ملف - العراق بعد 10 سنوات

بعد عشر سنوات .. السيادة الوطنية وقدرة البلد على التصدي للتحديات الخارجية

mustafa aladhamتعرف السيادة على أنها مبدأ القوة المطلقة غير المقيدة. من هنا فأن السيادة الوطنية ترتبط بالسيادة الخارجية لأي بلد وبوضع الدولة في النظام الدولي ومدى قدرتها على التصرف ككيان مستقل.

لا شك أن مفهوم السيادة الوطنية قد تغير بين الأمس واليوم.. خصوصا في عصر <القطب الواحد> - عصر القرية الواحدة - بفضل تقدم وسائل الإعلام والإتصال والتواصل. لكن هامش الحرية في استقلالية صنع القرار (يفترض أن يكون مبدأ) بما يوافق المصالح الوطنية يكاد يكون الوحيد مما تبقى من "مسطرة" قياس السيادة الوطنية.

سابقا كان مفهوم السيادة الوطنية خشبيا - أما أن يكسر (بفتح الباء) أو يكسر (بنصب الباء)، اليوم أضحى أكثر "مطاطية" أو بالأحرى مرونة يمتص "الصدمات" كما هو الحال مع الإسفنجة.. فالعديد من دول العالم المتقدم والمتخلف تتواجد فيها قواعد عسكرية أجنبية وسجون أجنبية - استخبارية سرية.. ناهيك عن التنسيق وان شئت التبعية في اتخاذ القرار السياسي لبعض هذه الدول وربطه بصانع القرار الحقيقي - القطب الواحد - وبحسب رأي رئيس مجلس وزراء قطر وزير خارجيتها، حمد جاسم جبر بـ "المعزب"، ( في مقابلة قديمة له مع أحمد منصور على الجزيرة).

 

ما يهمنا في هذه القراءة هو الشأن العراقي.

بعد العام 2003 "شرعنت" الولايات المتحدة وجودها في العراق بعد الإطاحة بنظام الطاغية صدام حسين بأحتلال البلد رسميا - وكان أغبى خطأ استراتيجي يمكن أن يرتكبه مدعي تحرير. وبلا شك فأن الإحتلال يعد النقيض لكل ما يمت بصلة إلى مفهوم السيادة الوطنية.

اليوم، السيادة الوطنية على الورق محفوظة.. لكن على أرض الواقع، أقل ما يقال فيها للأسف أنها مخدوشة. ولهذا أسبابه الموروثة والمستحدثة.. الداخلية والخارجية.

 

الأسباب المورثة:

من جملة الأسباب الموروثة المنتهكة للسيادة الوطنية  والتي ورثها العراق الجديد من حكم البعث الفاشي:

ـ بقاء العراق تحت طائل البند السابع  لميثاق الأمم المتحدة - وهو ما يعني بأختصار امكانية استخدام القوة العسكرية لإجبار العراق على تنفيذ شروط المجتمع الدولي. (1).

وهذا يعد بلا أدنى شك مصدر تهديد دائم يتربص بالسيادة الوطنية العراقية.. حيث يمكن استخدامه من قبل القوى الدولية لا سيما الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها في حال ما وصلت لقناعة أن العراق - أو بالأحرى مصالحه الوطنية لا تتوافق مع مصالحها.

ـ وجود قواعد عسكرية تركية في اقليم كوردستان العراق.. وهذا انتهاك للسيادة الوطنية العراقية وانتهاك لسيادة الإقليم التي هي جزء من السيادة الوطنية وتقع في نطاقها.

ـ وجود قوات عسكرية وشبه عسكرية معارضة لدول الجوار كانت تعمل بالتنسيق مع نظام الطاغية صدام حسين واخرى دونما تنسيق معه.. ما "أعطى" الذرية لتلك الدول لإستخدام القوة العسكرية المحدودة منتهكة السيادة الوطنية العراقية؛ سيادته على أرضه واجوائه.. ناهيك عن الخسائر البشرية والأضرار المادية التي تكبدها بسبب ذلك.

ـ مديونية خرافية بكل المقاييس لأغلب دول الإقليم والعالم.. أشبه بحالة فرهود للأموال العراقية.

 

الأسباب المستحدثة:

من جملة الأسباب المستحدثة المؤدية بشكل ما إلى خدش السيادة الوطنية

ـ وقوع البلد تحت الإحتلال المباشر والصريح.

ـ تأسيس صندوق حماية الأموال العراقية - صادرات النفط - من فرهدة توابع البند السابع. ويقع هذا الصندوق تحت الحماية المباشرة لسيد البيت الأبيض في واشنطن.. لكم أن تتصورا الباقي..!

ـ عدم سيطرة السلطة على كامل التراب الوطني.. بدليل وجود مجموعات ارهابية تعمل وتنشط في غرب وشمال غرب العراق وهو ما نبه اليه وزير الداخلي الأسبق، باقر صولاغ جبر الزبيدي، في أكثر من مقابلة تلفزيونية.

ـ اختراق أجهزة المخابرات لأغلب او ربما كل دول الجوار الإقليمي ناهيك عن القوى الدولية للجبهة الداخلية العراقية والعمل فيها بشكل أقرب إلى العلني.

ـ استضافة دول الجوار ورعايتهم لأعداء العلمية الديمقراطية السياسية في العراق الجديد - ما يشكل مصدر تهديد مستمر وورقة ابتزاز للمساومة على ما قد يتعارض مع المصالح الوطنية العراقية ما يعني انتهاكا لسيادته.

ـ بيانات جامعة الدول العربية ورابطة المؤتمر الإسلامي أغلبها يخدش حياء السيادة الوطنية العراقية لأنها تعد تدخلا في الشأن الداخلي العراقي من قبل أنظمة أغلبها دكتاتورية فيما نظام العراق الجديد لا يمكن مقارنته بها. مع ذلك تغض الطرف عما يجري في مصر ولا تتجرأ على النبس ببنت شفة وتسطر النصائح والتهديدات المبطنة للعراق.

 

عسكريا:

ـ عدم وجود سلاح جوي يحمي سيادة البلد على سمائه واجوائه من الإختراق والعداون.

ـ عدم وجود سلاح دفاع جوي يحمي البلد من خطر الخرق والعدوان الجوي.

ـ عدم وجود شبكة رادار حديثة ومتطورة تكشف لأهل العراق ما يجري في سماء العراق.

ـ عدم وجود سلاح بحري متطور يستطيع أن يحمي عمليا المياه الإقليمية العراقية تجاه أي خطر يهدد مصالحه - لا سيما صادراته من النفط ووارداته.

ـ ضعف مؤسف لأجهزة الإستخبارات في سبقاها مع الزمن والعدو للحصول على المعلومة أولا كي ننتقل من عملية رد الفعل على الفعل الإرهابي إلى عملية الفعل على نية أو خطة الإرهابي قبل دخولها حيز التنفيذ.

 

داخليا:

ـ من أهم الأسباب الداخلية التي تؤدي إلى خدش السيادة الوطنية العراقية هو الإستقواء بالخارج - الأجنبي. هذه العملية أصبحت تمارس بشكل علني وصريح من قبل بعض الكيانات والكتل والأحزاب والشخصيات السياسية في عراق اليوم. فتكتب وتراسل وتناشد المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن وجامعة الدول العربية ورابطة المؤتمر الإسلامي والإتحاد الأوروبي وبرلمانه والولايات المتحدة والمملكة المتحدة للتدخل المباشر في الشأن الداخلي العراقي لمصلحة فريق ضد أخر.. متكئين على سابق احتلال للولايات المتحدة والمملكة المتحدة للعراق وتواجد أموال العراق تحت حماية رئيس الأولى.. ناهيك عن المطالبة بتفعيل أحكام البند السابع ضد العراق؟.

ـ المقالة - أو رسالة العار التي كتبها ثلاثي القائمة "العراقية" برئاسة د. علاوي إلى الرئيس باراك اوباما ودعوته للتدخل المباشر في العراق بعد ادعاء سابق من قيادات العراقية بالمقاومة للأحتلال!. مثال. وفي مثال اخر؛ وها هو الهارب طارق الهاشمي يطالب بـ "تعريب الخلاف السياسي الداخلي العراقي ومن ثم تدويله". (2).

 

خارجيا:

ـ بقاء عادة وصول المسؤولين الإميركان إلى العراق بشكل مفاجأ رغم انسحاب قواتهم من العراق. وهذا مؤشر على أنتهاكهم للسيادة الوطنية وعلى عدم ايمانهم بتحسن الوضع الأمني وهذا المؤشر له دلالاته خارجيا، حيث تتعامل معه دول الاقليم والعالم بجدية أكثر من أدعاء العراق بتحسن الموضع الأمني.

رغم كل من سبق من جملة الأسباب الموروثة والمستحدثة والمتشابكة مع الشقين الداخلي والخارجي - الخادشة لمفهوم السيادة الوطنية حتى في نسخته المعولمة "الإسفنجية" - فأن العراق اليوم يحاول أن ينبي لنفسه موقعا مختلفا، وسياسية مختلفة عن السابق، والسائد من اصطفاف المحاور في الإقليم.. والحقائق المشار اليها في هذه القراءة ليست محاولة لبث اليأس بقدر ما هي محاولة لتوصيف الواقع كي يتم العمل على علاجه بالشكل الصحيح فالقفز على الحقائق المؤلمة أو تجاهلها لا يعني انتفائها.

 

النتيجة:

ومن كل ما سبق نصل إلى نتيجة مفادها أن مفهوم السيادة الوطنية في عراق اليوم يخدش بشكل يومي من قبل دول الجوار الإقليمية والعربية ناهيك عن القوى الكبرى.. واسباب ذلك موروثة من الحقبة الصدامية - البعثية الفاشية، ومن مخلفات حقبة الإحتلال المشرعن، يضاف لها الإستجداء الداخلي من قبل بعض القوى السياسية لدور خارجية اقليمي، عربية، دولي أو أممي لصالحها ضد خصمها.. ناهيك عن الضعف في تسليح وتجهيز وبناء جيش عراقي عصري قوي ومحترف.. كلها عوامل تزيد من ثقل اعباء التصدي لأي عداون خارجي لا سامح الله.

فبلد بلا سيطرة كاملة سمائه واجوائه، ولا سيطرة مطلقة على مياهه الإقليمية، ولا بسط سيطرة على كامل التراب الوطني، مع حدود طويلة عريضة يدخل ويخرج منها المال والسلاح والبشر، مع تواجد مناطق نفوذ للتنظيمات الإرهابية وقواعد عسكرية أجنبية ونشاط لأحزاب أجنبية.. ولا سلاح جو ولا سلاح دفاع جوي ولا منظومة صاروخية دفاعية أو هجومية بعيدة ومتوسطة المدى ولا شبكة رادارات، يعني أن البلد لا يمكنه بصراحة وأسف أن يدافع عن نفسه بنفسه في حال وقوعه تحت عدوان خارجي.. ما يضطره للأستعانة بـ "صديق".. ولك صديق مصالحه وشروطه التي قد لا تتوافق مع مصالح العراق الوطنية.

 

 الحل:

أول خطوة للخروج من هذه "الدوامة" - تتمثل بالتحرر من زنزانة البند السابع.. تليها حرية التصرف العراقي بالأموال العراقية. بالتوازي مع الشق الخارجي، يتم العمل داخليا على بناء جهاز استخبارات محترف ينقل العمل الأمني من صيغة رد الفعل إلى الفعل الإستباقي.. اضافة إلى بناء منظومة رادار، وسلاح جو، وسلاح دفاع جوي للدفاع عن السيادة الوطنية العراقية والمصالح العراقية تجاه أي أخطر أو عداون خارجي لا يمكن لأحد الجزم بعدم وقعه.. فالعراق بموقعه الجغرافي الإستراتيجي، وثرواته؛ يقع في نطاق اقليمي أقل ما يقل عنه أنه غير صديق بل عدواني لتضارب مصالحه، ومكانته، ودوره الإقليمي مع مكانة، ومصالح، ودور العراق في المنطقة - الدور المفترض أن يلعبه العراق. ناهيك عن حقيقة أن المنطقة ملتهبة وتقف عل كف عفريت.. كلها عوامل تزيد من وزن ثقل التحديات الخارجية التي يتوجب على العراق أن يواجهها ويستعد لأسوأ سيناريوهاتها، كي يتجنب أكبر الخسائر.

 

مصطفى الأدهــــم

13.04.2013

 

......................

المصادر:

(1): http://www.un.org/ar/documents/charter/chapter7.shtml

(2): http://aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12551&article=723918&search=%D8%C7%D1%DE%20%C7%E1%E5%C7%D4%E3%ED&state=true#.UWlfGrWpreQ

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا اخي مصطفى على طرح الموضوع الهام، وأذكرك بنقطة نسيتها، هي "السفارة"!

صائب خليل
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي صائب، تحية طيبة وشكرا على تعليقك والالتفاتة المهمة
"السفارة كانت في العمارة" يا صائب .. بمعنى أنها كانت ضمن جملة الأسباب في المسودة
لكنها سقطت من "العمارة" مع التنقيح للأسف.. وهنا، نضيفها بالتوافق.. ههه
تحياتي

الأدهم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2413 المصادف: 2013-04-14 13:13:11


Share on Myspace