المثقف - قضايا وأراء

مرحلة جديدة في تطورالعلاقات الكوردستانية – الروسية

jawdat hoshyarلمحة تأريخية: العلاقات التأريخية بين الشعبين الكوردي والروسي تضرب بجذورها في أعماق التأريخ، وثمة شواهد تأريخية تثبت ان الكورد لعبوا دوراً بارزا في تأريخ وثقافة شعوب ما وراء القفقاس وقد برز منهم قادة عظام وأدباء وشعراء وعلماء يشار اليهم بالبنان.،  كما لعب الكورد داخل كوردستان نفسها دوراٌ بارزاً خلال الحروب الروسية – العثمانية والروسية الفارسية. وكان للموقف الكوردي من أطراف الصراع خلال تلك الحروب أهمية كبيرة. وبذلت روسيا القيصرية على وجه الخصوص جهودا كبيرة لأستمالة الكورد الى جانبها،  ونجحت  في ذلك الى حد كبير،  لأن الكورد كانوا يتعاطفون مع روسيا في معظم الأحيان بسبب أضطهاد الأمبراطوريتين العثمانية والفارسية لهم.

وشهدت السنوات اللاحقة للثورة البلشفية في روسيا عام 1917 نهضةحقيقية للكورد السوفييت وبخاصة في مجال التعليم والثقافة والتطور الأجتماعي،  وتمثلت تلك النهضة في تأسيس أقليم (كوردستان الحمراء) وأنشاء المعاهد والمدارس الكوردية وأعداد المدرسين والمعلمين وطبع الكتب الدراسية باللغة الكوردية ووضع أول أبجدية كوردية متكاملة بالحروف اللاتينية في عام 1927 وتطبيقها في المجالات التعليمية والثقافية وأصدار أول جريدة كوردية (ريا تازة) والكتب الأدبية وتنشيط الترجمة من والى اللغة الكوردية،  ولكن ذلك لم يدم طويلاً،  فقد أجهز ستالين عليها تدريجيا ووبحلول عام 1930 لم يبق أثر لكل تلك الأنجازات،  وتعرض الكورد في السنوات اللاحقة الى مظالم تقشعر لها الأبدان من تهجير وترحيل،  وقد تم بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي في عام 1956 وفي الفترة التي أطلق عليها الكاتب الروسي الشهير ايليا ارنبورغ اسم "ذوبان الثلوج ". ادانة الجرائم الستالينية ورد الأعتبار الى ضحايا النظام الشمولي وبضمنهم الكورد السوفييت.

وتشكل ثورة 14 تموز في العراق مرحلة مهمة من مراحل التطور في شتى جوانب الحياة للكورد السوفييت،  فقد تم في عام 1960،  تأسيس قسم مستقل علميا واداريا وماليا للكردولوجيا فى معهد الأستشراق فى لينينغراد (بطرسبورغ حاليا)،  بعد ان كانت الدراسات الكردية حتى ذلك الحين جزءا من الدراسات الأيرانية،  وقد شكلت هذه الخطوة نقطة تحول اساسية وحقيقية فى تطور الكردولوجيا فى العهد السوفييتى وضم القسم أفضل وأهم الكردولوجيين الروس والكورد السوفييت،  الذين قدموا فى الأعوام اللاحقة انجازات علمية كبيرة وكثيرة.

وفتحت الجامعات السوفيتية امام الطلبة الكورد من كردستان الجنوبية وهم يشكلون اليوم نخبة ممتازة من العلماء وأساتذة الجامعات والخبراء في شتى المجالات.

و لا ننسى ان قائد حركة التحرر الكوردية،  البارزاني الخالد ومئات من رفاقه الثوار قد عاشوا حوالي 12 عاما في روسيا وااجمهوريات السوفيتية الأخرى،  وقد أقترن العشرات من المناضلين الكورد بمواطنات سوفيتيات،  ونشأت اجيال من الأبناء والأحفاد يرتبطون بعلاقات قرابة مع الروس وشعوب جنوب القفغقاس.

وثمة واقعة ذات دلالات بليغة ومعروفة جيدا لدى المثقفين الكورد والكردولوجيون الروس على حد سواء،  تحدث عنها أندريه ساخاروف في مذكراته. حيث يقول :

بعد وفاة ستالين في عام 1953،  عندما كان البارزاني الخالد مايزال في روسيا،  توجه ذات يوم الى الكرملين وطرق احد ابوابه وعندما سأله الضابط الخفر من الذي يدق الباب قال البارزاني " الشعب الكوردي هو الذي يدق باب الكرملين " ويضيف ساخاروف،  أن الضابط أتصل برئيس الوزراء الروسي في ذلك الحين " مالينكوف " ونقل اليه طلب البارزاني،  فسمح له بالدخول والتحدث الى مالنكوف عن القضية الكوردية. وهذه الرواية هي الأصح،  لأن بعض المصادر التأريخية تذكر أن الذي قابل البارزاني الخالد كان خروشوف. ولا يستبعد أن البارزاني الخالد أجرى مقابلتين احداها مع " مالينكوف " والأخرى مع " خروشوف ".

واليوم نرى البارزاني الأبن يقوم بزيارة رسمية الى روسيا بصفته رئيسا لأقليم كردستان بدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.و هذا الأمر ان دل على شيء فأنما يدل على النضال الطويل الذي خاضه الشعب الكوردي من اجل الأعتراف الدولي بقضيته وزيارة الرئيس مسعود بارزاني يشير الى التقدم الكبير الذي حققه الشعب الكوردي في هذا الأتجاه.

 

الكورد في روسيا:

بعد تفكك الأتحاد السوفييتي في عام 1991 هاجر عشرات الألوف من كورد القفقاس الى روسيا الأتحادية ويقطن أغلبهم حاليا ً في موسكو العاصمة ومدينة بطرسبورغ وفي مقاطعة كراسنودار وغيرها من المناطق الروسية. ولا توجد احصائيات رسمية دقيقة - لأن الأجيال الكوردية الجديدة هي أجيال كوردية – روسية مختلطة،  ولكن التقديرات تشير الى ان عدد السكان الكورد فى الأتحاد الروسى وفى جمهوريات القفقاز وآسيا الوسطى - هو حوالي مليون نسمة،  يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة.ولهم نشاط سياسى واقتصادى وأجتماعى وثقافى كبير وثمة نواب في البرلمان ورؤساء شركات واعلاميون وموسيقيون وادباء وكتاب وفنانين مشهورين ورياضيين حصلوا على اوسمة اولمبية من اصول كوردية قريبة , ويتجلى هذا النشاط في الجمعيات الثقافية الكوردية وفى مجال الأعلام الألكترونى،  ويزخر العالم الأفتراضي اليوم بعشرات المواقع الألكترونية الكوردية المتقدمة التى تبث بأحدى اللغتين الكوردية أو الروسية او بكليهما معا ً،  كل ما يتعلق بالشأن الكردى فى روسيا وفى الدول الأخرى. وفى الوقت نفسه تولى أهتماما كبيرا بما يحدث فى الوطن الأم (كردستان) بأجزائها الأربعة،  وعلى الأخص بكل ما يتعلق بــ(كردستان العراق). فالكرد فى روسيا قلوبهم مع الشعب الكردى فى الوطن الأم،  ويتابعون بشوق ولهفة كل ما يحدث في اقليم كوردستان.

ومن المواقع الألكترونية المتميزة التى تنقل أخبار أقليم كردستان أولا بأول وتنشر العديد من الدراسات والمقالات التحليلية حول الشأن الكردى،  موقع (كردستان) باللغة الروسية،  وهو موقع متطور وشيق،  يلتزم بالمعايير المهنية والأخلاقية للصحافة الألكترونية الرصينة.

 

الأهتمام الروسي بأقليم كوردستان :

تبدي القيادة الروسية في الآونة الأخيرة اهتماما كبيرا بتطوير العلاقات الثنائية مع أقليم كوردستان في جميع المجالات - في ضوء التطوارات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وبضمنها العراق وأقليم كوردستان على وجه الخصوص في السنوات الأخيرة. حيث تسعى روسيا الى أستعادة موقعها السابق في العراق وتطوير علاقاتها المتعددة الأوجه مع الأقليم،  خاصة وان ثمة وشائج تأريخية وأجتماعية وثقافية بين الشعبين الروسي والكوردي. وثمة امكانيات كبيرة لتوسيع قاعدة التعاون مع روسيا الأتحادية في مجالات الاقتصاد والتجارة والثقافة والتعليم والبحث العلمي والسياحة. 

وكانت روسيا أول دولة تغتتح قنصلية لها في اربيل وذلك في عام 2007،  كما أن العشرات من المستشرقين والأعلاميين والمئات من السياح الروس زاروا الأٌقليم خلال السنوات الأحيرة ونشروا انطباعاتهم الطيبة عن الشعب الكوردي وعن النهضة، التي يشهدها الأقليم في كافة مجالات الحياة.

شكلت زيارة رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفغيني بريماكوف – وهو الخبير الأوسع علماً ودراية بشؤون الشرق الأوسط في روسيا - الى اقليم كوردستان في أيار عام 2008،  بدعوة من القيادة الكوردية،  خطوة هامة في تعزيز العلاقات الثنائية بين الجانبين.

ويرتبط بريماكوف بعلاقات صداقة تأريخية تمتد لعشرات السنين مع القادة الكورد،  حيث لعب دوراً فعالاً في التوصل الى أتفاقية آذار 1970 بين الحكومة العراقية والقيادة الكوردية في ذلك الحين.

و قد لقي بريماكوف ترحيباً حاراً من قبل حكومة وشعب كوردستان والنخب السياسية والعلمية والثقافية الكوردية على نحو لافت للنظر،  وكان لتصريحه الذي ادلى به خلال الزيارة حول ضرورة ضم محافظة كركوك الى اقليم كورستان،  صدى طيبا في الأوساط السياسية الكوردية،  كما أثار هذا التصريح أهتمام الصحافة العالمية. وكان حفل الأستقبال الذي الذي أقامته القنصبية الروسية في اربيل على شرف بريماكوف ذروة الأحتفاء بصديق قديم للشعب الكوردي.،  حيث حضر الأحتفال كبار المسؤولين الكورد والشخصيات السياسية والعلمية والثقافية الكوردية. وقد كان لنا شرف المشاركة فيه والترحيب بالضيف الكبير.

 

الزيارة التأريخية للرئيس بارزاني الى موسكو :

يمكن القول ان الزيارة التي قام بها الرئيس مسعود بارزاني الى روسيا مؤخراُ هي زيارة تأريخية بكل معنى الكلمة ويأمل الجانبان الروسي والكوردستاني أن تتمخض الزيارة عن آفاق جديدة للتعاون الثنائي البناء في مجالات عديدة. وحسب متابعتنا،  فأن الزيارة حظيت بأهتمام وسائل الأعلام الروسية والعالمية حيث لقي رئيس اقليم كوردستان ترحيباً حاراً من لدن الروس حكومة ً وشعباً وكانت أشبه بمفاجأة سعيدة ومفرحة للكورد في روسيا.

بحث الرئيس بارزني مع القادة الروس وفي مقدمتهم الرئيس فلاديير بوتين العلاقات الثنائية بين الجانبين وقضايا اقليمية ودولية وبخاصة الأحداث الدراماتيكية في سوريا وتداعياتها الحالية والمستقبلية. وكشفت الهيئة الكوردية السورية عشية زيارة الرئيس بارزاني الى روسيا ان

الواقع السوري سيكون أحد محاور مناقشات بارزني مع القادة الروس، وانه سينقل مطالب كورد سوريا إلى موسكو،  مؤكدة أنه يبذل جهودا لدعم حقوق الشعب الكردي وإحلال السلام ووقف العنف في سوريا،  وقال عضو الهيئة سعود الملا إن "رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني سيبحث مع المسؤولين الروس ملف القضية الكردية في سوريا"،  مبينا أن "وفدا من الهيئة الكردية السورية اجتمعت الأسبوع الماضي مع بارزاني بهدف نقل مطالبها إلى موسكو". وأضاف الملا إن "بارزاني يحرص على الحقوق الكردية ووحدة الصف الكردي في سوريا فضلا عن جهوده في إحلال السلام ووقف العنف"،  مؤكدا أن "إقليم كردستان يؤدي دورا مهماً لمساندة الشعب السوري".

 

آفاق جديدة للتعاون بين روسيا وأقليم كوردستان :

ثمة آفاق رحبة للتعاون الروسي – الكوردي في مجال أستكشاف وأستخراج النفط والغاز والمصادر المعدنية الأخرى. اما في المجال الصناعي والتجاري.- حسب الخبراء الروس -فأن البيئة الأستثمارية في الأقليم جيدة ومغرية وتأمل الشركات الروسية في الحصول علي عقود لبناء محطات توليد الطاقة الكهربائية الهيدروليكية والحرارية وانشاء السكك الحديد ومصانع للتعدين وانتاج السمنت وغيرها من الصناعات التي تمس الحاجة اليها في الأقليم.

كما ان ثمة مجالات رحبة للتعاون في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي والتنقيب عن الآثار والثقافة والفنون والرياضة.

ويتوقع ان تشهد الأسابيع والأشهر القليلة القادمة حضوراُ متميزا للمستثمرين ورجال الأعمال الروس في الأقليم وتبادلا ثقافيا مع روسيا تشمل تخصيص مقاعد دراسية للطلبة الكورد للدراسة في الجامعات الروسية والقيام بالزيارات العلمية لأساتذة الجامعات والتعرف على النظام التربوي والتعليمي الروسي وعقد الندوات وتقديم العروض الموسيقية والفنية وتنشيط السياحة بين الجانبين. والبدء برحلات الطيران المباشرة بين موسكو وأربيل.

 

جودت هوشيار

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2368 الخميس 28 / 02 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2368 المصادف: 2013-02-28 16:13:33


Share on Myspace