المثقف - أقلام حرة

الموقف الروسى من الصحوة العربية / جودت هوشيار

jawdat_hoshyarالموقف الروسى من ثورات الربيع العربى، يدعو الى الأستغراب والتساؤل لدى بعض المتابعين للشأن الروسى ولكننا نعتقد ان لا جديد فى هذا الموقف، فقد وقفت روسيا دائما، منذ العهد السوفييتى البائد،

كما تقف اليوم مع الأنظمة العربية الشمولية وتدافع عن الحكام العرب الطغاة .

و هذا الموقف ناجم عن جملة عوامل داخلية وخارجية (صفقات الأسلحة، عقود الطاقة، النظام العالمى الجديد، الأقليات الأثنية والدينية فى الأتحاد الروسى ومدى تأثرها بالأوضاع فى الدول المجاورة لروسيا.)

و لكننى اود التطرق الى عامل مهم آخر لم يلتفت اليه المتابعون للعلاقات العربية – الروسية، وهو نظرة الأنظمة الحاكمة المتعاقبة فى روسيا الى شعوب البلدان القريبة من حدود روسيا الجنوبية .

فرغم مرور 95 عاما على سقوط النظام القيصرى فى روسيا وبصرف النظر عن تبدل شكل وطبيعة النظام الحاكم فيها أكثر من مرة، الا ان أمرا واحدا ظل كما كان فى العهد القيصرى وهو النظرة الأستعلائية الروسية الى شعوب الشرق عموما والشعوب العربية خصوصا .

و نظام فلاديمير بوتين لا يختلف عن الأنظمة الحاكمة السابقة فى هذه النظرة، التى لم تكن مقبولة فى يوم من الأيام ومرفوضة تماما فى عصرنا الراهن.

نظام بوتين (السوفييتى الجديد) المغلف بديكور ديمقراطى تجند وسائل اعلامها – وهو اعلام سائر فى ركاب السلطة عموما - لتجميل الوجه القبيح للأنظمة العربية القمعية . نظام بوتين لا يحسب حسابا للشعوب العربية الثائرة ويحاول تصوير الثوار كأنهم مجاميع من الرعاع السلفيين وأن الشعوب العربية ان هى الا قبائل بدوية وطوائف متناحرة والثوار تحركهم أحزاب وتنظيمات جهادية، تحاول أنتزاع السلطة من (أنظمة شرعية) بالعنف والأرهاب والأستعانة بالأجنبى .

 

وسائل الأعلام الروسية أمتدحت طوال الشهور الماضية نظام القذافى قبل وبعد سقوطه وتصف دكتاتور ليبيا بأنه بطل قلما يجود به الزمن، عاش وقاتل بشرف وشجاعة نادرة حتى آخر لحظة فى حياته كالفرسان النبلاء . فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعيد هذه الوسائل، المرة تلو المرة، نشر المقابلات التى تجريها مع (ممرضات) القذافى اللواتى يذرفن الدموع على الدولارات الضائعة نتيجة لأضطرارهن العودة الى بلادهن وحرمانهن من هدايا بابا قذافى الثمينة .. !

و تقول يلينا سابونينا (1) :

 " ان نظام القذافى كان نظاما (شعبيا وديمقراطيا) حيث كانت القرارات المصيرية تتخذ من قبل اللجان الشعبية وكذلك المصادقة على خطط التنمية والموازنة العامة وتضيف دون ان يرف لها جفن " ان القذافى وفر للشعب الليبى كل شىء بالمجان (الماء والكهرباء والتعليم والخدمات الصحية . وقدم منحا وتسهيلات لبناء السكن أو أقتناء السيارات) وتتساءل : فى أى بلد كان بوسع المرء أن يشترى سبعة ألتار من البنزين بدولار واحد فى غير ليبيا القذافى . ؟ "

 

 أما السياسى المتقلب، زيرينوفسكى، رئيس الحزب الديمقراطى الليبرالى الروسى ونائب رئيس مجلس الدوما (النواب) الروسى الذى أصبح موضع تندر وسخرية الشعب الروسى لتصريحاته الغريبة ومقابلاته الأعلامية المضحكة، فقد أعتبر نظام القذافى مثاليا وأفضل نظام فى العالم !

 

و الأعلام الروسى - الذى يدور فى فلك النظام - يسهب فى هذه الأيام فى أبراز الطبيعة القبلية للمجتمع الليبى وفى تضخيم الخلافات القائمة بين مختلف الفصائل المسلحة للثورة الليبية وتعتبر ذلك بداية لحرب أهلية بين الفصائل والقبائل المتنازعة .

ورغم خصوصية كل ثورة عربية واختلاف ظروفها وأسبابها من بلد عربى الى آخر، الا أن الموقف الروسى الرسمى من ثورات الربيع العربى ظل موقف المتشكك بنوايا الثوار والباحث عن القوى الأجنبية (الغربية) التى تقف وراء التظاهرات العارمة . ويعتبرالناشطين الشباب، من أصحاب المدونات والصفحات الألكترونية وبخاصة فى مواقع التواصل الأجتماعى طابورا خامسا يعمل لحساب الأجنبى..

 

و ويرتكب نظام بوتين بهذا الموقف الشاذ عن الأجماع العربى والأقليمى والدولى، أثما لا يغتفر فى حق الشعوب العربية وخطئا فادحا فى حق روسيا ومصالحها الحيوية، لأن الحكام زائلون والشعوب باقية وسوف يضطر نظام بوتين الى التعامل مع الأنظمة الثورية العربية الجديدة . ومن مصلحة روسيا معالجة تداعيات موقفها من الربيع العربى بأسرع ما يمكن . ولكن كل الدلائل تشير الى قصر نظر مستشارى حكومة بوتين من المستعربين والباحثين فى معاهد الأبحاث الستراتيجية الكثيرة الغرباء عن الواقع العربى والذين يزودون الكرملين بتقارير مضللة عن جهل او نتيجة لنظرتهم الدونية الى شعوب الشرق العربى .، أضافة الى أن هؤلاء الباحثين والمستعربين ينطلقون فى العادة من علاقات التنافس بين العملاقين الأميركى والروسى فى تقييم القضايا الخارجية، كل ذلك يجعل أبحاث هؤلاء السادة غير موضوعية، بل غير ذات قيمة فى كثير من الأحيان . وصفوة القول ان سياسة الكرملين تجاه الصحوة العربية لا تخدم المصالح الروسية فى المنطقة على الأطلاق، بل تلحق بها أبلغ الأضرار ..

البعض من متابعى الشأن الروسى (2) يعتقد ان هذا الموقف " مبنى أساسا على نهج براغماتى بحت يقيم الوزن لحسابات الربح والخسارة، ولذلك ظهرت موسكو، مستعدة للأعتراف بالثورات دون التخلى عن الأنظمة التى قامت ضدها . " وهذا القول صائب وخاطىء فى آن واحد . صائب، لأن موسكو لا تعرف سوى حسابات الربح والخسارة فى تعاملها مع الأنظمة العربية . وخاطىء لسببين،

 اولهما، أن المواقف الروسية تأتى متأخرة جدا بعد ان تكون الأحداث قد تجاوزتها. وهذا ما حصل بالنسبة الى موقفها من الثورة الليبية، حيث أعترفت بالمجلس الأنتقالى، بعد أن تبين للقاصى والدانى السقوط الحتمى لنظام القذافى وكان لهذا الموقف ردود فعل سلبية لدى الشارع العربى عموما والشارع الليبى خصوصا . ويمكن القول ان الموقف الروسى من الثورات العربية وبخاصة الثورتين الليبية والسورية " شكل صدمة لكثير من الشعوب العربية، حين أصطفت موسكو الى جانب النظم العربية، رافضة للثورة والحرية ."

و ثانيهما، أن روسيا لم تجن من حساباتها الخاطئة سوى الخسارة .حيث ذهبت المساعدات الأقتصادية والتسليحية الضخمة التى قدمتها الى الأنظمة العربية القمعية أدراج الرياح، وخسرت فى الوقت ذاته تأثيرها ونفوذها فى الوطن العربى . أى أن الموقف الروسى لا يمكن وصفه بأى حال من الأحوال بالبراغماتية !

" وربما هذه أول مرة بتأريخ العلاقات الروسية – العربية، تطالب فيها بعض الشعوب العربية بمقاطعة موسكو أقتصاديا وسياسيا وعسكريا، بعد أكثر من نصف قرن من التقدير العربى لمواقف روسيا المساندة لقضايا العرب . "

 

و حسب وسائل الأعلام الروسية، فأن موسكو تنتقد الولايات المتحدة والدول الأوروبية وتركيا والدول العربية، بأنها تعد العدة لتغيير النظام فى سوريا، وأن هذا التغيير لن يؤدى الا الى أثارة الحرب الأهلية فى هذا البلد . وترى روسيا ان المجتمع الدولى ينبغى ان يضغط أيضا على المعارضة السورية للجلوس وراء مائدة المفاوضات للتوصل الى حل يرضى الطرفين، أى بعبارة أخرى يضمن بقاء بشار الأسد فى السلطة . وبذلك فأن روسيا تضع علامة مساواة بين القاتل (نظام بشار) والضحية (الشعب السورى وممثلها الشرعى، المجلس الوطنى السورى) . وتحاول أنقاذ نظام بشارالآيل للسقوط .

 

و لا شك أن الدعوة الروسية للحوار جاءت متأخرة جدا، فقد فات أوان الدعوات، لأن النظام استخدم الحوار لكسب الوقت وأراقة مزيد من الدماء أملا فى قمع الثورة الشعبية، لذا فأن المجلس الوطنى السورى الذى يضم معظم القوى المعارضة لنظام الأسد، قد رفض رفضا قاطعا أى حوار مع النظام القائم وطالب بتنحى بشار عن السلطة فورا . وكالعادة لن يطرأ تغيير جوهرى على الموقف الروسى الا فى وقت جد متأخر، عندما تتيقن موسكو بأن مصير بشار قد صار قاب قوسين او أدنى من مصير القذافى .

نظام بشار فقد شرعيته وأصبح نظاما منبوذا ومحاصرا من قبل المجتمع الدولى وسوف يسقط ان عاجلا أم آجلا , ولا أمل له بالبقاء، مهما حاول وأستنجد بنظام الملالى فى طهران وتابعه، حكومة المالكى .

 يا لبؤس نظام بشار ! لم يتبقى له من نصير فى هذا العالم الواسع، سوى نظام الملالى فى طهران وتابعه المطيع فى بغداد .

 

جودت هوشيار

 

..........................

(1) " مواقف روسيا من الثورات العربية" دراسة نشرها مؤخرا " المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة "

(2) محللة سياسية روسية، درست اللغة العربية وتعمل فى وكالة أنباء (فريميا نوفستى) وتحمل لقب بروفيسورة فى معهد الأستشراق وتعتبر نفسها خبيرة بالشؤون العربية، حيث تستضيفها أحيانا قناة (روسيا اليوم) وبعض القنوات الفضائية العربية.

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1947 الأثنين 21 / 11 / 2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1903 المصادف: 2011-11-21 20:28:08


Share on Myspace