المثقف - قضايا وأراء

بغداد السلام .. من يحتفل بذكرى تأسيسها؟ .. ذكرى مجيدة لمدينة عظيمة / جودت هوشيار

jawdat hoshyarتحتفل الشعوب الحية الناهضة بذكرى الأحداث الكبرى فى تأريخها ومنها،  تأسيس مراكزها الحضارية وبخاصة عواصمها، 

التى لعبت دورا ايجابيا فاعلا فى حياتها و مصيرها، مهما كان هذا الدور متواضعا فى مسيرة الحضارة الأنسانية، حيث تقام المهرجانات الثقافية والفنية  وتنظم المؤتمرات والندوات العلمية ويكرم المبدعون والنابهون من أبنائها، فما بلك بعاصمة الرشيد، مدينة السلام و أم الدنيا، التى لعبت دورا حاسما فى تأربخ المنطقة والعالم  ولعبت دورا أساسيا بالغ الأهمية فى النهوض الحضارى لشعوب المنطقة. وكانت مركز الخلافة الإسلامية و+ل الشعوب التى أعتنقت الدين الأسلامى .

 

أول أحتفال بذكرى تأسيس بغداد:

 كان مؤسس الجمهورية العراقية الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم أول من أحتفل عام 1962  بمرور 1200 سنة على بناء بغداد، حيث نظمت الأحتفالات البهيجة  وعقد مؤتمر علمى برعاية الزعيم  وحضور  مؤرخين متخصصين بتأريخ المدينة وعدد كبير من المفكرين والأدباء البارزين في البلاد العربية وجمهرةٍ من المستشرقين البارزين  من بلدان أوربا ممَّن قدموا دراسات قيمة بفصحى العربية - عن  الدور الفعال الذى  نهضت به بغداد فى  عصر أزدهارها وما تعرضت له من أحداث جسام عبر التأريخ ،  نالت استحسان وأعجاب المشاركين فى المؤتمر .

و ضمن احتفالات الذكرى الثانية للثورة فى 14 تموز 1960، أفتتح الزعيم الخالد عبدالكريم قاسم المدرسة المستنصرية بعد ترميمها وتجديدها وقد ألقى شاعر العرب الأكبر محمد مهدى الجواهرى  قصيدة رائعة بالمناسبة نقتطف منها ما يلى :

 

 أعدْ مجد بغدادٍ ومجدُك أغلبُ        وجدّْد لها عهداً وعهدك أطيبُ

وأطلع على المستنصريةِ كوكباً        وأطلعته حقاً فانك كوكب

أقمت بها عزاً عريقاً مكعباً          وكان بها ذلُّ عريق مُكعٌَب

أبا كلَّ حر لا أبا الشعب وحده     اذا احتضن الأحرار فى أمةٍ أب

هنيئا لك العيد الذى أنت رمزه       بذكرك يستَعلى وبأسمك يَطرَب

  أعد مجدَ بغدادٍ تُعدْ مجدَ أمة      به الكون يَزهَى والحضارات تعجَب

 

بغداد المنسية:

 هذا العام 2012 م يصادف ذكرى مرور  (1250) عاماً على بناء  بغداد، عاصمة العباسيين ـ التى شيدها الخليفة أبو جعفر المنصور فى العام 762 م وأكتمل بنائها فى عام 766م . وهى مناسبة جديرة بالأحتفال أكثر من أية مناسبة تأريخية  أخرى . ولكن لا احد فى بغداد اليوم يتذكر تأريخ هذه المدينة العريقة،  الزاخرة بالمفاخر والأنجازات العظيمة فى شتى جوانب الحياة . حيث يتولى أمرها الآن أناس غرباء عنها وعن أمجادها  ولا يهمهم أمرها ولا علاقة لهم بتأريخ المدينة ولا بالحضارة التى تمثلها .

 

 أسباب بناء بغداد:

 لم تكن فى العراق فى بداية العهد العباسى مدينة تصلح ان تكون عاصمة لأمبراطورية فتية ناهضة،  أما بلدة  الكوفة -  التى بنيت بعد الفتح الأسلامى لبلاد الرافدين  فى عهد الخليفة عمر أبن الخطاب،   لتصبح مقراً للعمال والولاة المرسلين الى العراق فقد كانت تزخر بالحركات السياسية والفكرية  المناهضة للخليفة العباسى الجديد، وبؤرة للفتن والأضطرابات، مما أثار قلق مؤسس الخلافة العباسية أبو العباس السفاح، وأتقاءاً لشرور تلك الحركات، بنى ضاحية جديدة سماها " الهاشمية " وجعلها مقراً لخلافته، ثم شيد ضاحية أخرى قريبة منها سماها  بـ(الأنبار) واتخذها عاصمة لدولته الناهضة وأستقر فيها الى حين وفاته بعد ذلك بعامين . وخلفه أبو جعفر المنصور، الذى كره " الأنبار " على أثر محاولة جماعة من " الراوندية " قتله ولقربها من الكوفة و رداءة مناخها  وقرر بناء مدينة جديدة تليق بمكانة الأمبراطورية، بعيدا عن مثيرى الفتن والقلاقل . ويقول بعض المؤرخين ان المنصور "  أخذ يتنقل فى أنحاء العراق،حتى أستقر رأيه  على موقع حسن وجميل، عليه قرية تسمى بغداد .و يبدو أنه مر بهذا المكان فى موسم طاب هواؤه وعذب ماؤه، فأختاره وأرتاح له لوقوعه فى وسط مملكته، حيث تتقاطع طرق المواصلات بين الشام وخراسان، وهما الأقليمان الأشد خطرا عليه فى دولته، ولوجود ه فى نقطة عسكرية حصينة بين دجلة والفرات، فلا يصل العدو اليه من الشرق أو الغرب، الا بعد أجتياز أحد النهرين ."

 

" كان ذلك فى عام (145 هجرية الموافق لعام  762ميلادية)  عندما أمر بأحضار المهندسين من  أنحاء الأمبراطورية، فخططوا مدينة دائرية الشكال، محيطها أربعة أميال، محصنة بسورين، خارجى وداخلى،يحيط بسورها الخارجى خندق عميق  يجرى فيه الماء من نهر (كرخايا) وعليه عدة جسور للعبور، يمكن كسرها عند حدوث خطر مهدد وبنيت على كل سور أبراج شامخة . ولعل اطرف ما يذكره مؤرخوا بغداد، ان المهندسين المكلفين بتخطيط وتصميم المدينة المدورة قاموا بتصوير معالمها على الأرض فى بقعة واسعة . ووضعوا حب القطن فوق خطوطها وأحرقوها ليلا، والخليفة واقف على مرتفع ينظر الى هندستها ومعالمها، فأعجبته وراقه منظرها، فأمر بحفر الأسس، ثم وضع بيده حجر البناء الأول وسماها مدينة السلام ."

 انطلقت الحركة الدؤوبة في ورشة بناء بغداد بمئة ألف عامل  تحت أشراف عدد كبير من خيرة البناة والصناع والصباغين والرسامين الذين تم أستقدامهم من أنحاء الدولة العباسية. وأستغرق بناء  المدينة حوالى خمسة أعوام) وكان للمدينة أربعة أبواب وسميت بأسماء البلدان المتجهة نحوها وهي (الشام والبصرة والكوفة  وخراسان) .

 

 ويقول الخطيب البغدادي المؤرخ المعروف في وصف بغداد "لم يكن لبغداد في الدنيا نظير, في جلالة قدرها وسعة أطرافها وكثرة دورها ومنازلها ودروبها وشوارعها ومحالها وسككها وخاناتها وطيب هوائها وعذوبة مائها وبرد ظلالها وأفيائها واعتدال صيفها وشتائها وصحة ربيعها وخريفها"."

 

ظاهرة جديدة في الفن المعماري الإسلامي:

 تزخر بغداد بالكثير من المعالم التاريخية والحضارية،  وأهمها القصور الأثرية والمساجد الإسلامية القديمة ودور العلم  مثل دار الخلافة والقصر العباسي ومسجد الخلفاء العباسيين المعروف قديما بجامع القصر أو جامع الخليفة و المدرسة المستنصرية والتى تشكل بمجموعها ظاهرة جديدة وفريدة فى الفن المعمارى الأسلامى. فألى جانب العمارة وجدت الزخرفة التي وصفت بأنهما لغة الفن الإسلامي، وتقوم على زخرفة المساجد والقصور والقباب بأشكال هندسية أو نباتية جميلة تبعث في النفس الراحة والهدوء والانشراح. وسمي هذا الفن الزخرفي الإسلامي في أوروبا باسم أرابسك.

 

تبوأت بغداد مكانة سياسية مرموقة ، بأعتبارها عاصمة الدولة  العباسية القوية الناهضة الممتدة من المحيط الأطلسى غرباً الى حدود الصين شرقاً،  وأزدهرت فيها الصناعات الحرفية والزراعة والتجارة  وتميزت بالتفاعل الخصب مع حضارات الآخرين . وأصبحت إحدى أكبر مدن العالم وأجملها، وحاضرة العلوم والفنون وملتقى العلماء وقبلة  الدارسين من شتى بقاع الدنيا ، طوال عهود نهوضها وأزدهارها.، لكن نجمها أخذ بالأفول مع بداية غروب شمس الدولة العباسية ككل. وتعرضت لكثير من الغزوات الخارجية والتقلبات الداخلية فقد غزاها المغول والصفويون والعثمانيون والأنكليز، حيث عانت المدينة المدينة الأمرين خلال فترة احتلالها على مر العصور .

 

يوم بغداد:

 يكاد يجمع معظم المؤرخين والجغرافيين العرب القدامى والمحدثين ان بدأ  تشييد بغداد كان فى عام (762 م) ولكنهم يختلفون فى تحديد اليوم الذى وضع فيه المنصور حجر الأساس لعاصمته الجديدة (762م)  . ويقول احد خبراء القانون،   أنه أستناداً الى توصية اللجنة التى شكلها الزعيم الراحل والتى ضمت كبار العلماء والمؤرخين، صدر قانون من مجلس الوزراء يوم 17/11/1962 عندما كان هذا المجلس هو السلطة التشريعية فى البلاد بتحديد الأيام الأول والثانى والثالثمن شهر كانون الأول عطلة رسمية لمناسبة ذكرى تأسيس بغداد والذكرى الألفية للفيلسوف الكندى . وهذا القانون لم يتم الغاؤه او تعديله وما يزال سارى المفعول .

 

جودت هوشيار

 

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2212 الاثنين 27/ 08 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2183 المصادف: 2012-08-27 01:12:09


Share on Myspace