المثقف - قضايا وأراء

أوهام الأيديولوجية "المقدسة"وأحلام المستقبل العراقي / ميثم الجنابي

mutham aljanabiمن الناحية الفلسفية ليس الخلود سوى حالة وجود الأشياء كلها. بمعنى انه الصيغة الفعلية لتحول وتبدل وتغير واستحالة الأشياء والظواهر بصورة غير متناهية.

ذلك يعني أن الجوهري فيه هو التغير والتبدل وليس الثبات. لكن حالما يجري تحجيره في الزمن والأفراد والشعارات، فإنه يؤدي بالضرورة إلى خرق قانون وجود الأشياء نفسها، مع ما يترتب على ذلك من مساع لتثبيته في الزمن والأفراد والشعارات. ولا يمكن حل هذا التناقض إلا بالاستعمال الدائم للقوة والعنف والقهر والإكراه والكذب والدجل. بينهما هي قوى مستنفذة. من هنا خطورة "الخلود" و"المقدس" أو توليفهما في "الخلود المقدس" بالنسبة للأيديولوجية أيا كانت، لأنه يجبرها في النهاية على استعمال أساليب الإكراه والدجل، التي تستنفذ قوة الأيديولوجية نفسها مع مرور الزمن ليحولها إلى هراوة خشنة.

فالخلود يتخذ صيغ متنوعة. فهو الصيغة المجردة – الملموسة عن "المقدس"، أي عن مصدر الحرية والحق والإبداع. كما أنه الكيان المتعالي الذي لا يباع ولا يشترى مثلما نراه ونسمعه فيما نصطلح عليه بكلمات متنوعة مثل الله والمطلق وحقيقة الحقائق والروح والخير والجمال. مع ان حقيقة "المقدس" هو المجرد عن الابتذال. ومن ثم ليس للأيديولوجية قدرة على احتواه وتمثله، بسبب انتمائها إلى عالم المصالح المتغيرة والمتبدلة.

 بعبارة أخرى إن مهمتها الحقيقية تقوم في البقاء ضمن عالم المتغيرات وتمثلها بطريقة واقعية تجعل من كل ما تقوله وتفعله جزءا من اجتهاد المعاصرة. إذ ليس إضفاء "الخلود" على الأحكام الأيديولوجية سوى الصيغة المقلوبة لمحاولات التعويض عن نقص الحاضر وإضفاء صفة المقدس على طموح الأفراد والأحزاب. بينما تبرهن التجارب التاريخية للأمم جميعا على أن إضفاء صفة المقدس على المطامع السياسية للأفراد والأحزاب يجعل من "خلودها" هراوة أبدية! من هنا ليست عبارات وشعارات "الزعيم الخالد" و"الرفيق الخالد" و"حزبنا الخالد" أو "شعاراتنا المقدسة" و"غاياتنا المقدسة" و"مقدساتنا" و"قدس الله سره" وما شابه ذلك سوى الصيغة الأيديولوجية لسلب التاريخ والمستقبل عوضا عن مواجهة الإشكاليات الواقعية والتعامل معها بمنطق المعاصرة المستقبلية.

وفيما لو انتقلنا إلى تحليل بعض الشعارات الأيديولوجية الكبرى مثل شعار "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" عند القوميين (البعثيين) وشعار "الشيوعية" عند الشيوعيين وشعار الخلاص (المهدي) عند الإسلاميين (الشيعة) وشعار "الإسلام المحمدي" عند الإسلاميين (السنة)، فإننا نقف أمام اشتراك جوهري في الرؤية الأيديولوجية، وبالتالي توقع إمكانية الاشتراك في الأعمال والنتائج.

فقد كان شعار البعث "أمة ذات رسالة خالدة" تعبيرا أيديولوجيا ووجدانيا مفرطا يقوم فحواه في تجاهل قيمة التاريخ الفعلي بالنسبة لوعي الذات القومي. ومع أن مضمونه الذي وضعه ميشيل عفلق يختلف اختلافا كبيرا عما هو سائد في الخطاب السياسي للبعث إلا انه أدى بلورة رؤية عقائدية متحجرة وخشنة فيما يتعلق بالموقف من الحاضر والمستقبل والقومية. وذلك لأنه كان يتضمن إمكانية إضفاء صفة "المقدس" على متطلبات السياسة. ولعل تاريخ تجسيد هذا الشعار في العراق هو الصيغة النموذجية لذلك. أما شعاراته العملية المكملة له عن الوحدة والحرية والاشتراكية، فقد تجسدت في تجزئة شاملة للفرد والمجتمع والدولة والقومية، واستبداد لا مثيل له، واشتراك منظم لسرقة الماضي والحاضر والمستقبل والثروة والروح والفكر والأخلاق.

أما "شعار الشيوعية" في العرف الأيديولوجي، فإنه لا يتعدى التصورات الدينية الإيمانية العادية عن الجنة والجنان، أي الهدوء الخالد والأبدي. من هنا قيمتها غير المباشرة في استثارة الخشوع الفردي والجماعي أمام محرابها السياسي في الحزب والقادة. ولا يغير من ذلك شيئا كون الشيوعية من حيث رؤيتها العقائدية الأساسية تناهض الفكرة الدينية بحد ذاتها وتقف إلى جانب نقيضها النظري المباشر. إذ ليس الدين من وجهة نظر الماركسية سوى الانعكاس الوهمي للواقع بعد إضفاء صفة التقديس عليه. وبالتالي، فان إرجاع الأمور إلى نصابها الواقعي وإدراكها بصورة علمية وموضوعية هو ضمانة القضاء على "الأوهام المقدسة" أيضا. ومفارقة الظاهرة هنا تقوم في أن هذه الرؤية الإلحادية المناهضة للدين والمقدس تعيد إنتاج هذه "الأوهام المقدسة" بصورة غير مباشرة أو مقلوبة الفروة حالما تحاول تجسيدها في رؤية سياسية لها حدودها الصارمة عن "الحقيقي" في التاريخ والمعاصرة والآفاق. كما هو جلي في محاولاتها الأيديولوجية تقديم رؤية شاملة للماضي والحاضر والمستقبل، قادرة على تمثل تجارب جميع الشعوب والأقوام والثقافات. وهو أسلوب يؤدي بالضرورة إلى صنع "أيديولوجية مقدسة" تقف خارج التاريخ، مع أنها الأكثر اندماجا به من الناحية المجردة. مما يضعها في نهاية المطاف ضد المسار الواقعي للتاريخ والثقافة والحق أيضا. وهو أمر جلي في تجارب العالم المعاصر بأكمله!

أما بالنسبة لشعار الخلاص (المهدي) الشيعي، فإنه التمثيل الأيديولوجي النموذجي للعقائد الشيعية القديمة عن الغيبة الكبرى والصغرى ونماذج التأويل اللاهوتي "للمنتظر" و"صاحب الزمان" و"الظاهر والباطن". بعبارة أخرى، إننا نقف أمام نفس ظاهرة "التجريد" المتسامي للقيم التاريخية عبر رفعها إلى مصاف الخلود، ومنه إلى التقديس الدائم. إذ ليست "الغيبة" و"المنتظر" وربطهما في "الصاحب" و"الإمام" في الواقع سوى الصيغة الساعية لأنسنة المطلق (الخالد - المقدس)، أي أنها تربط الزمن الدائم (والدائر) بالفكرة المتسامية ومن خلالها تحاول أن تعطي للمعاصرة قيمتها الجزئية في كل شيء، بما في ذلك في الأفعال السياسية. وهي صيغة مقلوبة لما ينبغي أن تكون عليه. إلا أن لها مبرراتها في الفكرة اللاهوتية التي لم تتحرر بعد من ثقل الماضي. فهي تعيد نفس مزاج الفكرة الفلسفية عن الحقيقي وغير الحقيقي، من خلال جعل التاريخ مسارا لا قيمة له ما لم يكن جزءاً من فعل الخلاص المنتظر (كما هو الحال بالنسبة للتاريخ الماضي قبل الشيوعي بالنسبة للشيوعية)، أو انه في أفضل الأحوال "مقدمة" للخلاص ومجيء "المنتظر".

ولا تختلف فكرة الرجوع إلى الإسلام المحمدي عند التيارات السنية الراديكالية عن سابقتها، مع أنها ترجع إلى الماضي أكثر مما تنتظر المستقبل. وهو خلاف ظاهري فقط من وجهة النظر التاريخية والسياسية. لكنه يصب في نفس مجرى الابتعاد عن مواجهة إشكاليات المعاصرة بمقاييسها ومعاييرها ومتطلباتها. وذلك لان افتراض "نقطة" أو "مرحلة" في التاريخ على أنها نموذج مطلق هو خروج على التاريخ نفسه. فهي رؤية أسيرة لمزاج التقديس المزيف للماضي، ولا تتعظ بفكرة الإسلام الوحدانية نفسها ومضمونها الثقافي. فما هو جوهري في تاريخ الإسلام ليس "الإسلام" بل إبداعه الثقافي. إضافة إلى انه الكيان الفعلي الوحيد في التاريخ والذاكرة والحقيقة.

كل ذلك يوصلنا إلى استنتاج يقول، بان البحث عن فعل أو حالة أو شخص أو رمز مقدس في التاريخ وجعله نقطة البداية والنهاية هو سجود أمام أوهام أيديولوجية، لا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى خلود بلا مستقبل!

وفيما لو طبقنا ذلك على حالة العراق الحالية ضمن سياق القضية الأكثر عملية ونظرية، واقصد بذلكما يمكن أن نطلق عليه وصف التجربة الدينية السياسية في بناء الدولة. والمقصود بالتجربة الدينية هو أسلوب تجسيد الفكرة السياسية المستندة من حيث تأسيسها النظري وخلاياها الباطنية إلى رصيد اللاهوت السياسي والرؤية اللاهوتية التي تجعل من الواقع تابعها وليس مصدرا لاستخلاص المفاهيم والقيم والأحكام. بمعنى أنها تعارض منطق الحقيقة المجردة والواقعية والتاريخية بزمن العقائد الراسخة في الخيال والوهم. وليست هذه الظاهرة معزولة عن طبيعة الانحراف الواقعي في مسار التاريخ الحديث والمعاصر في العراق (والعالم العربي ككل) الذي جعل من طبقة الوعي الديني ومؤسساتها السياسية والاجتماعية تقفز إلى السطح بعد تجارب الدنيوية (العلمانية) الفاشلة. بينما يفترض مسار التاريخ الواقعي العكس تماما! بمعنى الانتقال من "المرحلة الدينية" بوصفها نتاج أو مستوى النمو الأولي والبدائي للوعي والتنظيم الاجتماعي والأخلاقي صوب الصيغ الثقافية الأكثر رقيا، بما في ذلك في مجال التنظيم السياسي للفرد والجماعة والدولة والأمة.

إن تجربة العراق الحالية، والعالم العربي والإسلامي ككل تبرهن على أن اجتياز "المرحلة الدينية" في الوعي الوطني والقومي، أي تذليل تقاليد الذهنية الأسطورية واللاهوتية هي مهمة "القوى الدينية". لاسيما وإنها مهمة تتراكم في مجرى بناء الدولة والمجتمع والثقافة الحديثة، أي أنها عملية لا ينجزها غير التيارات الدينية نفسها بعد أن تقف أمام مهمة الارتقاء إلى مصاف الفكرة الاجتماعية العقلانية أو الاندثار مع غبار الهياج العنيف للأصوليات المتطرفة.

أما سرعة تطورها فتتوقف في ظروف العراق الحالية على كيفية ونوعية إرساء أسس النظام الديمقراطي العقلاني الدنيوي الحديث. وليس مصادفة أن تكون التجربة العراقية الحالية الأكثر والأشد تعقيدا وعنفا. فهي التجربة الأولى التي تتكسر فيها مرحلة قرن من الزمن لكي تبدأ مرحلة التاريخ الفعلي. وهو مخاض معقد وعنيف تتوقف عليه آفاق الموجة الأخيرة للقوى السياسية في المنطقة. بمعنى الانتقال من طوفان الزمن الراديكالي إلى تاريخ البدائل العقلانية. وهو انتقال ذاتي، أي تلقائي للحركة التاريخية الملازمة لصعود القوى السياسية الجديدة. وقد يكون المشروع الأمريكي للديمقراطية والبديل العقلاني في العراق احد مظاهرها الجلية.

ففشل المشروع الأمريكي للديمقراطية ليس نتاجا لنية سيئة أو سوء فهم وتقدير أو عدم دراية وجهل وغيرها، بقدر ما انه الخاتمة الطبيعية لكل مشروع خارجي. إن حقيقة البدائل المستقبلية الكبرى ينبغي استمدادها من المستقبل. وهو أفق لا علاقة للقوى الأجنبية به إلا بالقدر الذي يستجيب لمصالحها الآنية والبعيدة المدى. بمعنى أن الحوافز الدفينة محكومة بتاريخ خاص. فقد كان المشروع الأمريكي (وما يزال) محكوما بالتاريخ الأمريكي ومصالحه ومرجعياته. والشيء نفسه يمكن قوله عن المشروع العراقي. وفشل المشروع الأمريكي في العراق هو النتاج الطبيعي لهذا الاختلاف والتباين. كما انه يبرهن على جملة حقائق كبرى، لعل أكثرها أهمية ضمن سياق البحث هو أن نجاح أي مشروع كبير نتاج لتراكم الرؤية الواقعية عن طبيعة وحجم الإشكاليات التي تواجهها الأمة والدولة. وبالتالي، فان أجمل وأفضل المشاريع الأجنبية تبقى غريبة من حيث المقدمات والنتائج. وذلك لان المشاريع الأجنبية لا يمكنها التوفيق بين رؤيتها الخاصة ورؤية الآخرين، وبالأخص في ظل اختلافات جوهرية في التاريخ الثقافي والسياسي والتطور العام. فالمشاريع الأجنبية إما أملاءات وهو الأتعس، وإما سياسة المصالح الضيقة وهي الأكثر تخريبا. وأخيرا، إن المشاريع الأجنبية هي مؤشر على خراب ذاتي، ودليل على اختلال في توازن القوى. وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها.

فقد كان صعود المشروع الأمريكي وهبوطه في العراق دليلا على صعود وسقوط التوتاليتارية والراديكالية، ومؤشرا على خلل القوى السياسية جميعا. وبالتالي، فإن إدراك هذه الحقائق الكبرى يفترض تحويلها إلى بديهيات سياسية عند القوى السياسية من اجل أن تتكامل فعليا بمعايير الرؤية الوطنية وتحقيق مصالحها من خلال مصالح العراق بوصفه صراعا من اجل المستقبل. الأمر الذي يفترض المساهمة العقلانية والواقعية من اجل إفشال المشروع الأمريكي في العراق، بشرط أن يكون البديل ليس رجوعا إلى الوراء وليس ممالأة للقوى السلفية ولا انسياقا وراء مختلف أشكال التجزئة المتخلفة من طائفية وعرقية وجهوية، بل بديلا واقعيا وعقلانيا ومستقبليا. وذلك لان حقيقة المستقبل بالنسبة للعراق مقرونة بالإجماع المتنامي في كل مكونات ومنظومات وجوده على فكرة الاحتمال في البدائل، بمعنى الانهماك في التخطيط المتنوع والمختلف لهوية المستقبل. وليس هذا بدوره سوى الاجتهاد والجهاد الدائم من اجل تحقيق إستراتيجية بناء الهوية العراقية، والدولة العراقية، والثقافة العراقية، والمجتمع العراقي. وهو مشروع لا يمكن تحقيقه بين ليلة وضحاها. لاسيما وأنه ليس جزء من تصورات الأحزاب وأيديولوجياتها، بل هو المكون التاريخي لتطور المجتمع والبنية الاقتصادية ونظام الدولة السياسي والثقافة العامة والخاصة. وبالتالي، فهو المشروع الأكبر للعملية التاريخية المعقدة التي يتوقف مسارها وسرعتها على طبيعة التحولات السياسية والاجتماعية وقواها المحركة والفاعلة، أي القوى السياسية الكامنة في مشروع المستقبل العراقي بوصفه مشروعا قوميا ثقافيا.  

***

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2020 السبت 04 / 02 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1978 المصادف: 2012-02-04 13:08:31


Share on Myspace