المثقف - قضايا وأراء

عقائد وتقاليد الثأر السياسي في العراق (الماضي والحاضر) (3-5) / ميثم الجنابي

mutham_aljanabiالعقيدة السياسية لفكرة الثأر الشامل

لقد كان شعار "يا لثارات الحسين" الشهير الذي رفعته الحركة المختارية، الخطوة السياسية الكبرى الأولى

 التي رافقت رجوع المختار الثقفي نفسه إلى الكوفة بعد فراق دام حوالي خمس سنوات. وإذا كان رجوعه من الناحية الزمنية والسياسية قد ترافق مع موت يزيد بن معاوية، فان مضمونه التاريخي يكشف عن طبيعة التحول الروحي والفكري في موقفه من السلطة. فقد أدى موت يزيد بن معاوية إلى استفحال الصراع من اجل السلطة داخل البيت الأموي من جهة، وبينه وبين القوى المعارضة من جهة أخرى. وهي قوى كانت متركزة آنذاك في شخصية عبد الله بن الزبير، التي أعطى لها موت يزيد شرعية كبيرة في الادعاء بحق الإمارة أو الخلافة.

لكن الصراع افرز أبعادا وقوى جديدة كانت تتراكم في مجرى عقود من الزمن. وهو تراكم كان يحتوي في أعماقه على وعي وانكسار قيم الإسلام الأول وتاريخ خلافة الراشدين في مآسي الزمن المتكررة للعنف والاستبداد المميز للأموية. فقد كانت هذه القوى تتمثل قيم الإسلام الكبرى ورؤيته التوحيدية بأبعادها الفكرية والروحية والاجتماعية والإنسانية من جانب، وتتمثلها عبر موشور الرؤية السياسية لمآسي مرحلة الانتقال من الخلافة إلى الملك، ومن الدولة العربية إلى الإمبراطورية الإسلامية، من جانب آخر.

وقد مثل المختار بشخصيته وحركته إحدى الصيغ النموذجية لهذين الجانبين. بمعنى انه تمثل على المستوى الشخصي والعملي قيم الإسلام الكبرى ورؤيته التوحيدية في ميدان الممارسة السياسية. وعكست هذه الممارسة مجمل تصوراته وبرامجه عن الأبعاد الفكرية والروحية والاجتماعية والإنسانية المتراكمة في مجرى المعايشة الشخصية والتاريخية العامة لمرحلة الانتقال من الخلافة إلى الملك ومن الدولة إلى الإمبراطورية.

فقد عايش المختار مرحلة الانتقال التاريخية الكبرى من الخلافة إلى الملك ومن الدولة العربية إلى الإمبراطورية الإسلامية بمعايير الانتماء الروحي والسياسي للتيار العلوي، بوصفه التيار الأعمق والأصدق تمثيلا آنذاك لفكرة الحق والعدل والمساواة.

وبما أن الأموية قد جسدت في كل أقوالها وأفعالها ونواياها وهواجسها مختلف أساليب ما يمكن دعوته بزمن المآسي، من هنا توسع وتعمق فكرة الثأر بمختلف أشكالها ومستوياتها. وقد أتقن المختار توظيفها السياسي عندما جعل منها شعار الانتفاضة الكبرى للعراق ضد الحكم الأموي بعد موت يزيد بن معاوية. فقد كان هذا الشعار يستجيب لمزاج أهل العراق عموما وأهل الكوفة خصوصا. كما انه التوظيف الذي يكشف عن شخصيته السياسية وأبعادها العملية.

فقد تضمن شعار "يا لثارات الحسين" واحتوى في أعماقه على وحدة البساطة والعمق. ففيه جرى اختصار تاريخ المعاناة من الظلم الأموي. كما عبّر فيه المختار عن أهمية الانتفاض وطاقة الاقتصاص المكبوتة في أعمق أعماق النفس الأخلاقية. بمعنى انه تمثل كل تاريخ الامتداد الروحي والمعنوي للإمام علي والحسين وحركة التوابين ومئات الآلاف من الأتباع والمؤيدين الين ذاقوا مختلف أصناف العذاب والمهانة. من هنا تحول هذا الشعار إلى مغناطيس الكسب المادي والمعنوي. والسبب بسيط للغاية، وهو أن الشعار كان اقرب إلى حقيقة ما يدور في خلد العراقيين وعقولهم وأفئدتهم وأرواحهم وأمزجتهم تجاه السلطة الأموية. من هنا التفاف الأغلبية حوله والانجذاب نحوه بطريقة هائلة أرعبت وأرهبت بقدر واحد القوتين المتناحرتين آنذاك، الأموية والزبيرية. وهو التفاف كان محكوما بفكرة الحق والعدالة والرجوع إلى مضمون الإسلام الأول والإبقاء على جذوته المشتعلة في العقل والضمير. وهو السبب الذي يفسر استقطابه للنخبة السياسية والعسكرية والروحية والاجتماعية المتربية بتقاليد الانتماء الفكري والروحي والعقائدي للإسلام الأول. وليس مصادفة أن تتراكم في آراء وممارسات المختار السياسية الأبعاد الكونية التي أخذت تذلل، على الأقل من الناحية النظرية، طبيعة التضييق الذي فرضته الأموية الأولى على فكرة الإسلام والعروبة. فقد كانت هذه الفكرة محكومة في اغلب مكوناتها بالعرقية القبلية والتقاليد الارستقراطية، أي كل ما كان يعادل معنى الجاهلية بالمفهوم الإسلامي.

وضمن هذا السياق، كان صراع المختار مع الأموية يحتوي في أعماقه، من حيث كونه إمكانية ونموذج واعي كما هو جلي في برنامجه السياسي، على نقيض لها. وهو نقيض كان يعمل، شأن كل حركات الاحتجاج والمعارضة الكبرى ضد الأموية، على توسيع هموم الأفراد والجماعات وإدراجها ضمن الهموم الكبرى. فقد أدت هذه الهموم في مجرى عقود طويلة من الاحتراب والتضحية إلى جعل الأهداف الكبرى أسلوب وجودها ونشاطها ومصدر مصداقيتها، ومن ثم مرجعيتها بالنسبة لاستقطاب القوى الجديدة. وهو استقطاب سوف تتكشف أبعاده السياسية الخاصة في مجرى الانتفاضة الكبرى التي قادها المختار ضد السلطة الأموية والزبيرية على السواء.

فقد تمثلت حركة المختار المكونات الجوهرية لخلل الحركة الزبيرية، من عدم الاستجابة لمقتل الحسين وقتلته، ومبدأ العدل والمساواة. بعبارة أخرى، لقد تمثل المختار في رؤيته للصراع والآفاق والبدائل القضايا الجوهرية التي كان بإمكانها استقطاب العراقيين في الصراع ضد الأموية والزبيرية على السواء، ولكن من خلال أولوية وجوهرية المبادئ العامة المتعلقة بالاقتصاص من قتلة الحسين بوصفه انتماءا عقائديا ووجدانيا، وتوزيع عادل للثروة بوصفه مبدأ اقتصاديا سياسيا، ودعوته للمساواة من خلال دمج الموالي المستضعفين بوصفه مبدأ اجتماعيا وإسلاميا وإنسانيا عاما. ذلك يعني انه ربط في برنامجه الجديد الجانب السياسي والاجتماعي والروحي والقومي والإسلامي العام.

وهو ربط سوف تبرز ملامحه النظرية والعملية في وحدة شعار الثار للحسين والعدالة في توزيع الثروة ومساواة أفراد المجتمع من خلال إلغاء فكرة "الموالي" و"الأشراف" الأموية بإعلاء شأن "المستضعفين" واتخاذهم قاعدة اجتماعية لتحقيق أهدافه السياسية. بمعنى انه ربط المكونات الكبرى للفكرة الاجتماعية العربية الإسلامية عبر تأسيسها بمقومات الرؤية الإنسانية. ووجدت هذه الذروة انعكاسها في سعيه لتحرير الأمة والخلافة من فكرة الاستعباد والاسترقاق، بما في ذلك تذليل فكرة "الموالي" بوصفها الصيغة الأولية والجنينية للغزو والحرب. فقد احتوت هذه الممارسة في أعماقها على فكرة الحرية بأبعادها الدولتية والإنسانية.

وضمن هذا السياق يمكننا القول، بان الانقلاب الذي أحدثه المختار بهذا الصدد كان يحتوي على إمكانية هائلة بالنسبة للمبادئ والمفاهيم العملية المتعلقة بالموقف من السلطة والماضي وقيم العدالة. وهو تحول يمكن رؤية ملامحه الواضحة في مجموعة المبادئ الخمس الكبرى، التي صرح بها للمرة الأولى في أول خطبة له في الكوفة بعد الاستيلاء عليها. حيث وضعها في عبارة واحدة تقول "تبايعوني على كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل البيت وجهاد المحليّن والدفاع عن الضعفاء، وقتال من قاتلنا، وسلم من سالمنا والوفاء ببيعتنا لا نقيلكم ولا نستقيلكم".

ومن هذه العبارة تتضح معالم المبادئ الكبرى الخمسة وهي: أولا، أن تكون شروط المبايعة للحكم مقيدة بالشرع الإسلامي (القرآن وسنّة النبي محمد فقط). ثانيا - مبدأ الاقتصاص من قتلة آل البيت بوصفها جريمة تاريخية وأخلاقية، على أن يكون الاقتصاص جهادا دائما مفتوحا ضد كل أولئك الذي احلوا المحرمات (الحقوق والواجبات) وجعلوا من انتهاكها أسلوبا لوجودهم. ثالثا - مبدأ المساواة المقيدة بالحق والحقوق عبر الدفاع عن حقوق المستضعفين بوصفهم عماد الأمة وقاعدتها وقوتها الضرورية. رابعا - مبدأ شرعية القوة ضد القتلة والمجرمين والتزام السلام مع المسالمين. خامسا - أن علاقة الولاة بالمجتمع هي علاقة موزونة بالعهد المشترك بينهما ومعقودة بالالتزام بجميع مبادئه العامة.

تعطي لنا هذه المبادئ إمكانية القول، بوجود منظومة فكرية سياسية لها مبادئها الواضحة والجلية، ولحد ما أولوياتها. وفي وحدتها ترتقي إلى ما يمكن دعوته بالعقيدة السياسية للمختار أو الفرقة المختارية بوصفها تيارا سياسيا. وهي عقيدة يمكن اعتبار ما فيها بداية الفكرة السياسية المتحررة من تقاليد الماضي. أنها تستعيد من حيث الرؤية العامة عقيدة الإمام علي بن أبي طالب تجاه النفس والمجتمع والدولة والسلطة، لكنها بالخلاف عنه رفعت قضية الثار السياسي إلى أسلوب الإدارة العامة للصراع الاجتماعي والسياسي. فإذا كان الإمام علي يعتبر أخر الدواء الكي، فان المختار جعل منه الجرعة الأولى الضرورية للشفاء. وهو خلاف المرحلة والشخصية. فقد كان الإمام علي يقاتل من اجل الأمة والدولة والفكرة، بينما كان المختار يقاتل إلى جانب ما هو مذكور أعلاه من اجل الإمام علي وآل بيته أيضا، أي من اجل إعادة الاعتبار لمكونات التاريخ الروحي الفعلي للخلافة كما فهمها هو.

وهو استنتاج يمكن رؤية ملامحه العلنية والمستترة في عدم إعلان المختار نفسه واليا أو خليفة، بل مجاهدا باسم آل البيت ومحمد بن الحنفية بشكل خاص. فقد كانت هذه الحالة تحتوي في أعماقها على مشاريع شتى. فقد كان المختار من أنصار الفكرة التي مثلها سليمان بن صرد. والأخير كان معارضا للحسن لتركه الخلافة، ومناصرا للحسين، ومقاتلا ومقتولا من اجله. والمختار سار في نفس الطريق ولكن من خلال مبادئ نظرية وعملية مترابطة وواضحة. مضمونها التقيد بأحكام القرآن والسنة النبوية، والرجوع إلى نموذج الإمام علي بن أبي طالب في الموقف من الإمامة والأمة (السلطة والمجتمع)، وضرورة تحقيق العدالة والمساواة بين المسلمين وطرد الأموية والزبيرية من العراق. لكنها مبادئ لم يكن بإمكانها التحرر، في ظل الفتنة والصراع العنيفين وكمية ونوعية الاستبداد وحجم عذابات أهل العراق، من إغراء التشفي العارم. وهو الشيء الذي تحسسه وأدركه ووظفه المختار بطريقة نموذجية. وأتسم هذا التوظيف بقدر كبير من الواقعية والضرورة، بوصفه رد الفعل المناسب على تاريخ الاستبداد وخلل بنية "الأشراف" أو الارستقراطية الجديدة. وبالتالي لم تكن عبارة "يا لثارات الحسين" شعارا لقتل المجرمين والمستبدين، بقدر ما كانت شعار العقيدة السياسية لثأر التحدي والبدائل. وذلك لأنها مبادئ كانت تؤسس من الناحية التاريخية والروحية لفكرة الجمعية الثقافية التي شارك في تأسيسها كل مثقفي الاحتجاج الفكري والروحي والسياسي. أما المختار فقد وحّد في ذاته مختلف مكونات وصيغ هذا الاحتجاج، بحيث جعل منه بالفعل احد أوائل المثقفين العرب المسلمين الكبار الذين أرسوا أسس ما أسميته بالمثقف المجاهد. لقد كان الثأر محكوما بفكرة سياسية هي مضمون الحركة المختارية، شعارها الثار وغايتها العدالة والمساواة عبر القضاء على الأموية.

 لقد كان مضمون الثأر الذي رفعه المختار إلى مصاف العقيدة السياسية هو الوجه الآخر لما يمكن دعوته بتوبة الانتقام الاجتماعي والأخلاقي ضد عنف السلطة الأموية في العراق. وذلك لان الشعار العملي وقت السلم والحرب كان متمحورا حول الاقتصاص من قتلة الحسين بن علي. بعبارة أخرى، لقد حول مختار شعار الثار من قتلة الحسين إلى لسان الميزان الأخلاقي الذي حكم طبيعة مواقفه النظرية والعملية في مجرى الصراع مع السلطة الأموية. وهو الشيء الذي طبقه بحذافيره في مجرى تتبع كل أولئك الذين اشتركوا بصورة مباشرة وغير مباشرة في قتل الحسين.

ولعل في مواقفه من التعامل مع رؤوس أولئك الذين كانوا عماد السلطة الأموية في قتلها للحسين نموذجا عمليا وظاهريا جليا بهذا الصدد. إذ تنقل لنا كتب التاريخ والسير، كيفية سلوكه عندما وصل إليه رأس عبيد الله بن زياد وهو عند الغداء! وهو وقت، سواء كانت تتطابق أحداثه بالفعل مع ما جرى، أو انه نتاج خيال المرغوب به، يعبر عن الرغبة في اخذ الثأر. وذلك لان الصورة المنقولة عن رأس الحسين، انه رمي أمام عبيد الله بن زياد وهو عند الغداء. لهذا قال المختار حالما القي رأس ابن زياد أمامه:"الحمد لله ربّ العالمين! فقد وضع رأس الحسين بن علي بين يدَي ابن زياد لعنه الله وهو يتغدى. وأُتيتُ برأس ابن زياد وأنا أتغدى!" . وحالما انتهى من وجبته قام فوطئ وجه ابن زياد بنعله، ثم رمى بالنعل إلى مولىً له وقال له: اغسلها! فإني وضعتها على وجه نجس كافر! ثمّ بعث المختار برأس ابن زياد إلى محمد بن الحنفية وإلى علي بن الحسين. وأرفق ذلك برسالة يقول فيها "أما بعد! فاني بعثت أنصارك وشيعتك إلى عدوك يطلبونه بدم أخيك المظلوم الشهيد. فخرجوا محتسبين محنقين آسفين. فلقوهم دون نصيبين. فقتلهم رب العباد والحمد لله رب العالمين الذي طلب لكم الثأر، وأدرك لكم رؤساء أعدائكم فقتلهم في كل فج وغرقهم في كل بحر، فشفى بذلك صدور قوم مؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم".

تكشف هذه الرسالة عن أن مضمون عقيدة الثأر عند المختار هي عقيدة المعركة التاريخية والأخلاقية للثأر من الأموية. ومن ثم فهو ثأر "مقدس". لهذا جعل منه، وبالأخص بعد القضاء على الجيش الأموي في معركة الخازر وقتل عبيد الله بن زياد، شعار المعركة الرهيبة للانتقام التاريخي والأخلاقي من كافة رموزها وشخصياتها. بحيث نراه يقول مرة "لا يسوغ لي طعام ولا شراب حتى أقتل قتلة الحسين بن علي وأهل بيته. وما من ديني أترك أحدا منهم حيا". ليس هذا فحسب بل وسحب موقفه هذا تجاه كل من ساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قتله. بحيث نراه يقول بهذا الصدد "أعلموني من شرك في دم الحسين وأهل بيته". بعبارة أخرى، لقد جعل من دينه قتل من قتل الحسين واشترك فيه. لقد جعل من الثأر المتسامي دِين وديَن، أي إيمان والتزام.

لقد كان موقفه بهذا الصدد تكملة للانتصار العسكري واستمرارا للمبدأ الأساسي للعقيدة السياسية للمختار واختبارا له في نفس الوقت. بعبارة أخرى، إن القضاء على من اشترك في قتل الحسين من بين أهل الكوفة هو استمرار القضاء على الأموية. وهو موقف يمكن أن نستشف منه، بأنه أعتبر كل من ساهم في قتل الحسين شخصا لا ينتمي إلى كوفة العراق. من هنا إشراكه الجميع في البحث عن القتلة والمساهمين والمساعدين عبر إشراك الجيش والجمهور. ووضع ذلك في دعوة متحركة موجهة لأهالي الكوفة تقول "من أغلق بابه فهو آمن إلا من اشترك في قتل الحسين"! كما انه موقف عجّل من تنفيذه مغامرة "الأشراف" في محاولتهم القضاء عليه بعد مغادرة جيش الاشتر إلى الموصل. لكن دعوته للرجوع السريع من اجل إخماد مغامرتهم قد أدت إلى استفحال هذه الممارسة الراديكالية. وهنا تحول شعار "يا لثارات الحسين" إلى مرشد عملي لكل أنواع المعارضة السياسية للسلطة الأموية، بما في ذلك اشد وأقسى أنواع الثأر الاجتماعي والسياسي والأخلاق. وقد دفع المختار هذه الممارسة إلى أقصاها، بحيث جعلته مرة يقول، "والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله".

إننا نقف أمام فكرة ذللت من حيث محتواها الواقعي وغاياتها الكامنة فكرة القرشية. بمعنى أنها ذللت مضمون "السيادة" و"الأشراف" من خلال إرجاعها إلى معاني الروح والمواقف. بحيث حّول هؤلاء "الأشراف" إلى دمية تافهة وكميات من اللحم والشحم لا قيمة لها ولا معنى غير القتل والحرق والتلف على أيادي أهل العراق. وبالتالي ليست الأساليب الدموية العنيفة والمباشرة والسافرة ولحد ما المثيرة، سوى الصيغة الناتئة لغور الحقد والكراهية المتراكمة من ظلم الأموية واضطهادها الطويل لأهل العراق. كما أن اشتراك الجمهور والموالي في تنفيذها هو التعبير الاجتماعي عن طبيعة الانتقام الأخلاقي والروحي من اجل إتمام تصفية الحساب مع كل أولئك الذين كانوا يجسدون في شخصياتهم وسلوكهم عين التناقض الجوهري مع الفكرة الإسلامية التي يدعون تمثيلها. وهو السبب القائم أيضا في محاولات المختار هدم كل ما له صلة بوجودهم بوصفهم عدما محضا بمعايير الأخلاق وفكرة الثأر المتسامية. من هنا نراه يهدم بيوت الأمويين لكي يزيل أي اثر لهم من ارض العراق. وأورد الدينوري في (الأخبار الطوال) كيف أن المختار طلب من أبي عمرة أن يجمع له العمال ويتتبع دور من خرج لقتال الحسين لكي يهدمها.

بل بلغت سياسية الانتقام والثأر بهذا الصدد درجة اخذ فيها المختار يتتبع حتى أولئك الذين أكلوا لحم الإبل التي كانت تحمل أمتعة الحسين ومرافقيه، بوصفها غنيمة المعركة. وهو انتقام يمكننا أن نتحسس فيه ونرى الوجه الآخر لفكرة الانتقام الأخلاقي والسياسي. بمعنى أن المختار أراد أن يضع الإنسان أمام مهمة التطهير الفعلي في المواقف، انطلاقا من أن الجريمة الأخلاقية لا يمكن تبريرها بأي سبب كان. وذلك لان الإنسان إرادة. وحقيقة الإرادة إخلاص للحق. والعدالة فيها أن يكون المرء متجانسا، على الأقل في الابتعاد عن اقتراف الرذيلة وعدم المشاركة فيها. ومن ثم لم يعن تقبل غنيمة الجريمة السافرة سوى الاشتراك فيها وتقبلها بوصفها غنيمة "حق". وهو عين الجرم والجريمة. من كل ذلك نستطيع القول، بان غلو المختار في معاقبة قتلة الحسين هي الصيغة العملية لغلو السياسة الأخلاقية والأخلاق السياسية.

بمعنى انه أراد أن يضع الإنسان بوصفه وحدة للروح والجسد أمام محك دائم لاختبار الإرادة بوصفها مسئولية. وبالتالي لم يكن عقابه لأولئك الذين أكلوا لحم الغنيمة المجرمة سوى الصيغة المتشددة لإبراز قيمة المسئولية الروحية والأخلاقية للفرد في مواجهة النفس وتحديها من اجل الحق والحقيقة والعدل والإخلاص. وليس مصادفة أن يعتق المختار عبيد كل من قاتل الحسين. تماما بالقدر الذي شجع العبيد على الانتقام منهم. بحيث نرى كتب التاريخ تعج بالعبارات القائلة، بان العبيد قتلت مواليهم الذين قاتلوا الحسين. ثم أتوا المختار فأعتقهم. وقد كانت تلك الخاتمة التي بلغتها فكرة الثأر عندما تطابقت من حيث الجوهر مع فكرة الحرية والأخلاق بمعايير العدل والمساواة. كما احتوت هذه النتيجة في أعماقها على خطر مميت للقوى المتصارعة الكبرى، الأموية والزبيرية. وبالتالي لم تكن مهادنتها المؤقتة فيما بينها، واجتماعها على محاربة المختار والقضاء عليه، سوى النتيجة الحتمية لهذا التحول العاصف في عقيدة الثأر المختارية.

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1861 السبت 27/ 08 /2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1817 المصادف: 2011-08-27 12:57:34


Share on Myspace