المثقف - قضايا وأراء

عقائد وتقاليد الثأر السياسي في العراق (الماضي والحاضر) (5-5) / ميثم الجنابي

mutham_aljanabiالتيار الصدري

إن الصدر ليس كالمختار، لكنهما من أصل واحد، وهو كوفة العراق. وليس مصادفة فيما يبدو أن يتمركز الصدر في مدينة الكوفة،

كما لو انه يستنسخ صورة المعارك القديمة ووهج آثارها المغرية بالنسبة للتضحية والشهادة، كما نلمحها في وشاح الكفن على البدن. فهي الرموز التي تستثير بوعي ودون وعي قوة الطاقة المتراكمة في دهور الانتماء الخفية للعراق.

فالكوفة هي معقل المواجهة التاريخية التي صنعت فكرة وعبارة "أهل العراق". وفيها وعبرها تراكمت كل الصور المحتملة للفروسية والثأر دون أن تهبط في مجرى تاريخها الى سوق التجارة الرخيصة للغوائل والرذائل. وليس مصادفة أن تبقي على صورتها هذه حتى في أحداث العراق الحالية.

فعندما تصدت الحركة الصدرية في رجالها المهلهلين للقوات الحكومية المدعومة بالأسلحة الثقيلة والفتاكة لقوى الاحتلال الأمريكي في النجف، فإنها كانت تستعيد في مآثرها التعيسة بطولات المختار القديمة، لكنها خلافا عنه قد أبقت على صلة الاتصال المرنة بين المقاتلين ورجال الدعوة، أي بين النجف والكوفة، أو بين "جيش المهدي" والصدر. وهي الصلة التي أثارت في وقتها قدرا من الشماتة والاستهزاء، لكنها برهنت على ما فيها من قيمة ترتقي الى مصاف القدر السياسي الرفيع. وهو قدر لم يحسمه تاريخ العراق بعد، لأنه جزء من غيبه المجهول، أي من مستقبل الصراع القادم. وهو صراع تاريخي، بل قد يكون احد أهم معالم وأنواع الصراع الاجتماعي العراقي المقبل.

فالعراق بحاجة الى قوى اجتماعية وطنية من اجل تذليل الهوة العميقة بين النخبة السياسية والمجتمع، وبينهما وبين التاريخ الفعلي للدولة والأمة والبدائل. فالنخب السياسية العراقية الحاكمة، شأن ما جرى الإطاحة بها مازالت غريبة عن العراق ومغتربة عن تاريخه الفعلي. ويرتبط ذلك بطبيعة الدمار والخراب الشامل الذي أحدثته التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية بإخلاء المجتمع والدولة من قواهما الحية. وحالما حدث الفراغ العاصف في السلطة بعد دخول القوات الغازية بغداد في نسيان 2003، فان اندفاع قوى الخارج كان اقرب الى العاصفة منه الى تيار الحياة المنعش. وهي العاصفة التي يمكن التأفف منها وإدانتها والحكم عليها بأشد واقسى أنواع العبارة والأوصاف، لكنها تبقى أيضا احد الأجزاء الكبرى لتأسيس التاريخ العراقي الفعلي. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية الحكم، بما في ذلك من خلال تأمل واستقراء تجارب الأمم، بأن هجومها العنيف على السلطة والمال هو أسلوب اندثارها واحتراقها السريع. بمعنى تحولها مع مرور الزمن الى رماد وسماد النمو اللاحق لقوى المستقبل العراقي. ومن ثم بقاء الاحتمال الأقوى والأكبر لقوى الداخل العراقي من اجل استكمال الشوط المنقطع في تاريخه الحديث.

فكما كانت حركة عبد الله بن الزبير وأخيه مصعب هي قوة الخارج العنيفة في محاولاتها الاستحواذ على العراق في مجرى ضعف وتخلخل الدولة المركزية الأموية، فان قوى الخارج الجديدة هي الأخرى لا علاقة صميمية وجوهرية لها بالعراق، بسبب طبيعة ونوعية الانقطاع السياسي والاجتماعي عن الواقع العراقي وبفعل تأثير المفاهيم الأيديولوجية الدينية والعرقية التي كانت وما تزل تحكم سلوكها. أما قوى الداخل، شأنها شأن قوى المختار، فهي النتاج المباشر وغير المباشر للزمن التوتاليتاري والدكتاتوري الذي حكم العراق في مجرى العقود الثلاثة الأخيرة. ومن ثم فهي الأكثر صميمية. وبالتالي تحتوي من حيث نفسيتها ورؤيتها وإدراكها على اقتراب يتسم بقدر كبير من الواقعية من حقيقة العراق الفعلية.

غير أن هذه المقارنة التاريخية تبقى، رغم كل الاعتراضات المحتملة عليها، الصيغة الأكثر اقترابا من الواقع. أن الحركة الصدرية الحالية كان يمكنها أن تتخذ منحى آخر في حال بقاء الصدر الأب. بمعنى إمكانية اقتران تيارها السياسي بمرجعيتها الدينية الروحية (الفكرية). وهو احتمال كان يمكنه أن يكون قوة عظمى بالنسبة للهوية الوطنية العراقية والعربية. كما كان بإمكانه أن يجعل منها تيارا اجتماعيا طبيعيا، وذلك لأنه التيار الذي كان يمكنه نقل الصراع الى الواقع العراقي ومركزه السياسي (بغداد). ومن ثم يبقى للحوزات التقليدية تقليديتها في الانزواء الغريب في أزقة النجف المغلقة، والمفتوحة على صحون الأئمة الثرية!

غير أن الصدفة التاريخية شاءت، شأن كل ما كان مميزا للصدامية من اصطدام مع ابسط متطلبات الواقع والحقيقة والتاريخ لكي تضعهم أمام امتحان عسير من اجل البرهنة على أن الحياة لا تشبه الموت! بمعنى وضع المجتمع وقواه أمام مهمة البرهنة على بديهيات الواقع والحقيقة والتاريخ. وقد تكون هي مفارقة العراق الحديث، بسبب عدم قدرته على تحويل الزمن الى تاريخ والعيش بمعاييره ومقاييسه. من هنا مراوحته في الزمان والمكان. وهو احتمال لا يمكن نفيه بسبب لاعقلانيته. فاللاعقلانية هي الفرضية الوحيدة المبرهن عليها في تاريخ العراق الحديث! من هنا سقم وعقم ما فيه لحد الآن. بحيث جرى تحوّل من كان في عداد العدم الى كل شيء! لكنها الحالة التي تعكس طبيعة الانحراف التاريخي للعراق عن تاريخه الذاتي. وهو تاريخ لا يمكن تأسيسه دون الانطلاق منه والرجوع إليه بما فيه. وتشكل الحركة الصدرية إحدى القوى الكامنة لهذه العملية. كما انه كمون لا ينفك في احد مقوماته الواقعية والايجابية في بقاء الصدر "يتيم" عائلته العريقة. وهو "يتم" وضعه، خلافا لتقاليد العائلات المتكلسة والارستقراطية المغلقة، أي المليئة بالزيف والرياء، أمام مهمة بناء كيانه الشخصي والاجتماعي والسياسي.

بعبارة أخرى، إن الصدر سليل العائلة، لكنها عائلة، شأن المختار، لا تتصف بطابعها المغلق ومؤسساتها التقليدية. بمعنى أنها لا تعيش وتعتاش على شرف "السادة" المزيف و"بحار العلوم" الراكدة، و"اجتهادها" المنزوي في بطون الكتب المتربة وقضاياها التي عفا عليها الزمن، وعلوها المريب على العوام، واستعدادها الدائم للاحتيال والسرقة والتشدق الدائم باسم المستضعفين. على العكس! لقد جرى رمي زمن "العائلة المقدسة" كما فعل المختار قبل قرون عديدة، عبر إرجاع فكرة "المرجع" الروحي الى ميدان الحياة الاجتماعية والسياسية بوصفها ميدان التأسيس العملي لتاريخ الحرية والعدالة. ولم يكن بالإمكان تجسيد هذه العملية بصورة نقية وعادلة وحرة بسبب التركة الهائلة لمنظومة الخراب والانحطاط الشامل في العراق.

فالقوى التي رفدت التيار الصدري هي تراب العراق المتطاير تحت أقدام العتاة القدماء والغزاة الجدد وسرايا القادة الصغار وأفواج المرتزقة في هيئات المعارضة المترفة للخارج. لكنه تراب العراق، ومن ثم، المكون القادر على أن يكون تربة الخشوع لما فيه، شأن تحول مراقد الأئمة المقتولة في ميادين القتال الى مزارات الروح والجسد العراقي عبر تحويل ترابها المعجون بعرق الأمهات الى تربة الصلاة ونذور البهجة والأماني. بعبارة أخرى، إن الاحتمال الكامن في الحركة الصدرية للصيرورة في كيان عراقي وطني عام يرتبط بمدى قدرتها على الارتقاء الى مصاف الفكرة الوطنية العراقية العربية. لاسيما وانه الشرط الجوهري والضروري والوحيد القادر على جعل نموها الطبيعي عملية تلقائية. بمعنى الخروج على تاريخ المرجعية التقليدية. وهي الحالة التي حاولت وما تزال تحاول الحركة الصدرية القيام بها من خلال جعل نفسها "مرجعية ناطقة" (الحوزة الناطقة). وهي صيغة تتمثل تقاليد الصامت والناطق الشيعية العامة وتتلذذ بفتات الفلسفة الإسماعيلية، لكنها لا تخضع لاعتبارات العقائد بوصفها منظومة. والسبب يكمن في أن الحركة الصدرية هي حركة اجتماعية سياسية تلقائية ثارت مع مدينة الثورة في فورتها الأخيرة بعد سقوط "هدام" (صدام). فقد انقلبت مدينة الثورة الى مدينة الصدر. وفي هذا الانقلاب تجري مصادرة ما صادره صدام فيما مضى عندما طلق اسمه عليها. وهو التحدي الجديد لتراث الصدامية من خلال جعل صدام "هداما" والإبقاء على مدينة الثورة، بوصفها مدينة الصدر، أي حامي تراثها وحامل لوائها الاجتماعي والروحي والسياسي. وتحتوي هذه الرؤية في أعماقها على صدى التراكم الهائل في شحنة الاحتجاج الاجتماعي للهامشية العراقية التي جسدت مدينة الثورة نموذجها الكلاسيكي.

فقد كان الانتقال فيها من الشيوعية الى الشيعية أمرا عاديا وتلقائيا. ومن ثم كان من الطبيعي أن يرتقي مزاج الكفاح المسلح العريق بين عرب الجنوب المتراكمة في ضواحي العاصمة الى تكوين "جيش المهدي". وهو الآخر لا عقائدية فيه شأن كل التنظيم العملي والخطاب السياسي للتيار الصدري، عندما يؤخذ على حقيقته، أي من حيث رؤية مقدماته الاجتماعية وغايته السياسية. انه مشحون بقوة الثأر الاجتماعي للمستضعفين (المهمشين). بعبارة أخرى، إن "جيش المهدي" هو النسخة المنسوخة للصورة المبتغاة في خيال العوام والثوار القدماء عن مواجهة السلطة المركزية العنيفة بعنف الثورة! وليس مصادفة أن تصبح مدينة الثورة وكل الأحياء الخربة للعراق العربي مصدرا أساسيا وممولا كبيرا للحركة الصدرية "بالأرواح والدماء" النقية والفاسدة على السواء. وفيها أيضا يكمن سر استجابتها العنيفة لمزاج الشيوعيين القدماء والشيعة الجدد. ومنهما كانت تتراكم كمية ونوعية التجربة السياسية المليئة بأخطاء الطفولة والرعونة الصادقة!

***

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1866 الخميس 01/ 09 /2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1822 المصادف: 2011-09-01 12:27:07


Share on Myspace