المثقف - قضايا وأراء

الهجويري الصوفي وكشف المحجوب! / ميثم الجنابي

mutham_aljanabiإن الشخصيات الكبرى غريبة في أطوارها وأحوالها. لكنها تلتقي في نهاية المطاف بسكب ما فيها في بحر الحقيقة، شأن كل روافد الوجود. فالوجود الصوفي وجدان لفقدان النفس وإعادة اكتشافها

في غربة الجسد وغرابة المواقف. الأمر الذي جعل من مصير كل صوفي ميدانا لتجلي الروح الحائر في حيرة الاكتشاف واستلهامه في مغامرة النفي الفرداني للانا. ومن ثم إعادة توليف نتائج هذه المغامرة الحية في إبداع لا يفعل الزمن إلا على صقل ما فيها وإبراز خفاياها بوصفها أنموذجا في تجارب الإدراك الذاتي للمطلق.

وضمن هذا السياق يمكن رؤية المرجعية الروحية الخفية التي اشترك في بلورة بعض معالمها كل من النفري في (المواقف) والهجويري في (كشف المحجوب). بمعنى الانمحاق في غربة غريبة لا اغتراب فيها، والظهور بعد أجيال وأميال في صورة بهية مثيرة للخيال والمعرفة بقدر واحد. وهذا بدوره ليس معزولا عن حقيقة التصوف بوصفه روحا. فالتصوف هو بمعنى معنى تجل للحكمة النظرية والعملية فيما يتعلق بالشكليات الوجود الروحي للإنسان. من هنا انتظام تجاربه الفردانية الكبرى فيما تدعوه المتصوفة بسلسلة التاريخ الروحي.

فالتصوف هو أولا وقبل كل شيء روح، أو بصورة أدق انه روح الروح! وليس اعتباطا أن لا تجتمع المتصوفة على تحديد واضح المعالم وتام لماهية التصوف، واكتفوا بالقول، بان كل ما يقال عنه هو مجرد تعبير عن حال. وهي إشارة إلى أن حقيقة التصوف هي تمثل لحقيقة المطلق. وهذا بدوره متنوع الصور والصيغ والمستويات. بمعنى انه يتجلى على قدر تمثله. ومن ثم ليس المطلق هنا سوى نموذج التجربة الفردية في مجرى معاناتها لبلوغ حقيقة الحق. ذلك يعني أن روح الروح أو حقيقة الحق هو مضمون التصوف. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان التصوف هو فلسفة المطلق من خلال البحث عنه وتجسيده في العلم والعمل. ويحتوي هذا العلم والعمل بقدر واحد على تمثل تجارب التصوف المجردة وشكل تحقيقها الفردي. ومن ثم ليس عمل الهجويري (كشف المحجوب لأرباب القلوب) سوى احد النماذج النظرية، أو "المدرسية" لرسم المعالم العامة والخاصة لحقيقة العلم والعمل الصوفيين، أي كل ما يشكل الوحدة الخفية لثلاثية الطريقة والشريعة والحقيقة، بوصفها ظاهر وباطن التجربة الصوفية.

فقد "ضاع" الهجويري في رحلاته العديدة لينزوي آخر حياته في أطراف الهند النائية بعيدا عن مسقط رأسه في إيران. ولم يبق مما أنتجه غير أصداء عميقة في الذاكرة التاريخية عنه في الأوساط الشعبية الهندية، كما أن ذكراه ظلت خافتة نسبيا بسبب ضياع اغلب كتبه. ولم يبق إلا كتاب (كشف المحجوب لارباب القلوب) الذي لم يستطع منافسة أمثاله بسبب عدم كتابته إياه بلغة العلم والثقافة العالمية آنذاك (العربية). وهو السبب الذي جعل كتاب الهجويري ينتظر قرونا عديدة من اجل أن يلتحم في سلسلة الكتابات الصوفية بهذا الصدد.

فقد سبق الهجويري عدد من المتصوفة الذين وضعوا أسس هذه الكتب "المدرسية" في التصوف لعل أشهرهم من الناحية التاريخية هو كل من سراج الدين الطوسي في كتابه (اللمع في التصوف)، وأبو طالب المكي في كتابه (قوت القلوب) والكلاباذي في كتابه (التعرف) والسلمي في كتابه (طبقات الصوفية) وأبو نعيم الأصفهاني في كتابه (حلية الأولياء). بعبارة أخرى لم يسبق الهجويري بهذا المنحى سوى القشيري في كتابه (الرسالة القشيرية في التصوف)، والذي طغى على كل من كتب قبله وبعده بهذا الصدد. إلا أن ذلك لا يقلل من شأن أي من هذه الأعمال، بل يمكنني القول، بأنها متكافئة من وجهة نظر المعرفة، لان في كل منها بعدا تاريخيا وثقافيا ومعرفيا. ووراء كل ذلك، أنها تشترك جميعا في إظهار حقيقة التصوف من وجهة نظر المتصوفة أنفسهم.

وضمن هذا الإطار يمكن فهم معنى وقيمة كتاب الهجويري (كشف المحجوب لأرباب القلوب). ففي اسمه إشارة مبطنة إلى وحدة العوالم الخفية للحقيقة وتربية الإرادة. بعبارة أخرى انه يضعنا أمام اختبار الكشف عما هو محجوب، لكنه اختبار يفترض بدوره معاناة القلب من اجل بلوغه. ولا يعني ذلك في لغة التصوف سوى السعي من اجل كشف حقيقة الحجاب وتنقية القلب بوصفها العملية الدائبة للتصوف من اجل بلوغ الحق.

فمن المعلوم أن المرء يتلذذ بالنظر إلى المحتجب. وذلك لما فيه من "إشاعة" أو "توجس" أو "غرابة" مثيرة للعقل والضمير. فالمحجوب يحتوي دوما على قدر من خفايا الأسرار. مما يجعله في الوقت نفسه مثيرا لحب الاطلاع والاستطلاع. غير أن ما يميز التصوف بهذا الصدد هو انه يثير حب الاستطلاع بوصفه فكرة، بمعنى انه يستثير النفس من اجل توجيهها نحو ذاتها. ولا يعني ذلك في الواقع سوى السعي من اجل الاطلاع على حقيقة النفس وكشف أسرارها وخباياها. فالإثارة هنا لا علاقة لها بالجسد، بقدر ما هي إثارة الروح، أي روحية. وحتى عندما يكون الجسد محط اهتمامها، فليس ذلك إلا بوصفه قناة الدخول إلى النفس ومنها إلى عالم الأرواح. وذلك لان مهمة الكشف الصوفي تقوم في كشف المحجوب عن النفس والعقل عبر استثارة الروح من اجل طلب الحق بوصفها حقيقة الإرادة. وقد شكلت هذه الفكرة جوهر التصوف العملي. فحقيقة الإرادة الصوفية هي استثارة القلب من اجل طلب الحق. والحق هو المطلق والله والقانون والعدالة، باختصار انه الكلّ القائم في الوجود والتجانس المتحكم بكل ما فيه بوصفه مصدر الجمال والجلال. والطالب لهذا كله هو المريد. فالمريد من الإرادة. وحقيقة الإرادة المتسامية ما صورها البسطامي مرة في حديث روحي بينه وبين الله، عندما كان الأخير يستفسر منه ماذا يريد، بينما كان البسطامي ساكتا صامتا، إلى أن استفسره الله أخيرا

-     أبو يزيد؟ ماذا تريد؟

-     أريد أن لا أريد!!

فقد شكلت هذه الفكرة صلب تربية الإرادة الصوفية بوصفها إرادة متسامية عن الخضوع لمتطلبات الجسد العابرة. وهي الفكرة التي تتخلل كتاب الهجويري، كما هو الحال بالنسبة لأمثاله من المؤلفات. إذ نعثر فيه على "تعميم" تقاليد الكتب الصوفية بهذا الصدد. وهو تعميم برمي في العراف الصوفي إلى استعادة القيمة المعنوية والفكرية للسلسلة الروحية في التصوف. وهو أمر جلي في التعريف العام الذي يقدمه الهجويري لمفاهيم المعرفة والفقر والتصوف وغيرها، إضافة إلى ترتيب وتاريخ الشخصيات الصوفية الكبرى بدأ من الصحابة والتابعين وانتهاء بالمتصوف وبعض مدارسهم الكبرى. مع إضافة ما هو "معاصر" له منهم. بعبارة أخرى، انه يحتوي بقدر واحد على تمثل تقاليد التصوف الكبرى والدراسة المنظمة والحية لما كان يعايشه الهجويري من أفكار ومدارس. وهو المضمون الذي عبر عنه في عنوان كتابه (كشف المحجوب لأرباب القلوب). ذلك يعني أن مهمة الكتاب نقوم في كشف المحجوب لأرباب القلوب. بعبارة أخرى انه يحتوي بقدر واحد على كشف أسرار التصوف للمريدين الجدد. وفي هذا تكمن قيمة الكتاب بالنسبة لدراسة التصوف أو خوض غماره الأول.

إن ما يشغل الهجويري ليس فكرة الحجاب بالصيغة التي وضعها النفري، وتوسع فيها لاحقا الغزالي، ورفعها ابن عربي إلى مصاف المنظومة المتكاملة، بل فكرة ما أطلقت عليه المتصوفة كلمة "السر". فقد كان همّ النفري هو كشف معنى وشكل ومضمون الحجاب بوصفه شكل ومضمون العائق الفعلي أمام تكامل المرء في العلم والعمل، أي أمام ارتقاءه صوب بلوغ حقيقة الكمال. ولهذا وجد الحجاب في كل شيء، في العلم والجهل والتقليد والله والدين، بحيث توصل إلى فكرته القائلة، بان "الحجاب واحد والأسباب التي يقع بها مختلفة وهي الحجب المتنوعة". ومنها توصل إلى أن "من عرف الحجاب اشرف على الكشف". أما الهجويري، فانه كان يقف بين ما كان يقول به النفري ولاحقا الغزالي وابن عربي وبين تقاليد التصوف الساعية إلى كشف مضمون ومعنى الكلمة والمصطلح والعبارة الصوفية العصية على الفهم والإفهام. لقد حاول الهجويري في كتابه (كشف المحجوب) أن يجمع بين شرح معاني المصطلحات وكشف أسرار الفكرة القائمة في بعض المفاهيم الضرورية للمريدين وغيرهم. من هنا منظومة "كشف" احد عشر "محجوبا" أدرج فيها كل من معرفة الله، والتوحيد، والإيمان، والطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وقواعد ومبادئ المعاشرة مع الناس، أي آداب العيش، ثم إزالة الحجاب عن معاني مختلف المفاهيم الصوفية مثل الحال والوقت والمقام والقبض والبسط وغيرها من المفاهيم، وأخيرا كشف معنى فكرة وممارسة السماع.

ذلك يعني أننا نقف أمام نموذج جديد في كشف ماهية ونوعية وكمية الحجاب. وهي مكونات مهمتها تنوير الطريق لأرباب القلوب، أي للمريدين وغيرهم ممن بحاجة إلى معرفة حقيقة التصوف، وليس إلى تنظيم ممارستهم العملية، كما نعثر عليه، على سبيل المثال لا الحصر عند المكي في (قوت القلوب) أو عند أبو النجيب السهروردي في (عوارف المعارف). إلا أن الغاية واحدة وهي تقديم صيغة معقولة لأولئك الذين بشكل تنقية القلب مضمون وأسلوب حياتهم الفعلية في إدراك حقائق الوجود والمطلق.

إن كتاب الهجويري (كشف المحجوب لأرباب القلوب) يهدف في آن واحد إلى الدفاع عن التصوف وكشف حقائقه وإرشاده العملي للمريدين الجدد. فهو كتاب مهمته كشف حقيقة التصوف عن الزائف لأنه لا يحتوي على نموذج طرائقي بقدر ما يحتوي على كشف ما يمكنه أن يكون ضروريا لأرباب القلوب من أي فئة كانوا. كما انه يحتوي على وحدة العلم والعمل عبر نماذج فردية ومفاهيم مفصلية وتصنيف للمدارس. وبهذا يقدم صورة عن نموذج للصوفية يجعلهم اقرب ما يكونوا إلى حقيقة الأرض، بسيطة في مظهرها معقدة في تضاريسها وأسرارها. انه أراد القول، بان حقيقة التصوف هي كالأرض تسكب عليها كل شيء ولا تنتج إلا الطيب والجميل. والمتصوف هو ارض الحقيقة. وهي حقيقة لها أسرارها الخاصة بها. ومن ثم لا معنى لصنع أساطير لتعظيمها. فالأسطورة لا تصنع عظمة، بل العظمة هي التي تصنع أسطورة! وليس على المرء إلا قراءة كتاب الهجويري من اجل أن تنكشف له حقيقة التصوف أو بعض ما هو محجوب في رؤية الإنسان أينما كان وكيفما كان، لان حقيقة التصوف هي فلسفة الحق والمطلق الإنساني.

 

......................

المقالة مدعومة من جانب مؤسسة (الصندوق الروسي العلمي) المتعلق بمشروع (قاموس التصوف الإسلامي)  رقم

10-03-00411?.

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1911 الاحد 16 / 10 / 2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1867 المصادف: 2011-10-16 12:44:52


Share on Myspace