 أقلام حرة

دعونا نصحح أفكار المجتمع (1)

وعد عباسرُبَّما لم يسبق لي ولك أيُّها القارئُ العزيزُ أن وجدنا كُلَّ هذا الوقت الشاغر في حياتنا المليئة بالمشاغل التي لا تنتهي، والتي لا يَكفُّ عنَّا روتينُها القاتل . وبالنسبة لي فقد اتخذتُ جُزءً من هذا الفراغ لمتابعة ما يتداولُه الناس في منصَّات التَّواصل الاجتماعي من أمور ٍ يرونها أسباباً دفعت بـ "كورونا" لتطوير نفسه، والتفشي في صفوف البشر، وتشكيله خطراً على حياتهم .

وبالطبع فإنَّ كُلَّ إنسان يرى الحياة وفق بنائه المعرفي بما يحتويه ذلك البناءُ من عقيدة دينية وأعراف اجتماعية وخبرات شخصية سابقة ....

ففي ظل هذه الأزمة لم يلزم العراقيون بيوتهم ليتركوا علماء البيولوجيا والكيمياء والأوبئة ينشرون أسباباً ليست صحيحة (حسب زعمهم طبعا!!) بل شاركوهم البحثَ، فأبدوا تمسُّكاً بالعقيدة الدينية، وأرجعوا كلَّ ما يحدث الآن إلى كثرة الذنوب، والمعاصي، وقلة التراحم، وإنَّ الله تعالى عاقبَ الناسَ بجرمهم، ويستدلون على ذلك في أنه أغلق مساجده ومراقدَ عباده الصالحين في وجوهنا، أي أنه لم يعد يريد عبادتنا وتقربنا لأنه اكتشف زيفها، ونفاقنا، وما هذا إلا جزاءُ ما ارتكبنا من معاصي، وإن في ذلك محاولةٌ منه لتنبيهنا علَّنا نعود إليه، فنستغفره ونتوب عما سبق، وأنه لا حلَّ إلا بالتوبة .

هذه النظرة إلى الفيروس هي ما نستطيع أن نطلق عليه بـ "الرؤية العوراء" لأنها تنظر إلى جانب، وتغفل أو تتغافل عن الجانب الآخر، وإذا ما أردنا تصحيحها فلا بد لنا أن ننبههم إلى الطرف الآخر من الحقيقة ذاتها، فليست المساجدُ والمراقدُ وحدها من أغلقت، بل الملاهي والبارات والمقاهي وصالات القمار، فإذا كان غلقُ المساجد نقمة حسب رأيكم، فإنَّ غلقَ الملاهي رحمة .

وتجدر الإشارة إلى أنَّ تفكير هؤلاء الناس بهذه الطريقة يمكن أن نعده نَكوصاً *فهم نكصوا* خلال هذه الأزمة ليستعملوا مرحلة متأخرة جدا من التفكير، أطلق عليها عالم الاجتماع الفرنسي "ليفي برول" مرحلة ما قبل المنطق، تلك المرحلة الشائعة في المجتمعات البدائية التي تمتاز بنفورها الشديد من العمليات العقلية الاستدلالية، فالرجل البدائي لا يُصَدِّق في الغالب إلا ما يراه ويلمسه، وأفكاره لا تتجاوز حواسه، وهو لا يعترف أيضاً بقوانين المنطق مثل: (قانون الذاتية): لكلِّ شيء خصائص ومميزات ثابتة تبقى ثابتة أثناء التغير، فالإنسان يبقى إنساناً سواء كان صغيراً أو كبيراً مريضاً أو سليماً، و(قانون التناقض)، ويعني “النقيضان لا يجتمعان”، فلا يمكن أن يكون الإنسان في آنٍ واحد عاقلاً ومجنوناً، و(قانون السببية)، وهو ردّ الحوادث إلى أسبابها الطبيعية، كأن نرد سبب غليان الماء أو تبخره إلى وجود درجة معينة من الحرارة.

وقد استقى الناسُ هذه الأفكار، أو تأثروا بهذه الطريقة أو المرحلة من التفكير من المتشددين دينياً، الذين يحشرون أنوفهم في كل العلوم، ويطرحون تفسيراتهم الغيبية لكل الظواهر المناخية والبيولوجية والفلكية والفيزيائية والاقتصادية ...

ختاماً، لا بأس أن تنظروا في أخطائكم بحقِّ دينكم وربكم، وبحق أنفسكم وبحق بعضكم، لكن لا تجعلوها الأساس في تفسير الظواهر، فيمنعكم ذلك عن اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة لحماية أنفسكم ومجتمعكم .

هذه هي الفكرة التي أردتُ تسليط الضوء عليها في هذا الجزء، على أني سأتواصل معكم في أجزاء أخرى من الموضوع نفسه، ولكن، لتصحيح فكرة مختلفة .

 

وعد عباس

........................

* نَكَصوا: فعل ماضي مأخوذ من لفظ "نكوص" ويعني الرجوع إلى مرحلة سابقة، وهو مصطلح في علم التحليل النفسي، يلجأ فيه الفرد إلى الرجوع أو النكوص أو التقهقر إلى مرحلة سابقة من مراحل العمر وممارسة السلوك الذي كان يمارسه في تلك المرحلة لأن هذا السلوك كان يحقق له النجاح في تلك المرحلة العمرية، حيث كان بمثابة سلوك مريح وممتع يشعره بالأمان في تلك الفترة .

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4955 المصادف: 2020-03-30 03:51:15