المثقف - قضايا وأراء

المثال والحقيقة في الشخصية المحمدية – من الغزالي حتى المعاصرة

mutham_aljanabiشغلت قضية النبوة ذهن الغزالي لاعتبارات عقائدية، كما هو الحال في (التهافت)، وليس لاعتبارات فكرية أخلاقية كما هو الحال في مرحلته الصوفية. لقد وضع أمام نفسه مهمة إعادة اللحمة العقائدية

(الأيديولوجية) لكينونة الأمة الروحية الممزقة بالصراعات المذهبية والسياسية، كما نعثر عليها في صياغته لمهمة الإصلاح الذي بلور معالمه الكبرى ومبادئه الأساسية في (الإحياء). حينذاك وجد نفسه مضطرا للرجوع إلى المثال المحمدي بروحه الصوفي. فقد كان محمد (الإحياء) النموذج الأخلاقي للتخلق بأخلاق الله، والشخصية المتضرعة والمبتهلة والمتزينة بمحاسن الأخلاق، والإنسان الكامل الجامع أو قطب الصوفية.

غير أن هذه الصورة الأخلاقية للنبي محمد هي نموذج الصوفي الإنساني، التي جعلت منه دليلا على عدم "اكتسابه بحيلة تقوم بها القوة البشرية، بل لا يتصور ذلك إلا بالاستمداد من تأييد سماوي وقوة إلهية". ولم تعد المعجزة النبوية أسيرة التصورات والانطباعات والبراهين الحسية. عند هذا الحد بتشابه الغزالي مع ابن حزم. فالقدرة الإلهية ليست عاجزة عن خرق العادة مثل أن تخلق "في الحصاة حياة وقدرة"، إلا أن لخرق العادة مستويات ثلاثة، المستوى الحسي وهو أولها وأدناها. فالشمس تؤثر بالمائعات تدريجيا بينما التسخين رأسا. من هنا استنتاج الغزالي عن أن إمكانية تأثير الأنبياء مثل نسبة التسخين إلى الشمس. إلا أن هذه المقارنة هي حصيلة حاصل، لا علاقة سببية جوهرية لها بالبرهان. أما المستوى الثاني (العقلي) والذي يدعوه المتكلمون بدلالة الدليل على المدلول فهو الصيغة الوجودية واللاهوتية للمستوى الحسي. أما المستوى الثالث (الخيالي) فهو "لسان الحال" الذي يصير شاهدا محسوسا على سبيل التمثيل كرؤية النائم في النوم. غير أن ما يميز الأنبياء هو رؤيتها في اليقظة. وقد بلور الغزالي المعالم الظاهرية لهذه الحالة في (المنقذ من الضلال) عندما أكد على أن خاصية النبوة لا تدرك كليا إلا بطريقة الصوفية، أي في مجرى العملية المعرفية الأخلاقية التي يقف أمامها الحس والعقل عاجزين عن رؤية كيانها الخاص، باعتباره موضوع ما وراء العقل أو المعرفة القلبية. وعندما حاول الغزالي البرهنة على النبوة فانه لم يستعمل مفهوم المعجزة بشكل عام والقرآن بشكل خاص، ولا المفاهيم المباشرة عن أهمية النبوة العملية، رغم أهميتها في منظومته الفكرية. وذلك لأنه نظر إلى هذه القضايا باعتبارها موضوعات الاحتكام المباشر للعقل، بينما العقل هو طور في أطوار إدراك الآدمي. والنبوة أيضا هي "طور يحصل منه عين لها نور يظهر في نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل".

ذلك يعني أن الغزالي لم يضع مفهوم النبوة بالضد من إنجازات الحس ومدركات العقول، بقدر ما يضعها في ميدان أرقى له أسسه الخاصة، ونماذجه المتميزة في عوالم الإنسان الحسية والعقلية. فالحس والعقل يستندان إلى الموجود المباشر ودليل البرهان والتجربة. في حين لا يخضع كل شيء للتجربة. ذلك يعني أن هناك طرق أخرى غير الحسية والعقلية لإدراك النبوة. إضافة لذلك أن النبوة بالنسبة للغزالي ليست قضية فكرية مجردة. لاسيما وان الجنس الخارج عن مدركات العقل في النبوة، هو أحد خواص النبوة كما يقول الغزالي. إذ تحتوي النبوة على خواص عديدة. كل ذلك يجعل منها كيانا هائلا لا يمكن فهم حقيقة إلا عن طريق الذوق الصوفي. في حين يكشف تدقيق معنى النبوة على القرآن والأخبار شخصية محمد باعتبارها التجسيد الفعلي الأسمى لدرجات النبوة. ذلك يعني أن الغزالي يسير هنا ضمن تقاليد الصوفية في البرهنة على النبوة بها، أي انه سعى لليقين الذي يستحيل بلوغه بالأخبار والمعجزات التقليدية مثل قلب العصا ثعبانا وما شابه ذلك، لأنه قد يؤدي إلى مطابقة السحر مع بالنبوة.

إن لهذه الفكرة أساسها "المنهجي" في الطريق الصوفي. بمعنى تطابقها مع ألهام المعرفة الصوفية. بينما تتحول في الجانب العملي إلى مصدر ملموس للمثال المطلق في السلوك الصوفي، الذي ينبغي للمريد سلوك مقاماته من اجل بلوغ "مشكاة النبوة". حينذاك يصبح النظر إلى النبوة بعين النبوة الأسلوب الأمثل والأكثر يقينا للبرهنة عليها. ولا يمكن إغفال ما في هذه الفكرة المنهجية من قيمة عملية كبرى ومعنى متسام. وذك لتأسيسها إمكانية التأمل الدائم لمصدرها الحق (المشكاة النبوية)، باعتباره النبع التلقائي للمعرفة الصوفية في الذوق والمشاهدة. كل ذلك يجعل الشخصية المحمدية نموذجا توليفيا للواقع والمثال، للتاريخ والمطلق في منظومة البدائل.

أننا نقف هنا أمام ذوبان الشخصية النبوية في مختلف مدارس التصوف وشيوخه. حيث يتحول النبي محمد في آراء عبد القادر الجيلاني على سبيل المثال إلى الصوفي العملي "المحترف" الذي تقدر معجزاته بألف معجزة، أكبرها القرآن. إلا أن الذوبان الفعلي لشخصية محمد التاريخية جرت فقط في المنظومات الصوفية التي حولته إلى ملح بحارها، كما هو الحال عند ابن عربي ومدرسته. إذ لم يعد محمد شخصية تاريخية ملموسة. حيث تفقد سيرته طابعها التاريخي المباشر، وتتحول ممارسته إلى رموز، وكلماته إلى مستودع للتأويل الدائم. انه يتحول إلى كيان ما فوق تاريخي بحيث يصبح كل ما في الوجود جزءا منه وتجليا له، كما يتطابق في نفس الوقت مع كل وجود. فهو العالم والمثال في مسيرتهما الدائمة، والنفس الناطقة من الإنسان عند مقارنته بالعالم، وغاية الوجود والروح. ومن ثم ليس محمد التاريخي إلا لحظة اللقاء الخاطفة بين المثال المطلق والوجود، التي لا تفقد أهميتها أبدا أمام عرش الحقيقة. انه الروح الذائبة في جسد الوجود النائم. كما انه إنسان الصوفية الكامل، الذي حاز درجة الكمال بتمام الصورة الإلهية في البقاء والتنوع في الصور وفي بقاء العالم. وهو الإنسان الذي سيشغل بؤرة الاستقطاب الجاذبة في تقاليد المدرسة الابن عربية، كما نعثر عليها عند عبد الكريم الجيلي في "الإنسان الكامل"، بوصفها الصيغة المنظمة والمعقلنة لآراء أين عربي.

فما محمد عند عبد الكريم الجيلي سوى قطب الزمان الصوفي، والقطب الواحد المتجلي بملابس عديدة في مراحل التاريخ المختلفة. انه اسم المثال المطلق ومسمى النبي التاريخي. انه النقطة التي يلتقي بها عالم المثال المطلق والوجود الفعلي للشخصية في لمحة تاريخية عمرها امتداد الزمن بين نهاية وبداية العدم الصوفي، أو بين الوجود الأزلي والحق السرمدي. حيث يتحول محمد إلى القوة الفاعلة للروح المطلق والمتجلية في ذرات التاريخ (الصوفي). وهو الحقيقة المستبطنة لمظاهر التجلي الدائم للشيوخ. بهذا لم تعد ضرورة الشخصية المحمدية محصورة بالمعجزة والنبوة، بل بضرورة الوجود نفسه. انطلاقا من أن العالم لا يمكنه أن يكون "إنسانا كبيرا" دون التجلي الدائم للروح المحمدي.

ولم تقف هذه المفاهيم الصوفية عند حدود الأفكار المذكورة أعلاه، بل تعدتها إلى نماذج غاية في التباين طبع اغلبها بآراء الشيخ الأكبر (ابن عربي). ومن الممكن القول بان الصفة المميزة للمدارس الصوفية اللاحقة تقوم في تحويلها المتزايد للشخصية المحمدية إلى مصاف النورانية المجردة. ولعل آراء ابن سبعين عن الشخصية المحمدية بوصفها كتلة نورانية مطلقة متعددة الجوانب تعكس النور الإلهي، مثال ساطع في هذا المجال. حيث تتحول النورانية المحمدية إلى حزمة أشعة لا تقبل التجزئة. فهي لا تحتاج في ذوق الصوفي إلى برهنة تاريخية عقلية. وذلك لان "بيان البين هو تحرك في سلسلة الجنون الشخصي"، التي يسعى الحدس والذوق الصوفي لتذليلها كما يقول ابن سبعين. وتمسك بهذا الصدد شأن الصوفية بالحديث المنسوب للنبي محمد: "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين". بمعنى انطلاقه من المطلق للمطلق. فالأزل المحمدي هو الأزل الإلهي. وبغض النظر عن التجريد الكامل هنا لشخصية محمد التاريخية، فأنها تعبر في لغة التصوف عن واقعية مثالها المطلق باعتباره مثال الشخصية الصوفية.

أما الكتابات الصوفية المتأخرة عن النبي محمد، فقد كانت في اغلبها ابتذالا للمفاهيم الصوفية الأولية واجترارا فارغا خصوصا في كتابات المواليد النبوية، التي تخضع للسجع المفرط لا إلى "حبيب ربها العظيم". ومع ذلك لم يعن انتشار التصورات والنظم الصوفية سيادتها الكاملة في هذا الميدان. لقد شغلت دون شك حيزا كبيرا في الوعي الاجتماعي العادي، واختلف تأثيرها عن تأثير المدارس التقليدية السلفية في الموقف من الشخصية النبوية والتاريخية لمحمد. وتعرضت في نفس الوقت إلى هجوم تتراوح آثاره عليها من وقت لآخر. والتاريخ (بما في ذلك المعاصر) يكشف عن التوجه الدائم لاستعادة الصورة التاريخية للشخصية المحمدية من خلال محاولاتها الربط "الصحيح" للمعقول والمنقول، والسلف والمعاصرة في النظر إليه. ومن الممكن اعتبار ابن تيمية الحراني نموذجا متميزا بهذا الصدد.

استطاع ابن تيمية الدخول من جديد معترك الحياة السياسية في القرن الثامن عشر على يد الحركة الوهابية. وفي نفس الوقت استطاعت التقاليد الصوفية والشيعية توليد تيارات جديدة مثل البابية في القرن التاسع عشر. واستمدت الوهابية والبابية "حقيقة" الشخصية المحمدية من حصيلة التقاليد الإسلامية الفكرية السياسية السابقة. الأولى من خلال التوظيف المباشر للتقاليد الحنبلية، والثانية من خلال مزج التقاليد الصوفية والشيعية. لهذا جرى استعادة مظهر النبي محمد في الوهابية، وصورته المتخيلة في البابية.

وبغض النظر عن انعزال تقاليد هذين التيارين عن بعضهما البعض آنذاك، بل واحترابهما النسبي (بما في ذلك ما قبل ابن تيمية واستمراره ما بعد محمد بن عبد الوهاب)، فان الوهابية استطاعت أن تؤثر بصورة غير مباشرة على الحركة البابية. لكنه تأثير خارجي. لهذا واجه كل منهما مصيره الخاص بما في ذلك في تنظيره وتجسيده لمثال الشخصية المحمدية.

فقد انطلق محمد بن عبد الوهاب من الفكرة القائلة بان محمد رسول الله وان القرآن كتاب الله، وبالتالي لا شفاعة ولا واسطة بين الله والإنسان. وهو موقف حاول استرجاع النموذج التاريخي العملي المباشر للنبي محمد عبر تحويله إلى معيار مباشر في ممارسات الوهابية الأولى. واتخذ ذلك مظهر ربط الإيمان المباشر به وبنبوته والعمل به والدعوة إليه والصبر على الأذى. بمعنى استعادة الوسائل نفسها التي مارسها النبي محمد في صراعه ضد العرب الوثنية. ذلك يعني أن المثال المحمدي يكتسب صيغته الشرعية الفعلية حالما يصبح مثالا للعمل من اجل التوحيد. ويصبح الصراع كما كان قبل ألف عام، صراع المسلمين ضد الكفار. لهذا طالب محمد بن عبد الوهاب أتباعه بالهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. ولهذا السبب أيضا وجه مساعيه، متتبعا ابن تيمية في محاربته زيارة القبور والأضرحة. رغم أن ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، لم يعارضا زيارة قبر النبي محمد وحج الكعبة، كما سيتهمهما به النقد المتحزب. لقد وقفا ضد زيارة الشفاعة والترجي والتوسل والتبرك. ولم يفعلا في الواقع، سوى أن تتبعا الصيغة التقليدية المباشرة لبعض أعمال النبي محمد. فقد سبق لمحمد وان أدان بناء القبور الضخمة وزيارتها. واستند محمد بن عبد الوهاب إلى هذه الممارسة، والى الفكرة القرآنية القائلة بان "المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا". وكتب في (كشف الشبهات في التوحيد) بأن التقرب والاعتقاد لله فقط، لا يصح منه شيء لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل فضلا عن غيرهما. وليس من الصعب إدراك المضمون الاجتماعي الفعال آنذاك لهذه الفكرة، التي كانت موجهة ضد صوفية العوام وضد الاستبداد البشري. فقد كانت هذه الفكرة ترمي من الناحية الموضوعية إلى استعادة نموذج الاعتدال المحمدي. فدين الله، هو "وسط بين طرفين وهدى بين ضلالتين وحق بين باطلين"، كما يقول محمد بن عبد الوهاب. فالتقرب من الأنبياء والأولياء والملائكة أو من الحجارة والعصا أفعال يكمل أحدهما الآخر. أما أهل زمانه "فيدعون مع الله اناسا من افسق الناس". لهذا السبب وجد نفسه مضطرا لمحاربة التقية، وان يطوع الشخصية المحمدية للدرجة التي تصبح شبيهة بمثال الخوارج. فهو لم يستشهد بفكرة "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه…"، بل عمل بفكرة أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلما. إذ لم يبحث محمد بن عبد الوهاب عن تراتبية في الفعل، ولا عن ثغرة للتقية، بل عن وحدة الشخصية في الفعل، التي وجد مثالها الأول (الإسلامي) في النبي محمد. لهذا بدت هذه الفكرة في أعين التقليديين المتحجرين جديدة. وليس مصادفة أن يجري اتهامه آنذاك بتلفيق حكايات عن ولعه بتاريخ من ادعى النبوة كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي وطليحة وغيرهم. ووضعوا بينه وبين مسيلمة علامة المساواة. بل لم يتورع بعض من انتقده بوضع حديث يقول: "سيخرج في ثاني عشر قرنا في وادي بني حنيفة رجل كهيئة الثور ولا يزال يلعق براطمه… يستحلون أموال المسلمين".

أفلحت الوهابية في بعث الشخصية السياسية للنبي محمد. وهو أيضا سبب سلوكها التقليدي "المحترف". وفي هذا التناقض كانت تكمن إمكانية تحولها إلى حافز سياسي لحركات كثيرة حاولت استمداد مثال الشخصية المحمدية. لكنه استمداد حددت طابعه وأسلوبه أيضا التقاليد الفكرية الثقافية والاجتماعية السياسية. ولعل البابية أحد هذه النماذج الأصيلة بهذا الصدد. فقد حاول الباب (ميرزه علي محمد) تجسيد الفكرة العميقة التي أبدعها الفكر الصوفي، وبالأخص في مدرسة ابن عربي عن الكلمة المحمدية ومثالها المطلق. فتجلي الكلمة الإلهية المطلقة في الأنبياء لا يعرف نهاية ما زالت الصورة الجامعة لها قائمة في الإنسان الكامل. من هنا محاولته جعل "الباب" و"البيان" محمدا الشيعي وقرآنه المعاصرين. فالشخصية المحمدية لا تنسخ هنا، بل تتجدد بثوب جديد، كما سبق للجيلي أن قال في (الإنسان الكامل). بمعنى صيغة تجليه الروحي الحق لا الجسدي.

دفعت البابية الصورة الشخصية الكفاحية للنبي محمد بأسلوب يشابه ما قامت به الحنبلية في الوهابية. فالدرعية هي "مدينة" الوهابية، ومازندران هي "كربلاء" البابية. وعوضا عن قيادة النبي محمد تظهر قيادة الوهابية والبابية، وعوضا عن "أمة محمد" تظهر "أمة محمد الحقة" في الوهابية و"مملكة الفقراء" في البابية. إلا أن الهزيمة العسكرية التي منيت بها البابية أغلق الباب برتاج البهائية! حيث جرى تذويب الشخصية المحمدية فأصبحت غائبة في وعي الروح المطلق. ولم تعد النبوة بنظر البهائية سوى "مرآة تنبئ عن الفيض الإلهي والتجلي الرحماني، التي انطبعت فيها أشعة ساطعة من شمس الحقيقة". أما النبي فهو "الفرد الكامل والفيض الشامل والنور الباهر، انه مرآة صافية لطيفة منطبعة فيها الصور العالية، تنبي عن شمس الحقيقة وتفيض بها على سائر الأمم". أنها النبوة التي أراد بهاء الدين (ميرزا حسين علي بن ميرزا عباس) تنفيذها، ولكن في نموذج طوباوي كوسموبوليتي.

ومع تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين، بعد أن تعرض العالم الإسلامي لهزيمة تاريخية حضارية أمام الغرب الأوربي، لم يعد النظر بالشخصية المحمدية قضية دينية خالصة أو تأمل لاهوتي أو تكرار عقائدي ممل. ولم يعد تأثيرها أسير "علماء الدين"، بل تعداه إلى الميدان الواقعي لشخصية النبي محمد أيضا. واخذ مثال النبي محمد يشمل بتأثيره مختلف المذاهب الفكرية السياسية. لكنه تأثير يجري في ظروف معاصرة. مما حدد بدوره ظهور توليفات فكرية متنوعة تجمعها في الأغلب ميتافيزيقية الشخصية المحمدية. فإذا كانت نماذج القرون الخوالي هي الصياغات الفكرية العقائدية والدينية الأيديولوجية و"التاريخية" عن محمد، فان مثيلاتها المعاصرة عادة ما تسبغ عليه روح الماضي بلباس الحاضر. وهو أمر لا يجعلها كبيرة الاختلاف عن سابقاتها من حيث تمثيلها واستمرارها بتقاليد الماضي الضيقة، أي أنها لم تتعلم ولم تتقن كيفية التحرر من مطابقته مع منظومة الملكوت الوجداني أو مرجعية الوحي المتسامي للأمة والوجود والوعي. ومن ثم لم تضع بعد مهمة التأسيس العقلاني والثقافي لجعله جزء من تاريخ الروح والإرادة والبدائل، عبر تذويبه الحقيقي في الوعي المعاصر وإشكالاته الجوهرية ومهماته العملية الكبرى. 

لقد أدت هذه الحالة، بمعنى الإبقاء على شخصية محمد ضمن حيز "الإلهام" التقليدي للعقائد اللاهوتية عن النبوة، إلى تحنيطه "المبدع" في مومياء المقدسات الدينية وأساطيرها. مع أن "المقدس" من بين الأمور والأشياء والقيم التي يصعب حدها، وذلك بسبب ارتباط "هويته" بثقافة الأمم وتاريخها الذاتي.

***

  

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1099  الاحد 05/07/2009)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1034 المصادف: 2009-07-05 11:05:49


Share on Myspace