المثقف - أقلام حرة

عودة الوعى الى المثقفين العراقيين / جودت هوشيار

jawdat_hoshyarيذكر الكاتب الروسى ايليا ايرنبورغ ( 1893 – 1967) فى مذكراته التى نشرها قبيل وفاته، تحت عنوان "الناس والأعوام والحياة "، أن الجيش الهتلرى لم يلق مقاومة حقيقية

 فى الأيام الأولى  للأجتياح الألمانى للأراضى السوفيتية – فى  حزيران عام 1941 -  لا من قيل الجيش السوفييتى ولا من قبل السكان المحليين، ويرجع السبب فى ذلك – كما يقول الكاتب – الى ان الروس كانوا يعتبرون الألمان أمة متحضرة ومتقدمة ولم يكونوا يتوقعون أبدا ان يلجأ الجيش الألمانى الى أساليب وحشية سٍواء فى معاملة أسرى الحرب أو السكان المدنيين

 

و لكن لم تمض سوى أيام معدودات على الغزو حتى قامت القوات الألمانية بأعدام أسرى الحرب بالجملة وأبادة وحرق البلدات والقرى الروسية خلال تقدمها فى عمق الأراضى السوفيتية. ووقف الروس مذهولين أمام الجرائم الفاشستية التى تقشعر لها الأبدان.و كانت هذه الجرائم سببا فى ازالة الغشاوة عن أعين المخدوعين بالدعاية الألمانية  وأعين المثقفين الرومانسيين المعجبين بالفلسفة والأدب الألمانيين وأخذت مشاعر الأعجاب والأفتتان تتحول تدريجيا الى غضب عارم  وعزيمة قوية لطرد الغزاة وأدى الى أندفاع  الشعب السوفييتى بشبابه ورجاله ونسائه  للتطوع فى الجيش الأحمر والألتحاق بجبهات القتال او زيادة ساعات العمل ووتائر الأنتاج  فى جبهات العمل لتأمين أحتياجات الجيش من الأسلحة والعتاد والذخيرة والآليات والمؤن والمتطلبات الأخرى.

 

 وهب الشعب السوفيتى كله للدفاع عن وطنه ومساندة الجيش الأحمر فى صموده البطولى وتشكلت فى المناطق المحتلة مقاومة شعبية مسلحة واسعة النطاق كبدت القوات الغازية خسائر فادحة، و كانت معركة موسكو فى شتاء عام 1941 بداية لهزيمة الجيش الفاشستى وتقهقره على كل الجبهات  والذى انتهى بالنصر المؤزر للجيش السوفيتى والتوقيع على وثيقة أستسلام الجيش الهتلرى فى برلين فى 6 أيار عام 1945 .

 

و ها هو التأريخ يعيد نفسه من بعض الوجوه  وتتكرر التجربة الأليمة فى العراق بعد حوالى سبعين عاما ولكن فى ظروف أخرى مختلفة . لقد كان المثقفون العراقيون  مقتنعين تماما  أن الشعب العراقى  -الذى  قدم تضحيات سخية  فى النضال ضد الدكتاتورية – ليس بمقدوره  اسقاط هذا النظام من دون عون عسكرى خارجى ، وقبلوا على مضض  بالأجتياح  الأميركى  وكان يحدوهم الأمل فى أقامة نظام ديمقراطى، يضمن الحرية و المساواة  ويحقق  العدالة الأجتماعية   لكافة العراقيين، بصرف النظر عن أنتماءاتهم القومية والدينية والطائفية   ويحقق سيادة القانون ويعمل على  تحديث المجتمع العراقى الذى تخلف كثيرا عن ركب التقدم الحضارى  بسسب حروب صدام العبثية وسياسته الرعناء،

 

هذه الآمال راودت أذهان المثقفين العراقيين وهم يتذكرون التجربتين الألمانية واليابانية، حيث لم يتدخل الأحتلال الأميركى فى شؤون البلاد الداخلية وتركت الأمر للشعبين الألمانى واليابانى لأعادة بناء ما خربته الحرب العالمية الثانية وقدمت لهما مساعدات مادية ومعنوية هائلة  للنهوض من جديد.

 

و أضافة الى تلك التجربتين كان معظم المثقفين العراقيين المتنورين،  يثمنون عاليا  القيم الأميركية فى الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الأنسان وسيادة القانون. وينظرون بأعجاب الى التقدم العلمى – التكنولوجى الأميركى والى نمط الحياة الأميركية وآفاقها الرحبة التى تفسح المجال لكل فرد فى تحقيق ذاته وبناء مستقبله.و كان الأعتقاد السائد أن القوات الأميركية ستنسحب بعد أنجاز مهمتها فى العراق أى اسقاط نظام صدام وأنجاز عملية التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل وسيشهد البلاد تحولا ديمقراطيا وأقتصادا مزدهرا. وما الى ذلك من الأوهام الجميلة.

 

و لم يكن هؤلاء المثقفون يرون أميركا الثانية – ان صح التغبير – او الوجه الآخر لأميركا والسياسة العدوانية للمحافظين الجدد. لم يتذكر أى مثقف عراقى قبل الغزو حرب فيتنام القذرة والجرائم البشعة التى ارتكبها (اليانكى) فى هذا البلد. كما نسى او تناسى مساندة أميركا لكل النظم الدكتاتورية فى أميركا اللاتينية وفى العالم العربى ومناطق أخرى فى العالم  ولم يكن اى منهم يشك فى قرارة نفسه أن صدام كان رجل أميركا فى المنطقة بعد سقوط النظام الشاهنشاهى فى أيران قبل ان يخرج عن طوره ويفكر فى الأستيلاء على الثروات النفطية لدول الخليج ويسعى الى زعامة العالم العربى.و لأن الولايات المتحدة لا تفكر الا فى مصالحها الستراتيجية وخاصة بعد أن تحول مركز الثقل العالمى الى الخليج العربى والمحيطين الهندى والهادىء ولم يكن اسقاط النظام الدكتاتورى الا من اجل تأمين هذه المصالح وليس حبا فى العراق والعراقيين.

 

 لقد خدع المثقفون العراقيون أنفسهم أو خدعوا بآلة الدعاية الأميركية التى تهيمن على الأعلام العالمى الى حد كبير. وربما كان أحد اسباب سقوطهم فى الفخ الأميركى هوأن المعارضة العراقية  "  علقت كل آمالها على التدخل العسكرى الأميركى.، كما أن العراقيين عموما كانوا متلهفين لأسقاط نظام  فاشى أرتكب جرائم  الأبادة الجماعية و زج  بمئات الألوف من شبابهم ورجالهم فى أتون حروبه الدموية  وقد أبتهجوا حقا بسقوطه

 ولم يكن مهما من أسقط الصنم ولكن المهم هو زوال عهده  الأسود البغيض.

 

و فى الفترة التى أعقبت سقوط النظام الدكتاتورى ورغم أن كل الدلائل كانت تفضح أهداف  الغزاة  أبتداءا من التشجيع على تدمير المؤسسات الحكومية ونهب وسلب محتوياتها والقضاء على الذاكرة التأريخية للعراق والعراقيين  ووصولا  الى ترك الحدود مفتوحة لكل ارهابى المنطقة والعالم  من اجل نقل المعركة ضد الأرهاب الى بلاد الرافدين ليكتوى الشعب العراقى بنارها وتبقى الولايات المتحدة بعيدة عن كل تهديد أرهابى محتمل  ورغم تشكيل ما يسمى  مجلس الحكم على اسس عرقية وطائفية وطابعه الديكورى الشكلى - حيث  لم يكن  يحكم قط بل ينفذ أوامر بريمر -  وحل الجيش العراقى ولجؤ المحتل الى تأسيس أحزاب ومنظمات كارتونية ونهب ثروات البلاد، حيث  ان واردات النفط العراقى ومنذ أكثر من ثمان سنوات تذهب الى صندوق تنمية العراق فى واشنطن والذى تتحكم فيه  الأدارة الأميركية وليس الحكومة العراقية.

و رغم ان الحكومات العراقية المتعاقية التى تشكلت منذ الغزو ولحد الآن تأتمر بأوامر واشنطن ولا تملك الحرية فيما تفعل وخاصة فى قضايا الأمن والأقتصاد.رغم كل ذلك وقف المثقفون موقف المتردد، وظلوا يخدعون أنفسهم بأن كل ذلك ناجم عن أخطاء بريمر. وهذا الأعتقاد ينم عن سذاجة مفرطة أو لنقل بأن هؤلاء كانوا ما يزالون متشبثين  بآمالهم التى تتناقض تماما وما يحدث على أرض الواقع من تمزيق للنسيج الأجتماعى العراقى وتشجيع للزمر الأسلاموية  الرجعية   حتى النخاع والتى فرضت  على العراقيين –  بقوة  السلاح والقتل والذبح والأختطاف والتهجير – نمط  عيش ظلامى متخلف الى أبعد الحدود.

 

و يبدو ان هؤلاء المثقفين  لم يكونوا مستعدين للتخلى عن أحلامهم الجميلة وصدقوا الأكذوبة الكبرى، بأن بريمر هو الذى تسبب فى كل (الأخطاء الأميركية فى العراق). و كانوا يقيسون الأمور على وفق ما يجرى فى الوطن العربى حيث ينفرد الحاكم المطلق فى اتخاذ قرارات مصيرية دون الأحتكام الى رأى البرلمان او الرأى العام. اما فى الدول الغربية المتقدمة ومنها الولايات المتحدة فأن الأمر مختلف تماما، لا شىء يحدث  مصادفة  ولا قرار يتخذ بشكل فردى دون استشارة جهات متعددة وضمن السياسة المقررة. ومن السخف المطلق اعتبار كل القرارات الخطيرة التى اتخذها بريمر أخطاءا شخصية، لأنه لا يوجد قرارات شخصية فى دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية.و قد يكون سبب تضليل المثقفين العراقيين لأنفسهم هو أن أزلام العهد البائد وأصحاب كوبونات النفط  من سياسيين وأعلاميين مرتزقة من  كل صنف ولون قد وقفوا  ضد التدخل الأميركى لأسقاط صدام ولم يشأ هولاء المثقفون أن يصطفوا الى جانب المنتفعين من النظام الدكتاتورى الغاشم.

 

ان الشعب العراقى بأسره أصيب بخيبة أمل شديدة تحولت الى استياء عام وغاضب لما قام به جيش  الأحتلال والحكومات (العراقية) التى تعاقبت على سدة الحكم منذ  ما يزيد على ثمان سنوات  عجاف، وللحالة المزرية التى يعيش فيها الأغلبية الساحقة  من الشعب العراقى..

 عانى الشعب العراقى كثيرا فى ظل الكاتورية الصدامية ولكن الأوضاع العامة فى العراق  لم تتحسن بعد الغزو بل  اصبحت الحياة فى العراق أشبه بالجحيم. لا أعمار ولا تنمية ولا ديمقراطية. انتخابات شكلية وبرلمان لا تمتلك أدنى سلطة رقابية وحكومة عاجزة،  خائرة القوى تتسلح ببلاغة المالكى  ووعوده التضليلية الكاذبة، عوضا عن العمل والبناء والأنتاج. ميليشيات تتحكم برقاب العراقيين فى وضح النهار وأمام أنظار الحكومة  فى الكثير من المحافظات العراقية ، رغم صولات الفرسان وزئير الأسد وفحيح الثعبان !. صحيح أن تحسنا طفيفا قد طرأ على الوضع الأمنى ولكن ذلك حدث بفضل تغيير الستراتيجية الأميركية فى العراق (تشكيل الصحوات) وتقسيم بغداد الى مناطق طائفية  شبه معزولة بعضها عن البعض الآخر بالجدران الكونكريتية العالية  وليس بفضل الصولات والحملات  الأمنية المالكية الأستعراضية..

معظم المثقفين العراقيين يدركون اليوم ان لا أمل يرتجى من حكومة المالكى،  التى أهدر حوالى (400) مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية  فى مشاريع وهمية او مشاريع فاشلة نفذت بأسعار خيالية، حيث ذهب الجزء الأكبر من هذا المبلغ الى جيوب أمراء الفساد والمنتفعين من الحكم الرجعى  وتحولت الى حسابات بنكية وعمارات وقصور فى الخارج.

كل نوحى الحياة مظلمة فى عراق المالكى ولا وجود لدولة حقيقية، بل زعماء ميلشيات اسلاموية تتخذ من الدين ستارا لأرتكاب الكبائر والموبقات وتفرض على الناس نمطا متخلفا من الحياة أشبه بالقرون الوسطى. (الزمرة) الحاكمة تتدخل فى  حياة الناس واسلوب حياتهم. كل هذا يحدث فى القرن الواحد والعشرين وفى عصر التحولات الديمقراطية فى المنطقة والعالم.

ولا حاجة بنا الى وصف حكم المالكى لأن العراقيين قد خبروا هذا الحكم من خلال معانتهم اليومية. وانتهاك أبسط حقوقهم الأنسانية التى نص عليها المواثيق والعهود العالمية  الخاصة بحقوق الأنسان. وعبثا يحاول المالكى تسخير كل امكانات الدولة المادية للبقاء فى الحكم  وتلميع صورته. لأن نهايته، لن يكون أفضل من الطغاة الذين كنستهم ثورات الربيع العربى الى مزبلة التأريخ.

 

الأغلبية الساحقة من المثقفين العراقيين خبروا الحياة فى ظل حكومة المالكى الرجعية المتخلفة وعرفوا الحقيقة المرة : انهم كانوا مخدوعين بالوعود المعسولة لبناء عراق جديد  ديمقراطى مزدهر. ومن يتابع ما ينشر فى   الفضاء الثقافى والأعلامى العراقى (فى الداخل والخارج) يرى بوضوح تحولا كبيرا فى توجهاتهم وآرائهم التى تختلف تماما عما كانوا بأملون فى تحقيقه. والأمثلة على ذلك جد  كثيرة.  ولم يبق حول المالكى ورهطه الحاكم أى مثقف حقيقى يحترم نفسه ويحس بمعاناة الآخرين . بل، رهط من أشباه المثقفين وأنصاف المتعلمين من مزورى الشهادات والفاشلين اللاهثين وراء فتات الموائد.

عودة الوعى الى الأغلبية الساحقة من  المثقفين العراقيين بارقة أمل حقيقية  وضؤ ينير النفق المظلم الذى دخل فيه العراق.  فتحية لكل المثقفين والمبدعين العراقيين الذين يناضلون اليوم من اجل الحرية والكرامة الأنسانية وحياة أفضل لهم ولسائر العراقيين والعراقيات.

 

جودت هوشيار

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1855 الأحد 21/ 08 /2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1811 المصادف: 2011-08-21 02:13:09


Share on Myspace