء الحركة القومية الكردية في العراق ضمن شروط تكونها التاريخي الضيق، الذي يدفعها أكثر فأكثر صوب التجوهر العرقي.

ويشير ذلك إلى قضيتين، الأولى هي هيمنة البقايا العرقية في الفكرة القومية الكردية، والثانية هي ضعف الاندماج السياسي والثقافي والاجتماعي بالعراق.

وليس مصادفة أن تعمل الحركات القومية الكردية بصورة علنية ومستترة بعد سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية وحتى الآن، أي بعد أن توفرت للمرة الأولى في تاريخ العراق المعاصر إمكانية بناء الدولة على أسس جديدة وسليمة، على السير في اتجاه معاكس لمنطق الدولة العصرية وآفاق الاندماج السياسي الثقافي في العراق.

الأمر الذي يجعل، على خلاف الماضي القريب، من الصراع القومي (العربي الكردي) احتمالا شبه واقعي. وذلك بسبب مستوى الاغتراب بينهما، الذي بلغ درجة يصعب في اعتقادي حل عقدها. فالحركة القومية الكردية أصبحت أسيرة تربيتها العنصرية الضيقة.

كل ذلك يجعل من "المشروع الكردي" في العراق مشروعا تخريبيا بالنسبة لبناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي الاجتماعي. وترتبط هذه النتيجة بنفسية وفعالية "الأقوام الصغيرة" التي لم تستطع أو تتوفر لها إمكانية التكامل في كينونة الدولة وثقافة الأمة الكبرى. مما يحدد بدوره خطورة هذا النوع من الأقلية، بوصفها كيانا انعزاليا مع ما يترتب عليه بالضرورة من إفراز نفسية العرق، وذهنية الانفصال، وأيديولوجية الانعزال. وهي الصفات الثلاث الميزة والجوهرية للحركات القومية الكردية في العراق.

وبالتالي، فأن المهمة الكبرى القائمة أمام مشروع البديل الوطني والاجتماعي العراقي بهذا الصدد تقوم في كيفية بلورة إجماع عام على إستراتيجية فصل العراق عن الأكراد، إلا في حالة إعادة النظر الجوهرية بالآفاق المتعلقة باندماج الأكراد الكامل والمتكامل عبر التمسك بكل شروط ومبادئ الفكرة الوطنية العراقية والدولة الشرعية والمواطنة. وإلا فان العراق ليس بحاجة إلى قضية كردية لا بالمعنى الاقتصادي ولا السياسي ولا الثقافي ولا الاجتماعي ولا الجغرافي ولا العلمي ولا في أي شيء! على العكس أن فك الارتباط حينذاك يصبح إنجازا تاريخيا للعراق في هذه الميادين جميعا.

 

مشروع البديل الوطني الاجتماعي العراقي

إن مشروع (أو مشاريع) البديل (أو البدائل) المحتملة للعراق تفترض الانطلاق بصدد قضية وتلازم الاحتلال والطائفية السياسية وعرقية الأقليات، من أولوية تأسيس:

1.   الوطنية العراقية

2.   الرؤية الواقعية العقلانية.

3.   وفكرة الدنيوية (العلمانية) التاريخية.

الوطنية العراقية والهوية الوطنية

 كشفت التجربة التاريخية للعراق على أن التفريط بحقيقة الهوية الوطنية، كما تجسد بصورة نموذجية في العقود الأربعة الأخيرة للقرن العشرين، هو تفريط بكافة الحقوق، بما فيها حق الحياة. الأمر الذي يجعل من صياغة رؤية واقعية وعقلانية عن وحدة وتجانس القومي والوطني فيه إحدى المهمات الأساسية من اجل تكامل الجميع في بناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. فهو الثالوث القادر على احتواء صراع الجميع واختلافهم، والإبقاء قي نفس الوقت على تراكم الثروات المادية والروحية للمجتمع والدولة.

إن التأسيس الواقعي والعقلاني للفكرة الوطنية العراقية يفترض الانطلاق والاستناد بقدر واحد إلى صيرورة العراق التاريخية وكينونته الثقافية. وقد أسست لهذه الفكرة فيما أطلقت عليه اسم فلسفة الاستعراق، بوصفها منظومة متوحدة أهم مبادئها هي أن:

1.   العراق ليس تجمع أعراق.

2.   العراق هوية ثقافية سياسية.

3.   العراق غير معقول ولا مقبول خارج وحدة مكوناته الرافدينية - العربية - الإسلامية.

4.   العربية – الإسلامية هي جوهر ثقافي (وليس قومي أو عرقي أو أيما شكل جزئي).

5.   الهوية الثقافية المفترضة للعراق والعراقية هي الحد الأقصى للقومية في العراق، الذي يمكن أن يتعايش فيه الجميع بصورة متساوية ومنسجمة حسب فكرة الموطنة والقانون.

 

فلسفة الرؤية الواقعية والعقلانية للبدائل

إن المهمة الكبرى والغاية النهائية من فلسفة الهوية الوطنية العراقية تقوم في تأسيس ما يمكن دعوته بمرجعية الرجوع إلى النفس. فإذا كان ضلال الأفراد، أيا كان نوعه ومستواه، هو جزء من حياتهم الشخصية، فإن ضلال الأمم هو عين السقوط في هاوية الأوهام والرذيلة. وإذا كان الأول جزء من دراما الحياة ومن ثم يحتوي على إمكانيات متنوعة النتائج، فإن الثاني لا يحتوي إلا على قدر محتوم هو ضياع الأمل وانحطاط الوجود. وبالتالي، فان مشكلة العراق الجوهرية ليست في كيفية خروج قوات الاحتلال، بل في كيفية رجوعه إلى نفسه. ولا ينبغي لهذا الرجوع أن يشبه في شيء رجوع "قوى الخارج" الأولى. على العكس، انه ينبغي أن يكون رجوعا محكوما بفكرة الوطنية العراقية والمصالح العليا، أي بفكرة مركزية الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. بعبارة أخرى، إن المشروع الواقعي والمستقبلي في العراق مرهون بخروج قوات الاحتلال ورجوع العراق إلى نفسه من خلال صعود قوى الداخل العراقي.

فإذا كان تاريخ الأمم هو مختلف أنواع الصيغ السردية الجليلة أو العادية من أحداث وشخصيات ومجريات، فإن حقيقته تقوم في مدى فاعليته الواقعية بالنسبة لتأسيس وعي الذات القومي والحكمة السياسية. إذ لا حكمة سياسية خارج تراكم وعي الذات القومي. ونعثر على هذه الحالة في استعادة وتكرار الماسي. فالتكرار في التاريخ هو مأساة البقاء بمعايير الزمن. بمعنى البقاء ضمن اجترار النفس دون أية بدائل فعلية تذلل عقبات التطور التاريخي من اجل الارتقاء بالأمة إلى مصاف جديدة.

عندما ننظر إلى التاريخ العراقي الحديث، فإن حصيلته على امتداد القرن العشرين تشير إلى انه مازال يواجه نفس إشكاليات ظهوره الأول، أي قضية الدولة والوحدة الوطنية والنظام السياسي والعلاقة بالمحتل وقضية الأقليات القومية. وتكشف هذه الحالة عن طبيعة مأساته التاريخية الفعلية، بمعنى مراوحته في الزمن فقط. ولهذا السبب مازال العراق يعاني من نفس تقاليد الانحطاط، كما نراها على سبيل المثال في ظاهرة أن تكون بدائل المعارضة التي وصلت إلى سدة الحكم وجها آخر للانحطاط! 

ذلك يعني أن الطريق إلى تأسيس البديل الواقعي والعقلاني في العراق من اجل تذليل عقدته التاريخية الحديثة يقوم عبر تذليل تقاليد الراديكالية السياسية. ويفترض ذلك بالضرورة توليف الرؤية الواقعية والعقلانية تجاه الإشكاليات الكبرى التي يواجهها في ميدان بناء الدولة والمجتمع والثقافة.

 إن البديل الحقيقي في العراق ينبغي أن يكون بديلا عقلانيا وعراقيا بالضرورة! فهو الوحيد القادر على صنع توازن جديد في الدولة والمجتمع والثقافة يذلل إمكانية استقواء الراديكالية (الدنيوية أو الدينية)، أي توازن مبني على أسس مرجعية الحرية والنظام. لاسيما وأنها المرجعية الوحيدة القادرة على صنع توازن ديناميكي، ومن ثم الوحيدة القادرة على صنع الحكمة التاريخية بوصفها عملية متراكمة من الاحتراف والكفاءة المحكومة بنظام شرعي متكامل.

 

الدنيوية (العلمانية) العراقية – دنيوية المستقبل

إن العراق بحاجة جوهرية للفكرة الدنيوية! غير أن المهمة النظرية (والإستراتيجية) الكبرى تقوم في رؤية آفاقها وكيفية تأسيسها والقوى القادرة على تحقيقها الفعلي في ظروف الانتقال إلى الديمقراطية. ويمكن رؤية مكونات هذه الآفاق واتجاهها المجرد في التجارب الناجحة للأمم الراقية بهذا الصدد. إذ تبرهن التجارب الناجحة للدنيوية (العلمانية) في كل مكان على أن إمكانية تحقيق نموذجها الوطني أو القومي لا يمكن أن يكون نتاجا لإغراءات أيديولوجية أو عقائدية أيا كان نوعها. وذلك لأن الدنيوية منظومة. ومن ثم فإنها وحدة متراكمة ومتكاملة في بناء الدولة والأمة والاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والثقافة والقيم.

ومفارقة الدنيوية (العلمانية) في ظروف العراق الحالية تقوم في أن حملتها الفعليين من وجهة نظر التاريخ والمستقبل ليست "القوى العلمانية" المدعية، بل "القوى الإسلامية" (الشيعية). إذ لا عِلم حقيقي ولا عَلم عراقي عند أدعياء "العلمانية"، بسبب طبيعة الخراب الشامل للدولة والمجتمع والثقافة، وطبيعة الأزمة المرّكبة في الفكرة الوطنية (العراقية) والقومية (الجزئية).

وكذلك بسبب انحراف أو انقطاع التاريخ الفعلي للعراق في مجرى القرن العشرين. فقد بدأ العراق واقفا على رأسه وليس رجليه. إذ كان ينبغي للمسار التاريخي أن يبدأ بحركة إصلاحية دينية ثم تنويرية ثم ليبرالية ثم قومية ثم ديمقراطية اجتماعية. بينما جرى العكس. وليس مصادفة أن يبدأ بناء "الدولة الشرعية" و"النظام الديمقراطي" من قبل قوى دينية تجمع بين السلفية والطائفية والإصلاحية (الدينية). وهي مفارقة العراق الحالية والواقعية في الوقت نفسه. وفي ظل ظروف من هذا القبيل لا يمكن لأية قوة سياسية ادعاء تمثيل الفكرة الدنيوية أو غيرها من الأفكار الكبرى. وذلك لأن جميع الأفكار الكبرى في ظروف العراق الحالية هي في صيرورة جديدة. لهذا لا يمكنها أن تكون حكرا لأحد، كما انه لا معنى للادعاء بتمثيلها التام والشامل. أما تمّثلها الحقيقي فهو تجسيدها في منظومة متكاملة للدولة والمجتمع والثقافة والعلم. وهي عملية ترتبط من الناحية التاريخية بانجاز مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية والنظام الشرعي، ومن الناحية الاجتماعية بصيرورة الأغلبية القادرة على الاندماج الطبيعي بالعملية التاريخية المذكورة أعلاه.

إن تحقيق الدنيوية (العلمانية) يقترض، كما هو الحال بالنسبة للديمقراطية والعقلانية وغيرها، تذليل نفسية وذهنية الأقلية المغلقة. وهذا أمر ممكن من خلال الارتقاء إلى مصاف الوطنية الحقيقية، بوصفها إحدى المقدمات الضرورية والأولية في ظروف العراق الحالية لتأسيس الدنيوية (العلمانية). وفي مجراها فقط يمكن إيجاد النسبة المعقولة والمقبولة بين الدين والدنيا.

 

الحصيلة

إن مشكلة العراق الجوهرية ليست في كيفية خروج قوات الاحتلال، بل في كيفية رجوعه إلى نفسه. ولا ينبغي لهذا الرجوع أن يشبه في شيء رجوع "قوى الخارج" الأولى. على العكس، انه ينبغي أن يكون رجوعا محكوما بفكرة الوطنية العراقية والمصالح العليا، أي بفكرة مركزية الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. حينذاك فقط يمكن رمي كل مشاريع قوى الاحتلال ووصاياه في مزبلة الزمن السياسي. وأن تأسيس هذا الرجوع للنفس يفترض ربط فكرة الوطنية العراقية والرؤية الواقعية العقلانية وفكرة الدنيوية (العلمانية) التاريخية في كل واحد، ووضعها في أساس مشروع البديل الوطني الاجتماعي العراقي. فهو المشروع القادر على تذليل مصادر الخراب الكامنة والفاعلة في مثلث الاحتلال والطائفية السياسية وعرقية الأقليات القومية.

  

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1086  الاثنين 22/06/2009)

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1021 المصادف: 2009-06-22 13:22:23


Share on Myspace