المثقف - أقلام حرة

قوة الضعفاء / جودت هوشيار

فى مقال نشرته قبل حوالى  عشر سنوات فى مجلة (كولان العربى) التى كانت تصدر فى أربيل، قلت فيه حرفيا ما يلى: "اعتقد المناهضون لنمط العولمة الحالي، إن الفعاليات الجماهيرية

(التظاهرات والمسيرات الحاشدة والمطالبات المستمرة والملحة) يمكنها إجبارالخصوم على التراجع . ويلجأ المناهضون للعولمة الى تنظيم نظاهرات احتجاجية صاخبة (بمشاركة مئات الألوف من الشبيبة من شتى انحاء العالم)، فى اى مكان يعقد فيه اجتماع القمة لدول الأتحاد الأوروبى او الدول الصناعية المتقدمة.. ويحدث احيانا ان تخرج مطاهرات احتجاجية كبرى فى عدة عواصم فى ان واحد.....  ومما يثير الدهشة حقا، المستوى التنظيمي الرفيع لمناهضي العولمة : عشرات الألوف من الشباب من شتى بقاع العالم يتحركون نحو نقطة محددة وكأن عصا" سحرية تحركهم وتوجههم، حيث أن تظاهراتهم تتسم بحسن التنسيق والتنظيم وربما يكمن السر في ذلك،أن مناهضي العولمة يستخدمون – وياللمفارقة – أحد أهم انجازات العولمة ونعني بذلك الشبكة الدولية للمعلومات (الأنترنيت) في إتصالاتهم ."

 

كتبت هذه الكلمات فى وقت لم تكن خدمة (الأنترنيت) قد أنتشرت على نطاق واسع فى الدول العربية، بل كانت تقتصر على  جمهور محدود للغاية . ولكن  أستخدام (الأنترنيت) أخذ ينمو وينتشر بوتائر متسارعة ليس فى الدول المتقدمة فقط، بل فى الدول النامية أيضا . وقد رأينا كيف ان  شبكة (الأنترنيت) لعبت دورا رئيسيا فى الأنتفاضات الشعبية فى العديد من بلدان العالم مثل  مولدافيا وأوكرانيا وجورجيا وأيران  وتونس ومصر وليبيا .

و لكن أليس من المبالغة القول بأن شبكة الأنترنيت  وراء هذه الثورات ؟ واذا كان الأمر كذلك، كيف نفسر بقاء أحتجاجات المعارضة فى دول كثيرة (تستخدم الشبكة العنكبوتية على نطاق أوسع بكثير من العالم العربى مثل روسيا والصين) محصورة داخل الشبكة العنكبوتية ولا تنعكس خارج الشبكة على الرأى العام أو  الشارع؟

عندما لجأ الشهيد محمد البو عزيزى الى حرق نفسه، سرعان ما انتشر هذا الخبر بين مستخدمى  الأنترنيت فى تونس. عن طريق مواقع التواصل الأجتماعى وكان له وقع الصدمة على جيل الشباب . ثم تحولت الصدمة  الى غضب عارم ودعوة للأحتجاج فى الشارع . ولم تمض سوى ساعات قليلة حتى غصت  الشوارع بعشرات الألوف من المحتجين الذين أنضمت اليهم جموع غفيرة من التوانسة من مختلف الشرائح الأجتماعية والأعمار .

 

 وكان لمواقع التواصل الأجتماعى (فيسبوك وتويتر ويوتيوب) دورا بالغ الأهمية فى ثورة 25 يناير فى مصر ضد النظام البوليسى  . ولم تدرك السلطات المصرية لمدة طويلة  أبعاد  هذا الدور الجديد العظيم لتكنولوجيا المعلومات حتى ان جمال مبارك سخر من احد الشبان المصريين فى اجتماع عام، عندما سأله الشاب  عن رأيه فى موقع الفيسبوك ومواقع التواصل الأجتماعى الأخرى، ولم يكلف جمال نفسه عناء الرد، بل غرق قى ضحكة طويلة، ثم طلب من أحد أصدقائه الرد على السؤال . ولم يكتشف نظام مبارك  أهمية الأنترنيت عموما  ومواقع التواصل الأجتماعى خصوصا فى  تبادل وتوحيد الآراء و حشد الجماهير للتصدى لنظامه البوليسى الفاسد  الا فى ذروة ثورة 25 يناير  التى أجتاحت مصر من أقصاها الى أقصاها، فقطع خدمة  الأنترنيت لعدة أيام ولكنه أضطر الى اعادتها تحت  الضغط الأميركى، حيث نددت هيلارى كلينتون بقطع خدمة الأنترنيت وطالبت بأعادتها على الفور .

 

ثمة من يطلق على الثورات الشعبية العارمة فى البلدان العربية اسم ( ثورة  الفيسبوك) و(ثورة التويتر) نظرا للدور المشهود لهذين الموقعين الألكترونيين فى تسهيل التواصل والتنسيق بين زوارهما، ويقول البعض أنه لولا الأنترنيت لما حصلت تلك الثورات  !!  وهذا قول مبالغ فيه كثيرا، والحقيقة أن الأنترنيت أداة  فعالة  فى تحريك الجماهير الغاضبة ولجوء الأنظمة الشمولية فى أيران وتونس ومصر الى قطع الأنترنيت ئؤكد الدور الفعال لهذه الأداة الثورية حقا ولكن ليس بالأنترنيت الثورى وحده تندلع الثورات .

 

ان الظروف والعوامل الموضوعية لأندلاع الأحتجاجات الشعبية  فى تونس ومصر بالأمس وفى اليمن وليبيا والبحرين وعمان وغيرها من الدول العربية اليوم قد نشأت ونضجت قبل الأستخدام الواسع للأنترنيت وظهور مواقع التواصل الأجتماعى .

و نعتقد ان حشد مئات الألوف من المحتجين فى الشارع يتطلب نضوج البيئة الأحتجاجية وان  تكنولوجيا المعلومات وحدها  لا تكفى  لأزاحة الطغاة عن السلطة وأسقاط الأنظمة الشمولية، ولن تكون هذه التكنولوجيا من دون البيئة الحاضنة للأحتجاجات،  سوى منفذا للتعبير عن الرأى والتنفيس عن الهموم .

 

وعندما تتعمق وتنضج  الأستياء الشعبى ويصل سخط الناس على النظام القائم الى درجة الغليان (بسبب  قيام السلطة  بتزوير  الأنتخابات وأنتهاك حقوق الأنسان وفرض قيود على الحريات وأستشراء الفساد السياسى والأدارى والمالى  وتفاقم مشاكل الفقر والبطالة والبيروقراطية وتردى الخدمات العامة )، تتحول شبكة الأنترنيت  الى أداة ثورية  فعالة للتنظيم عبر تبادل وتقريب الآراء وحشد التأييد لفكرة الأحتجاج العلنى وكسر حاجز الخوف وتحديد مواعيد التحرك الجماهيرى ومكانه، أقول عند ذلك فقط  تتحول شبكة الأنترنيب الى  قوة تنظيمية تمارس تأثيرا سياسيا هائلا تعصف بالأنظمة الشمولية  الفاسدة  .

 

منذ أكثر من ألف عام والشعوب العربية تئن تحت سياط حكام جائرين أذاقوا شعوبهم الذل والهوان وسرقوا لقمة الخبز من الجياع . ولكن الزمن تغير ونحن نعيش اليوم عصرا جديدا، اصبحت فيه (المعلومة) متاحة للجميع بعد أن احتكرها الحكام الطغاة طويلا، ونشأ لأول مرة فى التأريخ البشرى مجتمع أنسانى يتقاسم فيه البشر السراء والضراء الى حد كبير  ولم يعد بوسع حاكم جائر ان يحجب الحقيقة، فشمس الحرية  والديمقراطية تسطع فى كل مكان من عالمنا (الصغير) ولم يعد بوسع طاغية، مهما أمتلك من أدوات البطش والقمع وو سائل التضليل والخداع أن   يخفى  جرائمه بحق شعبه عن العالم الخارجى  أو ان يستمر فى الحكم . وبفضل التكنولوجيا الثورية  الجديدة  أمتلك المضطهدون والمسحوقون  قوة خارقة  . أنها (قوة الضعفاء)  التى لا تقهر.

 

جودت هوشيار

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1701 السبت 19/03 /2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1656 المصادف: 2011-03-19 00:53:44


Share on Myspace