المثقف - قضايا وأراء

عقائد وتقاليد الثأر السياسي في العراق (الماضي والحاضر) (2-5) / ميثم الجنابي

mutham_aljanabiالشخصية السياسية للمختار الثقفي

ولد المختار بن أبي عبيدة بن مسعود الثقفي في السنة الأولى للهجرة. وهي ولادة في الزمن كانت تحتوي في باطنها

على إمكانية التحول إلى تاريخ روحي. وذلك لأنه ولد مختارا في الزمن والاسم. وهو الاختيار الذي أتحفه الخيال السياسي والعقائدي اللاحق بقصة جلوسه في حضن الإمام علي بن أبي طالب عندما جاء مع أبيه إليه، ومسحه على رأسه وملاطفته بكلمات "يا كيس يا كيس". ولا غرابة في هذه الحكاية. كما أنها لا تحتوي بحد ذاتها على ما يمكنه إن يتنافى مع الواقع والأحداث. لكنها كانت تحتوي في أعماقها على إمكانية التحول إلى قيمة روحية في ظل ما جرى من أحداث درامية بعد موته ومقتل ابنه الحسين لاحقا. بمعنى أن هذه الحكاية الطريفة لا تخلو من إمكانية الصدق، لكنها لا تحتوي بحد ذاتها علي شيء غير إمكانية تحولها إلى طاقة التأويل الكامنة في أعماق المختار وتوظيفها ضمن سياق تكامل شخصيته السياسية والفكرية والروحية، كما نراها على سبيل المثال عند ابن نما الحلي حالما حّمل كلمة "كيس" أبعادا ماورائية ورفعها إلى مصاف التنبؤ الغريب بمأثرة المختار اللاحقة. وليس مصادفة أن تتحول هذه الكلمة في وقت لاحق إلى احد مصادر تسمية الفرقة الكيسانية والكسائية.

إذ عادة ما يجري ربط فرقة الكيسانية بشخصية المختار الثقفي. وهي محاولة ركيكة من جانب التيار المعادي له، كما أنها تسير بدون وعي عند أولئك الذين اعتبروا التسمية دقيقة بحقه. من هنا محاولات البحث عن تأييد تاريخي لها من خلال ابتداع العبارة الأسطورية التي تنسب للإمام علي بن أبي طالب التي قالها عنه عندما كان صغيرا برفقه أبيه. ومهما يكن من أمر هذه المقابلة وجلوس المختار وهو صغير في حضن الإمام علي، فان التسمية لا تستقيم مع العربية، مع ما فيها من دلال لا معنى له. لكنها تخضع بدون وعي لضغط التهويل والتزييف العقائدي الذي حاول أن يجعل من حركة المختار المناهضة للأموية و"الإشراف" بعدا غريبا أجنبيا أعجميا من أتباع الموالي!

 ومهما يكن من أمر هذه القضية، فإنها تبقى في نهاية المطاف أسلوبا ومستوى للبحث عن الجذور والتأسيس لها كل بمعاييره والغايات التي يرمي إليها. غير أن التأويل حالما يصبح أسلوبا للبحث في التاريخ والمستقبل، عندها تصبح الأحداث الواقعية حلقة في سلسلة الصيرورة الروحية والكينونة المتسامية للأفعال اللاحقة. وهي الصيغة التي نعثر عليها في رسم معالم نشوئه وحياته الأولية، عندما يجري تصوير طفولته على أنها لعبة في أيدي القدر البطولي للإسلام الأول. بمعنى الإشارة إلى موت أبيه شهيدا على شاطئ الفرات في مجرى معارك الفتح الإسلامي مع الفرس، بعد أن دهسه فيل بأقدامه. وهي معارك استخلفه فيها سبعة من أبناء ثقيف قتلوا على التوالي، كان أولهم أخوه جبر.

ولم يكن للمختار حظا في تلك المعارك لأنه كان في الثالثة عشر من العمر. غير أن المخيال الشعبي أثرى هذه الفترة بالرؤية التي تنسب إلى أم جبر، زوجة أبي عبيدة المختار كيف أنها رأت في منامها أن رجلا نزل من السماء ومعه إناء فيه شراب من الجنة فشرب منه أبو عبيدة وابنه جبر وجماعة من أهله. وبقي المختار خلف هذا الصمت الطويل قبل ان يظهر إلى جانب الحجاج بن يوسف الثقفي. وهي مفارقة جعلت التدوين التاريخي يقول، بان المغيرة بن شعبة الثقفي والمختار الثقفي المعاصرين أحدهما للآخر (إضافة إلى الحجاج أبو يوسف الثقفي!) هما ابرز من أنجبتهم ثقيف. واشتركا كلاهما في الذكاء الفطري والدهاء السياسي. وإذا كان المغيرة داهية السلم والحرب والإدارة مع ما فيه من قدرة واستعداد على الخداع والكذب والمكر والنفاق كما وصفه أكثر المؤرخين، فان الأمر يختلف بصورة جذرية بالنسبة للمختار. وليس مصادفة أن يقول السيوطي عنه في (تاريخ الخلفاء)، بأنه لو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يمكن الخروج من باب منها إلا بمكر واحتيال لخرج المغيرة من أبوابها كلها.

وبالمقابل جرى ملئ التاريخ السياسي الأخلاقي بشخصية المختار. وهو امتلاء جرى عبر صنع تأريخ متواز هو (أخبار المختار) و(تاريخ الثار) المرتبط بشخصيته. وما وراء هذين التاريخين وبينهما تراكمت الصورة الأسطورية. بمعنى أنها استمدت كامل مكوناتها وعناصرها من تاريخه الواقعي، بعد أن جرى رفعها إلى مصاف "القدر التاريخي" للحق و"الصوت الأبدي" للعدل. ومنهما جرى نسج الصورة النموذجية للمختار.

فقد كان تاريخ المختار السياسي حلقات متقطعة وحادة للصراع والمواجهة. وما هو معلوم ومشهور عنه حادثة تعرضه للسجن زمن عبيد الله بن زياد بسبب اشتراكه مع مسلم بن عقيل في التحضير لقدوم الحسين بن علي إلى العراق. لكنه أفرج عنه لاحقا وجرى إمهاله بضعة أيام للخروج من الكوفة. وسوف يجري تحويل هذا الخروج لاحقا إلى جزء من "مهمة ما فوق تاريخية" لشخصية المختار كما جسدها في موقفه المعارض للأموية وصراعه العنيف ضدها.

وبالضد من ذلك نعثر على الصيغة المضادة التي كانت في اغلبها محكومة بمزاج السلطة ومرتزقتها من أهل الرواية والقصاصين. وهي حالة نعثر عليها في مناقضة الروايات المذكورة أعلاه ولكن من خلال وضع أحاديث نبوية مزيفة!! واشتركت في هذا التصنيع آنذاك السلطة الأموية والسلطة الزبيرية. لقد اشتركا، رغم عداءهما الدموي، بحب السلطة، وانتقامهما من أية حركة شعبية قادرة على انتزاع السلطة من هيمنة العائلة التقليدية. وهي الحركة التي أكثر من جسدها آنذاك المختار الثقفي. من هنا جرى توجيه الضربة الإيديولوجية الكبرى ضمن معايير الذوق الإسلامي آنذاك، ألا وهي اتهامه بالنبوة! حيث اشتركت في هذا الاتهام آنذاك كل من السلطة الأموية والزبيرية.

ومهما يكن من أمر توثيق "الأحاديث النبوية" المتعلقة بنبوة المختار الكاذبة، إلا أنها تصب ضمن تيار الاتهام العقائدي والاستعداد للكذب من اجله، بما في ذلك من خلال إضفاء "هالة المقدس" عليه عبر إرجاعه إلى النبي محمد!! ويمكننا العثور على إحدى صيغها النموذجية فيما يورده ابن حجر. فهو يرسم لنا شخصية المختار بالشكل التالي: المختار بن أبي عبيدة بن مسعود الثقفي. يكنى أبا إسحاق. ولم يكن بالمختار. كان أبوه من جلة الصحابة. ولد المختار عام الهجرة. وليست له صحبة ولا رؤية. وأخباره غير مرضية. يقال، إنه كان في أول أمره خارجيا ثم صار زيديا ثم صار رافضيا". وهي صيغة نموذجية تجمع بين اليقين الجازم عند الاتهام والاحتمال حالما يتعلق بتاريخ المرء! ذلك يعني إننا نقف أمام صيغ إيديولوجية لا علاقة لها بالتاريخ الواقعي. أنها تنطلق من أحاديث مزيفة وتستند إليها. وفي حصيلتها ليست أكثر من صيغ مختلفة لما يمكن دعوته باحتراف الرؤية العقائدية – الإيديولوجية. وهو الأمر الأكثر وضوحا فيما يسمى بادعاء المختار الثقفي النبوة، التي لأجلها قتله مصعب بن الزبير!! أما في الواقع، فان مصعب كان يقتل لأنه أراد بذلك أن تتطابق أفعاله مع لقبه الجديد الذي صرح به حالما دخل البصرة، حيث أطلق على نفسه لقب الجزار!! وذلك لاعتبارات سياسية. بينما كان المختار العثرة الكبرى أمام بسط هيمنة أخيه عبد الله بن الزبير في العراق.

إن تحليل شخصية المختار التاريخية والروحية يكشف، بما في ذلك من خلال الرؤية المتعارضة والمتضادة عنه بين القوى المتحاربة، عن أنه احد التجليات النموذجية للروح الشعبي المجاهد ضد الظلم والطغيان. وتراكمت هذه الصفة في مجرى صيرورته الشخصية بحيث جعلت منه رجلا شجاعا مقداما، سخيا كريما، فارسا محنكا، حكيما في الرؤية، واقعيا في العمل، نبيلا في الهمة، صادقا في الوسيلة والغاية. وهي صفات سوف تبرز بوضوح في تاريخه السياسي وجهاده الفكري. وضمن هذا السياق يمكن الاتفاق مع التقييم الذي وضعه الأميني عنه في (أعيان الشيعة) عندما اعتبره "في الطليعة من رجالات الدين والهدى والإخلاص". من ثم نظر إلى حركته السياسية وانتفاضته بعبارة "النهضة الكريمة" التي "لم تكن إلا لإقامة العدل باستئصال الملحدين واجتياح الظلم الأموي". وهو تقييم دقيق للغاية. بمعنى انه وجد في مواقفه السياسية وآراءه انتفاضا أصيلا محكوما بفكرة العدل ضد خروج الأموية على مضمون العدالة والحق. وبالتالي ليس في آرائه مواقفه شيئا مما نسب إليه مما دعاه الأميني "بالقذائف والطامات" التي "لا مقبل لها من مستوى الحق والصدق".

مما لاشك فيه، أن الشخصيات الكبرى والمؤثرة في التاريخ السياسي والروحي لا تظهر عبثا أو اعتباطا. بمعنى أن وراءها على الدوام أسباب هي عين مكوناتها. وفي الحالة المعنية ليست حياة المختار المجهولة قبل صعود نجمه إلى مستوى العامل والمقاتل ورجل الفكر والناطق باسم أهل البيت العلوي، سوى الوجه الآخر للأبعاد الدفينة والمجهولة في حياته السابقة. ذلك يعني أن حياته ما قبل "ظهوره السياسي" على حلبة الأحداث التاريخية الجسيمة، لم تكن مفاجئة بذاتها، بقدر ما أنها كانت نتاج الخميرة المتراكمة في عقود الاستبداد الأموي الذي جسده معاوية بن أبي سفيان. فقد اقفل عهد معاوية في الحكم الباب أمام النخبة السياسية الناشئة في ظل العقود الأربعة الأولى، بوصفها زمن "النبوة الإمبراطورية" للخلافة. وهو زمن كانت تتراكم فيه كمية هائلة من شحنة الفكر والأخلاق والرؤية السياسية. ومن ثم لم يفعل الضغط والإكراه الأموي إلا على تحويل مسارها صوب الباطن. وهو السر الكامن وراء ظهور الحركات الباطنية.

فقد أدت محاولات معاوية إدخال فكرة التوريث وجعلها أسلوبا لنقل السلطة إلى استثارة الصراع الاجتماعي والفكري في الثقافة الإسلامية الناشئة، للدرجة التي حكمت بواعث خلافاته الداخلية والمذهبية. ومن الممكن توقع حدتها الدفينة وشدتها العلنية حالما جرى "شرعنتها" للمرة الأولى بعد موت معاوية. أما ردود الفعل السياسية المباشرة فقد أدت إلى استشهاد الحسين بن علي. وهي خاتمة فاجعة من حيث معناها الروحي والسياسي. أدت لاحقا إلى استثارة النشاط السياسي العنيف في معارضته للأموية.

وقد كان المختار هو احد هؤلاء الذين اخذوا على عاتقهم تحقيق فكرة الثار السياسي من الأموية بوصفها خروجا على حقيقة الإسلام الأول فيما يتعلق بفكرة الدولة والسلطة والأمة والحق. فقد تراكمت شخصيته في مجرى الصيرورة التاريخية الكبرى للإسلام. بمعنى انه بلغ الأربعين في ظل نمو متراكم لجوهرية فكرة العدل والحق والجماعة والأمة. أما البقية الباقية فقد تراكمت في ظل استبداد عنيف ظاهر ومستتر. وبالتالي، فان الصيرورة السياسية الأخيرة للمختار هي وحدة الظاهر والباطن الروحية في استلهامها لفكرة الحق والعدل الإسلامية، ومحاولة تحقيقها السياسي. ووجدت هذه الوحدة المتحولة منفذها بعد الخروج الأول للحسين في الانتفاض ضد الحكم الأموي وفكرة التوريث بوصفها مخالفة وخروجا على فكرة الشورى ومبادئ الإسلام الكبرى. وليس مصادفة أن يكون بيت المختار (دار سلام بن المسيّب) المكان أو المحطة الكبيرة التي نزل فيها رسول الحسين إلى العراق مسلم بن عقيل.

فمن الناحية الشكلية، لا توجد لدينا معلومات كبيرة عن حيثيات حياة المختار بعد صعود معاوية إلى السلطة. والأخبار الواردة عنه قليلة ويشير أغلبها إلى واقع ابتعاده عن العمل السياسي المباشر. بمعنى اعتزاله المعارضة المباشرة. أما نشاطه المباشر فقد بدأ يعد موت معاوية من خلال الاشتراك في مناهضة توريث السلطة عبر الوقوف إلى جانب الحسين بن علي في مساعيه السياسية للخلافة. وضمن هذه العملية الدرامية للصراع جرى عزل وتحييد المختار قبيل واقعة الطف التي قتل فيها الحسين. إذ يشير اليعقوبي في تاريخه، إلى أن عدم اشتراك المختار في المعركة كان بسبب إلقاء القبض عليه من جانب الشرطة التي كلفها عبيد الله ابن زياد بملاحقة كل من خطط واشترك في التحضير لدعوة الحسين. وتشترك اغلب الكتب التاريخية بهذا الصدد على تصوير الحالة التي جرى فيها نقله إلى ابن زياد، وكيف أن الأخير ضربه بقضيب على وجهه ورأسه فأصاب عينه، ثم ألقاه في السجن مع غيره ممن اعتقلهم. وقد حجز المختار في سجن فترة من الزمن. وهدد بالقتل، لولا تدخل أخته زوجة عبد الله ابن عمر، الذي تدخل بدوره عند يزيد بن معاوية من اجل إطلاق سراحه. وهو ما جرى بعد أن اخذ منه تعهدا بمغادرة الكوفة والعراق خلال بضعة أيام،  وإلا فان مصيره القتل.

لقد خرج المختار مقهورا ومجبرا من العراق، أو بصورة أدق انه تعرض للنفي السياسي. وهو أمر يشر إلى طبيعة الحراك السياسي الكامن في شخصيته، الذي سرعان ما جذبه من جديد إلى ميدان الصراع العسكري المباشر مع الأموية. فقد أقفلت الأموية عليه إمكانية التجسد السياسي لعقود طويلة. وحالما ظهرت إمكانية تحقيق ما يصبو إليه بفعل ما تراكم في شخصيته ورؤيته ومزاجه الروحي وأفكاره وعقائده، فان قطعها السريع من خلال إفشال انتفاضة الحسين بن علي واعتقاله ونفيه، قد عمق ووسع شحنة الاحتجاج الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. وهو حال نعثر عليه في فترة بقائه في الحجاز وانضمامه السريع لحركة المعارضة السياسية ضد الأموية التي ترأسها آنذاك عبد الله بن الزبير.

فقد كانت مدة إقامته في الحجاز، هي مدة الانهماك الفعال في الصراع السياسي والعسكري. وهو تاريخ يمكن تتبع الكثير من مفاصله ودقائقه الحياتية والبطولية في كتب التاريخ. وقد نقل لنا الطبري الكثير من هذه الجوانب. إذ نعثر فيها على اشتراكه الفعال في مواجهة الحصار الأول الذي فرضته جيوش الأموية التي كان يقودها الحُصين بن النمير. كما خاض المعارك البطولية حتى وقت إحراق الكعبة عام 64 للهجرة. وهي معارك كان يحركها من حيث الباعث الداخلي والغاية الخارجية موقف المعارضة الشاملة للأموية.

من هنا كان اللقاء بحركة عبد الله بن الزبير هو الوجه الآخر لموقفه من الأموية. كما أن استمرار العلاقة بها هو مجرد استمرار لمواقفه السياسية والروحية بوصفها حركة متممة لحركة الحسين بن علي، أي محكومة بالنسبة له بما فيها من مساع للانتقام من مقتل الحسين بن علي. الأمر الذي نعثر عليه منذ خروجه من السجن واضطراره لمغادرة الكوفة والعراق. إذ تنسب إليه الكلمات التي قالها بعد خروجه من السجن "والله لأقطعن أنامل ابن زياد ولاقتلن بالحسين بن علي عدد من قتل بدم يحيى بن زكريا". وبالتالي لم يكن لقاءه بعبد الله بن الزبير سوى العملية الطبيعية لالتقاء الرؤية السياسية في أولوياتها. بمعنى اشتراكهما في الهموم الكبرى الظاهرية والتقائها في مهمة المواجهة المباشرة والعلنية ليزيد بن معاوية. فقد استجاب هذا الاشتراك لهموم الإمارة (السلطة) عند عبد الله بن الزبير، ولهموم القضاء على الأموية عند المختار. وبالتالي لم يكن عملهما المشترك سوى ثمرة وفاق سياسي، أو مساومة سياسية كان للمختار موقعه الخاص فيها. بمعنى أنه لم يكن مجرد داعية سياسية عند عبد الله بن الزبير، بل ومؤثرا فيما يتعلق بالقرار السياسي والعسكري. وهو موقع نابع من خصال المختار ومشروعه السياسي بوصفه مناهضة للأموية. وهي الحالة التي نعثر على تصويرها بأشكال ومستويات مختلفة عند اغلب المؤرخين. وقد أشار ابن الأثير إلى أن المختار لازم ابن الزبير وشهد معه معاركه مع الحصين بن نمير وأبلى معه أحسن البلاء وقاتل أشد قتال. وفي كافة مواقفه وسلوكه العملي كان وفيا لابن الزبير، رغم أن الأخير لم يف بما وعده به. وهي نتيجة كانت محكومة بالمكان والتربية والعائلة والشخصية والغاية. وليس مصادفة أن يكون صراع عبد الله بن الزبير مع المختار يقترب، بل يزداد عما في مواقف وغاية الأموية منه! والسر يكمن في إدراك خطورة المختار وبرنامجه السياسي. إذ يتجاوز هذا البرنامج من حيث الوسيلة والغاية كل من الأموية والزبيرية، بوصفها تيارات سلطوية وعائلية وتقليدية. وهو الشيء الذي نعثر عليه في حياة المختار اللاحقة وسلوكه السياسي واصطدامه بالسلطتين الزبيرية والأموية بقدر واحد.

 إن ارتباط المختار بالحركة الزبيرية هو ارتباط بالنفس والمفاهيم والأفكار والقيم التي اعتنقها. وبالتالي لا علاقة صميمة أو جوهرية بينهما. من هنا سرعان ما تحول اللقاء إلى فراق، والصداقة إلى عداء. وهي عملية طبيعية بسبب اختلاف النوازع والغايات. كما يمكننا العثور فيها على طبيعة الشخصية السياسية عند الاثنين.  فقد كان كل ما في عبد الله بن الزبير محكوما بفكرة الإمارة، عكس المختار الذي كان صراعه محكوما بفكرة العدل وانتزاع الحقوق لأهلها. وبما أن الأموية قد جسدت من الناحية الفعلية والتاريخية نموذجا للظلم والاستبداد وانتهاك الحقوق، من هنا تراكم نفسية وفكرة الانتقام منها. بحيث تحول شعار الانتقام والأخذ بالثأر منها إلى مضمون العقيدة السياسية المباشرة للمختار، أي إلى شعارها التحريضي العلني. 

***

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1859 الخميس 25/ 08 /2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1815 المصادف: 2011-08-25 11:08:28


Share on Myspace