المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

خالد جواد شبيل: من وحي الأكروبول (1-2)

khalidjawad shbaylعندما أكمل طه حسين (1989-1973) دراسته في فرنسا، قفل راجعاً الى مصر مُرّحبَّاً به في الوسط الجامعي والأدبي في القاهرة بعد أن نال الدكتوراه العالمية من أعلى المنابر الأكاديمية الفرنسية، وسرعان ما رُسِّم أستاذاً في كلية الآداب من الجامعة المصرية التي كانت يومئذ أهلية. وهكذا تحمّس الدكتور الشاب الذي عاد مرتدياً الملابس الإفرنجية وخلع زي الأزهر التقليدي دون رجعة، ولا بد أن الأمر يتعدى الجانب الهندامي لرائد التغريب، فقد أراد أن يُفيد من المنهج العلمي الحديث الذي سيكون بديلاً عمّا عاناه من مناهج الأزهر التقليدية الثقيلة المحافظة! بل سيكشف عن ثورة تعتمل في داخله سيفجرها في بحثه الموسوم " في الشعر الجاهلي"!

ويذكر الدكتور في "أيامه" أنه كُلِّف عام 1919 بتدريس التاريخ اليوناني والروماني وابتدأ بالإغريقي تاريخاً وآداباً، ووضع مفردات المنهج، وحيث أن لموقع اليونان وجغرافيته القِدْحُ المُعلَّى في تكوين أساطير هذه البلاد وثقافتها وفلسفتها، فلا بدّ من شرح جغرافية اليونان على خريطة تبين تضاريسها وحدودها وجزرها وموقع جبل الأولمب الأعلى طرّاً فيها ومدن أثينا وتوأمها اللدود سبارطة .....الخ.

 ومن يلقِ نظرة على خريطة اليونان وهي نفسها خريطة الإغريق التي لم تتغير جوهرياً سيدركْ مدى صعوبة المهمة فهي بلاد التعرجات  الساحلية المحفوفة بجزر صغَر منها ما صغر وكبَر منها ما كبر متناثرة في بحر إيجة والتي تشكل حضوراً في الأساطير والمعارك والأدب الملحمي والفلسفي الذي وصل منه إلينا ماوصل وشكّل عنصراً من عناصر فلسفتنا العربية الإسلامية وثقافتنا وطبّنا التقليدي وحتى في قراءة الأبراج والطوالع التي تزدهر في أيامنا هذه وتقدمها وجوه ناعمة في كثير من الفضائيات!!

كان الدكتور طه حسين قلق الوساد من شرح جغرافية هذه  البلاد، حتى بادر "الصوت العذب" سوزان حسين في عمل مجسم من ورق المقوى رسمت عليه الخارطة المعقدة بكل تلافيفها وتضاريسها وجزرها .. وأخذت بيد زوجها الكفيف المرتعشة توجساً وراحت الأيدي تجوس الحدود والتضاريس والجُزر.. هذا هو جبل الأولمب وهذه أثينا وهذه اسبرطة وهذه كريتا وهذه قبرص... فانتقلت اليونان جغرافية وتاريخاً الى ذهنه الوقاد وترسّخت فيه وألقى الدرس على زوجته وأعاد حتى اطمأنت نفسها قبل نفسه أنه أصبح مكيناً في إلقاء الدرس.. والقى الأستاذ على طلبة جغرافية اليونان فأبدع أيما إبداع وأدهش مستمعية وكان راضياً عن نفسه كل الرضا..

لقد أوحت هذه الدروس لطه حسين الى تأليف كتابين هامين عن اليونان ألا وهما " من أدب التمثيل اليوناني" و "نظام الأثينيين"، وبذلك كان الرائد في ما كتب عن أدب اليونان، لاعتقاده: أنْ لا يمكن للمرء أن يكون مثقفاً ما لم يُلمَّ بأدب وفلسفة وحضارة وتاريخ وميثولوجيا بلاد الإغريق! ولأجل هذا شجّع تلميذه النجيب " دُريني خشبة" ( 1903-1965) أن يترجم الميثلوجيا اليونانية متمثلة في ملحمتي الشاعر هوميروس "الإلياذة" و"الأوديسة" كأحسن ما تكون الترجمة وهناك من بالغ واعتبرها قد فاقت النصوص الأصلية! 

***

أول مرة وطأت فيها قدماي أرض بلد أجنبي هي بلاد اليونان وما زلت أذكر التاريخ 3ت1/أوكتوبر1970، يومها كان مطار أثينا صغيراً جداً والمدرجات  مداها بين البحر والجبل ضيّق أيما ضِيق؛ لقد تغيرت هذه البلاد المشكوك في أوربيتها من ناحية التاريخ والثقافة خلاف الجغرافية التي ظلت دهوراً مقسومة بين الأناضول وعاصمته الساحلية طروادة واسبرطة الأوربية! وكم من معاركَ خلّدتها الملاحم اليونانية واقعاً بسبب التنافس بين الدويلات والأقاليم من أجل السيطرة على الممرات المائية والطرق التجارية؛ وأسطورياً كما في الألياذة التي تحكي أحداث حرب طروادة – اسبرطة، حين تم اختطاف الأميرة هيلين الجميلة زوجة منيلاوس ملك اسبرطة من قبل ابن ملك طروادة الأمير باريس؛ وقد قاد أغاممنون أخو منيلاوس حرباً شعواء لاسترجاع الاميرة، واستمرت الحرب عواناً أربعة وخمسين يوماً تتوزع على اربعة وعشرين فصلا...في قسمها الأول الذي احتوته الألياذة و تعني حرفياً "حرب اليوم"..والتي انتهت بمصرع قائد طروادة هيكتور على يد البطل المقاتل الاسبارطي إيخيل..

لتبدأ "الاوديسة"؛ وبطلها المحوري المقاتل البطل عوليس صاحب فكرة حصان طروادة، الذي جهّز جيشا من المقاتلين وعبر البحر وترك زوجته بانتطاره لعشر سنين لاقى فيها من الويلات بسبب غضب إله البحر بوسيدون وتخاذل القوة البحرية فتفرق الشمل ورجع المقاتلون ووجد عوليس زوجته المخلصة بانتظاره وقد رفضت الزواج من عديد من الأبطال الأشداء فيرجعُ زوجها لها وينتقم من كل مضطهديها!...

****

لم يعد مطار أثينا ذلك المطار الضيق، بل هو واسع كبير حديث مرتبط بشبكة مترو متطورة ذات قُطٌر حديثة توصلك الى مركز أثينا بأربعين دقيقة! وربطت المدينةَ وضواحيها شبكةُ مواصلات بالحافلات والترام إضافة لشبكة تحت الأرض، وقد توسعت أثينا وتجد حركة البناء جارية على قدم وساق بما في ذلك حصن الأكروبول.. بيد أن أثينا لم تواكب هذا التوسع بالنسبة للخدمات خصوصاً من ناحية النظافة وتنظيم المرور، وبدت مزدحمة بالناس من أهل البلاد ومن الوافدين اليها لاسيّما اللاجئون الذين تقطّعت بهم السبُل في هذه المدينة التاريخية المهيبة؛ إذ يشكل السوريون والعراقيون نسبة عالية - عرباً وكرداً- وافغانُ وهنودٌ وأفارقة.. وبذلك تجد محلات بيع المواد الغذائية والمطاعم عربية، عراقية وسورية ومصرية، وستجد مطعم النارالازلية باباكَركَر يوفّر وجبات عراقية جيدة ...

وبانضمام اليونان للوحدة الأوربية ذهبت عملتها الوطنية التي بقيت متداولة دهراً وأعني بها "الدراهما" والتي منها جاءت تسمية الدرهم (وكذلك ديناريوس)، لتحل محلها الأورو قسيمة معظم دول الوحدة الأوربية. ولم يحلّ انتماؤها هذا أزماتها الاقتصادية ومديونيتها للغرب، كم بقي مؤشر البطالة مرتفعاً؛ ولوجود الأجانب بشتى الصفات ثقل إضافي يرهق كاهل الاقتصاد، حيث يزاحم اللاجئون اليدَ العاملة اليونانية، حتى أصبح الماشي في الشوارع والأسواق يسمع مختلف اللغات، كما أن ارتفاع الاسعار والتضخم أصبحت سمات ملازمة للاقتصاد اليوناني؛ على أن السياحة مازالت تجذب الأجانب من الغربيين مما يخفف من وطأة الأزمة الاقتصادية فقد نمت في السنتين الأخيرتين على حساب السياحة التركية والمصرية! حتى أصبح من الصعب الحصول على فندق مالم يكون الحجز مسبّقا!

 1084-jawad

متحف الأكروبول

لقد بدأت الحداثة تزحف على الأصالة وبدأت الوجبات السريعة تنتشر لتنافس الأطباق اليونانية، وأكثر من هذا ظهرفي المعالم المعمارية الحديثة التي لم تستوح المدرسة الاغريقية ذات الأعمدة والمحمولات الهندسية التي عبّرت عنها الأوابد الأغريقة كما في الأكروبول، حتى أن متحف الأكربول الذي صممه المعماري السويسري رائد الاتجاه التفكيكي برنار جومي (1944-) ودُشن عام 2009 لم يكن امتداداً للتقليد المعماري الاغريقي ولم يكن حتى مستوحىً منه بل متعارض معه كل التعارض وقد لاقى اعتراضا كبيراً من قبل المعماريين اليونانيين حتى أن حملة معارضة واسعة قادها عالم الرياضيات اليوناني نيكوس سالينغاروس زاعماً أنها إساءة للتراث اليوناني! وفضلوا عليه ذالك المتحف الصغير القديم القابع في الزاوية الجنوبية الشرقية من الأكروبولس والذي الغي عام 2007..

احتوى هذا المتحف على مجموعة هائلة من التماثيل الحجرية والبرونزية التي عُثر عليها في الأكروبول وخاصة في معبد برثينون، وكذلك من خلال الحفريات على سفوح الجبل.. وما زالت الحكومة اليونانية تطالب بإلحاح باسترجاع مكنوناتها ومجسماتها التي استودعت في المتحف البريطاني وكذلك في اللوفر ..

 

للموضوع صلة

رام كم هنغ 6/ت1/ 20016

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3685 المصادف: 2016-10-07 14:53:17