المثقف - كتب وإصدارات

الحركة الصدرية ولغز المستقبل .. إشكالية اللاهوت الشيعي والناسوت العراقي للاستاذ الدكتور ميثم الجنابي

634-janabiصدر عن دار ميزوبوتاميا (بغداد 2012) كتاب جديد للبروفيسور العراقي ميثم الجنابي بعنوان

(الحركة الصدرية ولغز المستقبل- إشكالية اللاهوت الشيعي والناسوت العراقي) الذي يهدف بحسب قول الجنابي ليس فقط إلى إضاءة مختلف الجوانب المحيرة في الحركة الصدرية، التي أثارت وما تزال تثير مختلف المواقف المتعارضة والمتناقضة، بل وإلى رسم مع

الم لغزها بمعايير المستقبل.

 

يحتوي الكتاب (96 صفحة من القطع المتوسط) على مقدمة ومفاصل سبع هي على التوالي:

 مقتدى الصدر - ميتافيزيقيا "الثورة" الصدرية،

غنيمة الزمن العابر وتضحية الانتقام التاريخي،

مقدمات المعترك السياسي والأيديولوجي للحركة الصدرية،

الحركة الصدرية – تيار "الداخل" وصعود الباطن العراقي،

الحركة الصدرية - الأنا والتاريخ أو اليوطوبيا والمستقبل،

أيديولوجيا الحركة الصدرية – اللاهوت الشيعي والناسوت العراقي،

واخيرا الحركة الصدرية والمستقبل - من الطائفة إلى الأمة، ومن المدينة إلى الدولة!

 

يشير الجنابي في مقدمة كتابه إلى ان هذا الكتاب مر بمرحلة غربلة رافقت مسار "تيار الصدر" و"التيار الصدري" و"الحركة الصدرية".

ومع كل تطور وانعطاف، وتقدم وتراجع، وظهور وضمور، جرى تدقيق وتحقيق الفكرة والموقف مما في هذه الحركة من نيات وغايات وآمال وأعمال يصعب تحديدها أحيانا بمعايير المنطق. بحيث جعل ذلك منها لغزا! ولا غرابة في الأمر كما يقول الجنابي، وذلك لان المسار السياسي للحركات الناشئة تحت ثقل الركام الهائل للحطام التاريخي ومعاناة البشر الساعية للخروج من تحت أثقاله المرهقة، عادة ما يجعل من الصعب الحكم عليه بصورة جازمة. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار، بأن الشيء الأكثر جوهرية في الحركة الصدرية مازال يكمن في الكمون الغائر في أعمق أعماقها، من هنا اختيار الجنابي عبارة (الحركة الصدرية ولغز المستقبل) عنوانا للكتاب.

 

ينطلق الجنابي في تحليل مقدمات ومفارقات التيار الصدري بوصفه تيارا سعى ويسعى لتمثل تاريخ عريق من المواجهة والتحدي والثأر، مما جعل منه تيارا يحتوي بقدر واحد على معاناة العقل والوجدان، من هنا فاعلية التناقض الدفين فيه؛ وإذا كان بالإمكان النظر إلى هذا التناقض على انه قوة فعالة بالنسبة للحركة السياسية، فانه يتسم أيضا بقدر هائل من الخطورة في مراحل الانتقال العاصفة كالتي يمر بها العراق، كما يقول الجنابي، وذلك لان التناقض الضروري بين العقل والوجدان المميز للحركات المستقرة، كما يؤكد الجنابي، هو ليس نفسه بالنسبة للحركة التي لم ترتق بعد إلى مستوى الحزب السياسي الاجتماعي، من هنا اعتباره هذه المهمة، القضية الكبرى التي يقف أمامها التيار الصدري أو سيقف أمامها بالضرورة، وعلى كيفية حلها سوف يتوقف مساره اللاحق، وشأن كل تيار سياسي تتوقف إمكانية نموه أو ضموره على مدى استعداده لتمثل فكرة المستقبل بأبعادها الاجتماعية.

 

تناول الجنابي في كتابه شخصية مقتدى الصدر حيث ذكر انه ولد وترعرع في أوج السيطرة الدكتاتورية وانحلالها المعنوي (1973 - 1999)، أنها المرحلة الممتدة بين ولادته ومقتل أبيه. ذلك يعني انه ترعرع في أوج القوة المتنامية للدكتاتورية والعائلة الصدرية، واعتبر الجنابي مرجعية الصدر التكوينية (الباطنية) مرجعية شيعية عراقية عربية، أما حياته فقد كانت محكومة بقبضة الدكتاتورية ومراقبتها التامة بعد مقتل أبيه، ووجد الجنابي في هذين المسارين المتوازيين جزءا من حياة الأفراد ولعبة المصير!

 634-janabi

ينطلق الجنابي في تقييمه للحركة الصدرية، باعتبارها حركة الأغلبية المهمشة، وقوى الداخل العراقي. وليس صدفة أن تبدو هذه الحالة غريبة ومفاجئة ومشوهة بالنسبة لأعين القوى السياسية التي تعودت على التعامل مع العراق وواقعه في "جلساتها" و"مؤتمراتها" في القصور والفنادق المدفوعة الأجر من جانب الدول الأجنبية وأجهزتها الأمنية واستخباراتها العسكرية، إذ لم يكن بإمكانها توقع "منافسة" اجتماعية سياسية، لأن السياسة بالنسبة لها هو تحزب لا علاقة له بالمجتمع. من هنا تحول شخصية الصدر والحركة الصدرية إلى ميدان كل التجارب الممكنة والمحتملة للصراع العقلاني واللاعقلاني. وتكمن أسباب هذه الظاهرة في كون الحركة الصدرية هي تيار الداخل، وتيار المواجهة للمحتل، وتيار التضحية الوجدانية والاجتماعية، وتيار الانتقام التاريخي. وفي الوقت نفسه تراكمت هذه المكونات ضمن سياق الصراع السياسي العنيف الذي ميز مرحلة سقوط الدكتاتورية وظهور مختلف الاحتمالات والإمكانيات القائمة في صلب الاحتراب العراقي الدفين.

 

وبحسب قول الجنابي، إن الحركة الصدرية هي نموذج وميدان التجربة التاريخية التلقائية الجديدة للعراق في كيفية مواجهته لإشكالية الصعود الراديكالي. كما أنها الحركة الوحيدة الكبرى التي تمثلت بعد سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية مقومات ومكونات وشروط وآفاق التيار الاجتماعي السياسي الراديكالي بعد انقطاع أربعة عقود من الزمن (1963-2003). وهنا يكمن سرّ لغزها الحالي والمستقبلي، بوصفها الخميرة التاريخية الكبرى المتراكمة في زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية.

 

إن التيار الصدري بالنسبة للجنابي، يحتوي على احتمالات عديدة ومتنوعة ومتناقضة. ولكل منها مقدماته وأسبابه. بمعنى انه يحتوي بقدر واحد على إمكانية التطور والارتقاء والعقلنة والواقعية السياسية والتوجه الاجتماعي والوطني والقومي السليم، تماما بالقدر الذي يحتوي على ما يناقض ذلك على طوال الخط. وهي الجوانب التي حللها الجنابي في مختلف فوصل او مفاصل كتابه. ويعتقد الجنابي، بان الإمكانية الأولية مرتبطة بتحقيق جملة مهمات عملية كبرى مرتبطة بتطوير الأسس الأولية والشروط الذاتية للحركة الصدرية. بمعنى الانطلاق مما فيها ودفعه إلى الأمام بمعايير الوحدة المتلازمة لما يدعوه الجنابي بثالوث التشيع والعراقية والعربية، أي توليف فكرة التشيع العراقي العربي، بوصفه تشيعا للعراق العربي (بوصفه هوية ثقافية وليست دينية أو مذهبية أو عرقية أو جهوية). ويمكن بلوغ ذلك من خلال: توحيد الطائفة بلا طائفية، ودمجها بإشكاليات العراق العامة والعربية الثقافية. بمعنى التنبه الدائم لكي لا تسقط الحركة في أوحال المواجهات الطائفية ومشاريعها الجزئية والضيقة؛ وأولوية وجوهرية الصراع مع النفس، عبر صنع البديل الذاتي في الفكرة والممارسة والقيم والمبادئ والأهداف؛ فضلاً عن الارتقاء بالتيار إلى مصاف الحزب السياسي. مع ما يترتب عليه من إرساء أسس جديدة لبنيته الفكرية والأيديولوجية والتنظيمية وشعاره الأساس وبرامجه واسمه.

 

إن كتاب الجنابي (الحركة الصدرية ولغز المستقبل) يسعى لفك شفرة اللغز المحير في الحركة الصدرية، بوصفها تيارا عراقيا خالصا من جهة، وإشكالية أيضا بالنسبة لتحلي ماهية فكرة التيار والحزب والأيديولوجية والبدائل من جهة أخرى. وبالتالي يحتوي على منهجية فلسفية خاصة في تحليل ونقد الفكرة والممارسة السياسية في عراق ما بعد الدكتاتورية، أي في عراق الاحتمالات المستقبلية.

 

مازن لطيف

 

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2217 السبت 01/ 09 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2187 المصادف: 2012-08-31 23:23:27


Share on Myspace