المثقف - قضايا وأراء

المثال والحقيقة في الشخصية المحمدية

mutham_aljanabiعادة ما تصنع الأمم والثقافات صورا نموذجية لأبطالها دون أن تعي بأنها لا تفعل في الواقع إلا على إضعاف نموذج البطولة فيها. كما أن رفع الإبداع النظري لأي شخص كان إلى مصاف

 "المطلق" لا يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى إعدام قدرة الإبداع الحي. بمعنى العمل دون وعي، أو بأثر المحبة المفرطة، على صنع هالة التقليد الفج والتحرك في خيالها! لكنها تبقى مع ذلك جزء من تركم المعرفة والقيم والتراث والمثل. بمعنى أن الأمم لا يمكنها العيش بمعايير التاريخ دون أن تبدع نماذجه الملهمة. وهي عملية متناقضة وواقعية لنمو المعرفة والقيم، أي لتهذيبها وتشذيبها بالشكل الذي يجعل من يقين الماضي مقدمة الشكوك. ومن خلالها تتراكم الوحدة المتناقضة للمعرفة واليقين.

إذ ليست النماذج التاريخية الملهمة بالنسبة للأمم سوى الصيغة الوجدانية لرمزية المطلق والمقدس. غير انه حالما يجري رفع هذه النماذج إلى مصاف المطلق والرمز المقدس، فإنها تفقد واقعيتها التاريخية وتتلاشى معالمها الفردية الخاصة لتتحول إلى جزء مما يمكن دعوته بمنظومة الملكوت الوجداني. عندها تصبح الشخصية التاريخية جزء من الصور الخيالية المرسومة، أي جزء من التأويل. وهي ظاهرة لها قيمتها العلمية والعملية المرتبطة بكيفية تطويع الصورة ونوعية دمجها في منظومة الأفكار النظرية والعملية. ومن خلال ذلك يتراكم صراع الشك العقلي واليقين العقائدي، والحرية المتمرسة بتقاليد الأسلاف العظام والعبودية التائهة في يقين الإيمان التقليدي.

وهي الحالة التي وقفت وتقف أمامها الثقافة العربية الإسلامية في موقفها من شخصية النبي محمد، أي من صورته الواقعية والمثالية، الفعلية والرمزية، والملهمة والمقدسة. وهي صورة كان الفوز فيها وما يزال للنموذج المثالي الرمزي المقدس، أي للإفقار الدائم لمضمون شخصيته الواقعية الفعلية الملهمة. بمعنى فوز الصيغة المنحرفة عن مسار المنطق والفكرة القائلة، بان الحقيقة مثال بالضرورة، بينما المثال ليس حقيقة بالضرورة. والسبب يقوم في أن الحقيقة مثال بسبب طاقة الإبداع الحر فيها، أي أنها مثال بذاته، بينما لا يتطابق تحويل المثال إلى حقيقة مع الحقيقة المجردة، وذلك لاحتمال تصيره من وحدة التقليد والمصالح. غير أنهما كلاهما جزء من تاريخ الوحدة المتناقضة للوجود الإنساني.

بعبارة أخرى، إن الحقيقة لا تصنع أصناما، كما أن الأصنام لا تصنع حقيقة. من هنا بقاء الحقيقة وزوال غيرها. وذلك لأن الحقيقة تقدّس العقل والروح والأخلاق، بينما الأصنام تدّنس التاريخ والوعي والثقافة. تماما كما أن العظمة هي التي تصنع أسطورة، بينما لا تصنع الأسطورة عظمة. وهي الفكرة التي حالما نطبقها على شخصية النبي محمد، فإننا نقف بالضرورة أمام تناقض المواقف المشار إليها أعلاه. ولعل تناقضها التاريخي والثقافي الأكبر في ميدان الحقيقة يقوم في رفعها إلى مصاف الرمز المثالي المقدس. وهي صورة تتعارض مع شخصيته الواقعية الفعلية في التاريخ، وذلك لأنها تجعل منه منظومة الملكوت الوجداني أو مرجعية الوحي المتسامي للأمة والوجود والوعي، عوضا عن أن تضعه ضمن تاريخ الروح والإرادة والبدائل. بمعنى الانطلاق والانتهاء من الحقيقة التاريخية البسيطة القائلة، بان ظهور الإسلام قد ارتبط منذ البداية بشخصية محمد. وهو ارتباط لا يغير من حقيقته عدم استمداد اسم الدين من اسمه، رغم أن "المحمدية" تطابقت مع مفهوم الإسلام، على الأقل، عند الاتجاهات التي ادعت تمثيله الخالص.

وليس مصادفة أن ترفض الاتجاهات السلفية، لأسباب دينية وثقافية، تسمية الإسلام بالدين المحمدي أو المحمدية. بحيث اعتبر البعض أن ما يميز الإسلام عن الديانات الكبرى (العالمية والوحدانية) هو انتماؤه للفكرة الوحدانية لا إلى دعاة الأديان ورسلها، انطلاقا من أن حقيقة الإسلام مرتبطة بمصدره وغايته لا بشخصيته الرئيسية. أما في الواقع، فانه لا خلاف جوهري بينهما فيما لو جرى فهم هذه القضية بعيدا عن خلافات المذاهب الضيقة ونفسية العقائد المتحجرة. إذ لا يمكن عزل الصفات الجوهرية لإسلام الدعوة والرسالة و"السّنة" اللاحقة بمختلف مظاهرها عن شخصية النبي محمد ونموذجها الواقعي ومثالها الواجب. ذلك يعني، أن "هرطقة" التسمية المحمدية هي من "بدع" العقائدية الضيقة. وذلك لاستحالة فهم مضمون النبوة المحمدية دون إدراك دوره التاريخي الفعلي فيها.

فقد كان محمد مسلما بالقدر الذي عبّر في أعماله وغاياته عن جوهر الإسلام. ومع ذلك كان لشخصيته كيانها التاريخي المستقل. فقد جمعت في ذاتها وحدة المتناقضات من خيال وواقع، وفكرة وصراع، وماضي ومستقبل، مما أعطى لها إمكانية التحول إلى رمز مجرد ومستودع لا ينضب للوجود والاستمرار. وهو السبب الذي يفسر سر المنافسة التي لا تنتهي بين مختلف القوى في محاولاتها استنهاض أرواحها الغابرة في مواجهة تحديات "العصر". أما في الواقع فإنها لا تفعل إلا على مواجهة ذاتها.

 فقد تقاسمت الاتجاهات الإسلامية شخصية النبي محمد ومفاهيمه بما يتطابق مع تصوراتها عما هو "جوهري" فيه. وهي عملية طبيعية مميزة لظهور وتطور الحركات الاجتماعية والسياسية والفكرية. وبغض النظر عما في هذه العملية من إمكانات خفية مثيرة للتناقض "الحي" مع بعض من منطلقاتها الفكرية الأولية نفسها، إلا أنها عادة ما تؤدي إلى نقل هذه التناقضات إلى ميدان الفكرة وتثويرها عبر صياغة الحلول الجديدة.

غير أن اشد الأفكار تجريدا، تأبي الارتماء أمام أقدام الخمول الاجتماعي والنفس "المطمئنة". لأنه يتحتم عليها آنذاك أن تواجه مصيرها وتندثر وكأن شيئا لم يكن. إلا أن هذه المصير التعس من صنع الخيال السارح وراء إدراك حقيقة الوحدة المستترة خلف استمرار الوجود. وإلا فان التطور الاجتماعي الثقافي سوف يفقد آنذاك ذاكرة التاريخ وأثرها بالنسبة لبلورة الوعي المتجدد، باعتبارها أهم مبررات وجوده. وقد واجهت هذه الذاكرة امتحانها الأول في التاريخ العربي الإسلامي بعد دفن النبي محمد تحت حجارة المدينة. حينذاك ظهرت شخصيته في التساؤل الساذج عما إذا كان قد مات فعلا، وفي النفي الأكثر سذاجة لعدم موته، الذي قال به عمر بن الخطاب. غير أن للسذاجة التاريخية قيمتها المعرفية. فهناك فرق بين السذاجة التاريخية والسذاجة المعرفية، رغم ارتباطهما بأواصر جزئية. فالسذاجة المعرفية متأتية من قلة المعرفة وتدني الممارسة العلمية والعملية، بينما عادة ما ترتبط السذاجة التاريخية بروعة الحدث وخطوبته.

 فقد رفض عمر بن الخطاب فكرة موت النبي محمد. وهدد بقطع أيدي وأرجل من زعم بان "رسول الله قد مات"، وأعتقد برجوعه كرجوع موسى إلى قومه. وبغض النظر عن صعوبة تحقيق بواعث اعتراضه على فكرة موت محمد، إلا أنها انطلقت في حوافزها المباشرة من التأثير الهائل لشخصية النبي على الجماعة الإسلامية الجديدة، أكثر من انطلاقها من الآيات القرآنية. فالمراجع التاريخية عادة ما تستند في تأويلها لرفض عمر بن الخطاب الاعتراف بموت النبي محمد، إلى فهمه المباشر للآية: "لكل أمة شهيد وأنت عليهم شهيد". وهو نفس المصدر الذي أعطى لأبي بكر إمكانية نقضها في كلماته الشهيرة:"من كان يعبد محمدا، فان محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فان الله حي لا يموت"، ثم تلاوته الآية (وما كان محمدا إلا رسول قد خلت من قبله الرسل). وهي الآية التي استغرب عمر من أن تكون "في كتاب الله".

غير أن هذه السذاجة التاريخية هي من مصادفات الزمن. وما بدا مرفوضا للوهلة الأولى، سوف يعيد الكرة من جديد وبقوة أعظم. فقد طرح عمر في رد فعله المباشر حدس القضية التي تأخذ بالتجوهر لاحقا في المعضلات الروحية والعملية الكبرى للأمة، من الإمامة حتى الأخلاق، ومن النبوة حتى الولاية (الصوفية)، ومن الطابع الظني للفقه وحلوله الافتراضية حتى يقين الإيمان العقائدي، ومن الشريعة حتى الحقيقة. ولم تكن هذه العملية انعكاسا لرمزية المطلق بقدر ما كانت انعكاسا للأهمية التي شغلها النبي محمد في عالم الإسلام ومكوناته الحضارية.

من هنا سطحية الفكرة الشائعة عن أن المؤمنين لم يتركوا أنفسهم يتأثرون بصورة محمد كما رسمها التاريخ الصادق، بل حل محلها منذ الوهلة الأولى الأسطورة المثالية للنبي، والتي اخذ علم الكلام على عاتقه مهمة رسمها باعتباره بطلا ونموذجا أعلى الفضائل. إن عدم دقة هذه الفكرة لا تقوم فقط في تجنيها على علم الكلام ودوره في إبداع الصورة المثالية للنبي، التي تفتقدها كليا ما يسمى "بالسيرة النبوية"، بل وفي رفض علم الكلام لتقاليد الأسطورة عن النبي محمد منذ الوهلة الأولى. وإذا كان علم الكلام قد ساهم في رسم الصورة المثالية عن شخصية النبي، فان ذلك لا يعني أسطوريتها الفكرية أو التاريخية. فالاختلافات الكثيرة بين آراء وصور المتكلمين عن النبي محمد هي الصيغ الفكرية المتعددة عن الشخصية الأولى للإسلام.

فقد كان علم الكلام بمعنى ما نتاجا لظاهرة الدفاع عن عقائد الإسلام في مجرى احتكاكها مع عقائد الأديان الأخرى. وتضمن منذ البداية عناصر إبراز عظمته وصحته بما في ذلك على مثال النبي محمد. ولم يعط لهذا القضية جل اهتمامه. لاسيما وانه نظر إليها بمعايير الرؤية العقلية المميزة لمراحله الأولى. إذ لم تكن "الأسطورية" فيه سوى المثال الرمزي لليقين العقلي. ولا يغير من حقيقة هذه العقلية وقيمتها افتقادها النسبي للتجانس، وذلك بفعل جوهرية النبوة في التقاليد الكلامية، باعتبارها جزءا من عقائد الإيمان. فالإيمان يفترض كشرط ضروري مثالية النموذج. من هنا كانت "أسطورة" النبي محمد و"مثاليته" الصيغة الضرورية لوعي الحقائق المتسامية. أما في الواقع، فانه لا أسطورية فيها ولا مثالية. إذ لم يتعد علم الكلام في أحكامه الأساسية عن النبي محمد ما تناوله القرآن، الذي نظر بدوره إليه نظرته إلى التجلي"الرحماني" في الخلق الإلهي.

 إضافة لذلك كان من الصعب حينذاك توقع رد آخر. فالأسطورة لا يصنعها الانتصار فقط، بل وتتوهمها الهزيمة. وإذا كان الانتكاس النفسي لعمر بن الخطاب هو رد الفعل المباشر على "فقدان" الشخصية المركزية للأمة وتعبير عن حرفية الفهم الأولي لبعض آيات القرآن، فان خمود العاطفة ونصوح العقل، سرعان ما أقنعاه بخطئه الشخصي وهفوته الفكرية. وإذا كان من الصعب الآن البحث في خلجات النفس المشتعلة في أعماق عمر بين الخطاب آنذاك، فان ردة فعله تعكس في بعض ملامحها الصفات المميزة له في مباشرته المتسامية وواقعيته الحصيفة، أي كل ما استعرضه في خلافته. ومن الممكن النظر إلى كلماته المذكورة أعلاه باعتبارها "شطحا" تاريخيا عبّر فيه عن قوة الانتماء للأمة وبؤرتها الحساسة (النبي محمد)، لا "شطحا" فكريا كالذي نعثر عليه عند غلاة الفرق الإسلامية. ومن العبث البحث في كلمات عمر عن عناصر الغلو الأولى في تاريخ الفكر الإسلامي، تماما كما أن من الصعب تصور فقدانه للواقعية العميقة والنزعة العملية المتسامية.

 أننا نستطيع رؤية قوة الكلمة المحمدية في هذه الشطحات. فقد صنعت كلمات القرآن موضوعاتها وموضوعاتها المضادة. وكلاهما أصبح قابلا للأخذ والرد. وقد حوله هذا الواقع إلى رمز، بحيث أصبح بإمكان القوى الاجتماعية أن تتخذ منه شعارا للمعركة، كما فعل هو نفسه في صراعه مع العرب الوثنية بتحويله الله إلى شعار للمعركة. لكن ذلك لا يعني تطابق مضامين هذه الظواهر. بل يمكن القول بان تأثير الشخصيات الروحية الكبرى ليس أقل تأثيرا من آلهتها. فهي تمثل في نموذجها الفردي أسلوب تصوراتها عن الله. إلا أن هذه الظاهرة تبقى من عالم المعتقدات الفردية والإيمان. أما انتماءها لعالم السياسة فهو جزء من عالم المصالح الجديدة، التي يفرضها منطق ومستوى الصراع الاجتماعي والثقافي وغاياته الملموسة. فالآلهة المحمدية في فعلها المباشر وغير المباشر في نشاط النبي محمد هي صيغة تجلي المطلق في فضاء الوجود الأول. لذا كان تأثيره اللاحق في صيرورة التقاليد الفكرية والسياسية والروحية استمرارا واقعيا للصياغة الأولى. بمعنى أن الحركات التالية يمكنها أن تستند مباشرة إلى شعار "الله اكبر" و"لا آله إلا الله"، إلا أن هذه المباشرة التي يفترضها الإسلام في نفي فكرة الوساطة الخالصة (المؤسساتية)، تبقى مباشرة في استمرارها. بمعنى أنها لا بد وان تستثمر صلاتها من خلال وحي النبي محمد. وهو المعنى المقصود بمقارنة شعارات المعركة الدائمة لدراما التاريخ والوجود.

كما أنه السبب الذي يفسر بقاء الشخصية التاريخية المعقولة للنبي محمد سارية حتى في اشد الصور الأسطورية. بمعنى استمرارها كالبرزخ الصوفي عن عالم المثال أو كتشكيلة مجردة قابلة للبناء المتعدد. وهو الشيء الذي نعثر عليه في التراث الفكري الاجتماعي السياسي الإسلامي، الذي وضع شخصية النبي بهيئة كيان يتراوح بين الشخصية (الملموسة) والفكرة (المجردة)، وربط أحيانا بينهما إلى درجة التطابق. بينما نراه يجرّده في حالات أخرى بحيث جعل منه فكرة ومثالا، وأنزله أحيانا أخرى إلى الواقع وجعله معيارا للحق الشامل. ووجد ذلك انعكاسه في الحديث الموضوع القائل: "إذا أنا مت، كانت وفاتي خير لكم، تعرض على أعمالكم". ذلك يعني أن التجربة اللاحقة للتطور الاجتماعي السياسي والحضاري حولته إلى مقياس طالما رفضه رفضا باتا في حياته. فقد رفض محمد بفعل وجدانيته الخالصة ووحدانيته الكلية أن يضع مقياسا لكل ما هو موجود أعلى من الله، باعتباره الوحيد الحق. وهي الفكرة التي سيجري صياغتها لاحقا بعبارة "الرجال بالحق لا الحق بالرجال"، بوصفها الصيغة المنهجية للحكم على الأحداث والأشخاص بمعايير الرؤية الموضوعية من خلال كشف الأبعاد الحقيقية والفعلية لكليهما في تاريخ الأمم وأرواحها الثقافية.

***

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1096  الخميس 02/07/2009)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1031 المصادف: 2009-07-02 13:16:23


Share on Myspace