 أقلام حرة

دعونا نصحح أفكار المجتمع (2)

وعد عباسانطلاقاً من الأمور التي يراها المجتمع السبب الرئيسي في ظهور جائحة كورونا المتمثلة بارتكاب المعاصي وكثرة الذنوب وعدم الإنابة والتوبة، حَدَّدَ المجتمع نفسه الحكمة من انتشار الوباء فقال: أن الله تعالى أراد أن يعيدنا إليه، بل يذهبُ عددٌ كبيرٌ من الأفراد إلى التنبؤ بأخلاقيات المجتمع بُعيدَ نهاية الأزمة، وهذا ما أريد تناوله في هذا المقال :

من خلال متابعتي المستمرة لمنصات التواصل الاجتماعي التي تعتبر الوسيلة الأهم لفهم تصورات الأفراد لمختلف الظواهر الطبيعية والبشرية، وجدتُ أنهم يتوقعون بأنَّ أخلاقَ المجتمع ستتغير نحو الأفضل، إذ سيتناقص عدد الربويين ومستغلي الناس، ونسبة العهر، وتُجَّارُ البغاء، ونسبة الكذب والدجل والنفاق، وفي المقابل تزداد نِسَبُ التراحم والتكاتف والحب، فضلا عن اعتقادهم بأنَّ هذه الأزمة كشفت معدن كل إنسان كان متخفياً خلف قناع جميل أيام الرخاء .

هذه التصورات التي يضعها المجتمع لمستقبل أخلاقه ليست سوى أوهام ٍ نفسية، يتحقق من خلالها خفض حالات الخوف والقلق والتوتر، فهو قد أقنع نفسه بأن الذنوب هي السبب وراء الوباء، ثم عالجها بأن أخلصَ في صلاته واستغفاره وعلاقته مع ربه ومع الآخرين على أنه سوف يستمر بها، وهذا يشعره بشيء كبير من الارتياح النفسي، كونه يشعر بأنَّ الله سيرضى عنه، وهذا أمر سيحدُّ بالتأكيد من انتشار الفيروس ... وهو أمر لا بأس به ما دام يُخَفِّضُ من حالة الهلع التي لها آثار خطيرة ربما تتعدى في خطورتها الفيروس نفسه، على ألَّأ تجعله يغفل الأسباب الواقعية والإجراءات الوقائية .

لكنَّ التفكير العلمي القائم على أسس علمي النفس والاجتماع يخبراننا بعكس ذلك تماماً، فالمجتمع لن تتغير أخلاقه إلى الأفضل بشكل مطلق، بل ربما إلى الأسوأ، وذلك يرجعُ إلى أسباب عديدة، أهمها أن المنافق وغيره لا يشعر أنه مذنبٌ في أفعاله كي يتوب ويتركها، بل يرى نفسه في المسار الصحيح، ويرى غيره في المسار الخاطئ، ولذلك تراه ينشر في حسابه الشخصي نصائح وآيات قرآنية متقمصاً دور "الداعية" إلى التوبة، وهذا هو فعل اثنين من "الدفاعات النفسية اللا شعورية " وهما :: التبرير إذ يقنع الفرد نفسه بجلب أسباب منطقية لأعماله غير المنطقية محاولة منه لتحقيق الاستقرار النفسي . والإسقاط الذي يستعمله الفرد لا شعوريا فيرحِّلُ أخطاءه ومكبوتاته إلى الآخرين، فالمنافق يُكثِر من اتهام الآخرين بالنفاق، والكذَّاب يكثر من اتهام الآخرين بالكذب ... وهكذا.

وإن افترضنا جدلاً بأنه سيعود إلى نفسه فيحاسبها ويكتشف أخطاءها، فإنه لن يكون إلا شبيهاً بذلك الرجل الذي دخل مقبرة النجف، ففزع لما رآه من أجساد تحت التراب، وتيقنَّ بأنه سيلحقهم عاجلاً أو آجلاً، فقرر أن يتوب إلى ربه فيكفُّ عن إيذاء الناس بسرقاته، فلما خرج من المقبرة تناقص التأثير ونسيَ والمشهد وعادَ إلى سيرته الأولى . الذي أريد قوله إن علاج الشخصية لا يتم بالأزمات ولا النصائح، بل بخطة علاجية يحتاج تطبيقها إلى الإرادة والصبر .

فضلاً عن أنَّ الأزمات بشكل عام تؤثر سلباً على الجهاز النفسي للإنسان، ومن ثم على أخلاقه وسلوكياته، فلا تنتهي أي أزمة إلا بعد أن تترك آثاراً سلبية لا تحصى، ولي أن أذكركم بما تركته أزمتا القاعدة وداعش، وغيرهما من الأزمات التي تسبب بها فيروس من الإنس أو من الفيروسات نفسها .

لكنَّ تصور المجتمع بخصوص أن الأزمة تكشف المعدن الحقيقي لكل إنسان هو تصور صحيح تماماً، ويكفي أن نؤكده بعودة المعدن الأصيل للشعب العراقي المتمثل بالتكاتف بين أفراده، وظهور حملات مساعدة الفقراء حتى في القرى الصغيرة، والتي أخذت سابقا شكلَ الدعم اللوجستي للقوات الأمنية، ومساعدة عوائل الشهداء .

 

وعد عباس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4959 المصادف: 2020-04-03 02:17:37