المثقف - قضايا وأراء

الأستشراق: محاولة للفهم ولردم الهوَّة / جودت هوشيار

jawdat hoshyarتوطئة: ليس من السهل على الباحث – أى باحث – أن يأتى بجديد عند الكتابة عن موضوع مطروق ومتداول على نطاق واسع،

مثل "الأستشراق" الذى صدر حوله عدد لا يحصى من الكتب والبحوث والدراسات بشتى لغات العالم ومنها اللغة العربية . لعل أشهرها، كتاب المفكر الفلسطينى اللامع أدوارد سعيد (1935- 2003م) " الأستشراق " الذى صدر باللغة الأنجليزية عام 1978 فى الولايات الأميركية المتحدة وترجم الى أكثر من 35 لغة، الأكثر أنتشارا فى العالم ومنها اللغة العربية، . وقد أثار هذا الكتاب – وهو كتاب فكرى عميق الغور، يعكس اللمعة الفكرية الباهرة لواحد من أكثر العقول العربية والعالمية عمقا وتألقا فى العصر الحديث - جدلا واسعا فى الأوساط العلمية فى الغرب والشرق وأثار مناقشات وخلافات فى الأوساط الأستشراقية وبين العلماء والمفكرين والباحثين فى شتى حقول المعرفة الأنسانية وصدرت حوله عشرات الكتب، بعضها لا يدل على الفهم الصحيح أو يدل على الفهم السطحى لكتاب سعيد ولكن معظمها كان مؤيدا،وبعضها متحمسا لطروحاته، ومن الصعوبة اليوم، أن يفلت أى باحث من تأثير نظرية سعيد الأستشراقية ورؤيته للفكر الأستشراقى، حين يتناول بالبحث والدراسة حركة الأستشراق العالمية، ولكن يمكن القول بكل ثقة أن المؤرخ والباحث الدكتور محسن محمد حسين - الأستاذ فى جامعة صلاح الدين بأربيل وعضو الأكاديمية الكردية، نجح الى حد كبير، فى كتابه الجديد الذى يحمل عنوان " الأستشراق برؤية شرقية " فى تناول موضوعة " الأستشراق " برؤية جديدة، تختلف الى حد كبير، عن كل ما كتبه المؤرخون والمفكرون والكتاب العرب عن هذا الحقل المعرفى.

 

2- الأستشراق فى الفكر العربى الحديث:

يمكن تقسيم البحوث والدراسات الأستشراقية عن الشرق العربى الأسلامى تحديدا، بأقلام المفكرين والباحثين العرب، التى صدرت قبل كتاب الدكتور حسين الى مجموعتين:

 

 الأولى وهى الأغلبية الساحقة: كتابات تهاجم المستشرقين بعنف وتلصق بهم من دون أدنى تمييز، شتى التهم وفى مقدمتها، معاداة العرب وتشويه صورة الأسلام والمسلمين من منطلق التعصب الدينى وتعتبرهم عملاء للأمبريالية، وأن بحوثهم تهدف الى التبشير الدينى المسيحى، وأبراز التفوق الحضارى الغربى وتسهيل الهيمنة الغربية على الشرق .

و قد هلل الباحثون العرب، الذين يمثلون هذا الأتجاه المتعصب لكتاب سعيد بأعتباره، تأكيدا لمقولاتهم المتهافتة، ولكن خاب ظنهم، حين، كتب سعيد فى عام 1995 فصلا جديدا بعنوان " تعقيبات " ملحقا، بكتابه فى طبعاته الجديدة، يقول سعيد " أن هناك تفسيرات خاطئة للكتاب، رأت أنه يدافع عن الأسلام والعرب ويعادى الغرب بصورة مستترة، فى حين، كان يهدف الى تخطى الهوة بين الشرق والغرب من خلال أثارة قضية التعددية الثقافية، فى كتاب يحفل بظلال المعانى ومن يراه مجرد رد على الغرب يسىءاليه بهذا الوصف المبسط ."

 

الثانية: وهى قلة قليلة تتحدث عن الأستشراق بموضوعية وتقيم عاليا الخدمات الجليلة التى قدمها المستشرقون للتراث العربى وبضمنها تحقيق وترجمة ونشر أمهات المخطوطات العربية، التى تشكل المصادر الرئيسية للتراث العربى ودراسة الشرق العربى الأسلامى وآدابه وحضارته وفق مناهج علمية حديثة .

 

3- كتاب "الأستشراق برؤية شرقية":

 الدكتور حسين، حاول معالجة هذا الموضوع على نحو مختلف، ويستهل كتابه بالأشارة الى منهجه فى البحث، حيث يقول فى الفصل الأول، الذى يحمل عنوان (ما المطلوب منا أن نعمله؟)، " كيف يتعين علينا أن نتعامل ونتفاعل مع الآخرين مع (الغرب) . انى هنا أسعى حثيثا أن أنبذ الهوى والعاطفة، قدر المستطاع، ولن أدعى أنى أبحث عما يسمى الحيدة، أو أنى لم يتكون لدى موقف ما طيلة عقود من الأطلاع على ما ألف عن الأستشراق ... ويشير الى قول الباحث المغربى البازعى فى كتابه " أستقبال الآخر " (الحياد) بحد ذاته فكرة مثالية والقول بوجوده ضرب من السفسطة والسذاجة أو أدعاء بالتعالى على التميزات البشرية، لا يحققه سوى الأله .

ومحاولة فهم مثل هذا الموقف من الاستشراق بات أمراً محتماً، فهذا التفكير الثاوي صار يتجاوز حجم المطبوع من الكتب، وبات يشغل بال المثقفين، بل ويؤرقهم، وسيظل يؤرقهم زمناً قد يطول . وهذا يعني ان ادمغة ما زالت تعمل ولم يصبها العطب، تناقش تلك الامور في وضح النهار, ولا شك ان الدخول الى مثل هذه القضايا في مجتمع راكد، حين يمس الثوابت التي جبل عليها (الناس) لهو ثمن باهظ. لكن السكوت تجاه ما يؤرقنا يدل على قصورنا الموضوعي والذاتي، ذلك القصور الذي يعترينا صباح مساء، حين نرى قضايا خطيرة مسكوت عنها، نقف قبالتها مكتوفي الايدي، وكأنها أمور لا تعنينا، ولكن حين نقلق تجاه ما يحدث، نكون قد خطونا الخطوة الصحيحة

 

و يؤكد حسين، أنه لا يبنى – مسبقا – موقفا فكريا ما، يبغى الدفاع عنه، عن صوابه (بأى ثمن)، بل ينطلق من موقف حضارى يؤمن بالمثاقفة، ونقد ما ترسخ فى أذهاننا من أمور قطعية، لا تقبل النقاش، أو صار الجدال فيها من المحرمات " تابو " غير قابلة للبحث والدراسة وأعادة النظر .

و يدعو الى كسر جدار الخوف - ويعترف ان الأمر صعب، فليس سهلا تهشيم هذا الجدار والأنفكاك من العزلة الفكرية التى أحطنا أنفسنا داخل أسوارها - وفهم لآخر، والأستفادة من ثقافته . نقرأ ما عندهم بتمعن، لنكتشفهم ونكتشف أنفسنا، ولكن ليس كل ما عند الآخرين فيه ما ينفعنا .

 فى الوقت الذى يقر فيه وجود البعض من المستشرقين المتغطرسين - من ذوى النظرة الأستعلائية الى الشرق العربى، الذين أعتبروا الغرب الأوروبى وصيا على العلم والمعرفة والحضارة - يشيد بجهود المستشرقين عموما ويعتبر ذلك شجاعة أدبية فى مجتمعات يهيمن عليها ذهنية التحريم،

و الأستشراق، كما يقول حسين، أقض مضاجع البعض، حين قرأ رأيا يغاير ما اعتاد عليه، لأنه لم يألف وجودا متحققا غير وجوده، فثم من اعتاد على توجيه الأتهام للآخرين، لمجرد كونهم ينتمون الى ثقافة، تختلف فى جوانب عديدة عن ثقافتنا، ويعيشون فى عالم غير عالمنا .

و يورد حسين فى الفصل الثانى، الذى يحمل عنوان " أشادات بمجهودات المستشرقين " أقوال طائفة من خيرة الكتاب والمفكرين العرب المعنيين بالتراث الأسلامى وشؤون الأستشراق، مثل بنت الشاطىء وزكى مبارك ومحمد كرد على ويوسف احمد وصلاح الدين المنجد ومحمد يوسف محمد ومحمد صالح البُنداق ويوسف أسعد داغر وغيرهم، الذين ثمنوا عاليا انجازات المستشرقين، فى الحصول على المخطوطات والوثائق والآثار وحفظها فى أماكن بعيدة عن السرقة والرطوبة والجرذان، ثم قيامهم بتحقيقيها ونشرها دون مسّها بالتحريف، لأى سبب كان، وبكل أمانة وأنصاف .

تقول الدكتورة " بنت الشاطىء - عائشة عبد الرحمن " اننا مدينون للمستشرقين بجمع ذلك التراث وصونه من الضياع . . . وتسألون: وماذا لو تركوا تراثنا لنا، أما كنّا أهلاً لجمعه وصونه ؟ فأجيبكم بملء يقينى: كلا، لقد كنّا فى غفلة عنه، لا نكاد نحسً وجوده أو نعرف قيمته، أو نقدر حاجتنا اليه ... أن خدًام دور العبادة عندنا يبيعون أوراق نفائسه بالكوم (بالجملة) لتجار الحلوى والبقول ! وتضيف قائلة: أن جهود هؤلاء لم تقف، فى جمعهم لكتب تراث الشرق على مجرّد اقتنائها، بل فهرسوا ما جمعوه فهرسة علمية دقيقة ... ومن ثم انتقلوا الى نشره نشرا يعتمد على أدق منهج للتوثيق والتحقيق . . . وصحونا من نومنا، فأذا ألوف الذخائر العربية بيت أيدينا، محررة، موثقة، نلوذ بها فى دراساتنا العالية، ونعد الرجوع اليها فى ابحاثنا مدعاة للفخر والمباهاة . . وبلغوا فى دراساتهم للشرق وللعربية وللأسلام حدّاً مذهلاً من العمق والتخصص . "

 

والواقع ان المرء لا يستطيع أن ينقل ما أورده الكتاب المسلمون المنصفون عما أنجزه المستشرقون في دراساتهم الرصينة بعقل حصيف متمكن، لكن من المفيد ان نوجز أبرز أعمالهم المشرفة، فقد درسوا المدنيات الشرقية القديمة (مدنيات بلاد سومر وآكد وبابل وبلاد النيل والشام واليمن ودلمون – البحرين -- وبلاد فارس وبلاد الكرد.. اضافة الى الحضارات العظيمة في بلاد الهند والصين والهند الصينية…الخ.

ونبشوا معالمها للتنقيب عن آثارها وتاريخها وثقافاتها ولغاتها، في جميع مرافق الحياة الفكرية والفنية، ونشرها في مجلات علمية وكتب في غاية الدقة والمنهجية والروح النقدية، وان كانت لاتخلو أحياناً من آراء خاطئة ومن هنّات، هي من طبيعة الكشوفات الجديدة. كما قاموا بجمع المخطوطات الشرقية على اختلاف لغاتها، وحفظها في خزائن، والعناية بها وصيانتها باستمرار، وفهرستها بشكل مبرمج، ومن ثم تحقيقها ونشرها على أبهج شكل وبإتقان، للانتفاع مما فيها من معارف وثقافات وفنون. وترجمتها الى لغاتهم القومية، وتلحق بها المقدمات والحواشي ووضع فهارس بما ورد في الكتاب من آيات قرآنية وأحاديث نبوية، وأبيات شعر، وأسماء الأعلام والقبائل والأماكن.. الخ.

إضافة الى قيامهم بتنظيم المؤتمرات الاستشراقية، بشكل دوري بدءاً من أول مؤتمر عُقد في باريس 1873، ثم توالي عقدها في مدنهم، وعُقد قليلها في مدن شرقية مثل القاهرة والجزائر ونيودلهي. وفيها يستعرضون مشاكل الدراسات الشرقية ومستجداتها، ويتبادلون فيها المعلومات والآراء، وقد عُقد عام (1973) المؤتمر التاسع والعشرين، في باريس، وتم ترتيبه لمناسبة مرور قرن على انعقاد المؤتمر الأول في المدينة نفسها.

وكما وضع المستشرقون المعاجم اللغوية (مثل معجم دوزي للألفاظ غير الموجودة في المعاجم العربية، وعن الملابس) وهي أعمال تحتاج الى تحمل المشاق والصبر في الوصول الى نتائج علمية، وأمضى بعضهم عمره وهو منكب على نشر مخطوط، او تأليف كتاب، ووضع فهارس، وتكبد آخرون مشاق الترحال والمخاطرة بحياتهم في سبيل الوصول الى حقيقة ما او طلب مخطوط.

يقول باحث معاصر: لقد كانت وجهات نظر المستشرقين ذات فاعلية تستمدها من الجهود الكبيرة المبذولة طيلة قرنين لإحياء النصوص العربية، وهي جهود تجعل الجهد العربي (المحلي) يبدو ضئيلاً بالمقارنة… ولهذا لم يكن " كراتشوفسكي " على خطأ عندما أشار الى سعة جمهرة المثقفين العرب الداعين الى اعتماد المناهج الأوربية والثقافة الغربية وسيلة للوصول الى تكوين الأصول الصحيحة للأدب العربي، والذي اعتبرهم مختلفين عن جماعة القديم، او جماعة التقليد المحض للأوروبيين.

وبالمقابل -وكما سنرى- نجد بعض (الغيارى) من يجحد فضل المستشرقين بجرة قلم. ويندب التراث الذي صار بأيدي (الأغراب!).

وأخيراً: فمهما يكن من أمر فإن المستشرقين ليسوا سوى بشر، وقد يخطئون، ويتحاملون، فلبعضهم ميولهم وأهواؤهم وقناعاتهم المختلفة، عن ميول وأهواء وقناعات أهل الشرق. فليس من المنطق أن ننظر اليهم جميعاً نظرة واحدة من النزاهة والانصاف، او ان يتسلحوا بالعلم وبمنهجية البحث في تآليفهم دون ان يخطئ بعضهم، او دون ان يتعصب. ونردد هنا مع المستشرق الكبير مكسيم رودنسون Maxim Rodinsonl (1915-2004) متسائلين: ما أهمية الأفكار التي يحملها عالم الآثار الفرنسي الشهير شامبليون، ما دام ان فك لنا رموز اللغة الهيروغليفية، لغة المصريين القديمة. فهل كان على صواب ام على خطأ حين فك تلك الرموز؟

 

و فى مبحث آخر يحمل عنوان " متى كانت بداية الأستسراق ؟ يؤكد حسين أنه ليس من الصواب أن نعتبر ما كتبه الآخرعنا قبل نحو ثلاثة عشر قرنا بداية للأستشراق . ويشير الى صعوبة تحديد هذه البداية قائلا: ان من يحاول الخوض فى موضوع (بواكير الأستشراق) يجد نفسه يخوض عباب بحر تتلاطم فيه آراء متباينة، متناقضة أحيانا، والسبب الأساس يعود الى تباين مفهوم الأستشراق – نفسه – لدى المعنيين بالأمر، واختلاف زوايا الرؤى والطروحات الفكرية، حتى ان منهم من أعتبر قيام رجل دين مسيحى، كان هو وآباؤه يعملون فى ديوان دولة عربية، بتأليف كتب عن الأسلام، فى القرن الأول الهجرى، عملا استشراقيا .

 

ثم يمضى حسين ليتحدث مطولا وبأسهاب عن الهزات العنيفة التى تعرضت لها المجتمعات الأوروبية نتيجة للفتوحات الأسلامية لجنوب وجنوب شرقى أوروبا، وأن هذه الفتوحات كانت حافزا للأوروبيين لدراسة الشرق الأسلامى للوقوف على سر قوة الأسلام والمسلمين .

 والغريب فى الأمر ان المسلمين الفاتحين لم يهتموا بدراسة المجتمعات الأوروبية ولا بالفكر الأوروبى بعد غزوهم للأندلس وبعض بلدان أوروبا الأخرى، ويعلل عدد من الباحثين العرب هذا التجاهل، بأن أوروبا لم تكن لديها ما يغرى الفاتحين على الأهتمام بها ودراستها، ويبدو أن حسين، يرى ذلك أيضا .كما ان كتابات المؤرخين العرب القددامى يحفل بأمور غريبة وعجيبة، بعيدة، ليس عن العلم ولكن عن المنطق والتفكير السوى ويضيف حسين:الواقع أن ما كتبه المسلمون عن آخرهم (يقصد عن غير العرب)، لا يتجاوز ذكر أبرز مواصفات الأقوام .

فعلى سبيل المثال كتب المسعودى (ت. 346هـ / 967 م) فى كتابيه (مروج الذهب ومعادن الجوهر) و(التنبيه والأشراف) عن وجود أمم عجيبة، سواء فى طول القامة أو طول العمر، وأمم تصدر أصواتا شبيهة بالفرقعة أو الدوى أو الزئير، ولبعضهم عين واحدة فى قمة الرأس وأنهم يصطادون السمكة ويعرضوها فى الحال الى حرارة الشمس بأيديهم، التى تطال الشمس(!) فيتم شويها، فيتناولونها .

يقول محمد أركون: " حين تشيخ الأسطورة تتحول الى خرافة " .. لقد نمنا نومة عميقة، قد لا نصحو بعدها، نمنا وكأن تطورات العالم وفتوحاته لا تعنينا، نمنا تحت خيمة ووصايا مضروبة على الجميع، ضربتها أنظمة الأستبداد الهزيلة المشروعة، أو المعدومة، لأنها أنظمة تعمل لتغييب العقل، وتقصى المنطق . فى مثل هذه الأجواء لازم عدم ثقة رجال الدين بمن يشتفلون بعلوم الأوائل، كما لازمتهم كراهيتهم للكتب، التى تتضمن هذه العلوم / بل صار ممكنا – وبسهولة – أن يؤدى مجرد أقتنائها ألى اتهام صاحبها بميله الى الألحاد والزندقة .

و يعود حسين فى مبحث آخر ليواصل الحديث عن " تواصل اهتمامات الغرب بقضايا لشرق الأسلامى " ويورد على ذلك أمثلة كثيرة ويخلص الى القول: أن الجمعيات التى تأسست فى القرن التاسع عشر قد أضطلعت بدور ملحوظ فى الدعوة لأقامة المزيد من المدارس لتعليم اللغات الشرقية فى باريس وبرلين وليدن أو فى بطرسبورغ، وباتت دعواتها تلقى آذانا صاغية من لدن المعنيين، وتتحول الى تيار ضاغط مع توسع مصالح الدول الكبرى فى الشرق ولا سيما بريطانيا وفرنسا، حين تصاعدت حدة التنافس بين تلك الدول على خيرات وأأسواق الدول المتخلفة .

و لعل من أمتع فصول الكتاب الذى نحن بصدده، فصل بعنوان " فى المرايا المحدبة ... لا يشبهنا أحد... (!) " حيث يتساءل حسين: ما الداعى الى لأضافة كتاب أو رقم جديد الى ما كتب عن الأستشراق ؟ لقد سنحت لى فرصة الأطلاع – منذ سنين بعيدة – على هذا الموضوع الشيق . هكذا أصفه، لأن من طبيعته، أنه يمثل نظرة الآخر (الغرب) الي تراثنا، نحن أهل الشرق، نظرة تختلف – بالتأكيد – عن نظرة أهل الدار الى أنفسهم، الذين تمثلوا هذا التراث بعد أن عايشوه وألفوه، وأرتاحوا معه، ولا يرتاحون ان مـسه أحد .. أحد (الغرباء) .

بأختيارى الكتابة - والقول لحسين - أزعم أنى آثرت سبيل التفكير فيما كتب عن هذا الموضوع الفسيح . وجعلت العقل مرشدا للتمييز بين ما هو منطقى وبين ما هو غير منطقى، وهو طريق شائك فى مجتمع أرتاح الى بعض التصورات، ونام هنيئا، بعد أن اقتنع بما سمعه أو قرأه دون روية أو تفكير، ولا شك أن هذا الأمر بعيد عما يطلبه منا ديننا، فثمة آيات كريمة تؤكد على عظمة ما وهبنا أياه الخالق، هبة العقل، وحق الأنسان فى أعمال العقل فى كل شىء، وعدم الأستسلام أو التصديق بكل ما نسمعه أو بكل ما نقرؤه . وطريق العقل طريق وعر فى شرقنا، ولا سيما لدى تناول تراثنا، للتمييز بين ما هو عقلانى فيه، ولا عقلانى .

لقد أكتفى كتاب فى دراساتهم للأستشراق بتسويق مواقف الرفض والأدانة للعاملين فى هذا الميدان، وحذروا الآخرين من قبول طروحات المستشرقين، ولم يحاولوا البحث عن منهج ناضج يتماهى مع عصرنا، أو أيجاد وسيلة صحيحة فى مواجهتنا مع الآخر، أو التصدى لهم، وهذا يشير الى وجود عطب فى منهجنا وما أنتجه، فقد ظلت كتابات العديد من كتابنا شبيهة بصراخ مدو أمام المرايا المحدبة، داخل منازلنا، لا نسمح لأحد أن يرانا أو يسمعنا أو يصفنا، سوى أنفسنا، ولن يطال قامتنا أحد، لأننا فوق الوصف وفوق التصنيف، ولا يشبهنا أحد . ومن يقول عنا شيئا لم نألفه، نصفه بنعوت ما أنزل الله بها من سلطان، مما يدل على بؤس تلك الكتابات، التى تنوس بين فضاءات بهرجة الأنشاء، اذ تعبر عن عقلية هاجعة ثاوية فى زوايا لا ترى النور، كتابات مكابرة معاندة، وهذا يعنى أننا ما زلنا عاجزين عن تمثل تراثنا بشكل صحيح، ولا يتعين أن يمسه الا المطهرون، ونقف أمامه اجلالا، للتبرك والمفاخرة .

 

و لا يكل حسين أو يمل من تحليل ومناقشة طروحات الكتاب العرب عن الأستشراق من المجموعتين اللتين أشرنا أليهما فى ما تقدم، ويطرح نهجا جديدا فى تقييم الأستشراق والأوروبى منه على وجه التحديد، قائم على أعمال العقل فى دراسة كتابات المستشرقين والتمييز بين ما هو منطقى وبين ما بخالف العقل والمنطق .

أن الجزء الأكبر من الكتابات العربية عن أعمال المستشرقين، تكاد تقتصر على ألصاق تهمة التبشير بمعظم المستشرقين , وهذا بلا أدنى شك ينم عن تعصب دينى وتضليل .

يقول حسين: لم نقرأ أن مستشرقا أدخل أناسا الى دينه، فللمستشرق أهتماماته العلمية الخاصة، ولهذا فالزوابع التى أثيرت حول دور المستشرقين التبشيرى لهى زوابع مفتعلة، الغرض منها هو تخويف الناس (بفزاعة وهمية) لكيلا يطلعوا على النتاج المعرفى الذى توصلوا اليه، وهم – أى كتابنا – يربطون بين أمرين بعيدين عن بعضهما .

و يورد حسين نماذج من هذه الكتابات العربية البائسة، لا نرى ضرورة لأيراد مقتطفات منها، فهى تكاد أن تكون هى النموذج السائد فى كتابات السلفيين والمتزمتين . وفى مبحث آخر يحمل عنوان " الأستشراق، العنصرية، والحقيقة " يناقش حسين كتابات عدد من المستشرقين الغربيين المتحيزين، الذين، لا تتصف كتاباتهم بالموضوعية، بل ينم عن التعصب بشتى أشكاله وعن النظرة الأستعلائية الى الحضارة الأسلامية .

و فى الفصول التالية، يطور حسين أفكاره – التى المح اليها سابقا - بشىء من التفصيل، ولعل عناوين هذه الفصول تنبىء عن محتواها " المستشرقون فى سلة واحدة جميعا (!) " و" ما الغاية من الحوار ؟ ومن يحاور ؟ " و" فى ضعفنا تكمن قوة الآخرين " و" الحرية والعقل صنوان "

و فى المبحث الذى يحمل عنوان " الأستغراب .. وهل هو ممكن ؟ " يقول حسين:

 سؤال يطرح نفسه بألحاح: لماذا لا نقوم نحن أهل الشرق بدراسة الآخر ؟.. أى دراسة مجتمعات وثقافات بلدان المستشرقين ؟ . يجيب أدوارد سعيد على هذا السؤال المشروع بقوله: ان هذا الأمر غير ممكن، ففى الجغرافيا التخيلية وتمثيلاتها، لا يحتمل أحد حقلا مناظرا له اسمه

 " الأستغراب "، الا أن " ريتشارد سوذرن " يرى أن هذا العمل عمل مشروع ومنطقى، ومبرر – نظريا – حتى نخفف عن أنفسنا عبء اتهام الآخرين بالتحامل علينا ولنرى صورة الغرب التى انعكست على مرايا (الشرق) ولأن رؤية الآخر ضرورية، أو فرع لرؤية الذات .

و يبقى الفصل الأخير من كتاب حسين، " نبذ من انجازات بعض كبار مستشرقى القرن العشرين " وهو فصل مشوق وممتع يكشف عن الخدمات الجليلة، التى أسداها فطاحل المستشرقين للشرق العربى الأسلامى عن طريق أستخدام المناهج العلمية الموضوعية فى دراسة التراث الشرقى الأسلامى والحضارة الأسلامية والمجتمعات العربية .

 

ما الجديد فى كتاب "الأستشراق برؤية شرقية " ؟

 أشرنا فى ما تقدم أن حسين تساءل فى مقدمة الفصل المعنون " فى المرايا المحدبة .. لا يشبهنا أحد " ما الداعى لأضافة كتاب أو رقم جديد الى ما كتب عن الأستشراق ؟

لقد أصطحب حسين قارئه فى جولة فكرية ممتعة وشاملة فى عالم الأستشراق: جذوره، تطوره، انجازاته، وأعلامه البارزين ومنهجهم العلمى فى دراسة الشرق

 كتاب حسين حمل الينا العديد من والآراء والرؤى و والطروحات الفكرية الجديدة، التى نادرا ما تجاسر أحد من الكتاب العرب على طرحها على بساط البحث والنقاش .

لقد أستمتعت بقراءة هذا السفر الفريد، ليس فقط لمحتواه الباذخ، بل لأن أسلوب المفكر والباحث الدكتور محسن محمد حسين الشائق، نسيج وحده، وممتع، بل أكاد أقول أن هذا الأسلوب أصبح علما عليه .

 وقبل أن أختم هذه الملاحظات حول كتاب " الأستشراق برؤية شرقية " لا بد لى من الأشارة الى أن العنوان الأصلى للكتاب، كما وضعه المؤلف، كان " الأستشراق: محاولة للفهم ولردم الهوة " وقد تم تغييره من فبل الناشر – دار الوراق - والعنوان الجذاب الذى أختاره الناشر لا يدل على محتوى الكتاب، بل على النقيض تماما من المنطلقات الفكرية للكتاب وما تضمنه من طروحات وافكار، لأن المؤلف قصد به، تقديم رؤية جديدة للأستشراق، تختلف جذريا عن رؤية المفكرين والكتاب الشرقيين لهذا المجال المعرفى.

 وتبقى ملاحظة أخيرة وهى ان هذا الكتاب كان من ضمن الكتب الأكثر مبيعا فى معرض الكتاب الأخير فى الرياض، بالمملكة العربية السعودية .

  

جودت هوشيار

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2165 الخميس 28/ 06 / 2012)


تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2123 المصادف: 2012-06-28 10:14:41


Share on Myspace